مقدمة المجلد الثاني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى أكملهم وأفضلهم محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد، فقد كلفنا المرجع المرحوم المبرور آية الله العظمى السيد الگلپايگانى قدس الله نفسه الزكية بصياغة تعليقاته على كتاب (وسيلة النجاة) وإدماجها في المتن لتسهيل الاستفادة منها. وقد اختار لهذا الكتاب اسم (هداية العباد) وقد توفقنا لاكمال المجلد الاول وإصداره في حياته قدس سره. وأكملنا عمل المجلد الثاني وراجعنا المؤلف في عدد من مسائله المشكلة وأردنا إصداره، لكن عاجلنا حضور أجله تغمده الله برحمته الواسعة. ونظرا لسعة هذه الرسالة وغناها بالفروع الفقهية، استجبنا لرغبة عدد من الفضلاء بنشر المجلد الثاني، وكذا بالعمل في إعداد المجلد الرابع من كتاب (مجمع المسائل). ولابد هنا أن نسجل شكرنا لولده الخلف الصالح حجة الاسلام والمسلمين السيد جواد الگلپايگاني الذي تكفل بنشر آثار المرحوم والده، وحفظ ومؤسساته الثقافية والخيرية. وللعلماء الفضلاء أعضاء هيئة الاستفتاء الشيخ علي النيري الهمداني والشيخ علي الثابتي الهمداني والشيخ محمود الرزايني والشيخ علي الشاكري الگلپايگاني، على ما بذلوا من أوقاتهم في تدقيق هذه المجلد وجلسات المباحثة في مسائله. نسأله تعالى أن ينفع بآثار هذا المرجع الجليل بعد وفاته كما نفع بها في حياته، وأن يتغمده بواسع رحمته ويحشره مع أجداده وأئمته الطاهرين صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين. عن هيئة الاستفتاء علي الكوراني العاملي
[ 3 ]
كتاب الجعالة (مسألة 1) الجعالة هي جعل عوض على عمل محلل مقصود، ويقال للملتزم " الجاعل " ولمن يعمل ذلك العمل " العامل "، وللمعوض " الجعل " و " الجعلية ". وتحتاج إلى الايجاب، بكل لفظ أفاد ذلك الالتزام، وهو إما عام كما إذا قال: من خاط ثوبي أو بنى حائطي مثلا فله كذا، وإما خاص كما إذا قال لشخص: إن رددت سيارتي مثلا فلك كذا. ولا تحتاج إلى القبول القولي، وأما استغناؤها عن القبول العملي فمحل إشكال. (مسألة 2) الفرق بين الاجارة على العمل والجعالة أن المستأجر يملك العمل على الاجير وهو يملك الاجرة على المستأجر بنفس العقد، أما الجعالة فليس أثرها إلا استحقاق العامل الجعل المقرر بعد العمل، وثمة فروق أخرى بينهما تعرف من مسائلهما. (مسألة 3) إنما تصح الجعالة على العمل المحلل المقصود في نظر العقلا، كالاجارة، فلا تصح على المحرم، ولا على ما يكون لغوا عندهم، ويكون بذل المال بإزائه سفها، كالذهاب إلى الامكنة المخوفة، وصعود الجبال الشاهقة، والابنية المرتفعة، والوثبة من موضع إلى آخر، ونحو ذلك مما ليس فيه غرض عقلائي. (مسألة 4) كما لا تصح الاجارة على الواجبات العينية والكفائية، لا تصح الجعالة عليها، بالتفصيل الذي مر في الاجارة.
[ 4 ]
(مسألة 5) يعتبر في الجاعل أهلية الاستيجار من البلوغ والعقل والرشد والقصد والاختيار وعدم الحجر، أما العامل فلا يعتبر فيه إلا إمكان تحصيل العمل بحيث لا يكون هناك مانع منه عقلا أو شرعا، كما إذا كانت الجعالة على كنس المسجد وكنسه الجنب أو الحائض، فلا يستحقان شيئا لان عملهما هذا ممنوع شرعا. ولا يعتبر في العامل نفوذ التصرف، فيجوز أن يكون صبيا مميزا ولو بغير إذن الولي، بل ولو كان غير مميز أو مجنونا على الاظهر إذا كان الجعل سببا لصدور العمل منهما، بل ولو لم يكن سببا على الاحوط، بنأ على كفاية جعل الجعل في اشتغال ذمته. (مسألة 6) يغتفر في الجعالة من جهالة العمل ما لا يغتفر في الاجارة، فإذا قال: من رد سيارتي فله كذا صح، وإن لم يعين المسافة، ولا المشخصات الكاملة للسيارة، واختلفت الموارد جدا في سهولة الرد وصعوبته، وكذا يجوز أن يوقع الجعالة على المردد أي على كل واحد بنحو التخيير مع اتحاد الجعل، كما إذا قال: من رد سيارتي أو ساعتي أو دابتي فله كذا، أو بالاختلاف كما إذا قال: من رد سيارتي فله عشرة، ومن رد ساعتي أو دابتي فله خمسة. نعم لا يجوز جعل موردها مجهولا صرفا ومبهما بحتا، بحيث لا يتمكن العامل من تحصيله، كما إذا قال من رد ما ضاع مني فله كذا، بل وكذا لو قال: من رد حيوانا ضاع مني ولم يعين نوعه مثلا. (مسألة 7) لا بد من تعيين العوض جنسا ونوعا ووصفا، بل كيلا أو وزنا أو عدا إن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، فلو قال من رد دابتي فله ما في يدي، أو ما في هذا الانأ، ولم يكن ذلك معلوما، بطلت الجعالة. نعم الظاهر أنه يصح أن يكون الجعل حصة معينة مما يرده ولو لم يشاهده العامل
ولم يعرف أوصافه، بأن قال: من رد سيارتي فله نصفها، وكذا يصح أن يجعل للدلال ما زاد على ثمن معين: كما إذا قال بع هذا المال بكذا والزائد لك، كما سبق. (مسألة 8) كل مورد بطلت الجعالة للجهالة، استحق العامل أجرة المثل،
[ 5 ]
والظاهر أنه من هذا القبيل ما هو متعارف من جعل الحلاوة المطلقة لمن دله على ولد ضائع أو دابة ضالة. (مسألة 9) لا يعتبر أن يكون الجعل ممن له العمل، فيجوز أن يجعل جعلا من ماله لمن خاط ثوب زيد أو رد دابته. (مسألة 10) إذا عين الجعالة لشخص وأتى بالعمل غيره، لم يستحق أحد منهما الجعل، ويكون الثاني كالمتبرع. نعم لو كانت الجعالة لشخص معين على العمل، لا بقيد المباشرة وشملت صورة ما لو عمل له شخص بواسطة الاجارة أو الاستنابة أو الجعالة، استحق المجعول له الجعل المقرر. (مسألة 11) إذا جعل الجعل على عمل وكان وقوع عمله قبل إيقاع الجعالة، أو كان عمله تبرعا، لم يستحق الجعل ولا الاجرة. (مسألة 12) إذا عمل العامل لا لاجل الجعل، فالاحوط للجاعل إعطأه والاحوط عدم إجبار الجاعل على إعطأ الجعالة. ولو عمل اعتمادا على مخبر بالجعالة ثم تبين كذب المخبر لم يستحق شيئا، نعم لا يبعد ضمان المخبر أجرة المثل إذا أوجب قوله اطمئنان العامل وكان تغريرا. (مسألة 13) إذا قال: من دلني على مالي فله كذا، فدله من كان ماله في يده لم يستحق شيئا، لانه واجب عليه شرعا، وأما لو قال: من رد مالي فله كذا فإن كان المال مما في رده كلفة ومؤنة كالدابة الشاردة، وكانت يده عليه يد محسن استحق الجعل المقرر، وأما إذا كانت يده عليه يد غاصب، أو لم
يكن في رده مؤونة كرد الدراهم، فلا يستحق شيئا. (مسألة 14) إنما يستحق العامل الجعل بتسليم العمل، فلو جعل على رد السيارة إلى مالكها، فجأ بها إلى بلده فسرقت قبل إيصالها لم يستحق الجعل، نعم لو كان الجعل مجرد إيصالها، إلى البلد استحقه، وكذا لو كان الجعل على مجرد الدلالة عليها وإعلام محلها فيستحق الجعل بمجرد الدلالة.
[ 6 ]
(مسألة 15) إذا قال: من رد سيارتي مثلا فله كذا فردها جماعة، اشتركوا في الجعل المقرر بالسوية إن تساووا في العمل، وإلا يوزع عليهم بنسبة عملهم. (مسألة 16) إذا جعل جعلا لشخص على عمل كبنأ حائط أو خياطة ثوب، فشاركه غيره في ذلك العمل تبرعا، سقط من الجعل ما يساوي عمل المتبرع واستحق العامل الباقي. نعم لو لم يشترط على المجعول له المباشرة وكان تبرع المتبرع بتسبيب من المجعول له أو إجازته، استحق المجعول له تمام الجعل. (مسألة 17) الجعالة قبل تمام العمل جائزة من الطرفين ولو بعد شروع العامل بالعمل، فللعامل رفع يده عن العمل، وللجاعل فسخ الجعالة، فإذا فسخ العامل بعد الشروع في العمل فإن كان الجعل على إتمام العمل لم يستحق شيئا، وإن كان على جز منه استحق بالنسبة، وإن كان مجملا فإن كان الجعل على مثل الخياطة والبنأ، استحق العامل من الجعل بنسبة عمله، وإن كان مثل الشروع في مقدمات رد الضالة، لم يستحق شيئا، إلا إذا صدق عليه عنوان الغرر. وإن كان الفسخ من صاحب العمل فإن كان قبل شروع العامل فليس عليه شي، وإن كان بعد شروع العامل فعليه له أجرة مثل ما عمل. (مسألة 18) إذا كان فسخ العامل بعد الشروع يوجب ضررا على الجاعل فلا يجوز له الفسخ، بل الواجب إما إتمام العمل وإما عدم الشروع فيه
، كما إذا جعل جعلا للطبيب الذي يجري له عملية جراحية، فلا يجوز للطبيب الفسخ بعد الشروع في العمل، وذلك لان المتعارف أن الجعل لاجرأ كل العملية وليس لبعضها. نعم لو فرض أنها من عدة مراحل وبيد عدة أشخاص ولا يحصل الضرر بالفسخ وفسخ العامل، استحق أجرة عمله بالنسبة.
[ 7 ]
كتاب العارية (مسألة 19) والظاهر أن حقيقتها اعتبار إضافة بين العين المستعارة والمستعير، ثمرتها تسلط المستعير على الانتفاع بها تبرعا من دون عوض. وهي من العقود التي تحتاج إلى إيجاب وقبول، فالايجاب كل لفظ له ظهور عرفي في إرادة هذا المعنى كقوله: أعرتك أو أذنت لك في الانتفاع به أو إنتفع به أو خذه لتنتفع به ونحو ذلك. والقبول كل ما أفاد الرضا بذلك، ويجوز أن يكون بالفعل بأن يأخذ العين المعارة بعد إيجاب المعير بهذا العنوان. بل الظاهر أنها لا تحتاج إلى لفظ أصلا فتقع بالمعاطاة، كما إذا دفع إليه قميصا ليلبسه فأخذه لذلك أو دفع إليه إنأ أو بساطا ليستعمله فأخذه لذلك. (مسألة 20) يعتبر في المعير أن يكون مالكا للمنفعة وله أهلية التصرف، فلا تصح إعارة الغاصب عينا أو منفعة. وإذا أعار مال غيره فضوليا ثم أجاز مالكه فالاجازة تفيد فائدة الاعارة بعد الاجازة، لكنها لا تنفع في رفع ضمان تلف العين قبل الاجازة ويحتاج إلى الابرأ. ولا تصح إعارة الصبي والمجنون، وكذا لا تصح إعارة المحجور عليه لسفه أو فلس إلا مع إذن الولي أو الغرمأ.
(مسألة 21) لا يشترط في المعير ملكية العين بل يكفي ملكية المنفعة بالاجارة أو بكونها موصى بها له بالوصية، نعم إذا اشترط عليه في الاجارة استيفأ المنفعة بنفسه فليس له الاعارة.
[ 8 ]
(مسألة 22) يعتبر في المستعير أن يكون أهلا للانتفاع بالعين، فلا تصح إعارة المصحف إلى الكافر وإعارة الصيد إلى المحرم لا من المحل ولا من المحرم. وكذا يعتبر فيه التعيين، فلو أعار شيئا إلى أحد هذين أو أحد هؤلا لم يصح. ولا يشترط أن يكون المستعير واحدا، فيصح إعارة شي واحد إلى جماعة، كما إذا قال: أعرت هذا الكتاب أو الانأ إلى هؤلا العشرة، فيستوفون المنفعة بينهم بالتناوب أو القرعة كالعين المستأجرة، والاقوى عدم جواز كونه عددا غير محصور كما إذا قال: أعرت هذا الشي إلى الناس، نعم لا مانع من الاباحة كذلك. (مسألة 23) يعتبر في العين المستعارة أن تكون مما يمكن الانتفاع به منفعة محللة مع بقأ عينه كالعقارات والدواب والثياب والكتب والامتعة والحلي، بل وفحل الضراب والهرة والكلب للصيد والحراسة وأشباه ذلك، فلا يجوز إعارة ما لا منفعة له محللة كآلات اللهو، وكذا آنية الذهب والفضة لاجل الاستعمال، وكذا ما لا ينتفع به إلا بإتلافه كالخبز والدهن والاشربة وأشباهها. (مسألة 24) يجوز إعارة الشاة للانتفاع بلبنها وصوفها، والبئر للاستقأ منها. (مسألة 25) لا يشترط تعيين العين المستعارة عند الاعارة، فلو قال: أعرني أحد ثيابك فقال: خذ ما شئت منها وأخذه بقصد الاستعارة، صحت العارية
. (مسألة 26) لا يلزم ذكر جهة الانتفاع في المستعار إذا كانت منحصرة في منفعة خاصة كالبساط للافتراش واللحاف للتغطية والخيمة للاكتنان وأشباه ذلك. وإن تعددت جهات الانتفاع كالارض ينتفع بها للزرع والغرس والبنأ والدابة ينتفع بها للحمل والركوب ونحو ذلك، فإن كانت إعارتها واستعارتها
[ 9 ]
لاجل منفعة أو منافع خاصة يجب التعرض لها وتختص الحلية بما خصصه المعير. وأما لو أعاره مع التعميم والتصريح بالعموم، بأن يقول: أعرتك هذه السيارة أو الدابة مثلا لاجل أن تنتفع بها كل انتفاع مباح يحصل منها، فيجوز له مطلق الانتفاع، وكذا لو أطلق العارية وقال: أعرتك هذه الدابة، فيجوز للمستعير الانتفاع بسائر الانتفاعات المباحة المتعلقة بها. نعم ربما يكون لبعض الانتفاعات خفأ لا يندرج في الاطلاق، ففي مثله لا بد من النص عليه أو التعميم على وجه يشمله، كالدفن في الارض فإنه وإن كان من أحد وجوه الانتفاعات منها، لكن لو أعيرت الارض إعارة مطلقة لا يعمه الاطلاق. (مسألة 27) العارية جائزة من الطرفين، فللمعير الرجوع متى شأ وللمستعير الرد متى شأ، حتى في إعارة الارض للدفن يجوز للمعير بعد الدفن والمواراة الرجوع عن الاعارة، لكن ليس له الاجبار على النبش، بل له المطالبة بالاجرة لابقائه ولو نبشه نابش فلا يجوز دفنه إلا بإذن جديد منه. وأما قبل الدفن فله الرجوع حتى بعد وضعه في القبر قبل مواراته، وليس عليه أجرة الحفر، كما أنه ليس على ولي الميت طم القبر بعد ما كان بإذن من المعير. (مسألة 28) تبطل العارية بموت المعير، بل بزوال سلطنته بجنون
ونحوه. (مسألة 29) ليس للمستعير التعدي إلى غير المنفعة التي عينها المعير ولو كانت أدنى وأقل ضررا على المعير، ويجب أن يقتصر في كيفية الانتفاع على ما جرت به العادة، فلو أعاره سيارة للحمل فلا يحملها إلا القدر المعتاد بالنسبة إلى مثلها وظروف استخدامها، فلو تعدى نوعا أو كيفية كان غاصبا وضامنا وعليه أجرة ما استوفاه من المنفعة. نعم إذا تعدى في زمان الانتفاع
[ 10 ]
فقط كما إذا أعارها للانتفاع بها نهارا فتعدى وانتفع بها ليلا، فالظاهر أنه ليس عليه إلا أجرة ما استوفاه ليلا. (مسألة 30) إذا أعاره أرضا للبنأ أو الغرس، جاز له الرجوع، وله إلزام المستعير بالقلع وليس عليه الارش، وكذا في الزرع إذا رجع قبل إدراك الزرع، ويحتمل عدم استحقاق المعير إلزام المستعير بقلع الزرع لو رضي المستعير بالبقأ بالاجرة، والاحوط لهما التراضي والتصالح. ومثله ما إذا أعاره حديدا للسقف ثم رجع بعدما استعمله المستعير في البنأ. (مسألة 31) العارية أمانة بيد المستعير لا يضمنها إذا تلفت إلا بالتعدي أو التفريط. نعم لو شرط الضمان ضمنها وإن لم يكن منه تعد ولا تفريط، إلا إذا كانت العين المعارة ذهبا أو فضة فيضمنها سوأ اشترط فيها الضمان أو لم يشترط، نعم يسقط الضمان فيهما أيضا إذا اشترط السقوط. (مسألة 32) لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة ولا إجارتها إلا بإذن المالك، فتكون إعارته مع الاذن فسخا للاولى وتجديدا للثانية ويكون المستعير وكيلا ونائبا عنه، فلو خرج المستعير الاول عن قابلية الاعارة بعد
ذلك بقيت العارية الثانية على حالها. (مسألة 33) إذا تلفت العارية بفعل المستعير، فإن كان بسبب الاستعمال المأذون فيه من دون تعد عن المتعارف فليس عليه ضمان، كما إذا تلفت السيارة المستعارة للحمل بسبب الحمل عليها حملا متعارفا. أما إذا كان بسبب آخر فيضمنها. (مسألة 34) إنما يبرأ المستعير عن عهدة العين المستعارة بردها إلى مالكها أو وكيله أو وليه، ولو ردها إلى حرزها الذي كانت فيه بلا يد من المالك ولا إذن منه لم يبرأ، كما إذا رد السيارة إلى محلها بلا إذن من المالك فتلفت أو أتلفها متلف.
[ 11 ]
(مسألة 35) إذا استعار عينا من الغاصب، فإن لم يعلم بغصبه كان قرار الضمان على الغاصب، فإن تلفت في يد المستعير أو في الايادي المتعاقبة غير يد الغاصب فللمالك الرجوع بعوض ماله على كل من الغاصب والمستعير، فإن رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب، وإن رجع على الغاصب لم يكن له الرجوع على المستعير. وكذلك بالنسبة إلى بدل المنافع سوأ استوفاها المستعير أو تلفت في يده، فإنه إذا رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب دون العكس. أما إذا كان المستعير عالما بالغصب فلا يرجع على الغاصب لو رجع المالك عليه، لكن يرجع الغاصب على المستعير لو رجع المالك عليه. ولا يجوز للمستعير أن يرد العين إلى الغاصب بعدما علم بالغصبية، بل يجب أن يردها إلى مالكها.
[ 12 ]
كتاب الوديعة (مسألة 36) وهي استنابة في الحفظ، أو اعتبار إضافة بين المال والودعي وتترتب عليها أحكام الوديعة من وجوب الحفظ وعدم الضمان عند التلف بلا تفريط، وغير ذلك من أحكامها. وتطلق كثيرا على المال الموضوع ويقال لصاحب المال " المودع " ولذلك الغير " الودعي " أو " المستودع ". وهي عقد يحتاج إلى الايجاب، وهو كل لفظ دال على تلك الاستنابة كأن يقول أودعتك هذا المال أو إحفظه أو هو وديعة عندك، ونحو ذلك. والقبول بما يدل على الرضا بالنيابة في الحفظ. ولا يعتبر فيها العربية بل تقع بكل لغة. ويجوز أن يكون الايجاب باللفظ والقبول بالفعل، بأن يقول له مثلا هذا المال وديعة عندك فيتسلم المال لذلك. بل يصح وقوعها بالمعاطاة بأن يسلم مالا إلى أحد بقصد أن يحفظه عنده فيتسلمه بهذا العنوان. (مسألة 37) إذا طرح ثوبا مثلا عند أحد وقال هذا وديعة عندك، فإن قبلها بالقول أو الفعل الدال عليه كانت وديعة وترتبت عليها أحكامها وفي دلالة السكوت والاكتفأ به على فرض دلالته إشكال. أما إذا لم يقبلها ولو طرحها المالك عنده بهذا القصد وذهب عنها، فلا تكون وديعة، فلو تركها من قصد استيداعها وذهب فتلفت لم يكن عليه ضمان، وإن كان الاحوط القيام بحفظها مع الامكان.
[ 14 ]
(مسألة 38) إنما يجوز قبول الوديعة لمن يقدر على حفظها، فمن كان عاجزا لم يجز له قبولها على الاحوط إلا مع علم المودع وطلبه القبول والحفظ حسب قدرته. (مسألة 39) الوديعة جائزة من الطرفين، فللمالك استرداد ماله متى
شأ وللمستودع رده كذلك وليس للمودع الامتناع عن قبوله، ولو فسخها المستودع عند نفسه انفسخت وزالت الامانة المالكية وصار المال عند الودعي أمانة شرعية، فيجب عليه رده إلى مالكه أو إلى من يقوم مقامه أو إعلامه بالفسخ وكون المال عنده، فلو أهمل في ذلك لا لعذر عقلي أو شرعي ضمن. (مسألة 40) يعتبر في كل من المستودع والمودع البلوغ والعقل، فلا يصح الاستيداع للصبي ولا المجنون منهما ولا الايداع عندهما، من غير فرق بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين، بل لا يجوز وضع اليد على ما أودعاه، ولو أخذه منهما ضمنه ولا تبرأ ذمته برده إليهما بل برده إلى وليهما إن كان المال لهما، وإلى صاحبه إن كان لغيرهما. نعم لا بأس بأخذه منهما إذا خيف تلفه في أيديهما، فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ، ولكن لا يصير بذلك وديعة وأمانة مالكية بل أمانة شرعية يجب عليه حفظها والمبادرة على إيصالها إلى وليهما أو إلى صاحب المال أو إعلامهما بكونها عنده، وليس عليه ضمان لو تلفت في يده. (مسألة 41) إذا أرسل شخص كامل مالا بواسطة الصبي أو المجنون إلى شخص ليكون وديعة عنده وأخذه منهما بهذا العنوان، فالظاهر أنه يصير وديعة عنده، لان الصبي والمجنون واسطة وآلة. (مسألة 42) إذا أودع عند الصبي والمجنون مالا لم يضمناه بالتلف، بل بالاتلاف أيضا إذا لم يكونا مميزين في وجه قوي، لكون المودع هو السبب الاقوى في التلف.
[ 15 ]
(مسألة 43) يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به ووضعها في الحرز الذي يناسبها كالصندوق المقفل للنقود والحلي نحوها،
والمحل المضبوط المقفل للسيارة وأمثال ذلك مما لا يعد معه عند العرف مضيعا ومفرطا وخائنا، بل حتى لو علم المودع بعدم وجود حرز لها عند المستودع يجب عليه بعد قبوله إياها تحصيله مقدمة للحفظ الواجب عليه، وكذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في صونها من التعيب أو التلف، كالثياب يخرجها وينشرها عند الحاجة أو يضع لها دوأ لمنع الارضة، والدابة يعلفها ويسقيها ويقيها من الحر والبرد، فلو أهمل من ذلك ضمن. (مسألة 44) إذا عين المودع موضعا خاصا لحفظ وديعته بنحو التقييد اقتصر عليه، فلو وضعه فيه لم يجز نقلها إلى غيره وإن كان غيره أحفظ، فلو نقلها منه وتلفت ضمنها. نعم لو كانت في المحل المعين في معرض التلف جاز نقلها إلى مكان آخر أحفظ ولا ضمان عليه حتى مع نهي المالك وقوله لا تنقلها وإن تلفت، وإن كان الاحوط حينئذ أن يراجع المودع ويستأذنه في تغيير المكان، أو يفسخ الوديعة ويرد إليه المال. وإن لم يمكن راجع الحاكم مع الامكان. (مسألة 45) إذا تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعد منه ولا تفريط لم يضمنها، وكذا لو أخذها منه ظالم قهرا، سوأ انتزعها من يده أو أمره بدفعها له بنفسه فدفعها كرها. نعم إذا كان هو سبب التلف لانه أخبر الظالم بها مثلا أو أظهرها في محل فوصل الظالم إليه فالاقوى أن عليه الضمان لانه حينئذ سبب للاتلاف والامين لا يضمن التلف فقط ويضمن الاتلاف وإن كان عن قصور. (مسألة 46) إذا تمكن من دفع الظالم بما يوجب سلامة الوديعة وجب، بل لو توقف دفعه عنها على إنكارها كاذبا بل الحلف على ذلك جاز بل
[ 16 ]
وجب، فإن لم يفعل ضمن، والاقوى أنه لا يجب عليه التورية مع إمكانها وإن كان أحوط. (مسألة 47) لا يجب على الودعي تحمل الضرر الحاصل من دفع الظالم على بدنه من جرح وغيره أو هتك في عرضه أو خسارة في ماله بل لا يجوز تحمل غير الخسارة المالية، بل ولا بعض مراتبها أيضا. نعم إذا كان ما يترتب على دفعه يسيرا جدا يتحمله غالب الناس، كما إذا تكلم معه بكلام خشن يتأذى منه ولكن لا يكون هتكا له نظرا إلى مكانته وشرفه، فالظاهر وجوب تحمله. (مسألة 48) إذا توقف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مال له أو لغيره وجب البذل، وكذا إذا توقف دفعه على دفع بعضها، فلو لم يفعل فأخذها الظالم كلها ضمن المقدار الزائد على ما كان يندفع به فلو كان يندفع بدفع نصفها فاهمل فأخذها الظالم كلها ضمن النصف، ولو كان يقنع بالثلث فأهمل فأخذ الكل ضمن الثلثين، وهكذا. وكذا الحال إذا كان عنده وديعتان لشخص وكان الظالم يندفع بإعطائه إحداهما فلم يفعل فأخذهما فإن كان يندفع بإحداهما المعينة ضمن الاخرى وإن كان بإحداهما لا بعينها ضمن أكثرهما قيمة. ولو توقف دفعه على إعطائه مالا من الودعي لا يجب عليه أن يدفعه تبرعا. وأما إذا أعطاه بعد الاستيذان من المالك أو ممن يقوم مقامه كالحاكم عند عدم الوصول إليه لزم ذلك على المالك، وأما إذا دفعه بلا استيذان فلا يستحق الرجوع به عليه وإن كانت نيته ذلك، هذا إذا أمكنه الاستيذان، أما إذا لم يمكنه الاستيذان فله أن يدفع ويرجع به على المالك إذا كان من نيته ذلك. (مسألة 49) إذا كانت الوديعة دابة مثلا يجب عليه سقيها وعلفها ولو لم يأمره المالك بل ولو نهاه، ولا يجب أن يكون ذلك بمباشرته أو يكون ذلك
[ 17 ]
في موضعها. فيجوز أن يسقيها بواسطة خادمه أو يخرجها من منزله للسقي، إن جرت العادة بذلك وإن أمكن سقيها في موضعها. نعم لو كان الطريق مخوفا لم يجز إخراجها، كما لا يجوز أن يسلمها بيد غير مأمون. وبالجملة لا بد من مراعاة حفظها على المعتاد بحيث لا يعد عرفا مفرطا ومتعديا. وأما نفقتها فإن وضعها المالك عنده أو قيمتها أو أذن له في الانفاق عليها من ماله على ذمته فلا إشكال، وإلا وجب الاستيذان من المالك أو وكيله، فإن تعذر رفع الامر إلى الحاكم ليأمره بما يراه صلاحا ولو ببيع بعضها للنفقة، فإن تعذر الحاكم فإن أمكنه ردها إلى المودع أو وكيله وجب، وإلا أنفق من ماله بنية الرجوع على المالك ورجع عليه به. (مسألة 50) تبطل الوديعة بموت كل من المودع والمستودع أو جنونه، فإن مات المودع أو جن تصير في يد الودعي أمانة شرعية، فيجب عليه ردها فورا إلى وارث المودع أو وليه أو إعلامهما بها، فإن أهمل لا لعذر شرعي ضمن. وإذا لم يعلم أن من يدعي الارث وارثا أو أن الارث منحصر فيه، فالاحوط الرجوع إلى الحاكم الشرعي. وإن كان الوارث متعددا سلمها إلى الكل أو إلى من يقوم مقامهم، ولو سلمها إلى البعض من غير إذن الباقين ضمن حصصهم. وإن مات المستودع أو جن تصير أمانة شرعية في يد من كانت الوديعة حينئذ بيده وإن لم يكن وارثا أو وليا له، ويجب عليه الرد إلى المودع أو إعلامه فورا. (مسألة 51) يجب رد الوديعة عند المطالبة في أول وقت الامكان وإن
كان المودع كافرا محترم المال، بل وإن كان حربيا مباح المال على الاحوط. والواجب في الرد هو رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها لا نقلها إلى المالك، فلو كانت في صندوق مقفل أو بيت مغلق ففتحهما عليه فقال ها هي وديعتك خذها فقد أدى تكليفه وخرج من عهدته.
[ 18 ]
كما أن الفورية الواجبة مع الامكان وعدم إجازة المودع التأخير هي الفورية العرفية، فلا يجب عليه الركض ونحوه والخروج من الحمام فورا وقطع الطعام والصلاة وإن كانت نافلة ونحو ذلك. والاقوى أن له تأخير التسليم حتى يحضر الشهود إذا كان في معرض الخسارة مع عدم الاشهاد خصوصا إذا كان الايداع مع الاشهاد. (مسألة 52) إذا أودع اللص ما سرقه عند أحد، لم يجز له رده إليه مع الامكان، بل يكون أمانة شرعية في يده، ويجب إيصاله إلى صاحبه إن عرفه، وإلا عرفه سنة فإن لم يجد صاحبه تصدق به عنه، فإن جأ بعد ذلك خيره بين الاجر والغرم، فإن اختار أجر الصدقة كان له وإن اختار الغرامة غرم له وكان الاجر للمتصدق. (مسألة 53) كما يجب رد الوديعة عند مطالبة المالك، يجب ردها إذا خاف عليها من تلف أو سرقة أو حرق ونحو ذلك، فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاص أو العام تعين. وإلا أوصلها إلى الحاكم إذا كان قادرا على حفظها، ولو فقد الحاكم أو كانت عنده أيضا في معرض التلف لسبب من الاسباب، أودعها عند ثقة أمين متمكن من حفظها. (مسألة 54) إذا ظهر للمستودع أمارة الموت بسبب المرض الخطير أو غيره يجب عليه ردها إلى مالكها أو وكيله مع الامكان، وإلا فإلى الحاكم ومع
فقده يوصي بها ويشهد عليها، فلو أهمل ذلك ضمن. وليكن الايصأ والاشهاد بنحو يؤمن حفظ الوديعة لمالكها، فلا بد من ذكر جنسها ووصفها ومكانها واسم مالكها، فلا يكفي قوله عندي وديعة لبعض الناس. نعم إذا كان الوارث مطلعا عليها وكان ثقة أمينا يرد الوديعة بلا إشهاد ولا وصية فالاقوى عدم وجوب الوصية بها وعدم وجوب الاشهاد عليها.
[ 19 ]
(مسألة 55) يجوز للودعي أن يسافر ويبقي الوديعة في حرزها السابق عند أهله وعياله ما دام لا يتوقف حفظها على حضوره، وإلا فإن لم يكن سفره ضروريا فيلزم عليه إما ترك السفر وإما ردها إلى مالكها أو وكيله مع الامكان، أو إيصالها إلى الحاكم مع التعذر، ومع فقده فالظاهر أنه يتعين عليه ترك السفر، ولا يجوز أن يسافر بها ولو مع أمن الطريق ولا إيداعها عند أمين على الاحوط إن لم يكن أقوى. وإن كان سفره ضروريا، فإن تعذر ردها إلى المالك والقائم مقامه تعين إيداعها عند أمين، فإن تعذر إيداعها عنده أيضا سافر بها محافظا عليها بقدر الامكان وليس عليه ضمان. نعم في الاسفار الطويلة الكثيرة الخطر يجب أن يعاملها معاملة من ظهر له أمارة الموت فيردها، وإلا فيوصي بها ويشهد عليها كما مر. (مسألة 56) المستودع أمين لا يضمن إذا تلفت الوديعة أو تعيبت في يده، إلا مع التفريط أو التعدي كما هو الحال في كل أمين. أما التفريط فهو الاهمال في المحافظة عليها كما جرت العادة بحيث يعد عند العرف مضيعا ومتسامحا، كما إذا وضعها في محل ليس حرزا ولم يراقبها، أو ترك سقي الدابة وعلفها، أو ترك نشر الثوب الذي يلزمه النشر في وقته، أو
أودعها، أو سافر بها من غير ضرورة ولم يكن السفر بها مقدمة لحفظها، أو ترك التحفظ من النداوة فيما تفسده كالكتب وبعض الاقمشة وغير ذلك. وأما التعدي فهو أن يتصرف فيها بما لم يأذن له المالك مثل أن يلبس الثوب أو يفرش الفراش أو يركب الدابة، إلا إذا توقف حفظها على التصرف، كما إذا توقف حفظ الثوب والفراش على اللبس والافتراش، أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الامانة وتكون يده عليها على وجه الخيانة، كما إذا جحدها لا لمصلحة الوديعة ولا لعذر من نسيان ونحوه. وقد يجتمع التفريط مع التعدي، كما إذا وضع الثوب أو القماش أو الكتب
[ 20 ]
ونحوها في موضع تتعفن فيه أو تفسد، ولعل من ذلك ما إذا أودعه دراهم مثلا في كيس مختوم أو مخيط أو مشدود فكسر ختمه أو حل خيطه وشده من دون ضرورة ومصلحة. ومن التعدي خلط الوديعة بماله، سوأ كان بالجنس أو بغيره، وسوأ كان بالمساوي أو بالاجود أو بالاردأ، وأما لو خلطه بجنسه من مال صاحبه كما إذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين ولا مشدودين فجعلهما كيسا واحدا، فإن كان ذلك مقدمة لحفظها أو لم يحرز أن غرض المودع حفظهما منفصلين أو مخلوطين، فلا بأس به وإلا ففيه إشكال. (مسألة 57) إذا فرط بالامانة أو تعدى يصير ضمانها عليه لو تلفت حتى لو لم يكن تلفها مستندا إلى تفريطه وتعديه، لان يده الامانية غير الضمانية تتبدل إلى يد خيانة ضمانية. (مسألة 58) إذا نوى التصرف في الوديعة ولم يتصرف فيها لم يضمن بمجرد النية. نعم لو نوى الغصبية بأن قصد الاستيلا عليها والتغلب على مالكها كسائر الغاصبين ضمنها لصيرورة يده يد عدوان، ولو رجع عن قصده
لم يزل الضمان. ومثله ما إذا جحدها أو طلبت منه فامتنع من ردها مع التمكن عقلا وشرعا، فإنه يضمنها بمجرد ذلك، ولا يبرأ من الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه. (مسألة 59) إذا كانت الوديعة في كيس مختوم مثلا ففتحها وأخذ بعضها ضمن الجميع، بل المتجه الضمان بمجرد الفتح كما سبق، وأما إذا لم تكن مودعة في حرز أو كانت في حرز الودعي ولم يضعها المودع فيه، وأخذ بعضها فإن كان قصده الاقتصار عليه، فالظاهر قصر الضمان على المأخوذ دون ما بقي، وإن كان قصده عدم الاقتصار بل أخذ الجميع شيئا فشيئا، فلا يبعد أن يكون ضامنا للجميع.
[ 21 ]
(مسألة 60) إذا سلمها إلى زوجته أو ولده أو خادمه ليحرزوها، ضمن إلا أن يكونوا كالالة لكون ذلك بمحضر المودع ومشاهدته وسكوته الكاشف عن رضاه بحسب العادة، وأما مع احتمال كون سكوته للحيأ ففيه إشكال، خصوصا إذا جرت العادة بحفظ أمثالها مباشرة. (مسألة 61) إذا فرط في الوديعة ثم رجع عن تفريطه، بأن أعادها إلى الحرز المضبوط وقام بما يوجب حفظها، أو تعدى ثم رجع، كما إذا لبس الثوب ثم نزعه - لم يبرأ من الضمان. ولو جدد المالك له الاستيمان فإن كان بالايجاب والقبول فيكون وديعة جديدة محكومة بأحكامها، وإن كان بمجرد الاذن في البقأ تحت يده فيرتفع الضمان لكن لا تترتب عليه أحكام الوديعة. ولو أبرأه من الضمان فالاقوى عدم السقوط إلا إذا فهم منه الرضا ببقائها تحت يده. نعم لو تلفت العين في يده واشتغلت ذمته بعوضها، يصح الابرأ ويسقط الحق به.
(مسألة 62) إذا أنكر الوديعة أو اعترف بها وادعى التلف أو الرد ولا بينة، فالقول قوله بيمينه، وكذا لو تسالما على التلف، ولكن ادعى عليه المودع التفريط أو التعدي. (مسألة 63) إذا دفعها إلى غير المالك وادعى الاذن من المالك فأنكر المالك ولا بينة، فالقول قول المالك. أما لو صدقه على الاذن لكن أنكر التسليم إلى من أذن له فهو كدعواه الرد إلى المالك مع إنكاره، فيكون القول قول الودعي مع يمينه. (مسألة 64) إذا أنكر الوديعة وأقام المالك البينة عليها فصدقها لكن ادعى أنها تلفت قبل أن ينكرها، لم تسمع دعواه، فلا يقبل منه اليمين ولا البينة على إشكال إلا إذا أبدى عذرا مسموعا عند العقلا فلا يبعد السماع. أما إذا ادعى تلفها بعد ذلك فتسمع دعواه ويحتاج إلى البينة لكنه لا أثر لدعواه ولو ثبتت بالبينة إلا عدم إلزامه برد العين، وأما الضمان فقد استقر
[ 22 ]
عليه بإنكار الوديعة. نعم لو أذن له بعد الاثبات في إبقائها عنده وأثبت بالبينة تلفها فلا ضمان عليه إلا مع التفريط. (مسألة 65) إذا أقر بالوديعة ثم مات فإن عينها في عين شخصية معينة موجودة حال موته، أخرجت من التركة، وكذا إذا عينها ضمن مصاديق من جنس واحد موجودة حال الموت، كما إذا قال إحدى هذه الشياه وديعة عندي من فلان ولم يعينها، فعلى الورثة إذا احتملوا صدق المورث ولم يميزوا الوديعة من غيرها أن يعاملوها كما لو علموا إجمالا بأن إحدى هذه الشياه لفلان. وإذا عين الوديعة ولم يعين مالكها كانت من مجهول المالك، وقد مر ما يعلم منه حكم الصورتين في المخلوط بالحرام من كتاب الخمس. وأن الحكم في الصورة
الاولى هو التصالح والتراضي مع المالك، وفي الصورة الثانية فيها تفصيل فراجع. وإذا عينها المودع في معين واحتمل صدقه فالاقوى اعتبار قوله إن لم يكن له معارض. وإن لم يعين المورث المالك ولا المال ولا محله بحيث تردد بين كونه في تركته أو محل آخر، فلا اعتبار بقوله إذا لم يعلم الورثة بوجود الوديعة في تركته حتى إذا ذكر الجنس ولم يوجد من ذلك الجنس في تركته إلا واحد، إلا إذا علم أن مراده ذلك الواحد. خاتمة (مسألة 66) الامانة على قسمين مالكية وشرعية، فالامانة المالكية ما كانت باستئمان المالك وإذنه، سوأ كان عنوان عمله ممحضا في ذلك كالوديعة
[ 23 ]
أو تبعا لعنوان آخر مقصود بالذات كما في الرهن والعارية والاجارة والمضاربة، فإن العين بيد المرتهن والمستعير والمستأجر والعامل أمانة مالكية، حيث أن المالك قد سلمها بعنوان الاستئمان وجعل حفظها على عهدتهم. وأما الامانة الشرعية فهي ما وقع تحت يد الاخر، لا باستئمان المالك وإذنه ولا على وجه العدوان، بل إما قهرا كما إذا أطارت الريح ثوبا أو جأ به السيل إلى ملكه مثلا فصار بحيث يصدق عليه أنه في يده، وإما بتسليم المالك لها بدون اطلاعهما، كما إذا اشترى صندوقا فوجد فيه المشتري شيئا من مال البائع بدون اطلاعه، أو تسلم البائع أو المشتري زائدا على حقهما بسبب الغلط في الحساب، أو صارت في يده برخصة من الشرع كاللقطة والضالة وما ينتزع من يد السارق أو الغاصب من مال الغير حسبة للايصال إلى صاحبه، وكذا ما يؤخذ من الصبي أو المجنون من مالهما عند خوف التلف في أيديهما حسبة للحفظ، وما يؤخذ من معرض الهلاك والتلف من الاموال المحترمة، كحيوان معلوم
المالك في مسبعة أو مسيل ونحو ذلك، فإن العين في جميع هذه الموارد تكون تحت يد المستولي عليها أمانة شرعية يجب عليه حفظها وردها في أول أزمنة الامكان إلى صاحبها ولو مع عدم المطالبة، ولا يخلو كفاية إعلامه أو التخلية بينه وبينها من قوة. ولو تلفت في يده فليس عليه ضمان إلا مع التفريط أو التعدي كالامانة المالكية. وإذا كانت العين أمانة مالكية تبعا لعنوان آخر وارتفع ذلك العنوان، كالعين المستأجرة بعد انقضأ مدة الاجارة، والعين المرهونة بعد فك الرهن، والمال الذي بيد العامل بعد فسخ المضاربة، فالارجح أنها أمانة مالكية إذا بقيت العين عنده برضا المالك، أو بقيت مدة تستلزمها الاجارة أو المضاربة أو الرهن، أما إذا كان التأخير لعجزه عن الوصول إلى مالكها فتكون أمانة شرعية.
[ 24 ]
كتاب المضاربة (مسألة 67) وتسمى القراض، وحقيقتها توكيل صاحب المال العامل ليتجر بماله على أن يكون الربح بينهما وإذا جعل تمام الربح للمالك يقال له البضاعة، فتكون المضاربة بمنزلة وكالة محدودة وجعالة مخصوصة لشخص معين في عمل خاص بجعل مخصوص. وحيث إنها عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب من المالك وقبول من العامل، ويكفي في الايجاب كل لفظ يفيد هذا بالظهور العرفي كقوله " ضاربتك أو قارضتك أو عاملتك على كذا " وما أفاد هذا المعنى، وفي القبول " قبلت " وشبهه. (مسألة 68) يشترط في المتعاقدين البلوغ والعقل والاختيار، وفي المالك عدم الحجر. وفي رأس المال أن يكون عينا فلا تصح بالمنفعة ولا بالدين
سوأ كان على العامل أو على غيره إلا بعد قبضه، وأن يكون درهما أو دينارا مسكوكا، أو أوراقا مالية كأوراق الاسكناس المتعارفة، فلا تصح بالذهب والفضة غير المسكوكين فضلا عن العروض. وأن يكون معينا فلا تصح بالمبهم كأن يقول: قارضتك بأحد هذين المالين أو بأيهما شئت، وأن يكون معلوما قدرا ووصفا. وفي الربح أن يكون معلوما فلو قال: على أن لك مثل ما شرط فلان لعامله، ولم يعلما ما شرط بطل، وأن يكون مشاعا مقدرا بأحد الكسور كالنصف أو
[ 26 ]
الثلث فلو قال: على أن لك من الربح مائة والباقي لي أو بالعكس، أو على أن لك نصف الربح وعشرة دراهم مثلا لم يصح، وأن يكون بين المالك والعامل ولا يشاركهما غيرهما، فلو جعلا جزا منه لاجنبي بطل إلا أن يكون له عمل متعلق بتلك التجارة. (مسألة 69) يشترط في المضاربة أن يكون الاسترباح بالتجارة، فلو دفع إلى الزارع مالا ليصرفه في الزراعة ويكون الحاصل بينهما، أو إلى الطباخ أو الخباز أو الصباغ مثلا ليصرفوها في حرفتهم ويكون الربح والفائدة بينهما، لم يصح ولم تقع مضاربة. (مسألة 70) يجوز أن يوكل أحدا في استيفأ دينه ثم إيقاع عقد المضاربة معه عليه، فيكون موجبا عن المالك وقابلا عن نفسه، وكذا لو كان المديون هو العامل يجوز توكيله في تعيين ما كان في ذمته في مال معين، ثم إيقاع عقد المضاربة عليها موجبا وقابلا. (مسألة 71) إذا دفع إليه عروضا وقال بعها ويكون ثمنها مضاربة، لم
يصح إلا إذا أوقع عقد المضاربة بعد ذلك على ثمنها. (مسألة 72) إذا دفع إليه شبكة مثلا على أن يكون ما وقع فيها من السمك بينهما بالنصف أو الثلث مثلا، لم يكن مضاربة بل المعاملة فاسدة، فيكون ما وقع فيها من الصيد للصائد وعليه أجرة مثل الشبكة لصاحبها، لكن لو أذن له بالتصرف في شبكته بشرط أن يتملك لصاحب الشبكة نصف ما يصيده بها فالظاهر أنه لا مانع منه، وإذا نوى ذلك في صيده يصير صاحب الشبكة شريكا بمقدار ما نواه له. (مسألة 73) إذا دفع إليه مالا ليشتري نخيلا أو أغناما على أن تكون الثمرة والنتاج بينهما، لم يكن مضاربة، بل المعاملة فاسدة وتكون الثمرة والنتاج لصاحب المال وعليه للعامل مثل أجرة عمله.
[ 27 ]
(مسألة 74) تصح المضاربة على المشاع كالمفروز، فلو كان مبلغ معلوم من المال مشتركا بين اثنين فقال أحدهما للعامل قارضتك بحصتي من هذا المال، صح مع العلم بمقدار حصته، وكذا لو كان عنده ألف دينار مثلا وقال قارضتك بنصف هذه الدنانير. (مسألة 75) لا فرق بين أن يقول: خذ هذا المال مضاربة ولكل منا نصف الربح، أو يقول: والربح بيننا، أو يقول: ولك نصف الربح أو لي نصف الربح، فإن الظاهر أنه جعل لكل منهما نصف الربح، وكذلك لا فرق بين أن يقول: خذه قراضا ولك نصف ربحه أو يقول لك ربح نصفه، فإن مفاد الجميع واحد عرفا. (مسألة 76) إذا اتحد المالك في المضاربة وتعدد العامل في مال واحد فإن كان المقصود مثلا كون كل منهما عاملا في نصف المال فلا إشكال فيه، فيكون عقدا واحدا معهما بمنزلة عقدين، سوأ كان نصف كل منهما مميزا في
الخارج أو مشاعا، وسوأ كانت حصة أحدهما أكثر أم لا. وإن كان المقصود صدور العمل منهما معا لا من أحدهما منفردا، فلا يبعد صحته أيضا، ويجوز التسوية بينهما في الحصة والتفاضل، ولكن لا يجوز لكل منهما العمل مستقلا، وهما شريكان في الربح على ما جعل لهما في العقد. أما إذا كان المقصود عمل كل منهما في جميع المال مستقلا أو منضما ولكن كلما عمل أحدهما يكون الاخر شريكا له في ربحه سوأ عمل أم لم يعمل، ففي صحته تأمل وإشكال سوأ كانت حصتاهما متساويتين أو متفاوتتين. وكذا يجوز تعدد المالك واتحاد العامل، كما إذا كان المال مشتركا بين اثنين فقا رضا واحدا بأن يكون النصف للعامل والنصف بينهما بالسوية، وكذا بالتفاضل بأن يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الاخر بالثلث مثلا بشرط أن يكون المقصود معلوما ولو بالقرينة، فإذا كان الربح اثني عشر
[ 28 ]
استحق العامل خمسة واستحق أحد الشريكين ثلاثة والاخر أربعة. هذا إذا كان رأس مال الشريكين متفاوتا، أما إذا كان متساويا، ووقعت المضاربة على التفاضل بينهما في استحقاق الربح، فالاقوى البطلان. (مسألة 77) المضاربة جائزة من الطرفين فللمالك الرجوع عن الاذن في التصرف وللعامل الامتناع عن العمل في أي وقت، وأما الفسخ بعد تمام العمل والرجوع إلى أجرة المثل لا إلى ما عيناه من الربح، فالاقوى عدم جوازه. وإذا اشترطا فيها الاجل جاز لكل منهما فسخها قبل انقضائه، ولو اشترطا فيها عدم الفسخ فإن كان المقصود لزومها بحيث لا ينفسخ بفسخ أحدهما بطل الشرط دون أصل المضاربة على الاقوى، وإن كان المقصود التزامهما بأن لا يفسخاها فلا بأس به وإن لم يلزم عليهما العمل به ولكن الاحوط العمل به أما
إذا جعلا هذا الشرط في ضمن عقد خارج لازم كالبيع والصلح ونحوهما فيجب العمل به تكليفا لكن إذا فسخها أحدهما تنفسخ. (مسألة 78) الظاهر جريان المعاطاة والفضولية في المضاربة فتصح بالمعاطاة، وإذا وقعت فضولا من المالك أو العامل تصح بإجازتهما كالبيع. (مسألة 79) تبطل المضاربة بموت كل من المالك والعامل، والاقوى أنها لا يصح بإجازة الورثة. (مسألة 80) العامل أمين، فلا ضمان عليه لو تلف المال أو تعيب بيده إلا مع التعدي أو التفريط، كما أنه لا يضمن خسارة التجارة، بل هي على صاحب المال. ولو اشترط المالك على العامل أن يكون شريكا معه في الخسارة كما هو شريك في الربح، فالاقوى عدم صحة الشرط. نعم لو كان مرجعه إلى اشتراط أنه على تقدير وقوع الخسارة على اللك يخسر العامل نصفها مثلا من كيسه لا بأس به، لكن لزوم الوفأ به على العامل يتوقف على إيقاع هذا الشرط ضمن عقد لازم، فيجب العمل به حينئذ تكليفا.
[ 29 ]
(مسألة 81) يجب على العامل بعد عقد المضاربة القيام بوظيفته وهي ما يقوم به التاجر عادة لنفسه في مثل تلك التجارة وذلك المكان والزمان وذلك العامل، من عرض القماش والنشر والطي مثلا وقبض الثمن وإحرازه في حرزه، واستئجار من جرت العادة باستئجاره كالدلال والوزان والحمال، ويعطي أجرتهم من أصل المال، بل لو باشر مثل هذه الامور هو بنفسه لا بقصد التبرع فالظاهر جواز أخذ الاجرة. نعم لو استأجر العامل لما يتعارف فيه مباشرته بنفسه كانت عليه الاجرة ويضمن المال لو تلف في يد الاجير، إلا إذا
كان مأذونا في ذلك. (مسألة 82) إذا كان عقد المضاربة مطلقا، جاز للعامل الاتجار بالمال على حسب ما يراه مصلحة من حيث الجنس المشترى، ومن حيث البائع والمشتري وغير ذلك، بل لا يتعين عليه أن يبيع نقدا، بل يجوز أن يبيع الجنس بجنس آخر إلا أن يكون هناك تعارف ينصرف إليه الاطلاق. نعم لو شرط عليه المالك أن لا يشتري الجنس الفلاني أو إلا الجنس الفلاني، أو لا يبيع من الشخص الفلاني، أو الطائفة الفلانية، وغير ذلك من الشروط، لم يجز له المخالفة، ولو خالف ضمن المال والخسارة، لكن لو حصل الربح وكانت التجارة رابحة شارك المالك في الربح حسب عقد المضاربة. (مسألة 83) لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر لنفسه أو لغيره إلا بإذن المالك عموما أو خصوصا، فلو خلط ضمن، وإذا اتجر بالمجموع وحصل ربح فهو بين المالين بالنسبة. (مسألة 84) إذا كان العقد مطلقا لا يجوز للعامل أن يبيع نسيئة خصوصا في بعض الازمان وعلى بعض الاشخاص، إلا أن يكون متعارفا بين التجار ولو بالنسبة إلى ذلك البلد أو الجنس الفلاني بحيث لا ينصرف عنه الاطلاق، فلو خالف مقتضى الانصراف ضمن، ولكن لو استوفاه وحصل ربح كان بينهما.
[ 30 ]
(مسألة 85) ليس للعامل أن يسافر بالمال برا أو بحرا والاتجار به في بلد آخر غير بلد المال إلا أن يكون ذلك متعارفا أو يأذن المالك، فلو سافر ضمن التلف والخسارة لكن لو حصل ربح يكون بينهما كما مر. وكذا لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها.
(مسألة 86) ليس للعامل أن ينفق في الحضر من مال القراض شيئا وإن قل، وأما في السفر بإذن المالك فله الانفاق من رأس المال إلا إذا اشترط عليه المالك أن تكون نفقته من نفسه. بل لا يبعد أن يكون له الانفاق من رأس المال إذا كان السفر بغير إذنه أيضا، ما دامت المضاربة باقية، ويكون الربح بينهما. ولا ينافي ذلك كون الخسارة عليه لمخالفته المالك. والمراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب وآلات وأدوات وأجرة مسكن ونحو ذلك مع مراعاة ما يليق بحاله عادة على وجه الاقتصاد، فلو أسرف حسب عليه، ولو قتر على نفسه أو لم يحتج إليها لم تحسب له. وليس من النفقة جوائزه وعطاياه وضيافاته وغير ذلك، فهي على العامل إلا إذا كانت لمصلحة التجارة. (مسألة 87) المراد بالسفر هنا السفر العرفي لا الشرعي، فيشمل ما دون المسافة، كما أنه يشمل أيام إقامته عشرة أيام أو أكثر، بشرط أن تكون الاقامة من شؤون السفر، كانتظار الرفقأ أو لخوف الطريق، أو للراحة من تعبه، أو تكون لامور متعلقة بالتجارة كدفع الضرائب وتخليص البضاعة أو شرائها، وغير ذلك. أما إذا كانت إقامته للتفرج أو لتحصيل مال لنفسه ونحو ذلك فالظاهر كون نفقته على نفسه، خصوصا إذا كان ذلك بعد تمام العمل. (مسألة 88) إذا كان عاملا في سفره لنفسه وغيره ولم تكن المضاربة علة مستقلة للسفر توزع النفقة، ولا يترك الاحتياط بمراعاة أقل الامرين من
[ 31 ]
نسبة المالين أو العملين. أما إذا كانت المضاربة علة مستقلة للسفر فلا يبعد جواز أخذ تمام النفقة من رأس مال المضاربة. وإذا كان عاملا لاثنين أو أكثر
فالاقوى توزيع النفقة بينهما بنسبة المالين، والاحوط التصالح معهما. (مسألة 89) لا يعتبر ظهور الربح في استحقاق النفقة، بل ينفق من أصل المال وإن لم يكن ربح. نعم لو أنفق وحصل ربح فيما بعد يجبر ما أنفقه كسائر الغرامات والخسارات. (مسألة 90) الظاهر أنه يجب على العامل الشرأ بعين مال المضاربة ويشكل أن يشتري بالكلي في ذمة المالك، إلا أن يأذن المالك بذلك، كما لا إشكال في عدم جوازه إذا اشترط المالك عدمه. (مسألة 91) لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلا في أصل التجارة من دون إذن المالك. نعم يجوز له التوكيل والاستيجار في بعض المقدمات المتعارف فيها التوكيل فيها، وكذلك لا يجوز له أن يضارب غيره أو يشاركه فيها إلا بإذن المالك. فإن أذن وكان قصده فسخ المضاربة الاولى انفسخت الاولى بإيقاع المضاربة الجديدة. وإن كان قصده بقأ الاولى أيضا حتى يجوز لكل منهما العمل في أي مقدار كان، فالظاهر أنه لا مانع منه نظير جعل الوكالة لاثنين في بيع ماله أو جعل الجعالة لكل من رد ضالته مثلا، فكل منهما إذا عمل في مجموع المال أو مقدار منه يستحق حصته من الربح، ولا يبقى للاخر شي حتى يجوز له فيه العمل. أما لو كان المقصود أن يكون العامل الثاني عاملا للعامل الاول فالاقوى عدم الصحة. (مسألة 92) الظاهر أنه يصح أن يشترط أحدهما على الاخر في ضمن عقد المضاربة مالا أو عملا، كما إذا شرط المالك على العامل أن يخيط له ثوبا أو يعطيه شيئا وبالعكس.
[ 32 ]
(مسألة 93) الظاهر أن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره، ولا يتوقف على تحويل البضاعة إلى نقد، ولا على القسمة، كما أن الظاهر أنه يصير بالربح شريكا مع المالك في نفس العين الموجودة بالنسبة، فيصح له المطالبة بالقسمة والتصرف في حصته بالبيع والصلح ويترتب عليها حصول الارث على جميع الاقوال، غاية الامر أن ما يورث ملك على تقدير وحق على الاخر، وكذا يترتب عليها تعلق الزكاة وحق الغير وغير ذلك. أما الخمس فالظاهر أن استقرار الملك شرط في تعلقه، وكذا حصول الاستطاعة للحج. (مسألة 94) تجبر الخسارة الواردة على مال المضاربة بالربح ما دامت المضاربة باقية، سوأ كانت سابقة على الربح أو لاحقة، فتكون ملكية العامل للربح بظهوره ملكية متزلزلة، وتستقر بتحويل البضاعة إلى نقد وفسخ المضاربة والقسمة، فلا جبران بعد ذلك. وفي حصول الاستقرار بدون اجتماع الثلاثة أقوال أقواها أنه يتحقق بالفسخ مع القسمة وإن لم يحصل الانضاض، بل لا يبعد تحققه بالفسخ والانضاض وإن لم تحصل القسمة، بل لا يبعد أيضا كفاية إفراز حصة العامل من الربح ودفع الباقي إلى المالك برضاهما. (مسألة 95) كما يجبر الخسران في المضاربة بالربح كذلك يجبر به التلف، كما لو تلف بعض رأس المال بسبب غرق أو حريق أو سرقة أو غيرها وربح بعضها فيجبر تلف البعض بربح البعض، نعم لو تلف كل رأس المال قبل الشروع بالعمل تنفسخ المعاملة وينتفي موضوع الجبران. (مسألة 96) إذا حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة فإن كان قبل الشروع في العمل ومقدماته فلا إشكال ولا شي للعامل ولا عليه، وكذا إن كان بعد تمام العمل والانضاض أي تحويل البضاعة إلى نقد، إذ مع حصول
[ 33 ]
الربح يقتسمانه ومع عدمه يأخذ المالك رأس ماله ولا شي للعامل ولا عليه. أما إذا كان في الاثنأ بعد الشروع في العمل، فإن كان قبل حصول الربح فليس للعامل شي ولا أجرة له لما مضى من عمله، سوأ كان الفسخ منه أو من المالك، أو حصل الانفساخ القهري. كما أنه ليس على العامل شي مطلقا حتى لو حصل الفسخ منه في السفر المأذون فيه من المالك بل وغير المأذون فيه أيضا كما مر، فلا يضمن العامل ما صرفه في نفقته من رأس المال، ولا يجوز للعامل التصرف بالبضاعة بدون إذن المالك، كما أنه ليس للمالك إلزامه بالبيع والانضاض. وإن كان بعد حصول الربح، فإن كان بعد الانضاض فقد تم العمل فيأخذ كل منهما حقه، وإن كان قبل الانضاض فعلى ما مر من تملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره يشارك المالك في العين، فإن رضيا بالقسمة على هذه الحال أو انتظرا إلى الانضاض فلا إشكال، وإن طلب أحدهما بيعها لم يجب على الاخر إجابته، والظاهر كفاية القسمة برضاهما في استقرار الملك وإن لم يحصل الانضاض، ولو لم تحصل القسمة وحدثت الخسارة قبلها وقبل الانضاض، تجبر بالربح. (مسألة 97) إذا كان في المال ديون على الناس فالاحوط إن لم يكن أقوى أن على العامل استيفأها إلا إذا رضي المالك بتركها. (مسألة 98) إذا انفسخت المضاربة وجب على العامل رد المال إلى المالك، وتحقق الرد بالتخلية بينه وبينه بدون إيصال إليه مشكل خصوصا إذا لم يكن الفسخ من المالك. أما إذا كان سافر برأس المال إلى بلد آخر بغير إذنه فيجب إرجاعه إلى المالك، ويتحمل مؤونة إرجاعه. (مسألة 99) إذا كانت المضاربة فاسدة، فإن كان العمل بإذن المالك
حتى لو كانت مضاربة باطلة أو أجازه بعد علمه ببطلانها، فالربح كله للمالك، سوأ كانا جاهلين بالفساد أو عالمين أو مختلفين. وإذا أذن له المالك بالاتجار
[ 34 ]
مقيدا بصحة المضاربة وكانت فاسدة فالمعاملة باطلة من أصلها ولا ربح، لكن العامل يستحق أجرة المثل في جميع الصور إذا كان مأذونا بالتجارة وجاهلا بالفساد، سوأ كان المالك عالما به أو جاهلا. وأما إذا عمل بدون إذن المالك فلا يستحق شيئا وإن أجاز المالك معاملاته بعد وقوعها. وكذا لا يستحق شيئا إذا كان عالما بفساد المضاربة إلا إذا عمل بأمر المالك ولو مع علمه بالفساد فيكون له الاجرة. وكذا له نفقة السفر إذا سافر بأمر المالك. وفي كل الاحوال لا يضمن العامل التلف والنقص الوارد على المال، والاقوى أنه يضمن ما أنفقه على نفسه في السفر لا على التجارة وإن كان جاهلا بفساد المضاربة. (مسألة 100) إذا ضارب مع الغير بمال الغير من دون ولاية ولا وكالة وقع فضوليا، فإن أجازه المالك وقع له وكان الخسران عليه والربح بينه وبين العامل على ما شرطاه، وإن رده فإن كان قبل أن يعامل بماله طالبه به، ويجب على العامل رده إليه، وإن تلف أو تعيب كان له الرجوع على كل من المضارب والعامل، فإن رجع على المضارب لم يرجع على العامل وإن رجع على العامل رجع على المضارب، هذا إذا كان المضارب غارا والعامل مغرورا، وإلا فقرار الضمان على من تلف المال عنده، وللمالك الرجوع على كل منهما. وإن رد مضاربته بعد أن عومل بماله كانت المعاملة فضولية، فإن أمضاها وقعت له وكان تمام الربح له وتمام الخسران عليه، وإن ردها رجع بماله على
كل من شأ من المضارب والعامل كما في صورة التلف، ويجوز له أن يلاحظ مصلحته فإذا رآها تجارة رابحة أجازها وإذا رآها خاسرة ردها. وأما معاملة العامل مع المضارب، فإذا لم يعمل عملا لم يستحق شيئا، وكذا إذا عمل وكان عالما بكون المال لغير المضارب، وأما إذا عمل ولم يعلم بكونه لغيره استحق أجرة مثل عمله ورجع بها على المضارب.
[ 35 ]
(مسألة 101) إذا أخذ العامل رأس المال ليس له ترك الاتجار به وتعطيله عنده أكثر مما جرت به العادة بحيث يعد متوانيا متسامحا، فإن عطله كذلك لا لعذر موجه وكان الاذن بإمساكه مقيدا بالمعاملة، ضمنه لو تلف لكن لم يستحق المالك عليه غير أصل المال، وليس له مطالبته بالربح على تقدير الاتجار به. (مسألة 102) إذا ضاربه على خمسمائة مثلا فدفعها إليه وعامل بها، وفي أثنأ التجارة بها دفع إليه خمسمائة أخرى للمضاربة، فالظاهر أنهما مضاربتان، فلا تجبر خسارة إحداهما بربح الاخرى. نعم لو ضاربه على ألف مثلا فدفع إليه خمسمائة فعامل بها ثم دفع إليه خمسمائة أخرى فهي مضاربة واحدة تجبر خسارة كل من المعاملتين بربح الاخرى. (مسألة 103) إذا كان رأس المال مشتركا بين اثنين فضاربا واحدا ثم فسخ أحد الشريكين، فمقتضى القاعدة عدم الانفساخ بالنسبة إلى الاخر لان المضاربة مع الشريكين تنحل إلى مضاربتين. (مسألة 104) إذا تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال ولم توجد بينة، قدم قول العامل، سوأ كان المال موجودا أو كان تالفا مضمونا على العامل.
(مسألة 105) إذا ادعى العامل التلف أو الخسارة أو عدم حصول الديون التي عند الناس ولم تكن مضمونة عليه، وادعى المالك خلافه ولم توجد بينة، قدم قول العامل. (مسألة 106) إذا اختلفا في الربح ولم توجد بينة قدم قول العامل، سوأ اختلفا في أصل حصوله أو في مقداره، بل وكذا الحال إذا قال العامل ربحت كذا لكن خسرت بعد ذلك بمقداره فذهب الربح. (مسألة 107) إذا اختلفا في نصيب العامل من الربح وأنه النصف مثلا أو الثلث ولم توجد بينة، قدم قول المالك.
[ 36 ]
(مسألة 108) إذا تلف المال أو وقعت خسارة فادعى المالك على العامل الخيانة أو التفريط في الحفظ ولم تكن له بينة، قدم قول العامل، وكذا لو ادعى عليه مخالفته لما شرط عليه، سوأ كان النزاع في أصل الاشتراط أو في مخالفته لما شرط عليه، كما إذا ادعى المالك أنه قد اشترط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني فاشتراه فخسر وأنكر العامل أصل هذا الاشتراط أو أنكر مخالفته لما اشترط عليه. نعم لو كان النزاع في صدور الاذن من المالك فيما لا يجوز للعامل إلا بإذنه، كما لو سافر بالمال أو باع نسيئة فتلف أو خسر، فادعى العامل كونه بإذن المالك وأنكره، قدم قول المالك. (مسألة 109) إذا ادعى رد المال إلى المالك وأنكره قدم قول المالك. (مسألة 110) إذا اشترى العامل سلعة فظهر فيها ربح فقال اشتريتها لنفسي وقال المالك اشتريتها للقراض، أو ظهر خسران فادعى العامل أنه اشتراها للقراض وقال صاحب المال بل اشتريتها لنفسك، قدم قول العامل بيمينه.
(مسألة 111) إذا حصل تلف أو خسارة، فادعى المالك أنه أقرضه وادعى العامل أنه قارضه فلا يبعد تقدم قول العامل مع يمينه على نفي القرض، لعدم الاثر في القراض بخلاف القرض. وأما لو حصل ربح فادعى المالك أنه قارضه وادعى العامل أنه أقرضه، فيقدم قول المالك. (مسألة 112) إذا أدعى المالك أنه أعطاه المال بعنوان البضاعة فلا يستحق العامل شيئا من الربح، وادعى العامل المضاربة فله حصة منه، فالظاهر أنه يقدم قول المالك مع يمينه، فيحلف على نفي المضاربة، فله تمام الربح لو كان، ولو لم يكن ربح أصلا فلا ثمرة في هذه الدعوى. (مسألة 113) يجوز إيقاع الجعالة على الاتجار بمال وجعل الجعل حصة من الربح، بأن يقول صاحب المال مثلا: إذا اتجرت بهذا المال وحصل ربح فلك
[ 37 ]
نصفه أو ثلثه، فتكون جعالة تفيد فائدة المضاربة، لكن لا يشترط فيها ما يشترط في المضاربة، فلا يعتبر كون رأس المال من النقود، بل يجوز أن يكون عروضا أو دينا أو منفعة. (مسألة 114) يجوز للاب والجد المضاربة بمال الصغير مع عدم المفسدة، والاحوط مراعاة وجود المصلحة أيضا. وكذا القيم الشرعي كالوصي والحاكم الشرعي مع الامن من الهلاك وملاحظة الغبطة والمصلحة، بل يجوز للوصي على ثلث الميت أن يدفعه إلى الغير بالمضاربة ويصرف حصة الميت من الربح في المصارف المعينة للثلث إذا أوصى الميت بذلك، بل وإن لم يوص به لكن فوض أمر الثلث إلى نظر الوصي فرأى الصلاح في ذلك. (مسألة 115) إذا مات العامل وكان عنده مال المضاربة، فإن علم وجوده بعينه فيما تركه فلا إشكال، وإن علم بوجوده في تركته من غير تعيين
فالاقوى إجرأ القرعة والاحوط المصالحة. نعم لو علم المال جنسا وقدرا واشتبه بين أموال من جنسه له أو لغيره فالظاهر أنه بحكم المال المشترك فيكون المجموع مشتركا بين المالك وورثة الميت بالنسبة، أما إذا علم أنه مميز في الواقع وكان مشتبها في الظاهر فيأتي فيه ما تقدم من أن الاقوى إعمال القرعة والاحوط التصالح. وأما إذا علم بعدم وجوده فيها واحتمل أنه رده إلى مالكه أو تلف بتفريط منه أو بغيره، فالظاهر أنه لا يحكم على الميت بالضمان ويكون الجميع لورثته، وكذا لو احتمل بقأه فيها. كما أن الاقوى أن تكون التركة كلها موروثة فيما إذا علم بأن مقدارا من مال المضاربة قد كان قبل موته داخلا في هذه الاجناس الباقية التي قد تركها ولم يعلم أنه هل بقي فيها أورده إلى المالك أو تلف.
[ 38 ]
كتاب الشركة (مسألة 116) وهي كون شي واحد لاثنين أو أكثر، وهي إما في عين أو دين أو منفعة أو حق. وسببها قد يكون إرثا وقد يكون عقدا ناقلا، كما إذا اشترى إثنان معا مالا أو استأجرا عينا، أو أخذا حق تحجير مثلا بالمصالحة. ولها سببان آخران يختصان بالشركة في الاعيان، أحدهما الحيازة، كما إذا اقتلع اثنان معا شجرة مباحة أو اغترفا مأا مباحا بآنية واحدة دفعة. وثانيهما الامتزاج، كما إذا امتزج مأ أو خل لشخص بمأ أو خل لشخص آخر، سوأ وقع قهرا أو عمدا واختيارا. (مسألة 117) الامتزاج يوجب الشركة الواقعية إذا حصل فيه الامتزاج
التام بين مايعين متجانسين كالمأ بالمأ والدهن بالدهن، بل وغير متجانسين كدهن اللوز بدهن الجوز مثلا. بل لا يبعد كون الشركة واقعية أيضا فيما لا يكون تميز للممتزجين عرفا وكانا بحيث يصيران شيئا واحدا كما في مثل خلط الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير بل والجوز بالجوز واللوز باللوز، كما هو المرتكز في الاذهان مع عدم ردع معلوم. وعند المزج الرافع للامتياز يعامل المجموع معاملة المال المشترك فيجري فيه صحة التقسيم والافراز وسائر أحكام المال المشترك. أما إذا اختلطت القيميات ببعضها كالثياب والاغنام وغيرها، فلا تتحقق
[ 40 ]
الشركة لا ظاهرا ولا واقعا، حتى إذا لم يتميز المختلط، فيكون العلاج بالمصالحة أو القرعة. (مسألة 118) لا يجوز لبعض الشركأ التصرف في المال المشترك إلا برضا الباقين، بل لو أذن أحد الشريكين لشريكه في التصرف جاز للمأذون ولم يجز للاذن إلا أن يأذن له المأذون أيضا. ويجب أن يقتصر المأذون على المقدار المأذون فيه كما وكيفا. نعم الاذن في الشي إذن في لوازمه عند الاطلاق، فإذا أذن له في سكنى الدار يلزمه الاذن في إسكان أهله وعياله وأطفاله وتردد أصدقائه ونزول ضيوفه بالمقدار المعتاد، فيجوز ذلك كله، إلا أن يمنع عنه كلا أو بعضا، أو تكون قرينة مانعة عن التمسك بالاطلاق، فيقتصر حينئذ على القدر المتيقن. (مسألة 119) كما تطلق الشركة على المعنى المتقدم، وهو كون شي واحد لاثنين أو أكثر، تطلق أيضا على معنى آخر وهو العقد الواقع بين اثنين أو أكثر على المعاملة بمال مشترك بينهم، وتسمى الشركة العقدية والاكتسابية، وثمرتها
عندما تتحقق بأسبابها الاتية جواز تصرف الشريكين فيما اشتركا فيه بالتكسب به وكون الربح والخسران بينهما على نسبة مالهما. (مسألة 120) الشركة العقدية عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب وقبول، ويكفي قولهما اشتركنا أو قول أحدهما ذلك مع قبول الاخر، ولا يبعد جريان المعاطاة فيها، بأن يخلطا المالين بقصد اشتراكهما في الاكتساب بهما ويصيرا شيئا واحدا عند العرف كما مر. (مسألة 121) يعتبر في الشركة العقدية كل ما اعتبر في العقود المالية، من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه. (مسألة 122) لا تصح الشركة العقدية إلا في الاعيان نقودا كانت أو عروضا، فلا تصح في الديون ولا في الحقوق ولا في المنافع. وتسمى تلك
[ 41 ]
شركة العنان. ولا تصح في الاعمال، وهي المسماة بشركة الابدان، بأن يوقع العقد اثنان على أن تكون أجرة عمل كل منهما مشتركة بينهما، سوأ اتفقا في العمل كالخياطين أو اختلفا كالخياط والنساج. ومن ذلك تعاقد شخصين على أن كل ما يحصل عليه كل منهما بالحيازة من الحطب أو الحشيش مثلا يكون مشتركا بينهما، فلا تتحقق الشركة بذلك، بل يختص كل منهما بأجرته وبما حازه. نعم لو صالح أحدهما الاخر بنصف منفعته إلى مدة كذا مثل سنة أو سنتين بنصف منفعة الاخر إلى تلك المدة، وقبل الاخر صح، واشترك كل منهما فيما يحصل عليه الاخر في تلك المدة بالاجرة أو الحيازة. وكذا لو صالح أحدهما الاخر عن نصف منفعته إلى مدة بعوض معين كدينار مثلا، وصالحه الاخر أيضا على نصف منفعته في تلك المدة بذلك العوض. ولا تصح أيضا شركة الوجوه، وهي أن يوقع العقد إثنان وجيهان
عند الناس لا مال لهما، على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل ويكون ما يبتاعه كل منهما بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. ولو أرادا الحصول على هذه النتيجة بوجه مشروع فلا بد أن يوكل كل منهما الاخر في أن يشاركه فيما اشتراه، بأن يشتري لهما وفي ذمتهما، فإذا اشترى شيئا كذلك يكون لهما فيكون الربح والخسران بينهما. ولا تصح أيضا شركة المفاوضة، وهي أن يعقد اثنان على أن يشارك كل منهما الاخر في كل ما يحصل لكل منهما من ربح تجارة أو فائدة زراعة أو اكتساب أو إرث أو وصية، أو غير ذلك، وكذا كل غرامة وخسارة ترد على أحدهما تكون عليهما. فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الاعيان المسماة بشركة الاعيان. (مسألة 123) إذا آجر اثنان نفسهما بعقد واحد لعمل واحد بأجرة معينة، كانت الاجرة مشتركة بينهما، وكذا لو حاز اثنان معا مباحا، كما لو اقتلعا
[ 42 ]
معا شجرة أو اغترفا مأا دفعة بآنية واحدة، فيكون ما حازاه مشتركا بينهما، وليس ذلك من شركة الابدان حتى تكون باطلة، وتقسم الاجرة وما حازاه بنسبة عملهما، ولو لم تعلم النسبة فالاحوط التصالح. (مسألة 124) حيث إن الشركة العنانية هي العقد على المعاملة والتكسب بالمال المشترك، فلا بد من أن يكون رأس المال مشتركا بأحد أسباب الشركة، فإن كان مشتركا قبل إيقاع عقدها كالمال الموروث قبل القسمة فهو، وإن كان المالان ممتازين، فإن كانا مما تحصل الشركة بمزجهما على ما مر مزجاهما قبل العقد أو بعده ليتحقق الاشتراك في رأس المال، وإن كانا من غيره، بأن كان عند أحدهما جنس وعند الاخر جنس آخر، فلا بد من إيجاد أحد أسباب
الشركة غير المزج ليصير رأس المال مشتركا، كأن يبيع أو يصالح كل منهما على نصف ماله بنصف مال الاخر. وما اشتهر من أن في الشركة العقدية لا بد من خلط المالين قبل العقد أو بعده مبني على ما هو الغالب من كون رأس المال من الدراهم أو الدنانير التى تمتاز حصة كل منهما فيها عن حصة الآخر، وحيث أن الخلط والمزج فيها أسهل أسباب الشركة، ذكروا أنه لا بد من امتزاج الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير حتى يحصل الاشتراك في رأس المال، لا بمعنى أن ذلك شرط حتى أنه لو فرض كون الدراهم أو الدنانير مشتركة بين اثنين بسبب آخر غير المزج كالارث، أو فرض أن المالين مما لا يوجب خلطهما الاشتراك، لم تقع الشركة العقدية. (مسألة 125) الظاهر أن المنشأ بعقد الشركة هو التعهد والالتزام بلوازم الشركة في التجارة، بأن يتجرا معا في المال المعين إلى زمان معين بشرائط معينة من العامل والمعاملة ومكانها وكيفيتها، فإن كان العقد مشتملا على تعيين العامل فهو، وإلا فتحتاج المعاملة بمال الشركة من كل منهما إلى إذن جديد.
[ 43 ]
وإذا اشترطا كون العمل من أحدهما أو من كليهما منضمين فهو المتبع. وكذا من حيث العمل والتكسب، فمع اشتمال العقد على مطلقه، يجوز مطلقه مما يريان فيه المصلحة كالعامل في المضاربة، ولو عينا جهة خاصة، كبيع وشرأ الاغنام أو الطعام أو القماش أو غير ذلك، يقتصران على ذلك ولا يتعديان إلى غيره. (مسألة 126) حيث إن كل واحد من الشريكين كالوكيل والعامل عن الاخر، فإذا عقدا على الشركة في مطلق التكسب أو في تكسب خاص يقتصر
على المتعارف، فلا يجوز البيع بالنسيئة ولا السفر بالمال إلا مع الاذن الخاص، وإن جاز له كل ما تعارف من حيث الجنس المشترى والبائع والمشتري وأمثال ذلك. نعم لو عينا شيئا من ذلك لم يجز لهما التعدي عنه إلا بإذن من الشريك، وإن تعدى أحدهما عما عينا أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف، إلا إذا أجاز الشريك المعاملة غير المأذون فيها. (مسألة 127) إطلاق الشركة يقتضي بسط الربح والخسران على الشريكين على نسبة مالهما، فإذا تساوى مالهما تساويا في الربح والخسران، ومع التفاوت يتفاضلان فيهما على حسب تفاوت مالهما، من غير فرق بين أن يكون العمل من أحدهما أو منهما، بالتساوي فيه أو الاختلاف. ولو شرطا التفاوت في الربح مع التساوي في المال، أو شرطا تساويهما فيه مع التفاوت في المال، فإن جعلت الزيادة للعامل منهما أو لمن كان عمله أكثر صح بلا إشكال، وإن جعلت لغير العامل أو لمن لم يكن عمله أكثر فالاقوى بطلان العقد والشرط كليهما، لان الشرط مخالف لمقتضى العقد لانه يرجع إلى تفكيك لوازم الشركة عنها، نعم لو كان الاذن في التجارة غير مقيد بالشرط المذكور، فالاقوى صحة العقد وبطلان الشرط.
[ 44 ]
(مسألة 128) العامل من الشريكين أمين، فلا يضمن التلف إذا لم يكن منه تعد ولا تفريط. وإذا ادعى التلف قبل قوله مع اليمين، وكذا إذا ادعى الشريك عليه التعدي أو التفريط وأنكر هو. (مسألة 129) عقد الشركة جائز من الطرفين، فيجوز لكل منهما فسخه، فينفسخ لكن لا تبطل بذلك أصل الشركة إذا كانت تحققت بأسبابها، وكذا
ينفسخ بعروض الموت والجنون والاغمأ والحجر بالفلس أو السفه، ويبقى أيضا أصل الشركة. (مسألة 130) إذا جعلا للشركة أجلا لم يلزم، فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه، وإذا اشترطاه في ضمن عقد لازم فلزومه مشكل، نعم لو شرطا عدم الفسخ يجب الوفأ به تكليفا لكنها تنفسخ بالفسخ. (مسألة 131) إذا تبين بطلان عقد الشركة فالمعاملات الواقعة قبله محكومة بالصحة ولهما الربح وعليهما الخسران على نسبة المالين، ولكل منهما أجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصة الاخر. القول في القسمة (مسألة 132) يحتمل أن يكون معنى الاشاعة أن سهم كل شريك دائر بين مصاديق متعددة يشخص ويتعين بالقرعة، وذلك ليس ببعيد لو لا الاجماع على خلافه كما في الجواهر. وأما بنأا على كون الاشاعة استحقاق كل شريك في كل جز يفرز فمع قطع النظر عن الاشكال في الجز الذي لا يتجزأ فالمناسب في تعريف القسمة أن يقال: القسمة هي نقل سهم كل شريك من الحصة التى بيد شريكه إليه بإزأ سهم شريكه في الحصة التى بيده. وهذا لا يستقيم في قسمة الرد، ولا تحتاج إلى تعديل القسمة لانه معاوضة لا تحتاج إلى أكثر من رضا الطرفين، لان الناس مسلطون على أموالهم، ولا يدخل فيه الربا وإن عممناه لجميع المعاوضات.
[ 45 ]
(مسألة 133) إذا كانت القسمة بتعديل السهام فيجب تعديلها، إما بحسب الا جزأ والكمية كيلا أو وزنا أو عدا أو مساحة، وتسمى قسمة إفراز، وهي جارية في المثليات كالحبوب والادهان والخلول والالبان، وفي بعض
القيميات المتساوية الا جزأ كطاقة القماش، وقطعة الارض البسيطة المتساوية الا جزأ. وإما بحسب القيمة والمالية، كما في القيميات إذا تعددت كالانعام والعقار والاشجار إذا تساوى بعضها مع بعض بحسب القيمة، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة أغنام تساوي قيمة إحداها قيمة اثنتين منها فتكون الواحدة سهما والاثنتين سهما، ويسمى ذلك قسمة التعديل. وإما بضم مقدار من المال مع بعض السهام ليعادل البعض الاخر، كما إذا كان بين اثنين فرسان قيمة أحدهما خمسة دنانير والاخر أربعة، فإنه إذا ضم إلى الثاني نصف دينار تساوى مع الاول، وتسمى هذه قسمة الرد. (مسألة 134) يمكن التقسيم بالرد في أنواع الشركات حتى فيما يأتي فيه قسمة الافراز، ولا يجبر أحد على غير الافراز مع إمكانه، ومع عدم إمكانه لا يجبر إلا بتقسيم العدل فيما يمكن، والرد لا يجبر عليه إلا مع عدم إمكان قسيميه. وأما جواز التقسيم بغير ما يجبر عليه فمشكل أيضا، لان المتيقن من الادلة والدائر عند المتشرعة ذلك. أما التقسيم بالرد مع إمكان الافراز فهو نوع معاوضة لا بأس بالمصالحة المفيدة لفائدته. (مسألة 135) لا يعتبر في القسمة تعيين مقدار السهام بعد أن كانت معدلة، فلو كانت صبرة من حنطة مجهولة الوزن بين ثلاثة فجعلها ثلاثة أقسام معدلة بمكيال مجهول المقدار، أو كانت بينهم أرض متساوية الا جزأ فجعلها ثلاثة أجزأ متساوية بخشبة أو حبل لا يدرى طوله بالذراع صح، لان القسمة ليست كالبيع والمعاوضة في ذلك. (مسألة 136) إذا كانا شريكين في أنواع متساوية الا جزأ كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب أحدهما قسمة كل نوع بانفراده قسمة إفراز أجبر الممتنع،
[ 46 ]
وإن طلب قسمتها بالتعديل بحسب القيمة لم يجبر، وكذا إذا كانت بينهما قطعتا أرض أو داران أو دكانان، فإنه يجبر الممتنع لو طلب أحد الشريكين قسمة كل منهما على حدة، ولا يجبر إذا طلب قسمتها بالتعديل. نعم لو كانت قسمتها منفردة مستلزمة للضرر دون قسمتها بالتعديل، أجبر الممتنع على الثانية إن طلبها أحد الشريكين دون الاولى. (مسألة 137) إذا اشترك اثنان في دار ذات علو وسفل وأمكن قسمتها على نحو يحصل لكل منهما حصة من العلو والسفل بنحو التساوي فهذه القسمة مقدمة على غيرها، وبعدها فالتعديل مقدم بأن يعطى لاحدهما العلو ولاحدهما السفل بالتعديل. (مسألة 138) لو كانت دار أو بناية ذات غرف بين جماعة وطلب بعض الشركأ القسمة أجبر الباقون، إلا إذا استلزم الضرر من جهة الضيق وكثرة الشركأ. (مسألة 139) إذا كانت بينهما بستان مشتملة على نخيل وأشجار فقسمتها بأشجارها ونخيلها بالتعديل قسمة إجبار، إذا طلبها أحدهما يجبر الاخر، بخلاف قسمة كل من الارض والاشجار على حدة، فإنها قسمة تراض لا يجبر عليها الممتنع. (مسألة 140) إذا كانت بينهما أرض مزروعة، يجوز قسمة كل من الارض والزرع قصيلا كان أو سنبلا على حدة، وتكون القسمة قسمة إجبار، وأما قسمتهما معا فهي قسمة تراض، لا يجبر الممتنع عليها إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر فيها، فيجبر عليها. هذا إذا كان الزرع قصيلا أو سنبلا، وأما إذا كان حبا مدفونا أو مخضرا في الجملة ولم يكمل نباته، فلا إشكال في قسمة الارض وحدها وبقأ الزرع على إشاعته، كما أنه لا إشكال
في عدم جواز قسمة الزرع مستقلا. نعم لا يبعد جواز قسمة الارض بزرعها بحيث يجعل من توابعها، بحيث يصدق عرفا أنها قسمة إفراز، وإلا فلا يترك الاحتياط بقسمة الارض وحدها وقسمة الزرع بالافراز.
[ 47 ]
(مسألة 141) إذا كانت بينهم دكاكين متعددة متجاورة أو منفصلة، فإن أمكن قسمة كل منها بانفراده وطلبها بعض الشركأ، وطلب بعضهم قسمة الجميع بالتعديل لكي يتعين حصة كل منهم في دكان تام أو أكثر، يقدم ما طلبه الاول ويجبر البعض الاخر، إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر في النحو الثاني فيجبر عليه. (مسألة 142) إذا كان بينهما حمام وشبهه مما لا يقبل القسمة الخالية عن الضرر لم يجبر الممتنع. نعم لو كان كبيرا بحيث يقبل الانتفاع بصفة الحمامية من دون ضرر ولو بإحداث موقد أو بئر آخر، فالاقرب الاجبار. (مسألة 143) إذا كان لاحد الشريكين عشر من دار مثلا وهو لا يصلح للسكنى ويتضرر هو بالقسمة دون الشريك الاخر، فلو طلب هو القسمة لغرض صحيح يجبر شريكه، ولا يجبر هو لو طلبها الاخر. (مسألة 144) يكفي في الضرر المانع عن الاجبار ترتب نقصان في العين أو القيمة بسبب القسمة، بما لا يتسامح فيه في العادة، وإن لم يسقط المال عن قابلية الانتفاع بالمرة. (مسألة 145) لا بد في القسمة من تعديل السهام ثم القرعة: أما كيفية التعديل فإن كانت حصص الشركأ متساوية - كما إذا كانوا اثنين ولكل منهما نصف أو ثلاثة ولكل منهم ثلث وهكذا - يعدل السهام بعدد الرؤوس،
فيجعل سهمين متساويين إن كانوا اثنين وثلاثة أسهم متساويات إن كانوا ثلاثة وهكذا، ويعلم كل سهم بعلامة تميزه عن غيره، فإذا كانت قطعة أرض متساوية الا جزأ بين ثلاثة مثلا تجعل ثلاث قطع متساوية بحسب المساحة ويميز بينها أحدها الاولى والاخرى الثانية والثالثة ثالثة.
[ 48 ]
وإذا كانت دار لاربعة أشخاص وهي مشتملة على أربع غرف مثلا تجعل أربعة أجزأ متساوية بحسب القيمة وتميز كل منها بمميز كالقطعة الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية المحدودات بحدود كذائية. وإذا كانت الحصص متفاوتة، كما إذا كان المال بين ثلاثة: سدس لعمرو وثلث لزيد ونصف لبكر، تجعل السهام على أقل الحصص، ففي المثال تجعل السهام ستة معلمة كل منها بعلامة كما مر. وأما كيفية القرعة ففي الاول - وهو ما إذا كانت الحصص متساوية - تؤخذ رقاع بعدد رؤوس الشركأ رقعتان إذا كانوا اثنين وثلاث إن كانوا ثلاثة، وهكذا. ويتخير بين أن يكتب فيها أسمأ الشركأ على إحداها زيد، وعلى أخرى عمرو، وعلى ثالثة بكر مثلا، أو أسمأ السهام، على إحداها الاول، وعلى الاخرى الثاني، وعلى ثالثة الثالث مثلا، ثم تشوش وتستر ويؤمر من لم يشاهدها فيخرج واحدة واحدة، فإن كتب عليها اسم الشركأ يعين السهم كالاول ويخرج رقعة باسم ذلك السهم قاصدين أن يكون هذا السهم لمن خرج اسمه، فكل من خرج اسمه يكون ذلك السهم له، ثم يعين السهم الثاني، ويخرج رقعة أخرى لذلك السهم فكل من خرج اسمه كان السهم له، وهكذا. وإن كتب عليها أسمأ السهام يعين أحد الشركأ ويخرج رقعة، فكل سهم خرج إسمه كان ذلك السهم له، ثم يخرج رقعة أخرى لشخص آخر، وهكذا.
وأما في الثاني وهو ما إذا كانت الحصص متفاوتة كما في المثال المتقدم الذي قد تقدم أنه يجعل السهام على أقل الحصص وهو السدس - يتعين فيه أن تؤخذ الرقاع بعدد الرؤوس فيكتب مثلا على إحداها زيد، وعلى الاخرى عمرو، وعلى الثالثة بكر، وتستر كما مر، ويقصد أن كل من خرج اسمه على سهم كان له ذلك مع ما يليه بما يكمل تمام حصته، ثم تخرج إحداها على السهم الاول، فإن كان عليها اسم صاحب السدس تعين له، ثم تخرج أخرى على السهم الثاني فإن كان عليها اسم صاحب الثلث كان الثاني والثالث له، ويبقى الرابع والخامس والسادس لصاحب النصف ولا يحتاج إلى إخراج الثالثة. وإن كان عليها اسم صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع، ويبقى الاخيران لصاحب الثلث، وإن كان ما خرج على السهم الاول صاحب الثلث كان الاول والثاني له. ثم تخرج أخرى على السهم الثالث فإن خرج اسم
[ 49 ]
صاحب السدس كان ذلك له، وتبقى الثلاثة الاخيرة لصاحب النصف. وإن خرج صاحب النصف كان الثالث والرابع والخامس له ويبقى السادس لصاحب السدس. وقس على هذا. (مسألة 146) الظاهر أنه ليست للقرعة كيفية خاصة، وانما تكون الكيفية منوطة باتفاق القاسم والمتقاسمين وجعل تعيين السهام بأمر ليس لارادة المخلوق مدخلية فيه، بل هو بيد الخالق جل شأنه، سوأ كان بكتابة رقاع أو وضع علامة في حصاة أو نواة أو ورق أو خشب أو غير ذلك. (مسألة 147) الاقوى أنه إذا اتفقوا على التقسيم وعدلوا السهام وأوقعوا القرعة فقد تمت القسمة ولا يحتاج إلى تراض آخر بعدها فضلا عن إنشائه، وإن كان هو الاحوط في قسمة الرد.
(مسألة 148) إذا طلب بعض الشركأ المهاياة في الانتفاع بالعين المشتركة، إما بحسب الزمان بأن يسكن هذا شهرا وذاك شهرا مثلا، وإما بحسب الا جزأ بأن يسكن هذا في الفوقاني وذاك في التحتاني مثلا، لم يلزم على شريكه القبول ولم يجبر إذا امتنع. نعم يصح ذلك مع التراضي ولكنه ليس بلازم، فيجوز لكل منهما الرجوع. هذا في شركة الاعيان، وأما في شركة المنافع فينحصر إفرازها بالمهاياة لكنها فيها أيضا غير لازمة. نعم لو حكم الحاكم الشرعي بها في مورد لاجل حسم النزاع والجدال، يجبر الممتنع وتلزم. (مسألة 149) القسمة في الاعيان إذا وقعت. وتمت بالقرعة كما مر فقد لزمت وليس لاحد من الشركأ إبطالها وفسخها، بل الظاهر أنه ليس لهم فسخها وإبطالها بالتراضي، لان الظاهر عدم مشروعية الاقالة فيها. (مسألة 150) لا تشرع القسمة في الديون المشتركة، فإذا كان لزيد وعمرو معا ديون على الناس بسبب يوجب الشركة كالارث، فأرادا تقسيمها قبل استيفائها فعدلا بين الديون وجعلا ما على الحاضر مثلا لاحدهما وما على
[ 50 ]
البادي لاحدهما، لم يفرز بل تبقى على إشاعتها، فكل ما حصل عليه كل منهما يكون له، وكل ما يبقى على الناس يكون بينهما. بل لو اشتركا في دين على أحد واستوفى أحدهما حصته - بأن قصد كل من الدائن والمديون أن يكون ما يأخذه وفأا وأدأا لحصته من الدين المشترك، فتعينه له مشكل أيضا سوأ أجازه الشريك أو لم يجزه. نعم مع الاجازة تكون تلك الحصة مشتركة بينهما، ومع عدم الاجازة تبقى ملكا للمدين، فإن أراد إعطأ حصة أحد الشريكين فيحتال بمصالحته على شي لابرأ ذمته
. (مسألة 151) إذا ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة أو عدم التعديل فيها وأنكر الاخر، فإن أقام البينة على دعواه نقضت القسمة واحتاجت إلى قسمة جديدة، وإن لم تكن بينة، كان له إحلاف الشريك. (مسألة 152) إذا قسم الشريكان الدار فصار قسم في حصة هذا وقسم في حصة الاخر، وكان طريق أحدهما أو مجرى مائه على الاخر لم يكن للثاني منعه إلا إذا اشترطا حين القسمة. (مسألة 153) لا يجوز قسمة الوقف بين الموقوف عليهم. إلا إذا وقع بينهم تشاح مؤد إلى خرابه بحيث لا ترتفع غائلته إلا بالتقسيم حتى بالنسبة إلى البطون اللاحقة، وأما إذا أمكن ارتفاع الغائلة بالقسمة بالنسبة إلى زمان حياة الموجودين حتى يبقى على اشتراكه بين البطون اللاحقة فهو المتعين. نعم يصح قسمة الوقف عن الطلق، بأن يكون ملك واحد نصفه المشاع وقفا ونصفه ملكا، بل الظاهر جواز قسمة وقف عن وقف، وهو فيما إذا كان ملك بين اثنين فوقف أحدهما حصته على ذريته مثلا والاخر حصته على ذريته، فيجوز إفراز أحدهما عن الاخر بالقسمة، والمتصدي لذلك الموجودون من الموقوف عليهم وولي البطون اللاحقة.
[ 51 ]
كتاب المزارعة (مسألة 154) وهي المعاملة على أن تزرع الارض بحصة من حاصلها، وحقيقتها اعتبار إضافة بين الارض والعامل مستتبعة لسلطنته عليها بالزراعة ببذره أو ببذر المالك أو غيره، وإضافة أخرى بين المالك والعامل مستتبعة لسلطنته عليه بالعمل بأزأ حصة من الحاصل أو السلطنة على الارض، فعقدها
بمنزلة إجارة الارض والعامل، ومال الاجارة للارض حصة من الزراعة إن كان البذر من العامل مع التزامه بالعمل، ومجرد العمل إن كان البذر من المالك أو غيره، وأجرة العامل حصة من الحاصل إن كان البذر للمالك، والانتفاع من الارض إن كان للعامل. وسيأتي في مسألة (163) صحة كون الارض والعمل من أحدهما والبذور والوسائل من آخر. وهي عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب من صاحب الارض، وهو كل لفظ يفيد إنشأ هذا المعنى وكان ظاهرا فيه ولو مع القرينة كقوله: زارعتك أو سلمت إليك الارض مدة كذا على أن تزرعها على كذا.. وأمثال ذلك. وتحتاج إلى قبول من الزارع بلفظ يفيد إنشأ الرضا بالايجاب كسائر العقود، والاحوط عدم الاكتفأ بالقبول الفعلي بعد الايجاب القولي، بأن يتسلم الارض بهذا القصد ويشتغل بها. ولا يعتبر فيها العربية، بل يقع عقدها بأي لغة كان. والظاهر جريان المعاطاة فيها بعد تعيين ما يلزم تعيينه بالمقاولة. (مسألة 155) يعتبر فيها زائدا على ما اعتبر في المتعاقدين في سائر العقود من البلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد، وعدم الحجر حتى من العامل إذا كان البذر له أو احتاج الزرع إلى صرف المال، أمور:
[ 52 ]
أحدها: جعل الحاصل مشاعا بينهما، فلو جعل الكل لاحدهما أو شرطا أن يكون بعضه الخاص كالذي يحصل متقدما، أو الذي يحصل من القطعة الفلانية لاحدهما، والاخر للاخر، لم يصح. ثانيها: تعيين حصة الزارع بمثل النصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك. ثالثها: تعيين المدة بالاشهر والسنين، ولو اقتصر على ذكر المزروع في سنة واحدة فالاوجه الاكتفأ به عن تعيين المدة إذا كان عين مبدأ الشروع في
الزرع، وإذا عين المدة بالزمان فلا بد أن تكون مدة يدرك فيها الزرع بحسب العادة، فلا تكفي المدة القليلة التي تقصر عن إدراكه. رابعها: أن تكون الارض قابلة للزرع ولو بالعلاج والاصلاح وطم الحفر، وحفر النهر ونحو ذلك، فلو كانت سبخة لا تصلح للزرع أو لم يكن لها مأ ولا يكفيه مأ المطر ولا يمكن تحصيل المأ لها ولو بمثل حفر النهر أو البئر أو الشرأ، لم يصح. خامسها: تعيين المزروع ولو بالانصراف إلى ما هو المتعارف، وانه حنطة أو شعير أو غيرهما مع اختلاف الاغراض فيه. نعم لو صرح بالتعميم صح، فيتخير الزارع بين أنواعه. سادسها: تعيين الارض، فلو زارعه على قطعة من هذه القطعات أو مزرعة من هذه المزارع، بطل. نعم لو عين قطعة معينة من الارض التي لم تختلف أجزاؤها وقال: زارعتك على جريب من هذه القطعة على نحو الكلي في المعين، فالظاهر الصحة ويكون التخيير في تعيينه لصاحب الارض. سابعها: أن يعينا أن البذر وسائر المصارف على أي منهما إذا لم يكن في ذلك تعارف. (مسألة 156) لا يعتبر في المزارعة كون الارض ملكا للمزارع، بل يكفي كونه مالكا لمنفعتها أو انتفاعها بالاجارة ونحوها مع عدم اشتراط المباشرة بالزراعة في عقد الاجارة، ويكفي أن يكون أخذها من مالكها بعنوان المزارعة، أو تكون أرضا خراجية وقد تقبلها من السلطان أو غيره.
[ 53 ]
نعم لو لم يكن له فيها حق ولا عليها سلطنة أصلا كالموات، لم يصح مزارعتها، وإن أمكن أن يتشاركا في زرعها وحاصلها مع الاشتراك في البذر،
لكنه ليس من المزارعة في شي. (مسألة 157) إذا أذن مالك الارض أو المزرعة إذنا عاما، بأن قال: من زرع أرضي أو مزرعتي فله نصف الحاصل مثلا، فأقدم أحد على ذلك، استحق من المالك حصته. (مسألة 158) إذا اشترطا أن يكون الحاصل بينهما بعد إخراج الخراج أو بعد إخراج البذر لصاحبه أو ما يصرف في تعمير الارض لصارفه، فإن اطمئنا ببقأ شي من الحاصل بعد ذلك ليكون بينهما، صح، وإلا بطل. (مسألة 159) إذا انقضت المدة المعينة ولم يدرك الزرع، لم يستحق الزارع إبقأه ولو بالاجرة، بل للمالك الامر بإزالته من دون أرش، وله إبقاؤه مجانا أو بأجرة إن رضي الزارع بها. (مسألة 160) إذا ترك الزارع الزرع حتى انقضت المدة، وكانت الارض تحت يده فالاوجه أن يضمن أجرة المثل، وإن لم تكن تحت يده فعدم الضمان لا يخلو من قوة. هذا إذا لم يكن ترك الزرع لعذر عام كالثلوج الخارقة أو صيرورة المحل معسكرا أو مسبعة ونحو ذلك، ففي مثل هذه الحالات تنفسخ المزارعة. (مسألة 161) إذا زارع على أرض ثم تبين للزارع أنه لا مأ لها فعلا لكن أمكن تحصيله بحفر بئر ونحوه، صحت المزارعة لكن للعامل خيار الفسخ. وكذا لو تبين أن الارض غير صالحة للزراعة إلا بالعلاج التام، كما إذا كان مستوليا عليها المأ لكن يمكن قطعه عنها. نعم لو تبين أنه لا مأ لها فعلا ولا يمكن تحصيله أو كان فيها مانع لا يمكن إزالته ولا يرجى زواله، فالمزارعة باطلة.
[ 54 ]
(مسألة 162) إذا عين المالك له نوعا من الزرع كالحنطة أو الشعير أو غيرهما فزرع غيره ببذره، كان له الخيار بين الفسخ والامضأ، فإن أمضاه أخذ حصته، وإن فسخ كان الزرع للزارع وعليه للمالك أجرة الارض. هذا إذا كان التعيين بنحو الاشتراط، وإن كان بنحو التقييد فهو بحكم من ترك الارض بغير زرع، فإن لم يرض المالك بما زرع فعليه أجرة مثل الارض وأرش نقصها، وأما الزرع فلمالك البذر، وإن رضي المالك بما زرع فهو بمنزلة إقالة المزارعة الاولى وإنشأ مزارعة جديدة، أو بمنزلة رضا المالك بالحصة من الزرع الموجود بدل أجرة الارض، ولا مانع منه. (مسألة 163) الاظهر عدم اعتبار كون الارض من أحدهما والعمل من الاخر، فيجوز أن يكون الارض والعمل من شخص والبذور والعوامل من الاخر. وإن كانت الارض من أحدهما والعمل من الاخر فالبذر والعوامل وسائر المصارف فبحسب ما يشترطانه، فيجوز جعلها كلها على المزارع أو على الزارع، أو بعضها على هذا وبعضها على ذاك، ولا بد من تعيين ذلك حين العقد، إلا إذا كان هناك عرف معتاد يغني عن التعيين. (مسألة 164) يصح للمزارع أن يشارك غيره في مزارعته بجعل حصة من حصته له، كما يصح أن يزارع غيره بنحو يكون المزارع الثاني متلقيا من المزارع الاول لا من المالك، نظير المستأجر من المستأجر. أما إذا أراد نقل المزارعة بحيث يكون الثاني مزارعا للمالك بلا واسطة فلا يصح إلا بفسخ المزارعة الاولى وإنشأ مزارعة جديدة. ولا يشترط في جواز تشريك غيره في المزارعة ولا المزارعة الثانية اذن المالك، نعم لا يجوز تسليم الارض إلى الغير إلا بإذنه. ولو شرط عليه المالك أن يباشر بنفسه بحيث لا يشارك غيره كان هو المتبع.
(مسألة 165) المزارعة عقد لازم من الطرفين، فلا تنفسخ بفسخ أحدهما إلا إذا كان له الخيار بسبب الاشتراط وغيره، وتنفسخ بالتقايل كسائر العقود
[ 55 ]
اللازمة. كما أنها تبطل وتنفسخ قهرا بخروج الارض عن قابلية الانتفاع لانقطاع المأ عنها أو استيلائه عليها، ونحو ذلك. (مسألة 166) لا تبطل المزارعة بموت أحد المتعاقدين، فإن مات رب الارض أو العامل قام وارثه مقامه، فإما أن يتموا العمل ولهم حصة مورثهم، وإما أن يستأجروا أحدا لاتمام العمل من مال المورث ولو من حصته المعينة، فإن زاد شي كان لهم. نعم إذا اشترط على العامل مباشرته للعمل وكانت المباشرة مأخوذة في العمل قيدا فإنها تبطل بموت العامل، وأما إذا أخذت شرطا فالظاهر أن للمالك أن يفسخ لتخلف الشرط، وأن يختار البقأ ويطالب ورثة العامل بإتمام العمل من تركة العامل، ويكون الورثة شركا في الحصة. (مسألة 167) إذا تبين بطلان المزارعة بعدما زرع الارض فإن كان عمل بأمر المالك ولو بعنوان المطالبة بحقه بتوهم صحة العقد، أو كان مغرورا من قبل المالك، فحينئذ إن كان البذر لصاحب الارض كان الزرع له وعليه أجرة العامل، وكذا أجرة العوامل إن كانت من العامل، وإن كان البذر من العامل كان الزرع له وعليه أجرة الارض، وكذا أجرة العوامل إن كانت من صاحب الارض، وليس عليه إبقأ الزرع إلى بلوغ الحاصل ولو بالاجرة، فله أن يأمر بقلعه. أما إذا لم يكن عمل بأمر المالك ولم يكن مغرورا فلا وجه لضمان أجرته وكذا أجرة العوامل. (مسألة 168) كيفية اشتراك العامل مع المالك في الحاصل تابعة للاتفاق الواقع بينهما، نعم لا بد أن يكون اشتراكهما من حين وجود المنفعة، إذ في
صحة اشتراط صيرورة المنفعة المشاعة مشتركة بينهما بعد مدة متأخرة عن وجودها تأمل. وفي صورة صحة الاشتراك فتارة يشتركان في الزرع من حين طلوعه وبروزه، فيكون حشيشه وقصيله وتبنه وحبه كلها مشتركة بينهما، وأخرى يشتركان في خصوص حبه من حين انعقاده، فيكون الحشيش
[ 56 ]
والقصيل والتبن كلها لصاحب البذر. هذا مع التصريح منهما بذلك، وأما مع عدمه فالظاهر من مقتضى وضع المزارعة عند الاطلاق الوجه الاول، فالزرع بمجرد خروجه يكون مشتركا بينهما. ويترتب على ذلك أمور: منها: كون القصيل والتبن أيضا بينهما. ومنها: تعلق الزكاة بكل منهما إذا كان حصة كل منهما بالغا حد النصاب، وتعلقها بمن بلغ نصيبه حد النصاب إن بلغ نصيب أحدهما، وعدم تعلقها أصلا إن لم يبلغ النصاب نصيب واحد منهما. ومنها: أنه إذا فسخ أحدهما بخيار أو فسخا كلاهما بالتقايل في الاثنأ، كان الزرع بينهما، وليس لصاحب الارض على العامل أجرة أرضه، ولا للعامل عليه أجرة عمله الماضي، وأما بالنسبة إلى الاتي إلى زمان البلوغ والحصاد، فإن وقع بينهما تراض بالبقأ بلا أجرة أو معها أو على القطع قصيلا، فلا إشكال، وإلا فكل منهما مسلط على حصته، فلصاحب الارض المطالبة بالقسمة وإبقأ حصته وإلزام الزارع بقطع حصته، كما أن للزارع المطالبة بها ليقطع حصته. (مسألة 169) خراج الارض ومال إجارة الارض المستأجرة على المزارع وليس على الزارع، إلا إذا شرط عليه كلا أو بعضا. وأما سائر المؤن كشق الانهار وحفر الابار وإصلاح النهر وتهيئة آلات السقي ونصب الدولاب والناعور ونحو ذلك، فلا بد من تعيين كونها على أي منهما إلا إذا كانت هناك
عادة تغني عن التعيين. (مسألة 170) يجوز لكل من المالك والزارع عند بلوغ الحاصل تقبل حصة الاخر بحسب الخرص بمقدار معين بالتراضي، والاقوى لزومه من الطرفين بعد القبول، والمتيقن من الاخبار الواردة فيه أن يكون المقدار المخروص المتفق عليه من حاصل ذلك الزرع لا من غيره. وإذا تم التقبل كما ذكرنا فالاقوى لزومه من الطرفين بعد القبول، وإن تبين بعد ذلك زيادتها أو نقيصتها فعلى المتقبل تمام ذلك المقدار ولو تبين أن حصة صاحبه أقل، كما أن على صاحبه قبول ذلك، وإن تبين كونها أكثر منه وليس له المطالبة بالزائد.
[ 57 ]
(مسألة 171) إذا بقيت في الارض أصول الزرع بعد جمع الحاصل وانقضأ المدة فنبتت بعد ذلك في العام المستقبل، فإن كان القرار الواقع بينهما على اشتراكهما في الزرع وأصوله كان الزرع الجديد بينهما على حسب الزرع السابق، وإن كان القرار على اشتراكهما فيما خرج من الزرع في ذلك العام فهو لصاحب البذر، إلا إذا أعرض عنه فهو لمن سبق. (مسألة 172) تجوز المزارعة على أرض بائرة يمكن زرعها بعد إصلاحها وتعميرها على أن يعمرها ويصلحها ويزرعها سنة أو سنتين مثلا لنفسه، ثم يكون الحاصل بينهما بالاشاعة بحصة معينة في مدة مقدرة. وحينئذ تكون المزارعة من حين الاشتراك، وأما قبله فالعامل يزرع لنفسه ملزما بالشرط.
[ 58 ]
كتاب المساقاة (مسألة 173) وهي المعاملة على سقي أصول ثابتة كما عن بعض،
فحقيقتها اعتبار إضافة بين المالك والعامل مستتبعة لتسلطه عليه لان يعمل ما عليه بأزأ الحصة من الثمر، نظير الاجارة بل هي نوع منها. وغاية ما يغتفر فيها الجهالة الملازمة لها، ويصح أن يقال إن حقيقتها اعتبار إضافة بين الاصول الثابتة والعامل مستتبعة لتسلطه على سقيها وإصلاحها بازأ الحصة من ثمرتها، وإضافة أخرى بين المالك والعامل مستتبعة لتسلط المالك على العامل، بأن يجبره على ما يأتي من الاعمال. وهي عقد من العقود تحتاج إلى إيجاب وقبول. واللفظ الصريح في إيجابها أن يقول صاحب الاصول: ساقيتك أو عاملتك أو سلمت إليك وما أشبه ذلك، وفي القبول قبلت ونحو ذلك. ويكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور بأي لغة كانت، ويشكل كفاية القبول الفعلي بعد الايجاب القولي كالمزارعة، لكن تجري فيها المعاطاة كالمزارعة. ويعتبر فيها - بعد شرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لسفه مطلقا أو فلس في المالك دون العامل - أن تكون الاصول مملوكة عينا ومنفعة أو منفعة فقط أو كون المساقي نافذ التصرف فيها لولاية أو وكالة أو تولية. وأن تكون معينة عندهما معلومة لديهما.
[ 60 ]
وأن تكون مغروسة ثابتة، فلا تصح في الفسيل قبل الغرس ولا على أصول غير ثابتة كالبطيخ والخيار والباذنجان وأشباهها. وأن تكون المدة معلومة مقدرة بما لا يحتمل الزيادة والنقصان كالاشهر والسنين، والظاهر كفاية جعل المدة إلى بلوغ الثمر في العام الواحد إذا عين مبدأ الشروع في السقي، وكان المنتهى معلوما ولو بحسب العادة كما هو المفروض. وأن تكون الحصة معينة مشاعة بينهما مقدرة بمثل النصف أو الثلث أو
الربع ونحو ذلك، فلا يصح أن يجعل لاحدهما مقدار معينا والبقية للاخر، أو يجعل لاحدهما أشجار معلومة وللاخر أخرى. أما إذا أرادا اختصاص أحدهما بأشجار معينة فيتعين أن تكون هذه الاشجار خارجة عن المساقاة، وإلا فمشكل. وكذا يشكل أن يشترط لاحدهما مقدار معين مع الاشتراك في البقية إذا علم كون الثمر أكثر من ذلك المقدار وأنه تبقى منه بقية. (مسألة 174) لا إشكال في صحة المساقاة قبل ظهور الثمر، كما لا إشكال في عدم الصحة بعد بلوغه وإدراكه بحيث لا يحتاج إلى عمل غير الحفظ والاقتطاف. والاقوى صحتها بعد الظهور وقبل البلوغ، خصوصا إذا كان فيها بعض الاشجار التي لم يظهر ثمرها بعد. (مسألة 175) لا يجوز المساقاة على الاشجار غير المثمرة كالخلاف ونحوه. نعم لا يبعد جوازها على ما ينتفع منها بورقه أو ورده كالتوت الذكر والحنأ والورد ونحوهما. (مسألة 176) يجوز المساقاة على فسلان مغروسة قبل أن صارت مثمرة بشرط أن تجعل المدة بمقدار تصير مثمرة فيها كخمس سنين أو ست أو أكثر. (مسألة 177) إذا كانت الاشجار لا تحتاج إلى السقي لاستغنائها بمأ السمأ أو امتصاصها من رطوبات الارض فتجوز المساقاة عليها إذا كانت تحتاج إلى أعمال أخرى توجب زيادة الثمر كما وكيفا، وإلا فالاحوط وجوبا عدم المساقاة عليها.
[ 61 ]
(مسألة 178) إذا اشتملت البستان على أنواع من الشجر والنخيل وعلما مقدار كل واحد من الانواع فيجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الاخر، كما إذا جعل النصف من ثمرة النخل والثلث من الكرم والربع
من الرمان مثلا. (مسألة 179) من المعلوم أن البساتين والنخيل والاشجار تحتاج في استثمارها إلى أعمال كثيرة، فمنها: ما يتكرر كل سنة كإصلاح الارض وتنقية الانهار وإصلاح مجرى المأ وإزالة الحشيش المضر وتشذيب الاشجار والتلقيح واللقاط والتشميس وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة، وغير ذلك. ومنها: ما لا يتكرر غالبا كحفر الابار والانهار وبنأ الجدران ونصب آلات السقي ونحو ذلك. فإذا أطلق عقد المساقاة فالظاهر أن القسم الثاني على المالك، وأما القسم الاول، فما جرت العادة على كونه على المالك أو العامل كان هو المتبع ولا يحتاج إلى التعيين، ولعل ذلك يختلف باختلاف البلاد، وإذا لم يكن تعارف وعادة فلا بد من تعيين انه على المالك أو العامل. (مسألة 180) المساقاة لازمة من الطرفين، لا تنفسخ إلا بالتقايل أو الفسخ بخيار مشترط أو لتخلف بعض الشروط، ولا تبطل بموت أحدهما، بل يقوم ورثتهما مقامهما. نعم لو كانت مقيدة بمباشرة العامل بطلت بموته. (مسألة 181) لا يشترط في المساقاة أن يكون العامل مباشرا للعمل بنفسه، فيجوز أن يستأجر أجيرا لبعض الاعمال وتمامها ويكون عليه الاجرة، وكذا يجوز أن يتبرع عنه متبرع بالعمل ويستحق العامل الحصة المقررة. نعم لو لم يقصد التبرع عنه ففي كفايته إشكال، وأشكل منه إذا قصد التبرع عن المالك، وكذا الحال إذا لم يكن عليه إلا السقي واستغنى عنه بالمطر ولم يحتج إلى السقي أصلا. نعم لو كان عليه أعمال أخرى غير السقي واستغنى عنه بالمطر وبقيت سائر الاعمال، فالظاهر استحقاق حصته بشرط أن يكون الباقي من العمل مما يستزاد به الثمر، وإلا فالصحة محل إشكال.
[ 62 ]
(مسألة 182) يجوز أن يشترط للعامل مع الحصة من الثمر شيئا آخر من مال أو غيره. أما اشتراط حصة من الاصول مشاعا أو مفروزا فمشكل، بل لا يبعد بطلانه، لان الشرط المذكور على خلاف وضع المساقاة. (مسألة 183) كل موضع يبطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك وللعامل أجرة مثل عمله إذا كان مغرورا من قبل المالك أو عمل بأمره أو وعده، سوأ كان عالما بالفساد أو جاهلا، وإلا فلا وجه للاستحقاق عالما كان أو جاهلا. (مسألة 184) يملك العامل حصته من الثمر حين ظهوره، فإذا مات بعد الظهور قبل القسمة - وبطلت المساقاة لانه اشترط فيها مباشرته للعمل -، انتقلت حصته إلى ورثته. وتجب عليه الزكاة إذا بلغت حصته النصاب وكان الموت بعد تعلق الزكاة. (مسألة 185) الخراج الذى يأخذه السلطان من النخيل والاشجار في الاراضي الخراجية على المالك، إلا إذا اشترطا كونه على العامل أو عليهما. (مسألة 186) لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره إلا باذن المالك، لكن مرحع إذنه فيها إلى توكيله في إيقاع مساقاة أخرى للمالك مع شخص ثالث بعد فسخ المساقاة الاولى، فلا يستحق العامل الاول شيئا. (مسألة 187) المغارسة باطلة على الاحوط، وهي أن يدفع أرضا إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما، سوأ اشترط أن تكون حصة من الارض أيضا للعامل أو لا، وسوأ كانت الاصول من المالك أو من العامل. فإن كانت من مالك الارض فعليه أجرة عمل الغارس إذا كان مغرورا منه أو عمل بأمره كما مر نظيره، وإن كانت من الغارس فعليه أجرة الارض للمالك، فإن تراضيا على الابقأ بالاجرة أو بدونها فذاك، وإلا فلمالك الارض الامر بالقلع
وعليه أرش نقصان الاصول إن نقصت بسبب
[ 63 ]
القلع وكان الغارس مغرورا منه، كما أن للغارس قلع أصوله وعليه طم الحفر ونحو ذلك مما حصل بالغرس، وليس لصاحب الارض إلزامه بالابقأ ولو بلا أجرة. (مسألة 188) يمكن أن يتوصل إلى نتيجة المغارسة بإدخالها تحت عنوان آخر مشروع، كأن يشتركا في الاصول إما بشرائها بالشركة، ولو بأن يوكل صاحب الارض الغارس في أن كل ما يشتري من الفسيل يشتريه لهما بالاشتراك ثم يؤاجر الغارس نفسه لغرس حصة صاحب الارض وسقيها وخدمتها في مدة معينة بنصف منفعة أرضه إلى تلك المدة أو بنصف عينها، أو بتمليك أحدهما للاخر نصف الاصول مثلا إذا كانت من أحدهما، فإذا كانت من صاحب الارض يجعل العوض الغرس والخدمة إلى مدة معينة شارطا على نفسه بقأ حصة الغارس في أرضه مجانا إلى تلك المدة، وإذا كانت من الغارس يجعل العوض نصف عين الارض أو نصف منفعتها إلى مدة معينة شارطا على نفسه غرس حصة صاحب الارض وخدمتها إلى تلك المدة.
[ 64 ]
كتاب الدين والقرض (مسألة 189) الدين هو المال الكلي الثابت في ذمة شخص لاخر، بسبب من الاسباب. ويقال لمن اشتغلت ذمته به " المديون " والمدين " وللاخر " الدائن والغريم ". وسببه إما الاقتراض، أو أمور أخر اختيارية، كجعله مبيعا في السلم أو ثمنا في النسيئة أو أجرة في الاجارة أو صداقا في النكاح أو عوضا للطلاق في
الخلع وغير ذلك، أو أمور قهرية كما في موارد الضمانات ونفقة الزوجة الدائمة ونحو ذلك. (مسألة 190) الدين إما حال، وهو ما كان للدائن المطالبة به واقتضاؤه، ويجب على المديون أداؤه مع التمكن واليسار في كل وقت. وإما مؤجل، وهو ما ليس للدائن حق المطالبة به، ولا يجب على المديون أداؤه إلا بعد انقضأ المدة المضروبة وحلول الاجل. وتعيين الاجل تارة بجعل المتداينين كما في السلم والنسيئة، وأخرى بجعل الشارع كالاقساط المقررة في الدية (النجوم). (مسألة 191) إذا كان الدين حالا أو مؤجلا وقد حل الاجل فيجب على المديون الموسر أداؤه عند مطالبة الدائن به، ويجب على الدائن تسلمه إذا أراد المديون أدأه وتفريغ ذمته. وأما الدين المؤجل قبل حلول الاجل فلا إشكال في أنه ليس للدائن حق
[ 66 ]
المطالبة به إذا كان مثل المثمن في السلم والثمن في النسيئة والاجرة المؤجلة في الاجارة. أما في القرض المؤجل فللدائن المطالبة قبل حلول الاجل، من غير فرق بين شرط الاجل ضمن عقد القرض، أو ضمن عقد خارج لازم. نعم إذا شرط الدائن عدم المطالبة إلى أجل ضمن عقد لازم خارج يجب عليه العمل بما شرط، لكن إذا تخلف وطلب يجب على المديون أداؤه، وكذلك الحكم في كل دين حال اشترط تأجيله ضمن عقد لازم. وإذا لم يجز له المطالبة قبل الاجل وتبرع المديون بأدائه فالاقوى أنه لا يجب على الدائن القبول، إلا إذا علم بالقرائن أن التأجيل لمجرد الارفاق بالدائن وليس حقا للدائن فيجب عليه القبول إذا أداه قبل الاجل. وكذا في
كل مورد يجوز للدائن المطالبة به قبل الاجل كالدين الحاصل من القرض. (مسألة 192) قد عرفت أنه إذا أدى المديون الدين عند حلوله يجب على الدائن تسلمه، فإذا امتنع أجبره الحاكم إذا طلب منه المديون، ولو تعذر إجباره أحضر الدين عنده ومكنه منه بحيث صار تحت يده وسلطانه عرفا، وبه تفرغ ذمته، ولو تلف بعد ذلك لا ضمان عليه وكان من مال الدائن. ولو تعذر عليه ذلك له أن يسلمه إلى الحاكم وتفرغ ذمته. نعم الحكم بوجوب قبول الحاكم ذلك مشكل. ولو لم يوجد الحاكم فلا يكفي أن يعين الدين. في مال مخصوص ويعزله لتبرأ ذمته. هذا إذا كان الدائن حاضرا وامتنع من تسلمه، ولو كان غائبا ولا يمكن إيصال المال إليه وأراد المديون تفريغ ذمته أوصله إلى الحاكم إذا وجد، ويشكل وجوب القبول عليه كما سبق، ولو لم يوجد الحاكم يبقى في ذمته إلى أن يوصله إلى الدائن أو من يقوم مقامه. (مسألة 193) يجوز التبرع بأدأ دين الغير حيا كان أو ميتا، وتبرأ به ذمته وإن كان بغير إذنه، بل وإن منعه. ويجب على من له الدين القبول كما في أدائه عن نفسه.
[ 67 ]
(مسألة 194) لا يتعين الدين فيما عينه المدين، ولا يصير ملكا للدائن ما لم يقبضه، إلا إذا سقط اعتبار قبضه بسبب الاقتناع في بعض الصور. (مسألة 195) يحل الدين المؤجل إذا مات المديون قبل حلول الاجل. أما لو مات الدائن فيبقى على حاله وينتظر ورثته انقضأ الاجل، فلو كان الصداق مؤجلا إلى مدة معينة ومات الزوج قبل حلوله استحقت الزوجة المطالبة به بعد موته، بخلاف ما إذا ماتت الزوجة فليس لورثتها المطالبة قبل انقضأ المدة.
ولا يلحق بموت الزوج طلاقه، فلو طلق زوجته يبقى صداقها المؤجل على حاله. كما أنه لا يلحق بموت المديون التحجير عليه بسبب الفلس، فلو كان عليه ديون حالة وديون مؤجلة يقسم ماله بين أرباب الديون الحالة، ولا يشاركهم أرباب المؤجلة. (مسألة 196) مجمل الكلام في بيع الدين بالدين: أن الدين الذي يقع في البيع ثمنا ومثمنا لا يخلو من أن يكون حاصلا قبل البيع بسبب آخر أو حاصلا بنفس البيع، وكل منهما إما أن يكونا حين البيع مؤجلين أو حالين لم يؤجلا أصلا، أو أجلا ولكن حل أجلهما أو مختلفين، فإن كان كل من الثمن والمثمن دينا مؤجلا بسبب آخر حين البيع فلا إشكال في عدم جوازه قبل حلول أجلهما بل بعد حلول الاجل أيضا على الاحوط (وجوبا)، وإن كان كل منهما دينا مؤجلا حاصلا بنفس البيع فلا إشكال أيضا في بطلانه، وهو المعبر عنه ببيع الكالي بالكالي. وأما إن كان أحدهما دينا مؤجلا والاخر دينا حالا غير مؤجل أصلا كالكلي في الذمة نقدا، فالظاهر صحة البيع إن حصل اشتغال ذمته بالبيع، وأما إن كان اشتغال ذمته به بسبب آخر، فالاحوط (وجوبا) تركه. (مسألة 197) يجوز تعجيل الدين المؤجل بأقل منه مع التراضي، وهو ما
[ 68 ]
يسمى تنزيل السندات، ولا يجوز تأجيل الحال ولا زيادة أجل المؤجل بزيادة. نعم لا بأس بالاحتيال بجعل الزيادة المطلوبة في ثمن مبيع مثلا ويجعل التأجيل والتأخير إلى أجل معين شرطا على البائع، بأن يبيع الدائن من المدين ما يساوي عشرة دراهم بخمسة عشر درهما على أن لا يطالب المشتري عن الدين الذي عليه إلى وقت كذا، فيحرم عليه المطالبة لكن إذا طلب وجب على
المديون أداؤه، وكذا في تأخير الدين. ومثله ما إذا باع المديون من الدائن ما يكون قيمته خمسة عشر درهما بعشرة شارطا عليه تأخير الدين إلى وقت كذا. (مسألة 198) لا يجوز قسمة الدين، فإذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم متعددة - كما إذا باعا عينا مشتركا بينهما من أشخاص، أو كان لمورثهما دين على أشخاص فورثاه فجعلا بعد التعديل ما في ذمة بعضهم لاحدهما وما في ذمة آخرين لاخر - لم يصح وبقي ما في الذمم على الاشتراك السابق، فكل ما استوفى منها يكون بينهما وكل ما توى وتلف يكون منهما. وقد مر في القسمة حكم القسمة في الدين المشترك. (مسألة 199) يجب على المديون عند حلول الدين ومطالبة الدائن السعي في أدائه بكل وسيلة ولو ببيع سلعته ومتاعه وعقاره، أو مطالبة غريم له، أو إجارة أملاكه، وغير ذلك، والاحوط وجوب التكسب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة، خصوصا فيما لا يحتاج إلى تكلف وفيمن شغله التكسب، بل وجوبه حينئذ قوي جدا. نعم يستثنى من ذلك بيع دار سكناه، وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمل، وسيارة ركوبه إذا كان من أهلها واحتاج إليها، بل وضروريات بيته من فراشه وغطائه وأوانيه لاكله وشربه وطبخه ولو لاضيافه، مراعيا في ذلك كله مقدار الحاجة بحسب حاله وشرفه وأنه بحيث لو كلف ببيعها لوقع في عسر وشدة وحزازة ومنقصة، بل لا يبعد أن يعد من المستثنيات أيضا الكتب العلمية لاهلها بمقدار ما يحتاج إليه بحسب حاله ومرتبته. والضابط في ذلك كل ما يحتاج إليه المديون في ضروريات معاشه.
[ 69 ]
(مسألة 200) إذا كانت دار سكناه أكثر من حاجته، سكن فيما يحتاجه
منها وباع ما زاد منها، أو باعها واشترى أقل منها ثمنا مما يليق بحاله. وإذا كانت له دور متعددة واحتاج إليها لسكناه لم يبع شيئا منها، وكذا الحال في والمركوب والثياب. (مسألة 201) لو كانت عنده دار موقوفة عليه. تكفي لسكناه ولم تكن سكناه فيها نقصا لشرفه، وكانت له دار مملوكة، فالاحوط (وجوبا) إن لم يكن أقوى أن يبيع المملوكة ويكتفي بالموقوفة. (مسألة 202) لا تباع دار السكنى في أدأ الدين ما دام المديون حيا، أما لو مات ولم يترك غير دار سكناه فتباع وتصرف في الدين. (مسألة 203) معنى كون الدار ونحوها من مستثنيات الدين أنه لا يجبر على بيعها لاجل أدائه ولا يجب عليه ذلك، أما لو رضي هو بذلك وقضى به دينه جاز للدائن أخذه. نعم ينبغي للدائن أن لا يرضى ببيع مسكنه ولا يكون سببا له وإن رضي هو به وأراده، ففي خبر عثمان بن زياد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن لي على رجل دينا وقد أراد أن يبيع داره فيقضي لي. فقال أبو عبد الله: أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه. (مسألة 204) لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائدا على المستثنيات، وكانت لا تباع إلا بأقل من قيمتها، يجب بيعها للدين عند حلوله ومطالبة صاحبه، ولا يجوز له التأخير وانتظار من يشتريها بالقيمة. نعم لو كان ما يشتري به أقل من قيمته بكثير جدا بحيث يصدق عليه أنه ضرري، أو يكون البيع بأقل من القيمة حرجيا عليه، فلا يبعد عدم وجوب بيعه. (مسألة 205) كما لا يجب على المعسر الادأ والقضأ، يحرم على الدائن إعساره بالمطالبة، بل يجب أن ينظره إلى اليسار، فعن النبي صلى الله عليه وآله: وكما
[ 70 ]
لا يحل لغريمك أن يمطلك وهو موسر، لا يحل لك أن تعسره إذا علمت أنه معسر. وعن مولانا الصادق عليه السلام في وصية طويلة كتبها إلى أصحابه: إياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشي يكون لكم قبله وهو معسر، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس للمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله. وعن مولانا الباقر عليه السلام قال: يبعث يوم القيامة قوم تحت ظل العرش، وجوههم من نور ورياشهم من نور جلوس على كراسي من نور - إلى أن قال - فينادي مناد: هؤلا قوم كانوا ييسرون على المؤمنين وينظرون المعسر حتى ييسر. وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن يقيه الله من نفحات جهنم فلينظر معسرا أو ليدع له من حقه. والاخبار في هذا المعنى كثيرة. (مسألة 206) مماطلة الدائن مع القدرة معصية كبيرة لرواية أعمش حيث عد حبس الحقوق من غير عسر من الكبائر، وعن النبي صلى الله عليه وآله: من مطل على ذي حق حقه وهو يقدر على أدأ حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار. بل يجب عليه نية القضأ مع عدم القدرة، بأن يكون من قصده الادأ عند المقدرة. القرض (مسألة 207) وهو تمليك مال لاخر بالضمان، بأن يكون على عهدته أداؤه بمثله أو قيمته، ويقال للمملك " المقرض " وللمتملك " المقترض والمستقرض ". أما إذا جعل على عهدته أداؤه بعينه ففيه إشكال.
(مسألة 208) يكره الاقتراض مع عدم الحاجة، وتخف كراهته مع الحاجة، وكلما خفت الحاجة اشتدت الكراهة، وكلما اشتدت خفت إلى أن تزول، بل ربما وجب إذا توقف عليه أمر واجب كحفظ نفسه أو عرضه ونحو ذلك، فعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: إياكم والدين فإنه مذلة بالنهار ومهمة
[ 71 ]
بالليل وقضأ في الدنيا وقضأ في الاخرة. وعن مولانا الكاظم عليه السلام: من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله، فإن غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به عياله. والاحوط لمن لم يكن عنده ما يوفي به دينه ولم يترقب حصوله عدم الاستدانة إلا عند الضرورة، وإن استدان فالاحوط إعلام المستدان منه بحاله. (مسألة 209) إقراض المؤمن من المستحبات الاكيدة، سيما صاحب الحاجة، لما فيه من قضأ حاجته وكشف كربته، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربه يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في حاجة أخيه. وعنه صلى الله عليه وآله: من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه، ومن أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سينأ حسنات، وإن رفق به في طلبه تعدى على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله عزوجل عليه الجنة يوم يجزي المحسنين. (مسألة 210) القرض عقد من العقود يحتاج إلى إيجاب كقوله: أقرضتك، وما يؤدي معناه، وقبول دال على الرضا بالايجاب، ولا يعتبر في عقده العربية بل يقع بكل لغة، بل الظاهر جريان المعاطاة فيه، فيتحقق بإقباض العين
وقبضها وتسلمها بهذا العنوان من دون احتياج إلى صيغة. ويعتبر في المقرض والمقترض ما يعتبر في المتعاقدين في سائر المعاملات والعقود من البلوغ والعقل والقصد والاختيار، أما عدم السفه وعدم الحجر فهما شرط في المقرض خاصة. (مسألة 211) يعتبر في المال أن يكون عينا مملوكا، فلا يصح إقراض الدين ولا المنفعة ولا ما لا يصح تملكه كالخمر والخنزير.
[ 72 ]
ولا يعتبر كونه عينا شخصيا، فيصح إقراض الكلي بأن يوقع العقد على الكلي وإن كان إقباضه لا يكون إلا بدفع عين شخصية. ويعتبر مع ذلك كونه مما يمكن ضبط أوصافه وخصوصياته التي تختلف باختلافها الرغبات، هذا في المثليات كالحبوب والزيوت ونحوها، أما في القيميات كالانعام واللحوم والجواهر ونحوها، فلا يبعد كفاية العلم بقيمتها حين التسليم مع مشاهدتها وإن لم يمكن ضبط أوصافها بنحو يصح فيها السلم. (مسألة 212) لا بد أن يقع القرض على معين، فلا يصح إقراض المبهم كأحد هذين، وأن يكون قدره معينا بالكيل أو الوزن فيما يكال أو يوزن وبالعد فيما يعد، فلا يصح إقراض صبرة من طعام جزافا، نعم لو قدر بكيلة معينة ومل إنأ معين غير الكيل المتعارف أو وزن بحجر معينة غير العيار المتعارف عند عامة الناس لم يبعد الاكتفأ به، لكن الاحوط (استحبابا) خلافه. (مسألة 213) يشترط في صحة القرض القبض والاقباض، فلا يملك المستقرض المال المقترض إلا بعد القبض، ولا يتوقف على التصرف. (مسألة 214) الاقوى أن القرض عقد لازم، فليس للمقرض فسخه
والرجوع بالعين المقترضة لو كانت موجودة، ولا للمقترض، نعم للمقرض عدم إنظار المقترض ومطالبته بالادأ والقضأ ولو قبل قضأ وطره أو مضي زمان يمكن فيه ذلك. وللمقترض أيضا الادأ قبل قضأ وطره، وليس للمقرض الامتناع. (مسألة 215) لو كان المال المقترض مثليا كالحنطة والشعير والذهب والفضة ونحوها يثبت في ذمة المقترض مثل ما اقترض، ولو كان قيميا كالغنم ونحوها ثبت في ذمته قيمته. والاقوى اعتبار قيمة وقت الاقتراض أي التسليم إلى المقترض لا وقت الادأ.
[ 73 ]
(مسألة 216) لا يجوز شرط الزيادة، بأن يقرض مالا على أن يؤدي المقترض أكثر مما اقترضه، سوأ اشترطاه صريحا أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنيا عليه. وهذا هو الربا القرضي المحرم الذي ذكرنا في كتاب البيع بعض ما ورد في الكتاب والسنة من التشديد عليه. ولا فرق في الزيادة بين أن تكون عينية كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدي اثني عشر، أو عملا كخياطة ثوب له، أو منفعة أو انتفاعا كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤديها صحيحة. وكذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربويا بأن كان من المكيل والموزون، وغيره بأن كان معدودا كالجوز والبيض. (مسألة 217) إذا أقرضه شيئا وشرط عليه أن يبيع منه شيئا بأقل من قيمته أو يؤاجره بأقل من أجرته كان داخلا في شرط الزيادة. نعم لو باع المقترض من المقرض مالا بأقل من قيمته أو آجره دارا مثلا بأقل من أجرتها و شرط عليه أن يقرضه مبلغا معينا فلا بأس به وإن أفاد فائدة الاول، وبه يحتال
في الفرار من الحرام إلى الحلال. (مسألة 218) إنما تحرم الزيادة مع الشرط، وأما بدونه فلا بأس به، بل يستحب ذلك للمقترض، حيث أنه من حسن القضأ وخير الناس أحسنهم قضأا، بل يجوز ذلك إعطأا وأخذا لو كان إعطأ الزيادة من أجل أن يثبت للمقرض أنه حسن القضأ فيقرضه إذا احتاج إلى الاقتراض، أو كان الاقراض لان المقترض حسن القضأ والجزأ، بحيث لو لا ذلك لما أقرضه، نعم يكره أخذه للمقرض، خصوصا إذا كان إقراضه لاجل ذلك، بل يستحب أنه إذا أعطاه المقترض شيئا بعنوان الهدية ونحوها أن يحسبه من قرضه عليه. (مسألة 219) إنما يحرم شرط الزيادة لمصلحة المقرض على المقترض، ولا بأس به لمصلحة المقترض، كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدي ثمانية، أو أقرضه دراهم صحيحة على أن يؤديها مكسورة، فما تداول بين
[ 74 ]
التجار من أخذ الزيادة وإعطائها في الحوائل وأخذ الحوالة من المدفوع إليه بالاقل منه لا بأس به، كما إذا أعطاه مائة درهم على أن يعطيه الحوالة بتسعين درهما في بلد آخر مثلا، فتكون التسعون درهما في ذمة التاجر وهو المقترض والزيادة له. أما إن كان بإعطأ الاقل وأخذ الحوالة بالاكثر فيكون من الربا، كما إذا استقرض تسعين درهما على أن يعطيه الحوالة بمائة درهم في بلد آخر مثلا، فلا بد لاجل التخلص من الربا من إعمال بعض الحيل الشرعية ولو بأن يجعل عشرة دراهم أجرة عمله وهو إيصال الحوالة، فيأخذ المقرض العين وفأا لقرضه والعشرة أجرة لعمله. (مسألة 220) المال المقترض إن كان مثليا كالدراهم والدنانير والحنطة
والشعير كان وفاؤه وأداؤه بإعطأ ما يماثله في الصفات من جنسه، سوأ بقي على سعره الذي كان له وقت الاقتراض أو ارتفع أو نزل، وهذا هو الوفأ الذي لا يتوقف على التراضي، فللمقرض أن يطالب المقترض به وليس له الامتناع ولو ارتفع سعره عما أخذه بكثير، كما أنه ليس للمقرض الامتناع لو أعطاه المقترض ولو نزل بكثير. نعم لو نزلت قيمته كثيرا حتى صار كالتالف عرفا فالاحوط (وجوبا) على المقرض والمقترض التصالح. أما أدأ القرض المثلي بقيمته أو بغير جنسه فيتوقف على تراضيهما. وإن كان القرض قيميا فقد مر أنه تشتغل ذمة المقترض بالقيمة، وإنما تكون بالنقود الرائجة، فأداؤه بإعطائها لا يتوقف على التراضي، ويمكن أن يؤدي بجنس آخر من غير النقود بالقيمة لكنه يتوقف على التراضي. ولو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقرض أدأ الدين بإعطائها أو أراد المقترض ذلك، فالاقوى جواز الامتناع، وإن كان الاحوط عدمه. (مسألة 221) يجوز في قرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤديه من غير جنسه، ويلزمه ذلك بشرط أن يكونا متساويين في القيمة أو كان
[ 75 ]
ما شرط عليه أقل قيمة مما اقترض. هذا إذا لم يصدق عليه أنه قرض يجر نفعا ولو كان النفع غير مالي، وإلا فمشكل لا يترك الاحتياط فيه (وجوبا). (مسألة 222) الاقوى أنه لو شرط التأجيل في القرض (في غير البيع والشرأ ونحوهما من المعاملات) لم يلزم العمل به. (مسألة 223) إذا شرط على المقترض أدأ القرض وتسليمه في بلد معين صح ولزم، وإن كان في حمله إليه مؤونة عليه، فإن طالبه في غير ذلك
البلد لم يلزم عليه الادأ، كما أنه لو أداه في غيره لم يلزم على المقرض القبول. وإن أطلق القرض ولم يعين بلد الادأ، فإن فهم اشتراط بلد القرض ولو بالانصراف كان بلد الادأ بلد القرض، واحتاج غيره إلى التراضي. ولكن إذا أداه المقترض في غيره فالاقوى وجوب القبول على المقرض. وكذا إذا طالبه المقرض بالادأ في غيره ولم يكن على المقترض مؤونة في حمله إليه فالاقوى أن عليه القبول. (مسألة 224) يجوز أن يشترط في القرض إعطأ الرهن أو الضامن أو الكفيل، وكل شرط لا يكون فيه نفع للمقرض فهو جائز وإن كان مصلحة له. (مسألة 225) العملات المتعارفة في زماننا المسماة بالاسكناس أو النوط لها مالية بنفسها بسبب اعتبار الدول والناس لها، وليست قيمتها بما تمثله من قيمة ذهبية أو فضية، لذلك يقع التعامل عليها بنفسها من دون نظر إلى الدراهم والدنانير. فلو سقطت عن الاعتبار فالاقوى لزوم أدأ ما كان لها من مالية قبل سقوطها لان ذلك كتلف المثلي في المثليات. ولو نزلت قيمتها نزولا فاحشا بحيث يحسب كالتلف فالاحوط (وجوبا) التصالح. ويجري ذلك في المهور الواقعة عليها وغيرها من المعاملات.
[ 76 ]
كتاب الرهن (مسألة 226) وهو اعتبار اضافة بين العين المرهونة والمرتهن مستتبعة لتسلط المرتهن على استيفأ دينه منها على فرض امتناع الدائن عن الادأ. ويقال للعين " الرهن والمرهون " ولدافعها " الراهن " ولاخذها " المرتهن ". ويحتاج إلى العقد المشتمل على الايجاب والقبول، والايجاب من الراهن،
وهو كل لفظ أفاد المعنى المقصود في متفاهم أهل المحاورة كقوله: رهنتك أو أرهنتك أو هذا وثيقة عندك على مالك ونحو ذلك. والقبول من المرتهن، وهو كل لفظ دال على الرضا بالايجاب. ولا يعتبر فيه العربية، بل الظاهر عدم اعتبار الصيغة فيه أصلا فيقع بالمعاطاة. (مسألة 227) يشترط في الراهن والمرتهن البلوغ والعقل والقصد والاختيار، وفي الراهن عدم الحجر بالسفه والفلس، ويجوز لولي الطفل والمجنون رهن مالهما والرهن لهما مع المصلحة والغبطة. (مسألة 228) يشترط في صحة الرهن قبض المرتهن بإقباض الراهن أو بإذن منه، ولو كان في يده شي وديعة أو عارية بل ولو غصبا فأوقعا عقد الرهن عليه كفى ولا يحتاج إلى قبض جديد، ولو رهن المشاع لا يجوز تسليمه إلى المرتهن إلا برضا شريكه، ولكن لو سلمه إليه فالظاهر كفايته في تحقق القبض الذي هو شرط لصحة الرهن وإن تحقق العدوان بالنسبة إلى حصة شريكه.
[ 78 ]
(مسألة 229) إنما يعتبر القبض في الابتدأ ولا يعتبر استدامته، فلو قبضه المرتهن ثم صار في يد الراهن أو غيره بإذن الراهن أو بدونه لم يضر ولم يطرأ عليه البطلان. نعم الظاهر أن للمرتهن استحقاق إدامة القبض وكونه تحت يده، فلا يجوز انتزاعه منه إلا إذا شرط في العقد كونه بيد الراهن أو يد ثالث بعد القبض، مثل أن يشترط على المرتهن أن يعيد العين المرهونة بعد القبض إلى نفس الراهن أو إلى الثالث، وأما قبل القبض فاشتراط كونها بيد الراهن أو بيد ثالث غير جائز. (مسألة 230) يشترط في المرهون أن يكون عينا مملوكة يمكن قبضها
ويصح بيعها، فلا يصح رهن الدين قبل قبضه ولا رهن الكلي في ذمة الراهن ثم إقباض مصداقه، ولا المنفعة، ولا الرهن الانسان الحر، ولا الخمر والخنزير، ولا مال الغير إلا بإذنه أو إجازته، ولا الارض الخراجية كالمفتوحة عنوة والتي صولح أهلها على أن تكون ملكا للمسلمين وضرب عليهم الخراج، ولا الطير المملوك في الهوأ إذا كان غير معتاد عوده ولا الوقف ولو كان خاصا. (مسألة 231) لو رهن ما يملك مع ملك غيره في عقد واحد، صح في ملكه، ووقف في ملك غيره على إجازة مالكه. (مسألة 232) لو كان له غرس أو بنأ في الارض الخراجية لا إشكال في صحة رهن ما فيها مستقلا، وكذا مع أرضها بعنوان التبعية بنأ على أنها تملك تبعا، لكن لا يصح رهن أرضها مستقلا. (مسألة 233) لا يعتبر أن يكون الرهن ملكا لمن عليه الدين، فيجوز لشخص أن يرهن ماله على دين شخص آخر تبرعا ولو من غير إذنه، بل ولو مع نهيه، وكذا يجوز للمديون أن يستعير شيئا ليرهنه على دينه، لكن لو رهنه وقبضه المرتهن كان لمالكه مطالبة الراهن بالفك عند انقضأ الاجل
[ 79 ]
المأذون فيه، ومطلقا في غير المؤجل. ويبيعه المرتهن كما يبيع ما كان ملكا لمن عليه الدين، ولو بيع كان لمالكه مطالبة المستعير بما بيع به لو بيع بالقيمة أو بالاكثر، وبقيمته تامة لو بيع بأقل من قيمته. ولو عين له أن يرهنه على حق مخصوص من حيث القدر أو الحلول أو الاجل أو عند شخص معين لم يجز له مخالفته، ولو أذنه في الرهن مطلقا جاز له الجميع وتخير. (مسألة 234) لو كان الرهن على دين مؤجل وكان مما يسرع إليه الفساد قبل الاجل، فإن شرط بيعه قبل أن يطرأ عليه الفساد صح الرهن،
ويبيعه الراهن أو يوكل المرتهن في بيعه وإن امتنع أجبره الحاكم، فإن تعذر باعه الحاكم، ومع فقد الحاكم يبيعه المرتهن، فإذا بيع يجعل ثمنه رهنا. وكذلك الحال لو أطلق ولم يشترط البيع ولا عدمه، وأما لو شرط عدم البيع إلا بعد الاجل فيبطل الرهن. ولو رهن مالا يسرع إليه الفساد فعرض ما صيره عرضة للفساد كالحنطة تبتل، لم ينفسخ الرهن بل يباع ويجعل الثمن رهنا. (مسألة 235) يعتبر في المرهون أن يكون معينا، فلا يصح رهن المبهم كأحد هذين. وفي صحة رهن الكلي في المعين كصاع من الصبرة وشاة من القطيع إشكال. والظاهر عدم صحة رهن المجهول من جميع الوجوه حتى من حيث القيمة والمالية، كما إذا رهن ما في الصندوق المقفل. وإذا رهن الصندوق بما فيه صح بالنسبة إلى الظرف دون المظروف. وأما معلوم الجنس والنوع، مجهول المقدار كصبرة من حنطة مشاهدة، فالظاهر صحة رهنه إذا كانت قيمته معلومة. (مسألة 236) يشترط فيما يرهن عليه أن يكون دينا ثابتا في الذمة لانه تحقق موجبه من اقتراض أو إسلاف مال أو شرأ أو استيجار عين بالذمة وغير ذلك، حالا كان الدين أو مؤجلا، فلا يصح الرهن على ما يقترض أو على ثمن ما يشتريه فيما بعد، فلو رهن شيئا ولم يقترضه ثم اقترضه لم يصر بذلك رهنا، ولا على
[ 80 ]
الدية قبل استقرارها بتحقق الموت وإن علم أن الجناية تؤدي إليه، ولا على مال الجعالة قبل تمام العمل. (مسألة 237) يصح في الاجارة أن يأخذ المؤجر الرهن على الاجرة التي في ذمة المستأجر، وكذا يصح أن يأخذ المستأجر الرهن على العمل الثابت في
ذمة المؤجر. (مسألة 238) الظاهر أنه يصح الرهن على الاعيان المضمونة كالمغصوبة والعارية المضمونة والمقبوض بالسوم ونحوها. أما الرهن على عهدة الثمن أو المبيع أو أجرته أو عوض الصلح عليه فالاقوى عدم صحته قبل انكشاف أنها مستحقة للغير للشك في كونها من الاعيان المضمونة. وأما بعد الانكشاف فلا إشكال في جواز أخذ الرهن في مقابل المضمون، ثمنا أو مثمنا، دينا أو عينا أو مختلفين. (مسألة 239) إذا اشترى شيئا بثمن في الذمة جاز جعل المبيع رهنا على الثمن. (مسألة 240) إذا رهن على دينه رهنا ثم استدان مالا آخر من المرتهن جاز جعل ذلك الرهن رهنا على الثاني أيضا وكان رهنا عليهما معا، سوأ كان الثاني مساويا للاول في الجنس والقدر أو مخالفا، وكذا له أن يجعله على دين ثالث ورابع إلى ما شأ، وكذا إذا رهن شيئا على دين جاز أن يرهن شيئا آخر على ذلك الدين، وكانا جميعا رهنا عليه. (مسألة 241) لو رهن شيئا عند زيد ثم رهنه عند آخر أيضا باتفاق من المرتهنين كان رهنا على الحقين إلا إذا قصدا بذلك فسخ الرهن الاول وأن يكون رهنا على خصوص الدين الثاني. (مسألة 242) لو استدان اثنان من واحد كل منهما دينا ثم رهنا عنده مالا مشتركا بينهما ولو بعقد واحد ثم قضى أحدهما دينه، انفكت حصته من
[ 81 ]
الرهانة وصارت طلقا، ولو كان الراهن واحدا والمرتهن متعددا - بأن كان عليه دين لاثنين فرهن شيئا عندهما بعقد واحد - فلكل منهما رهن النصف مع
تساوي الدين، ومع التفاوت فالظاهر التقسيط والتوزيع بنسبة حقهما، فإن قضي دين أحدهما انفك من الرهانة ما يقابل حقه. هذا كله في التعدد ابتدأا، وأما التعدد الطاري فالظاهر أنه لا عبرة به، فلو مات الراهن عن ولدين لم ينفك نصيب أحدهما بأدأ حصته من الدين، كما أنه لو مات المرتهن عن ولدين فأخذ أحدهما نصيبه من الدين لم ينفك بمقداره من الرهن. (مسألة 243) لا يدخل حمل الحيوان في رهنه ولا الثمر في رهن النخل والشجر وكذا ما يتجدد إلا إذا اشترط دخولها أو كانت قرينة على دخول شي منها ولو كانت هي العرف. نعم الظاهر دخول الصوف والشعر والوبر في رهن الحيوان، وكذا الاوراق والاغصان حتى اليابسة في رهن الشجر، وأما اللبن في الضرع ومغرس الشجر وأساس الجدار وأمثالها فدخولها في الرهن وعدمه محول إلى القرائن الحالية والمتعارفة عند الناس. (مسألة 244) الرهن لازم من جهة الراهن جائز من طرف المرتهن، فليس للراهن انتزاعه منه بدون رضاه إلا أن يسقط حقه من الارتهان أو ينفك الرهن بفراغ ذمة الراهن من الدين بالادأ أو الابرأ أو غير ذلك. ولو برأت ذمته من بعض الدين فالظاهر بقأ الجميع رهنا على ما بقي، إلا إذا اشترطا التوزيع فينفك منه على مقدار ما برأ منه ويبقى رهنا على مقدار ما بقي. كما أنهما إذا اشترطا كونه رهنا على المجموع من حيث المجموع، فينفك الجميع بالبرأة عن بعض الدين. (مسألة 245) لا يجوز للراهن التصرف في الرهن إلا بإذن المرتهن، سوأ كان تصرفا ناقلا للعين كالبيع أو المنفعة كالاجارة، أو مجرد انتفاع به
[ 82 ]
ولا يضر به كالاستخدام والركوب والسكنى ونحوها، فإن تصرف بغير الناقل أثم ولم يترتب عليه شي، لكن لو أتلفه ألزم قيمته وتكون رهنا. وإن كان التصرف بالبيع أو الاجارة وغيرهما من النواقل توقف على إجازة المرتهن، ففي مثل الاجارة تصح بالاجازة وتبقى الرهانة على حالها، بخلاف البيع فإنه يصح بها وتبطل الرهانة، كما أنها تبطل بالبيع إذا كان عن إذن سابق من المرتهن. (مسألة 246) لا يجوز للمرتهن التصرف في الرهن بدون إذن الراهن، فلو تصرف فيه بركوب أو سكنى ونحوهما ضمن العين لو تلفت تحت يده للتعدي، ولزمه أجرة المثل لما استوفاه من المنفعة، ولو تصرف فيه ببيع ونحوه أو بإجارة، وقع فضوليا واحتاج إلى إجازة الراهن. فإن باعه للراهن بشرط كون الثمن رهنا وأجاز الراهن، صح وكان الثمن رهنا. أما إذا باعه لنفسه أو للراهن ولم يشترط كون ثمنه رهنا فيبطل الرهن بعد الاجازة، ولا يصير الثمن رهنا إلا بعقد جديد. أما إذا آجره وأجاز الراهن فالاجرة المسماة للراهن، وتبقى العين رهنا. (مسألة 247) منافع الرهن كالسكنى، وكذا نمأاته المنفصلة كالنتاج والثمر والصوف والشعر والوبر، والمتصلة كالسمن والزيادة في الطول والعرض، كلها للراهن، سوأ كانت موجودة عند الرهن أو وجدت بعده، ولا يتبعه في الرهانة إلا نمأاته المتصلة. (مسألة 248) لو رهن الاصل والثمرة أو الثمرة منفردة صح، فلو كان الدين مؤجلا وأدركت الثمرة قبل حلول الاجل، فإن كان يمكن ابقاؤها بالتجفيف مثلا جففت، وإلا فإن أذن الراهن ببيعها بشرط كون الثمن رهنا صح بيعها وكان الثمن رهنا، وإلا فكون الثمن رهنا يحتاج إلى عقد جديد كما مر.
[ 83 ]
(مسألة 249) إذا كان الدين حالا أو حل وأراد المرتهن استيفأ حقه، فإن كان وكيلا عن الراهن في بيع الرهن واستيفأ دينه منه، فله ذلك بدون مراجعة. وإن لم يكن وكيلا عنه في ذلك فليس له أن يبيعه بل يراجعه ويطالبه بالوفأ ولو ببيع الرهن أو توكيله في بيعه، فإن امتنع رفع أمره إلى الحاكم ليلزمه بالوفأ أو البيع، فإن لم يمكن للحاكم إلزامه باعه عليه بنفسه أو بتوكيل الغير ولو كان هو المرتهن نفسه. ومع فقد الحاكم أو عدم قدرته على الالزام بالبيع وعلى البيع عليه لعدم بسط اليد باعه المرتهن بإذن الحاكم إن أمكن ومع عدمه يبيع بنفسه ويستوفي حقه إذا ساواه، أو بعضه إذا كان أقل من ثمنه، وإن كان أكثر كان الزائد عنده أمانة شرعية يوصله إلى صاحبه. (مسألة 250) إذا لم يكن عند المرتهن بينة مقبولة لاثبات دينه وخاف لو اعترف عند الحاكم بالرهن أن يجحد الراهن الدين فيؤخذ منه الرهن بموجب اعترافه ويطالب بالبينة على حقه، فيجوز له بيع الرهن بأن يستأذن من الحاكم من دون ذكر اسم الراهن لئلا يؤاخذ بإقراره، وإن لم يمكن الاستئذان يبيعه بنفسه، وكذا إذا مات الراهن وخاف المرتهن جحود الوارث. (مسألة 251) لو كان بعض الرهن يفي بالدين اقتصر على بيعه على الاحوط إن لم يكن أقوى، ويبقي الباقي أمانة عنده، إلا إذا لم يمكن التبعيض ولو من جهة عدم وجود الراغب فيه، أو كان فيه ضرر على المالك، فيباع الكل. (مسألة 252) إذا كان الرهن من مستثنيات الدين كدار سكناه ودابة ركوبه جاز للمرتهن بيعه واستيفأ طلبه منه كسائر الرهون، ولكن لا ينبغي
للمسلم أن يخرج المسلم من ظل رأسه. (مسألة 253) إذا كان الراهن مفلسا أو مات وعليه ديون للناس، كان المرتهن أحق من باقي الغرمأ باستيفأ حقه من الرهن، فإن بقى شي يوزع
[ 84 ]
على الباقين بالحصص، وإن نقص عن حقه استوفى بعض حقه من الرهن ويشترك فيما بقي مع الغرمأ في سائر أموال الراهن إن كانت. (مسألة 254) الرهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه لو تلف أو تعيب من دون تعد وتفريط. نعم لو كان في يده مضمونا لكونه مغصوبا أو عارية مضمونة مثلا ثم ارتهن عنده لم يزل الضمان إلا إذا أذن له المالك في بقائه تحت يده فيرتفع الضمان على الاقوى. وإذا إنفك الدين بسبب الادأ أو الابرأ أو غير ذلك يبقى الرهن أمانة مالكية في يد المرتهن لا يجب تسليمه إلى المالك إلا مع المطالبة كسائر الامانات. (مسألة 255) لا تبطل الرهانة بموت الراهن ولا بموت المرتهن، فينتقل الرهن إلى ورثة الراهن مرهونا على دين مورثهم وينتقل إلى ورثة المرتهن حق الرهانة، فإن امتنع الراهن من استئمانهم كان له ذلك، فإن اتفقوا على أمين فهو، وإلا سلمه الحاكم إلى من يرتضيه، وإن فقد الحاكم فعدول المؤمنين. (مسألة 256) إذا ظهر للمرتهن أمارات الموت يجب عليه الوصية بالرهن وتعيين المرهون والراهن والاشهاد كسائر الودائع، ولو لم يفعل كان مفرطا وعليه ضمانه. (مسألة 257) لو كان عنده رهن قبل موته ثم مات ولم يعلم بوجوده في تركته لا تفصيلا ولا إجمالا ولم يعلم كونه تالفا بتفريط منه، لم يحكم أنه في
ذمته ولا بكونه موجودا في تركته، بل يحكم بكونها لورثته. ولو علم أنه قد كان موجودا في أمواله الباقية إلى بعد موته ولم يعلم أنه الان باق فيها أم لا، كما إذا كان سابقا في صندوقه مع أمواله التي كانت فيه وبقيت إلى زمان موته ولم يعلم أنه قد أخرجه وأوصله إلى مالكه أو باعه
[ 85 ]
واستوفى ثمنه أو تلف بغير تفريط منه أم لا، فلا يصح أن يحكم ببقائه فيها، لان الاستصحاب إبقأ ما كان ثابتا، وكون بعض التركة الموجودة للراهن سابقا غير متيقن، وقد ذكرنا ذلك في المضاربة أيضا. (مسألة 258) لو اقترض من شخص دينارا مثلا برهن ودينارا آخر منه بلا رهن ثم دفع إليه دينارا بنية الادأ والوفأ، فإن نوى كونه عن المرتهن عليه سقط وانفك رهنه، وإن نوى كونه عن الاخر لم ينفك الرهن وبقي دينه، وإن لم يقصد إلا أدأ دينار من الدينارين من دون تعيين كونه عن ذي الرهن أو غيره، لم ينفك الرهن أيضا، ويشكل توزيعه على الدينين بحيث إذا أكمل الراهن أدأ دين المرتهن عليه انفك رهنه، لان مقتضى الاستصحاب بقأ الرهن حتى يعلم فكه.
[ 86 ]
كتاب الحجر (مسألة 259) الحجر هو لغة بمعنى المنع، وهنا بمعنى كون الشخص ممنوعا شرعا من التصرف في ماله بسبب من الاسباب، وهي كثيرة وما هو العمدة منها: الصغر، والجنون، والسفه، والفلس، ومرض الموت. (مسألة 260) الصغير - وهو الذي لم يصل إلى حد البلوغ - محجور عليه شرعا لا تنفذ تصرفاته في أمواله ببيع وصلح وهبة وإقراض وإجارة
وإيداع وإعارة وغيرها، وإن كان في كمال التمييز والرشد، وكان التصرف في غاية الغبطة والصلاح، بل لا يجدي في الصحة إذن الولي سابقا ولا إجازته لاحقا عند المشهور. نعم يأتي حكم وصيته إذا بلغ عشرا إن شأ الله تعالى. (مسألة 261) كما أن الصبي محجور عليه في ماله محجور عليه في ذمته أيضا، فلا يصح أن يقترض أو يبيع أو يشتري في الذمة بالسلم والنسيئة وإن كان وقت الادأ زمان البلوغ أو بعده. وكذلك محجور عليه في نفسه أيضا، فلا ينفذ منه التزوج والطلاق ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملا في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك. نعم يجوز حيازته المباحات بالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما ويملكها بالنية، بل وكذا يملك الجعل بعمله إذا تحرك بجعل الجاعل كما مر في الجعالة، وإن لم يأذن له الولي فيهما.
[ 88 ]
(مسألة 262) يعرف البلوغ في الذكر والانثى بأحد أمور ثلاثة: الاول: نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف. الثاني: خروج المني، سوأ خرج يقظة أو نوما بجماع أو احتلام أو غيرهما. الثالث: السن، وهو في الذكر خمس عشرة سنة هلالية وفي الانثى تسع سنين كذلك. (مسألة 263) لا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصبي، بل لا بد معه من الرشد وعدم السفه بالمعنى الذي سنبينه. (مسألة 264) ولاية التصرف في مال الطفل والنظر في مصالحه وشؤونه
لابيه وجده لابيه، ومع فقدهما للقيم وهو الذي أوصى أحدهما بأن يكون ناظرا في أمره، ومع فقد الوصي فالولاية للحاكم الشرعي. وأما الام والاخ والجد للام فضلا عن الاعمام والاخوال فلا ولاية لهم عليه بحال. نعم الظاهر ثبوتها لعدول المؤمنين مع فقد الحاكم، وللموثقين منهم مع فقدهم. (مسألة 265) الظاهر أنه لا يشترط العدالة في ولاية الاب والجد، فلا ولاية للحاكم مع فسقهما، لكن متى ظهر منهما الخيانة ولو بقرائن الاحوال دون مجرد الضرر منهما على المولى عليه ولو عن اشتباه، عزلهما الحاكم ومنعهما من التصرف في أمواله، ولا يجب عليه الفحص عن عملهما وتتبع سلوكهما. (مسألة 266) الاب والجد مشتركان في الولاية فينفذ تصرف السابق منهما ويلغى تصرف اللاحق، ولو اقترنا فالاقوى تقديم تصرف الجد على الاب. (مسألة 267) الظاهر أنه لا فرق بين الجد القريب والبعيد، فلو كان له أب وجد وأب الجد وجد الجد، اشتركوا كلهم في الولاية.
[ 89 ]
(مسألة 268) يجوز للولي بيع عقار الصبي مع الحاجة واقتضأ المصلحة، فإن كان البائع هو الاب أو الجد جاز للحاكم تسجيله وإن لم يثبت عنده أنه مصلحة، وكذا إذا كان البائع غيرهما كالوصي على الاقوى حملا لفعل المؤمن على الصحة. (مسألة 269) يجوز للولي المضاربة بمال الطفل وإبضاعه بشرط وثاقة العامل وأمانته، فإن دفعه إلى غيره ضمن. (مسألة 270) يجوز للولي تسليم الصبي إلى أمين يعلمه الصنعة أو إلى من
يعلمه القرأة والخط والحساب والعلوم العربية وغيرها من العلوم النافعة لدينه ودنياه، وعليه أن يصونه عما يفسد أخلاقه فضلا عما يضر بعقائده. (مسألة 271) يجوز لولي اليتيم إفراده بالمأكول والملبوس من ماله وأن يخلطه بعائلته ويحسبه كأحدهم فيوزع المصارف على عددهم بالنسبة في المأكل والمشرب والمسكن، وأما الكسوة فيحسب على كل شخص كسوته. وكذا الحال في اليتامى المتعددين، فيجوز لمن يتولى نفقتهم أن يخلطهم في المأكول والمشروب ويوزع المصارف عليهم بالعدد، أما الكسوة فيشترى لكل واحد حاجته منفردا. (مسألة 272) إذا كان للصغير مال على غيره جاز للولي أن يصالحه عنه ببعضه مع المصلحة، ولكن لا يحل على المتصالح باقي المال، وليس للولي إسقاطه بحال. (مسألة 273) المجنون كالصغير في جميع ما ذكر. إلا أنه إذا تجدد جنونه بعد بلوغه ورشده فالاقوى أن الولاية عليه للحاكم، وإن كان الاحوط أن يتراضى الحاكم مع سائر الاوليأ. (مسألة 274) ينفق الولي على الصبي بالاقتصاد لا بالاسراف ولا بالتقتير ملاحظا عادته ونظرأه وما يليق بشأنه.
[ 90 ]
(مسألة 275) لو ادعى الولي الانفاق على الصبي أو على ماله أو دوابه بالمقدار اللائق وأنكر بعد البلوغ أصل الانفاق أو كيفيته، فالقول قول الولي مع اليمين إلا أن يكون للصبي بينة. (مسألة 276) السفيه هو الذي ليس له حالة باعثة على حفظ ماله والاعتنأ بحاله، فهو يصرفه ويتلفه في غير محله، ولا تكون معاملاته مبنية
على التحفظ من الوقوع في الغبن، ولا يبالي بالانخداع فيها. ويعرفه أهل العرف والعقلا بوجدانهم عندما يرونه خارجا عن طورهم ومسلكهم في صرف أمواله وتحصيلها. وهو محجور عليه شرعا لا تنفذ تصرفاته في ماله ببيع أو صلح أو اجارة أو ايداع أو عارية وغيرها. ولا يتوقف حجره على حكم الحاكم على الاقوى. فيحكم بكونه محجورا عليه في أمواله مع العلم بسفاهته، وكذا لا يتوقف زوال الحجر عنه على حكمه إذا علم زوال سفاهته. ومع الشك في الحدوث أو الزوال يحكم ببقأ الحالة السابقة في الشبهة الموضوعية، ويرجع إلى المجتهد في الشبهة الحكمية لو فرض تحققها. ولا فرق بين أن يكون سفهه متصلا بزمان صغره أو تجدد بعد البلوغ، فلو كان سفيها ثم حصل له الرشد ارتفع حجره، فإن عاد إلى حالته السابقة حجر عليه، ولو زالت فك حجره، ولو عاد عاد الحجر عليه، وهكذا. (مسألة 277) الولاية على السفيه للاب والجد ووصيهما إذا بلغ سفيها. ومن طرأ عليه السفه بعد البلوغ فالولاية عليه للحاكم الشرعي. (مسألة 278) السفيه محجور عليه في ذمته أيضا، كأن يتعهد مالا أو عملا، فلا يصح اقتراضه وضمانه ولا بيعه وشراؤه بالذمة ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملا في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة، وغير ذلك. (مسألة 279) معنى عدم نفوذ تصرفات السفيه عدم استقلاله، فلو كانت بإذن الولي أو إجازته صحت ونفذت. نعم في مثل العتق والوقف مما لا يجري فيه الفضولية يشكل صحته بالاجازة اللاحقة من الولي.
[ 91 ]
ولو أوقع معاملة في حال سفهه ثم حصل له الرشد فأجازها هو، كانت
كإجازة الولي. (مسألة 280) لا يصح زواج السفيه بدون إذن الولي أو إجازته، لكن يصح طلاقه وظهاره وخلعه، ويقبل إقراره إذا لم يتعلق بالمال كما لو أقر بالنسب. لكن لا تترك مراعاة الاحتياط في لوازمه المالية كالنفقات. وكذا يقبل إقراره بما يوجب القصاص ونحو ذلك، ولو أقر بالسرقة يقبل في القطع دون المال. (مسألة 281) لو وكل أجنبي سفيها في بيع أو هبة أو إجارة مثلا جاز ذلك ولو كان وكيلا في أصل المعاملة لا في مجرد إجرأ الصيغة. (مسألة 282) إذا حلف السفيه أو نذر على فعل شي أو تركه مما لا يتعلق بماله انعقد حلفه ونذره، ولو حنث كفر كسائر ما أوجب الكفارة كقتل الخطأ والافطار في شهر رمضان، والاحوط أنه يتعين عليه الصوم لو تمكن منه ولا يتخير بينه وبين الكفارة المالية، بل لا يخلو من قوة. نعم لو لم يتمكن من الصوم تعين غيره، نظير من فعل ما يوجب الكفارة المالية على التعيين كما في كفارات الاحرام كلها أو جلها. (مسألة 283) إذا كان للسفيه حق القصاص جاز أن يعفو عنه، بخلاف الدية وأرش الجناية. (مسألة 284) إذا اطلع الولي على بيع أو شرأ مثلا من السفيه ولم ير المصلحة في إجازته، فإن لم يقع إلا بمجرد العقد ألغاه، وإن وقع تسليم وتسلم للعوضين فما سلمه إلى الطرف الاخر يسترده ويحفظه وما تسلمه وكان موجودا يرده إلى مالكه. ومع عدم بقائه يضمنه السفيه مطلقا على ما اخترناه من تعميم الضمان في المأخوذ بالعقد الفاسد وأنه لا فرق بين السفيه وغيره، وكذا لا فرق بين التلف والاتلاف وبين جهل المالك بالحال وعلمه. وكذا الحال
لو اقترض السفيه وأتلف المال.
[ 92 ]
(مسألة 285) إذا أودع إنسان وديعة عند السفيه فأتلفها ضمنها على الاقوى، سوأ علم المودع بحاله أو جهل بها. نعم لو تلفت عنده لم يضمنها إلا مع تفريطه في حفظها كغيره. (مسألة 286) لا يسلم إلى السفيه ماله ما لم يحرز رشده، وإذا اشتبه حاله يختبر، بأن يفوض إليه مدة معتدا بها بعض الامور مما يناسب شأنه كالبيع والشرأ والاجارة والاستيجار، أو الرتق والفتق في بعض الامور مثل مباشرة الانفاق في مصالحه أو مصالح الولي ونحو ذلك مما يناسبه، ويفوض إلى السفيهة ما يناسب النسأ من إدارة بعض مصالح البيت والمعاملة مع النسأ بالاجارة والاستيجار للخياطة والنساجة وأمثال ذلك، فإن أنس منه الرشد، بأن ظهر منه المداقة والتحفظ عن الغبن في معاملاته، وصيانة ماله من التضييع، وصرفه في موضعه، والتصرف فيه كالعقلا، دفع إليه ماله، وإلا فلا. (مسألة 287) إذا احتمل حصول الرشد للصبي قبل البلوغ يجب اختباره قبله لكي يسلم إليه ماله إذا بلغ وآنس منه رشدا، وإلا فيختبر عندما يحتمل فيه ذلك عند البلوغ أو بعده. وأما غير الصبي فإن ادعى حصول الرشد له واحتمله الولي وجب إختباره، وإن لم يدع حصوله فلا يترك الاحتياط بالاختبار مع الاحتمال. (مسألة 288) المفلس: هو من حجر عليه التصرف في ماله لقصوره عن ديونه. (مسألة 289) من كثرت عليه الديون ولو كانت أضعاف أمواله يجوز له التصرف فيها بأنواعه، وينفذ أمره فيها ولو بإخراجها جميعا عن ملكه مجانا
أو بعوض، ما لم يحجر عليه الحاكم الشرعي. نعم لو كان صلحه عنها أو هبتها مثلا لاجل الفرار من أدأ الديون فيشكل الصحة، خصوصا إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه.
[ 93 ]
(مسألة 290) لا يجوز الحجر على المفلس إلا بشروط أربعة: الاول: أن تكون ديونه ثابتة شرعا. الثاني: أن تكون أمواله من عروض ونقود ومنافع وديون على الناس ما عدا مستثنيات الدين قاصرة عن ديونه. الثالث: أن تكون الديون حالة، فلا يحجر عليه لاجل الديون المؤجلة وإن لم يف ماله بها لو حلت، ولو كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا فإن قصر ماله عن الحالة يحجر عليه، وإلا فلا. الرابع: أن يرجع الغرمأ كلهم أو بعضهم إلى الحاكم ويطلبوا منه الحجر عليه بشرط أن يكون دين ذلك البعض أكثر من ماله وإن عم الحجر حينئذ له ولغيره. أما مع عدم طلب أحد منهم فلا يحجر عليه إلا أن يكون الدين لمن كان الحاكم وليه من يتيم أو مجنون أو نحوهما. (مسألة 291) إذا تمت الشرائط الاربعة وحجر عليه الحاكم وحكم بذلك، تعلق حق الغرمأ بأمواله، ولا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والاجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلا بإذنهم أو إجازتهم. وإنما يمنع المفلس من التصرفات الابتدائية، فلو اشترى شيئا سابقا بخيار ثم حجر عليه فالخيار باق وله فسخ البيع وإجازته. نعم لو كان له حق مالي سابقا على الغير فليس له إسقاطه وإبراؤه كلا أو بعضا. (مسألة 292) إنما يمنع عن التصرف في أمواله الموجودة في زمان الحجر عليه، أما الاموال المتجددة الحاصلة له بغير اختياره كالارث أو باختياره كالاحتطاب والاصطياد وقبول الوصية والهبة ونحو ذلك، فالاقوى عدم
شمول الحجر لها. نعم لا إشكال في جواز تجديد الحجر عليها. (مسألة 293) لو أقر بعد الحجر بدين سابق صح وشارك المقر له الغرمأ، وكذا لو أقر بدين لاحق وأسنده إلى سبب لا يحتاج إلى رضا الطرفين مثل الاتلاف والجناية ونحوهما، وأما لو أسنده إلى سبب يحتاج إلى ذلك كالاقتراض والشرأ بما في الذمة ونحو ذلك، فينفذ الاقرار في حقه لكن لا يشارك المقر له الغرمأ.
[ 94 ]
(مسألة 294) لو أقر بعين من الاعيان التي تحت يده لشخص نفذ إقراره في حقه، والاقوى عدم نفوذه في حق الغرمأ فلا تدفع إلى المقر له. ولو سقط حق الغرمأ وانفك الحجر لزمه تسليمها إلى المقر له أخذا بإقراره. (مسألة 295) إذا حكم الحاكم بحجر المفلس ومنعه عن التصرف في أمواله يشرع في بيعها وقسمتها بين الغرمأ بالحصص على نسبة ديونهم، مستثنيا منها مستثنيات الدين التي مرت في كتاب الدين، وكذا أمواله المرهونة فإن المرتهن أحق باستيفأ حقه من الرهن الذي عنده ولا يحاصه فيه سائر الغرمأ، ويوزع الفاضل من دينه بين الغرمأ كما مر. (مسألة 296) إن كان في مال المفلس عين اشتراها وكان ثمنها في ذمته، فالبائع بالخيار بين أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله أو يشترك مع الغرمأ بالثمن ولو لم يكن له مال سواها. (مسألة 297) الظاهر أن الخيار المذكور لصاحب العين ليس فوريا فلا يجب عليه أن يبادر بالرجوع في العين. نعم ليس له الافراط في تأخير الاختيار بحيث يعطل أمر التقسيم على الغرمأ، فإن أخر كذلك خيره الحاكم بين الامرين، فإن امتنع عن اختيار أحدهما أشركه مع الغرمأ في الثمن.
(مسألة 298) يعتبر في جواز رجوع البائع بالعين حلول الدين، فلا رجوع في المؤجل غير الحال قبل قسمة الكل أو البعض، والاقرب في الحال عندئذ الرجوع، كما أن الاقرب مشاركة الدين المؤجل الحال قبل القسمة لسائر الديون. (مسألة 299) إذا كانت العين من مستثنيات الدين فليس للبائع أن يرجع فيها على الاظهر. (مسألة 300) المقرض كالبائع في أن له الرجوع بالعين المقترضة لو
[ 95 ]
وجدها عند المقترض، بل وكذا المؤجر فله فسخ الاجارة إذا حجر على المستأجر قبل استيفأ المنفعة. (مسألة 301) إذا وجد البائع أو المقرض بعض العين المبيعة أو المقترضة، كان لهما الرجوع إلى الموجود بحصته من الدين والمشاركة بالباقي مع الغرمأ، كما أن لهما المشاركة بتمام دينهما معهم. وكذا إذا استوفى المستأجر بعض المنفعة كان للمؤجر فسخ الاجارة بالنسبة إلى ما بقي من المدة ومشاركة الغرمأ بأجرة المنفعة المستوفاة، كما أن له مشاركتهم بتمام الاجرة. (مسألة 302) إذا زادت العين المبيعة أو المقترضة زيادة متصلة كالسمن، فلو كانت يسيرة بحيث يصدق عليها أنها عين ماله تتبع الاصل، وأما إذا كانت الزيادة خطيرة بحيث يصدق عليها أنها ماله مع زيادة، فالاحوط التصالح في الزيادة مع الغرمأ. وأما الزيادة المنفصلة كالحمل والولد واللبن والثمر على الشجر، فهي للمشتري والمقترض، وليس للبائع والمقرض المطالبة بها. (مسألة 303) لو تعيبت العين عند المشتري مثلا، فإن كان بآفة سماوية
أو بفعل المشتري فللبائع أن يأخذها كما هي بدل الثمن وأن يشترك بالثمن مع الغرمأ، وأما إن كان بفعل أجنبي فالبائع بالخيار بين أن يشارك الغرمأ بتمام الثمن وبين أن يأخذ العين معيبة، وحينئذ فيحتمل أن يشارك الغرمأ في جز من الثمن نسبته إليه كنسبة الارش إلى قيمة العين، ويحتمل أن يضاربهم في تمام الارش، فإذا كان الثمن عشرة وقيمة العين عشرين وأرش النقصان أربعة (خمس القيمة) فعلى الاول يضاربهم في اثنين وعلى الثاني في أربعة. ولو فرض العكس بأن كان الثمن عشرين والقيمة عشرة وكان الارش اثنين (خمس العشرة) يشاركهم في أربعة على الاول وفي اثنين على الثاني، لكن المسألة محل إشكال، فالاحوط للبائع أن يقتصر على أقل الامرين وهو الاثنان في الصورتين. كما أن الاحوط للغرمأ أيضا أن يقتصروا على أقل الامرين مما
[ 96 ]
يجوز لهم المشاركة فيه، وهو غير الاربعة في الصورتين، فينحصر التخلص عن المحذور بالتصالح والتراضي. والظاهر أن البائع كالاجنبي في جناياته. (مسألة 304) لو اشترى أرضا فأحدث فيها بنأا أو غرسا ثم فلس كان للبائع الرجوع إلى أرضه، لكن البنأ والغرس للمشتري وليس له حق البقأ ولو بالاجرة، فإن تراضيا على البقأ مجانا أو بالاجرة فهو، وإلا فللبائع إلزامه بالقلع لكن مع دفع الارش، كما أن للمشتري القلع لكن مع طم الحفر، والاحوط للبائع عدم إلزامه بالقلع والرضا ببقائها ولو بالاجرة إذا أراده المشتري، كما أن الاحوط للمشتري أيضا القلع مع إبرام البائع ولو مع الارش، فالاحوط والاوفق لتخلص الطرفين إتمام العمل بالتصالح والتراضي.
(مسألة 305) إذا خلط المشتري ما اشتراه بماله، فإن خلطه بغير جنسه ولم يصدق معه بقأ العين كخلط الملح أو السكر بالمأ فليس للبائع الرجوع ويبطل حقه من العين. أما إذا صدق عليه بقأ العين ولو معيوبة فتعامل معاملة المعيوب كما لو خلط اللبن بقليل من المأ بحيث لا يخرجه عن اسم اللبن. وإن خلطه بجنسه كما لو خلط الزيت بزيت فللبائع الرجوع عليه ويصير شريكه في العين المخلوطة بنسبة ماله ويأخذ حصة من العين إذا اتحد الجنس في الجودة والردأة، ولم يكن الخلط مؤثرا في القيمة ويباع المجموع ويأخذ حصة منه إذا تفاوت الجنس في الجودة والردأة. هذا ولكن الاحوط عدم الرجوع إلا مع رضا الغرمأ. (مسألة 306) لو اشترى غزلا فنسجه أو دقيقا فخبزه أو ثوبا فقصره أو صبغه، لم يبطل حق البائع من العين على إشكال في الاولين. (مسألة 307) غريم الميت كغريم المفلس، فإذا وجد عين ماله في تركته كان له الرجوع إليه، لكن بشرط أن يكون ما تركه وافيا بدين الغرمأ، وإلا فليس له ذلك بل هو كسائر الغرمأ وإن كان الميت قد مات محجورا عليه. (مسألة 308) يجري على المفلس إلى يوم قسمة ماله نفقته وكسوته ونفقة من يجب عليه نفقته وكسوته على ما جرت عليه عادته، ولو مات قدم كفنه بل وسائر مؤن تجهيزه من السدر والكافور ومأ الغسل ونحو ذلك على حقوق الغرمأ، ويقتصر على الواجب على الاحوط، وإن كان القول باعتبار المتعارف بالنسبة إلى أمثاله لا يخلو من قوة. (مسألة 309) لو قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر يحكم ببطلانها من رأس بعد انكشاف كونها بين بعض الشركأ. منجزات المريض
[ 97 ]
(مسألة 310) المريض إذا لم يتصل مرضه بموته فهو كالصحيح يتصرف في ماله بما شأ وكيف شأ، وتنفذ جميع تصرفاته في جميع ما يملكه إلا فيما أوصى بأن يصرف شي بعد موته فإنه لا ينفذ فيما زاد على ثلث ما يتركه، وكذا الصحيح لا تنفذ وصيته بأكثر من الثلث. وأما إذا اتصل مرضه بموته فلا تنفذ وصيته بما زاد على الثلث كغيره، ولكن تنفذ عقوده المعاوضية المتعلقة بماله كالبيع بثمن المثل والاجارة بأجرة المثل ونحو ذلك. ولا إشكال في جواز انتفاعه بماله بالاكل والشرب والانفاق على نفسه ومن يعوله والصرف على أضيافه وما يحفظ شأنه واعتباره، وكل صرف يكون فيه غرض عقلائي مما لا يعد سرفا وتبذيرا بأي مقدار كان. وإنما الاشكال والخلاف في مثل الهبة والعتق والوقف والصدقة والابرأ والصلح بغير عوض ونحو ذلك من التصرفات التبرعية في ماله مما لا يقابل بالعوض ويكون فيه إضرار بالورثة، وهي المعبر عنها بالمنجزات، والاقوى أنها تنفذ من الاصل وإن زادت على ثلث ماله بل وإن استوعبت بجميع ماله بحيث لم يبق شي للورثة. (مسألة 311) لا إشكال ولا خلاف في أن الواجبات المالية التي يؤديها المريض في مرض موته كالخمس والزكاة والكفارات تخرج من الاصل. (مسألة 312) البيع والاجارة المحاباتيان بحكم الهبة بالنسبة إلى ما حاباه، فلو باع المريض شيئا يساوي مأة بخمسين مثلا فقد أعطى المشتري خمسين كما إذا وهبه. وكذا لو آجره بأقل من قيمته. (مسألة 313) لا يلحق بالمرض ما إذا كان في معرض خطر وهلاك، كأن يكون في حال المراماة في الحرب أو في سفينة تشرف على الغرق، أو
[ 98 ]
تكون المرأة في حال الطلق، فتنفذ تصرفاته حتى على القول بعدم نفوذ تصرفات المريض. (مسألة 314) لو أقر بدين أو عين من ماله في مرض موته لوارث أو أجنبي، فإن كان مأمونا غير متهم نفذ إقراره في جميع ما أقر به ولو كان زائدا على ثلث ماله، بل وإن استوعبه، وإلا فلا ينفذ فيما زاد على ثلثه. والمراد بكونه متهما وجود أمارات يظن معها بكذبه، كأن يكون بينه وبين الورثة معاداة يظن معها بأنه يريد بذلك إضرارهم، أو كان له محبة شديدة مع المقر له يظن معها بأنه يريد بذلك نفعه. (مسألة 315) إذا لم يعلم حال المقر وأنه كان متهما أو مأمونا ففي الحكم بنفوذ إقراره في الزائد على الثلث وعدمه إشكال، فالاحوط التصالح بين الورثة والمقر له. (مسألة 316) إنما يحسب الثلث في مسألتي المنجزات والاقرار بالنسبة إلى مجموع ما يتركه في زمان موته من الاموال عينا أو دينا أو منفعة أو حقا ماليا يبذل بأزائه المال كحق التحجير، والارجح أن الدية تحسب من التركة وتضم إليها ويحسب الثلث بالنسبة إلى المجموع. (مسألة 317) إذا أجاز الورثة الوصية فيما زاد على الثلث نفذت بلا إشكال، ولو أجاز بعضهم نفذ بمقدار حصته، ولو أجازوا بعضا من الزائد عن الثلث نفذ بقدره. وكذا حكم منجزات المريض على القول بعدم نفوذها في أكثر من الثلث. (مسألة 318) تصح إجازة الوارث بعد وفاته بلا إشكال، والاقوى أنها تصح أيضا في حياة المورث فيكون ملزما بها، كما تصح بعد وفاته، خاصة في
الوصية. والاقوى أنه إذا رد في حال حياته فله أن يجيز بعد وفاته.
[ 99 ]
كتاب الضمان (مسألة 319) وهو التعهد بمال ثابت في ذمة شخص لاخر. وحيث أنه عقد من العقود يحتاج إلى إيجاب صادر من الضامن وقبول من المضمون له، ويكفي في الاول كل لفظ دال بالمتفاهم العرفي على التعهد المذكور ولو بضميمة القرائن مثل أن يقول: ضمنت لك أو تعهدت لك الدين الذي لك على فلان ونحو ذلك. ويكفي في الثاني كل ما دل على الرضا بذلك، ولا يعتبر فيه رضا المضمون عنه. (مسألة 320) يشترط في كل من الضامن والمضمون له أن يكون بالغا عاقلا رشيدا مختارا، وأن لا يكون المضمون له محجورا لفلس، ولا يشترط شي من ذلك في المضمون عنه، فلا يصح ضمان الصبي ولا الضمان له ولكن يصح الضمان عنه وهكذا. (مسألة 321) يشترط في صحة الضمان أمور: منها: التنجيز، فلو علق على أمر، كأن يقول: أنا ضامن ما على فلان إن أذن لي أبي، أو أنا ضامن إن لم يف المديون إلى زمان كذا أو إن لم يف أصلا، بطل. ومنها: كون الدين الذي يضمنه ثابتا في ذمة المضمون عنه، سوأ كان مستقرا كالقرض والثمن أو المثمن في البيع الذي لا خيار فيه، أو متزلزلا كأحد العوضين في البيع الخياري أو كالمهر قبل الدخول ونحو ذلك، فلو قال: أقرض فلانا أو بعه نسيئة وأنا ضامن، لم يصح.
[ 100 ]
ومنها: تميز الدين والمضمون له والمضمون عنه، بمعنى عدم الابهام والترديد، فلا يصح ضمان أحد الدينين ولو لشخص معين على شخص معين، ولا ضمان
دين أحد الشخصين ولو لواحد معين، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو على واحد معين. نعم لو كان الدين معينا في الواقع ولم يعلم جنسه أو مقداره، أو كان المضمون له أو المضمون عنه متعينا في الواقع ولم يعلم شخصه، صح الضمان على الاقوى، خصوصا في الاخيرين. فلو قال: ضمنت ما لفلان على فلان، و لم يعلم أنه درهم أو دينار أو أنه دينار أو ديناران، صح. وكذا لو قال: ضمنت الدين الذي على فلان لصاحبه من هؤلا العشرة وكان يعلم بأن صاحب الدين واحد منهم ولم يعلم شخصه وبعد ذلك قبل صاحب الدين المعين، أو قال: ضمنت ما كان لفلان على المديون من هؤلا ولم يعلم شخصه، صح الضمان على الاقوى. (مسألة 322) إذا تحقق الضمان الجامع للشرائط انتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وبرئت ذمته، فإذا أبرأ المضمون له (صاحب الدين) ذمة الضامن برئت ذمة الضامن والمضمون عنه معا، وإذا أبرأ ذمة المضمون عنه كان لغوا لان ذمته لم تشتغل بشي حتى يبرئه. (مسألة 323) الضمان لازم من طرف الضامن فليس له فسخه بعد وقوعه مطلقا، وكذا من طرف المضمون له، إلا إذا كان الضامن معسرا وكان المضمون له جاهلا بإعساره، فإنه يجوز له فسخ الضمان والرجوع بحقه على المضمون عنه. والمدار على الاعسار حال الضمان، فلو كان موسرا في تلك الحال ثم أعسر لم يكن له الخيار، كما أنه لو كان معسرا ثم أيسر لم يزل الخيار. (مسألة 324) يجوز اشتراط الخيار لكل من الضامن والمضمون له على الاقوى، لكن حيث أن الفسخ بالخيار مستلزم لاشتغال ذمة المضمون عنه بعد
[ 101 ]
الحلول، وذلك بدون رضاه على خلاف القاعدة فالاحوط إن لم يكن الاقوى عدم الفسخ إلا برضاه. (مسألة 325) يجوز ضمان الدين الحال حالا ومؤجلا، وكذا ضمان الدين المؤجل مؤجلا وحالا، وكذا ضمان الدين المؤجل مؤجلا بأكثر من أجله وبأنقص منه. (مسألة 326) إذا ضمن من دون إذن المضمون عنه، فليس له الرجوع عليه، وإن كان بإذنه فله الرجوع عليه لكن بعد أدأ الدين لا بمجرد الضمان. وإنما يرجع عليه بمقدار ما أداه، فلو صالح على الدين بنصفه أو ثلثه أو أبرأ ذمته عن بعضه لم يرجع عليه بما سقط عن ذمته بالمصالحة أو الابرأ. (مسألة 327) إذا كان الضمان بإذن المضمون عنه فليس للضامن الرجوع عليه بما أداه عنه قبل حلول أجله، إلا إذا كان ضمنه بإذنه حالا أو بأقل من أجله، فإنه يرجع عليه بمجرد الادأ. ولو مات قبل انقضأ الاجل فحل الدين وأداه الورثة من تركته، كان لهم الرجوع على المضمون عنه. (مسألة 328) لو ضمن بإذنه الدين المؤجل مؤجلا فمات الضامن قبل انقضأ الاجلين وحل ما عليه فأخذ من تركته، فليس لورثته الرجوع إلى المضمون عنه إلا بعد حلول أجل الدين الذي كان عليه، ولا يحل الدين بالنسبة إلى المضمون عنه بموت الضامن وإنما يحل بالنسبة إليه. (مسألة 329) لو دفع المضمون عنه الدين إلى المضمون له من دون إذن الضامن، برئت ذمته وليس له الرجوع عليه. (مسألة 330) يجوز الترامي في الضمان، بأن يضمن مثلا عمرو عن زيد ثم يضمن بكر عن عمرو ثم يضمن خالد عن بكر وهكذا، فتبرأ ذمة الجميع
ويستقر الدين على الضامن الاخير، فإن كانت جميع الضمانات بغير إذن
[ 102 ]
المضمون عنه وأدى الدين الضامن الاخير فلا يرجع أحد منهم على سابقه. وإن كانت جميعها بإذن، رجع الضامن الاخير على سابقه وهو على سابقه إلى أن ينتهي إلى المديون الاصلي، وإن كان بعضها بإذن وبعضها بدونه، فإن كان الاخير بدون إذن، كان كالاول ولا يرجع أحد منهم على سابقه، وإن كان بإذن رجع هو على سابقه وهو على سابقه إن كان ضمن بإذنه، وإلا انقطع الرجوع. فكل ضامن أدى شيئا وكان ضمانه بإذن من ضمن عنه، يرجع عليه بما أداه، وإلا فلا. (مسألة 331) يجوز ضمان اثنين عن واحد بالاشتراك، بأن يكون على كل منهما بعض الدين، فتشتغل ذمة كل منهما بمقدار منه على حسب ما عيناه ولو بالتفاوت، ولو أطلقا قسط عليهما بالتساوي بالنصف إن كانا اثنين وبالثلث إن كانوا ثلاثة، وهكذا، ولكل منهما أدأ ما عليه وتبرأ ذمته ولا يتوقف على أدأ الاخر ما عليه، وللمضمون له مطالبة كل منهما بحصته ومطالبة أحدهما أو إبراؤه دون الاخر. ولو كان ضمان أحدهما بإذن دون الاخر رجع هو إلى المضمون عنه بما أداه دون الاخر. والظاهر أنه لا فرق في جميع ما ذكر بين أن يكون ضمانهما بعقدين، كأن يضمن أحدهما نصف الدين ثم يضمن الاخر نصفه الاخر، أو بعقد واحد كأن يضمن عنهما وكيلهما في ذلك ويقبل المضمون له. وأما ضمان اثنين عن واحد بالاستقلال، بأن يكون كل منهما ضامنا تمام الدين فالاقوى بطلانه. (مسألة 332) يجوز الضمان بغير جنس الدين بأن يشترط الادأ من
غير جنسه، لكن إذا كان الضمان بإذن المضمون عنه فليس له الرجوع عليه إلا بجنس الدين. (مسألة 333) يجوز الضمان عن المنافع والاعمال المستقرة في الذمم
[ 103 ]
كالاعيان، فكما يجوز أن يضمن عن المستأجر ما عليه من الاجرة كذلك يجوز أن يضمن عن الاجير ما عليه من العمل. نعم لو كان اشترط مباشرة الاجير لم يصح الضمان عنه. (مسألة 334) لو ادعى شخص على شخص دينا فقال ثالث للمدعي: علي ما عليه فرضي بذلك صح الضمان، بمعنى ثبوت الدين في ذمته على تقدير ثبوته، فتسقط الدعوى عن المضمون عنه ويصير الضامن طرف الدعوى، فإذا أقام المدعي البينة وجب على الضامن أداؤه، وكذا لو ثبت إقرار المضمون عنه قبل الضمان. وأما إقراره بعد الضمان فإن كان الضمان بغير إذنه لا يثبت به شي لا على المقر لبرأة ذمته بالضمان حسب الفرض ولا على الضامن لكونه إقرارا على الغير وإن كان الضمان بإذنه فهو إقرار على نفسه يؤخذ به ويرجع الضامن بعد الادأ عليه. (مسألة 335) الاقوى عدم جواز ضمان الاعيان المضمونة، كالمغصوب والمقبوض بالعقد الفاسد، لمالكها عمن كانت في يده. (مسألة 336) إذا قبض البائع الثمن يجوز ضمان عهدة الثمن للمشتري عنه لو ظهر المبيع مستحقا للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحته. وأما ضمان درك ما يحدثه المشتري من بنأ أو غرس في الارض المشتراة إذا ظهرت مستحقة للغير وقلعه المالك، فالاقوى عدم جوازه. (مسألة 337) إذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن فلا ينفك
بالضمان، إلا إذا شرط الضامن مع المضمون له انفكاكه. (مسألة 338) إذا طلب من أحد أدأ دين عليه إلى ثالث فأداه بلا ضمان عنه للدائن، جاز للمؤدي الرجوع عليه بذلك.
[ 104 ]
الحوالة (مسألة 339) وحقيقتها تحويل المديون ما في ذمته إلى ذمة غيره، وهي متقومة بأشخاص ثلاثة: المحيل وهو المديون، والمحتال وهو الدائن، والمحال عليه. ويعتبر في الثلاثة البلوغ والعقل والرشد والاختيار ويعتبر في المحتال عدم الحجر لفلس وكذا في المحيل، إلا في الحوالة على البري. وهي عقد تحتاج إلى إيجاب من المحيل وقبول من المحتال، بل ومن المحال عليه أيضا، ولا مانع أن يكون عقدها مركبا من إيجاب وقبولين. ويعتبر في عقدها ما يعتبر في سائر العقود، ومنه التنجيز، فلو علقها على شي بطلت. ويكفي في الايجاب كل لفظ يدل عليها مثل: أحلتك بما في ذمتي من الدين على فلان، وما يفيد معناه، وفي القبول ما يدل على الرضا نحو: قبلت ورضيت، ونحوهما. (مسألة 340) يشترط في صحة الحوالة مضافا إلى ما ذكر أمور: منها: أن يكون المال المحال به ثابتا في ذمة المحيل، فلا تصح في غير الثابت في ذمته وإن وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل، فضلا عما لم يوجد سببه كالحوالة بما سيستقرضه فيما بعد. ومنها: تعيين المال المحال به بمعنى عدم الابهام والترديد، وأما معلومية مقداره أو جنسه عند المحيل أو المحتال فالظاهر عدم اعتبارها، فلو كان مجهولا عندهما لكن كان معلوما ومعينا في الواقع فلا بأس، خصوصا مع
[ 106 ]
فرض إمكان ارتفاع الجهالة بعد ذلك، كما إذا كان عليه دين لاحد قد أثبته في دفتره ولم يعلما مقداره فحوله على شخص آخر قبل مراجعة الدفتر. ومنها: رضى المحال عليه وقبوله، وإن اشتغلت ذمته للمحيل بمثل ما أحال عليه على الاقوى. (مسألة 341) لا يعتبر في صحة الحوالة اشتغال ذمة المحال عليه بالدين للمحيل، فتصح الحوالة على البري على الاقوى. (مسألة 342) لا فرق في المحال به بين أن يكون عينا ثابتة في ذمة المحيل أو منفعة أو عملا لا يعتبر فيه المباشرة، فتصح الاحالة بخياطة ثوب أو زيارة أو صلاة أو حج أو قرأة قرآن ونحو ذلك على بري أو على من اشتغلت ذمته بمثل ذلك. وكذا لا فرق بين كونه مثليا كالحنطة والشعير، أو قيميا كالحيوان والسيارة بعد أن يكون موصوفا بما يرفع الجهالة فإذا اشتغلت ذمته بشاة موصوفة مثلا بسبب كالسلم، جاز له الاحالة بها على من كان له عليه شاة بذلك الوصف، أو كان بريئا. (مسألة 343) لا اشكال في صحة الحوالة مع اتحاد الدين المحال به مع الدين الذي على المحال عليه جنسا ونوعا، كما إذا كان عليه لرجل كتاب وله على آخر كتاب من نفس الطبعة، أو كان عليه عملة معينة وله عملة من نفسها، فيحيل الاول على الثاني. وأما مع الاختلاف، بأن كان عليه عملة وله على آخر عملة أخرى فيحيل الاول على الثاني فتارة يحيل الاول بتومانه على الثاني بالدينار، بأن يأخذ منه ويستحق عليه بدل التومان دينارا. فالاقوى عدم صحة هذا النحو
ولو مع رضا المحال عليه بنقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا وجه لاستحقاق المحتال الدينار من المحال عليه بحوالة التومان إلا بأن تكون معاوضة لا حوالة. وتارة يحيله عليه بالتومان بأن يعطيه المحال عليه بدل ما
[ 107 ]
عليه من الدينار للمحيل تومانا فلا إشكال فيه مع رضا المحال عليه، نظير الحوالة على البري ثم إذنه له في إعطأ ما عليه من الدنانير بدل التوامين مع التراضي. وتارة يحيله عليه بالتومان ليأخذ منه التومان ويبقى ما عليه من دينار على حاله فيصح ذلك ويكون من الحوالة على البري. (مسألة 344) إذا تحققت الحوالة جامعة للشرائط برئت ذمة المحيل عن الدين وإن لم يبرئه المحتال، واشتغلت ذمة المحال عليه للمحتال بما أحيل عليه. وأما حال المحال عليه مع المحيل فإن كانت الحوالة بمثل ما عليه، برئت ذمته مما له عليه، وكذا إن كانت بغير الجنس ووقعت على النحو الثاني من الانحأ الثلاثة المتقدمة، وحيث أنه حوالة بمثل ما عليه فتبرأ ذمته بمجرد تحقق الحوالة. وأما إن كانت الحوالة على بري، فتشتغل ذمة المحيل للمحال عليه بما أحال عليه. (مسألة 345) لا يجب على المحتال قبول الحوالة وإن كانت على ملي غير مماطل، ولو قبلها لزمت وإن كانت على فقير معدم. نعم لو كان جاهلا بحاله ثم ظهر إعساره وفقره وقت الحوالة كان له الفسخ والعود على المحيل، وليس له الفسخ بسبب الفقر الطاري، كما أنه لا يزول الخيار لو تبدل فقره باليسار. (مسألة 346) الحوالة لازمة بالنسبة إلى كل من الثلاثة إلا على المحتال مع إعسار المحال عليه وجهله بالحال، والمراد بالاعسار أن لا يكون عنده ما
يوفي به الدين زائدا على مستثنيات الدين، ويجوز اشتراط خيار فسخ الحوالة لكل من الثلاثة. (مسألة 347) يجوز الترامي في الحوالة بتعدد المحال عليه واتحاد المحتال، كما لو أحال المديون زيدا على عمرو، ثم أحال عمرو زيدا على بكر، ثم أحال بكر زيدا على خالد، وهكذا. أو بتعدد المحتال مع اتحاد المحال عليه، كما لو أحال زيد عمرا على بكر، فأحال عمرو خالدا على بكر، ثم أحال خالد شخصا آخر له عليه دين على بكر.. وهكذا.
[ 108 ]
(مسألة 348) إذا قضى المحيل الدين بعد الحوالة برئت ذمة المحال عليه، فإن كان ذلك بطلبه رجع المحيل عليه، وإن تبرع لم يرجع عليه. (مسألة 349) إذا أحال على بري وقبل المحال عليه، فالاقوى أنه ليس له الرجوع على المحيل إلا بعد الادأ، كما مر نظيره في الضمان. (مسألة 350) إذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري، أو أحال المشتري البائع بالثمن على شخص آخر، ثم تبين بطلان البيع بطلت الحوالة، بخلاف ما إذا انفسخ البيع بخيار أو بالاقالة، فتبقى الحوالة ولا تتبع البيع في الانفساخ.
[ 109 ]
كتاب الكفالة (مسألة 351) الظاهر أنها اعتبار اضافة بين الكفيل والمكفول له مستتبعة لتسلط المكفول له على الزام الكفيل بإحضار المكفول أو أدأ ما عليه، بالعقد المشتمل على الايجاب من الكفيل والقبول من المكفول له. ويكفي في الايجاب كل لفظ دال على الاضافة المذكورة كأن يقول: كفلت لك
بدن فلان أو نفسه أو أنا كفيل لك بإحضاره، ونحو ذلك، وفي القبول كل ما يدل على الرضا بذلك. (مسألة 352) يعتبر في الكفيل البلوغ والعقل والاختيار والتمكن من الاحضار، ولا يشترط في المكفول له البلوغ والعقل، فتصح الكفالة للصبي والمجنون إذا قبلها الولي. (مسألة 353) لا إشكال في اعتبار رضى الكفيل والمكفول له، وأما المكفول ففي اعتبار رضاه تأمل وإشكال، فالاحوط على المكفول له عدم إلزام الكفيل بإحضار المكفول في صورة عدم قبوله ورضاه، لكن الاحوط على الكفيل إحضار المكفول في تلك الصورة مع مطالبة المكفول له. وكذا الاحوط على المكفول حضوره مع الكفيل ولو في صورة عدم قبوله. بل الاحوط أن يكون عقدها مركبا من إيجاب وقبولين من المكفول له والمكفول. (مسألة 354) كل من عليه حق مالي تصح الكفالة ببدنه، ولا يشترط العلم بمبلغ ذلك المال. نعم يشترط أن يكون ثابتا في الذمة بحيث يصح ضمانه،
[ 110 ]
فلو تكفل بإحضار من لا مال عليه وإن وجد سببه - كمن جعل الجعالة قبل أن يعمل العمل - لم يصح، وكذا تصح كفالة كل من يستحق عليه الحضور إلى مجلس الشرع، بأن تكون عليه دعوى مسموعة وإن لم تقم البينة عليه بالحق. ولا تصح كفالة من عليه عقوبة من حد أو تعزير إن لم تكن من حقوق الناس، وأما إن كانت منها كالقصاص فتصح الكفالة فيها. (مسألة 355) يصح إيقاع الكفالة حالة في الحقوق الحالة، ومؤجلة في الحقوق الحالة والمؤجلة، ومع الاطلاق تكون معجلة في خصوص المعجلة دون المؤجلة، ولو كانت مؤجلة يلزم تعيين الاجل على وجه لا يختلف زيادة
ونقصا. (مسألة 356) عقد الكفالة لازم لا يجوز فسخه إلا بالاقالة، ويجوز جعل الخيار فيه لكل من الكفيل والمكفول له مدة معينة. (مسألة 357) إذا تحققت الكفالة جامعة للشرائط جازت مطالبة المكفول له الكفيل بالمكفول عاجلا إذا كانت الكفالة معجلة، أو كانت مطلقة وكان الحق معجلا، والمطالبة بعد الاجل إن كانت مؤجلة. فإن كان المكفول حاضرا وجب على الكفيل إحضاره، فإن أحضره وسلمه تسليما تاما بحيث يتمكن المكفول له منه فقد بري مما عليه، وإن امتنع عن ذلك كان له طلب حبسه من الحاكم حتى يحضره أو يؤدي ما عليه فيما يمكن تأديته كالديون، أو بدله كالدية فيما إذا تراضيا عليها مع ورثة المقتول. وإن كان غائبا فإن كان موضعه معلوما يتمكن الكفيل من إحضاره منه أمهل بقدر ذهابه ومجيئه فإذا مضى قدر ذلك ولم يأت به من غير عذر كان له طلب حبسه من الحاكم كما مر، وإن كان غائبا غيبة منقطعة لا يعرف موضعه وانقطع خبره بحيث لا يرجى الظفر به بحسب العادة، لم يكلف الكفيل إحضاره، والاقرب أنه يلزم بأدأ ما عليه، خصوصا إذا كان ذلك بتفريط من الكفيل، بأن طالبه المكفول له وكان متمكنا منه فلم يحضره حتى
[ 111 ]
هرب. نعم لو علم أنه لا يرجى الظفر به بحسب العادة فيشكل صحة الكفالة من أصلها. وكذا لو كان الظفر به مرجوا ثم انكشف خلافه، فينكشف بطلانها. (مسألة 358) إذا لم يحضر الكفيل المكفول فاستوفي منه المال، فإن لم
يأذن له المكفول لا في الكفالة ولا في الادأ فليس له الرجوع عليه بما أداه، وإن أذن له في الادأ كان له أن يرجع به عليه، سوأ أذن له في الكفالة أيضا أم لا. وأما إذا أذن له في الكفالة دون الادأ فلا يبعد التفصيل بين ما إذا أمكن له مراجعته واحضاره للمكفول له فلا يرجع عليه، وبين ما إذا تعذر له ذلك فيرجع عليه. (مسألة 359) إذا عين الكفيل في الكفالة مكان التسليم تعين، فلا يجب عليه تسليمه في غيره ولو طلب ذلك المكفول له لم تجب إجابته، كما أنه لو سلمه في مكان آخر لم يجب على المكفول له تسلمه. ولو أطلق ولم يعين مكان التسليم فإن أوقعا العقد في بلد المكفول له أو بلد استقراره انصرف إليه، وإن أوقعاه في برية أو بلد غربة لم يكن من قصده الاستقرار فيه، فإن كانت قرينة على التعيين فهو بمنزلته، وإلا بطلت الكفالة من أصلها. (مسألة 360) يجب على الكفيل التوسل بكل وسيلة مشروعة لاحضار المكفول، حتى أنه لو احتاج إلى الاستعانة بشخص قاهر ولم يكن في ذلك مفسدة أو مضرة دينية أو دنيوية لم يبعد وجوب ذلك، ولو كان غائبا واحتاج حمله إلى مؤنة فعلى المكفول نفسه، ولو صرفها الكفيل لا بعنوان التبرع، فله أن يرجع بها عليه إذا أذن له المكفول في الصرف، وإلا فليس له الرجوع عليه. ولو كانت الكفالة وصرف المؤنة بغير إذنه، أو كانت الكفالة بإذنه لكن لم يكن يتوقف إحضاره على مؤونة من الكفيل، وسبق هو إلى الصرف بدون استيذان من المكفول، فيشكل جواز رجوعه على المكفول.
[ 112 ]
(مسألة 361) تبرأ ذمة الكفيل بإحضار المكفول أو حضوره وتسليم
نفسه تسليما تاما، وكذا تبرأ ذمته لو أخذ المكفول له المكفول طوعا أو كرها بحيث تمكن من استيفأ حقه أو إحضاره مجلس الحكم، أو أبرأ المكفول عن الحق الذي عليه، أو الكفيل من الكفالة. (مسألة 362) إذا مات الكفيل أو المكفول بطلت الكفالة، بخلاف ما لو مات المكفول له فتبقى الكفالة وينتقل حق المكفول له منها إلى ورثته. (مسألة 363) لو نقل المكفول له الحق الذي له على المكفول إلى غيره ببيع أو صلح أو حوالة، بطلت الكفالة. (مسألة 364) من خلى غريما من يد صاحبه قهرا وإجبارا ضمن إحضاره أو أدأ ما عليه، مما يمكن أن يؤدى مثل الدين، أو الدية مع التراضي أو تعذر الاحضار. ولو خلى قاتلا من يد ولي الدم لزمه إحضاره أو إعطأ الدية وإن كان القتل عمدا. (مسألة 365) يجوز ترامي الكفالات، بأن يكفل الكفيل كفيل آخر ثم يكفل كفيل الكفيل كفيل آخر وهكذا، وحيث أن الكل فروع الكفالة الاولى وكل فرع يلحق أصله، فلو أبرأ المستحق الكفيل الاول أو أحضر الاول المكفول الاول أو مات أحدهما برؤوا أجمع، ولو أبرأ المستحق بعض من توسط بري هو ومن بعده دون من قبله، وكذا لو مات، بري من كان فرعا له. (مسألة 366) يكره التعرض للكفالات وقد قال مولانا الصادق عليه السلام في خبر لبعض أصحابه: مالك والكفالات، أما علمت أنها أهلكت القرون الاولى. وعنه عليه السلام: الكفالة خسارة غرامة ندامة. الوكالة
[ 113 ]
كتاب الوكالة
(مسألة 367) وهي تولية الغير ما يملكه من إمضأ أمر أو استنابته في تصرف يقبل الاستنابة، وحيث أنها من العقود فتحتاج إلى إيجاب وقبول، ويكفي في الايجاب كل ما دل عليها كقوله: وكلتك أو أنت وكيلي في كذا أو فوضته إليك أو استنبتك فيه ونحوها، ولو قال له: بع داري مثلا قاصدا به الاستنابة في بيعها فالظاهر كفايته في صحة البيع، لكن يشكل ترتيب آثار الوكالة عليه. ويكفي في القبول كل ما دل على الرضا، بل الظاهر أنه يكفي فيه فعل ما وكل فيه كما إذا وكله في بيع شي فباعه بقصد القبول، أو في شرأ شي فاشتراه له. بل يقوى وقوعها بالمعاطاة، بأن يسلم إليه متاعا ليبيعه فيتسلمه لذلك. بل لا يبعد تحققها بالكتابة من طرف الموكل والرضا بما فيها من طرف الوكيل وإن تأخر وصولها إليه مدة، فلا يعتبر فيها الموالاة بين إيجابها وقبولها. وقد قيل بأن الوكالة تتسع لما لا يتسع له غيرها من العقود ولكن المتيقن من التوسعة فيها صحة الامر الذي يستناب فيه، وأما أن ذلك من جهة التوسعة في أمر الوكالة أو أن ذلك من جهة أنه إذن وإعلام وأمر، فلا دليل عليه إلا دعوى الاجماع إن تم، وهو غير محقق. (مسألة 368) يشترط فيها التنجيز، بمعنى عدم تعليق أصل الوكالة بشي، كأن يقول مثلا: إذا قدم زيد أو جأ رأس الشهر فأنت وكيلي في أمر كذا.
[ 114 ]
نعم لا بأس بتعليق متعلق الوكالة والتصرف الذي استنابه فيه، كما لو قال: أنت وكيلي في أن تبيع داري إذا قدم زيد أو وكلتك في شرأ كذا في وقت كذا. (مسألة 369) يشترط في كل من الموكل والوكيل البلوغ إلا فيما يصح صدوره منه كالوصية والصدقة والطلاق ممن بلغ عشرا على القول به كما سيأتي
كل في محله. وكذا يشترط فيهما العقل والقصد والاختيار، فلا يصح التوكيل ولا التوكل من الصبي والمجنون والمكره. ويشترط في الموكل أن يكون جائز التصرف فيما وكل فيه، فلا يصح توكيل المحجور عليه لسفه أو فلس فيما حجر عليه فيه دون ما لم يحجر عليه فيه كالطلاق ونحوه. وفي الوكيل كونه متمكنا عقلا وشرعا من مباشرة ما توكل فيه، فلا يجوز توكيل المحرم فيما لا يجوز له كابتياع الصيد وإمساكه وإيقاع عقد النكاح. (مسألة 370) لا يشترط في الوكيل الاسلام، فيصح توكيل الكافر، بل والمرتد وإن كان عن فطرة، عن المسلم والكافر. والاقوى صحة توكيله في ابتياع المصحف أيضا إذا كان لمسلم خصوصا إذا كان التسليم والتسلم من الموكل دون الوكيل. أما توكيله لاستيفأ حق أو مخاصمة مع مسلم ففيه تردد، خصوصا إذا كان الحق لمسلم. (مسألة 371) تصح وكالة المحجور عليه لسفه أو فلس عن غير المحجور عليه، لاختصاص الحجر عليه بالتصرفات في مال نفسه. (مسألة 372) ما يشترط في الموكل والوكيل ابتدأا يشترط فيهما استدامة، فلو جنا أو أغمي عليهما أو حجر على الموكل بالنسبة إلى ما وكل فيه، بطلت الوكالة. ولو زال المانع احتاج عودها إلى توكيل جديد. (مسألة 373) يشترط فيما وكل فيه أن يكون سائغا في نفسه، وأن يكون للموكل السلطنة شرعا على إيقاعه، فلا توكيل في المعاصي كالغصب
[ 115 ]
والسرقة والقمار ونحوها، ولا فيما ليس له السلطنة على إيقاعه كبيع مال الغير من دون ولاية له عليه.
ولا يعتبر القدرة عليه خارجا مع كونه مما يصح وقوعه منه شرعا، فيجوز لمن لم يقدر على أخذ ماله من غاصب أن يوكل في أخذه من يقدر عليه. (مسألة 374) يجوز التوكيل فيما لا يتمكن شرعا أو عقلا من إيقاعه إلا بعد حصول أمر غير حاصل حين التوكيل، كتطليق امرأة ليست الان في عصمته وتزويج من هي الان مزوجة أو معتدة، ونحو ذلك، فيوكله مثلا في العقد له على امرأة ثم طلاقها أو شرأ مال ثم بيعه ونحو ذلك مما يكون التوكيل فيه مترتبا على ما يتمكن منه. والظاهر أنه يصح أن يوكله في كل ما هو أهل له من غير فرق بين الموجود والمتجدد. وأما التوكيل فيه استقلالا من دون التوكيل في المرتب عليه ففيه إشكال، بل الظاهر عدم الصحة. نعم الظاهر أنه يصح أن يوكل شخصا ويستنيبه في كل ما هو أهل له من غير فرق بين الموجود والمتجدد له من ملك وغيره، كما لو وكله أن يبيع ما يدخل في ملكه بإرث أو هبة أو غيرهما، أو يزوجه امرأة بعد عدتها، وهكذا. (مسألة 375) يشترط في الموكل فيه أن يكون قابلا للنيابة، بأن لا تكون المباشرة شرطا في صحته كأكثر العبادات البدنية، فلا يصح التوكيل في الطهارات الثلاث للقادر، وأما العاجز فيستنيب للغسلات والمسحات، وفي التيمم للضرب والمسحات، كما لا يصح في الصوم مطلقا، ولا في الصلاة إلا فيما شرعت فيه النيابة مثل صلاة الطواف وصلاة الزيارة المستحبة وبعض النوافل كصلاة جعفر، وبعض مستحبات أخرى. أما العبادات المالية كالزكاة والخمس والكفارات فلا يعتبر فيها المباشرة، فيصح التوكيل والنيابة فيها، إخراجا وإيصالا إلى مستحقيها.
[ 116 ]
(مسألة 376) يصح التوكيل في جميع العقود كالبيع والصلح والاجارة والهبة والعارية والوديعة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض والرهن والشركة والضمان والحوالة والكفالة والوكالة والنكاح، إيجابا وقبولا في الجميع، وكذا في الوصية، والوقف، والطلاق، والاعتاق، والابرأ، والاخذ بالشفعة وإسقاطها، وفسخ العقد في موارد ثبوت الخيار، وإسقاطه. ولا يبعد صحة التوكيل في الرجوع إلى المطلقة رجعيا لكن بشرط أن لا يكون التوكيل في الرجوع رجوعا، مثل أن يوكل شخصا في تطليق زوجته ثلاثا فيكون الوكيل وكيلا في الرجعتين بينهما، أو يوكل شخصا في تطليق زوجته بطلاق الخلع والرجوع في صورة رجوعها في البذل، فيقول رجعت عنه إلى زوجته، فيكون نظير صالحت عنه. وفي صحة الوكالة في اليمين والنذر والعهد والظهار إشكال. ولا يصح في اللعان والايلا. أما التوكيل في الاقرار والشهادة فيمكن أن يقال بأنه إقرار وشهادة والوكيل يشهد عليهما، لا أنه يقر ويشهد عنه. (مسألة 377) يصح التوكيل في القبض والاقباض إذا كانا لازمين، كما في الرهن والقرض والصرف بالنسبة إلى العوضين، والسلم بالنسبة إلى الثمن، وكذا في إيفأ الديون، واستيفائها، وغيرها. (مسألة 378) يجوز التوكيل في الطلاق غائبا كان الزوج أم حاضرا، بل يجوز توكيل الزوجة في أن تطلق نفسها بنفسها، أو بأن توكل الغير عن الزوج، أو عن نفسها. (مسألة 379) يجوز التوكيل والاستنابة في حيازة المباح كالاستقأ والاحتطاب والاحتشاش وغيرها، فإذا وكل واستناب شخصا في حيازتها
وحازها بعنوان النيابة عنه كانت بمنزلة حيازة المنوب عنه، وصار ما حازه ملكا له. (مسألة 380) يشترط في الموكل فيه التعيين، بأن لا يكون مجهولا أو
[ 117 ]
مبهما، فلو قال وكلتك من غير تعيين، أو على أمر من الامور أو على شي يتعلق به، ونحو ذلك، لم تصح. نعم لا بأس بالتعميم أو الاطلاق، كما سيأتي. (مسألة 381) الوكالة إما خاصة وإما عامة وإما مطلقة: فالخاصة ما تعلقت بتصرف معين في شي معين، كما إذا وكله في شرأ دار شخصية معينة، وهذا لا إشكال في صحته. والعامة، إما عامة من جهة التصرف وخاصة من جهة متعلقه، كما إذا وكله في جميع التصرفات الممكنة في داره المعينة من بيعها وهبتها وإجارتها وغيرها، وإما بالعكس كما إذا وكله في بيع جميع ما يملكه. وإما عامة من كلتا الجهتين، كما إذا وكله في جميع التصرفات الممكنة في جميع ما يملكه، أو في إيقاع جميع ما يحق له ويتعلق به بحيث يشمل التزويج والطلاق. والمطلقة قد تكون مطلقة من جهة التصرف خاصة من جهة متعلقه، كما إذا وكله في أنه إما يبيع داره المعينة بيعا لازما أو خياريا، أو يرهنها أو يؤجرها، وأوكل التعيين إلى نظره بنحو يجعله وكيلا في جميعها ونائبا عنه في كل ما يختار، فتصح الوكالة. أما إذا جعل له الوكالة التخييرية نظير الواجب التخييري ففي صحتها إشكال بل منع. وقد تكون المطلقة بالعكس كما إذا احتاج إلى بيع أحد أملاكه من داره أو عقاره أو سيارته أو غيرها فوكل شخصا في أن يبيع أحدها وفوض الامر في تعيينه إلى نظره وتشخيصه المصلحة، وقد تكون مطلقة من كلتا الجهتين، كما إذا وكله في إيقاع أحد العقود
المعاوضية من بيع أو صلح أو إجارة مثلا على أحد أملاكه من داره أو دكانه مثلا، وأوكل التعيين من الجهتين إلى نظره، فالظاهر صحتها أيضا. (مسألة 382) يعتبر في الموكل فيه كما مر التعيين ولو بالاطلاق أو التعميم فإنهما أيضا نحو من التعيين، ويقتصر الوكيل في التصرف على ما شمله عقد الوكالة صريحا أو ظاهرا ولو بمعونة القرائن الحالية أو المقالية، ولو
[ 118 ]
كانت هي العادة الجارية على أن من يوكل في أمر كذا يريد ما يشمل كذا، كالوكالة في البيع بالنسبة إلى تسليم المبيع دون قبض الثمن، أو في الشرأ بالنسبة إلى تسليم الثمن دون قبض المثمن، إلا إذا شهدت قرائن الاحوال بأنه قد وكله في البيع أو الشرأ بجميع ما يترتب عليهما. (مسألة 383) لو خالف الوكيل ما عين له وأتى بالعمل على نحو لم يشمله عقد الوكالة، فإن كان مما يجري فيه الفضولية كالعقود توقفت صحته على إجازة الموكل، وإلا بطل. ولا فرق في ذلك بين أن يكون التخالف بالمباينة كما إذا وكله في بيع داره فآجرها، أو ببعض الخصوصيات كما إذا وكله في أن يبيع نقدا فباع نسيئة أو بالعكس، أو يبيع بخيار فباع بدونه أو بالعكس، أو يبيعه من فلان فباعه من غيره وهكذا. نعم لو علم شمول التوكيل لفاقد الخصوصية أيضا صح، كما إذا وكله في أن يبيع السلعة بدينار فباعها بدينارين بشرط أن يكون الكلام مع تلك القرائن ظاهرا في إنشأ الوكالة في البيع بالدينار وأكثر. فكأنه قال ان ثمنها لا ينقص عن دينار. ومن هذا القبيل ما إذا وكله في أن يبيعها في سوق مخصوصة بثمن معين فباعها في غيرها بذلك الثمن، وكانت توجد قرينة على انه ليس الغرض إلا تحصيل الثمن، فيكون ذكر السوق المخصوص من باب المثال.
(مسألة 384) يجوز للولي كالاب والجد أن يوكل في أمور الصغير غيره فيما له الولاية عليه. (مسألة 385) لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره في إيقاع ما توكل فيه لا عن نفسه ولا عن الموكل إلا باذن الموكل، ويجوز بإذنه بكلا النحوين، فإن عين الموكل في إذنه أحدهما بأن قال مثلا: وكل غيرك عني أو عنك، فهو المتبع ولا يجوز له التعدي عما عينه. ولو اطلق، فالمناط في تعيين أحد القسمين هو الظهور العرفي ولو بقرينة المقام.
[ 119 ]
(مسألة 386) إذا كان الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل ولو بواسطة فليس للوكيل الاول أن يعزله ولا ينعزل بانعزاله، بل لو مات الاول يبقى الثاني على وكالته. أما لو كان وكيلا عن الوكيل فله أن يعزله وتكون وكالته تبعا لوكالته فينعزل بانعزاله أو موته، ولا يبعد أنه يحق للموكل أن يعزله دون أن يعزل الوكيل الاول. (مسألة 387) يجوز أن يتوكل اثنان فصاعدا عن واحد في أمر واحد، فإن صرح الموكل أو ظهر كلامه عرفا ولو بالقرينة المقالية أو الحالية بانفراد كل منهما جاز لكل منهما الاستقلال في التصرف من دون مراجعة الاخر، وإلا لم يجز الانفراد لاحدهما ولو مع غيبة صاحبه أو عجزه، سوأ صرح بالانضمام والاجتماع أو أطلق، بأن قال مثلا: وكلتكما أو أنتما وكيلاي ونحو ذلك. ولو مات أحدهما بطلت الوكالة رأسا مع شرط الاجتماع أو الاطلاق المنزل منزلته، وبقيت وكالة الباقي مع التصريح بالانفراد، أو بظهور الكلام عرفا بذلك. (مسألة 388) الوكالة عقد جائز من الطرفين، فللوكيل أن يعزل نفسه في
حضور الموكل وغيبته، وكذا للموكل أن يعزله لكن انعزاله بعزله مشروط ببلوغه خبره، فلو أنشأ عزله لكن لم يطلع عليه الوكيل لم ينعزل، فلو أمضى أمرا قبل أن يبلغه العزل حتى بإخبار ثقة، كان ماضيا نافذا. (مسألة 389) تبطل الوكالة بموت الوكيل، وكذا بموت الموكل وإن لم يعلم الوكيل بموته، وبعروض الجنون والاغمأ على كل منهما، وبتلف ما تعلقت به الوكالة، وبفعل الموكل ما تعلقت به الوكالة كما لو وكله في بيع سلعة ثم باعها قبل بيع الوكيل، أو بفعل ما ينافي الموكل فيه كما لو وكله في بيع دار ثم أوقفها. (مسألة 390) يجوز للمدعي أو المدعى عليه التوكيل في الخصومة والمرافعة، ويجوز قبول الوكالة بشرط أن لا يكون الوكيل في الخصومة ظالما
[ 120 ]
باعتقاده سواء علم بأن موكله محق أو احتمل ذلك. ويكره لذوي المروات من أهل الشرف والمناصب الجليلة أن يتولوا المنازعة والمرافعة بأنفسهم، خصوصا إذا كان الطرف بذئ اللسان. ولا يعتبر رضا الطرف الاخر، فليس له الامتناع عن خصومة الوكيل. (مسألة 391) الوكيل بالخصومة إن كان وكيلا عن المدعي كانت وظيفته بث الدعوى على المدعى عليه عند الحاكم وإقامة البينة وتعديلها وتحليف المنكر وطلب الحكم على الخصم والقضأ عليه، وبالجملة كل ما يقع وسيلة إلى الاثبات. وأما الوكيل عن المدعى عليه فوظيفته الانكار والطعن على الشهود وإقامة بينة الجرح ومطالبة الحاكم بسماعها والحكم بها، وبالجملة السعي في الدفع ما أمكن. (مسألة 392) إذا ادعى منكر الدين مثلا في أثنأ مرافعة وكيله ومدافعته
عنه، الادأ أو الابرأ انقلب مدعيا، وصارت وظيفة وكيله إقامة البينة على هذه الدعوى وطلب الحكم بها من الحاكم وصارت وظيفة وكيل خصمه الانكار والطعن في الشهود وغير ذلك. (مسألة 393) لا يقبل إقرار الوكيل في الخصومة على موكله، فإذا أقر وكيل المدعي القبض أو الابرأ أو قبول الحوالة أو المصالحة أو أن الحق مؤجل أو أن البينة فاسقة، أو أقر وكيل المدعى عليه بالحق للمدعي، لم يقبل وبقيت الخصومة على حالها، سوأ أقر في مجلس الحكم أو في غيره، لكن ينعزل وتبطل وكالته وليس له المرافعة، لانه بعد الاقرار ظالم في الخصومة بزعمه. (مسألة 394) الوكيل بالخصومة لا يملك الصلح عن الحق ولا الابرأ منه، إلا أن يكون وكيلا في ذلك أيضا بالخصوص. (مسألة 395) يجوز أن يوكل اثنين فصاعدا بالخصومة كسائر الامور، فإن لم يصرح باستقلال كل واحد منهما ولم يكن ظهور عرفي باستقلاله لم
[ 121 ]
يستقل بها أحدهما، بل يتشاوران ويعضد كل واحد منهما صاحبه ويعينه على ما فوض إليهما. (مسألة 396) إذا وكل الرجل وكيلا بحضور الحاكم في خصوماته واستيفأ حقوقه مطلقا، أو في خصومة شخصية، ثم قدم الوكيل خصما لموكله ونشر الدعوى عليه، يسمع الحاكم دعواه عليه. وكذا إذا ادعى عند الحاكم أنه وكيل في الدعوى وأقام البينة عنده على وكالته. وأما إذا ادعى الوكالة من دون بينة عليها فإن لم يحضر خصما عنده أو أحضر ولم يصدقه الخصم في وكالته لم تسمع دعواه، وإذا صدقه فيها فالظاهر
أنه تسمع دعواه لكن لا تثبت بذلك وكالته عن موكله بحيث يكون حجة عليه، فإذا قضت موازين القضأ بحق المدعي يلزم المدعى عليه بالحق، وإذا قضت بحق المدعى عليه فالمدعي على حجته، فإذا أنكر الوكالة ولم تثبت تبقى دعواه على حالها. (مسألة 397) إذا وكله في الدعوى وإثبات حقه على خصمه وأثبته، لم يكن له قبض الحق، فللمحكوم عليه أن يمتنع عن تسليم ما ثبت عليه إلى الوكيل. (مسألة 398) إذا وكله في استيفأ حق له على غيره فجحده من عليه الحق، لم يكن للوكيل مخاصمته وإثبات الحق عليه ما لم يكن وكيلا في الخصومة. (مسألة 399) يجوز التوكيل بجعل وبغير جعل، وإنما يستحق الجعل بتسليم العمل الموكل فيه، فلو وكله في البيع أو الشرأ وجعل له جعلا، كان للوكيل مطالبة الموكل به بمجرد إتمام المعاملة، وإن لم يتسلم الموكل الثمن أو المثمن. وكذا لو وكله في المرافعة وإثبات حقه استحق الجعل بمجرد إتمام المرافعة وثبوت الحق وإن لم يتسلمه الموكل.
[ 122 ]
(مسألة 400) إذا وكله في قبض دينه من شخص فمات قبل الادأ، لم يكن له مطالبة ورثته. نعم لو كانت عبارة الوكالة شاملة له، كما لو قال: إقبض حقي الذي على فلان، كان له ذلك. (مسألة 401) إذا وكله في استيفأ دينه من زيد فجأ إلى زيد للمطالبة فقال زيد للوكيل خذ هذه الدراهم واقض بها دين فلان يعني موكله فأخذها صار الوكيل وكيل زيد في قضأ دينه، وتبقى الدراهم على ملك زيد ما لم يقبضها صاحب الدين، فلزيد استردادها ما دامت في يد الوكيل، ولو تلفت
عنده بقي الدين بحاله. هذا إذا كان مقصود المديون جعل الدراهم أمانة عند الوكيل بحيث لا يكون له التصرف فيها إلا بأدائها إلى شخص الدائن، وإلا جاز له قبضها عن موكله وبه تخرج عن ملك المديون. أما لو قال خذها عن الدين الذي تطالبني به لفلان فأخذها كان قابضا للموكل وبرئت ذمة زيد وليس له الاسترداد. (مسألة 402) الوكيل أمين بالنسبة إلى ما في يده لا يضمنه إلا مع التفريط أو التعدي، كما إذا لبس ثوبا توكل في بيعه أو حمل على سيارة توكل في بيعها، لكن لا تبطل بذلك وكالته، فلو باع الثوب بعد لبسه صح بيعه وان كان ضامنا مثله أو قيمته وما استوفاه من منافعه لو تلف قبل أن يبيعه ويسلمه إلى المشتري، وإذا سلم إلى المشتري برئ عن ضمانه، لكن يضمن ما استوفاه من المنافع، وكذا يبرأ عن ضمانه إذا أذن له المشتري أن يكون المبيع عنده أمانة أو عارية. (مسألة 403) لو وكله في إيداع مال فأودعه بلا إشهاد فجحد الودعي، لم يضمنه الوكيل. إلا إذا وكله في أن يودعه عنده مع الاشهاد فأودع بلا إشهاد، أو كان الايداع عند هذا الودعي بالخصوص بدون إشهاد يعد تفريطا بحق صاحب المال، فإن الوكيل يضمن إذا لم يشهد، وكذا الحال إذا وكله في قضأ دينه فقضاه بلا إشهاد وأنكر الدائن.
[ 123 ]
(مسألة 404) إذا وكله في بيع سلعة أو شرأ متاع، فإن صرح بكون البيع أو الشرأ من غير الوكيل أو بما يعمه، فهو. وإن أطلق وقال: أنت وكيلي في أن تبيع هذه السلعة أو تشتري لي المتاع الفلاني، فالاقوى أنه يعم نفس الوكيل فيجوز أن يبيع السلعة من نفسه أو يشتري له المتاع من نفسه، وإن كان
الاحوط عدم ذلك. (مسألة 405) إذا اختلفا في الوكالة فالقول قول منكرها، ولو اختلفا في التلف أو في تفريط الوكيل فالقول قول الوكيل، وإذا اختلفا في دفع المال إلى الموكل فالظاهر أن القول قول الموكل، خصوصا إذا كانت بجعل. وكذا الحال إذا اختلف الوصي والموصى له في دفع المال الموصى به إليه، أو اختلف الاوليأ حتى الاب والجد مع المولى عليه بعد زوال الولاية عنه في دفع ماله إليه، فإن القول قول المنكر في جميع ذلك. نعم لو اختلف الاوليأ مع المولى عليهم في الانفاق عليهم، أو على ما يتعلق بهم في زمان ولايتهم، فالظاهر أن القول قول الاوليأ بيمينهم.
[ 124 ]
كتاب الاقرار (مسألة 406) الاقرار وهو الاخبار الجازم بحق لازم على المخبر من غير فرق بين حقوق الناس وحقوق الله تعالى، ومن غير فرق بين الاعتراف بنفس الحق أو بملزومه كالاقرار بالنسب والقتل وشرب الخمر، ولا بين الاعيان والمنافع والحقوق كحق الشفعة وحق الخيار ونحوهما، كقوله: له أو لك علي كذا، أو عندي أو في ذمتي كذا، أو هذا الذي في يدي لفلان. وكذا الاخبار بنفي حق له كقوله: ليس لي حق على فلان، وما أشبه ذلك. ويصح بأي لغة كان، بل يصح إقرار العربي بالعجمي وبالعكس والهندي بالتركي وبالعكس إذا كان عالما بمعنى ما تلفظ به في تلك اللغة. ويعتبر فيه الجزم، بمعنى عدم إظهار الترديد وما ينافي الجزم به، فلو قال أظن أو أحتمل أنك تطلبني كذا، لم يكن إقرارا. (مسألة 407) يعتبر في صحة الاقرار بل في حقيقته وأخذ المقر بإقراره
كونه دالا على الاخبار المذكور بالصراحة أو الظهور، فإن احتمل إرادة غيره احتمالا يخل بظهوره عند أهل المحاورة، لم يصح، وتشخيص ذلك راجع إلى العرف وأهل اللغة كسائر المكالمات العادية، فكل كلام ولو لخصوصية مقام يفهم منه أهل اللغة أنه أخبر بثبوت حق عليه أو سلب حق عن نفسه من غير ترديد يكون إقرارا، وكل ما لم يفهم منه ذلك من جهة تطرق الاحتمال الموجب للتردد والاجمال لا يكون إقرارا.
[ 126 ]
(مسألة 408) لا يعتبر في الاقرار صدوره من المقر ابتدأا وأن يكون مقصودا بيانه، بل يكفي استفادته من كلامه بتصديقه كلام آخر مثلا، أو بأي نوع من الاستفادة كقوله: نعم، أو أجل أو بلى في جواب من قال: لي عليك كذا أو قال: بلى في جواب من قال: أليس لي عليك كذا، وكقوله في جواب من قال استقرضت ألفا أو لي عليك ألف: رددتها أو أديتها، لانه إقرار منه بأصل ثبوت الحق عليه ودعوى منه بسقوطه. ومثل ذلك ما إذا قال في جواب من قال هذه الدار التي تسكنها لي: إشتريتها منك، فإن الاخبار بالاشترأ اعتراف منه بثبوت الملك له ودعوى منه بانتقاله إليه. ومن ذلك ما إذا قال لمن يدعي ملكية شي معين: ملكني إياه. نعم قد توجد قرائن على أن تصديقه لكلام الاخر ليس تصديقا حقيقيا له، فلا يتحقق به الاقرار بل يدخل في عنوان الانكار، كما إذا قال في جواب من قال لي عليك ألف دينار نعم أو صدقت محركا رأسه مع حركة منه تدل على أنه في مقام التهكم والتعجب والانكار. (مسألة 409) يشترط في المقر به أن يكون أمرا يثبت به للمقر له حق إلزام على المقر ومطالبته به لو كان المقر صادقا في إخباره بأن يكون مالا في
ذمته عينا أو منفعة أو عملا أو ملكا تحت يده أو حقا يجوز مطالبته به كحق الشفعة والخيار والقصاص وحق الاستطراق في درب وإجرأ المأ في نهر ونصب الميزاب على ملك ووضع الجذوع على حائط، أو يكون نسبا يوجب نقصا في الميراث أو حرمانا في حق المقر وغير ذلك. أو يكون المقر به موضوعا لحكم شرعي على ضرر المقر أو نفع للغير، مثل الاقرار بارتكاب ما يوجب الحد أو الاقرار بكون ما في يده مسجدا ومباحا من دون حيازته وأمثال ذلك. وإذا أقر بأنه جنب يجب منعه عن التوقف في المساجد، وكذا في نظائره. (مسألة 410) إنما ينفذ الاقرار على المقر فيما يكون ضررا عليه لا على
[ 127 ]
غيره، ولا فيما يكون فيه نفع له إذا لم يصدقه الغير، فإذا أقر بزوجية امرأة فلم تصدقه ولم تنكره تثبت الزوجية بالنسبة إلى وجوب نفقتها عليه، لا بالنسبة إلى وجوب تمكينها منه. أما لو أنكرت الزوجية فلا يجب عليه الانفاق، لكن تثبت الزوجية بالنسبة إلى حرمة زواجه بأمها أو بأختها جمعا، أو زواج الخامسة عليها. (مسألة 411) يصح الاقرار بالمجهول والمبهم ويلزم المقر ويطالب بالتفسير والبيان ورفع الابهام، ويقبل منه ما فسره به ويلزم به إذا طابق تفسير المبهم بحسب العرف واللغة وأمكن أن يكون مرادا منه، فلو قال: لك علي شي ألزم التفسير، فإذا فسره بأي شي كان مما يصح أن يكون في الذمة وعلى العهدة يقبل منه وإن لم يكن متمولا كحبة حنطة، وأما لو قال: لك علي مال لم يقبل منه إلا إذا كان ما فسره به من الاموال لا مثل حبة حنطة أو حفنة تراب أو خمر أو خنزير.
(مسألة 412) إذا قال: لك علي أحد هذين مما كان تحت يده، أو لك علي إما مئة تومان أو ريال، ألزم بالتفسير وكشف الابهام، فإن عين ألزم به ولا يلزم بغيره. فإن لم يصدقه المقر له، وقال ليس لي ما عينت سقط حقه بإقراره إذا كان المقر به في الذمة - إلا إذا قال ذلك بقصد الابرأ وكان كلامه ظاهرا فيه فيسقط حقه واقعا، لكنه خارج عن موضوع الاقرار - أما إذا كان المقر به عينا فيكون بينهما مسلوبا بحسب الظاهر عن كل منهما ويبقى إلى أن يتضح الحال، ولو برجوع المقر أو المنكر. ولو ادعى عدم المعرفة حتى يفسره، فإن صدقه المقر له في ذلك وقال أنا أيضا لا أدري فلا محيص عن الصلح أو القرعة ويحتمل الحكم باشتراكهما فيه بالسوية، والاحوط هو الاول. وإن ادعى المعرفة وعين أحدهما فإن صدقه المقر فذاك وإلا فله أن يطالبه بالبينة، ومع عدمها فله أن يحلفه، وإن نكل أو لم يمكن إحلافه يكون الحال كما لو جهلا معا، فلا محيص عن التخلص بأحد الوجوه الثلاثة المتقدمة.
[ 128 ]
(مسألة 413) كما أن الابهام والجهالة لا يضران في المقر به، كذلك لا يضران في المقر له أيضا، فلو قال: هذه الدار التي بيدي لاحد هذين يقبل ويلزم بالتعيين، فمن عينه يكون هو المقر له، فإن صدقه الاخر فذاك، وإلا تقع المخاصمة بينه وبين من عينه المقر. ولو ادعى عدم المعرفة وصدقاه في ذلك سقط عنه الالزام بالتعيين، ولو ادعيا أو أحدهما عليه العلم، كان القول قول المقر مع يمينه. (مسألة 414) يعتبر في المقر البلوغ والعقل والقصد والاختيار، فلا اعتبار بإقرار الصبي والمجنون والسكران، وكذا الهازل والساهي والغافل، وكذا المكره. نعم لا يبعد صحة إقرار الصبي إذا تعلق بما يحق له أن يفعله إن
قلنا بصحته كالوصية بالمعروف ممن له عشر سنين. (مسألة 415) السفيه إن أقر بمال في ذمته أو تحت يده لم يقبل، ويقبل فيما عدا المال كالطلاق والخلع ونحوهما، بمعنى أنه يقبل إقراره بطلاق الخلع على ضرره، فيمنع عن رجوعه إلى زوجته قبل رجوعها إلى البذل. وإن أقر بأمر مشتمل على مال وغيره كالسرقة، لم يقبل بالنسبة إلى المال، وقبل بالنسبة إلى غيره، فيحد، ولا يلزم بأدأ المال. (مسألة 416) يقبل إقرار المفلس بالدين سابقا ولاحقا، ويشارك المقر له مع الغرمأ على التفصيل الذي تقدم في كتاب الحجر. (مسألة 417) إذا ادعى الصبي البلوغ فإن ادعاه بالانبات فحص، ولا يثبت بمجرد دعواه. وإن ادعاه بالسن يطالب بالبينة، وأما لو ادعاه بالاحتلام في الحد الذي يمكن وقوعه فثبوته بقوله بلا يمين بل مع اليمين محل تأمل وإشكال. (مسألة 418) يعتبر في المقر له أن يكون له أهلية الاستحقاق، فلو اقر لدابة مثلا لغى إلا إذا رجع إلى الاقرار لصاحب الدابة، أو كانت الدابة موقوفة.
[ 129 ]
نعم لو أقر لمسجد أو مشهد أو مقبرة أو رباط أو مدرسة ونحوها بمال فالظاهر قبوله وصحته، حيث أن المقصود من ذلك في المتعارف إشتغال ذمته ببعض ما يتعلق بها من غلة موقوفاتها أو المنذور أو الموصى به لمصالحها ونحوها. (مسألة 419) إذا كذب المقر له المقر في إقراره، فإن كان المقر به دينا أو حقا لم يطالب به المقر وفرغت ذمته في الظاهر، وإن كان عينا كانت مجهول المالك بحسب الظاهر فتبقى في يد المقر أو في يد الحاكم إلى أن يتبين مالكها.
هذا بحسب الظاهر، وأما بحسب الواقع فعلى المقر - بينه وبين الله - تفريغ ذمته من الدين وتخليص نفسه من العين بالايصال إلى المالك وإن كان بدسه في أمواله، ولو رجع المقر له عن إنكاره ألزم المقر بالدفع إليه ما دام باقيا على إقراره. (مسألة 420) إذا أقر بشي ثم عقبه بما يضاده وينافيه يؤخذ بإقراره ويلغى ما ينافيه، فلو قال له علي عشرة لا بل تسعة يلزم بالعشرة، ولو قال: له علي كذا وهو من ثمن الخمر أو بسبب القمار يلزم بالمال ولا يسمع منه ما عقبه. وكذا لو قال: له عندي وديعة وقد هلكت، فإن إخباره بتلف الوديعة وهلاكها ينافي قوله له عندي الظاهر في وجودها عنده. نعم لو قال كانت له عندي وديعة وقد هلكت فهو بحسب الظاهر إقرار بالايداع عنده سابقا، ولا تنافي بينه وبين طرو الهلاك عليها، لكن ادعأ هلاكها دعوى منه لا بد من فصلها على الموازين الشرعية. (مسألة 421) ليس الاستثنأ من تعقيب الاقرار بالمنافي، بل يكون المقر به ما بقي بعد الاستثنأ إن كان الاستثنأ من المثبت ونفس المستثنى إن كان الاستثنأ من المنفي، لان الاستثنأ من الاثبات نفي ومن النفي إثبات. فلو قال: لي عليك عشرة إلا درهما أو لي هذه الدار إلا الغرفة الفلانية كان إقرارا بنفي حقه عن الدرهم الزائد على التسعة ونفي ملكية الغرفة، فلو ادعى ذلك بعده لم يسمع منه. وكذلك أمر الاستثنأ من النفي.
[ 130 ]
(مسألة 422) إذا أقر بعين لشخص ثم أقر بها لشخص آخر، كما إذا قال هذه الدار لزيد ثم قال بل لعمرو، حكم بها للاول وأعطيت له، وأغرم للثاني بقيمتها.
(مسألة 423) الاقرار بالنسب نافذ، كالاقرار بالبنوة والاخوة وغيرهما، والمراد بنفوذه إلزام المقر بإقراره بالنسبة إلى ما يترتب عليه من وجوب إنفاق أو حرمة نكاح أو مشاركة المقر له معه في إرث أو وقف ونحو ذلك. وأما ثبوت النسب فإن كان الاقرار بالولد وكان صغيرا غير بالغ ولم يكذبه الحس والعادة، ولا الشرع، ولم ينازعه فيه منازع، فحينئذ يثبت بإقراره أنه ولده وتترتب عليه جميع آثاره، مثل كون ولد المقر به حفيدا للمقر وولد المقر أخا للمقر به، ويقع التوارث بينهما وكذا بين أنسابهما بعضهم مع بعض. وكذا الحال لو كان المقر به كبيرا وصدق المقر في إقراره مع الشروط المتقدمة. أما إذا كان الاقرار بغير الولد حتى لو كان ولد ولد، فإن كان المقر به كبيرا وصدقه، أو كان صغيرا وصدقه بعد بلوغه فيتوارثان إذا لم يكن لهما وارث معلوم محقق، ولا يتعدى التوارث إلى غيرهما من أنسابهما حتى إلى أولادهما، ومع عدم التصادق أو وجود وارث محقق، لا يثبت بينهما النسب الموجب للتوارث إلا بالبينة. (مسألة 424) إذا أقر بولد صغير فثبت نسبه ثم بلغ فأنكر، لم يلتفت إلى إنكاره. (مسألة 425) إذا أقر أحد ولدي الميت بولد آخر له وأنكر الاخر، لم يثبت نسب المقر به، فيأخذ المنكر نصف التركة ويأخذ المقر الثلث نصيبه بمقتضى إقراره وهو الثلث، ويأخذ المقر به تكملة نصيب المقر وهو السدس.
[ 131 ]
(مسألة 426) إذا كان للميت إخوة وزوجة فأقرت بولد له، كان لها الثمن وكان الباقي للولد إن صدقها الاخوة، وإن أنكروا كان لهم ثلاثة أرباع
وللزوجة الثمن، وباقي حصتها للولد. (مسألة 427) إذا مات صبي مجهول النسب فأقر إنسان ببنوته ولم يكن له منازع ينازعه. ثبت نسبه وكان ميراثه للمقر. (مسألة 428) ينفذ إقرار المريض كالصحيح، إلا في مرض الموت مع التهمة فلا ينفذ إقراره فيما زاد على الثلث، سوأ أقر لوارث أو أجنبي، كما تقدم في الحجر. (مسألة 429) إذا أقر جميع الورثة بدين على الميت أو بشي من ماله للغير كان مقبولا لانه كإقرار الميت، ولو أقر بعضهم وأنكر البعض فإن أقر اثنان وكانا عدلين ثبت الدين على الميت، وكذا العين للمقر له بشهادتهما، وإن لم يكونا عدلين أو كان المقر واحدا نفذ إقرار المقر في حق نفسه خاصة، فيؤخذ منه بنسبة نصيبه من التركة. وكذا لو أقر بعض الورثة بأن الميت أوصى لاجنبي بشي وأنكر البعض.
[ 132 ]
كتاب الهبة (مسألة 430) الهبة تمليك عين مجانا من غير عوض عن الموهوب، ولا ينتقض بالهبة المعوضة، لان العوض فيها عوض عن نفس الهبة دون الموهوب، ويشترط في الهبة المصطلحة أن تكون منجزة مجردة عن القربة، فتمتاز عن الوصية والصدقات. وقد يعبر عنها بالعطية والنحلة. وهي عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول، ويكفي في الايجاب كل لفظ دال على التمليك المذكور مثل (وهبتك أو ملكتك أو هذا لك) ونحو ذلك، وفي القبول كل ما دل على الرضا بالايجاب. ولا يعتبر فيها العربية، والاقوى وقوعها بالمعاطاة بتسليم العين وتسلمها بعنوان التمليك والتملك.
(مسألة 431) يعتبر في كل من الواهب والموهوب له البلوغ والعقل والقصد والاختيار، وفي الواهب عدم الحجر عليه بسفه أو فلس. نعم تصح الهبة للصبي والمجنون بأن يقبل عنهما وليهما. ويعتبر أيضا في الموهوب له قابلية تملك الموهوب، فلا تصح هبة المصحف للكافر. وتصح من المريض بمرض الموت وإن زاد على الثلث على الاقوى كما تقدم في كتاب الحجر. (مسألة 432) يشترط في الموهوب أن يكون عينا، فلا تصح هبة المنافع. وأما الدين فإن كانت لمن عليه الحق صحت وأفادت فائدة الابرأ، ويعتبر
[ 134 ]
فيها القبول على الاحوط إن لم يكن أقوى، وإن لم يعتبر في الابرأ على الاقوى. لان الابرأ إسقاط لما في ذمة المديون وهذه تمليك له، وإن كان يترتب عليها السقوط كبيع الدين لمن هو عليه. أما إن كانت هبة الدين لغير من هو عليه فالاقوى عدم الصحة. (مسألة 433) يشترط في صحة الهبة قبض الموهوب له ولو في غير مجلس العقد، ويشترط في صحة القبض كونه بإذن الواهب. نعم لو وهب ما كان في يد الموهوب له صح ولا يحتاج إلى قبض جديد ولا مضي زمان يمكن فيه القبض، وكذا لو كان الواهب وليا على الموهوب له كالاب والجد للولد الصغير يهبه ما في يده فيصح بمجرد العقد لان قبض الولي قبض عن المولى عليه، والاحوط أن يقصد القبض عن المولى عليه بعد الهبة. ولو وهب إلى الصغير غير الولي فلا بد من القبض، ويتولاه الولي. (مسألة 434) القبض في الهبة كالقبض في البيع، وهو في غير المنقول
كالدار والبستان التخلية بينه وبينه، برفع يده عنه ورفع المنافيات والاذن له في التصرف بحيث يصير تحت استيلائه. وفي المنقول تسلمه بيده أو ما هو بمنزلة التسلم باليد كوضعه في حجره أو في جيبه، ونحو ذلك. (مسألة 435) يجوز هبة المشاع لامكان قبضه ولو بقبض المجموع بإذن الشريك، أو بتوكيل المتهب إياه في قبض الحصة الموهوبة عنه، بل الظاهر تحقق القبض الذي هو شرط للصحة في المشاع باستيلا المتهب على المجموع من دون إذن الشريك أيضا، وترتب الاثر عليه، فيكون المتهب غاصبا لحصة الشريك، لكن يكفي مثل هذا القبض لصحة الهبة. (مسألة 436) لا يعتبر الفورية في القبض ولا كونه في مجلس العقد فيجوز أن يكون بعد العقد ولو بزمان كثير، ولكن انتقال الموهوب له يحصل من حين القبض، فما كان له من نمأ بعد الهبة وقبل القبض فهو للواهب.
[ 135 ]
(مسألة 437) إذا مات الواهب بعد العقد وقبل القبض بطل العقد وانفسخ وانتقل الموهوب إلى ورثته ولا يقومون مقامه في الاقباض، فيحتاج إلى إيقاع هبة جديدة بينهم وبين الموهوب له، كما أنه لو مات الموهوب له لا يقوم ورثته مقامه في القبض. (مسألة 438) إذا تمت الهبة بالقبض فإن كانت لذي رحم أبا كان أو أما أو ولدا أو غيرهم، أو كانت للزوج أو الزوجة على الاقوى، لزمت ولم يكن للواهب الرجوع فيها. وإن كانت لاجنبي غير الزوج والزوجة كان له الرجوع فيها ما دامت العين قائمة بعينها كما في الصحيح، فإن تلفت كلا أو بعضا بحيث لا تعد قائمة بعينها فلا رجوع، وكذا لا رجوع إن عوض المتهب عنها ولو عوضا يسيرا،
ولا فرق بين أن يكون العوض مشترطا في الهبة أم كان العقد مطلقا، لكن المتهب أثاب الواهب وأعطاه عوضا. وكذا لا رجوع فيها لو قصد الواهب فيها القربة، أو أراد بها وجه الله تعالى. (مسألة 439) يلحق بالتلف التصرف الناقل كالبيع والهبة، أو المغير للعين بحيث يصدق معه عدم قيام العين بعينها، كالحنطة يطحنها والدقيق يخبزه والثوب يفصله أو يصبغه ونحو ذلك، دون التصرف غير المغير كالثوب يلبسه والفراش يفرشه والدابة يركبها أو يعلفها أو يسقيها ونحوها، فإن أمثال ذلك لا يمنع من الرجوع. أما الامتزاج الرافع للامتياز ولو بالجنس، فالظاهر أنه مغير للعين، وأما مثل صبغ الثوب فالظاهر أنه غير مغير للعين إلا إذا حدث فيه نقص لا يصدق معه أن الثوب ما زال قائما بعينه. (مسألة 440) لا فرق فيما يجوز فيه للواهب الرجوع بين الكل والبعض، فلو وهب شيئين لاجنبي بعقد واحد يجوز له الرجوع في أحدهما، بل لو وهب شيئا واحدا يجوز له الرجوع في بعضه مشاعا أو مفروزا.
[ 136 ]
(مسألة 441) الهبة نوعان: معوضة وغير معوضة، فالمعوضة ما شرط فيها الثواب والعوض وإن لم يعط العوض، أو عوض عنها وإن لم يشترط فيها العوض. (مسألة 442) إذا وهب وأطلق لم يلزم على المتهب إعطأ الثواب والعوض، سوأ كانت من الادنى للاعلى أو العكس أو من المساوي للمساوي، وإن كان الاولى بل الاحوط في الصورة الاولى إعطأ العوض. ولا يجب على
الواهب قبول العوض، وإن قبل وأخذه لزمت الهبة ولم يكن له الرجوع فيما وهبه. وفي جواز رجوع المتهب في ثوابه إشكال لعدم صدق المعوضة على تلك الهبة وأنه أثيب في هبته إلا بالمسامحة العرفية. نعم مع الشك مقتضى الاستصحاب عدم تأثير الرجوع بعد القبض. (مسألة 443) إذا شرط الواهب على المتهب أن يهبه شيئا مكافأة وثوابا لهبته فقبل ما اشترط وقبض الموهوب، لزم عليه دفع العوض، فإن دفع لزمت الهبة الاولى على الواهب وإلا فله الرجوع. هذا إذا كان العوض معينا، أما المطلق فسيأتي حكمه إن شأ الله تعالى. إذا عين العوض في الهبة المشروطة بالعوض تعين ولزم على المتهب بذله، ولو أطلق بأن شرط عليه أن يعوض ولم يعين، فإن اتفقا على قدر فذاك وإلا وجب عليه أن يثيب مقدار الموهوب مثلا أو قيمة، ويجوز للموهوب له في هذه الصورة أن يعطيه نفس الموهوب بعنوان العوض أو الثواب، بدل المثل أو القيمة الذي عليه. (مسألة 444) الظاهر أنه لا يعتبر في الهبة المشروطة بالعوض أن يكون عوضها بعنوان الهبة، بأن يشترط على المتهب أن يهبه شيئا، بل يجوز أن يشترط عليه أن يصالحه عن مال أو حق، فإذا صالحه عنه وتحقق منه القبول فقد عوضه ولم يكن للواهب الرجوع في هبته. وكذا يجوز أن يكون إبرأ عن حق أو إيقاع عمل له كخياطة ثوبه أو صياغة خاتمه ونحو ذلك، فإذا أبرأه عن ذلك الحق أو عمل له ذلك العمل، فقد أثابه وعوضه.
[ 137 ]
(مسألة 445) إذا رجع الواهب في هبته حيث يجوز له الرجوع، وكان للموهوب نمأ منفصل حدث بعد العقد والقبض كالثمرة والحمل واللبن في
الضرع فهو للمتهب ولا يرجع إلى الواهب، بخلاف النمأ المتصل كالسمن فإنه للواهب إذا كان يسيرا بحيث يصدق أن الموهوب قائم بعينه عرفا. وإلا فكونه مانعا عن الرجوع لا يخلو من قوة. (مسألة 446) إذا مات الواهب بعد إقباض الموهوب لزمت الهبة وإن كانت لاجنبي ولم تكن معوضة، وليس لورثته الرجوع، وكذا لو مات الموهوب له انتقل الموهوب إلى ورثته انتقالا لازما. (مسألة 447) إذا باع الواهب العين الموهوبة بعد قبض المتهب، فإن كانت الهبة لازمة بأن كانت لذي رحم أو معوضة أو قصد بها القربة أو خرجت العين عن كونها قائمة بعينها وقع البيع فضوليا، فإن أجاز المتهب صح، وإلا بطل. وإن كانت غير لازمة فالظاهر صحة البيع ووقوعه من الواهب ويكون رجوعا في الهبة. هذا إذا كان ملتفتا إلى هبته، وأما لو كان ناسيا أو غافلا وذاهلا ففي كونه رجوعا قهريا تأمل وإشكال، فلا يترك الاحتياط. (مسألة 448) الرجوع إما بالقول، كأن يقول: رجعت وما يفيد معناه، وإما بالفعل كاسترداد العين وأخذها من يد المتهب، ومن ذلك بيعها بل وإجارتها ورهنها، إذا كان ذلك بقصد الرجوع. (مسألة 449) لا يشترط في الرجوع إطلاع المتهب، فلو أنشأ الرجوع بدون إخباره صح. (مسألة 450) يستحب العطية للارحام الذين أمر الله تعالى أكيدا بصلتهم ونهى شديدا عن قطيعتهم، فعن مولانا الباقر عليه السلام: قال: في كتاب علي عليه السلام: ثلاثة لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم، وإن القوم
[ 138 ]
ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون، وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها. ويتأكد استحبابها للوالدين اللذين أمر الله تعالى ببرهما، فعن مولانا الصادق عليه السلام: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أوصني. قال: لا تشرك بالله شيئا وإن أحرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان، ووالديك فأطعمهما وبرهما حيين كانا أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الايمان. وعن منصور بن حازم عنه عليه السلام قال: قلت: أي الاعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله. ولا سيما الام التي يتأكد برها وصلتها أكثر من الاب، فعن الصادق عليه السلام: جأ رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال: أباك. وعنه عليه السلام: إنه سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن بر الوالدين قال: أبرر أمك، أبرر أمك، أبرر أمك، أبرر أباك، أبرر أباك، أبرر أباك. وبدأ بالام قبل الاب. والاخبار في هذه المعاني كثيرة. (مسألة 451) يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطية على كراهية، وربما يحرم إذا كان سببا لاثارة الفتنة والشحنأ والبغضأ المؤدية إلى الفساد، كما أنه ربما يفضل التفضيل إذا يؤمن من الفساد، ويكون لبعضهم خصوصية موجبة لاولوية رعايته.
[ 139 ]
كتاب الوقف (مسألة 452) الوقف تحبيس العين وتسبيل منفعتها، وفيه فضل كثير وثواب جزيل، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية. وفسرت الصدقة الجارية بالوقف. وفي الكافي عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: ليس يتبع الرجل بعد موته من الاجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته وصدقة مبتولة لا تورث. أو سنة هدى يعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له. والاخبار في فضله كثيرة. (مسألة 453) يعتبر في الوقف الصيغة، وهي كل ما دل على إنشأ المعنى المذكور مثل " وقفت وحبست وسبلت " بل و " تصدقت " إذا اقترن بما يدل على إرادة المعنى المقصود كقوله: صدقة مؤبدة لا تباع ولا توهب، ونحو ذلك، وكذا قوله: جعلت أرضي أو داري أو بستاني موقوفة أو محبسة أو مسبلة على كذا. ولا يعتبر فيها العربية ولا الماضوية، بل يكفي الجملة الاسمية كقوله هذا وقف أو أرضي هذه موقوفة أو محبسة أو مسبلة بل تكفي فيه المعاطاة في بعض الموارد كما يأتي. (مسألة 454) لا بد في وقف المسجد من نية عنوان المسجدية، فلو وقف مكانا على صلاة المصلين وعبادة المتعبدين لم يصر بذلك مسجدا ما لم ينو عنوان المسجدية. والظاهر كفاية: قوله جعلته مسجدا، وإن لم يذكر ما
[ 140 ]
يدل على وقفه وتحبيسه، وإن كان أحوط بأن يقول مثلا: وقفت هذا المكان أو هذا البنيان مسجدا أو على أن يكون مسجدا.
(مسألة 455) الظاهر كفاية المعاطاة في المحبس على المصلحة العامة مثل المساجد والمقابر والطرق والشوارع والقناطر والربط المعدة لنزول المسافرين والاشجار المغروسة لانتفاع المارة بظلها أو ثمرها، بل ومثل البواري للمساجد والقناديل للمشاهد وأشباه ذلك. فلو بنى بنأا بعنوان المسجدية وأذن في الصلاة فيه للعموم وصلى فيه بعض الناس، كفى في وقفه وصيرورته مسجدا، وكذا لو عين قطعة من الارض لتكون مقبرة للمسلمين وخلى بينها وبينهم وأذن أذنا عاما لهم في الاقبار فيها فأقبروا فيها بعض الاموات، أو بنى قنطرة وخلى بينها وبين العابرين فشرعوا في العبور عليها، وهكذا. (مسألة 456) الظاهر عدم الفرق في الوقف المعاطاتي المذكور بين أن يبني بنأ بنية أحد العناوين المذكورة وبين أن يكون له بنأ ويسلمه إلى أهله بهذه النية. إذ الملاك في جميع الامثلة هو الاقباض بنية الوقف ولا مدخلية للبنأ بهذه النية في صحة المعاطاة. (مسألة 457) يجوز التوكيل في الوقف، أما الفضولية فلا يبعد جريانها في الوقف الخاص المجرد عن قصد القربة على القول بصحته، أما الوقف الملازم لقصد القربة فجريانها فيه بعيد، بل ممنوع. (مسألة 458) الاقوى عدم اعتبار القبول في الوقف على الجهات العامة كالمساجد والمقابر والقناطر ونحوها، وكذا الوقف على العناوين الكلية كالوقف على الفقرأ والفقهأ ونحوهم. والاحوط (استحبابا) رعاية القبول في الوقف العام أيضا، والقائم به الحاكم أو المنصوب من قبله. وأما الوقف الخاص كالوقف على الذرية فالاقوى اعتباره فيه، فيقبله الموقوف عليهم، وإن كانوا صغارا قام به وليهم، ويكفي قبول الموجودين ولا يحتاج إلى قبول من سيوجد منهم بعد وجوده.
[ 141 ]
(مسألة 459) الاحوط قصد القربة في الوقف حتى في الوقف الخاص كالوقف على زيد وذريته ونحو ذلك. (مسألة 460) يشترط في صحة الوقف القبض، ويعتبر فيه أن يكون بإذن الواقف، ففي الوقف الخاص، وهو الوقف على أشخاص كالاولاد والذرية، يعتبر قبض الموقوف عليهم أو وليهم، أو من جعله الواقف قيما ومتوليا. ويكفي قبض الطبقة الاولى عن بقية الطبقات، بل يكفي قبض الموجودين من الطبقة الاولى عمن يوجد منها فيما بعد، ولو كان الموجودون جماعة فقبض بعضهم دون بعض صح بالنسبة إلى من قبض وبطل بالنسبة إلى من لم يقبض. وأما الوقف على الجهات والمصالح كالمساجد وما وقف عليها، فيكفي في إقباضه لتلك الجهة أن يعين له متوليا ويقبضه، بل يكفي أن يفتح باب المسجد مثلا ويأذن بالصلاة فيه ويصلون فيه ولو صلاة واحدة، والقنطرة للعابرين فيعبرون عليها ولو لم يطلع على ذلك المتولي ولم يأذن به. أما في الوقف على العناوين العامة كالفقرأ والطلبة والعلمأ، فيكفي أن يعين له متوليا ويقبضه، والاقوى أنه يكفي قبض بعض المستحقين من أفراد ذلك العنوان العام كما إذا سلم الدار الموقوفة على سكنى الفقرأ إلى فقير بنية استيفأ ما يستحق منها فسكنها. نعم لا يكفي مجرد استيفأ المنفعة والثمرة من دون استيلا على العين، فإذا وقف بستانا على الفقرأ لا يكفي في القبض إعطأ شي من ثمرتها لبعض الفقرأ مع كون البستان تحت يده. (مسألة 461) إذا وقف الاب على أولاده الصغار لم يحتج إلى قبض جديد، وكذا كل ولي إذا وقف على المولى عليه، لان قبض الولي قبض المولى
عليه، والاحوط الاولى أن يقصد أن قبضه عنه. (مسألة 462) إذا جعل الواقف التولية لنفسه في مثل الوقف على الجهات العامة التي يكفي فيها قبض المتولي، فلا يحتاج إلى قبض آخر، ويكفي قبضه الذي هو حاصل.
[ 142 ]
(مسألة 463) إذا كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف بعنوان الوديعة أو العارية أو على وجه آخر، لم يحتج إلى قبض جديد، نعم لا بد أن يكون بقاؤها في يده بإذن الواقف، وأن يكون تخلية يده بعنوان الوقف. (مسألة 464) لا يشترط في القبض الفورية، فلو وقف عينا ثم أقبضها بعد مدة متأخرة، كفى وتم الوقف من حينه. (مسألة 465) إذا مات الواقف قبل الاقباض بطل الوقف وكان ميراثا. (مسألة 466) يشترط في الوقف الدوام، بمعنى عدم توقيته بمدة، فلو قال: وقفت هذه البستان على الفقرأ إلى سنة، بطل وقفا، والاوجه صحته حبسا إلا إذا علم أنه قصد كونه وقفا إلى سنة. (مسألة 467) إذا وقف على من ينقرض غالبا كما إذا وقف على أولاده واقتصر على بطن أو عدة بطون ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم فالاقوى صحته ويكون وقفا منقطع الاخر إلى زمان انقراضهم، ويرجع بعد ذلك إلى الواقف أو ورثته. (مسألة 468) الفرق بين الوقف والحبس أن الوقف يوجب زوال ملك الواقف أو منعه من جميع التصرفات فيه، وهو لا يورث. أما الحبس فيبقى على ملك الحابس ويورث ويجوز للحابس التصرف فيه بأنواع التصرفات التي لا تتنافى مع استيفأ المحبس عليه المنفعة. هذا في الحبس الموقت، أما الحبس
الدائم فالظاهر أنه يوجب زوال الملك ولا يجوز للحابس التصرف فيه مثل الوقف. (مسألة 469) إذا انقرض الموقوف عليه ورجع إلى ورثة الواقف فالاظهر أنه يرجع إلى ورثته حين الموت لا حين الانقراض. (مسألة 470) إذا وقف على زيد وأولاده وبعد انقراضهم على الكنائس والبيع مثلا، يصح وقفا بالنسبة إلى من يصح الوقف عليه ويبطل بالنسبة إلى ما لا يصح، ويكون من الوقف المنقطع الاخر.
[ 143 ]
(مسألة 471) الوقف المنقطع أوله باطل كما إذا وقفه إذا جأ رأس الشهر الكذائي، أو وقف أولا على ما لا يصح الوقف عليه ثم على غيره، وأما المنقطع الوسط فيصح بالنسبة إلى شطره الاول ويكون كالمنقطع الاخر ويبطل بالنسبة إلى شطره الاخر كالمنقطع الاول. (مسألة 472) إذا وقف على غيره أو على جهة وشرط عوده إليه عند حاجته صح على الاقوى، ومرجعه إلى كونه وقفا ما دام لم يحتج إليه، فإذا احتاج إليه ينقطع ويدخل في المنقطع الاخر وقد مر حكمه. وإذا مات الواقف فإن كان بعد طرو الحاجة كان ميراثا، وإلا بقي على وقفيته. (مسألة 473) يشترط في صحة الوقف التنجيز، ويبطل لو علقه على شرط متوقع الحصول كمجي زيد، أو على شي غير حاصل لكنه يقيني الحصول فيما بعد كما إذا قال: وقفت إذا جأ رأس الشهر. نعم لا بأس بالتعليق على شي حاصل مع القطع به فعلا، كما إذا قال: وقفت إن كان اليوم يوم الجمعة، مع علمه به. (مسألة 474) إذا قال: هو وقف بعد موتي، فإن لم يفهم منه الوصية
بطل، وإن فهم منه في متفاهم العرف أنه وصية بالوقف صح، فيجب على الورثة وقفه إن كان بمقدار الثلث أو كان أكثر وأمضوه، ولا يتحقق الوقف بمجرد تلك الوصية. (مسألة 475) من شرائط صحة الوقف إخراج نفسه عن الوقف، فلو وقف على نفسه لم يصح، ولو وقف على نفسه وعلى غيره فإن كان بنحو التشريك بطل بالنسبة إلى نفسه وصح بالنسبة إلى غيره، وان كان بنحو الترتيب فإن وقف على نفسه ثم على غيره كان من الوقف المنقطع الاول، وإن كان بالعكس كان من المنقطع الاخر، وإن كان على غيره ثم على نفسه ثم على غيره كان من المنقطع الوسط، وقد تقدم حكم هذه الصور.
[ 144 ]
(مسألة 476) إذا وقف على غيره كأولاده أو الفقرأ مثلا وشرط أن يقضي ديونه أو يؤدي ما عليه من الحقوق المالية كالزكاة والخمس، أو ينفق عليه من غلة الوقف لم يصح وبطل الوقف، من غير فرق بين ما لو أطلق الدين أو عين، وكذا بين أن يكون الشرط الانفاق عليه إلى آخر عمره أو إلى مدة معينة، وكذا بين تعيين مقدار المؤنة وعدمه. نعم لو شرط ذلك على الموقوف عليه من ماله ولو من غير منافع الوقف جاز، لكن الاحوط تركه أيضا. (مسألة 477) إذا شرط أن يأكل أضيافه من ثمرة الوقف جاز، وكذا لو شرط مؤنة أهله وعياله ولو كانوا ممن يجب عليه نفقتهم حتى الزوجة الدائمة إذا لم يكن ذلك بعنوان النفقة الواجبة عليه لكي تسقط عنه، وإلا رجع إلى الوقف على نفسه مثل شرط أدأ ديونه. (مسألة 478) إذا آجر عينا ثم وقفها، صح الوقف وبقيت الاجارة على
حالها، وكان الوقف مسلوب المنفعة في مدة الاجارة، فإذا انفسخت الاجارة بالفسخ أو الاقالة بعد تمام الوقف، رجعت المنفعة إلى الواقف المؤجر ولا يملكها الموقوف عليهم، فلو احتال للانتفاع بوقفه بأن آجر العين أولا مدة عشرين سنة مثلا وشرط خيار الفسخ له ثم وقفها وتم الوقف ثم فسخ الاجارة، رجعت إليه منفعة تلك المدة. (مسألة 479) يجوز انتفاع الواقف بما وقفه على الجهات العامة كالمساجد والمد ارس والقناطر والاماكن المعدة لنزول الزوار والحجاج والمسافرين ونحوها، وأما ما وقفه على العناوين العامة كالفقرأ والعلمأ إذا كان الواقف داخلا في العنوان حين الوقف أو صار داخلا فيه فيما بعد، فمرة يكون المقصود من الوقف التوزيع عليهم فلا يجوز له الاخذ منه، بل يجب أن ينوي خروج نفسه من الوقف ويقفه على من عدا نفسه. كأن ينوي مثلا وقف هذا الملك على ذرية أبيه أو جده باستثنأ نفسه.
[ 145 ]
ومرة يكون المقصود من الوقف المصرف على ذلك العنوان لا التوزيع كما هو الغالب المتعارف في الوقف على العلمأ والزوار والحجاج والطلبة، فإن نوى خروج نفسه فلا إشكال، وإن نوى الاطلاق والعموم بحيث يدخل هو في المنتفعين فالاقوى أنه يجوز له الانتفاع به، والاحوط عدم الانتفاع خصوصا إذا نوى دخول نفسه في المنتفعين. (مسألة 480) يعتبر في الواقف البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه، فلا يصح وقف الصبي وإن بلغ عشرا على الاقوى. نعم إذا أوصى بالوقف صح وقف الوصي عنه، لان الاقوى صحة وصيته. (مسألة 481) لا يعتبر في الواقف أن يكون مسلما، فيصح وقف الكافر
فيما يصح وقفه من المسلم على الاقوى، وكذا فيما لا يصح من المسلم إن صح في دينهم من باب إقرارهم على دينهم، لا بمعنى الصحة الواقعية. (مسألة 482) يعتبر في الموقوف أن يكون عينا مملوكا طلقا، فلا يصح وقف العين المرهونة. وأن يصح الانتفاع به منفعة محللة مع بقأ عينه مدة معتدا بها، فلا يصح وقف الورد للشم والنار للاصطلا. وأن يمكن قبضه، فلا يصح وقف المنافع ولا الديون، ولا وقف ما لا يملك مطلقا كالحر أو ما لا يملكه المسلم كالخنزير، ولا ما لا ينتفع به إلا بإتلافه كالاطعمة والفواكه، ولا ما ينحصر الانتفاع به في المحرم كآلات اللهو والقمار. ويلحق به ما كانت المنفعة المقصودة من الوقف محرمة، كما إذا وقف الدابة لحمل الخمر أو الدكان لحرزه أو بيعه. وكذا لا يصح ما لا يمكن قبضه كالدابة الشاردة. ويصح وقف كل ما صح الانتفاع به مع بقأ عينه كالاراضي والدور والعقار والثياب والسلاح والالات المباحة والاشجار والمصاحف والكتب والحلي وصنوف الحيوان حتى الكلب المملوك والسنور ونحوهما. (مسألة 483) لا يعتبر في العين الموقوفة كونها مما ينتفع بها فعلا، بل يكفي كونها معرضا للانتفاع ولو بعد مدة وزمان، فيصح وقف الدابة الصغيرة والاصول المغروسة التي لا تثمر إلا بعد سنين.
[ 146 ]
(مسألة 484) المنفعة المقصودة في الوقف أعم من المنفعة المقصودة في العارية والاجارة، فتشمل النمأات والثمرات، فيصح وقف الاشجار لثمرها والشاة لصوفها ولبنها ونتاجها، وإن قلنا بعدم صحة إجارتها لذلك. (مسألة 485) ينقسم الوقف باعتبار الموقوف عليه إلى قسمين: الوقف الخاص وهو ما كان وقفا على شخص أو أشخاص، كالوقف على أولاده
وذريته أو على زيد وذريته. والوقف العام وهو ما كان على جهة ومصلحة عامة، كالمساجد والقناطر والاماكن المعدة لنزول القوافل، أو على عنوان عام كالفقرأ والفقهأ والطلبة والايتام. (مسألة 486) يشترط في الوقف الخاص وجود موقوف عليه حين الوقف، فلا يصح أن يكون الوقف أولا على معدوم أو من سيوجد أو على حمل لم يولد، بأن يكون هو الموقوف عليه في الطبقة الاولى بدون مشاركة موجود في تلك الطبقة. نعم لو جعل المعدوم أو الحمل مساويا في الوقف مع الموجود أو جعل طبقة ثانية بعد الموجود صح، كما إذا وقف على أولاده الموجودين ومن سيولد له على التشريك أو الترتيب. وبالجملة: لو وقف على من سيولد له أولا ثم على الموجودين فلا يتحقق الوقف لانه منقطع الاول، ولو وقف على ولده الموجود ثم على أولاد ولده ثم على زيد، فتوفى ولده قبل أن يولد له ثم ولد له انقطع الوقف بموته وكان من منقطع الوسط. ولو وقف على ذريته نسلا بعد نسل وكان له أولاد وأولاد أولاد، ثم انقرضوا كان الوقف من منقطع الاخر. (مسألة 487) لا يعتبر في الوقف على العنوان العام وجوده في كل زمان، بل يكفي في بعض الازمان، فإذا وقف بستانا مثلا على فقرأ البلد ولم يكن في زمان الوقف فقير في البلد لكن سيوجد صح الوقف ولم يكن من المنقطع الاول، ولو كان موجودا حين الوقف ثم لم يوجد في زمان ثم وجد لم يكن من المنقطع الوسط بل يكون الوقف باقيا، فتحفظ منافعه في حالة عدم وجود الفقير إلى أن يوجد.
[ 147 ]
(مسألة 488) يشترط في الموقوف عليه التعيين، فلو وقف على أحد
الشخصين أو أحد المشهدين أو أحد المسجدين أو أحد الفريقين، لم يصح. (مسألة 489) لا يصح الوقف على الكافر الحربي على المشهور ولا على المرتد عن فطرة، وأما الذمي والمرتد لا عن فطرة فالظاهر صحته، سيما إذا كان رحما للواقف. (مسألة 490) لا يصح الوقف على الجهات المحرمة كالوقف على البيع والكنائس ونشر كتب الضلال، ولا على ما فيه إعانة على المعصية كالمعونة على الزنا وقطع الطرق. نعم يصح الوقف من الكافر على البيع والكنائس. (مسألة 491) إذا وقف مسلم على الفقرأ أو فقرأ البلد، انصرف إلى فقرأ المسلمين، بل الظاهر أنه لو كان الواقف شيعيا انصرف إلى فقرأ الشيعة، وإذا وقف كافر على الفقرأ انصرف إلى فقرأ نحلته، فاليهود إلى اليهود والنصارى إلى النصارى وهكذا، بل الظاهر أنه لو كان الواقف سنيا انصرف إلى فقرأ أهل السنة. نعم الظاهر أنه لا يختص بمن يوافقه في المذهب، فلو وقف الحنفي لم ينصرف إلى الحنفي فقط، وهكذا. (مسألة 492) إذا كان أفراد العنوان الموقوف عليه أفرادا محصورين، كما إذا وقف على فقرأ محلة أو قرية صغيرة، توزع منافع الوقف على الجميع، وإن كانوا غير محصورين لم يجب الاستيعاب، لكن لا يترك الاحتياط بمراعاة الاستيعاب العرفي مع كثرة المنفعة، فيوزع على جماعة معتد بها بحسب مقدار المنفعة. (مسألة 493) إذا وقف على فقرأ قبيلة كبني فلان وكانوا متفرقين، لم يقتصر على الحاضرين، بل يجب تتبع الغائبين وحفظ حصتهم لايصالها إليهم وتعامل حصصهم معاملة مال الغائب، ولا فرق بين أن يكونوا محصورين أو غير محصورين. هذا إذا علم أن المقصود أعم من الحاضرين أو كان اللفظ
[ 148 ]
ظاهرا فيه ولو بمعونة القرائن وكان المقصود التوزيع، وأما إذا احتمل أن يكون المقصود الحاضرين من فقرائهم أو احتمل أن يكون مقصود الواقف المصرف دون التوزيع والتشريك كما هو المتعارف في الوقف على عنوان أفراد كثيرين متفرقين في البلاد، ففي كلا الاحتمالين لا يجب التتبع بل لا يجوز التعدي من الحاضرين إلا مع العلم أو الظهور في الاعم، لان المتيقن حينئذ هو الحاضرون. (مسألة 494) إذا وقف على المسلمين، كان لكل من أقر بالشهادتين ولم يحكم بكفره من جهة النصب أو الغلو وأمثالهما مما يوجب الكفر. هذا إن كان المقصود المسلم الواقعي، وأما إذا كان المقصود المسلم على مذهبه فيتبع مذهبه. ولو وقف على المؤمنين اختص بالاثني عشرية لو كان الواقف إماميا، وكذا لو وقف على الشيعة. (مسألة 495) إذا وقف في سبيل الله، صرف في كل ما يكون وصلة إلى الثواب، وكذلك لو وقف في وجوه البر. (مسألة 496) إذا وقف على أرحامه أو أقاربه فالمرجع العرف، وإذا وقف على الاقرب فالاقرب كان مرتبا على كيفية طبقات الارث. (مسألة 497) إذا وقف على أولاده اشترك الذكر والانثى والخنثى، ويكون التقسيم بينهم على السوأ، وإذا وقف على أولاد أولاده عم أولاد البنين والبنات ذكورهم وإناثهم بالسوية. (مسألة 498) إذا قال: وقفت على ذريتي عم الاولاد بنين وبنات وأولادهم بلا واسطة وبواسطة، ذكورا وإناثا، ويكون الوقف تشريكيا تشارك فيه الطبقات اللاحقة مع السابقة، ويكون على الرؤوس بالسوية. وأما إذا: قال وقفت على أولادي، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي،
ففي ظهور ذلك في التعميم بنحو الاطلاق إشكال، بل يختلف ظهوره باختلاف
[ 149 ]
موارد استعماله، ولا كلية له، فقد يشمل البنين والبنات وقد يختص بالبنين، وقد يشمل الاحفاد وقد لا يشمل. (مسألة 499) إذا قال: وقفت على أولادي نسلا بعد نسل وبطنا بعد بطن، فالظاهر المتبادر منه عند العرف أنه وقف ترتيب، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الاخ عمه. (مسألة 500) إذا قال: وقفت على ذريتي، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي ولم يذكر أنه وقف تشريك أو وقف ترتيب يحمل على التشريك. أما لو علم من الخارج وقفية شي على الذرية ولم يعلم أنه وقف تشريك أو وقف ترتيب، فلا بد من التصالح والتراضي في الزائد عن سهم الطبقة الاولى، وإلا فالرجوع إلى القرعة. (مسألة 501) لو قال: وقفت على أولادي الذكور نسلا بعد نسل، فهو تعبير يختلف بحسب الموارد فقد يختص بأولاده الذكور من الذكور وقد يشمل الذكور من الاناث أيضا، والمرجع فيه متفاهم العرف ولو مع القرائن كما مر. (مسألة 502) إذا كان الوقف ترتيبيا كانت الكيفية تابعة لجعل الواقف، فتارة يجعل الترتيب بين الطبقة السابقة واللاحقة ويراعى الاقرب فالاقرب إلى الواقف، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الاخ عمه وعمته ولا ابن الاخت خاله وخالته، وأخرى يجعل الترتيب بين خصوص الآبأ من كل طبقة وأبنائهم، فإذا كانوا إخوة ولبعضهم أولاد لم يكن للاولاد شي في حياة الآبأ، فإذا توفوا شارك الاولاد أعمامهم. ويمكن أن يجعل الترتيب على نحو آخر ويتبع، فإن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.
(مسألة 503) إذا قال (وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة وإن مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده) صح ذلك، فلو مات أحدهم وله ولد يكون نصيبه لولده، ولو تعدد الولد يقسم النصيب بينهم على الرؤوس، وإذا
[ 150 ]
مات من لا ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته ولا يشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده. (مسألة 504) إذا وقف على العلمأ انصرف إلى علمأ الشريعة، فلا يشمل غيرهم كعلمأ الطب والنجوم والحكمة، إن لم يكونوا عالمين بعلم الشريعة. (مسألة 505) إذا وقف على أهل مشهد كالنجف أو كربلا مثلا، اختص بالمتوطنين والمجاورين ولا يشمل الزوار والمترددين. (مسألة 506) إذا وقف على طلبة العلم في النجف مثلا من أهل البلد الفلاني اختص بمن هاجر من ذلك البلد إلى النجف لطلب العلم، أما من أعرض عن بلده ذاك واتخذ النجف وطنا فشمول هذا الوقف له تابع للصدق العرفي عليه. (مسألة 507) إذا وقف على مسجد، صرفت منافعه مع الاطلاق في تعميره وضوئه وفرشه وخادمه ومؤذنه إذا كان معدا للاذان، ولو زاد شي يعطى لامامه. (مسألة 508) إذا وقف على مشهد تصرف منافعه في تعميره وضوئه وفرشه ووسائل التدفئة في الشتأ والتبريد في الصيف، وسائر حوائجه من وسائل الوضؤ والتطهير، وتطهير أماكنه إذا تنجست، وأمثال ذلك. وكذا على خدامه القائمين بالاعمال اللازمة لذلك المشهد.
(مسألة 509) إذا وقف وقفا للحسين عليه السلام وأطلق، صرف في إقامة تعزيته، من أجرة القاري وما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين. أما إذا علم أن الواقف لم يقصد التعزية بل قصد الحسين عليه السلام فقط، فلا يبعد جواز صرفه في أي خير له عليه السلام.
[ 151 ]
(مسألة 510) ليس للواقف بعد تمام الوقف التغيير في الموقوف عليه بإخراج بعض من كان داخلا أو إدخال من كان خارجا، هذا إذا لم يشترط ذلك في ضمن عقد الوقف، أما إذا اشترط الادخال ففيه إشكال. وإذا اشترط إخراج من يريد أو نقل الوقف من الموقوف عليهم إلى من سيوجد، فيبطل الشرط بل الوقف أيضا على إشكال. نعم لو وقف على طلبة علم في بلد مثلا إلى أن يوجد طلبة علم في بلد آخر، صح الوقف. (مسألة 511) إذا علم أن هذا الشي وقف ولم يعلم مصرفه ولو من جهة نسيانه، فإن كان يوجد قدر متيقن صرف فيه، كما إذا لم يدر أنه وقف على الفقرأ أو على الفقهأ، فيقتصر على الفقهأ الفقرأ، وإن لم يوجد قدر متيقن وكان الاحتمال بين أمور محصورة، كما إذا لم يدر أنه وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني أقرع بينهما، وإذا دار الاحتمال بين العنوان الفلاني أو الفلاني، فالاحوط التصالح والتراضي إذا أمكن وإلا فالقرعة. وإن كان مرددا بين عناوين وأشخاص غير محصورين، كما إذا لم يدر أنه وقف على فقرأ البلد الفلاني أو فقهأ البلد الفلاني أو سادة البلد الفلاني أو ذرية زيد أو ذرية عمرو أو ذرية خالد، وهكذا، كانت منافعه بحكم مجهول المالك فيتصدق بها. وإن كان مرددا بين جهات غير محصورة، كما إذا لم يعلم أنه وقف على المسجد أو المشهد أو القناطر أو إعانة الزوار أو تعزية سيد الشهدأ عليه السلام، وهكذا، صرف
في وجوه البر، بشرط أن لا يجزم بخروج ذلك عن مصرفه. (مسألة 512) إذا كانت للعين الموقوفة منافع متجددة ملكها الموقوف عليهم جميعها مع إطلاق الوقف، كالشاة الموقوفة يملكون صوفها المتجدد ولبنها ونتاجها، والشجر والنخل يملكون ثمرها وأوراقها وأغصانها إذا قطعت لاصلاحها ويملكون فراخها وغير ذلك من جميع منافعها. وإذا خصص الواقف الوقف ببعض المنافع دون بعض ففي صحة التخصص إشكال فلا يترك فيه مراعاة الاحتياط.
[ 152 ]
(مسألة 513) إذا وقف على مصلحة فانتفت كما إذا وقف على مسجد أو مدرسة فخربت ولم يمكن تعميرها أو لم يحتج المسجد إلى مصرف لعدم من يصلي فيه والمدرسة لعدم الطلبة، صرف الوقف في وجوه البر، والاحوط صرفه في مصلحة أخرى من جنس تلك المصلحة، ومع التعذر يراعى الاقرب فالاقرب منها. (مسألة 514) إذا خرب المسجد لم تخرج أرضه عن المسجدية، فتجري عليها أحكامها، وكذا لو خربت القرية التي فيها المسجد، بقي هو على صفة المسجدية، إلا في الاراضي المفتوحة عنوة والاراضي الموقوفة على غير المسجد، فتزول المسجدية بخرابه. (مسألة 515) إذا وقف دارا على أولاده أو على المحتاجين منهم، فإن أطلق فهو وقف منفعة، كما إذا وقف عليهم قرية أو مزرعة أو دكانا ونحوها ملكوا منافعها وقسموا بينهم ما يحصل منها بإجارة وغيرها على حسب ما قرر الواقف من الكمية والكيفية، وإن لم يقرر كيفية في القسمة قسموها بينهم بالسوية.
وان وقفها لسكناهم فهو وقف انتفاع وليس لهم إجارتها، فإن كفت لسكني الجميع سكنوها وليس لبعضهم أن يستقل بها ويمنع غيره، وإذا وقع بينهم التشاح في اختيار محل سكناهم فإن جعل الواقف متوليا وجعل له النظر في تعيين المسكن للساكن كان له ذلك، ومع عدمه وعدم التراضي فالمرجع القرعة. ولو سكنها بعضهم ولم يسكنها البعض فليس له مطالبة الساكن بأجرة حصته إذا كان باذلا له السكن ولكنه لم يسكن باختياره أو لمانع خارجي. وإن لم تكف لسكني الجميع فالظاهر أن المتعين المهاياة، ومع التشاح يرجع إلى القرعة، ويسكن من خرجت له القرعة وليس للآخر مطالبته بأجرة حصته.
[ 153 ]
(مسألة 516) لا يملك الموقوف عليهم الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر بل هو باق على ملك الواقف، وكذا الحمل الموجود حال وقف الحامل. نعم في الصوف على الشاة واللبن في ضرعها إشكال فلا يترك الاحتياط. (مسألة 517) إذا قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي فقد تقدم تفاوت ظهوره بحسب الموارد من حيث شموله لجميع البطون وعدمه، أما من حيث الترتيب أو التشريك أو المساواة أو التفضيل أو قيد الذكورية أو الانوثية أو غير ذلك فيكون تعيين الواقف هو المتبع، وإذا أطلق فمقتضاه التشريك والشمول للذكور والاناث والمساواة وعدم التفضيل. ولو قال: وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي أفاد الترتيب بين الاولاد وأولاد الاولاد قطعا، وأما شمول الترتيب للاحفاد فما بعدهم فلا كلية له والموارد مختلفة والحكم دائر مدار الظهور العرفي ولو بمعونة القرائن. (مسألة 518) إذا تم الوقف زال ملك الواقف عن العين الموقوفة، أما
الموقوفات على الجهات العامة كالمساجد والمشاهد والقناطر والمقابر والمدارس وأوقاف المساجد والمشاهد وأمثالها، فلا يملكها أحد، بل وقفها فك ملك بمنزلة التحرير بالنسبة إلى الرقبة وتسبيل للمنافع على جهات معينة. وأما الوقف الخاص كالوقف على الاولاد، والوقف العام على العناوين العامة، كالوقف على الفقرأ والفقهأ والطلبة ونحوهم، فإن كان وقف منفعة بأن وقف عليهم ليكون منافع الوقف لهم فيستوفونها بأنفسهم أو بالاجارة أو ببيع الثمرة وغير ذلك، فالظاهر أنهم كما يملكون المنافع ملكا طلقا يملكون الرقبة أيضا ملكا غير طلق وذلك لان اعتبار تسبيل المنافع لهم إلى الابد ملازم لاعتبار ملك الرقبة لهم عرفا، وإن كان وقف انتفاع كما إذا وقف الدار لسكني ذريته أو الخان لسكني الفقرأ فالاقوى فيه أيضا أنه كوقف المنفعة فتكون الرقبة ملكا غير طلق لهم أيضا.
[ 154 ]
(مسألة 519) لا يجوز تغيير الوقف وإبطال رسمه وإزالة عنوانه ولو إلى عنوان وقف آخر كجعل الدار دكانا أو بالعكس. نعم إذا كان الوقف وقف منفعة يجوز تبديله إلى الاكثر منفعة، بل إذا صار مسلوب المنفعة أو قليلها للغاية فلا يبعد جواز تبديله إلى الوقف النافع. (مسألة 520) إذا خرب الوقف وانهدم وزال عنوانه، كأن يبست أشجار البستان أو زالت وانهدمت الدار وعفت آثارها، فإن أمكن تعميره وإعادة عنوانه ولو بصرف اصله بالاجارة ونحوها، لزم وتعين والاحوط أن يكون ذلك بإذن الموقوف عليهم أو المتولي. وإلا فالاقوى عدم خروج الارض عن الوقفية فيستفاد منها بوجه آخر، وإن كان الاحوط أن يستأذن الواقف أو ورثته ويجعل وقفا ويجعل مصرفه وكيفياته على حسب الوقف الاول.
(مسألة 521) إذا احتاجت الاملاك الموقوفة إلى تعمير وترميم واصلاح لبقائها واستثمارها، فإن عين الواقف لها ما يصرف عليها فهو، وإلا يصرف على إصلاحها من نمائها مقدما على حق الموقوف عليهم. والاحوط أن يكون ذلك بإذن الموقوف عليهم أو المتولي، بل إذا توقف بقاؤها على بيع بعضها جاز ذلك أيضا. (مسألة 522) لا يجوز بيع الاوقاف على الجهات العامة كالمساجد والمشاهد والمدارس والمقابر والقناطر ونحوها، مهما جرى عليها، وحتى لو خربت واندرست بحيث لا يرجى الانتفاع بها في الجهة المقصودة أصلا. فلو خرب المسجد وخربت القرية التي هو فيها وانقطعت المارة عن الطريق الذي يسلك إليه لم يجز بيعه وصرف ثمنه في إحداث مسجد آخر أو تعميره. وأما ما يتعلق بهذه الاوقاف من الاثاث والوسائل وأشباه ذلك، فلا يجوز بيعها أيضا ما دام يمكن الانتفاع بها ولو بغير الانتفاع الذي أعدت له، كما لو استغنى المحل عن الافتراش بالمرة لكن احتاج إلى ستر يقي أهله من الحر أو البرد تجعل سترا لذلك المحل. ولو فرض استغنأ المحل عنها بالمرة بحيث لا
[ 155 ]
يترتب على إبقائها فيه إلا الضياع والضرر والتلف، تجعل في محل آخر مماثل له، فيجعل ما للمسجد لمسجد آخر وما للمشهد لمشهد آخر، فإن لم يكن المماثل، أو استغني عنها بالمرة جعلت في المصالح العامة. أما لو لم يمكن الانتفاع بها إلا ببيعها وكانت بحيث لو بقيت على حالها ضاعت وتلفت، بيعت وصرف ثمنها في ذلك المحل إن احتاج إليه، وإلا ففي المماثل، ثم المصالح كما مر. (مسألة 523) الظاهر أنه لا يجوز إجارة تلك الاوقاف أيضا، ولو
غصبها غاصب واستوفى منها غير المنافع المقصودة منها، كما إذا جعل المسجد أو المدرسة بيت سكن أو مخزنا، لم يكن عليه أجرة المثل. نعم لو أتلف أعيانها متلف فالاحوط ضمانه، فتؤخذ منه القيمة وتصرف في شرأ بدل التالف ومثله. (مسألة 524) الاوقاف الخاصة كالوقف على الاولاد والاوقاف العامة على العناوين العامة كالفقرأ وإن كانت ملكا للموقوف عليهم كما مر لكنها ليست ملكا طلقا لهم حتى يجوز لهم بيعها ونقلها بأحد النواقل متى شاؤوا وأرادوا كسائر أملاكهم، وإنما يجوز لهم ذلك لعروض بعض العوارض وهي أمور: أحدها: إذا خربت بحيث لا يمكن إعادتها إلى حالتها الاولى ولا الانتفاع بها إلا ببيعها، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير الخلق، فتباع والاحوط مع الامكان أن يشتري بثمنها شي يمكن وقفه ويوقف عليهم، والاحوط مراعاة الاقرب فالاقرب إلى العين الموقوفة. الثاني: أن يسقط بسبب الخراب أو غيره عن الانتفاع المعتد به بحيث يكون الانتفاع به بحكم العدم بالنسبة إلى منفعة أمثاله، كما إذا انهدمت الدار واندرست البستان فصارت أرضا لا يمكن الانتفاع بها إلا بمقدار جزئي جدا يعتبر بحكم العدم بالنسبة إليهما، وكانت إذا بيعت يمكن أن يشترى بثمنها دار
[ 156 ]
أو بستان أخرى أو ملك آخر تكون منفعتها تساوي منفعة الدار والبستان أو تقرب منها، فيجوز في هذه الصورة بيعها. أما إذا كانت بحيث لا يمكن أن يشترى بثمنها إلا ما تكون منفعته بمقدار منفعة أرضها، فلا يجوز بيعها، بل تبقى على حالها.
الثالث: إذا علم أو إطمأن أنه يؤدي بقاؤه إلى خرابه على وجه لا ينتفع به أصلا أو ينتفع به انتفاعا قليلا ملحقا بالعدم، سوأ كان ذلك بسبب الاختلاف الواقع بين أربابه أو لامر آخر. أما الظن بذلك ففيه إشكال. الرابع: إذا اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث أمر مثل قلة المنفعة أو كثرة الضرائب أو المصارف أو وقوع الاختلاف بين أربابه أو حصول ضرورة أو حاجة لهم أو غير ذلك، فإنه لا مانع حينئذ من بيعه عند حدوث ذلك الامر على الاقوى. الخامس إذا وقع بين أرباب الوقف اختلاف شديد لا يؤمن معه من تلف الاموال والنفوس ولا ينحسم ذلك إلا ببيعه، فيجوز حينئذ بيعه وتقسيم ثمنه بينهم. نعم لو كان الاختلاف يرتفع بمجرد بيعه وصرف الثمن في شرأ عين أخرى لهم أو تبديل العين الموقوفة بعين أخرى تعين ذلك، فيشترى بالثمن عين أخرى أو يبدل بملك آخر، فيجعل وقفا ويبقى لسائر البطون والطبقات. (مسألة 525) لا إشكال في جواز إجارة الموقوف وقف منفعة، سوأ كان وقفا خاصا أو عاما كالدكاكين والمزارع والخانات الموقوفة على الاولاد أو الفقرأ أو الجهات والمصالح العامة، حيث أن المقصود استثمارها بإجارة ونحوها ووصول نفعها ونمائها إلى الموقوف عليهم، بخلاف ما كان وقف انتفاع كالدار الموقوفة على سكنى الذرية والمدرسة والمقبرة والقنطرة والاماكن الموقوفة لنزول المارة، فالظاهر عدم جواز إجارتها في حال من الاحوال. (مسألة 526) إذا خرب بعض الوقف بحيث جاز بيعه واحتاج بعضه الاخر إلى تعمير ولو لاجل توفير المنفعة فإن أمكن تبديل الخراب بملك آخر
[ 157 ]
يجعل وقفا، فهو المتعين، وإن لم يمكن فلا يبعد أن يكون الاولى بل الاحوط أن يصرف ثمن البعض الخراب في تعمير البعض الاخر. (مسألة 527) إذا كانت العين مشتركة بين الوقف والملك الطلق جاز قسمة الوقف عنه، ويقوم بها مالك الطلق مع متولي الوقف أو الموقوف عليهم، بل الظاهر جواز قسمة الوقف أيضا لو تعدد الوقف والموقوف عليه، كما إذا كانت دار مشتركة بين شخصين فوقف كل منهما حصته على أولاده. بل لا يبعد جواز القسمة إذا تعدد الوقف والموقوف عليه مع اتحاد الواقف، كما إذا وقف نصف داره مشاعا على مسجد والنصف الاخر على مشهد. وكذا يجوز قسمة الوقف بين أربابه إذا اتحد الوقف والواقف وكان الموقوف عليهم بطونا متلاحقة، إذا كانت من أجل انتفاع كل منهم بقسم من الوقف ما دام حيا. أما القسمة بغير هذا المعنى فالاقوى عدم جوازها بحال. (مسألة 528) إذا آجر الوقف البطن الاول وانقرضوا قبل انقضأ مدة الاجارة، بطلت بالنسبة إلى بقية المدة، والاقوى عدم تأثير إجازة البطن اللاحق كما مر، لانهم لم يكونوا مالكين حين العقد. هذا إذا آجر البطن الاول، وأما إذا آجر المتولي ولاحظ في ذلك مصلحة الوقف، أو لاحظ مصلحة البطن اللاحق ففي كلتا الصورتين إشكال إذ البطن اللاحق لم يكونوا مالكين حين الاجارة حتى تنفذ إجارة المتولي في حقهم وإن كانت لمصلحة الوقف، أو تؤثر إجازتهم في العقد الصادر من المتولي قبل مالكيتهم، فإنه نظير إجارة الاب لولده الصغير ملكا لم يملكه بعد، فالاحوط تجديد الاجارة في كلتا الصورتين. (مسألة 529) يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه ما دام حيا أو إلى مدة، مستقلا أو مشتركا مع غيره.
وكذا يجوز أن يجعلها للغير كذلك، بل يجوز أن يجعل أمر التولية بيد شخص، فيكون المتولي كل من يعينه ذلك الشخص، أو يجعل التولية
[ 158 ]
لشخص ويجعل أمر تعيين المتولي بعده بيده، وهكذا يجعل لكل متول أن يعين المتولي بعده. (مسألة 530) إنما يكون للواقف جعل التولية لنفسه أو لغيره حين إيقاع الوقف وفي ضمن عقده، وأما بعد تمامه فهو أجنبي عن الوقف، فليس له جعل التولية لاحد ولا عزل من جعله متوليا عن التولية إلا إذا اشترط لنفسه ذلك، بأن جعل التولية لشخص وشرط أنه متى أراد أن يعزله عزله. (مسألة 531) لا يشترط عدالة الواقف فيما إذا جعل التولية والنظر لنفسه، وكذا لو جعلها لغيره على الاقوى. نعم الظاهر أنه يشترط فيه الامانة والكفاية، فلا يجوز جعل التولية، خصوصا في الجهات والمصالح العامة، لمن كان خائنا غير موثوق به، وكذا من ليس له الكفاية في تولية أمور الوقف. فالاقوى اعتبار التمييز والعقل فيه، فلا يصح تولية المجنون والصبي غير المميز، بل والمميز على الاقوى. (مسألة 532) إذا جعل التولية لشخص لم يجب عليه القبول، سوأ كان حاضرا في مجلس العقد أو غائبا ثم بلغه الخبر ولو بعد وفاة الواقف. فمع عدم قبوله يكون الوقف بلا متول منصوب، ولو قبل فلا يترك الاحتياط بأن لا يرفع يده ولا يعزل نفسه، ولو عزل نقسه فالاحوط أن يقوم بالتولية بعد أن يراجع الحاكم الشرعي. وكذا لو جعل التولية لاشخاص على الترتيب وقبل بعضهم، لم يجب على الذي بعده القبول. (مسألة 533) إذا شرط التولية لاثنين، فإن صرح باستقلال كل منهما
استقل ولا يلزم عليه مراجعة الاخر، وإذا مات أحدهما أو خرج عن الاهلية انفرد الاخر، وإن صرح باجتماعهما فليس لاحدهما الاستقلال، وكذا لو أطلق ولم تكن قرينة على إرادة الاستقلال، وحينئذ فلو مات أحدهما أو خرج عن الاهلية يضم الحاكم إلى الاخر شخصا على الاحوط إن لم يكن أقوى.
[ 159 ]
(مسألة 534) إذا حدد الواقف مسؤولية المتولي وعمله فهو المتبع، ولو أطلق كان تكليفه ما هو المتعارف من تعمير الوقف وإجارته، وتحصيل أجرته وقسمتها على أربابه، وأدأ خراجه ونحو ذلك، كل ذلك على وجه الاحتياط ومراعاة الصلاح، وليس لاحد مزاحمته في ذلك حتى الموقوف عليهم. ويجوز أن ينصب الواقف متوليا في بعض الامور وآخر في أمور أخرى، كما إذا جعل أمر التعمير وتحصيل المنافع إلى أحد، وأمر حفظها وقسمتها على أربابها إلى آخر، أو جعل الوقف وحفظه بيد أحد، والتصرف لاخر. ولو فوض إلى واحد التعمير وتحصيل الفائدة وأهمل باقي الجهات من الحفظ والقسمة وغيرهما كان الوقف بالنسبة إلى غير ما فوض إليه بلا متول منصوب فيجري عليه حكمه الاتي. (مسألة 535) إذا عين الواقف للمتولي شيئا من المنافع تعين، وكان ذلك أجرة عمله وليس له أكثر منه وإن كان أقل من أجرة مثله. ولو لم يذكر شيئا فالاقرب أن له أجرة المثل. (مسألة 536) ليس للمتولي تفويض التولية إلى غيره حتى مع عجزه عن التصدي، إلا إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متوليا. نعم يجوز له التوكيل في بعض ما عليه من عمل إذا لم يشترط عليه المباشرة. (مسألة 537) يجوز للواقف ان يجعل ناظرا على المتولي، فإن أحرز أن
المقصود مجرد إطلاعه على أعماله لاجل الاستيثاق فهو مستقل في تصرفاته ولا يعتبر إذن الناظر في صحتها ونفوذها، نعم عليه إطلاعه. وإن كان المقصود إعمال نظره وتصويب عمله لم يجز له التصرف إلا بإذنه وتصويبه، ولو لم يحرز مراده، فالاحوط مراعاة الامرين. (مسألة 537) إذا لم يعين الواقف متوليا أصلا، فالاوقاف العامة يتولاها الحاكم أو المنصوب من قبله على الاقوى، وأما الاوقاف الخاصة فما كان راجعا إلى مصلحة الوقف ومراعاة البطون من تعميره وحفظ الاصول وإجارته
[ 160 ]
ونحوها، فهي كالاوقاف العامة توليتها للحاكم أو منصوبه، وما كان راجعا إلى تنميتها وإصلاحاتها الجزئية المتوقف عليها استثمارها الفعلي كتنقية أنهارها وكريها وحرثها وجمع حاصلها وتقسيمها، وأمثال ذلك، فأمرها راجع إلى الموقوف عليهم الموجودين. (مسألة 539) إذا لم يوجد الحاكم أو لم يمكن الوصول إليه، تكون تولية الاوقاف العائدة إليه لعدول المؤمنين، ومع عدمهم للموثقين الامنأ منهم. (مسألة 540) لا فرق فيما كان أمره راجعا إلى الحاكم بين ما إذا لم يعين الواقف متوليا، وبين ما إذا عين ولم يكن أهلا لها، أو خرج عن الاهلية، فإذا جعل التولية للعادل من أولاده ولم يكن بينهم عادل، أو كان ففسق، كان كأن لم ينصب متوليا. (مسألة 541) إذا جعل التولية لعدلين من أولاده مثلا، ولم يكن فيهم إلا عدل واحد، ضم الحاكم إليه عدلا آخر. وإذا لم يوجد فيهم عدل أصلا، فالاقوى أنه يكفي للحاكم نصب عدل واحد، والاحوط نصب عدلين. (مسألة 542) إذا احتاج الوقف إلى تعمير ولم يكن له ما يصرف فيه،
يجوز للمتولي أن يقترض له قاصدا أدأه من منافعه كما في البستان ونحوه، أو من منافع موقوفاته كما في المسجد ونحوه، فيقترض متولي البستان مثلا ومتولي المسجد أو المشهد أو المقبرة ونحوها، بقصد أن يؤدي دينه من عائداتها أو عائدات موقوفاتها، بل يجوز أن يصرف في ذلك من ماله بقصد الاستيفأ مما ذكر. نعم لو اقترض له لا بقصد الادأ من الوقف، أو صرف من ماله لا بنية الاستيفأ منه، لم يكن له استيفاؤه بعد ذلك. (مسألة 543) تثبت الوقفية بالشياع إذا أفاد العلم أو الاطمئنان، وبإقرار ذي اليد أو ورثته، وبكونه في تصرف الوقف، بأن يعامل المتصرفون فيه معاملة الوقف بلا معارض، وكذا تثبت بالبينة الشرعية.
[ 161 ]
(مسألة 544) إذا أقر بالوقف ثم ادعى أن إقراره كان لمصلحة، تسمع دعواه لكن تحتاج إلى إثبات، بخلاف ما إذا أوقع العقد وحصل القبض ثم ادعى أنه لم يكن قاصدا فإنه لا يسمع منه أصلا، كما هو الحال في جميع العقود والايقاعات. (مسألة 545) المتصرفون بالشي إذا عاملوه معاملة الوقف كان ذلك دليلا على أصل الوقف ما لم يثبت خلافها، وكذلك كيفية عملهم فيه من الترتيب أو التشريك والمصرف وغير ذلك دليل على كيفيته، ما لم يعلم خلافها. (مسألة 546) إذا كان ملك بيد شخص يتصرف فيه بعنوان الملكية، وعلم أنه كان في السابق وقفا، لم ينتزع من يده ما لم تثبت وقفيته فعلا. وكذا لو ادعى أحد أنه قد وقف على آبائه نسلا بعد نسل وأثبت ذلك من دون أن
يثبت كونه وقفا فعلا. نعم لو أقر ذو اليد في مقابل خصمه بأنه كان وقفا إلا أنه حصل المسوغ للبيع وأنه قد اشتراه، يسقط حكم يده وينتزع منه ويلزم بإثبات وجود المسوغ للبيع، ووقوع الشرأ. (مسألة 547) إذا كان كتاب أو مصحف أو غيرهما بيد شخص يدعي ملكيته وكان مكتوبا عليه أنه وقف لم يحكم بوقفيته بمجرد ذلك، فيجوز شراؤه منه. نعم الظاهر أن وجود ذلك عيب ونقص في العين، فلو خفي على المشتري ثم اطلع عليه كان له خيار الفسخ. (مسألة 548) إذا ظهر في تركة الميت ورقة بخطه أن ملكه الفلاني وقف وأنه وقع القبض والاقباض لم يحكم بوقفيته بمجرد ذلك ما لم يحصل العلم أو الاطمئنان به، لاحتمال أنه كتب ذلك ليجعله وقفا ولم يوقفه كما يتفق ذلك كثيرا.
[ 162 ]
(مسألة 549) إذا كانت العين الموقوفة من الاعيان الزكوية كالانعام الثلاثة، لم يجب على الموقوف عليهم زكاتها وإن بلغت حصة كل منهم حد النصاب. أما إذا كان نماؤها زكويا كالعنب والتمر ففي الوقف الخاص تجب الزكاة على كل من بلغت حصته النصاب من الموقوف عليهم لانها ملك طلق لهم، بخلاف الوقف العام وإن كان مثل الوقف على الفقرأ، لعدم كونه ملكا لواحد منهم إلا بعد قبضه. نعم لو أعطى الفقير مثلا حصة من الحاصل على الشجر أو حصة من الزرع قبل وقت تعلق الزكاة، مثلا قبل إحمرار التمر أو اصفراره، أو انعقاد الحب، وجبت عليه الزكاة إذا بلغت تلك الحصة حد النصاب. (مسألة 550) الوقف المتداول بين الاعراب وأمثالهم حيث يعمدون إلى
نعجة أو بقرة ويتكلمون بألفاظ متعارفة بينهم ويكون المقصود أن تبقى ويذبح أولادها الذكور وتبقى الاناث وهكذا، الظاهر بطلانه لعدم الصيغة وعدم القبض وعدم تعيين المصرف وغير ذلك. إلا أن يكون المصرف عنده معلوما بحسب المتعارف، وكان المتولي أيضا هو نفسه بحسب الارتكاز، وتكلم بقصد الوقف كلمة ظاهرة فيه فيكون الوقف صحيحا. الحبس وملحقاته (مسألة 551) يجوز للانسان أن يحبس ملكه على كل ما يصح الوقف عليه، لتصرف منافعه على ما عينه. فلو حبسه على سبيل من سبل الخير ومحال العبادات مثل الكعبة المعظمة والمساجد والمشاهد المشرفة، فإن كان مطلقا أو صرح بالدوام فلا رجوع بعد القبض ولا يعود ملكه إليه ولا يورث، وإن كان إلى مدة تبقى العين على ملكه وتكون منافعها لما حبست عليه طول المدة المعينة وليس له الرجوع فيها، وبعد المدة ترجع إليه أو إلى وارثه. وإن حبسه على شخص، فإن
[ 163 ]
عين مدة أو مدة حياته لزم في تلك المدة، ولو مات الحابس قبل انقضائها. وإن أطلق ولم يعين وقتا لزم ما دام الحابس حيا فإن مات كان ميراثا. وهكذا الحال لو حبس على عنوان عام كالفقرأ، فإن حدده بوقت لزم إلى انقضائه، وإن لم يوقت لزم ما دام الحابس حيا. (مسألة 552) السكنى أن يجعل لاحد سكنى داره مثلا بأن يسلطه على سكناها مع بقائها على ملكه، سوأ أطلق ولم يعين مدة أصلا كما إذا قال: أسكنتك داري، أو: لك سكناها أو قدره بعمر أحدهما كما إذا قال: لك سكنى داري مدة حياتي، أو: لك سكنى داري مدة حياتك. أو قدره بسنة وسنتين مثلا.
ويسمى الاسكان مدى العمر أيضا ب (العمرى) والاسكان لمدة محددة ب (الرقبى). (مسألة 553) يحتاج كل من هذه الثلاثة إلى عقد بإيجاب المالك وقبول الساكن، فالايجاب بكل ما أفاد التسليط المذكور بحسب المتفاهم العرفي، كأن يقول في السكنى: أسكنتك هذه الدار، أو لك سكناها، وما أفاد معناهما بأي لغة كان، وفي العمرى: لك سكناها مدة حياتك، وفي الرقبى: أسكنتكها سنة أو سنتين، مثلا. وللعمرى والرقبى لفظان آخران: فللاولى: أعمرتك هذه الدار عمرك أو عمري، أو ما بقيت أو بقيت، أو ما حييت أو حييت أو ما عشت أو عشت ونحوها، وللثانية: أرقبتك مدة كذا. والقبول بكل ما دل على الرضا والقبول من الساكن. والظاهر صحة المعاطاة فيها، بأن يعطي داره إلى غيره ليسكن فيها المدة المعينة بالمقاولة قبل تسليمها بقصد الرقبى أو العمرى أو السكنى. (مسألة 554) يشترط في كل من الثلاثة قبض الساكن، فلو لم يقبض حتى مات المالك، بطلت كالوقف. (مسألة 555) هذه العقود الثلاثة لازمة وليس للمالك الرجوع وإخراج
[ 164 ]
الساكن، ففي السكنى المطلقة حيث أن الساكن استحق مسمى الاسكان ولو يوما يلزم العقد بهذا المقدار، وله الرجوع والامر بالخروج بعده. وفي العمرى تلزم مدة حياة من عيناه منهما، وفي الرقبى تلزم المدة المعينة، فليس للمالك إخراجه قبل انقضائها. (مسألة 556) إذا جعل داره سكنى أو عمرى أو رقبى لشخص لم تخرج
عن ملكه وجاز له بيعها ولم يبطل الاسكان حتى في المطلقة منها إلا إذا رجع فيه حيث يجوز له. ولا يبطل الاعمار أو الا رقاب، بل يستحق الساكن السكنى على النحو الذي جعلت له، وكذا لا يجوز للمشتري إبطال ذلك، نعم لو كان جاهلا كان له الخيار بين فسخ البيع وإمضائه بجميع الثمن. (مسألة 557) إذا جعل المدة في العمرى طول حياة المالك ومات الساكن قبله كان لورثته السكنى إلى أن يموت المالك، ولو جعل المدة طول حياة الساكن ومات المالك قبله لم يكن لورثته إزعاج الساكن بل يسكن طول حياته. ولو مات الساكن لم يكن لورثته السكنى إلا إذا جعلت له السكنى مدة حياته ولعقبه ونسله بعد وفاته، فلهم ذلك ما لم ينقرضوا فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك أو ورثته. (مسألة 558) إطلاق السكنى يقتضي أن يسكن من جعلت له السكنى بنفسه وأهله وأولاده، والاقرب جواز إسكان من جرت العادة بسكناه معه كغلامه وجاريته ومرضعة ولده وضيوفه، بل كذا دابته إذا كان الموضع معدا لمثلها. بل الاقوى جواز إسكان غيرهم وكذا تأجيره وإعارته، إلا إذا اشترط المالك إنتفاعا خاصا ولو من جهة الانصراف إلى المنافع المتعارفة. الصدقة
[ 165 ]
كتاب الصدقة (مسألة 559) وقد تواترت النصوص على استحباب الصدقة والحث عليها خصوصا في أوقات مخصوصة كالجمعة وعرفة وشهر رمضان، وعلى
طوائف مخصوصة كالجيران والارحام، بل ورد في الخبر لا صدقة وذو الرحم محتاج. وهي دوأ المريض ودافعة البلا وقد أبرم إبراما، وبها يستنزل الرزق ويقضى الدين، وتخلف البركة ويكثر المال، وبها تدفع ميتة السؤ والدأ والحرق والغرق والهدم والجنون إلى سبعين بابا من السؤ، وإذا تصدق في أول كل يوم يدفع شر ذلك اليوم، وفي أول كل ليلة يدفع شر تلك الليلة. ولا يستقل قليلها فقد ورد: تصدقوا ولو بقبضة أو ببعض قبضة ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة، ولا يستكثر كثيرها فإنها تجارة رابحة، ففي الخبر: إذا أملقتم تاجروا الله بالصدقة، وفي خبر آخر: أنها خير الذخائر، وفي آخر: إن الله تعالى يربي الصدقات لصاحبها حتى يلقاها يوم القيامة كجبل عظيم. (مسألة 560) يعتبر في الصدقة قصد القربة، والاقوى أنه لا يعتبر فيها الايجاب والقبول بل تكفي فيها المعاطاة، ويشترط فيها القبض والاقباض، وتتحقق معاطاتها بكل لفظ أو فعل من إعطأ أو تسليط يقصد به التمليك مجانا مع نية القربة، وتكون هنا لازمة بسبب نية القربة. (مسألة 561) لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض وإن كانت على أجنبي على الاصح.
[ 166 ]
(مسألة 562) تحل صدقة الهاشمي لمثله ولغيره مطلقا حتى الزكاة المفروضة والفطرة، وأما صدقة غير الهاشمي للهاشمي فتحل في المندوبة وتحرم في الزكاة المفروضة والفطرة، وأما غير ذلك من الصدقات المفروضة كالمظالم والكفارة ونحوها فلا يترك الاحتياط بعدم إعطائها لهم وتنزههم عنها. (مسألة 563) يعتبر في المتصدق البلوغ والعقل وعدم الحجر لفلس أو
سفه. وفي صحة صدقة من بلغ عشر سنين إشكال. (مسألة 564) لا يعتبر في المتصدق عليه في الصدقة المندوبة الفقر ولا الايمان، بل ولا الاسلام، فيجوز على الغني وعلى المخالف وعلى الذمي وإن كانا أجنبيين. نعم لا يجوز على الناصب ولا على الحربي وإن كانا قريبين. (مسألة 565) الصدقة المندوبة سرا أفضل، فقد ورد: أن صدقة السر تطفي غضب الرب وتطفي الخطيئة كما يطفي المأ النار وتدفع سبعين بابا من البلا، وفي خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - إلى أن قال - ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله. نعم إذا اتهم بترك المواساة فأراد دفع التهمة عن نفسه أو أراد حث غيره على الصدقة فلا بأس بإظهارها، ولم يتأكد حينئذ إخفاؤها. أما الصدقة الواجبة فالافضل إظهارها مطلقا. (مسألة 566) يستحب المساعدة والتوسط في إيصال الصدقة إلى المستحق، فعن مولانا الصادق عليه السلام: لو جرى المعروف على ثمانين كفا لاوجروا كلهم من غير أن ينقص صاحبه من أجره شيئا. بل في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في خطبة له: من تصدق بصدقة عن رجل إلى مسكين كان له مثل أجره، ولو تداولها أربعون ألف إنسان ثم وصلت إلى المسكين كان لهم أجر كامل. (مسألة 567) يكره كراهة شديدة أن يتملك من الفقير ما تصدق به عليه بشرأ أو اتهاب أو بسبب آخر، بل قيل بحرمته. نعم إذا رجع ما تصدق به إليه بالميراث، فلا بأس به.
[ 167 ]
(مسألة 568) يكره رد السائل ولو ظن غناه، بل يعطيه ولو شيئا
يسيرا، فعن مولانا الباقر عليه السلام: أعط السائل ولو كان على ظهر فرس. وعنه عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام قال: يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل. (مسألة 569) يكره كراهة شديدة السؤال من غير احتياج، بل مع الحاجة أيضا، وربما يقال بحرمة الاول ولا يخلو من قوة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر. وعن مولانا الصادق عليه السلام، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: ضمنت على ربي أنه لا يسأل أحد من غير حاجة إلا اضطر به المسألة يوما إلى أن يسأل من حاجة. وعن مولانا الباقر عليه السلام: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، ولو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا. ثم قال عليه السلام: إنه من سأل وهو يظهر غنى لقي الله مخموشا وجهه يوم القيامة. وفي خبر آخر: من سأل من غير فقر فإنما يأكل الخمر. وفي خبر آخر: من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم القيامة وليس على وجهه لحم. وفي آخر قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاثة لا ينظر (الله) إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الديوث، والفاحش المتفحش، والذي يسأل الناس وفي يده يظهر غنى.
[ 168 ]
كتاب الوصية (مسألة 570) الوصية على أقسام، لانها قد تكون تمليك عين أو منفعة، وقد تكون جعل ولاية أو سلطنة أو وكالة، وقد تكون إبرأ لدين وإسقاطا
لحق، وقد تكون عهدا وإذنا وطلبا لتجهيزه وغسله والصلاة عليه وقضأ صلاته وصومه وحجه ورد أماناته وأمثال ذلك. وقد ذكرنا تفصيل ذلك في التعليق على كتاب الوصية من العروة الوثقى. (مسألة 571) إذا ظهرت للانسان أمارات الموت تتضيق الواجبات التي كانت موسعة عليه في حياته، فيحب عليه الاتيان بها فورا، وإذا لم يتمكن من الاتيان بها بنفسه يجب عليه أن يوصي بها، خصوصا إذا كانت حقوقا تخفى على الورثة، فيوصي بإيصال ما عنده من ودائع الناس وأموالهم وبضائعهم ونحوها إلى أربابها، وكذا بأدأ ما عليه من الحقوق المالية للناس كالديون والضمانات والديات وأرش الجنايات، أو حقوق لله تعالى كالخمس والزكاة والمظالم والكفارات. بل يجب عليه أن يوصي بأن يستأجر عنه للواجبات البدنية مما يصح فيه النيابة والاستئجار كقضأ الصوم والصلاة إذا لم يكن له ولي يقضيها عنه، بل حتى لو كان له ولي وكان لا يصح منه العمل كالصبي، أو كان ممن لا يوثق بأدائه، أو بصحة عمله. (مسألة 572) إذا كان عنده أموال للناس أو كان عليه حقوق وواجبات، وكان يعلم أو يطمئن بأن أخلافه يؤدونها، لم يجب عليه الايصأ، وإن كان أحوط وأولى.
[ 170 ]
(مسألة 573) يكفي في الوصية كل ما دل عليها من الالفاظ من أي لغة كان، ولفظها الصريح في التمليكية أن يقول: أوصيت لفلان بكذا أو أعطوا فلانا أو ادفعوا إليه بعد موتي أو لفلان بعد موتي كذا، وهكذا. وفي العهدية: إفعلوا بعد موتي كذا وكذا وهكذا. والاحوط عدم كفاية الاشارة إلا مع العجز عن النطق، كما أن الاحوط
الاقتصار في الكتابة وحدها من دون نطق على حال الضرورة. (مسألة 574) أركان الوصية التمليكية ثلاثة: الموصي، والموصى به، والموصى له. والوصية العهدية قوامها بأمرين: الموصي، والموصى به. نعم إذا عين الموصي شخصا لتنفيذها تتقوم بثلاثة: الموصي، والموصى به، والموصى إليه أي الوصي. (مسألة 575) الوصية العهدية لا تحتاج إلى قبول، نعم لو عين وصيا لتنفيذها لا بد من قبوله الوصاية لا أصل الوصية. أما الوصية التمليكية فإن كانت تمليكا للنوع كالوصية للفقرأ والسادة والطلبة فلعلها تحسب من العهدية فيجب إعطأ ما أوصى به لهم، وإن كانت تمليكا لشخص فيعتبر فيها القبول من الموصى له، وتبطل بالرد بعد الموت وقبل القبول. (مسألة 576) يكفي في القبول بنأا على اعتباره كل ما دل على الرضا قولا أو فعلا، كأخذه الموصى به والتصرف فيه، قاصدا قبول الوصية. (مسألة 577) لا فرق بين وقوع القبول في حياة الموصي أو بعد موته، كما أنه لا فرق في القبول الواقع بعد الموت بين أن يكون متصلا به أو متأخرا عنه مدة. (مسألة 578) إذا رد بعضا وقبل بعضا فالصحة مشكلة لعدم تطابق الايجاب مع القبول. نعم بنأ على عدم اعتبار القبول وكون الرد مبطلا صح فيما قبله وبطل فيما رده، ولكن هذا القول ضعيف.
[ 171 ]
(مسألة 579) إذا مات الموصى له في حياة الموصي أو بعد موته قبل أن يصدر منه رد أو قبول، قام ورثته مقامه في الرد والقبول، فيملكون الموصى به بقبولهم كمورثهم، هذا إذا لم يرجع الموصي عن وصيته قبل موته.
(مسألة 580) الظاهر أن المال الموصى به ينتقل من الموصي نفسه إلى ورثة الموصى له لا أنه ينتقل إلى الموصى له أولا ثم إليهم، وإن كانت القسمة بينهم في صورة التعدد على حسب الارث، فعلى هذا لا يخرج من الموصى به ديون الموصى له ولا تنفذ فيه وصاياه. (مسألة 581) إذا كان الايجاب مركبا من إيجابين كأن يقول هذا لزيد وهذا لعمرو وقبل بعض ورثة الموصى له ورد بعضهم، صحت الوصية فيمن قبل وبطلت فيمن رد بالنسبة ولو كان الايجاب واحدا كأن يقول هذا لزيد وعمرو فقد مر الاشكال في نظيره. (مسألة 582) يعتبر في الموصي البلوغ والعقل والاختيار والرشد، فلا تصح وصية الصبي، نعم الاقوى صحة وصية البالغ عشرا إذا كانت في البر والمعروف كبنأ المساجد والقناطر ووجوه الخيرات والمبرات. وكذا لا تصح وصية المجنون ولو أدواريا في دور جنونه، ولا السكران ولا المكره، وكذا السفيه سوأ كان قبل حجر الحاكم أو بعده في وصاياه المالية، أما في غير ما يحتاج إلى صرف المال كالامور الراجعة إلى تجهيزه وأمثاله، فتصح وصيته كسائر عقوده غير المالية. (مسألة 583) يعتبر في الموصي - مضافا إلى ما ذكر - أن لا يكون قاتل نفسه متعمدا، فمن أوقع على نفسه جرحا أو شرب السم أو ألقى نفسه متعمدا من شاهق مثلا مما يقطع أو يظن كونه مؤديا إلى الهلاك، لم تصح وصيته المتعلقة بأمواله، وكذا وصيته غير المتعلقة بأمواله على إشكال. أما إذا فعل ذلك خطأ أو كان مع ظن السلامة فاتفق موته به نفذت وصيته.
[ 172 ]
ولو أوصى ثم أحدث في نفسه ما يؤدي إلى هلاكه لم تبطل وصيته، وإن كان حين الوصية
بانيا على أن يحدث ذلك بعدها. (مسألة 584) لا تبطل الوصية بعروض الاغمأ والجنون للموصي وإن استمرا حتى الوفاة. (مسألة 585) يشترط في الموصى له وجوده حين الوصية، فلا تصح الوصية للمعدوم كما إذا أوصى للميت أو لمن ستحمله المرأة في المستقبل أو لمن سيوجد من أولاد فلان، ويجوز الوصية للحمل بشرط وجوده حين الوصية وإن لم تلجه الروح، وبشرط انفصاله حيا فلو انفصل ميتا بطلت الوصية ورجع المال ميراثا لورثة الموصي. (مسألة 586) تصح الوصية للذمي وكذا للمرتد الملي إذا لم يكن المال مما لا يملكه الكافر كالمصحف، ولا تصح للحربي ولا للمرتد عن فطرة على إشكال فيهما. (مسألة 587) يشترط في الموصى به في الوصية التمليكية أن يكون مالا أو حقا قابلا للنقل كحقي التحجير والاختصاص، سوأ كان المال عينا أو دينا في ذمة الغير أو منفعة، وسوأ كانت العين موجودة فعلا أو ستوجد، فتصح الوصية بما ستحمله الدابة أو ستثمره الشجرة. (مسألة 588) لا بد أن تكون العين الموصى بها ذات منفعة محللة مقصودة حتى تكون مالا شرعا، فلا تصح الوصية بالخمر والخنزير وآلات اللهو والقمار، ولا بالحشرات وكلب الهراش ونحوها. وأن تكون المنفعة الموصى بها محللة مقصودة، فلا تصح الوصية بمنفعة المغنية وآلات اللهو، وكذا منافع القردة ونحوها. (مسألة 589) لا تصح الوصية بمال الغير وإن أجاز المالك، سوأ كان الايصأ به عن نفسه بأن جعل مال الغير لشخص بعد وفاة نفسه، أو عن الغير
بأن جعله لشخص بعد وفاة مالكه.
[ 173 ]
(مسألة 590) يشترط في الوصية العهدية أن يكون ما أوصى به عملا سائغا مقبولا عند العقلا، فلا تصح الوصية بصرف ماله في معونة الظلام وقطاع الطريق وتعمير الكنائس ونسخ كتب الضلال ونحوها، وكذا الوصية بما يكون صرف المال فيه سفها أو عبثا. (مسألة 591) المدار في وجوب تنفيذ الوصية ما هو جائز عند الوصي اجتهادا أو تقليدا، فلو أوصى بما هو جائز عنده وكان غير جائز عند الوصي لم يجب عليه بل لم يجز له تنفيذه، والعكس بالعكس. (مسألة 592) إذا أوصى لغير الولي بمباشرة تجهيزه كتغسيله والصلاة عليه مع وجود الولي، فالاحوط أن يكون ذلك بإذن الولي، بأن يستأذن الوصي من الولي ويأذن الولي للوصي. (مسألة 593) إذا كانت الوصية بواجب مالي كأدأ ديونه وأدأ ما عليه من الحقوق كالخمس والزكاة والمظالم والكفارات، تخرج من أصل المال بلغ ما بلغ، بل تخرج من الاصل وإن استوعبت التركة ولم يوص بها. ويلحق به الواجب المالي المشوب بالبدني كالحج الواجب ولو كان منذورا على الاقوى. أما إذا كانت الوصية تمليكية أو عهدية تبرعية، كما لو أوصى بإطعام الفقرأ أو الزيارة أو إقامة التعزية ونحو ذلك، فتنفذ بمقدار الثلث، وفيما زاد عليه يتوقف على إمضأ الورثة وإجازتهم، فإن أمضوا صحت وإلا بطلت، من غير فرق بين أن تكون الوصية في حال الصحة أو في حال المرض. وكذا الحكم إذا كانت بواجب غير مالي على الاقوى، كما إذا أوصى بقضأ ما عليه من صلاة وصوم.
(مسألة 594) لا فرق في نفوذ الوصية في الثلث فقط بين أن تكون بسهم مشاع أو بمال معين أو بمقدار من المال، فلو أوصى بالنصف نفذت بمقدار الثلث ولم تصح في الزائد وهو السدس إلا بإجازة الورثة، ولو أوصى
[ 174 ]
بمال معين ينسب إلى مجموع التركة فإن كان بمقدار ثلث المجموع أو أقل نفذت في تمامه وإن كان أكثر نفذت فيه بمقدار الثلث وتوقف الزائد على إمضأ الورثة. (مسألة 595) تنفذ إجازة الوارث بعد موت الموصي فيما زاد عن الثلث حتى لو كان رد الوصية قبل الموت. وإذا أجاز الوصية قبل الموت وبقيت إجازته إلى ما بعد الموت ثم ردها فالاقوى عدم تأثير رده. (مسألة 596) إذا أجاز الوارث بعض الزيادة لا تمامها نفذت بمقدار ما أجاز، فلو أوصى بثلثي ماله وأجاز الوارث النصف نفذت في المقدار المجاز وبطلت في الزائد وهو سدس ماله. (مسألة 597) إذا أجاز بعض الورثة دون بعضهم نفذت الوصية في حق المجيز وبطلت في حق غيره، فإذا كان للموصي ابن وبنت وأوصى لزيد بنصف ماله قسمت التركة ثمانية عشر ونفذت في ثلثها وهو ستة، واحتاج الزائد وهو ثلاثة إلى إمضأ الابن والبنت، فإن أمضيا معا نفذت في تمامها، وإن أمضى الابن دون البنت نفذت في الاثنين وبطلت في واحد فكان للموصى له ثمانية، وإن أمضت البنت كان للموصى له سبعة. (مسألة 598) المدار في تقويم ماله ونفوذ وصيته بثلثه على قيمته عند وفاته لا عند الوصية، وكذا العين الموصى بها، فلو نقص ماله أو نقصت قيمته أو نقصت قيمة العين التي أوصى بها بعد الوصية حسب كل ذلك بقيمته عند
الوفاة. فلو أوصى بعين لزيد وكان مقدارها نصف ماله عند الوصية ولكن نقصت قيمتها أو زادت قيمة غيرها أو تجدد له مال آخر فصارت قيمتها عند موته ثلث ماله نفذت الوصية فيها جميعا، ولو كانت العين الموصى بها بمقدار الثلث عند الوصية لكن زادت عن ذلك عند الموت نفذت وصيته فيها بما يساوي الثلث واحتاج الباقي إلى إجازة الورثة.
[ 175 ]
وإذا أوصى بثلث ماله مثلا ثم تجدد له مال بعد الوصية وقبل وفاته فالحكم فيه يتبع ظاهر مراده، وظاهر المراد يختلف باختلاف الموارد، فإن ظهر مقصوده ولو بالقرينة فبها، وإلا فيكتفي بالاقل لانه المتيقن، والزائد محكوم بكونه ملكا للورثة. (مسألة 599) إجازة الوارث إمضأ وتنفيذ، فلا يكفي مجرد الرضا وطيب النفس من دون قول أو فعل يدلان على التنفيذ والامضأ. ولا يعتبر فيها الفورية. (مسألة 600) ما يملكه الميت بالموت كالدية، يحسب من التركة، بل وكذا ما يملكه بعد موته إذا أوجد الميت سببه قبل موته، كالذي يقع في شبكة نصبها في حياته، فيخرج منه الدين ووصاياه. (مسألة 601) للموصي تعيين ثلثه في عين مخصوصة من التركة، وله تفويض التعيين إلى الوصي فيتعين فيما عينه. ومع الاطلاق كما لو قال ثلث مالي لفلان كان شريكا مع الورثة بالاشاعة، فلا بد أن يكون الافراز والتعيين برضى الجميع كسائر الاموال المشتركة. (مسألة 602) إنما يحسب الثلث بعد إخراج ما يخرج من الاصل كالدين
والواجبات المالية، فإن بقي بعد ذلك شي يخرج ثلثه. (مسألة 603) إذا أوصى بوصايا متعددة غير متضادة، فإن كانت من نوع واحد كأن كانت كلها واجبات مالية أو واجبات بدنية كانت جميعها بمنزلة وصية واحدة فتنفذ جميعها من الاصل في الواجب المالي إن لم يوص بإخراجها من الثلث، أو لم يف بها وبسائر وصاياه. وتنفذ من الثلث في الواجب البدني فإن وفي الثلث بالجميع نفذت في الجميع، وكذا إذا زادت عليه وأجاز الورثة. أما إذا لم يجيزوا فيوزع النقص على الجميع بالنسبة إن لم يكن بينها ترتيب وتقديم وتأخير في الذكر، بأن أوصى بواجباته البدنية
[ 176 ]
مجموعها بوصية واحدة فلو أوصى بمقدار من الصوم ومقدار من الصلاة ولم يف الثلث بهما وكانت أجرة الصلاة ضعف أجرة الصوم، نقص من وصية الصلاة ضعف ما ينقص من وصية الصوم، كما إذا كانت التركة ثمانية عشر وأوصى بستة لاستئجار الصلاة ثم أوصى بثلاثة لاستئجار الصوم، فإن أجاز الورثة نفذت الوصيتان معا. وإن لم يجيزوا مطلقا نفذت في ثلاثة وتوزعت على الوصيتين بالنسبة فينقص من الوصية الاولى اثنان ومن الثانية واحد، فيصرف في الصلاة أربعة وفي الصوم اثنان. وأما إذا كان بينها ترتيب - بأن أوصى بالصلاة أولا ثم بالصوم - فيبدأ بالاول ثم الاول حتى يكمل الثلث. نعم في الواجبات المالية إن لم تكف التركة بمجموعها يوزع النقص على المجموع أوصى أم لم يوص، إلا في الحج فإنه يقدم على الواجبات المالية من أقرب ما يمكن، ثم يوزع البقية على غيره. أما إذا كانت وصاياه كلها تبرعية ولم يكن بينها ترتيب، كما إذا قال: أعطوا زيدا وعمروا وخالدا كلا منهم مائة كانت بمنزلة وصية واحدة، فإن
زادت على الثلث ولم يجز الورثة ورد النقص على الجميع بالنسبة. وإن كان بينها ترتيب وتقديم وتأخير في الذكر، كما إذا قال: أعطوا زيدا مائة، ثم قال: أعطوا عمروا مائة، ثم قال: أعطوا خالدا مائة، وكان المجموع أكثر من الثلث ولم يجز الورثة، يبدأ بالاول فالاول إلى أن يكمل الثلث، فإذا كان الثلث مائة نفذت الاولى ولغت الاخيرتان، وإن كان مائتين نفذت الاوليان ولغت الاخيرة، وإن كان مائة وخمسين نفذت الاولى كلها والثانية في نصف الموصى به، ولغت البواقي، وهكذا. (مسألة 604) إذا أوصى بوصايا مختلفة بالنوع، فأوصى مثلا أن يعطى مقدار معين خمسا وزكاة، ومقدار صوما وصلاة، ومقدار لاطعام الفقرأ، فإن أطلق ولم يذكر من أين تخرج يبدأ بالواجب المالي فيخرج من الاصل، فإذا بقي شي يخرج من ثلثه البدني والتبرعي فإن وفى بهما، أو لم يف وأجاز الورثة، نفذت في كليهما، فإن لم يف بهما ولم يجز الورثة الزيادة يقدم
[ 177 ]
الواجب البدني ويرد النقص على التبرعي. وإن أوصى أن تخرج من الثلث يعين الثلث، فيخرج منه المقدم ذكرا من الواجبات حتى يكمل الثلث، فإن بقي بعد ذلك واجب مالي أو شي منه يخرج من الاصل، وإن بقي واجب بدني لغت الوصية بالنسبة إليه، وكذلك تلغى بالنسبة إلى التبرعي ما لم يؤت بالواجبات. هذا إن كانت الوصايا مرتبة، وإلا فيلغى التبرعي ويوزع النقص على الجميع، ويكمل الواجب المالي من أصل التركة. (مسألة 605) إذا أوصى بوصايا متعددة متضادة، بأن كانت المتأخرة منافية للمتقدمة، كما لو أوصى بعين شخصية أو بثلث ماله لواحد ثم أوصى بها لاخر، يعمل باللاحقة. ولو أوصى بعين شخصية لواحد ثم أوصى بنصفها
مثلا لشخص آخر، فالظاهر كون الثانية عدولا بالنسبة إلى نصفها لا تمامها، فيبقى النصف الاخر للاول. (مسألة 606) إذا كان متعلق الوصية مشاعا من التركة كالثلث أو الربع مثلا، ملكه الموصى له بالموت والقبول وشارك الورثة في التركة من حين ما ملكه. هذا في الوصية التمليكية. وأما في الوصية العهدية، كما إذا أوصى بصرف ثلثه أو ربع تركته في العبادات والزيارات، فالموصى به فيها يبقى بحكم مال الميت ويكون للميت من كل شي ثلثه أو ربعه مثلا والباقي للورثة، وهذه الشركة باقية حتى يفرز الموصى به عن مال الورثة، فلو حصل نمأ متصل أو منفصل قبل القسمة كان بينهما، ولو تلف من التركة شي كان منهما. (مسألة 607) إذا أوصى بمال معين يساوي الثلث أو دونه فهو للموصى له ولا حاجة إلى إجازة الورثة، لكن إنما يستقر ملكية الموصى له أو الميت في تمام الموصى به إذا وصل إلى الوارث ضعف ما أوصى به، فإن كان ما عدا المال المعين للوصية غائبا توقف التصرف في تمامه على حصول المثلين بيد
[ 178 ]
الورثة لكون الغائب في معرض التلف، وأما التصرف في ثلثه فلا مانع منه إلا إذن الشركأ فيما يتوقف على إذنهم لا مثل البيع والصلح وأمثاله، فإذا لم يحصل بيدهم شي من المال الغائب شاركوا الموصى له في المال المعين أثلاثا، ثلث للموصى له وثلثان للورثة. (مسألة 608) يجوز للموصي أن يعين شخصا لتنجيز وصاياه وتنفيذها، فيتعين ويقال له (الموصى إليه أو الوصي) ويشترط فيه البلوغ والعقل والاسلام، فلا تصح وصاية الصغير ولا المجنون ولا الكافر عن المسلم وإن كان
ذميا قريبا، ولا يبعد كفاية الوثاقة فيه، وإن كان الاحوط أن يكون عادلا كما نسب إلى المشهور. (مسألة 609) لا بأس بوصاية الصغير منضما إلى الكامل، فيستقل الكامل بالتصرف إلى زمن بلوغ الصغير ولا ينتظر بلوغه، فإذا بلغ شاركه من حينه وليس له اعتراض فيما أمضاه الكامل سابقا إلا ما كان على خلاف ما أوصى به الميت فيرده إلى ما أوصى به، ولو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل، كان للكامل الانفراد بالوصاية وإن كان الاحوط الاستيذان من الحاكم الشرعي إلا مع العلم بكونه وصيا مستقلا في هذه الصورة. (مسألة 610) إذا طرأ الجنون على الوصي بعد موت الموصي، بطلت وصايته، ولو أفاق بعد ذلك لم تعد واحتاج إلى نصب جديد من الحاكم، إلا إذا صرح الموصي بوصايته بعد إفاقته. (مسألة 611) لا يجب على الموصى إليه قبول الوصية وله أن يردها ما دام الموصي حيا بشرط أن يبلغه الرد، فلو كان الرد بعد موت الموصي أو قبله ولكن لم يبلغه حتى مات، لم يكن لرده أثر وكانت الوصية لازمة عليه، بل لو لم يبلغه أنه جعله وصيا إلا بعد موت الموصي، لزمته الوصية وليس له ردها. نعم الاحوط للموصى إليه عدم الرد إذا لم يتمكن الموصي من نصب
[ 179 ]
غيره ولو بالاشارة. ولا ينبغي للولد أن يرد وصية أبيه ولو في حال حياته، بل يجب عليه القبول إذا أمره بذلك وكان رده ينجر إلى العقوق، وكذا الام إذا انجر رد وصيتها إلى العقوق. ولو رد الوصية في حياتهما وبلغهما ذلك، ولم يقبل حتى ماتا فليس بوصي، وإن كان آثما في رده. (مسألة 612) يجوز للموصي أن يجعل الوصاية لاثنين فما فوق، فإن
نص على الاستقلال والانفراد أو استظهر من كلامه ولو بمعونة القرائن فهو، وإلا فليس لكل منهما الاستقلال بالتصرف لا في جميع ما أوصى به ولا في بعضه، وليس لهما أن يقسما الثلث مثلا وينفرد كل منهما في نصفه، من غير فرق في ذلك بين أن يشترط عليهما الاجتماع أو يطلق، ولو تشاحا ولم يجتمعا أجبرهما الحاكم على الاجتماع، فإن تعذر نصب غيرهما. (مسألة 613) إذا كان الوصيان مستقلين فمات أحدهما أو طرأ عليه الجنون أو غيره مما يوجب ارتفاع وصايته، استقل الاخر ولا يحتاج إلى ضم شخص آخر من قبل الحاكم، وأما في غير استقلالهما فالاحوط بل الاقوى أن يضم الحاكم إليه شخصا آخر يعمل معه بالوصية مشتركا. نعم لو كانا مستقلين وماتا معا فعلى الحاكم أن ينصب بدلهما، والاقوى جواز كونه واحدا إذا كان كافيا، والاحوط نصب اثنين. (مسألة 614) يجوز أن يوصي إلى واحد في شي بعينه وإلى آخر في غيره، ولا يشارك أحدهما الاخر. (مسألة 615) إذا قال: أوصيت إلى زيد فإن مات فإلى عمرو، صح ويكونان وصيين، إلا أن وصاية عمرو موقوفة على موت زيد، وكذا لو قال: أوصيت إلى زيد فإن كبر ابني، أو تاب عن فسقه، أو اشتغل بالعلم فهو وصيي. (مسألة 616) إذا ظهرت خيانة الوصي فلا يبعد انعزاله بصدور الخيانة فينصب الحاكم شخصا آخر مكانه. أما إذا ظهر منه العجز، فيضم الحاكم إليه من يساعده إذا احتاج إلى المساعدة، وينصب مكانه إذا عجز رأسا.
[ 180 ]
(مسألة 617) إذا لم ينفذ الوصي ما أوصى إليه في زمن حياته، فليس له أن يجعل وصيا لتنفيذه بعد موته، إلا إذا كان مأذونا من الموصي في الايصأ.
(مسألة 618) الوصي أمين، فلا يضمن ما في يده إلا بالتعدي أو التفريط ولو بمخالفة الوصية، فيضمن حينئذ ما تلف فضلا عما أتلف. (مسألة 619) إذا أوصى إليه بعمل خاص أو قدر مخصوص أو كيفية خاصة، اقتصر عليه ولم يتجاوز عنه إلى غيره، وأما لو أطلق، بأن قال: أنت وصيي، من دون ذكر المتعلق، فالاقرب وقوعه لغوا إلا إذا كان هناك عرف خاص يدل على المراد فهو المتبع كما إذا كان متعارف بلدهم الولاية على أدأ ما عليه من الديون واستيفأ ماله على الناس، ورد الامانات والبضائع إلى أهلها وأخذها، وإخراج ثلثه وصرفه فيما ينفعه - ولو بنظر حاكم الشرع - من استيجار على العبادات وأدأ الحقوق والمظالم ونحوها. نعم في شمول مثل هذا الاطلاق للقيمومة على الاطفال إشكال، فالاحوط أن يكون تصدي الوصي لامورهم بإذن الحاكم، إلا إذا كان العرف يشملها، فإن العرف يختلف باختلاف الاعصار والامصار. (مسألة 620) ليس للوصي أن يعزل نفسه بعد موت الموصي ولا أن يفوض أمر الوصية إلى غيره. نعم له التوكيل في بعض الاعمال التي يكون الغرض وقوعها من أي مباشر كان، خصوصا إذا لم تجر العادة على مباشرة أمثال هذا الوصي ولم يشترط عليه المباشرة. (مسألة 621) إذا نسي الوصي مصرف الوصية صرف الموصى به في وجوه البر المحتملة أن تكون مصرفا له، لا فيما يقطع بخروجه عنه، هذا في غير المحصورة من المحتملات، وأما في المحصورة فلا بد من التراضي أو التصالح القهري أو القرعة. (مسألة 622) إذا أوصى الميت وصية عهدية ولم يعين وصيا ولم يوكلها إلى الورثة، أو بطلت وصاية من عينه بموت أو جنون وغير ذلك، تولى
[ 181 ]
الحاكم أمرها أو عين من يتولاه، ولو لم يكن الحاكم ولا منصوبه، تولاه من المؤمنين من يوثق به. (مسألة 623) يجوز للموصي أن يجعل ناظرا على الوصي، ووظيفته تابعة لجعل الموصي، فتارة لاجل الاستيثاق بوقوع ما أوصى به كما أوصى به فيجعل الناظر رقيبا على الوصي وتكون أعماله تحت علمه حتى إذا رأى منه خلاف ما قرره الموصي اعترض عليه، ولعل هذا هو الغالب في النظارة. وتارة لعدم الاطمئنان بصحة نظر الوصي والاطمئنان التام بنظر الناظر، فيجعل على الوصي أن تكون أعماله بنظر الناظر فيكون الوصي وليا مستقلا في التصرف لكنه غير مستقل في الرأي والنظر فلا يمضى من أعماله إلا ما وافق نظر الناظر، فلو استبد الوصي بالعمل بنظره دون مراجعة الناظر واطلاعه وكان عمله على طبق ما قرره الموصي فالظاهر صحة عمله ونفوذه على الاول دون الثاني. (مسألة 624) يجوز للاب مع عدم الجد وللجد للاب مع فقد الاب، جعل القيم على الصغار، ومعه لا ولاية للحاكم، وليس لغير الاب والجد للاب أن ينصب القيم عليهم حتى الام. (مسألة 625) يشترط في القيم على الاطفال ما يشترط في الوصي على المال، والقول باعتبار العدالة هنا لا يخلو من قوة، وإن كان الاكتفأ بالامانة ووجود المصلحة غير بعيد. (مسألة 626) إذا عين الموصي على القيم أن يتولى أمرا خاصا أو عين له تصرفا مخصوصا اقتصر عليه ويكون أمره في غيره إلى الحاكم أو المنصوب من قبله، فلو جعله قيما بالنسبة إلى حفظ أموال الصغير ونفقته، فليس له
الولاية على أمواله بالبيع والاجارة والمزارعة وغيرها، ولا على الصغير بالاجارة ونحوها، ولا على ديونه بالوفأ والاستيفأ.
[ 182 ]
ولو أطلق وقال: فلان قيم على أولادي مثلا، كان وليا على جميع ما يتعلق بهم مما كان للموصي الولاية عليه، فله الانفاق عليهم بالمعروف وحفظ أموالهم واستثمارها، واستيفأ ديونهم وإيفأ ما عليهم كأرش ما أتلفوا من أموال الناس، وكذا إخراج الحقوق المتعلقة بأموالهم وغير ذلك. نعم الاحوط لغير الاب والجد عدم تزويج الصغير والصغيرة إلا مع الضرورة. (مسألة 627) يجوز جعل الولاية على الاطفال لاثنين فما زاد، بالاستقلال والاشتراك، وجعل الناظر على الوصي، كالوصية بالمال. (مسألة 628) ينفق الوصي على الصبي من غير إسراف ولا تقتير، فيطعمه ويلبسه على عادة أمثاله ونظرائه، فإن أسرف ضمن الزيادة، ولو بلغ فأنكر أصل الانفاق أو ادعى عليه الاسراف فالقول قول الوصي بيمينه، وكذا لو ادعى عليه أنه باع ماله من غير حاجة ولا غبطة. نعم لو اختلفا في دفع المال إليه بعد البلوغ فادعاه الوصي وأنكره الصبي قدم قول الصبي إلا أن تكون عند الوصي بينة. (مسألة 629) يجوز للقيم الذي يتولى أمور اليتيم أن يأخذ من ماله أجرة مثل عمله، سوأ كان غنيا أو فقيرا، وإن كان الاحوط الاولى للاول التجنب. وأما الوصي على الاموال، فإن عين الموصي مقدار المال الموصى به وطبقه على مصرفه المعين المقدر بحيث لم يبق شيئا لاجرة الوصي، كما إذا أوصى بأن يصرف ثلثه أو عينا معينة من تركته أو مقدارا من المال كألف
درهم في استيجار عشرين سنة عبادة كل سنة كذا مقدارا وإطعام خمسين فقيرا بخمسين درهما، وتساوى المال الموصى به مع المصرف بحيث لو أراد أن يأخذ شيئا لنفسه لزم إما الزيادة عن المال الموصى به أو النقصان في مصرفه المعين فحينئذ لا يجوز له أن يأخذ الاجرة، ويكون مرجع هذه الوصية إلى أن يتولى ذلك تبرعا وبلا أجرة. كما أنه لو نص الموصي في وصيته على عدم الاجرة وقبل الوصي ذلك، لم يستحق شيئا.
[ 183 ]
وإن عين المال والمصرف على نحو قابل للزيادة والنقصان كما لو أوصى أن يصرف ثلثه أو مبلغ منه في تعمير المساجد ونشر الكتب، فيكون حال الوصي حال متولي الوقف في أنه لو لم يعين له جعلا معينا جاز له أن يأخذ أجرة مثل عمله. (مسألة 630) الوصية جائزة من طرف الموصي، فله أن يرجع عن وصيته ما دام فيه الروح وأن يبدلها من أصلها أو من بعض جهاتها وكيفياتها ومتعلقاتها، فله تبديل الموصى به كلا أو بعضا وتغيير الوصي والموصى له وغير ذلك، ولو رجع عن بعض الجهات يبقى غيرها بحالها، فلو أوصى بصرف ثلثه في مصارف مخصوصة وجعل الوصاية لزيد ثم بعد ذلك عدل عن وصاية زيد وجعل الوصاية لعمرو يبقى أصل الوصية على حاله. وكذا لو أوصى بصرف ثلثه في مصارف معينة على يد زيد ثم بعد ذلك عدل عن تلك المصارف وعين مصارف أخر، وهكذا. وكذلك له الرجوع في الوصية بالولاية على الاطفال. (مسألة 631) يتحقق الرجوع عن الوصية بالقول، وهو كل لفظ دال عليه بحسب متفاهم العرف بأي لغة كان، نحو (رجعت عن وصيتي أو أبطلتها أو
عدلت عنها أو نقضتها) ونحوها، وبالفعل وهو إما بإعدام موضوعها كإتلاف الموصى به، وكذا نقله إلى الغير بعقد لازم كالبيع أو جائز كالهبة مع القبض، وإما بما يعد عند العرف رجوعا وإن بقي الموصى به بحاله وفي ملكه، كما إذا وكل شخصا على بيعه أو وهبه ولم يقبضه بعد. (مسألة 632) إذا تمت الوصية تبقى على حالها ويعمل بها ما لم يرجع الموصي، وإن طالت المدة، وكانت الوصية عند السفر الطويل أو في حال المرض الشديد، ولو شك في الرجوع ولو بسبب الشك في كون لفظ أو فعل رجوعا، يحكم ببقائها وعدم الرجوع، ويستصحب بقاء الوصية السابقة ما لم يعلم أو لم يستظهر ولو بالقرائن أنها مقيدة بموته في ذلك السفر، ولم يعلم
[ 184 ]
رجوعه عنها. نعم لو كانت مقيدة بموته في سفر كذا أو في مرض كذا ولم يتفق موته في ذلك السفر أو في ذاك المرض، تبطل تلك الوصية ويحتاج إلى وصية جديدة. (مسألة 633) لا تثبت الوصية بالولاية سوأ كانت على المال أو على الاطفال إلا بشهادة عدلين من الرجال، ولا تقبل فيها شهادة النسأ لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال. وأما الوصية بالمال فهي كسائر الدعاوي المالية تثبت بشهادة رجلين عدلين وشاهد ويمين وشهادة رجل وامرأتين، وتمتاز من بين الدعاوي المالية بأمرين: أحدهما، أنها تثبت بشهادة النسأ منفردات بشرط عدالتهن ولو لم يكن أربع ولم تنضم اليمين، فيثبت ربع الوصية بواحدة ونصفها باثنتين وثلاثة أرباعها بثلاث وتمامها بأربع. ثانيهما، أنها تثبت بشهادة رجلين ذميين عدلين في دينهما عند الضرورة وعدم وجود عدول المسلمين،
ولا تقبل شهادة غير أهل الذمة من الكفار. (مسألة 634) إذا كان الورثة كبارا وأقروا كلهم بالوصية بالثلث وما دونه لوارث أو أجنبي، أو بأن يصرف على الفقرأ مثلا، تثبت في تمام الموصى به ويلزمون بالعمل أخذا بإقرارهم ولا يحتاج إلى بينة، وإذا أقر بها بعضهم دون بعض: فإن كان المقر اثنين عادلين ثبتت أيضا في الكل، وإلا ثبتت بالنسبة إلى حصة المقر خاصة أخذا بإقراره، وأما بالنسبة إلى حصة الباقين فيحتاج إلى البينة. نعم لو كان المقر بالتمام عدلا واحدا وكانت الوصية بالمال لشخص أو أشخاص كفى ضم يمين المقر له في إثبات التمام، بل لو كان المقر امرأة ثبتت في ربع حصة الباقين إن كانت واحدة وفي نصفها إن كانتا اثنتين وفي ثلاثة أرباعها إن كن ثلاثا وفي تمامها إن كن أربعا. وبالجملة بعدما كان المقر من الورثة شاهدا بالنسبة إلى حصة الباقين كان كالشاهد الاجنبي، فيثبت به ما يثبت به.
[ 185 ]
(مسألة 635) إذا أقر الوارث بأصل الوصية كان كالاجنبي، فليس له إنكار وصاية من يدعي الوصاية، ولا يسمع منه هذا الانكار كغيره. نعم لو كانت الوصية متعلقة بالقصر أو العناوين العامة كالفقرأ أو وجوه القرب كالمساجد والمشاهد، أو الميت نفسه كاستيجار العبادات والزيارات له ونحو ذلك، كان لكل من يعلم بكذب من يدعي الوصاية خصوصا إذا رأى منه الخيانة، الانكار عليه والترافع معه عند الحاكم من باب الحسبة، لكن الوارث والاجنبي في ذلك سيان. نعم لا يبعد أولوية الوارث واختصاص حق الدعوى به قبل غيره فيما إذا كانت الوصية متعلقة بأمور الميت. (مسألة 636) إذا تصرف الانسان في مرض موته، فإن كان تصرفه
معلقا على موته، كما إذا قال أعطوا فلانا بعد موتي كذا، أو هذا المال المعين أو ثلث مالي أو ربعه أو نصفه مثلا لفلان بعد موتي ونحو ذلك، فهو وصية، وقد عرفت أنها نافذة مع اجتماع الشرائط ما لم تزد على الثلث، وفي الزائد تتوقف على إجازة الورثة. وإن كان تصرفه منجزا، بمعنى كونه غير معلق على الموت وإن كان معلقا على أمر آخر، فإن لم يكن مشتملا على المجانية والمحاباة كبيع شي بثمن المثل وإجارة عين بأجرة المثل فهو نافذ بلا إشكال، وإن كان مشتملا على المجانية المحضة كالوقف والابرأ والهبة غير المعوضة، أو غير المحضة كالبيع بأقل من ثمن المثل والاجارة بأقل من أجرة المثل والهبة المعوضة بما دون القيمة وغير ذلك، فالاقوى في هذا الفرض أيضا نفوذه مطلقا، وعدم توقف ما زاد على الثلث على إمضأ الورثة. (مسألة 637) إذا جمع في مرض الموت بين عطية منجزة ومعلقة بالموت، فإن وفى الثلث بهما فلا إشكال في نفوذهما في تمام ما تعلقتا به، وإن لم يف بهما فالاقوى أن المنجزة تخرج من الاصل وتخرج المعلقة من ثلث ما بقي.
[ 186 ]
كتاب اليمين والنذر والعهد اليمين (مسألة 638) ويطلق على اليمين الحلف والقسم، وهي على ثلاثة أقسام: الاول: ما يقع تأكيدا للاخبار عما وقع في الماضي أو عن الواقع في الحال أو عما سيقع في الاستقبال من غير التزام بإيقاعه، كأن يقول: والله جأ زيد بالامس، أو: هو في الدار، أو: سيجي. الثاني: يمين المناشدة، وهي ما يقصد به الطلب وحث المسؤول على إعطأ المطلوب، كقول السائل: أسألك بالله أن تعطيني كذا.
الثالث: يمين العقد، وهي ما يقع تأكيدا لما التزم به من إيقاع أمر أو تركه في المستقبل، كقوله: والله لاصومن أو لا تركن شرب الدخان مثلا. أما القسم الاول فلا ينعقد ولا يترتب عليه شي سوى الاثم إذا كان كاذبا في إخباره وعامدا، وكذا لا ينعقد القسم الثاني ولا يترتب شي على مخالفته، لا على الحالف ولا على المحلوف عليه. وأما القسم الثالث فهو الذي ينعقد عند اجتماع الشرائط الاتية، ويجب الوفأ به ويحرم حنثه وتترتب عليه الكفارة. (مسألة 639) لا تنعقد اليمين إلا باللفظ أو ما يقوم مقامه كإشارة الاخرس، وفي انعقادها بالكتابة للقادر على التكلم إشكال، وأما العاجز فلا يترك الاحتياط بالبر في اليمين بالكتابة، والكفارة مع الحنث، والظاهر أنه لا تعتبر فيها العربية، خصوصا في متعلقاتها.
[ 188 ]
(مسألة 640) لا تنعقد اليمين إلا إذا كان المقسم به هو الله جل شأنه، إما بذكر اسمه العلم المختص به كلفظ الجلالة ويلحق به ما لا يطلق على غيره كالرحمن، أو بذكر الاوصاف والافعال المختصة به التي لا يشاركه فيها غيره كقوله: ومقلب القلوب والابصار، والذي نفسي بيده، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وأشباه ذلك، أو بذكر الاوصاف والافعال المشتركة التي تطلق في حقه تعالى وفي حق غيره، لكن الغالب إطلاقها في حقه بحيث ينصرف إطلاقها إليه كقوله: والرب، والخالق، والباري، والرازق، والرحيم. وفي انعقادها بما لا ينصرف إطلاقه إليه كالموجود والحي والسميع والبصير والقادر وإن نوى بها الحلف بذاته المقدسة إشكال، فلا يترك الاحتياط. (مسألة 641) المعتبر في انعقاد اليمين أن يكون الحلف بالله تعالى لا بغيره،
فكلما صدق عرفا أنه قد حلف به تعالى انعقدت اليمين به. والظاهر صدق ذلك بأن يقول: وحق الله، وبجلال الله، وعظمة الله، وكبريأ الله، بل وبقوله: لعمر الله، بل وبقوله: وقدرة الله، وعلم الله على الاحوط. (مسألة 642) لا يعتبر في انعقادها أن يكون إنشأ القسم بحروفه، بأن يقول: والله أو بالله أو تالله لافعلن، بل لو أنشأه بصيغتي القسم والحلف كقوله: أقسمت بالله أو حلفت بالله، انعقدت أيضا. نعم لا يكفي لفظي أقسمت وحلفت بدون لفظ الجلالة أو ما هو بمنزلته. (مسألة 643) لا تنعقد اليمين بالحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام وسائر النفوس المقدسة المعظمة، ولا بالقرآن الشريف، ولا بالكعبة المشرفة وسائر الامكنة الشريفة المحترمة. (مسألة 644) لا تنعقد اليمين بالطلاق، بأن يقول: زوجتي طالق إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا، فلا تؤثر مثل هذه اليمين لا في حصول الطلاق بالحنث ولا في ترتب إثم أو كفارة عليه.
[ 189 ]
وكذا اليمين بالبرأة من الله أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو من دينه أو من الائمة، بأن يقول مثلا: برئت من الله أو من دين الاسلام إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا، فلا تؤثر في ترتب الاثم أو الكفارة على حنثه. نعم هذه اليمين بنفسها حرام ويأثم حالفها، من غير فرق بين الصدق والكذب والحنث وعدمه، ففي خبر يونس بن ظبيان عن الصادق عليه السلام أنه قال: يا يونس لا تحلف بالبرأة منا، فإن من حلف بالبرأة منا صادقا أو كاذبا بري منا. وفي خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع رجلا يقول: أنا
بري من دين محمد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ويلك إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون. قال: فما كلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات. بل ينبغي مراعاة الاحتياط وتكفير الحالف إذا حنث بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر الله تعالى شأنه. ومثل اليمين بالبرأة في عدم الانعقاد أن يقول: إن لم أفعل كذا أو لم أترك فأنا يهودي أو نصراني مثلا، وأما في الاثم والكفارة فعلى الاحوط. (مسألة 645) لو علق اليمين على مشيئة الله تعالى، بأن قال: والله لافعلن كذا إن شأ الله، وكان المقصود التعليق على مشيته تعالى لا مجرد التبرك بهذه الكلمة، لم تنعقد اليمين، لكن الاحوط الاولى ترتيب أثر انعقادها إذا كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام. أما إذا علق على مشيئة غير الله تعالى بأن قال: والله لافعلن كذا إن شأ زيد مثلا، فإنها تنعقد على تقدير مشيئته، فإن قال زيد: شئت أن تفعل كذا، انعقدت وتحقق الحنث بتركها، وإن قال: لم أشأ لم تنعقد، وكذا لو لم يعلم أنه شأ أو لم يشأ. وكذا الحكم إذا علق على شي آخر غير المشيئة، فإنها تنعقد على تقدير حصول المعلق عليه ويحنث إذا لم يأت بالمحلوف عليه. (مسألة 646) يعتبر في الحالف البلوغ والعقل والاختيار والقصد، فلا تنعقد يمين الصغير، والمجنون مطبقا أو أدواريا حال جنونه ولا المكره ولا السكران، بل ولا الغضبان في شدة الغضب السالب للقصد.
[ 190 ]
(مسألة 647) الاقوى أنه يشترط في انعقاد يمين الولد إذن الوالد، وفي يمين الزوجة إذن الزوج، إلا أن يكون المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام، فلو حلفا على مباح بدون إطلاع الوالد والزوج لم تنعقد اليمين من
أصلها، والاحوط (إستحبابا) العمل باليمين ما لم يمنعا منها أو يحلاها. (مسألة 648) تنعقد اليمين إذا تعلقت بفعل واجب أو مستحب أو بترك حرام أو مكروه، ولا تنعقد إذا تعلقت بترك واجب أو مستحب أو بفعل حرام أو مكروه. أما المباح المتساوي الطرفين في نظر الشرع، فإن ترجح فعله على تركه بحسب المنافع والاغراض العقلائية الدنيوية أو العكس فلا إشكال في انعقادها إذا تعلقت بطرفه الراجح وعدم انعقادها إذا تعلقت بطرفه المرجوح. وأما إذا تساوى طرفاه بحسب الدنيا أيضا وتعلقت به اليمين فعلا أو تركا، فالاشهر والاحوط انعقادها، وهو لا يخلو من قوة. (مسألة 649) إذا تعلقت اليمين براجح ثم صار مرجوحا، انحلت، ولو عاد إلى الرجحان لم تعد اليمين بعد انحلالها على الاقوى ولكن ينبغي الاحتياط إذا عادت إلى الرجحان. (مسألة 650) إنما تنعقد اليمين على المقدور دون غيره، ولو كان مقدورا ثم طرأ العجز عنه بعد اليمين بالمرة وكان العجز غير مستند إليه ولو بتسامحه في الاتيان به عند ظن طرو العجز، انحلت اليمين، ويلحق بالعجز العسر والحرج الرافعان للتكليف. (مسألة 651) إذا انعقدت اليمين وجب الوفأ بها وحرمت مخالفتها، ووجبت الكفارة بحنثها. والحنث الموجب للكفارة هو المخالفة عمدا، فلو خالفها جهلا بالموضوع أو نسيانا أو اضطرارا أو إكراها، فلا حنث ولا كفارة.
[ 191 ]
(مسألة 652) إذا كان متعلق اليمين فعلا كالصلاة والصوم، فإن عين له وقتا تعين، ويتحقق الحنث بعدم الاتيان به في وقته، ولو أتى به في وقت آخر. وإن أطلق ولم يعين له وقتا، كان الحنث بتركه بالمرة والوفأ بإيجاده في
أي وقت كان ولو مرة واحدة. ولا يجب التكرار ولا الفور. ويجوز له تأخيره ولو اختيارا إلى أن يظن فواته لظن طرو العجز أو عروض الموت. وإن كان متعلقها الترك، كما إذا حلف أن لا يأكل الثوم أو لا يشرب الدخان، فإن قيده بزمان كان حنثها بفعله ولو مرة في ذلك الزمان، وإن أطلق كان مقتضاه التأبيد مدة العمر، فلو أتى به ولو مرة في أي زمان، تحقق الحنث. (مسألة 653) إذا كان المحلوف عليه عملا كصوم يوم، سوأ كان مقيدا بزمان كصوم يوم من شعبان أو مطلقا من حيث الزمان، لم يكن له إلا حنث واحد، فلا تتكرر فيه الكفارة، إذ مع الاتيان به في الوقت المعين أو مدة العمر يتحقق الوفأ، ومع تركه في ذلك الوقت أو بالمرة يتحقق الحنث. وكذلك إذا كان المحلوف عليه ترك عمل على الاطلاق، سوأ كان مقيدا بزمان كما إذا حلف على ترك شرب الدخان في يوم الجمعة، أو غير مقيد به كما إذا حلف على تركه مطلقا، لان الوفأ بهذه اليمين يكون بترك ذلك العمل بالمرة، وحنثها بفعله أول مرة، ولا يتكرر الحنث والكفارة في المرات التالية. لكن إذا حلف على أن يصوم كل خميس أو أن لا يأكل الثوم في كل جمعة مثلا، فالاقوى أنه يتكرر الحنث والكفارة إذا ترك الصوم في أكثر من يوم خميس أو أكل الثوم في أكثر من جمعة واحدة لان ظاهر كل خميس أو جمعة الاستغراق، ومعه ينحل اليمين إلى الايمان. (مسألة 654) كفارة اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام. وسيجي بعض أحكامها في كتاب الكفارات إن شأ الله تعالى.
[ 192 ]
(مسألة 655) الايمان الصادقة كلها مكروهة ولو كانت على المستقبل، وتتأكد الكراهة على الماضي. ففي خبر الخزاز عن مولانا الصادق عليه السلام: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فإنه يقول عزوجل (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) وفي خبر ابن سنان عنه عليه السلام: اجتمع الحواريون إلى عيسى على نبينا وآله وعليه السلام فقالوا: يا معلم الخير أرشدنا، فقال لهم: إن موسى نبي الله أمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين، وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين. نعم لو قصد بها رفع مظلمة عن نفسه أو عن غيره من إخوانه، جازت بلا كراهة ولو كذبا. ففي خبر زرارة عن الباقر عليه السلام: إنا نمر بالمال على العشارين فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك؟ فقال: إحلف لهم، فهو أحلى من التمر والزبد. بل ربما تجب اليمين الكاذبة لدفع ظالم عن نفسه أو عرضه أو عن نفس مؤمن أو عرضه، لكن إذا كان ملتفتا إلى التورية ويحسنها فالاحوط إن لم يكن أقوى أن يوري، بأن يقصد باللفظ خلاف ظاهره من دون قرينة مفهمة. (مسألة 656) الاقوى أنه يجوز الحلف بغير الله تعالى في الماضي والمستقبل وإن لم يترتب على مخالفته إثم ولا كفارة، كما أنه ليس قسما فاصلا في الدعاوي والمرافعات. النذر (مسألة 657) النذر هو الالتزام بعمل لله تعالى على نحو مخصوص. ولا ينعقد بمجرد النية، بل لا بد من الصيغة، وهي كل ما أفاد إنشأ الالتزام بفعل أو ترك لله تعالى، كأن يقول: لله علي أن أصوم، أو أن أترك شرب الخمر، مثلا. والظاهر أنه يكفي غير لفظة (لله) من أسمائه المختصة به تبارك
[ 193 ]
وتعالى كما تقدم في اليمين، فكل ما دل على الالتزام بعمل لله جل شأنه يكفي في الانعقاد، بل لا يبعد انعقاده بما يرادف القول المذكور من أي لغة، خصوصا لمن لم يحسن العربية. نعم لو اقتصر على قوله: علي كذا، لم ينعقد النذر وإن نوى في ضميره معنى لله، ولو قال: نذرت لله أن أصوم مثلا أو لله على نذر صوم يوم مثلا، لم ينعقد على إشكال، فلا يترك الاحتياط. (مسألة 658) يشترط في الناذر البلوغ والعقل والاختيار والقصد وانتفأ الحجر في متعلق النذر، فلا ينعقد نذر الصبي وإن كان مميزا وبلغ عشرا، ولا المجنون ولو أدواريا حال جنونه، ولا المكره ولا السكران، بل ولا الغضبان غضبا رافعا للقصد، وكذا السفيه إن كان المنذور مالا ولو في ذمته، والمفلس إن كان المنذور من المال الذي حجر عليه وتعلق به حق الغرمأ. (مسألة 659) لا يصح نذر الزوجة بدون إذن الزوج، حتى لو كان متعلقا بمالها ولم يكن العمل به مانعا عن حق الاستمتاع. ولو أذن لها في النذر فنذرت انعقد وليس له بعد ذلك حله ولا المنع عن الوفأ به. والاقوى أن نذر الولد ينعقد بدون إذن الوالد ولكن له حله بأن ينهى عن المنذور لا بما هو منذور، فيصير مرجوحا وينحل النذر إلا في فعل الواجب وترك الحرام. (مسألة 660) النذر: إما نذر بر، ويقال له: نذر المجازاة وهو ما علق على أمر إما شكرا لنعمة دنيوية أو أخروية، كأن يقول: إن رزقت ولدا، أو إن وفقت لزيارة بيت الله فلله على كذا. وإما استدفاعا لبلية، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله على كذا. وإما نذر زجر، وهو ما علق على فعل حرام أو
مكروه زجرا للنفس عن ارتكابهما مثل أن يقول: إن تعمدت الكذب أو أكلت باليسرى فلله على كذا، أو على ترك واجب أو مستحب زجرا لها عن
[ 194 ]
تركهما، مثل أن يقول: إن تركت فريضة أو نافلة الليل فلله على كذا. وإما نذر تبرع، وهو ما كان مطلقا ولم يعلق على شي، كأن يقول: لله على أن أصوم غدا. ولا إشكال في انعقاد النوعين الاولين، والاقوى انعقاد الاخير أيضا. (مسألة 661) يشترط في متعلق النذر، سوأ كان معلقا أو تبرعا، أن يكون مقدورا للناذر، وأن يكون طاعة لله تعالى صلاة أو صوما أو حجا أو صدقة أو عتقا ونحوها مما يعتبر في صحتها القربة، أو أمرا ندب إليه الشرع ويصح التقرب به كزيارة المؤمنين وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وغيرها، فينعقد في كل واجب ولو كفائيا كتجهيز الموتى أو مندوب إذا تعلق بفعلهما، وينعقد في كل حرام أو مكروه إذا تعلق بتركهما. أما المباح، كما إذا نذر أكل طعام أو تركه، فإن قصد به معنى راجحا كما لو قصد بأكله التقوي على العبادة أو بتركه منع النفس عن الشهوة، فلا إشكال في انعقاده، كما لا إشكال في عدم الانعقاد إذا صار متعلق النذر فعلا أو تركا مرجوحا ولو دنيويا، بسبب اقترانه ببعض العوارض. أما إذا لم يقصد به معنى راجحا ولم يطرأ عليه ما يوجب رجحانه أو مرجوحيته، فالظاهر عدم انعقاد النذر به. (مسألة 662) المعلق عليه في نذر الشكر إما أن يكون من فعل الناذر أو من فعل غيره أو من فعل الله تعالى، ولا بد أن يكون في الجميع أمرا صالحا لان يشكر عليه حتى يقع المنذور مجازاة له، فإن كان من فعل الناذر فلا بد أن يكون طاعة لله تعالى من فعل واجب أو مندوب أو ترك حرام أو مكروه،
مثل أن يقول: إن حججت في هذه السنة أو زرت زيارة عرفة أو إن تركت الكبائر أو المكروه الفلاني في شهر رمضان، فلله على أن أصوم شهرا، فلو علق النذر شكرا على ترك واجب أو مندوب أو فعل حرام أو مكروه، لم ينعقد. وإن كان من فعل غيره، فلا بد أن يكون مما فيه منفعة دينية أو دنيوية
[ 195 ]
للناذر، صالحة لان يشكر عليها شرعا أو عرفا، مثل أن يقول: إن أقبل الناس على الطاعات فلله على كذا أو يقول: إن قدم مسافري، أو إن لم يقدم عدوي ومن يؤذيني فلله على كذا. فإن كان على عكس ذلك مثل أن يقول: إن تجاهر الناس على المعاصي أو شاع بينهم المنكرات، فلله على صوم شهر مثلا، لم ينعقد. وإن كان من فعله تعالى لزم أن يكون أمرا يسوغ تمنيه ويحسن طلبه منه تعالى كشفأ مريض أو اهلاك عدو ديني أو أمن في البلاد أو سعة على العباد ونحو ذلك، فلا ينعقد إن كان على عكس ذلك، كما إذا قال: إن أهلك الله هذا المؤمن الصالح، أو إن شفى الله هذا الكافر الطالح، أو قال: إن وقع القحط في البلاد، أو شمل الخوف على العباد فلله على كذا. وأما نذر الزجر فلا بد أن يكون الشرط والمعلق عليه فعلا أو تركا اختياريا للناذر صالحا لان ينزجر عنه حتى يقع النذر زاجرا عنه، كفعل حرام أو مكروه كأن يقول: إن تعمدت الكذب، أو تعمدت الضحك في المقابر مثلا فلله على كذا، أو ترك واجب أو مندوب كأن يقول: إن تركت الصلاة أو نافلة الليل فلله على كذا. (مسألة 663) إذا كان الشرط فعلا اختياريا للناذر فالنذر المعلق عليه قابل لان يكون نذر شكر ونذر زجر، والفرق بينهما بالنية، مثلا إذا قال: إن
شربت الخمر فلله على كذا، إن كان لغرض زجر النفس وصرفها عن الشرب فهو نذر زجر فينعقد، وإن كان لتنشيط النفس وترغيبها وكان المنذور جزأا لفعل ذلك كان نذر شكر، فلا ينعقد. (مسألة 664) إذا نذر صلاة أو صوما أو صدقة في زمان معين تعين، وكذا لو نذرها في مكان فيه رجحان فلا يجزي في غيره وإن كان أفضل. وأما لو نذرها في مكان ليس فيه رجحان فالاقوى انعقاده إذا تعلق النذر بالاتيان بهذا الفرد من الصلاة.
[ 196 ]
ولو نذر إيقاع بعض فرائضه أو بعض نوافله الراتبة في مكان أو بلد لا رجحان فيه، ولم يتعلق النذر بأصل الصلاة والصيام بل تعلق بإيقاعهما في المكان الخاص، فالظاهر عدم انعقاد النذر إلا إذا طرأ عليه عنوان راجح عند العمل وكان معلوما له عند النذر، مثل كون المكان أفرغ للعبادة أو أبعد عن الريأ ونحو ذلك. (مسألة 665) إذا نذر صوما ولم يعين العدد كفى صوم يوم، وإذا نذر صلاة ولم يعين الكيفية والكمية يكفي ركعتان ولا يكفي ركعة على الاقوى إن كان المنذور غير الرواتب وإلا فلا يبعد كفاية مفردة الوتر. نعم في كفاية ركعة الاحتياط تأمل. ولو نذر صدقة ولم يعين جنسها ومقدارها كفى أقل ما يتناوله الاسم، ولو نذر أن يفعل قربة أتى بعمل قربي ويكفي صيام يوم أو التصدق بشي أو صلاة، ولو مفردة الوتر، وغير ذلك. (مسألة 666) إذا نذر صوم عشرة أيام مثلا، فإن قيد بالتتابع أو التفريق تعين، وإلا تخير بينهما. ولو نذر صوم شهر لم يبعد ظهوره في التتابع،
ويكفي ما بين الهلالين من الشهر ولو ناقصا، وله أن يشرع فيه في أثنأ الشهر، وحينئذ فالاظهر كفاية التلفيق بأن يكمل من الشهر الثاني مقدار ما مضى من الشهر الاول، والاحوط إكمال ثلاثين يوما. ولو نذر صوم سنة فالظاهر عدم الفرق بينه وبين الشهر في وجوب التتابع، نعم لو نذر صوم اثني عشر شهرا فالظاهر أنه يكفي الاتيان به متفرقا. (مسألة 667) إذا نذر صيام سنة معينة، استثني منها العيدان فيفطر فيهما ولا قضأ عليه. وكذا يفطر في الايام التي عرض له فيها ما لا يجوز معه الصيام من مرض أو حيض أو نفاس أو سفر، لكن يحب القضأ على الاقوى. نعم إذا نذر الصوم سفرا وحضرا، فله أن يسافر ويصوم في السفر.
[ 197 ]
(مسألة 668) إذا نذر صوم كل خميس مثلا فصادف بعضها أحد العيدين أو طرأ فيها أحد العوارض المبيحة للافطار من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس، أفطر، ويجب عليه القضأ حتى في الاول على الاقوى. (مسألة 669) إذا نذر صوم يوم معين فأفطر عمدا يجب قضاؤه مع الكفارة. (مسألة 670) إذا نذر صوم يوم معين جاز له السفر وإن كان غير ضروري، ويفطر ثم يقضيه ولا كفارة عليه. (مسألة 671) إذا نذر زيارة أحد من الائمة عليهم السلام أو بعض الصالحين لزم، ويكفي الحضور والسلام على المزور، والظاهر عدم وجوب غسل الزيارة وصلاتها مع الاطلاق وعدم ذكرهما في النذر. وإن عين إماما لم يجز غيره وان كانت زيارته أفضل. كما أنه لو عجز عن زيارة من عينه لم يجب زيارة غيره بدلا عنه. وإن عين زمان الزيارة تعين، فلو تركها في وقتها عامدا
حنث وتجب الكفارة، والاحوط القضأ أيضا. (مسألة 672) إذا نذر أن يحج أو يزور الحسين عليه السلام ماشيا، انعقد مع القدرة وعدم الضرر، فلو حج أو زار راكبا مع القدرة على المشي فإن كان النذر مطلقا ولم يعين له وقتا أعاده ماشيا، وإن عين وقتا وفات الوقت حنث ولزمته الكفارة، والاقوى وجوب القضأ أيضا، وكذا الحكم لو ركب بعض الطريق ومشى بعضه. (مسألة 673) ليس لمن نذر الحج أو الزيارة ماشيا أن يركب البحر أو يسلك طريقا يحتاج إلى ركوب السفينة ونحوها ولو لاجل العبور ونحوه، ولو انحصر الطريق في البحر فإن كان كذلك من أول الامر لم ينعقد النذر، وإن طرأ ذلك بعد النذر فإن كان النذر مطلقا وتوقع التمكن من طريق البر فيما بعد انتظر، وإن كان نذره معينا أو مطلقا ويئس من إمكان السفر في البر سقط عنه ولا شي عليه.
[ 198 ]
(مسألة 674) من نذر الحج أو الزيارة ماشيا إذا طرأ عليه العجز في بعض الطريق دون البعض، فالاحوط إن لم يكن أقوى أن يمشي مقدار ما يستطيع ويركب في الباقي ولا شي عليه، ولو اضطر إلى ركوب السفينة فالاحوط إن لم يكن أقوى أن يقف فيها بقدر الامكان. (مسألة 675) إذا نذر التصدق بعين شخصية تعينت، ولا يجزي مثلها أو قيمتها مع وجودها، وإن تلفت بغير إتلاف منه انحل نذره ولا شي عليه وإن تلفت بإتلاف منه ضمنها بالمثل أو القيمة، فيتصدق ببدلها بل يكفر أيضا على الاقوى. (مسألة 676) إذا نذر الصدقة على شخص معين لزم، ولا يسقط عن
الناذر بإبرأ المنذور له. والظاهر أنه لا يلزم على المنذور له القبول، فإذا امتنع عن قبوله امتناعا دائما، انحل النذر، ولو امتنع ثم رجع إلى القبول في وقت العمل بالنذر فالاقوى وجوب العمل به. وكذا إذا امتنع بعد انقضأ وقت العمل على الاحوط. ولو مات الناذر قبل أن يفي بالنذر يخرج من أصل تركته، وكذا كل نذر تعلق بالمال كسائر الواجبات المالية. ولو نذر أن يكون مال معين صدقة على فلان بنحو نذر النتيجة، فمات قبل قبضه، فالاقوى قيام وارثه مقامه. (مسألة 677) إذا نذر شيئا لمشهد من المشاهد المشرفة، صرفه في مصالحه كتعميره وضيائه وطيبه وفرشه وقوامه وخدامه ونحو ذلك، وإن استغنى عن ذلك ففي معونة زواره. وأما لو نذر شيئا للامام أو بعض أولاد الائمة كما لو نذر شيئا لامير المؤمنين أو الحسين أو العباس عليهم السلام، فالظاهر أن المراد صرفه في سبل الخير بقصد رجوع ثوابه إليهم، من غير فرق بين الصدقة على المساكين وإعانة الزائرين ونحوهما من وجوه الخير كبنأ مسجد أو قنطرة، وإن كان الاحوط الاقتصار على معونة زوارهم وصلة من يلوذ بهم من المجاورين المحتاجين والصلحأ من خدام مشاهدهم والمقيمين مجالس
[ 199 ]
تعازيهم. هذا إذا كان النذر مطلقا ولم يقصد الناذر جهة خاصة ولو بسبب انصراف النذر إليها فإنه حينئذ يقتصر عليها. (مسألة 678) إذا عين شاة للصدقة أو لاحد الائمة أو المشاهد يتبعها نماؤها المتصل كالسمن، وأما المنفصل كالنتاج واللبن، فالظاهر أنه ملك للناذر، إلا إذا نذرها بنحو نذر النتيجة فيتبعها نماؤها. (مسألة 679) إذا نذر التصدق بجميع ما يملكه لزم ذلك، فإن شق عليه
قوم الجميع بقيمة عادلة على ذمته وتصرف في أمواله كما يشأ ثم يتصدق عما في ذمته شيئا فشيئا ويحسب منها ما يعطي إلى الفقرأ والمساكين وأرحامه المحتاجين، حتى يوفي تمام ما عليه، فإن بقي منه شي أوصى بأن يؤدى من تركته. (مسألة 680) إذا عجز الناذر عن المنذور في وقته إذا كان موقتا، أو عجز عنه مطلقا إذا كان مطلقا، انحل نذره ولا شي عليه. نعم لو كان صوما فعجز عنه تصدق عن كل يوم بمد من طعام على الاحوط الاولى، وأحوط منه التصدق بمدين. (مسألة 681) النذر كاليمين قد يكون معينا كما إذا تعلق بإيجاد عمل من صوم أو صلاة أو صدقة أو غيرها وعين له وقتا، فيتحقق الحنث وتجب الكفارة بتركه في ذلك الوقت، فإن كان صوما أو صلاة يجب قضاؤه أيضا على الاقوى بل وإن كان غيرهما أيضا على الاحوط. وقد يكون مطلقا فيكون وقته العمر ويجوز له التأخير إلى أن يظن بالوفاة فيتضيق، ويتحقق الحنث بتركه مدة حياته. وإذا كان المنذور ترك شي فإن عين له وقتا كان حنثه بإيجاده فيه، وإن كان مطلقا كان حنثه بإيجاده في حياته ولو مرة وحينئذ ينحل النذر، كما مر في اليمين، إلا إذا نذر ترك جميع الافراد بنحو الاستغراق فإنه يتكرر الحنث والكفارة بتكرر الافراد.
[ 200 ]
(مسألة 682) إنما يتحقق الحنث الموجب للكفارة بمخالفة النذر اختيارا، فلو أتى بشي تعلق النذر بتركه نسيانا أو جهلا بالموضوع أو اضطرارا، لم يترتب عليه شي. بل الظاهر عدم انحلال النذر به، فيجب الترك بعد ارتفاع
العذر لو كان النذر مطلقا أو مؤقتا وقد بقي الوقت. (مسألة 683) إذا نذر: إن برئ مريضه أو قدم مسافره أن يصوم يوما مثلا، فبان أن المريض بري أو أن المسافر قدم قبل النذر، لم يجب عليه وفاؤه. (مسألة 684) كفارة حنث النذر ككفارة من أفطر في شهر رمضان على الاقوى، وستجي في كتاب الكفارات إن شأ الله تعالى. العهد العهد (مسألة 685) لا ينعقد العهد بمجرد النية بل يحتاج إلى الصيغة على الاقوى، بأن يقول: عاهدت الله أو علي عهد الله، ويقع مطلقا ومعلقا على شرط كالنذر، وإذا كان مشروطا فالظاهر أنه أن يعتبر فيه ما اعتبر في النذر المشروط. ويعتبر فيما عاهد عليه أن لا يكون مرجوحا دينا أو دنيا كاليمين، ولا يعتبر فيه الرجحان فضلا عن كونه طاعة كما اعتبر ذلك في النذر، فلو عاهد على فعل مباح لزم كاليمين. نعم إذا عاهد على فعل كان تركه أرجح أو على ترك أمر كان فعله أولى ولو من جهة الدنيا لم ينعقد عهده. ولو لم يكن من أول الامر كذلك ثم طرأ عليه ذلك، انحل إذا لم يترقب زوال عنوان المرجوحية ولم يتسامح في العمل بعهده قبل طرؤ تلك الحالة، خصوصا إذا كان في معرض ذلك، وإلا وجبت عليه الكفارة. (مسألة 686) مخالفة العهد بعد انعقاده توجب الكفارة، والاظهر أن كفارته كفارة من أفطر في شهر رمضان، كما ستجي في الكفارات. كتاب الكفارات
[ 201 ]
كتاب الكفارات (مسألة 687) الكفارة على أقسام: مرتبة، ومخيرة، وما اجتمع فيه الامران، وكفارة الجمع. أما المرتبة فهي ثلاث: كفارة الظهار، وكفارة قتل الخطأ يجب فيهما العتق، فإن عجز فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا. وكفارة من أفطر يوما من قضأ شهر رمضان بعد الزوال، وهي إطعام عشرة مساكين، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات، وإن كانت المتتابعات أحوط. وأما المخيرة فهي خمس: كفارة من أفطر في شهر رمضان كما مر في كتاب الصوم، وكفارة حنث العهد، وكفارة حنث النذر، وكفارة جز المرأة شعرها في المصاب، وكذا كفارة الاعتكاف على الاقوى، وإن كان الاحوط فيها الترتيب. والكفارة المخيرة هي العتق أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا بينها على الاظهر. وأما ما اجتمع فيه الامران فهي: كفارة حنث اليمين، وكفارة نتف المرأة شعرها وخدش وجهها في المصاب، وشق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته، فيجب في جميع ذلك عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم مخيرا بينها، فإن عجز عن الجميع صام ثلاثة أيام. وأما كفارة الجمع فهي كفارة قتل المؤمن عمدا وظلما، وكفارة الافطار في
[ 202 ]
شهر رمضان بالمحرم على الاقوى، وهي عتق رقبة مع صيام شهرين متتابعين مع إطعام ستين مسكينا.
(مسألة 688) لا فرق في جز المرأة شعرها بين جز تمام شعر رأسها، وجز بعضه بنحو يصدق عرفا أنها قد جزت شعرها، ولا فرق بين كونه في مصاب زوجها ومصاب غيره، وبين القريب والبعيد، وإلحاق الحلق والاحراق بالجز بعيد، وإن كان الاحتياط فيهما حسنا. (مسألة 689) يكفي في خدش الوجه مسماه. نعم الظاهر أنه يعتبر فيه الادمأ، ولا عبرة بخدش غير الوجه ولو مع الادمأ، ولا بشق ثوبها وإن كان على ولدها أو زوجها، كما لا عبرة بخدش الرجل وجهه ولا بجز شعره ولا بشق ثوبه على غير ولده وزوجته. نعم لا فرق في الولد بين الذكر والانثى، وفي شموله لولد الولد خصوصا ولد البنت إشكال فلا يترك الاحتياط. ولا يبعد شمول الزوجة لغير الدائمة، خصوصا لمن كانت مدتها طويلة كتسعين سنة. أحكام الكفارات (مسألة 690) يعتبر في الخصال الثلاث - العتق والصيام والاطعام - نية القربة فيها وأنها كفارة، وأن يعين نوعها إذا كان عليه أنواع متعددة كأن يكون عليه كفارة إفطار وكفارة يمين مثلا. نعم في المتعدد من نوع واحد يكفي قصد النوع ولا يحتاج إلى تعيين آخر، فلو أفطر أياما من شهر رمضان من سنة أو سنين متعددة، وصام شهرين بنية كفارة الافطار، كفى وإن لم يعين اليوم الذي أفطر فيه. وإذا كان عليه كفارة ولا يدري نوعها كفى أن يأتي بإحدى الخصال عما في ذمته. (مسألة 691) بما أن موضوع العتق قد انتفى في زماننا - والحمد لله - فيتحقق العجز عن الكفارة بالعتق لانتفأ موضوعها، ويتحقق العجز عن
[ 203 ]
صيام الكفارة بالمرض المانع منه أو بخوف حدوثه، أو زيادته، وبكون الصوم شاقا
عليه مشقة لا تتحمل فيتعين عليه الاطعام. والارجح أن المدار في وجود المرض خوف حدوثه أو زيادته على حالته الفعلية ولو مع رجأ الشفأ منه، فلا يعتبر اليأس من الشفأ، نعم لو رجا البر بعد زمان قصير كيوم أو يومين يشكل الانتقال إلى الاطعام. وكيف كان فلو أخر الاطعام إلى أن بري من المرض وتمكن من الصوم تعين عليه الصوم في مرتبته ولم يجز له الاطعام. (مسألة 692) إذا اضطر في أثنأ صوم الكفارة إلى السفر فلا يعتبر عاجزا عن الصيام لعدم انقطاع التتابع بذلك، وكذا إذا حدث الحيض والنفاس. (مسألة 693) المدار في العجز والقدرة حال الادأ لا حال الوجوب، فلو كان عند وجوب الكفارة قادرا على بعض الخصال عاجزا عن بعضها الاخر، ثم صار بالعكس، صار فرضه ما يقدر عليه فعلا. وإن كان آثما في التأخير مع القدرة إذا كان في معرض طرو العجز. (مسألة 694) إذا عجز عن الصيام فشرع في الاطعام ولو لفرد واحد ثم تمكن من الصيام، لم يلزمه الرجوع إليه ويكفيه إتمام الاطعام. (مسألة 695) يجب التتابع في الصوم الشهرين تعيينا وتخييرا، وفي صوم كفارة اليمين على الاقوى، وفي صوم بقية الكفارات على الاحوط. ومعنى التتابع أن لا يتخلل بين أيامه الافطار ولا صوم آخر غير الكفارة فإن أخل بالتتابع وجب الاستئناف، ولا يجوز الشروع في الصوم من زمان يعلم بوجوب صوم آخر بين أيامه، فلو شرع في صيام ثلاثة أيام قبل شهر رمضان أو قبل خميس معين نذر صومه بيوم أو يومين لم يجز، بل وجب استينافه.
[ 204 ]
(مسألة 696) إذا وقع الافطار أثنأ صوم الكفارة لعذر كالاكراه أو
الاضطرار، أو عروض المرض أو الحيض أو النفاس، لم يضر به. وكذا السفر إذا كان ضروريا لا اختياريا، وكذا إذا نسي النية حتى فات وقتها، بأن تذكرها بعد الزوال. وكذا إذا نسي فنوى صوما آخر ولم يتذكر إلا بعد الزوال، وكذا تخلل الصوم المنذور كما لو كان نذر صوم كل خميس فوجب عليه كفارة صوم شهرين متتابعين، أما في صوم الثلاثة أيام فيجب عليه الشروع في زمان لا يتخلل فيه الصوم المنذور، فإن أخل به وجب الاستئناف. (مسألة 697) يكفي في تتابع الشهرين في الكفارة المرتبة والكفارة المخيرة صيام شهر ويوم متتابعا، ويجوز له التفريق في البقية ولو اختيارا لا لعذر، فيجوز له الشروع فيه قبل شعبان بيوم مثلا، ولا يجوز له الاقتصار على شعبان لتخلل شهر رمضان قبل إكمال شهر ويوم. (مسألة 698) إذا شرع في صيام الشهرين أول الشهر يجزي هلاليان وإن كانا ناقصين، وإن شرع أثنأ الشهر فالاقوى كفاية تكميل ما أفطر من الاول من الشهر الثاني ثم الشروع في الثاني وتكميل ما احتسبه للاول من الثالث، سوأ كانا تامين أو ناقصين أو مختلفين، وإن كان الاحوط (استحبابا) في الناقص جعله ثلاثين يوما. ويتعين جعله ثلاثين إذا تخلل الصوم ما لا يضر بالتتابع كالحيض. (مسألة 699) يتخير في الاطعام الواجب في الكفارة بين إشباع المساكين وإعطائهم، ويجوز إشباع البعض والتسليم إلى البعض، ولا يتقدر الاشباع بمقدار بل المدار على أن يأكلوا بمقدار شبعهم قل أو كثر، أما التسليم فلا بد أن يكون لكل منهم مد من طعام لا أقل، والافضل بل الاحوط مدان. ولا بد في كل من النحوين كمال العدد ستين أو عشرة، فلا يجزي إشباع ثلاثين أو خمسة
مرتين، أو تسليم الواحد منهم مدين. ولا يجب الاجتماع لا في
[ 205 ]
التسليم ولا في الاشباع، فلو أطعم ستين مسكينا في أوقات متفرقة من بلاد مختلفة، ولو كان البعض في سنة والبعض في سنة أخرى، كفى. (مسألة 700) الواجب في إشباع الفقير مرة، وإن كان الافضل إشباعه في يومه وليله غداة وعشأا. (مسألة 701) يجزي في الاشباع كل ما يتعارف التغذي والتقوت به لغالب الناس من المطبوخ وما يصنع من أنواع الاطعمة، ومن الخبز المتعارف من أي جنس كان، وإن كان بلا إدام، والافضل أن يكون مع الادام وهو كل ما جرت العادة على أكله مع الخبز جامدا أو مائعا وإن كان خلا أو ملحا أو بصلا، وكل ما كان أفضل كان أفضل وإن كان الاحوط في كفارة اليمين أن لا يكون أدون مما يطعمون أهليهم. ويجزي في التسليم بذل ما يسمى طعاما نيئا أو مطبوخا من الحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما والارز وغير ذلك، والاحوط الحنطة أو دقيقها، ويجزي التمر والزبيب تسليما وإشباعا. (مسألة 702) التسليم إلى المسكين تمليك له كسائر الصدقات، فيملك ما قبضه ويفعل به ما شأ، ولا يتعين عليه صرفه في الاكل. (مسألة 703) يتساوي الصغير والكبير إن كان إعطأ الكفارة بنحو التسليم فيعطى الصغير مدا من الطعام كما يعطي الكبير، نعم يلزم في الصغير التسليم إلى الولي. وإن كان إعطأ الكفارة بنحو الاشباع فالاحوط (وجوبا) احتساب صغيرين بكبير واحد، فيلزم إشباع مائة وعشرين بدل ستين، وعشرين بدل عشرة وأحوط منه (استحبابا) الاقتصار على الكبائر. والظاهر أنه لا يعتبر في إشباع الصغير إذن الولي.
(مسألة 704) يجوز إعطأ كل مسكين أكثر من مد من كفارات متعددة، من غير فرق بين الاشباع والتسليم، فلو أفطر تمام شهر رمضان جاز له
[ 206 ]
إشباع ستين شخصا معينين في ثلاثين يوما، أو تسليم ثلاثين مدا من طعام لكل واحد منهم وإن وجد غيرهم. (مسألة 705) إذا تعذر العدد في البلد وجب النقل إلى غيره، وإن تعذر انتظر، ولو وجد بعض العدد كرر على الموجود حتى يستوفي المقدار، ويقتصر في التكرار على مقدار التعذر، فلو تمكن من عشرة كرر عليهم ست مرات، ولا يجوز حينئذ التكرار على خمسة اثنتي عشرة مرة. والاحوط عند تعذر العدد الاقتصار على الاشباع دون التسليم، وأن يكون في أيام متعددة. (مسألة 706) المراد بالمسكين في مصرف الكفارة الفقير الذي يستحق الزكاة، وهو من لا يملك قوت سنته لا فعلا ولا قوة، ويشترط فيه الاسلام بل الايمان على الاحوط، ومع عدم وجودهم يعطى الضعفأ من غير أهل الولاية إلا الناصب، وأن لا يكون ممن تجب نفقته على الدافع كالوالدين والاولاد والزوجة الدائمة دون المنقطعة ودون سائر الاقارب والارحام حتى الاخوة والاخوات، ولا يشترط فيه العدالة ولا عدم الفسق. نعم لا يعطى المتجاهر بالفسق الذي ألقى جلباب الحيأ، والاحوط الاقتصار في إعطأ غير الهاشمي إلى الهاشمي على مورد الاضطرار الذي يحل معه أخذ الزكاة. (مسألة 707) يعتبر في الكسوة في الكفارة أن تكون لباسا عرفا، من غير فرق بين الجديد وغيره ما لم يكن ممزقا أو مرقعا أو باليا بحيث لا يصلح للاستعمال، فلا تكفي الكسوة بالعمامة والقلنسوة والحزام والخف والجورب، والاحوط عدم الاكتفأ بثوب واحد خصوصا بمثل السراويل أو القميص
القصير. بل لا تكون أقل من قميص مع سراويل إلا عند عدم القدرة على الثوبين فلا تبعد كفاية ثوب واحد يكسو ظهره ويواري عورته. ويعتبر فيها العدد كالاطعام، فلو كرر على واحد مرات لم تحسب له إلا واحدة. ولا فرق في المكسو بين الذكر والانثى، والاحوط في الانثى أن يوارى ما يحرم منها كشفه، والاحوط (وجوبا) عدم الاكتفأ بكسوة غير البالغ. والظاهر اعتبار كونها مخيطا أو مثل المخيط، فلو سلم إليه الثوب غير مخيط لم يكن مجزيا. نعم الظاهر أنه لا بأس بأن يدفع له أجرة الخياطة ليخيطه ويلبسه، ولا يجزي إعطأ لباس الرجال للنسأ وبالعكس.
[ 207 ]
ولا فرق في جنسه بين كونه من صوف أو قطن أو كتان أو قنب أو حرير، وفي الاجتزأ بالحرير المحض للرجال إشكال. ولو تعذر تمام العدد كسا الموجود وانتظر الباقي. (مسألة 708) لا تجزي القيمة في الكفارة لا في الاطعام ولا في الكسوة، بل لا بد في الاطعام من بذل الطعام إشباعا أو تمليكا وكذلك في الكسوة. نعم لا بأس بأن يدفع القيمة إلى المستحق ويوكله أن يشتري بها طعاما فيأكله أو كسوة فيلبسها، لكن لا تسقط الكفارة إلا بالاكل واللبس أو التملك، فلو شك يجب الفحص حتى يحصل له اليقين أو الحجة بالطريق المعتبر. (مسألة 709) إذا وجبت عليه كفارة مخيرة لا يجزيه أن يكفر بنوعين، بأن يصوم شهرا ويطعم ثلاثين في كفارة شهر رمضان، أو يطعم خمسة ويكسو خمسة مثلا في كفارة اليمين. نعم لا بأس باختلاف أفراد الصنف الواحد منها، كما لو أطعم بعض العدد طعاما خاصا وبعضه غيره، أو كسا بعضهم ثوبا من جنس وبعضهم من جنس آخر، بل يجوز في الاطعام أن يشبع بعضا ويسلم
إلى بعض كما مر. (مسألة 710) لا بدل شرعا للعتق في الكفارة مخيرة كانت أو مرتبة أو كفارة جمع، فإن تعذرت سقطت. أما إذا تعذر عليه صيام شهرين متتابعين والاطعام كليا فيصوم ثمانية عشر يوما في الظهار وفي غيره على الاحوط، فإن عجز صام ما استطاع، أو تصدق بما وجد، فإن عجز عن ذلك استغفر
[ 208 ]
الله تعالى ولو مرة. أما كفارة إفطار شهر رمضان فالاحوط فيها للعاجز عن الخصال الثلاث التصدق بما يطيق، ومع العجز عنه فالاحوط (وجوبا) الجمع بين الممكن من الصوم والاستغفار، ومع العجز يكفي الاستغفار ولو مرة واحدة. والاحوط (وجوبا) في صوم الثمانية عشر يوما التتابع. (مسألة 711) الظاهر أن وجوب الكفارات موسع، فلا تجب المبادرة إليها، ويجوز التأخير ما لم يؤد إلى حد التهاون. لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بالتعجيل. (مسألة 712) يجوز التوكيل في إخراج الكفارات المالية وأدائها، ويتولى الوكيل النية إذا كان وكيلا في الاخراج، والاحوط للمالك أن يتولى النية حين دفعها للوكيل وأن يستمر في نيته إلى حين دفع الوكيل. وأما الكفارات البدنية فلا يجري فيها التوكيل، ولا تجوز فيها النيابة على الاقوى، إلا عن الميت. (مسألة 713) الكفارات المالية بحكم الديون، فإذا مات من وجبت عليه تخرج من أصل المال، وأما البدنية فلا يجب على الورثة أداؤها ولا إخراجها من التركة ما لم يوص بها الميت، فتخرج من ثلثه. نعم الاقوى وجوبها على الولي وهو الولد الاكبر إذا كان تعين على الميت الصيام، وأما إذا تعين عليه
غيره كالاطعام أو كانت مخيرة وكان متمكنا من الصيام والاطعام فلا يجب على الولي، بل يخرج مقدار الطعام من التركة.
[ 209 ]
كتاب الصيد والذباحة أحكام الصيد (مسألة 714) يذكى الحيوان ويحل أكل الحلال منه بالذبح على النحو المعتبر شرعا، ويذكى أيضا بالصيد كما سيأتي، والصيد يكون بواسطة الحيوان أو بواسطة آلة. (مسألة 715) لا يحل من صيد الحيوان ومقتوله إلا ما كان بالكلب المعلم، سوأ كان سلوقيا أو غيره، أسود أو غيره، فلا يحل صيد بقية جوارح السباع كالفهد والنمر وغيرهما، وجوارح الطير كالبازي والعقاب والباشق وغيرها، وإن كانت معلمة. فما يأخذه الكلب المعلم ويقتله بالعقر أو بالجرح مذكى حلال أكله من غير ذبح، فيكون عض الكلب وجرحه لاي موضع من الحيوان بمنزلة ذبحه. (مسألة 716) يعتبر في حلية صيد الكلب أن يكون معلما للاصطياد، و يعرف أنه معلم بأن يسترسل إذا أرسله وينزجر إذا زجره، بل لا يبعد كفاية الانزجار قبل الارسال في علامة كونه معلما، فلا يضر عدم انزجاره بعده.
[ 210 ]
(مسألة 717) يشترط في حلية صيد الكلب أمور: الاول: أن يكون ذلك بإرساله للاصطياد، فلو استرسل بنفسه من دون إرسال لم يحل مقتوله. وكذا على الاحوط لو أغراه صاحبه بعد استرساله ولو أثر إغراؤه، بأن زاد في عدوه بسببه. وكذا لو أرسله لامر آخر من دفع عدو أو
طرد سبع أو غير ذلك فصادف غزالا مثلا وصاده. والمعتبر قصد الجنس لا الشخص، فلو أرسله قاصدا صيد غزال فصادف غزالا آخر وأخذه وقتله كفى في حله، وكذا لو أرسله إلى صيد فصاده وغيره، حلا معا. الثاني: أن يكون المرسل مسلما أو بحكمه كالصبي الملحق به إن كان مميزا، فلا يحل لو أرسله غير المميز، وكذا يشترط أن يكون عاقلا فلا يحل لو أرسله المجنون. ولا يحل صيده إذا أرسله الكافر بجميع أنواعه، أو من كان بحكمه كالنواصب. الثالث: أن يذكر اسم الله عند إرساله، فلو ترك التسمية عمدا لم يحل صيده، وإذا نسي حين الارسال ولم يتذكر أو تذكر قبل الاصابة وسمى، فالاقوى حليته، وأما إذا ترك التسمية عند الارسال عمدا ثم سمى قبل الاصابة، فالاكتفأ بها مشكل فلا يترك الاحتياط. ا لرابع: أن يكون موت الحيوان مستندا إلى جرحه وعقره، فلو كان بسبب صدمه أو خنقه أو إتعابه في العدو أو لشدة خوفه، لم يحل. الخامس: أن لا يدرك صاحب الكلب الصيد حيا ويتمكن من تذكيته، فإن لحق به بعدما أخذه وعقره وسلبه القدرة على الفرار، فإن أدركه ميتا كان ذكيا وحل أكله، وكذا إن وجده حيا ولم يتسع الوقت لذبحه فمات، أما إن اتسع لذبحه فلا يحل إلا بالذبح. وأدنى ما تدرك به ذكاته أن يجده يطرف بعينه أو يركض برجله أو يحرك ذنبه أو يده ويتسع الوقت لذبحه فلو تركه حتى مات كان ميتة. ويلحق بعدم اتساع الوقت ما إذا اتسع ولكن كان عدم الذبح بسبب غير تقصيره، كما إذا لم يمكنه الحيوان من ذبحه حتى مات ونحو
[ 211 ]
ذلك، ولا يلحق
بعدم اتساع الوقت ما لو لم يكن عنده سكين على الاحوط إن لم يكن أقوى، وكذا لو كان عنده ولم يمكنه استعماله لمانع كبرودة الهوأ ونحوه بحيث لو لم يكن ذلك المانع لادرك تذكيته بالنحو المتعارف. (مسألة 718) الظاهر أنه لا يجب على مرسل الكلب المسارعة إلى الصيد من حين الارسال أو من حين إصابة الكلب الصيد ما دام على امتناعه وإن كان أحوط، بل تجب المسارعة من حين إيقاف الكلب الصيد، فإذا أحس بإيقافه إياه وعدم امتناعه وجبت عليه حينئذ المسارعة العرفية حتى إذا أدركه حيا ذبحه، فلو لم يسرع ثم أدركه ميتا لم يحل أكله. أما إذا لم يحتمل ترتب أثر على مسارعته لعلمه بعدم إدراكه حيا فلا تجب المسارعة ويحل أكله، نعم إذا كان عدم ترتب الاثر لعدم وجود ما يذبح به فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه، وكذا لو توقف إحراز كون موته بسبب عقر الكلب لا بسبب آخر على المسارعة إليه لزمت لاجل ذلك. (مسألة 719) لا يعتبر في حلية الصيد وحدة المرسل ولا وحدة الكلب، فلو أرسل جماعة كلبا واحدا، أو أرسل واحد أو جماعة كلابا متعددة فقتلت صيدا، حل أكله، ما دام الاصطياد واجدا للشروط المعتبرة شرعا، فلو كان المرسل اثنين أحدهما مسلم والاخر كافر، أو سمى أحدهما دون الاخر، أو أرسل كلبان أحدهما معلم والاخر غير معلم، لم يحل. (مسألة 720) لا يؤكل من الصيد المقتول بالالة الجمادية إلا ما قتله السيف والسكين والخنجر ونحوها من الاسلحة التي تقطع بحدها، أو الرمح والسهم والنشاب مما يشكه بحده حتى العصا التي في طرفها حديدة محددة، سوأ صنع حدها كالنصل أو صنع قاطعا أو شائكا. بل لا يبعد عدم اعتبار
كون الالة من الحديد فيكفي أن تكون سلاحا قاطعا أو شائكا من أي فلز كانت حتى الصفر والذهب والفضة وحتى الخشب إذا صنعت منه آلة الصيد.
[ 212 ]
نعم الاحوط عدم حلية المقتول بغير السلاح الذي صنع للصيد كالمخيط والسفود. والظاهر أنه لا يعتبر في المقتول بآلة الصيد ظهور الجرح فيه فلو قتل بالرمي أو الطعن ولم يظهر فيه أثر حل. (مسألة 721) لا يحل المقتول بالالة غير المحددة ولا بمثل الحبالة والشبكة والشرك ونحوها، ولا المقتول بالحيوان غير الكلب كالفهد والنمر والبازي ونحوها، إلا إذا أدرك ذكاته وذكاه. (مسألة 722) لا يبعد حلية ما قتل بالالة المعروفة بالبندقية، إذا سمى الرامي وكانت نافذة خارقة واجتمعت بقية الشرائط، خصوصا إذا كان رصاصها يشبه المخروط وليس كرويا. (مسألة 723) لا يعتبر في حلية الصيد بالالة الجمادية وحدة الصائد ولا وحدة الالة، فلو رمى شخص بالسهم وطعن آخر بالرمح وسميا معا فقتلا صيدا حل إذا اجتمعت الشرائط في كليهما، بل إذا أرسل أحد كلبه إلى صيد ورماه آخر بسهم فقتل بهما، حل أيضا. (مسألة 724) يشترط في الصيد بالالة الجمادية جميع ما يشترط في الصيد بالحيوان، من كون الصائد مسلما والتسمية عند استعمال الالة، وأن يكون استعمال الالة للاصطياد فلو رمى إلى هدف أو إلى عدو أو إلى خنزير فأصاب غزالا فقتله لم يحل، حتى لو كان سمي عند الرمي لغرض من الاغراض، وكذا لو أفلت السهم من يده مثلا فأصاب صيدا فقتله. وكذا يشترط أن لا يدركه حيا في زمان يتسع للذبح، فلو أدركه كذلك لم
يحل إلا بالذبح. وقد تقدم حكم المسارعة بعد إيقاف الصيد، وأن تستقل الالة المحللة في قتل الصيد، فلو شاركها فيه غيرها لم يحل كما لو سقط بعد إصابته من جبل أو وقع في المأ ومات بسبب كليهما، وكذا إذا لم يعلم استقلال إصابته في قتله، وكذا لو رماه شخصان فقتلاه وسمى أحدهما ولم يسم الاخر، أو كان أحدهما مسلما دون الاخر.
[ 213 ]
(مسألة 725) لا يشترط في حلية الصيد إباحة الالة، فيحل الصيد بالكلب أو السهم المغصوبين، وإن فعل حراما وعليه الاجرة، ويملكه الصائد دون صاحب الالة. (مسألة 726) الحيوان الذي يحل بصيده بالكلب والالة مع اجتماع الشرائط، هو الحيوان الممتنع المستوحش، سوأ كان كذلك بالاصل كالحمام والظبي وبقر الوحش أو كان أليفا فتوحش أو استعصى كالبقر العاصي والبعير الصائل، وضابطه ما لا يقدر عليه غالبا إلا بالعلاج، فلا تقع التذكية بالصيد على الحيوان الاهلي المستأنس، سوأ كان استيناسه أصليا كالدجاج أو عارضا كالغزال المستأنس. ولا تقع التذكية على ولد الوحشي قبل أن يقدر على العدو وفرخ الطير قبل أن يطير، فلو رمى طائرا وفرخه الذي لم ينهض فقتلهما، حل الطائر دون الفرخ. (مسألة 727) الظاهر أن التذكية بالصيد تقع أيضا على غير مأكول اللحم القابل للتذكية، فيطهر بها جلده ويجوز الانتفاع به، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط فيه خصوصا في صيد الكلب. (مسألة 728) إذا قطعت الالة الحيوان قطعتين أو أكثر، فإن كانت الالة
غير محللة للصيد فالجز الذي فيه الرأس ومحل التذكية يحل بالتذكية، أما بقية الا جزأ فهي ميتة انفصلت من حي. وإن كانت الالة محللة للصيد فإن زالت الحياة عن القطع كلها بالضرب بها، حلت جميعا، وكذا إن بقيت الحياة في القطعة التي فيها الرأس ومحل التذكية ولم يتسع الوقت للتذكية، أما إذا اتسع الوقت فتحل هذه القطعة بالتذكية، والمفصول من الحي ميتة كما تقدم. (مسألة 729) يملك الحيوان والطير الوحشيان بأحد أمور ثلاثة: أحدها: وضع اليد عليه وأخذه بنية الاصطياد والتملك، أخذا حقيقيا كأن يأخذ رجله أو قرنه أو جناحه أو يشده بحبل ونحوه
[ 214 ]
ثانيها: أن يقع في آلة يصطاد بها عادة كالحبالة والشرك والشبكة ونحوها إذا نصبها لذلك. ثالثها: أن يسبب له ما يجعله غير قادر على الامتناع كأن يرميه فيجرحه جرحا يمنعه من العدو أو يكسر جناحه فيمنعه من الطيران، سوأ كان ذلك بآلة محللة للصيد كالسهم والكلب المعلم أو بغيرها كالحجر والخشب والفهد والباز والشاهين وغيرها. ويعتبر أيضا أن يكون إعمال الالة بقصد الاصطياد والتملك، فلو رماه عبثا أو هدفا أو لغرض آخر لم يملكه الرامي، فلو أخذه شخص آخر بقصد التملك، ملكه. (مسألة 730) الظاهر أنه يلحق بآلة الصيد كل ما كان وسيلة لاثبات الحيوان وسلب امتناعه، ولو بحفر حفيرة ليقع فيها أو بإجرأ المأ على أرض ليتوحل فيها. أما فتح باب البيت وإلقأ الحب فيه لتدخل العصافير ونحوها فيشكل حصول تملكها بمجرد دخولها الباب بل لا بد من القبض باليد أو بآلة بنية التملك. ولو عشش الطير في داره لم يملكه بمجرد ذلك، وكذا لو توحل
حيوان في أرضه التي لم يجعلها موحلة لاجل ذلك. فلو أخذه إنسان من العش في داره أو أرضه ملكه، وإن عصى في دخول داره أو أرضه بغير إذنه. (مسألة 731) إذا ركض خلف حيوان حتى أعياه ووقف عن العدو لم يملكه ما لم يأخذه، فلو أخذه غيره قبل أن يأخذه ملكه. (مسألة 732) إذا وقع حيوان في شبكة منصوبة للاصطياد فانفلت منها لم يملكه ناصبها، وكذا لو انفلت بها وبقي ممتنعا، فلو صاده غيره ملكه ورد الشبكة إلى صاحبها. أما إذا كان غير ممتنع بها فهو لناصبها، حتى لو إنفلت منها بسبب خارجي، فلو أخذه غيره وجب رده إليه. (مسألة 733) إذا رمى حيوانا فجرحه لكن لم يخرجه عن الامتناع فدخل دارا فأخذه صاحب الدار، ملكه بأخذه لا بدخول الدار، كما أنه لو رماه ولم يثبته فرماه شخص آخر فأخذه أو أثبته فهو للثاني.
[ 215 ]
(مسألة 734) إذا أطلق الصائد صيده من يده فإن لم يقصد الاعراض عنه لم يخرج عن ملكه ولا يملكه غيره باصطياده، وإن قصد الاعراض وزوال ملكه عنه فالظاهر أنه يصير كالمباح ويجوز لغيره اصطياده ويملكه، وليس للاول الرجوع به عليه على الاقوى. (مسألة 735) إنما يملك الحيوان طيرا كان أو غيره بالاصطياد إذا لم يعلم كونه ملكا للغير ولو بوجود أمارة على الملك فيه، كالطوق في عنقه أو القرط في أذنه أو الحبل في أحد قوائمه أو قص جناحه. أما إذا علم أنه ملك للغير ولو بهذه الامارات فيجب حينئذ رده إلى صاحبه إن عرفه، وإن لم يعرفه يكون بحكم اللقطة ومجهول المالك. (مسألة 736) إذا صنع برجا لتعشيش الحمام فعششت فيه لم يملكها،
خصوصا إذا كان غرضه غير التملك كحيازة ذرقها مثلا، فيجوز لغيره أن يملكها بالصيد، بل لو أخذ حمامة من البرج ملكها وإن أثم لعدم استئذان مالكه، وكذلك إذا عشش الطير في بئر مملوك، فلا يملكها صاحب البئر. (مسألة 737) الظاهر أنه يكفي في تملك النحل غير المملوكة أخذ أميرها، فمن أخذ أميرها ملكه وملك كل ما يتبعه من النحل التي تسير بسيره وتقف بوقوفه، وتدخل الخلية وتخرج منها بدخوله وخروجه، ولا تكون مستعصية أو متحيرة. (مسألة 738) ذكاة السمك إما بإخراجه من المأ حيا، أو بأخذه بعد خروجه منه قبل موته، سوإ كان ذلك باليد أو بآلة كالشبكة ونحوها، فلو وثب إلى اليابسة أو نبذه المأ إلى الساحل أو نضب المأ الذي كان فيه، وأخذه انسان قبل أن يموت حل، ولو مات قبل الاخذ حرم وإن أدركه حيا ناظرا إليه على الاقوى. (مسألة 739) لا يشترط في تذكية السمك التسمية، كما أنه لا يعتبر في صائده الاسلام، فلو أخرجه كافر أو أخذه، فمات بعد أخذه خارج المأ
[ 216 ]
حل، سوإ كان كتابيا أو غيره. نعم لو وجده في يده ميتا لم يحل أكله ما لم يعلم أنه قد مات خارج المأ بعد إخراجه أو أخذه قبل موته، ولا يحرز ذلك بكونه في يده ولا بقوله لو أخبر به، بخلاف ما إذا كان في يد مسلم وعامله معاملة الحلال، فإنه يحكم بتذكيته حتى يعلم خلافها. (مسألة 740) إذا وثبت سمكة من البحر مثلا إلى السفينة لم تحل ما لم تؤخذ باليد، فمن أخذها ملكها سوإ كان السفان أو صاحب السفينة أو غيرهما. نعم لو قصد صاحب السفينة الصيد وعمل شيئا ليثب السمك إلى سفينته فيملكه
بذلك ويكون وثوبه فيها بسبب هذا الصنع بمنزلة إخراجه حيا فتكون تذكيته بذلك. (مسألة 741) إذا نصب شبكة أو صنع حظيرة في المأ لاصطياد السمك فما يحتبس فيهما يملكه، فإن أخرجها من المإ وكان السمك فيها حيا حل، وكذا لو نضب المأ بسبب جزره مثلا فمات السمك بعد ذلك. أما لو مات في المأ فلا تبعد حليته أيضا، وإن كان الاحوط عدم ترتيب آثار الحلية. وكذا لو أخرج الشبكة من المأ فوجد بعض ما فيها من السمك أو كله ميتا ولم يدر أنه مات في المأ أو بعد خروجه، لا يبعد حلية أكله أيضا. (مسألة 742) إذا أخرج السمك من المأ حيا ثم أعاده إلى المأ مربوطا أو مطلقا فمات فيه، حرم. (مسألة 743) إذا طفا السمك على المأ وزال امتناعه بسبب من الاسباب، فإن أدركه وأخذه وأخرجه من المأ قبل أن يموت، حل، وإن مات على المأ حرم، وإن ألقى أحد في المأ دوأ بقصد الاصطياد والتملك فأثر في السمك وصار على وجه المأ ملكه الملقي ولو بدون أخذ على احتمال قوي و لا يملكه غيره بالاخذ، لانه كإثبات صيد البر وإزالة امتناعه بالرمي، وكذا لو رمى السمك بالرصاص مثلا فطفا على المأ وفيه حياة، بل الامر فيه أقوى.
[ 217 ]
(مسألة 744) لا يعتبر في حلية السمك بعد إخراجه من المأ حيا أو أخذه بعد خروجه حيا أن يموت خارج المأ بنفسه، فلو مات بالتقطيع، بل لو شواه حيا حل أكله، بل لا يعتبر في حله الموت من أصله، فيحل بلعه حيا، بل لو قطع منه قطعة وأعيد الباقي إلى المأ حل ما قطعه، سوإ مات الباقي في المأ أم لا. نعم لو قطع منه قطعة وهو في المأ حي أو ميت، لم يحل ما قطعه
. (مسألة 745) ذكاة الجراد أخذه حيا، سوأ باليد أو بالالة، فلو مات قبل أخذه حرم. ولا تعتبر فيه التسمية ولا إسلام الاخذ. نعم لو وجده ميتا في يد الكافر، لم يحل ما لم يعلم بأخذه حيا، ولا يجدي يده ولا إخباره في إحراز ذلك، كما تقدم في السمك. (مسألة 746) إذا أشعل نارا في أجمة ونحوها ليحرق ما فيها من جراد، لم يحل وإن قصد أخذه بذلك. نعم لو أحرقه أو شواه أو طبخه بعد أخذه قبل أن يموت، حل كما مر في السمك. أما لو جعل النار آلة لصيد الجراد فأججها لذلك فاجتمع فيها الجراد وانشوى بها فلا تبعد حليته بذلك. (مسألة 747) لا يحل من الجراد الدبا وهو ما تحرك ولم يستقل بالطيران. الذباحة (مسألة 748) يشترط في الذابح أن يكون مسلما أو بحكمه كالمتولد منه، فلا تحل ذبيحة الكافر مشركا كان أم غيره حتى الكتابي على الاقوى. ولا يشترط فيه الايمان، فتحل ذبيحة جميع فرق الاسلام عدا النواصب المحكوم بكفرهم وهم المعلنون بعداوة أهل البيت عليهم السلام وإن أظهروا الاسلام، وكذا غيرهم من المنتحلين للاسلام المحكوم بكفرهم، مثل الغلاة والخوارج وغيرهم.
[ 218 ]
(مسألة 749) لا يشترط فيه الذكورة ولا البلوغ ولا غير ذلك، فتحل ذبيحة المرأة فضلا عن الخنثى، وكذا الحائض والجنب والنفسأ والاعمى والاغلف وولد الزنا، وكذا الطفل إذا كان مميزا وأحسن الذبح، لكن لو شك
في صحة ذبحه لا يجرى فيه أصالة الصحة، وفي اعتبار قوله إشكال. (مسألة 750) لا يجوز الذبح بغير الحديد مع الاختيار، فإن ذبح بغيره مع التمكن منه لم يحل، وإن كان من المعادن المنطبعة كالصفر والنحاس والذهب والفضة وغيرها. نعم لو لم يوجد الحديد وخيف فوت الذبيحة بتأخير ذبحها أو احتاج إلى ذبحها عاجلا، جاز بكل ما يفري أعضأ الذبح ولو كان قصبا أو ليطة أو حجرا حادا أو زجاجة أو غيرها. نعم في وقوع الذكاة بالسن والظفر مع الضرورة تأمل والاحوط عدم تحققه بهما حتى لو كانا منفصلين عن البدن. (مسألة 751) الواجب في الذبح مع الامكان قطع تمام الاعضأ الاربعة: الحلقوم، وهو مجرى النفس. والمري، وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم. والودجان، وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم أو المري. ويطلق عليها الاوداج الاربعة، ويجب فريها كاملا، فلا يكفي شقها من دون فريها وفصلها. (مسألة 752) محل الذبح هو الحلق تحت اللحيين على نحو تقطع به الاوداج الاربعة. وقد ذكروا أن قطع هذه الاوداج لا يتحقق إلا بأن يكون الذبح من تحت العقدة المسماة الجوزة، فإن كان كذلك أو لم يحرز الذابح قطع الاوداج بتمامها بدونه وجبت مراعاته. كما يلزم أن يكون شي من الاوداج الاربعة مع الرأس حتى يعلم فريها وقطعها. (مسألة 753) يشترط أن يكون الذبح من قدام، فلو ذبحه من الخلف وقطع ما يعتبر قطعه من الاوداج، لم يحل. نعم لو قطعها من قدام بأن
[ 219 ]
أدخل السكين تحت الاعضأ وحزها إلى أعلى، لم تحرم الذبيحة، ولعل الاظهر أن فعله هذا حرام.
(مسألة 754) يجب التتابع في الذبح، بأن يفري كل الاعضأ قبل موت الذبيحة، فلو حز بعضها وأرسلها حتى ماتت ثم قطع الباقي، حرمت، بل لا يترك الاحتياط بأن لا يفصل بينها أكثر من المتعارف المعتاد بحيث يعد عمله عملين لا عملا واحدا عرفا، وإن قطعها جميعا قبل خروج الروح. (مسألة 755) إذا حز رقبة الذبيحة من القفا وبقيت أوداجها، فإن بقيت فيها حياة ذبحها من أمام وحلت، وإلا صارت ميتة. وتعرف حياتها بالحركة بعد تمام الذبح ولو كانت يسيرة. (مسألة 756) إذا أخطأ الذابح وذبح من فوق العقدة ولم يقطع الاعضأ الاربعة، فإن لم تبق فيها حياة حرمت، وإن بقيت وسارع وذبحها من تحت العقدة وقطع الاوداج، حلت. (مسألة 757) إذا أكل الذئب مثلا مذبح الحيوان فأدركه حيا، فإن بقيت أوداجه الاربعة وأدرك ذكاته حل، وإن لم يبق تمام أوداجه الاربعة سليمة ففي حليته إشكال، فلا يترك الاحتياط. (مسألة 758) يشترط في التذكية مضافا إلى ما مر أمور: أحدها: إستقبال القبلة بالذبيحة حال الذبح، بأن يوجه مذبحها ومقاديم بدنها إلى القبلة، فإن أخل به عامدا عالما حرمت، وإن كان ناسيا أو جاهلا أو أخطأ في القبلة أو في العمل لم تحرم. ولو لم يعلم جهة القبلة أو لم يتمكن من توجيهها إليها سقط هذا الشرط. ولا يشترط استقبال نفس الذابح القبلة على الاقوى، وإن كان أحوط وأولى. ثانيها: تسمية الذابح، بأن يذكر اسم الله عليها حينما يتشاغل بالذبح أو متصلا به عرفا قبل الشروع به، فلو أخل بها عمدا حرمت، وإن كان
[ 220 ]
ناسيا لم تحرم. والاظهر إلحاق الجهل بالحكم بالعمد. والمعتبر في التسمية وقوعها بعنوان كونها على الذبيحة، فلا تجزي التسمية لغرض آخر. ثالثها: أن تتحرك الذبيحة بعد تمام الذبح ولو حركة جزئية، كأن تطرف عينها أو تحرك أذنها أو ذنبها أو تركض برجلها، ونحوها. ولا يلزم خروج الدم المتعارف، فلو تحركت ولم يخرج الدم أو خرج متثاقلا ومتقاطرا لا سائلا معتدلا كفى في التذكية. والاقوى الاكتفأ بما ذكر من الحركة أو خروج الدم المتعارف. (مسألة 759) لا يعتبر في استقبال القبلة بالذبيحة كيفية خاصة، فلا فرق بين أن يضعها على الجانب الايمن، أو على الايسر، أو معلقة في الهوأ ومقاديم بدنها ومذبحها إلى القبلة. (مسألة 760) لا يعتبر في التسمية كيفية خاصة، بل يكفي صدق ذكر اسم الله عليها، كقول: بسم الله، أو الله أكبر، أو الحمد لله، أو لا إله إلا الله ونحو ذلك، ويشكل الاكتفأ بلفظ (الله) بدون أن يكون جزا من كلام تام دال على صفة كمال أو ثنأ أو تمجيد، وكذا تشكل التسمية بغير اسم الله تعالى من الاسمأ الحسنى كالرحمان والرحيم والخالق، وكذا يشكل الاكتفأ بمرادف لفظ الجلالة من اللغات الاخرى مثل يزدان بالفارسية، فالاحوط عدم حلية الذبيحة بذلك. (مسألة 761) الاقوى عدم اشتراط الحياة المستقرة بمعنى أن يبقى لو لم يذبح يوما أو نصف يوم، بل يكفي وجود أصل الحياة قبل الذبح ولو كانت قرب خروج روح الذبيحة لاي سبب، فإن علم وجود الروح فيها صح ذبحها، وإن لم يعلم كشفت عنها الحركة بعد ذبحها وإن كانت جزئية يسيرة، أو خروج الدم
المعتدل على الاقوى. (مسألة 762) لا يشترط في حلية أكل الذبيحة بعد ذبحها وفيها حياة،
[ 221 ]
أن يكون خروج روحها بذلك الذبح، فلو وقع عليها الذبح الشرعي ثم وقعت في نار أو مأ أو سقطت من جبل ونحو ذلك فماتت بذلك، حلت على الاقوى. (مسألة 763) تختص الابل بأن تذكيتها بالنحر، ويختص غيرها بأن تذكيته بالذبح، فلو ذبحت الابل كانت ميتة إلا أن تبقى فيها حياة فينحرها، مع اجتماع الشروط. وكذا لو نحر غيرها. (مسألة 764) كيفية النحر أن يدخل سكينا أو رمحا ونحوهما من الالات الحادة الحديدية في لبة البعير أو الناقة، وهي المحل المنخفض الواقع بين أصل العنق والصدر. ويشترط فيه كل ما يشترط في التذكية بالذبح، من شروط الذابح وآلة النحر والتسمية عند النحر، والاستقبال بالمنحور كما يجب بالذبيحة، وكذا اعتبار الحياة كما مر في الذبيحة. (مسألة 765) يجوز نحر الابل قائمة وباركة إلى جهة القبلة، بل يجوز نحرها ساقطة على جنبها مع توجيه منحرها ومقاديم بدنها إلى القبلة، وإن كان الافضل كونها قائمة. (مسألة 766) كل ما يتعذر ذبحه أو نحره من الحيوان، لاستعصائه أو لوقوعه في موضع لا يتمكن فيه من ذبحه أو نحره كما لو تردى في بئر أو مكان ضيق وخيف موته، يجوز أن يعقره بسيف أو سكين أو رمح أو غيرها مما يجرحه ويقتله، ويحل أكله وإن لم يصادف العقر موضع التذكية، ويسقط شرط الذبح والنحر والاستقبال، ويجب مراعاة سائر الشروط من التسمية
وشروط الذابح والناحر. وأما الالة فيعتبر فيها ما مر في آلة الصيد الجمادية فراجع، والاقوى الاجتزأ هنا بعقر الكلب في المستعصى والصائل دون غيره كالمتردي، أو المحصور في مكان ضيق. (مسألة 767) الاحوط حرمة قطع رأس الذبيحة وإبانته قبل خروج الروح، وكذا سلخ جلدها، لكن لا تحرم الذبيحة بفعلهما على الاقوى.
[ 222 ]
(مسألة 768) للذباحة والنحر آداب بين مستحبة ومكروهة، أما المستحبة فمنها أن يربط يدي الغنم مع إحدى رجليه ويطلق رجله الاخرى ويمسك صوفه وشعره بيده حتى يبرد، ويعقل قوائم البقر الاربع ويطلق ذنبه، وأن تكون الابل قائمة ويربط يديها ما بين الخفين إلى الركبتين أو الابطين ويطلق رجليها، وأن يرسل الطير بعد الذبح حتى يرفرف. ومنها: أن يكون الذابح أو الناحر مستقبل القبلة. ومنها: أن يعرض عليه المأ قبل الذبح أو النحر. ومنها: أن يعامل مع الحيوان في الذبح أو النحر ومقدماتهما بما هو الاسهل والاروح وأبعد عن تعذيبه وأذيته، فيسوقه إلى الذبح أو النحر برفق ويضجعه للذبح برفق، ويحد الشفرة ويسترها عنه حتى لا يراها، ويسرع في العمل ويمر السكين في المذبح بقوة، فعن النبي صلى الله عليه وآله (إن الله تعالى شأنه كتب عليكم الاحسان في كل شي، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) وفي نبوي آخر أنه صلى الله عليه وآله أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم. وأما المكروهة: فمنها: أن تنخع الذبيحة، أي إصابة السكين نخاعها، وهو
الخيط الابيض وسط الفقار الممتد من الرقبة إلى عجز الذنب. ومنها: أن يدخل السكين تحت الحلقوم ويقطع إلى فوق، ولعل الاظهر حرمته كما مر. ومنها: أن يذبح الحيوان وحيوان آخر ينظر إليه. ومنها: أن يذبح ليلا، وأن يذبح نهارا قبل زوال يوم الجمعة، إلا مع الضرورة. ومنها أن يذبح بيده ما رباه من النعم. (مسألة 769) ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا خرج من بطنها ميتا وكان تام الخلقة وقد أشعر أو أوبر، سوإ ولجته الروح أم لا على الاقوى، بشرط أن يكون موته مستندا إلى تذكيتها. أما إذا مات قبل التذكية بسبب ضربة
[ 223 ]
مثلا فحرام قطعا. أما إن خرج حيا فلا يحل إلا بالتذكية سوأ كانت أمه مذكاة أو ميتة أو حية. (مسألة 770) إذا لم يبادر إلى إخراج الجنين الحي بعد تذكية أمه فمات ولكن لم يتأخر أكثر من المقدار المتعارف فالاقوى حليته، وإن تأخر عن ذلك ومات قبل إخراجه فالظاهر حرمته. (مسألة 771) نجس العين كالكلب والخنزير ليس قابلا للتذكية، وكذا المسوخ غير السباع كالفيل والدب والقرد ونحوها، والحشرات ومنها الفأرة، ومنها الضب وابن عرس على الاحوط إن لم يكن أقوى. وأما السباع وهي الحيوانات المفترسة التي تأكل اللحوم سوإ كانت من الوحوش كالاسد والنمر والفهد والثعلب وابن آوى وغيرها، أو من الطيور كالصقر والبازي والباشق وغيرها، فالاقوى قبولها التذكية فتطهر بها لحومها وجلودها، ويحل الانتفاع
بها، بأن تلبس في غير الصلاة وتفترش، بل بأن تجعل وعأ للمائعات، كقربة المأ وعكة السمن ونحوها وإن لم تدبغ على الاقوى، وإن كان الاحوط أن لا تستعمل ما لم تكن مدبوغة. وكذا تصح تذكية الحيوان المحلل أكله وإن حرم بالعارض كالجلال والموطؤ، وأثر ذلك طهارة جلده ولحمه وإن بقي أكله حراما. أما ما ليس له نفس سائلة فلا أثر للتذكية فيه لانه طاهر، ويحرم أكله على كل حال. (مسألة 772) الظاهر أن جميع أنواع الحيوان المحرم الاكل مما له نفس سائلة غير ما ذكر من أنواع الوحوش والطيور المحرمة تقع عليها التذكية، فتطهر بها لحومها وجلودها. (مسألة 773) يشترط في تذكية ما يقبل التذكية من الحيوان المحرم الاكل جميع الشروط المعتبرة في ذبح الحيوان المحلل، وفي اصطياده بالالة، لكن تذكيته بالاصطياد بالكلب المعلم إشكال.
[ 224 ]
(مسألة 774) يعامل ما في يد المسلم - في غير سوق الكفار - من اللحوم والشحوم والجلود معاملة المذكى وإن لم يعلم أنه مذكى، فيجوز بيعه وشراؤه وأكله وسائر الاستعمالات المتوقفة على التذكية، ولا يجب الفحص والسؤال عنه، بل ولا يستحب بل نهي عنه، وكذا ما يباع منها في سوق المسلمين، سوإ كان بيد المسلم أو مجهول الحال، بل وكذا ما كان مطروحا في أرض المسلمين إذا كانت فيه أمارة تدل على وقوع اليد عليه، كما إذا كان الجلد مخيطا أو مدبوغا أو اللحم مطبوخا. بل وكذا إذا أخذ من الكافر وعلم كونه مسبوقا بيد المسلم على الاقوى.
أما المأخوذ من يد المسلم في سوق الكفار فالاحوط الاجتناب عنه. وأما ما يؤخذ من يد الكافر ولو في بلاد المسلمين ولم يعلم كونه مسبوقا بيد المسلم أو كان بيد مجهول الحال في بلاد الكفار أو كان مطروحا في أرضهم، فيعامل معه معاملة غير المذكى، وهو بحكم الميتة. والمدار في كون البلد أو الارض منسوبة إلى المسلمين غلبة السكان والقاطنين بحيث تنسب عرفا إليهم ولو كانوا تحت سلطنة الكفار، وهو المدار أيضا في بلد الكفار. ولو تساوت النسبة من جهة عدم الغلبة فحكمه حكم بلد الكفار. (مسألة 775) لا فرق في إباحة ما يؤخذ من يد المسلم بين كونه مؤمنا أو مخالفا يعتقد طهارة جلد الميتة بالدبغ ويستحل ذبائح أهل الكتاب ولا يراعي الشروط التي اعتبرناها في التذكية. وكذا لا فرق بين كون الاخذ متفقا مع المأخوذ منه في شروط التذكية اجتهادا أو تقليدا أو مخالفا له فيها إذا احتمل تذكيته على وفق مذهب الاخذ، كما إذا كان المأخوذ منه يعتقد كفاية قطع الحلقوم في الذبح ويعتقد الاخذ لزوم قطع الاوداج الاربعة، إذا احتمل أن ما بيده قد روعي فيه ذلك.
[ 225 ]
كتاب الاطعمة والاشربة الحيوان المأكول وغير المأكول (مسألة 776) لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك أو الطير الذي يحل مثله في البر. وحرم غير ذلك من أنواع حيوانه، حتى ما يؤكل مثله في البر كبقر البحر على الاقوى. (مسألة 777) لا يؤكل من السمك إلا ما كان له فلس وقشور بالاصل وإن لم تبق وزالت بالعارض، كالكنعت فإنه على ما ورد فيه سمكة سيئة الخلق
تحتك بكل شي فيذهب فلسها ولذا لو نظرت إلى أصل أذنها وجدته. ولا فرق بين أنواع السمك ذي القشور، فتحل جميعها صغيرها وكبيرها، ولا يؤكل منها ما ليس له قشر في الاصل كالجري والزمار والزهو والمارماهي. (مسألة 778) الاربيان المسمى بالروبيان أو الميگو من جنس السمك الذي له فلس، فيجوز أكله. (مسألة 779) بيض السمك تابع لسمكه، فبيض المحلل حلال وإن كان أملس، وبيض المحرم حرام وإن كان خشنا. وإذا اشتبه أنه من المحلل أو المحرم حل أكله، والاحوط عند الاشتباه عدم أكل ما كان أملس.
[ 226 ]
(مسألة 780) يحل من الحيوانات الاهلية جميع أنواع الغنم والبقر والابل، ويكره لحم الخيل والبغال والحمير وكراهة لحم الخيل أخف. ويحرم منها غير ذلك كالكلب والهر وغيرهما. ويحل من الحيوانات الوحشية الظبي والغزال والبقر والكباش الجبلية واليحمور والحمر الوحشية، ويحرم منها السباع، وهي ما كان مفترسا وله ظفر وناب قويا كان كالاسد والنمر والفهد والذئب، أو ضعيفا كالثعلب والضبع وابن آوى. وكذا يحرم الارنب وإن لم يكن من السباع، وتحرم الحشرات كلها كالحية والفأرة والضب واليربوع والقنفذ والصراصير والجعل والبراغيث والقمل وغير ذلك من أنواعها الكثيرة. (مسألة 781) يحل من الطير الحمام بأنواعه، والدراج والقبج والقطا والطيهوج والبط والكروان والحبارى والكركي، والدجاج بأنواعه، والعصفور بأنواعه ومنه البلبل والزرزور والقبرة وهي التي على رأسها القنزعة، ويكره منه الهدهد والخطاف وهو الذي يأوي البيوت ويأنس بالناس. والصرد
وهو طائر ضخم الرأس والمنقار يصيد العصافير، والصوام وهو طائر أغبر اللون طويل الرقبة أكثر ما يبيت في النخل، والشقراق وهو طائر أخضر بقدر الحمام. ويحرم منه الخفاش والطاووس وكل ذي مخلب، سوإ كان يقوى به على افتراس الطير كالبازي والصقر والعقاب والشاهين والباشق، أو ضعيفا كالنسر والبغاث. (مسألة 782) الاقوى حرمة أكل الغراب بجميع أنواعه حتى الزاغ وهو غراب الزرع، والغداف الذي هو أصغر منه أغبر اللون، خصوصا مع ما يقال من أن الغربان كلها ذات مخالب. (مسألة 783) يعرف ما يحل أكله من الطير وما يحرم، غير المنصوص على حكمه، بأحد أمرين: أحدهما: الصفيف والدفيف، فكل ما كان صفيفه وهو بسط جناحيه حال الطيران أكثر من دفيفه وهو تحريكهما عنده فهو
[ 227 ]
حرام، وما كان دفيفه أكثر من صفيفه فهو حلال. ثانيهما: الحوصلة والقانصة والصيصية، فما كان فيه أحد هذه الثلاثة فهو حلال وما لم يكن فيه شي منها فهو حرام. والحوصلة كيس تحت العنق يجتمع فيه الحب وغيره، والقانصة في الطير بمنزلة الكرش لغيره كما ذكروا، والصيصية هي الشوكة التي في رجل الطير موضع العقب. ويتساوى طير المأ مع غيره في العلامتين المزبورتين، فما كان دفيفه أكثر من صفيفه أو كان له حوصلة أو قانصة أو صيصية فهو حلال وإن كان يأكل السمك، وما كان صفيفه أكثر من دفيفه ولم يكن له إحدى الثلاثة، فهو حرام. (مسألة 784) إذا تعارضت العلامتان - كما إذا كان صفيفه أكثر من دفيفه
وكان ذا حوصلة أو قانصة أو صيصية، أو كان دفيفه أكثر من صفيفه وكان فاقدا لثلاثة - فالظاهر أن الاعتبار بالصفيف والدفيف فيحرم الاول، ويحل الثاني. (مسألة 785) إذا كان للطير صفيف ودفيف ولم يعلم أيهما أكثر تعين الرجوع إلى العلامة الثانية، وهي وجود أحد الثلاثة وعدمه فيه، وكذا إذا كان مذبوحا ولا يعرف صفيفه ودفيفه. وكذا إذا تساوى صفيفه ودفيفه على الاحوط. (مسألة 786) إذا لم يعرف حال الطير لا من العلامة الاولى ولا من الثانية، فإن علم أنه يقبل التذكية فأكله حلال، وإن احتمل عدم قبوله التذكية يحكم بحرمته بأصالة عدم قبوله التذكية، سوإ كانت الشبهة موضوعية أو حكمية. (مسألة 787) بيض الطيور تابع لها في الحل والحرمة، فبيض المحلل حلال وبيض المحرم حرام، وما اشتبه أنه من المحلل أو المحرم يؤكل ما اختلف طرفاه مثل بيض الدجاج، دون ما تساوي طرفاه.
[ 228 ]
(مسألة 788) النعامة من الطيور، وهي حلال لحما وبيضا على الاقوى. (مسألة 789) لم يرد نص على حرمة اللقلق ولا على حليته، فيرجع في حكمه إلى علامات الحل والحرمة فإن تبين حاله من جهة الدفيف والصفيف فهو، وإلا يرجع إلى العلامة الثانية وهي وجود إحدى العلامات الثلاث وعدمها. (مسألة 790) يحرم الحيوان المحلل بالاصل بأمور: منها، الجلل، وهو أن يتغذى الحيوان عذرة الانسان بحيث يصدق عرفا أنها غذاؤه، ولو كان
يتغذى بها مع غيرها لم يصدق عليه الجلل فلا يحرم إلا أن يكون تغذيه بغيرها نادرا جدا بحيث يكون عرفا بحكم العدم، وبأن يكون تغذيه بها مدة معتدا بها. والظاهر عدم كفاية يوم وليلة، بل يشك في صدق الجلل عليه بأقل من ثلاثة أيام. ولا يلحق بعذرة الانسان عذرة غيره، ولا سائر النجاسات. (مسألة 791) يعم حكم الجلل كل حيوان محلل حتى الطير والسمك. (مسألة 792) كما يحرم لحم الحيوان بالجلل يحرم لبنه وبيضه ويحلان بما يحل به، ويكون كالحيوان المحرم بالاصل في جميع الاحكام قبل أن يستبري ويزول حكمه، حتى عدم جواز الصلاة في فضلاته الطاهرة أو أجزائه وإن كان ذكيا على إشكال. (مسألة 793) الظاهر أن الجلل لا يمنع من التذكية، فيذكى الجلال ويترتب على تذكيته طهارة لحمه وجلده كسائر الحيوانات المحرمة بالاصل القابلة للتذكية. (مسألة 794) تزول حرمة الجلال بالاستبرأ بترك التغذي بالعذرة والتغذي بغيرها مدة: وهي في الابل أربعون يوما، وفي البقر عشرون يوما والاحوط ثلاثون، وفي الشاة عشرة أيام، وفي البط خمسة أيام، وفي الدجاج ثلاثة
[ 229 ]
أيام، وفي السمك يوم وليلة، والملاك في غير ما ذكر زوال اسم الجلل بحيث لا يصدق عليه أنه يتغذى بالعذرة بل يصدق أن غذأه غيرها. (مسألة 795) يحرم الحيوان المحلل بالاصل إذا وطأه إنسان قبلا أو دبرا وإن لم ينزل، صغيرا كان الواطي أو كبيرا، عالما كان أو جاهلا، مختارا كان أو مكرها فحلا كان الموطؤ أو أنثى، فيحرم بذلك لحمه ولحم نسله المتجدد بعد الوطي ولبنهما.
(مسألة 796) إذا كان الحيوان الموطؤ مما يراد أكله كالشاة والبقرة يجب أن يذبح ثم يحرق، ويغرم الواطي قيمته لمالكه. وإن كان مما يراد ركوبه أو الحمل عليه ولا يعتاد أكله كالحمار والبغل والفرس، أخرج من المحل الذي فعل به إلى بلد آخر فيباع ويعطى ثمنه للواطي ويغرم قيمته لمالكه. (مسألة 797) إذا رضع حمل من لبن خنزيرة حتى قوي ونبت لحمه واشتد عظمه يحرم لحمه ولحم نسله ولبنه ولبن نسله ولو من فحله، ولا يبعد إختصاص ذلك بالغنم وإن كان تعميمه للعجل وغيره من الحيوانات المحللة الاكل أحوط. ولا تلحق بالخنزيرة الكلبة ولا الكافرة، وفي تعميم الحكم للشرب بدون رضاع وللرضاع بعد الفطام إشكال، وإن كان أحوط. هذا إذا اشتد، أما إذا لم يشتد برضاعه منها فيكره لحمه. وتزول الكراهة بالاستبرأ سبعة أيام، بأن يمنع عن التغذي بلبنها ويعلف إن استغنى عن اللبن، أو يرضع من ضرع شاة مثلا سبعة أيام. (مسألة 798) إذا شرب الحيوان المحلل الخمر حتى سكر، وذبح في تلك الحال يؤكل لحمه لكن بعد غسله على الاحوط، ولا يؤكل ما في جوفه من الامعأ والكرش والقلب والكبد وغيرها وإن غسل، ولو شرب بولا ثم ذبح عقيب الشرب حل لحمه بلا غسل، ويؤكل ما في جوفه بعدما يغسل على الاحوط.
[ 230 ]
(مسألة 799) لو رضع جدي أو عناق أو عجل من لبن امرأة حتى فطم وكبر، لم يحرم لحمه لكنه مكروه. (مسألة 800) يحرم من الحيوان المحلل وإن ذكي أربعة عشر شيئا: الدم، والروث، والطحال، والقضيب، والانثيان والفرج ظاهره وباطنه،
والمثانة، والمرارة، والنخاع وهو خيط أبيض كالمخ في وسط فقار الظهر، والغدد وهي كل عقدة في الجسد مدورة تشبه البندق في الاغلب، والمشيمة، والعلباوان وهما عصبتان عريضتان صفراوان ممتدتان على الظهر من الرقبة إلى الذنب، وخرزة الدماغ وهي حبة في وسط الدماغ بقدر الحمصة تميل إلى الغبرة يخالف لونها لون المخ الذي في الجمجمة، والحدقة وهي الحبة الناظرة من العين لا جسم العين كله. (مسألة 801) تختص حرمة الاشيأ المذكورة بالذبيحة والمنحورة، فلا يحرم شي من المذكورات من السمك والجراد، ما عدا الرجيع والدم على إشكال فيهما. (مسألة 802) يحرم الرجيع والدم من مذكى الطيور، والاحوط (وجوبا) عدم أكل المرارة والطحال والبيضتين وغيرها من المحرمات الاربعة عشر إن وجدت فيها. (مسألة 803) يحل من الذبيحة غير ما ذكر، كالقلب والكبد والكرش والامعأ والغضروف والعضلات وغيرها. نعم يكره الكليتان وأذنا القلب والعروق خصوصا الاوداج، والاظهر جواز أكل الجلد والعظم مع عدم الضرر، والاحوط عدمه. نعم لا إشكال في جلد الراس وجلد الدجاج وغيره من الطيور، وكذا عظم صغار الطيور كالعصفور. (مسألة 804) يجوز أكل لحم ما يحل أكله نيئا ومطبوخا، بل ومحروقا أيضا إذا لم يكن مضرا، ويكره أكله غريضا، أي نيئا طريا لم يتغير بشمس ولا نار ولا بذر ملح عليه وتجفيفه في الظل وجعله قديدا.
[ 231 ]
(مسألة 805) الاحوط عدم حلية بول ما يؤكل لحمه كالغنم والبقر في
غير الضرورة، ويجوز شرب بول الابل للاستشفأ. (مسألة 806) يحرم رجيع كل حيوان ولو مما حل أكله. والظاهر عدم حرمة فضلات الديدان العالقة بالفواكه ونحوها، وكذا ما في جوف السمك والجراد إذا أكل معهما. (مسألة 807) يحرم الدم من الحيوان ذي النفس حتى العلقة والدم في البيضة، والاقوى حرمة الدم المتخلف في الذبيحة إلا إذا كان مستهلكا فلا بأس به. ويحرم الدم من غير ذي النفس مما يحرم أكله كالوزغ والضفدع والقرد. وأما دم ما يحل أكله كالسمك الحلال فالظاهر حليته إذا أكل مع السمك، بأن أكل السمك بدمه، أما إذا أكل منفردا ففيه إشكال. (مسألة 808) يحل أكل ما لا تحله الحياة من الميتة، من اللبن والبيض إذا اكتسى قشره السميك، والانفحة. (مسألة 809) لا إشكال في حرمة القيح والوسخ والبلغم والنخامة من كل حيوان، وأما البصاق والعرق من غير نجس العين فالظاهر حليتهما، خصوصا الاول وخصوصا إذا كان من الانسان أو مما يؤكل لحمه من الحيوان. ما يحل أكله غير الحيوان وما يحرم (مسألة 810) يحرم تناول الاعيان النجسة، وكذا المتنجسة قبل تطهيرها، مائعة كانت أو جامدة. (مسألة 811) يحرم تناول كل ما يضر بالبدن، سوإ كان موجبا للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين، أو ما يكون
[ 232 ]
سببا للمرض أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة أو لفقد بعض القوى
كأدوية إزالة القدرة الجنسية وأدوية العقم. (مسألة 812) لا فرق في حرمة تناول المضر بين معلوم الضرر ومظنونه، بل ومحتمله أيضا إذا كان احتماله معتدا به عند العقلا بحيث يوجب عندهم خوف الضرر، وكذا لا فرق بين أن يكون الضرر المترتب عليه فعليا، أو بعد مدة. (مسألة 813) يجوز التداوي والمعالجة بما يحتمل فيه الخطر ويؤدي إلى الهلاك أحيانا إذا كان النفع المترتب عليه بالتجربة وحكم أهل الخبرة غالبيا، بل يجوز المعالجة بالمضر ضررا فعليا قطعيا إذا كان يندفع به ما هو أعظم ضررا وأشد خطرا، كقطع بعض الاعضأ لمنع سراية المرض الاكثر ضررا وكذا العمليات الجراحية والكي بالنار، إذا كانت على الموازين العقلائية بأن يكون إجرأ العملية لازما والطبيب حاذقا محتاطا غير متسامح ولا متهور. (مسألة 814) ما كان يضر كثيره دون قليله يحرم كثيره المضر دون قليله غير المضر، والعكس بالعكس، وكذا ما يضر منفردا لا منضما مع غيره يحرم منفردا لا منضما، والعكس بالعكس. (مسألة 815) إذا كان لا يضر تناوله مرة أو مرتين مثلا ولكن يضر إدمانه والتعود عليه يحرم تكراره المضر خاصة، ومن ذلك الافيون بابتلاعه أو شرب دخانه، فإن الاعتياد عليه مضر غاية الضرر وفيه فساد وأي فساد، بل هو بلا عظيم وفساد كبير، أعاذ الله المسلمين منه. فمن أراد شربه لغرض من الاغراض فليحذر أن يكثر أو يكرر فيتعود ويبتلي به، ومن ابتلي بالاعتياد به يجب عليه الاجتهاد في تركه والعلاج بما يزيل عنه هذا الاعتياد، إن لم يكن في تركه ضرر أعظم.
(مسألة 816) يحرم أكل الطين، وكذا المدر وهو الطين اليابس، ويلحق
[ 233 ]
بهما التراب أيضا على الاحوط. نعم لا بأس بما يختلط بالحنطة أو الشعير مثلا من التراب والمدر إذا كان مستهلكا في الخبز بحيث لا يعد من أكل الطين عرفا، وكذا ما يكون على وجه الفواكه إذا كان قليلا بحيث لا يعد أكلا للغبار والتراب، وكذا الممزوج بالمأ وغيره ولو أحس بطعم الطين حين شربه فإن الظاهر أن الحكم دائر مدار الاستهلاك بنظر العرف، ولا اعتبار بالطعم أو اللون، وإن كان الاحتياط بترك شربه إلى أن يصفو حسنا. (مسألة 817) الاحوط إلحاق الارض كلها بالطين حتى الرمل والاحجار. (مسألة 818) يستثنى من الطين طين قبر الحسين عليه السلام للاستشفأ، فإن تربته المقدسة شفأ من كل دأ، وهي من الادوية المفردة، ولا تمر بدأ إلا هضمته. ولا يجوز أكلها لغير الاستشفأ، ولا أكل ما زاد عن قدر الحمصة المتوسطة. ولا يلحق به طين قبر النبي والائمة عليهم السلام على الاحوط إن لم يكن أقوى. نعم لا بأس بأن يمزج طينها بمأ أو عصير والتبرك والاستشفأ بذلك المأ أو العصير، ولا بد أن يستهلك التراب في السائل، وكذا لا بأس بالاستشفأ بغير الاكل، بأن يمسح التراب بموضع الوجع أو يحمله معه تبركا مع مراعاة احترامه. (مسألة 819) لاخذ بالتربة الحسينية المقدسة والاستشفأ بها وتناولها عند الحاجة آداب وأدعية مذكورة في محالها، خصوصا في كتب المزار، كمزار بحار الانوار، والظاهر أنها جميعا شروط لسرعة تأثيرها لا لجواز تناولها.
(مسألة 820) القدر المتيقن من محل أخذ التربة هو القبر الشريف وما يقرب منه على وجه يلحق به عرفا، ولعل الحائر المقدس بأجمعه كذلك، لكن في بعض الاخبار يؤخذ طين قبر الحسين عليه السلام من عند القبر على سبعين ذراعا،
[ 234 ]
وفي بعضها طين قبر الحسين فيه شفأ وإن أخذ على رأس ميل، وفي بعضها أنه يستشفى مما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، وفي بعضها على عشرة أميال، وفي بعضها فرسخ في فرسخ، وروي إلى أربعة فراسخ. ولعل الاختلاف من جهة تفاوت مراتبها في الفضل، فكل ما قرب إلى القبر الشريف كان أفضل، والاحوط الاقتصار على ما حول القبر إلى سبعين ذراعا، وفيما زاد على ذلك أن يستعمل ممزوجا بمأ أو عصير على نحو لا يصدق عليه الطين، ويستشفى به برجأ أن يكون منه، وإن كان الاقوى جواز تناول المشكوك منه في الشبهة الموضوعية. (مسألة 821) يجوز تناول التربة المقدسة للاستشفأ بابتلاعها، أو يحلها في مأ أو عصير ويشربه بنية التبرك والدوأ. (مسألة 822) يكفي في إثبات أن هذا الطين من التربة المقدسة شهادة البينة بل شهادة عدل واحد، بل يكفي إخبار شخص ثقة، ولا يبعد كفاية إخبار ذي اليد أو بذله إياه على أنه من التربة المقدسة، لكن ينبغي أن يستشفى بغير المتيقن أنه منها بحله في المأ ونحوه حتى يستهلك، ليسلم من الاستشفأ بما يحتمل أن يكون حراما واقعا وإن كان حلالا بحسب الظاهر. (مسألة 823) استثنى بعض العلمأ من حرمة أكل الطين أيضا الطين الارمني للتداوي به، وهو غير بعيد، لكن الاحوط عدم تناوله إلا عند
انحصار العلاج به، أو ممزوجا بمأ أو عصير بحيث لا يصدق معه أكل الطين. (مسألة 824) تحريم شرب الخمر من ضروريات الدين، ومستحله في زمرة الكافرين ومكذب للقرآن الكريم. هذا مع الالتفات إلى أنه تكذيب للقرآن والنبي، وأما مع عدم الالتفات فالاحوط للمسلم أن يعامله معاملة الكافر. بل عن مولانا الباقر عليه السلام أنه: لا يبعث الله نبيا ولا يرسل رسولا إلا ويجعل في شريعته تحريم الخمر. وعن الرضا عليه السلام إنه: ما بعث الله نبيا قط إلا بتحريم الخمر.
[ 235 ]
وعن الصادق عليه السلام: إن الخمر أم الخبائث ورأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا يترك حرمة إلا انتهكها ولا رحما ماسة إلا قطعها ولا فاحشة إلا أتاها، وإن من شرب منها جرعة لعنه الله وملائكته ورسله والمؤمنون، وإن شربها حتى سكر منها نزع روح الايمان من جسده وركبت فيه روح سخيفة خبيثة ملعونة ولم تقبل صلاته أربعين يوما، ويأتي شاربها يوم القيامة مسودا وجهه مدلعا لسانه يسيل لعابه على صدره ينادي العطش العطش. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من شرب الخمر بعدما حرمها الله على لساني فليس بأهل أن يزوج إذا خطب، ولا يشفع إذا شفع، ولا يصدق إذا حدث، ولا يعاد إذا مرض، ولا يشهد له جنازة، ولا يؤتمن على أمانة. بل لعن رسول الله صلى الله عليه وآله فيها عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها. وقد ورد: إن من تركها ولو لغير الله بل صيانة لنفسه سقاه الله من الرحيق المختوم.
وقد ورد في بعض الاخبار أنها من أكبر الكبائر وأن مدمنها كعابد وثن وقد فسر المدمن في بعض الاخبار بأنه ليس الذي يشربها كل يوم ولكنه الموطن نفسه أنه إذا وجدها شربها. هذا مع كثرة مضارها التي كشفها الطب في عصرنا وأذعن بها المنصفون من غير ملتنا. (مسألة 825) يلحق بالخمر موضوعا أو حكما كل مسكر، جامدا كان أو مائعا. وما أسكر كثيره دون قليله حرم قليله وكثيره. (مسألة 826) إذا انقلبت الخمر خلا حلت، سوأ كان انقلابها بنفسها أو بعلاج، وسوأ كان العلاج بدون مزج شي فيها أو بمزجه، وسوأ استهلك الخليط فيها قبل أن تنقلب خلا أو بقي منه فيها إلى ما بعد انقلابها، ويطهر ذلك الباقي بالتبعية كما يطهر الانأ، لكن بشرط أن يكون أضيف إليها لتحويلها وأن يصدق عليه أنه تابع لها، فلو صب قليل من الخمر في حب من الخل لتحويلها لا يطهر الخل المتنجس بتبع صيرورة الخمر خلا، بخلاف
[ 236 ]
العكس فلو صب شي من الخل في حب من الخمر لتحويلها يطهر المجموع بصيرورته خلا حتى مثل حبات العنب التي في ذلك الخل. (مسألة 827) يحرم الفقاع إذا غلا ونش وإن لم يظهر سكره، وهو شراب مخصوص كان يتخذ من الشعير في الاغلب، وليس منه مأ الشعير المعروف الذي يصفه الاطبأ. (مسألة 828) يحرم عصير العنب إذا غلى بنفسه أو غلى بالنار، وإذا نش فالاحوط الاجتناب عنه، أما عصير الزبيب وعصير التمر فالاقوى فيهما عدم الحرمة وعدم النجاسة بالغليان إلا بالاسكار.
(مسألة 829) الظاهر أن المأ الذي في جوف حبة العنب بحكم عصير العنب، فيحرم إذا غلى بنفسه أو بالنار. نعم لا يحكم بحرمته ما لم يعلم بغليانه، ولا ملازمة بين غليان مأ القدر وغليان ما في جوفها، فمن علم به حرم عليه ومن لم يعلم به حل له. (مسألة 830) الظاهر أن ما غلى بنفسه من أقسام العصير لا تزول حرمته إلا بالتخليل كالخمر حيث أنها لا تحل إلا بانقلابها خلا ولا أثر فيه لذهاب الثلثين، وأما ما غلى بالنار فتزول حرمته بذهاب ثلثيه وبقأ ثلث منه، والاحوط أن يكون ذلك بالنار لا بالهوأ وطول المكث مثلا، ولا يبعد أن يكون الغليان بحرارة القوة الكهربائية بمنزلة الغليان بالنار. نعم لا يلزم أن يكون ذهاب الثلثين في حال غليانه، بل يكفي كون ذلك مستندا إلى النار ولو بضميمة ما ينقص منه بعد غليانه قبل أن يبرد، فلو غلى حتى ذهب نصفه مثلا ثم وضع القدر على الارض فنقص منه سدسه بالتبخر قبل أن يبرد كفى في الحلية. (مسألة 831) إذا صار العصير المغلي دبسا قبل أن يذهب ثلثاه لا يكفي في حليته على الاحوط.
[ 237 ]
(مسألة 832) إذا خلط العصير بالمأ ثم غلى يكفي في حليته ذهاب ثلثي المجموع وبقأ ثلثه، فلو صب عشرين رطلا من مأ في عشرة أرطال من عصير العنب ثم طبخه حتى ذهب منه عشرون وبقي عشرة فهو حلال، وبهذا يمكن علاج بعض أقسام العصير الذي لا يمكن طبخه بدون إضافة مأ. (مسألة 833) إذا صب على العصير المغلي قبل أن يذهب ثلثاه مقدار من العصير غير المغلي وجب ذهاب ثلثي مجموع ما بقي من الاول مع ما صب
ثانيا، ولا يحسب ما ذهب من الاول قبل أن يصب عليه، فإذا كان في القدر تسعة أرطال من العصير فغلى حتى ذهب منه ثلاثة وبقي ستة ثم صب عليه تسعة أرطال أخر فصار خمسة عشر، يجب أن يغلي حتى يذهب عشرة ويبقى خمسة، ولا يكفي ذهاب تسعة وبقأ ستة. (مسألة 834) لا بأس بأن يطرح في العصير قبل ذهاب الثلثين مثل اليقطين والسفرجل والتفاح وغيرها ويطبخ فيه حتى يذهب ثلثاه، فإذا حل حل ما طبخ فيه. (مسألة 835) يثبت ذهاب الثلثين من العصير المغلي بالعلم وبالبينة وبإخبار ذي اليد المسلم، بل وبالاخذ من المسلم إذا كان ممن يعتقد حرمة ما لم يذهب ثلثاه، بل وإذا لم يعلم إعتقاده أيضا. وإذا علم أنه ممن يستحل العصير المغلي قبل أن يذهب ثلثاه، كأن يعتقد أنه يكفي في حليته صيرورته دبسا، فالاقوى جواز الاعتماد على قوله إذا حصل الاطمئنان بصدقه. (مسألة 836) يحرم تناول مال الغير وإن كان كافرا محترم المال بدون إذنه ورضاه، حتى ورد: أن من أكل من طعام لم يدع إليه فكأنما أكل قطعة من النار. (مسألة 837) يجوز أن يأكل الانسان ولو مع عدم الضرورة من بيوت الذين تضمنتهم الاية الشريفة في سورة النور، وهم الابأ والامهات
[ 238 ]
والاخوان والاخوات والاعمام والعمات والاخوال والخالات، وكذا يجوز لمن كان وكيلا على بيت أحد مفوضا إليه أموره وحفظه بما فيه أن يأكل من بيت موكله، وهو المراد من (ما ملكتم مفاتحه) في الاية الشريفة، وكذا يجوز أن يأكل الصديق من بيت صديقه، وكذا الزوجة من بيت زوجها والاب والام من بيت
الولد. وإنما يجوز الاكل من بيوت هؤلا إذا لم يعلم كراهة صاحب البيت، فتكون ميزة هذه البيوت بعدم توقف جواز الاكل منها على إحراز الرضا والاذن من أصحابها، فيجوز مع الشك، أما مع الظن بالكراهة فالاحوط الاجتناب. والاحوط اختصاص الحكم بما يعتاد أكله من الخبز والتمر والادام والفواكه والبقول ونحوها دون نفائس الاطعمة التي تدخر غالبا لمواقع الحاجة وللاضياف ذوي الشرف والعزة، والظاهر التعدية إلى غير المأكول من المشروبات العادية من المأ واللبن المخيض واللبن الحليب وغيرها. نعم لا يتعدى إلى غير بيوتهم كدكاكينهم وبساتينهم، كما أنه يقتصر على ما في البيت من المأكول، فلا يجوز أن يأخذ مالا من البيت مثلا ويشتري به من الخارج ويأكل. (مسألة 838) تباح جميع المحرمات المذكورة - ما عدا أكل مال الغير بدون رضاه - حال الضرورة، إما لتوقف حفظ نفسه وسد رمقه على تناول المحرم، أو لادأ تركه إلى عروض مرض شديد لا يتحمل عادة، أو تخلف المسافر عن رفقائه مع ظهور أمارة العطب له، أو خيف بتركه على نفس أخرى محترمة، كخوف الحامل على جنينها والمرضع على طفلها. بل ومن الضرورة أيضا خوف طول المرض الذي لا يتحمل عادة أو عسر علاجه بترك التناول. والمدار في الكل على الخوف الحاصل من العلم أو الظن بالترتب، لا مجرد الوهم والاحتمال.
[ 239 ]
أما أكل مال الغير بدون رضاه فإنه لا يحل بالاضطرار، نعم يحل لحفظ النفس والعرض لكونه أهم وليس للاضطرار. (مسألة 839) من الضرورات المبيحة للمحرمات الاكراه والتقية ممن يخاف منه على نفسه أو نفس محترمة، أو على عرضه أو عرض محترم، أما إذا خاف على مال محترم يجب عليه حفظه فتختلف موارده. (مسألة 840) إذا توقف حفظ النفس على ارتكاب محرم يجب ارتكابه، ولا يجوز له التنزه عندئذ، ولا فرق بين الخمر والطين وبين سائر المحرمات في هذا الحكم. (مسألة 841) إذا اضطر إلى محرم وجب أن يقتصر على مقدار الضرورة ولا يجوز له الزيادة، فلا يجوز أن يأكل من الميتة مثلا أكثر من سد رمقه، إلا إذا فرض أن ضرورته لا تندفع إلا بالشبع، فيجوز له أن يأكل إلى حد الشبع. (مسألة 842) يجوز التداوي بالمحرم لمعالجة الامراض إذا انحصر به العلاج ولو بحكم الحذاق الثقات من الاطبأ، والمدار على انحصار العلاج به بالنسبة لما في أيدي الناس من أدوية هذا الدأ، أما الانحصار الواقعي فلا يحيط به إدراك البشر. (مسألة 843) الاقوى جواز التداوي بالخمر بل بكل مسكر مع الانحصار، بشرط العلم بكون المرض قابلا للعلاج بذلك، والعلم بأن ترك معالجته يؤدي إلى الهلاك أو ما يقرب منه، والعلم بانحصار العلاج به، نعم لا يخفى شدة أمر الخمر، فلا يبادر إلى تناولها إلا إذا رأى من نفسه الهلاك لو ترك التداوي بها، ولو كان ذلك بسبب إخبار الاطبأ الحذاق المتدينين بذلك. وإلا فليصطبر على المشقة لعل الباري تعالى شأنه يعافيه عندما يرى منه التحفظ على دينه.
[ 240 ]
فعن الثقة الجليل عبد الله بن أبي يعفور أنه قال: كان إذا أصابته هذه الاوجاع فإذا اشتدت به شرب الحسو من النبيذ فتسكن عنه، فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فأخبره بوجعه وأنه إذا شرب الحسو من النبيذ سكن عنه، فقال له: لا تشربه، فلما أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه فأقبل أهله فلم يزالوا به حتى شرب، فساعة شرب منه سكن عنه، فعاد إلى أبي عبد الله عليه السلام فأخبره بوجعه وشربه، فقال له: يا ابن أبي يعفور لا تشرب فإنه حرام إنما هو الشيطان موكل بك ولو قد يئس منك ذهب. فلما أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه أشد مما كان، فأقبل أهله عليه، فقال لهم: لا والله ما أذوق منه قطرة أبدا، فأيسوا منه أهله، فكان يتهم على شي ولا يحلف، وكان إذا حلف على شي لا يخلف، فلما سمعوا أيسوا منه واشتد به الوجع أياما، ثم أذهب الله به عنه، فما عاد إليه حتى مات رحمة الله عليه. (مسألة 844) إذا اضطر إلى أكل طعام الغير لسد رمقه وكان المالك أيضا مضطرا لم يجب عليه بل لا يجوز له بذله، ولا يجوز للمضطر قهره، وإن لم يكن المالك مضطرا يجب عليه بذله للمضطر، وإن امتنع عن البذل جاز له قهره بل مقاتلته وأخذه منه قهرا. ولا يتعين على المالك بذله مجانا، فله أن لا يبذله إلا بالعوض وليس للمضطر قهره بدونه، فإن اختار البذل بالعوض فإن لم يقدره بمقدار كان له عليه ثمن مثل ما أكله أو مثله إن كان مثليا، وإن أراد تقديره لم يتعين عليه تقديره بثمن المثل أو أقل بل له أن يقدره بأكثر منه، فإذا كان المضطر قادرا على دفعه يجب عليه الدفع إذا طالبه به، وإن كان عاجزا يكون في ذمته إلى أن يتمكن. هذا إذا كان المالك حاضرا، أما إذا كان غائبا فله الاكل منه بمقدار سد
رمقه وتقدير الثمن وجعله في ذمته ولا يكون أقل من ثمن المثل، والاحوط الرجوع إلى الحاكم إن وجد، ومع عدمه فإلى عدول المؤمنين.
[ 241 ]
(مسألة 845) يحرم الاكل على مائدة يشرب عليها شي من الخمر، بل وغيرها من المسكرات، وكذا الفقاع، بل ذهب بعض العلمأ إلى حرمة كل طعام يعصى الله تعالى به أو عليه. خاتمة في آداب الطعام والشراب (مسألة 846) يستحب في الطعام أمور: منها: غسل اليدين معا قبل الطعام وبعده، مائعا كان الطعام أو جامدا، وإذا كانت جماعة على المائدة يبدأ في الغسل قبل الطعام بصاحب الطعام ثم بمن على يمينه ويدور إلى أن يتم الدور على من في يساره. ويبدأ بالغسل بعد الطعام بمن على يسار صاحب الطعام ثم يدور إلى أن يختم بصاحب الطعام. ومنها: المسح بالمنديل بعد الغسل الثاني، وترك المسح به بعد الغسل الاول. ومنها: أن يسمي عند الشروع في الاكل، بل على كل لون على انفراده عند الشروع في الاكل منه. ومنها: أن يحمد الله تعالى بعد الفراغ. ومنها: الاكل باليمين. ومنها: أن يبدأ صاحب الطعام، وأن يكون آخر من يمتنع. ومنها: أن يأكل بثلاث أصابع أو أكثر ولا يأكل بإصبعين، وقد ورد أنه من فعل الجبارين.
ومنها: أن يأكل مما يليه إذا كان مع جماعة على مائدة، ولا يتناول من قدام الاخرين. ومنها: تصغير اللقمة. ومنها: تجويد المضغ. ومنها: طول الجلوس على الموائد وطول الاكل.
[ 242 ]
ومنها: لعق الاصابع ومصها وكذا، لطع القصعة ولحسها بعد الفراغ. ومنها: الخلال بعد الطعام وأن لا يكون بعود الريحان وقضيب الرمان والخوص والقصب. ومنها: التقاط ما يسقط من الخوان خارج السفرة والطبق وأكله، فإنه شفأ من كل دأ إذا قصد به الاستشفأ، وينفي الفقر ويكثر الولد. هذا في غير الصحرأ ونحوها، وأما فيها فيستحب أن يترك للطير والسبع، بل ورد أن ما كان في الصحرأ فدعه ولو فخذ شاة. ومنها: الاكل غدأا وعشيا وعدم الاكل بينهما. ومنها: الافتتاح بالملح والاختتام به، فقد ورد أن فيه المعافاة عن اثنين وسبعين من البلا. وفي خبر آخر: إبدأوا بالملح في أول طعامكم، فلو يعلم الناس ما في الملح لاختاروه على الترياق المجرب. ومنها: غسل الثمار بالمأ قبل أكلها، ففي الخبر: إن لكل ثمرة سما فإذا أتيتم بها اغمسوها في المأ، يعني اغسلوها. ومنها: أن يستلقي بعد الاكل على قفاه ويجعل رجله اليمنى على اليسرى. (مسألة 847) ويكره فيه أمور: فمنها: الاكل على الشبع.
ومنها: التملي من الطعام، ففي الخبر: ما من شي أبغض إلى الله من بطن مملؤ. وفي خبر آخر: أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله إذا امتلا بطنه. وفي خبر آخر: لو أن الناس قصدوا في المطعم لاستقامت أبدانهم. بل ينبغي الاقتصار على ما دون الشبع، ففي الخبر: إن البطن إذا شبع طغى. وفي خبر آخر عن مولانا الصادق عليه السلام: إن عيسى بن مريم قام خطيبا فقال: يا بني إسرائيل لا تأكلوا حتى تجوعوا، وإذا جعتم فكلوا ولا تشبعوا، فإنكم إذا شبعتم غلظت رقابكم وسمنت جنوبكم، ونسيتم ربكم.
[ 243 ]
ومنها: النظر في وجوه الناس عند الاكل على المائدة. ومنها: أكل الحار. ومنها: النفخ على الطعام والشراب. ومنها: إنتظار غير الخبز إذا وضع الخبز. ومنها: قطع الخبز بالسكين. ومنها: أن يوضع الخبز تحت إنأ ويوضع الانأ عليه. ومنها: المبالغة في أكل اللحم الذي على العظم. ومنها: تقشير الثمرة. ومنها: رمي بقية الثمرة قبل الاستقصأ في أكلها. (مسألة 848) يستحب في الشرب أمور: فمنها: أن يشرب المأ مصا لا عبا، فإنه كما في الخبر: يوجد منه الكباد، يعني وجع الكبد.
ومنها: أن يشرب قائما بالنهار، فإنه أقوى وأصح للبدن ويمري الطعام. ومنها: أن يسمي عند الشروع ويحمد الله بعد الفراغ. ومنها: أن يشرب بثلاثة أنفاس. ومنها: التلذذ بالمأ، ففي الخبر: من تلذذ بالمأ في الدنيا لذذه الله من أشربة الجنة. ومنها: أن يذكر الحسين عليه السلام وأهل بيته ويلعن قاتله بعد شرب المأ، فعن داود الرقي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ استسقى المأ، فلما شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه ثم قال لي: يا داود لعن الله قاتل الحسين، فما أنغص ذكر الحسين عليه السلام للعيش، إني ما شربت مأا باردا إلا ذكرت الحسين عليه السلام، وما من عبد شرب المأ فذكر الحسين عليه السلام وأهل بيته ولعن قاتله إلا كتب الله عزوجل له مائة ألف حسنة وحط عنه مائة ألف سيئة ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد.
[ 244 ]
(مسألة 849) ويكره أمور: منها: الاكثار من شرب المأ، فإنه كما في الخبر: مادة لكل دأ. وكان مولانا الصادق عليه السلام يوصي رجلا فقال له: أقل شرب المأ فإنه يمد كل دأ، واجتنب الدوأ ما احتمل بدنك الدأ. وعنه عليه السلام: لو أن الناس أقلوا من شرب المأ لاستقامت أبدانهم. ومنها: شرب المأ بعد أكل الطعام الدسم، فإنه كما في الخبر: يهيج الدأ،
وعن الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أكل الدسم أقل شرب المأ، فقيل له: يا رسول الله إنك لتقل شرب المأ؟ قال: هو أمرأ لطعامي. ومنها: الشرب باليسار. ومنها: الشرب من قيام في الليل، فإنه كما في الخبر يورث المأ الاصفر. ومنها: أن يشرب من عند كسر الكوز إن كان فيه كسر، ومن عند عروته. (مسألة 850) يستحب استحبابا مؤكدا سقى المؤمن وإطعامه ودعوته إلى الطعام، فعن أبي جعفر عليه السلام: من سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم. وعن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سقى مؤمنا شربة من مأ من حيث يقدر على المأ أعطاه بكل شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على المأ فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل. وفي الامالي بإسناده عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن كساه من عري كساه الله من إستبرق وحرير، ومن سقاه شربة من عطش سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن أعانه أو كشف كربته أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. وفي المحاسن قال: سأل رجل أبا جعفر عليه السلام عن عمل يعدل عتق رقبة؟ فقال: لان أدعو ثلاثة نفر من المسلمين فأطعمهم حتى يشبعوا وأسقيهم حتى يرووا، أحب إلي من أن أعتق نسمة ونسمة حتى عد سبعا أو أكثر.
[ 245 ]
كتاب الغصب (مسألة 851) وهو الاستيلا على ما لغيره من مال أو حق عدوانا،
وقد تطابق العقل والنقل كتابا وسنة والاجماع على حرمته، وهو من أفحش الظلم الذي استقل العقل بقبحه، وفي النبوي صلى الله عليه وآله: من غصب شبرا من الارض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وفي نبوي آخر: من خان جاره شبرا من الارض جعله الله طوقا في عنقه من تخوم الارض السابعة حتى يلقى الله يوم القيامة مطوقا، إلا أن يتوب ويرجع. وفي آخر: من أخذ أرضا بغير حق كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر. ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها. (مسألة 852) المغصوب أنواع: فمنه، غصب العين والمنفعة معا، كغصب الدار من مالكها، وغصب العين المستأجرة إذا غصبها غير المؤجر والمستأجر، فهو غاصب للعين من المؤجر وللمنفعة من المستأجر. ومنه: غصب العين دون المنفعة، كما إذا غصب المستأجر العين المستأجرة من مالكها مدة الاجارة. ومنه: غصب المنفعة فقط، كما إذا غصب المالك العين التي آجرها ومنع المستأجر من استيفأ منفعتها مدة الاجارة. ومنه: غصب الحق المالي المتعلق بالعين، كما إذا استولى على أرض محجرة أو عين مرهونة بالنسبة إلى المرتهن الذي له فيها حق الرهانة، ومن
[ 246 ]
ذلك غصب المساجد والمدارس والربط والقناطر والطرق والشوارع العامة، وغصب المكان الذي سبق إليه أحد في المساجد والمشاهد. (مسألة 853) المغصوب منه قد يكون شخصا كما في غصب الاعيان والمنافع المملوكة للاشخاص أو غصب الحقوق كذلك، وقد يكون هو النوع كما في غصب مال تعين خمسا أو زكاة قبل أن يدفع إلى المستحق، وغصب الرباط
المعد لنزول القوافل، والمدرسة المعدة لسكني الطلبة، فإذا استولى على حجرة سكنها أحد الطلبة وانتزعها منه فهو غاصب لحق الشخص، وإذا استولى على أصل المدرسة ومنع أن يسكنها الطلبة، فهو غاصب لحق النوع. (مسألة 854) للغصب حكمان تكليفيان هما: الحرمة، ووجوب رفع اليد والرد إلى المغصوب منه أو وليه. وحكم وضعي وهو الضمان، بمعنى كون المغصوب على عهدة الغاصب وكون تلفه عليه، ويقال لهذا الضمان ضمان اليد. (مسألة 855) يجري الحكمان التكليفيان في جميع أقسام الغصب، فالغاصب في جميعها آثم ويجب عليه رفع اليد ورد المغصوب. وأما الحكم الوضعي وهو الضمان، فيختص بما إذا كان المغصوب من الاموال عينا أو منفعة. أما غصب الحقوق فليس فيه ضمان اليد، لكن في الحقوق التي يبذل بإزائها مال إشكال كحقي التحجير والاختصاص. (مسألة 856) إذا استولى على حر فحبسه لم يتحقق الغصب لا بالنسبة إلى عينه ولا بالنسبة إلى منفعته وإن أثم بذلك وظلمه، سوأ كان كبيرا أو صغيرا فليس عليه ضمان اليد الذي هو من أحكام الغصب، فلو أصابه حرق أو غرق أو مات تحت استيلائه من غير تسبيب منه لم يضمن، وكذا لا يضمن منا فعه، كما إذا كان صاحب صنعة ولم يشتغل بصنعته في تلك المدة، فلا يضمن أجرته وسيأتي حكم الاجير. نعم لو استوفى منه بعض منافعه - كما إذا استخدمه - لزمته أجرته، وكذا لو تلف بتسبيب منه، كما إذا حبسه في دار
[ 247 ]
فيه حية مؤذية فلدغته، أو سبع فافترسه، ضمنه من جهة تسبيبه التلف لا لاجل الغصب
واليد. (مسألة 857) إذا منع غيره من إمساك دابته المرسلة أو من الجلوس على فراشه أو الدخول إلى داره أو بيع متاعه، لم يكن غاصبا لعدم وضع اليد على مال الغير وإن كان عاصيا وظالما له من جهة منعه، فلو هلكت الدابة أو تلف الفراش أو انهدمت الدار أو نقصت قيمة المتاع بعد المنع لم يكن على المانع ضمان من جهة الغصب واليد، لكن إذا كان الهلاك والتلف والانهدام مستندا إليه كما إذا كانت الدابة ضعيفة ومنع المانع المالك عن حفظها فلم يقدر عليه و وقع عليها الهلاك، فللضمان وجه بل لا يخلو من قوة. (مسألة 858) المدار في تحقق الغصب على استيلا الغاصب ظلما على المغصوب وصيرورته تحت يده عرفا أما إذا استولى عليه إحسانا كمن استولى على مال في معرض التلف ليرده على صاحبه أو ليحفظه له فلا يكون غاصبا ولا ضامنا ولو تلف عنده بدون تقصير. لكن من كانت عنده أمانة إذا عزم على خيانتها يكون غاصبا وضامنا. ويختلف الاستيلا باختلاف المغصوبات، ففي المنقول غير الحيوان يتحقق بأخذه باليد أو بنقله إليه أو إلى بيته أو دكانه أو بحفظه في مكان آخر، سوأ فعل ذلك بنفسه أو فعله آخر بأمره، فلو نقل حمال بأمره متاع الغير بدون إذنه إلى بيته مثلا كان بذلك غاصبا للمتاع. ويلحق بالاخذ باليد قعوده على البساط والفراش بقصد الاستيلا، إذا كان مستوليا عليه عرفا. وفي الحيوان يكفي الركوب عليه أو أخذ مقوده وزمامه، بل وكذا سوقه في غياب المالك أو بعد دفعه عنه. وأما غير المنقول فيكفي في غصب الدار مثلا أن يسكنها أو يسكن غيره ممن يأتمر بأمره فيها بعد إزعاج المالك عنها أو غيابه. وكذا لو أخذ مفتاحها
من صاحبها قهرا وكان يغلق الباب ويفتحه ويتردد فيها. ويكفي في غصب
[ 248 ]
البستان المسورة أخذ المفتاح والتردد إليها بعنوان الاستيلا، وإذا لم يكن لها باب ولا حيطان يكفي دخولها والتردد فيها بعد طرد المالك عنها والاستيلا عليها، وكذا الحال في غصب القرية والمزرعة. هذا في غصب الاعيان، وأما غصب المنافع فيحصل بانتزاع العين ذات المنفعة من مالك المنفعة وجعلها تحت يده كما لو استولى على العين المستأجرة غصبا في مدة الاجارة، سوأ استوفى تلك المنفعة أم لا. (مسألة 859) إذا دخل الدار وسكنها مع مالكها، فإن كان المالك غير قادر على دفعه وإخراجه فإن اختص استيلاؤه وتصرفه بقسم معين منها اختص الغصب والضمان بذلك القسم دون بقيتها، وإن كان استيلاؤه وتصرفاته في جميع الدار وأجزائها بنسبة واحدة متساوية مع يد المالك عليها، فالظاهر كونه غاصبا للنصف فيكون ضامنا له خاصة، فلو انهدمت تمام الدار ضمن الساكن نصفها، ولو انهدم بعضها ضمن نصف ذلك البعض، وكذا يضمن نصف منافعها. وإن كان المالك متعددا والغاصب واحدا وتساووا جميعا في التصرف ضمن الغاصب بالنسبة، فإن كان المالك اثنين ضمن الغاصب الثلث، وإن كانوا ثلاثة ضمن الربع، وهكذا. أما إذا كان الساكن ضعيفا ولا يقدر على مقاومة المالك إن أراد إخراجه من داره، فالظاهر عدم تحقق الغصب بمجرد السكنى بدون رضاه، بل ولا اليد، فليس عليه ضمان اليد، نعم عليه بدل ما استوفاه من منفعة الدار لو كان لها بدل.
(مسألة 860) إذا أخذ بمقود الدابة فقادها وكان المالك راكبا عليها، فإن كان المالك ضعيفا بمثابة المحمول عليها، كان القائد غاصبا لها بتمامها وعليه الضمان. ولو كان المالك الراكب قويا قادرا على مقاومته ودفعه متى شأ، فالظاهر عدم تحقق الغصب من القائد أصلا، فلا ضمان عليه لو تلفت في تلك
[ 249 ]
الحال. نعم يضمن لو تلفت بسبب قيادته لها، كما يضمن السائق لو تلفت بسبب سوقه إياها. (مسألة 861) إذا اشترك إثنان في الغصب، فالظاهر أن كلا منهما يضمن النصف، سوأ كان كل منهما قويا قادرا بمفرده على قهر المالك ودفعه والاستيلا على المغصوب، أو كان ضعيفا بانفراده وكان دفع المالك والاستيلا عليه بالتعاون والتعاضد. (مسألة 862) غصب الاوقاف العامة كالمساجد والمقابر والمدارس والقناطر والطرق والشوارع العامة ونحوها والاستيلا عليها، حرام ويجب ردها ورفع اليد عنها، لكن الظاهر أنه لا يوجب الضمان لا عينا ولا منفعة. نعم الاوقاف العامة على العناوين الكلية كالفقرأ والطلبة بنحو وقف المنفعة يوجب غصبها الضمان عينا ومنفعة، كالاعيان المملوكة للاشخاص، فإذا غصب دكانا أو بستانا أو مكانا موقوفا على الفقرأ أو الطلبة فتلفت تحت يده كان ضامنا لعينها وأجرة مثلها مدة غصبها، أما إذا بقيت تحت يده مدة ثم ردها، فعليه أجرة مثلها. (مسألة 863) إذا حبس حرا لم يضمن نفس الحر ولا منافعه ضمان اليد حتى لو كان صاحب صنعة، فليس على الحابس أجرة صنعته مدة حبسه. نعم لو كان أجيرا لغيره ضمن منفعته الفائتة للمستأجر، وكذا لو استخدمه واستوفى
منفعته كان عليه أجرة عمله. أما لو غصب دابة مثلا فيضمن منافعها سوأا استوفاها الغاصب أم لا. (مسألة 864) إذا منع حرا عن عمل له أجرة من غير تصرف واستيفأ ولا وضع يده عليه، لم يضمن عمله ولم يكن عليه أجرته، إلا إذا كان أجيرا لذلك العمل وفات، فإنه يضمن للمستأجر ما فوته بمنعه. (مسألة 865) المبيع الذي يأخذه المشتري والثمن الذي يأخذه البائع في
[ 250 ]
البيع الفاسد يكون في ضمانهما كالمغصوب، سوأ علما بالفساد أو جهلا به، وكذلك الاجرة التي يأخذها المؤجر في الاجارة الفاسدة. وأما المقبوض بالعقد الفاسد غير المعاوضي كالهبة الفاسدة، فليس فيه ضمان. وكذا يلحق بالغصب المقبوض بالسوم، والمراد به ما يأخذه الشخص ليطلع على خصوصياته ويشتريه إذا أعجبه، فيكون في ضمانه، فلو تلف عنده ضمنه. وكذا المقبوض بالقمار والمأخوذ أجرة للزنا وسائر المحرمات، على الاقوى. (مسألة 866) يجب رد المغصوب إلى مالكه ما دام باقيا وإن كان في رده مؤنة، بل وإن استلزم رده الضرر عليه، فلو جعل الحجر المغصوب في بنأ وجب عليه إخراجه إذا كان له بعد الاخراج قيمة ورده لو أراده المالك وإن أدى ذلك إلى خراب البنأ، وكذا اللوح المغصوب في سفينة يجب عليه نزعه إذا كان له بعد النزع قيمة إلا إذا خيف الغرق الموجب لهلاك نفس محترمة أو مال محترم لغير الغاصب العامد، فيصبر المالك حتى يرتفع ذلك المحذور، وعلى الغاصب أجرته في المدة التي كان تحت يده. وإذا نقصت قيمة المغصوب بسبب استعماله أو بسبب نزعه ضمن الغاصب النقص. وكذا إذا خاط ثوبه بخيوط مغصوبة، فإن بقيت للخيوط قيمة بعد نزعها
كان للمالك إلزامه بذلك ولو تعيب الثوب، وإن لم يبق للمغصوب قيمة بسبب خرابه فالظاهر أنه بحكم التالف، فيلزم الغاصب بدفع البدل وليس للمالك مطالبته بالعين. (مسألة 867) إذا مزج المغصوب بما يمكن تمييزه ولو بمشقة كما لو مزج الحنطة بالشعير أو الحمص باللوبيا أو الذرة بالدخن، ولم يرض المالك به مخلوطا يجب عليه أن يميزه ويرده إليه. (مسألة 868) يجب على الغاصب مضافا إلى رد العين إعطأ بدل منفعتها في تلك المدة إن كانت لها منفعة، سوأ استوفاها أم بقيت العين معطلة.
[ 251 ]
(مسألة 869) إذا كانت للعين منافع متعددة وكانت معطلة فالمدار على المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ولا ينظر إلى مجرد قابليتها لبعض المنافع، فمنفعة الدار بحسب المتعارف هي السكنى وإن كانت قابلة لان تستعمل لمنافع أخرى، فالمضمون في غصب كل عين هو المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين. ولو فرض تعدد المنافع المتعارفة منها وكانت أجرة بعضها أكثر ضمن الاكثر. والظاهر أن الحكم كذلك مع الاستيفأ أيضا، فمع تساوي المنافع في الاجرة عليه أجرة ما استوفاه، ومع التفاوت عليه أجرة الاكثر، سوأ استوفى الاكثر أجرة أو الاقل. (مسألة 870) إذا كان المغصوب منه شخصا يجب الرد إليه أو إلى وكيله إن كان كاملا، وإلى وليه إن كان قاصرا، كالصبي والمجنون، فلو رده إليه لم يرتفع عنه الضمان. وإذا كان المغصوب منه هو النوع، كغصب الموقوف على الفقرأ وقف منفعة، فإن كان له متول خاص يرده إليه، وإلا فيرده إلى الولي العام وهو الحاكم،
وليس له أن يرده إلى بعض أفراد النوع كأحد الفقرأ في المثال المذكور. نعم في مثل المساجد والشوارع والقناطر يكفي في ردها رفع اليد عنها وإبقاؤها على حالها، بل يحتمل أن يكون الامر كذلك في المدارس، فإذا غصب مدرسة يكفي في ردها رفع اليد عنها والتخلية بينها وبين الطلبة، لكن الاحوط الرد إلى الناظر الخاص لو كان وإلا فإلى الحاكم، أو إلى الموقوف عليهم الساكنين فيه قبل الغصب بإذن المتولي الشرعي. (مسألة 871) إذا كان المغصوب والمالك كلاهما في بلد الغصب فلا إشكال، وكذا إن نقل المال إلى بلد آخر وكان المالك في بلد الغصب، فإنه يجب عليه إعادة المال إلى ذلك البلد وتسليمه إلى المالك. أما إذا كان المالك في غير بلد الغصب فإن كان في بلد المال فله إلزامه إما بتسليمه له في
[ 252 ]
ذلك البلد، أو بنقله إلى بلد الغصب. وإن كان المالك في بلد آخر غير بلد الغصب وبلد المال فله إلزامه بنقل المال إلى بلد الغصب، وهل للمالك إلزامه بنقله إلى البلد الذي هو فيه، فيه إشكال لكن لو ألزمه فالاحوط (وجوبا) قبول النقل إليه. (مسألة 872) إذا حدث في المغصوب عيب وجب على الغاصب رده معيبا مع أرش النقصان، وهو التفاوت بين قيمته صحيحا وقيمته معيبا وليس للمالك إلزامه بأخذ المعيب ودفع تمام القيمة. ولا فرق على الظاهر بين العيب المستقر والعيب الذي يتزايد شيئا فشيئا حتى يتلف المال بالمرة، فعليه رد المعيب مع أرش ما تلف من قيمته، نعم إذا لم يكن لاحد فيه رغبة وصار مما لا يبذل بإزائه مال، فهو في حكم التلف يضمن الغاصب مثله في المثلي وتمام قيمته في القيمي. (مسألة 873) إذا كان المغصوب باقيا لكن نزلت قيمته السوقية، رده
الغاصب ولم يضمن نقصان القيمة ما لم يكن ذلك بسبب نقصان في العين. (مسألة 874) إذا تلف المغصوب أو ما بحكمه كالمقبوض بالعقد الفاسد والمقبوض بالسوم قبل رده إلى المالك، ضمنه بمثله إن كان مثليا وبقيمته إن كان قيميا. والمراد بالمثلي ما تساوت قيمة أجزائه لتقاربها في غالب الصفات والخواص كالحبوب من الحنطة والشعير والارز والذرة والعدس وغيرها، وكذا الادهان والادوية ونحوها، والمراد من القيمي ما يكون بخلافه كأنواع الحيوان والثياب والجواهر الكبيرة. (مسألة 875) إنما يحكم بأن هذا الشي مثلي بملاحظة أفراد كل صنف من أصنافه، فإذا كان له أصناف كثيرة لا بد أن يكون الضمان من صنف التالف، فلا يجوز دفع الارز المصري مثلا بدل الارز البسمتي، وهكذا، نعم لا ينظر إلى التفاوت اليسير بين أفراد الصنف الواحد.
[ 253 ]
(مسألة 876) إذا تعذر المثل في المثلي ضمن قيمته، وإن تفاوتت قيمته يوم التلف ويوم الغصب ويوم التعذر ويوم الدفع فالمدار على قيمة يوم الدفع دون غيره. (مسألة 877) يكفي في التعذر الذي يوجب دفع القيمة فقدانه في البلد وما حوله مما ينقل منه إليه عادة. (مسألة 878) إذا وجد المثل بأكثر من ثمن المثل وجب عليه شراؤه ودفعه إلى المالك حتى لو كان حرجيا، لان الحرج لا يجوز منع حق الغير ولا التصرف في ماله. (مسألة 879) إذا وجد المثل ولكن نزلت قيمته لم يكن على الغاصب إلا إعطاؤه، وليس للمالك مطالبته بالقيمة ولا بالتفاوت، بل ليس له الامتناع عن
الاخذ فعلا وإبقائه في ذمة الغاصب إلى أن تترقى القيمة إذا كان الغاصب يريد الادأ وتفريغ ذمته فعلا. (مسألة 880) إذا سقط المثل عن المالية بالمرة بسبب الزمان أو المكان فالظاهر أنه ليس للغاصب إلزام المالك بأخذ المثل، فلو غصب منه ثلجا في الصيف وأتلفه وأراد أن يدفع إلى المالك مثله في الشتأ أو غصب منه مأ في صحرأ فأراد أن يدفع إليه مأ في البلد، فليس له ذلك وللمالك الامتناع، فله أن يصبر حتى يصير ذا قيمة فيطالبه بالمثل، وله أن يطالبه بالقيمة فعلا كما إذا تعذر المثل، وحينئذ لا يبعد ضمان قيمة مكان التلف وزمانه إذا كان تالفا، وأما مع بقائه فلا يبعد وجوب قيمته في آخر زمان أو مكان سقط بعده عن القيمة. (مسألة 881) إذا تلف المغصوب وكان قيميا ضمن قيمته، فإن تفاوتت قيمته السوقية بأن كانت قيمته يوم الغصب أكثر من قيمته يوم التلف أو العكس، فالاقوى مراعاة قيمة يوم التلف، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط والتصالح فيما به التفاوت.
[ 254 ]
وأما إن كان تفاوت قيمته من جهة زيادة ونقص في العين كالسمن والهزال فيراعى أعلى القيمة وأحسن الاحوال، بل لو فرض أن قيمته ارتفعت بعد الغصب ثم زال ارتفاعها ثم تلف المغصوب، كأن كان الحيوان هزيلا حين الغصب ثم سمن ثم عاد إلى الهزال وتلف، فإنه يضمن قيمته حال سمنه. (مسألة 882) إذا اختلفت القيمة باختلاف المكان، كما إذا كان المغصوب في بلد الغصب بعشرة وفي بلد التلف بعشرين، فالظاهر اعتبار محل التلف. (مسألة 883) إذا تعذر على الغاصب عادة تسليم المغصوب، وجب عليه
دفع مثله أو قيمته، كما إذا سرق أو دفن في مكان لا يقدر على إخراجه أو شردت الدابة ونحو ذلك، ويسمى ذلك بدل الحيلولة ويملك المالك البدل ويبقى المغصوب أيضا في ملكه، فإن أمكن بعد ذلك تسليم عين المغصوب رده الغاصب إليه وأخذ البدل. ولو كان للبدل نمأ ومنافع في تلك المدة كان للمغصوب منه، إلا نماؤه المتصل كالسمن فهو تابع للعين. وأما المبدل فنماؤه ومنافعه لمالكه لانه باق على ملكه، لكن الغاصب لا يضمن منافعه غير المستوفاة في تلك المدة على الاقوى. (مسألة 884) القيمة التي يضمنها الغاصب في القيميات وفي المثليات عند تعذر المثل تكون نقد البلد الرائج، وكذا جميع الغرامات والضمانات، فليس للضامن دفع غيره إلا بالتراضي. (مسألة 885) الظاهر أن الفلزات والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس كلها مثلية، حتى الذهب والفضة مضروبين أو غير مضروبين، فتضمن جميعها بالمثل، وعند التعذر تضمن بالقيمة كسائر المثليات المتعذرة المثل، ولكن الاحوط (وجوبا) في تقديم الذهب أو الفضة أن يكون بغير جنسه حتى يبتعد عن الربا. (مسألة 886) إذا تعاقبت الايادي الغاصبة على عين ثم تلفت ضمن الجميع، فللمالك أن يرجع ببدل ماله من المثل أو القيمة على كل واحد منهم،
[ 255 ]
وعلى أكثر من واحد بالتوزيع متساويا أو متفاوتا، فلو كان الغاصبون بالتوالي عشرة مثلا، فله أن يرجع على الجميع ويأخذ من كل منهم عشر ما يستحقه من البدل، وله أن يأخذ من أحدهم النصف والباقي من الباقين بالتوزيع، متساويا أو بالتفاوت.
هذا حكم المالك معهم، أما حكم بعضهم مع بعض، فالغاصب الاخير الذي تلف المال عنده عليه قرار الضمان، بمعنى أنه لو رجع عليه المالك وغرمه لم يرجع هو على غيره بما غرمه، إلا إذا كان مغرورا فيرجع على الغار. أما لو رجع المالك على غيره من الغاصبين فله أن يرجع على الاخير الذي تلف المال عنده، كما أن لكل منهم الرجوع على تاليه وهو على تاليه وهكذا إلى الاخير. (مسألة 887) إذا غصب شيئا مثليا مصنوعا صنعة محللة كالحلي من الذهب والفضة وآنية النحاس وشبهها فتلف عنده أو أتلفه، ضمن مثل مادته وقيمة صنعته، ويحتمل قريبا في المصنوع الذي لا توجد له أمثال بخصوصياته أن يكون قيميا، فالاحوط التصالح. أما المصنوعات التي لها أمثال متقاربة جدا، كالمصنوعات بالمكائن والمعامل من أنواع الحلي والظروف والادوات والثياب وغيرها، فالاقرب أنها مثلية فتضمن كلها بالمثل مع مراعاة صنفها. (مسألة 888) إذا غصب المصنوع وتلفت عنده هيأته وصنعته فقط وبقيت عين مادته رد العين وعليه قيمة الصنعة، وليس للمالك إلزامه بإعادة الصنعة، وليس عليه القبول لو بذل الغاصب إعادتها. (مسألة 889) إذا كان المغصوب المثلي مصنوعا بصنعة محرمة كآلات القمار والملاهي وآنية الذهب والفضة ونحوها، لم يضمن الصنعة، سوأ أتلف الصنعة وحدها أو أتلفها مع العين، فيرد مادة المغصوب فقط أو بدلها.
[ 256 ]
(مسألة 890) إذا تعيب المغصوب في يد الغاصب كان عليه أرش النقصان، ولا فرق في ذلك بين الحيوان وغيره. (مسألة 891) إذا غصب شيئين وكانت قيمة كل واحد منهما منفردا أقل
منها إذا كانا مجتمعين كمصراعي الباب والخفين، فتلف أحدهما أو أتلفه ضمن قيمة التالف مجتمعا ورد الباقي مع ما نقص من قيمته بسبب انفراده، فلو كانت قيمتهما مجتمعين عشرة وقيمة كل منهما منفردا ثلاثة رد الموجود وضمن التالف بخمسة وضمن نقص الموجود اثنين. والارجح أنه يضمن السبعة أيضا إذا غصب أحدهما فقط فتلف عنده أو أتلفه. (مسألة 892) زيادة العين المغصوبة بفعل الغاصب إما أن تكون أثرا محضا، كخياطة الثوب بخيوط المالك وغزل القطن ونسج الغزل وطحن الطعام وصياغة الفضة ونحو ذلك. أو عينية محضة، كغرس الاشجار والبنأ في الارض المستوية ونحو ذلك. أو أثرا مشوبا بالعينية كصبغ الثوب ونحوه. (مسألة 893) إذا كانت الزيادة أثرا محضا رد العين كما هي ولا شي له لاجل تلك الزيادة ولا لاجل عمله، وليس له إزالة الاثر وإعادة العين إلى ما كانت بدون إذن المالك. بل لو أزاله بدون إذنه ضمن له قيمته وإن لم تنقص بذلك العين، وللمالك إلزامه بازالة الاثر وإعادة الحالة الاولى للعين إذا كان فيه غرض عقلائي، ولا يضمن الغاصب حينئذ قيمة الصنعة. نعم لو ورد نقص على العين ضمن أرشه. (مسألة 894) إذا غصب أرضا فزرعها أو غرسها ببذره وغرسه فالزرع والغرس ونماؤهما للغاصب وعليه أجرة الارض ما دامت مزروعة أو مغروسة، وعليه إزالة غرسه وزرعه وإن تضرر بذلك، وعليه أيضا طم الحفر وأرش النقص إن نقصت الارض بالزرع والقلع إلا أن يرضى المالك بالبقأ مجانا أو بأجرة. ولو بذل صاحب الارض قيمة الغرس أو الزرع لم يجب على الغاصب
[ 257 ]
إجابته، وكذا لو بذل الغاصب أجرة الارض أو قيمتها لم يجب على صاحب الارض قبولها. وكذا لو بنى بنأ في الارض المغصوبة وكانت مواد البنأ للغاصب فحكمه حكم الغرس بلا فرق. ولو حفر الغاصب في الارض بئرا كان عليه طمها إذا طلب المالك، وليس له طمها إذا منعه من طمها بل مع عدم طلبه أيضا. (مسألة 895) إذا غرس أو بنى في أرض غصبها وكان الغرس أو أجزأ البنأ لصاحب الارض، كان الكل له، وليس للغاصب قلعها أو المطالبة بالاجرة، وللمالك إلزامه بالقلع والهدم إن كان له غرض عقلائي في ذلك. وعلى الغاصب أيضا أرش النقص وكسر القيمة إن حدث. (مسألة 896) إذا غصب ثوبا وصبغه بصبغه، فإن أمكن إزالته مع بقأ مالية للصبغ كان له ذلك وليس لمالك الثوب منعه، كما أن للمالك إلزامه به، ولو ورد نقص على الثوب بسبب إزالة صبغه ضمنه الغاصب، ولو طلب مالك الثوب من الغاصب أن يملكه الصبغ بقيمته لم يجب عليه إجابته، وكذا لا يجب على المالك إجابة الغاصب إذا طلب منه أن يملكه الثوب. هذا إذا أمكن إزالة الصبغ، وأما إذا لم يمكن الازالة أو تراضيا على بقائه اشتركا في الثوب المغصوب بنسبة القيمة بعد الصبغ لا قبله بشرط بقأ مالية لصبغه. فلو زادت قيمة أحدهما بعد الصبغ كانت الزيادة له، ولو نقصت قيمة المصبوغ بالصبغ فعلى الغاصب الارش. (مسألة 897) إذا صبغ الثوب المغصوب بصبغ مغصوب، وبقيت مالية الصبغ حصلت الشركة بين صاحبي الثوب والصبغ بنسبة قيمة كل منهما بعد الصبغ، ولا غرامة على الغاصب إذا لم تنقص قيمة الثوب أو الصبغ، وإن نقصت ضمنه الغاصب لمن ورد عليه.
(مسألة 898) إذا مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج في يده بغير اختياره، مزجا رافعا للتمييز بينهما، فإن كان بجنسه وكانا متماثلين
[ 258 ]
ومتساويين في الجودة، تشاركا في المجموع بنسبة ماليهما وليس على الغاصب غرامة بالمثل أو القيمة. وإن خلط المغصوب بما هو أجود منه أو أردأ، تشاركا أيضا بنسبة المالين، وكان تقسيم العين أو الثمن بينهما بنسبة القيمة، والاحوط (استحبابا) في اختلاط مختلفي القيمة من جنس واحد البيع وتوزيع الثمن بنسبة القيمة لا التقسيم بالتفاضل بنسبتها، وذلك للابتعاد عن شبهة الربا في الثاني. أما إذا اختلط بغير جنسه فإن كان يعد معه تالفا، كما إذا اختلط مأ الورد المغصوب بالزيت، ضمن الغاصب المثل، وإن لم يعد تالفا، كما لو خلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو خلط الخل بالعسل، فالظاهر أنه بحكم الخلط بالاجود أو الاردأ من جنس واحد، فيشتركان في العين بنسبة المالين ويقسمان العين أو يوزعان الثمن بينهما بنسبة القيمتين كما تقدم. (مسألة 899) إذا خلط المغصوب بالاجود أو الاردأ وصار قيمة المخلوط أنقص من قيمة الخليطين منفردين، ضمن الغاصب النقص المالي الوارد على المغصوب، فيستوفي المالك قيمة ماله غير مخلوط من الثمن وما بقي يكون للغاصب. ولو زادت قيمة المجموع بعد الخلط، فالظاهر أن الزيادة لصاحب الاردأ. (مسألة 900) فوائد المغصوب مملوكة لمالكه وإن تجددت بعد الغصب، وهي كلها مضمونة على الغاصب أعيانا كانت كاللبن والولد والشعر والثمر أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابة. بل يضمن الغاصب أيضا كل صفة تزيد بها قيمة المغصوب إذا وجدت في زمان الغصب ثم زالت ونقصت بزوالها
قيمته، وإن رد العين كما كانت قبل الغصب. فلو غصب دابة هزيلة ثم سمنت الدابة فزادت قيمتها بسبب ذلك ثم هزلت، ضمن الغاصب تلك الزيادة التي حصلت ثم زالت، وكذا لو زادت قيمتها لزيادة صفة ثم زالت تلك الصفة ثم عادت، فإن الاقوى أن الغاصب يضمن تلك الصفة وإن عادت.
[ 259 ]
(مسألة 901) إذا حصلت في المغصوب صفة فزادت قيمته ثم زالت فنقصت، ثم حصلت فيه صفة أخرى زادت بها قيمته، فلا يزول ضمان الزيادة الاولى ولا ينجبر نقصانها بالزيادة الثانية، كما إذا سمنت الدابة المغصوبة ثم هزلت فنقصت قيمتها ثم دربها على العمل فزادت قيمتها بقدر الزيادة الاولى أو أزيد لم يزل ضمان الغاصب للزيادة الاولى. (مسألة 902) إذا غصب حبا فزرعه أو بيضا فاستفرخه تحت دجاجته مثلا كان الزرع والفرخ للمغصوب منه، وكذا لو غصب خمرا فصارت خلا أو غصب عصيرا فصار خمرا عنده ثم صار خلا، فإنه ملك للمغصوب منه لا الغاصب. أما لو غصب فحلا فأنزاه على الانثى وأولدها، فالولد لصاحب الانثى وإن كان هو الغاصب، وعليه أجرة الضراب وإن لم يكن صاحب الانثى. (مسألة 903) جميع ما مر من أحكام الضمان وكيفيته وتفاصيله تجري في كل يد وضعت على مال الغير بغير حق وإن لم تكن عادية أو غاصبة أو ظالمة، إلا في موارد الامانات، مالكية كانت أو شرعية كما تقدم في كتاب الوديعة، فتجري في جميع ما يقبض بالمعاملات الفاسدة، وما وضعت عليه اليد بسبب الجهل والاشتباه، كما إذا لبس حذأ غيره أو ثوبه اشتباها، أو أخذ شيئا من سارق عارية باعتقاد أنه ماله وغير ذلك. (مسألة 904) كما أن اليد الغاصبة وما بحكمها توجب الضمان، ويسمى
ضمان اليد، كذلك يوجبه الاتلاف، سوأ كان بالمباشرة أو التسبيب كما يأتي. (مسألة 905) الاتلاف بالمباشرة كما لو ضرب إنأ فكسره أو رمى شيئا في النار فأحرقه، وأمثال ذلك. وأما الاتلاف بالتسبيب فهو إيجاد شي يترتب عليه التلف ولو بالواسطة، كما لو حفر بئرا في الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان، أو طرح ما يعثر به ويزلق كقشور الموز والبطيخ، أو طرح مسامير فأعطب سيارة وأضر بركابها أو أخرج ميزابا على الطريق
[ 260 ]
فأضر بالمارة أو ألقى صبيا أو حيوانا يضعف عن الفرار في صحرأ فهلك أو مسبعة فقتله السبع، ومن ذلك ما لو فك القيد عن الدابة فشردت أو شغل سيارة وتركها فاصطدمت، أو فتح قفصا عن طائر فطار، وغير ذلك، ففي جميع ذلك يكون فاعل السبب ضامنا ويكون عليه غرامة التالف وبدله، إن كان مثليا فبالمثل وإن كان قيميا فبالقيمة، وإن صار سببا لتعيب المال كان عليه الارش، كما مر في ضمان اليد. (مسألة 906) إذا غصب شاة ذات ولد فمات ولدها جوعا، أو حبس مالك الماشية أو راعيها عن حراستها فاتفق تلفها، لم يضمن بسبب التسبيب إلا إذا انحصر غذأ الولد بالارتضاع من أمه وانحصر حفظ الماشية بحراسة راعيها، فالاقوى حينئذ أن عليه الضمان. (مسألة 907) من التسبيب الموجب للضمان ما لو فتح أنبوب مأ أو سائل آخر فسال وتلف، ولو فتح غطأ إنأ فيه مائع ثم قلبته الريح مثلا فسال ما فيه وتلف، فالاقوى الضمان أيضا، خصوصا إذا كان الانأ في معرض ذلك. (مسألة 908) إذا دل سارقا على مال فسرقه لم يكن على الدال ضمان، أما إذا فتح بابا على مال فسرق، فهو يختلف باختلاف الموارد ويشكل القول
بأنه ليس تسبيبا موجبا للضمان. (مسألة 909) إذا وقع الحائط على الطريق مثلا فتلف بوقوعه مال أو نفس لم يضمن صاحبه، إلا إذا كان بناه مائلا إلى الطريق أو مال إليه بعدما كان مستويا وتمكن صاحبه من تقويمه أو الاعلام عن خطره ولم يفعل، فالاقوى أن عليه الضمان في الصورتين. (مسألة 910) إذا وضع إنأا مثلا على حائطه فسقط وتلف به مال أو
[ 261 ]
نفس، لم يضمن إلا إذا وضعه مائلا إلى الطريق أو وضعه بنحو يسقط مثله أو يكون في معرض السقوط، بشرط أن لا يكون ذلك بإقدام من التالف أو المتلف منه. (مسألة 911) من التسبيب الموجب للضمان أن يشعل نارا أو نحوها في ملكه وداره أكثر من قدر حاجته ويعلم أو يظن تعديها إلى ملك جاره، بل الظاهر وجوب الضمان مع علمه أو ظنه بتعديها ولو كانت بمقدار الحاجة، بل لا يبعد الضمان إذا اعتقد عدم كونها متعدية فتبين خلافه. نعم لو كانت شرائط النار ونحوها بحيث يؤمن معها التعدي فصادف سبب آخر فتعدت فالاقوى عدم الضمان. (مسألة 912) إذا أرسل المأ في ملكه فتعدى إلى ملك غيره فأضر به ضمن مطلقا ولو مع اعتقاده عدم التعدي فضلا عما لو علم أو ظن به، بشرط أن لا يكون ذلك مستندا إلى فعل المتضرر وإلا فلا ضمان، وإن كان مستندا إلى غيرهما فالضمان عليه. (مسألة 913) إذا أسند الحمال حمله إلى الجدار بدون إذن صاحب الجدار فوقع الجدار بسببه ضمنه وضمن ما تلف بوقوعه عليه. ولو أسند حمله إلى
الجدار فأتلف شيئا ضمنه، سوأ وقع في الحال أو بعد ساعة إذا كان التلف مستندا إلى إسناده. (مسألة 914) إذا فتح قفصا عن طائر فخرج وكسر بخروجه قارورة شخص مثلا ضمنها الفاتح، وكذا لو كان القفص ضيقا مثلا فاضطرب بخروجه فسقط القفص وانكسر ضمنه. (مسألة 915) إذا أكلت دابة شخص زرع غيره أو أفسدته، فإن كان معها صاحبها راكبا أو سائقا أو قائدا أو مصاحبا ضمن ما أتلفته، وإن لم يكن معها، بأن انفلتت من مراحها مثلا فدخلت زرع غيره، ضمن ما أتلفته ليلا، ولم يضمن ما أتلفته نهارا.
[ 262 ]
(مسألة 916) ما تتلفه الشاة أو الدابة إذا كانت بيد الراعي أو المستعير أو المستأجر يضمنه الراعي والمستأجر والمستعير، لا المالك والمعير. (مسألة 917) إذا اجتمع سببان للاتلاف بفعل شخصين، فإن لم يكن أحدهما أسبق في التأثير اشتركا في الضمان، وإلا كان الضمان على المتقدم في التأثير، فلو حفر شخص بئرا في الطريق ووضع شخص آخر حجرا بقربها فعثر به إنسان أو حيوان فوقع في البئر كان الضمان على واضع الحجر دون حافر البئر، ويحتمل قويا اشتراكهما في الضمان مطلقا. (مسألة 918) إذا اجتمع السبب مع المباشر كان الضمان على المباشر دون فاعل السبب، فلو حفر شخص بئرا في الطريق فدفع آخر فيها إنسانا أو حيوانا، كان الضمان على الدافع دون الحافر إن كان الدافع مختارا في دفعه، وأما إذا خرج عن اختياره فالضمان على الحافر إن كان البئر موجبا للتلف، كما أنه لو كان السبب أقوى من المباشر كان الضمان عليه لا على المباشر، فلو
وضع قارورة تحت رجل شخص نائم فمد رجله فكسرها كان الضمان على الواضع دون النائم. (مسألة 919) لو أكره على إتلاف مال الغير ولم يكن ذلك المال في يده أو كان في يده على غير ضمان كالوديعة كان الضمان على من أكرهه وليس عليه ضمان، لكون ذي السبب أقوى من المباشر. وإذا كان المال مضمونا في يده، كما إذا غصب مالا فأكرهه شخص على إتلافه، فالظاهر ضمان كليهما، فللمالك الرجوع على أيهما شأ، فإن رجع على المكره (بالكسر) لم يرجع على المكره (بالفتح)، بخلاف العكس. أما لو أكرهه على قتل معصوم الدم فقتله فالضمان على القاتل دون المكره وإن كان عليه العقوبة، فإنه لا إكراه في الدمأ. (مسألة 920) إذا غصب مأكولا مثلا وقال: لمالكه هذا ملكي وطعامي، أو قدمه إليه ضيافة فأطعمه إياه وهو لا يعلم أنه ملكه، ضمن الغاصب.
[ 263 ]
نعم لو دخل المالك دار الغاصب مثلا ورأى طعاما فأكله باعتقاد أنه طعام الغاصب فكان طعام الاكل، فالظاهر عدم ضمان الغاصب، وتبرأ ذمته. (مسألة 921) إذا غصب طعاما من شخص وأطعمه غير المالك على أنه ماله مع جهل الاكل بأنه مال غيره، ضمن كلاهما، فللمالك أن يغرم أيهما شأ، فإن أغرم الغاصب لم يرجع على الاكل، وإن أغرم الاكل رجع على الغاصب لانه قد غره. (مسألة 922) إذا سعى إلى الظالم بأحد أو اشتكى عليه عنده بحق أو بغير حق، فأخذ الظالم منه مالا بغير حق، لم يضمن الساعي والمشتكي ما أخذه الظالم، لكن يأثم الساعي بسعايته أو شكايته إذا كانت بغير حق، وإنما الضمان على من أخذ المال.
(مسألة 923) إذا تلف المغصوب وتنازع المالك والغاصب في القيمة ولم تكن بينة، فالقول قول الغاصب مع يمينه بنأ على المختار من اشتغال ذمة الضامن بالقيمة بتلف العين المضمونة. وكذا لو تنازعا في صفة يزيد بها الثمن، بأن ادعى المالك أنها كانت موجودة يوم غصبه أو حدثت بعده، وإن زالت، وأنكرها الغاصب ولم تكن بينة، فالقول قول الغاصب مع يمينه. (مسألة 924) إذا كان على الدابة المغصوبة أو في السيارة المغصوب رحل ونحوه واختلفا فقال المغصوب منه: هو لي، وقال الغاصب: هو لي ولم توجد بينة، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه صاحب يد فعلية عليه.
[ 264 ]
كتاب إحيأ الموات والمشتركات إحيأ الموات (مسألة 925) الموات هي الارض العطلة التي لا ينتفع بها، إما لانقطاع المأ عنها أو لاستيلا المأ أو الرمل أو السبخ أو الاحجار عليها، أو لاستيجامها والتفاف القصب والاشجار فيها أو لغير ذلك، وهي على قسمين: الاول: الموات بالاصل، وهي ما لم يسبق بالاحيأ، وإن لم يعلم ذلك يعامل معاملة الموات بالاصل. الثاني: الموات بالعارض، وهي ما عرض عليها الخراب والموتان بعد الحياة والعمران، كالاراضي الدارسة التي فيها آثار المرور والانهار والقرى الخربة التي بقيت منها رسوم العمارة. (مسألة 926) الموات بالاصل وإن كانت ملكا للامام عليه السلام لانها من الانفال، لكن يجوز في زمان الغيبة لكل أحد إحياؤها مع الشروط
الاتية ويملكها المحيي على الاقوى، سوأ كانت في دار الاسلام أو في دار الكفر، وسوأ كانت في أرض الخراج كأرض العراق أو في غيرها، وسوأ كان المحيي مسلما أو كافرا. (مسألة 927) الموات بالعارض على قسمين: الاول: ما باد أهلها
[ 266 ]
وصارت بسبب مرور الزمان بلا مالك، كالاراضي الدارسة والقرى والبلاد الخربة والقنوات الطامسة التي كانت للامم الماضية، الذين لم يبق منهم إسم ولا رسم أو نسبت إلى أقوام أو أشخاص لم يعرف منهم إلا الاسم. وهذا بحكم الموات بالاصل فهي من الانفال يجوز إحياؤها ويملكها المحيي، ولا يحتاج إلى الاذن من حاكم الشرع أو الشرأ منه. الثاني: ما كان مالكها موجودا لكن لم يعرف، ولم يعلم إعراضه عنها، وتسمى مجهولة المالك، ولا إشكال في جواز إحيائها وتعميرها والتصرف فيها بأنواع التصرفات، وفي جواز تملك عينها ومنفعتها إشكال فالاحوط أن يتفحص عن صاحبها وبعد اليأس عنه تعامل معاملة مجهول المالك، فيشتري عينها من حاكم الشرع ويصرف ثمنها على الفقرأ، أو يستأجرها منه بأجرة معينة، أو يقدر ما هو أجرة مثلها لو انتفع بها ويتصدق بها على الفقرأ. وأحوط منه أن يستأذن الحاكم في أصل الاحيأ أيضا، فيأذن له على ما يؤدي إليه نظره من التملك بالاحيأ بعوض أو بلا عوض والانتفاع كذلك، ويتصدق الحاكم بالعوض على الفقرأ، كما أن الاحوط لصاحب الارض التصالح والتراضي مع المحيي إذا أحياها بقصد التملك. نعم لو علم أن مالكها قد أعرض عنها أو انجلى عنها أهلها وتركوها لقوم آخرين جاز إحياؤها وتملكها بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم.
(مسألة 928) إذا كان ما طرأ عليه الخراب من أرض أو بنأ مملوكا لمالك معلوم وأعرض عنه جاز لكل أحد إحياؤه وتملكه. وإن لم يعرض عنه فإن أبقاه مواتا للانتفاع به أرضا مرعى لدوابه أو لبيع حشيشها أو قصبها وخشبها ونحو ذلك، فلا يجوز لاحد إحياؤها والتصرف فيها بدون إذن مالكها. وكذا إذا كان هاما بإحيائها عازما عليه وإنما أخره لتهيئة الاسباب المتوقعة الحصول أو لانتظار وقت مناسب لذلك. وأما لو ترك تعميرها وإصلاحها وأبقاها معطلة حتى خربت لعدم الاعتنأ