الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بداية المجتهد ونهاية المقتصد - ابن رشد الحفيد ج 2

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ابن رشد الحفيد ج 2


[ 1 ]

بداية المجتهد و نهاية المقتصد للامام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الاندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) المتوفي سنة 595 ه‍ تنقيح وتصحيح خالد العطار الجزء الثاني طبعة جديدة منقحة ومصححة إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

جميع حقوق اعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م بيروت - لبنان دار الفكر: حارة حريك - شارع عبدالنور - برقيا: فكسي - تلكس: 41392 فكر ص. ب: 61. 7 / 11 - تلفون: 643681 - 838053 - 837898 - دولي: 860962 فاكس: 2124187875 - 001

[ 3 ]

من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين حديث شريف بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النكاح وأصول هذا الكتاب تنحصر في خمسة أبواب: الباب الاول: في مقدمات النكاح. الباب الثاني: في موجبات صحة النكاح. الباب الثالث: في موجبات الخيار في النكاح. الباب الرابع: في حقوق الزوجية. الباب الخامس: في الانكحة المنهي عنها والفاسدة. الباب الاول: في مقدمات النكاح وفي هذا الباب أربع مسائل في حكم النكاح وفي حكم خطبة النكاح، وفي الخطبة على الخطبة، وفي النظر إلى المخطوبة قبل التزويج. فأما حكم النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه، وهم الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب وقال المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، وذلك بحسب ما يخاف على نفسه من العنت. وسبب اختلافهم: هل تحمل صيغة الامر به في قوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * وفي قوله عليه الصلاة والسلام تناكحوا فإني مكاثر بكم الامم وما أشبه ذلك من الاخبار الواردة في ذلك على الوجوب أم على الندب أم على الاباحة؟. فأما من قال إنه في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، فهو التفات إلى المصلحة، وهذا النوع من القياس هو الذي يسمى المرسل، وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه، وقد أنكره كثير من العلماء، والظاهر من مذهب مالك القول به. وأما خطبة النكاح المروية عن النبي (ص) فقال الجمهور إنها ليست واجبة، وقال داود هي واجبة. وسبب الخلاف: هل يحمل فعله في ذلك عليه الصلاة والسلام على الوجوب أو على الندب؟ فأما الخطبة على الخطبة، فإن النهي في ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة

[ 4 ]

والسلام. واختلفوا هل يدل ذلك على فساد النهي عنه أو لا يدل، وإن كان يدل ففي أي حالة يدل؟ فقال داود يفسخ، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفسخ، وعن مالك القولان جميعا، وثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ بعده، وقال ابن القاسم: إنما معنى النهي إذا خطب رجل صالح على خطبة رجل صالح، وأما إن كان الاول غير صالح والثاني صالح جاز. وأما الوقت عند الاكثر فهو إذا ركن بعضهم إلى بعض لا في أول الخطبة، بدليل حديث فاطمة بنت قيس، جاءت إلى النبي (ص) فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها، فقال: أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة. وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين. ومنع ذلك قوم على الاطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين. والسبب في اختلافهم: أنه ورد الامر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * أنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الاكثر، ومن منع تمسك بالاصل وهو تحريم النظر إلى النساء. الباب الثاني: في موجبات صحة النكاح وهذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أركان: الركن الاول: في معرفة كيفية هذا العقد. الركن الثاني: في معرفة محل هذا العقد. الثالث: في معرفة شروط هذا العقد. الركن الاول: في الكيفية. والنظر في هذا الركن في مواضع: في كيفية الاذن المنعقد به، ومن المعتبر رضاه في لزوم هذا العقد، وهل يجوز عقده على الخيار أم لا يجوز؟ وهل إن تراخى القبول من أحد المتعاقدين لزم ذلك العقد، أم من شرط ذلك الفور؟ الموضع الاول: الاذن في النكاح على ضربين: فهو واقع في حق الرجال والثيب من النسا بالالفاظ. وهو في حق الابكار المستأذنات واقع بالسكوت: أعني الرضا. وأما الرد فباللفظ ولا خلاف في هذه الجملة إلا ما حكي عن أصحاب الشافعي أن إذن البكر إذا كان المنكح غير أب ولا جد بالنطق، وإنما صار الجمهور إلى أن إذنها بالصمت للثابت من قوله عليه الصلاة والسلام الايم أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها واتفقوا على أن انعقاد النكاح بلفظ النكاح ممن إذنه اللفظ وكذلك بلفظ التزويج. واختلفوا في انعقاده بلفظ الهبة أو بلفظ البيع أو بلفظ الصدقة، فأجازه قوم، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج. وسبب اختلافهم: هل هو عقد يعتبر فيه

[ 5 ]

مع النية اللفظ الخاص به؟ أم ليس من صحته اعتبار اللفظ؟ فمن ألحقه بالعقود التي يعتبر فيها الامران قال: لا نكاح منعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، ومن قال: إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما ليس من شرطه اللفظ أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك، أعني أنه إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة. الموضع الثاني: وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد، فإنه يوجد في الشرع على ضربين: أحدهما: يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما: أعني الزوج والزوجة، إما مع الولي، وإما دونه على مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها. والثاني: يعتبر فيه رضا الاولياء فقط، وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها، ومسائل اختلفوا فيها، ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول: أما الرجال البالغون الاحرار المالكون لامر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح، واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره؟ فقال مالك: يجبر السيد عبده على النكاح، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجبره. والسبب في اختلافهم: هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه؟ وكذلك اختلفوا في جبر الوصي محجوره، والخلاف في ذلك موجود في المذهب. وسبب اختلافهم: هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه الملاذ؟ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك. وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح، فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله عليه الصلاة والسلام والثيب تعرب عن نفسها إلا ما حكي عن الحسن البصري. واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهمنها الفساد. فأما البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للاب فقط أن يجبرها على النكاح، وقال أبو حنيفة والثوري والاوزاعي وأبو ثور وجماعة: لا بدمن اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه. وسبب اختلافهم: معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم، وذلك أن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها وقوله تستأمر اليتيمة في نفسها خرجه أبو داود، والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات الاب بخلاف اليتيمة، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور والبكر تستأمر يوجب بعمومه استئمار كل بكر. والعموم أقوى من دليل الخطاب، مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة، وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام: والبكر يستأذنها أبوها وهو نص في موضع الخلاف. وأما الثيب الغير البالغ، فإن مالكا وأبا حنيفة قالا: يجبرها الاب على النكاح، وقال الشافعي: لا يجبرها، وقال المتأخرون: إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال: قول إن الاب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق، وهو قول أشهب، وقول إنه يجبرها وإن بلغت، وهو قول سحنون، وقول

[ 6 ]

إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ، وهو قول أبي تمام، والذي حكيناه عن مالك هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار، وغيره عنه. وسبب اختلافهم: معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها ولا تنكح اليتيمة إلا بإذنها يفهم منه أن ذات الاب لا تستأمر إلا ما أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها يتناول البالغ وغير البالغ، وكذلك قوله لا تنكح الايم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن يدل بعمومه على ما قاله الشافعي. ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر: وهو استنباط القياس من موضع الاجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الاب يجبر البكر غير البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في موجب الاجبار هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر البكر البالغ، ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة، ومن قال كل واحمنهما يوجب الاجبار إذا انفرد قال: تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ، والتعليل الاول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والاصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة. واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الاجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التى تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك، وأنها لا تكون بزنا ولا بغصب، وقال الشافعي: كل ثيوبة ترفع الاجبار. وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام: (الثيب احق ينفسها من وليها) باثيوبة الشرعية أم باثيوبة اللغوية؟ واتفقوا على أن الاب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا يستامرها لما ثبت: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح چكم بقوله عليه روي من الخلاف عن ابن شبرمة. واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما: هل يزوج الصغيرة غير الاب؟ والثانية: هل يزوج الصغير غير الاب؟ فأما هل يزوج الصغيرة غير الاب أم لا؟ فقال الشافعي: يزوجها الجد أبو الأب والاب فقط، وقال مالك: لا يزوجها إلا الاب فقط، أو من جعل الاب له ذلك إذا عين الزوج إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد، وقال أبو حنيفة: يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك، ولها الخيار إذا بلغت. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للقياس، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام والبكر تستأمر وإذنها صماتها يقتضي العموم في كل بكر إلا ذات الاب التي خصصها الاجماع، إلا الخلاف الذي ذكرناه، وكون سائر الاولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالاب في هذا المعنى، فمنهم من ألحق به جميع الاولياء ومنهم من ألحق به الجد فقط، لانه فمعنى الاب إذ كان أبا أعلى، وهو الشافعي، ومن قصر ذلك على الاب رأى أن ما للاب في ذلك غير موجود

[ 7 ]

لغيره، إما من قبل أن الشرع خصه بذلك وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره، وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه، وما ذهب إليه أظهر والله أعلم إلا أن يكون هناك ضرورة. وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * قال: واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة. والفريق الثاني قالوا: إن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة والمستأمرة هي من أهل الاذن وهي البالغة، فيكون لاختلافهم سبب آخر، وهو اشتراك اسم اليتيم، وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الاب لها بقوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها قالوا: والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق، فوجب المنع، ولاولئك أن يقولوا: أن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار، وأما الصغيرة فمسكوت عنها. وأما: هل يزوج الولي غير الاب الصغير؟ فإن مالكا أجازه للوصي، وأبا حنيفة أجازه للاولياء، إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ، ولم يوجب ذلك مالك. وقال الشافعي: ليس لغير الاب إنكاحه. وسبب اختلافهم: قياس غير الاب في ذلك على الاب. فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للاب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الاب لم يجز ذلك ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك. ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة فلان الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا. وأما الموضع الثالث: وهو هل يجوز عقد النكاح على الخيار، فإن الجمهور على أنه لا يجوز، وقال أبو ثور يجوز. والسبب في اختلافهم: تردد النكاح بين البيوع التي لا يجوز فيها الخيار، والبيوع التي يجوز فيها الخيار، أو نقول إن الاصل في العقود أن لا خيار إلا ما وقع عليه النص وعلى المثبت للخيار الدليل، أو نقول إن أصل منع الخيار في البيوع هو الغرر والانكحة لا غرر فيها، لان المقصود بها المكارمة لا المكايسة، ولان الحاجة إلى الخيار والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع. وأما تراخي القبول من أحد الطرفين عن العقد، فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير، ومنعه قوم، وأجازه قوم وذلك مثل أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها، فيبلغها النكاح فتجيزه، وممن منعه مطلقا الشافعي، وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه، والتفرقة بين الامر الطويل والقصير لمالك. وسبب الخلاف: هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا، أم ليس ذلك من شرطه؟ ومثل هذا الخلاف عرض في البيع.

[ 8 ]

الركن الثاني: في شروط العقد، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الاول: في الاولياء، والثاني: في الشهود، والثالث: في الصداق. الفصل الاول: في الاولياء والنظر في الاولياء في مواضع أربعة: الاول: في اشتراط الولاية في صحة النكاح. الموضع الثاني: في صفة الولي. الثالث: في أصناف الاولياء وترتيبهم في الولاية. وما يتعلق بذلك. الرابع: في عضل الاولياء من يلونهم، وحكم الاختلاف الواقع بين الولي والمولى عليه. الموضع الاول: اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست بشرط؟ فذهب مالك إلى أنه لا يكون النكاح إلا بولي، وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري: إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفؤا جاز، وفرق داود بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب. ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع: أن اشتراطها سنة لا فرض، وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي، وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها، وكان يستحب أن تقدم الثيب وليها ليعقد عليها، فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك. أعني أنهم يقولون إنها من شروط الصحة لا من شروط التمام. وسبب اختلافهم: أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة. وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك، والاحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل، لان الاصل براءة الذمة. ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان ونبين وجه الاحتمال في ذلك. فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى: * (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) * قالوا: وهذا خطاب للاولياء، ولو لم يكن لهم في الولاية لما نهوا عن العضل. وقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا) * قالوا: وهذا خطاب للاولياء أيضا. ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الاحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص) أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (ثلاث مرات) وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها. فإن اشتجروا فالسلطان

[ 9 ]

ولي من لا ولي له خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن وأما ما احتج به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة. فقوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما فعلفي أنفسهن بالمعروف) * قالوا: وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسه. قالوا وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال: * (أن ينكحن أزواجهن) * وقال * (حتى تنكح زوجا غيره) * وأما من السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: الايم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى، فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع. فأما قوله تعالى: * (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) * فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح، وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد، لا حقيقة ولا مجازا، أعني بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا، وهو أن الاولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم، وكذلك قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) * هو أن يكون خطابا لاولي الامر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للاولياء، وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابا للاولياء أو لاولي الامر. فمن احتج بهذه الآية فعليه البيان أنه أظهر في خطاب الاولياء منه في أولي الامر، فإن قيل إن هذا عام والعام يشمل ذوي الامر والاولياء قيل إن هذا الخطاب إنما هو خطا ب بالمنع، والمنع بالشرع، فيستوي فيه الاولياء وغيرهم، وكون الولي مأمورا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الاذن أصله الاجنبي، ولو قلنا إنه خطاب للاولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل، لانه ليس فيه ذكر أصناف الاولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا من التواتر. لان هذا مما تعم به البلوى، ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له. ولم ينقل عنه (ص) أنه كان يعقد أنكحتهم ولا ينصب لذلك من يعقدها، وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات وهذا ظاهر، والله أعلم. وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به، والاظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به. وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي: أعني المولى عليها، وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد

[ 10 ]

على نفسها، أعني أن لا تكون هي التي تلي العقد بل الاظهر منه أنه إذا أذن الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي معها. وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف) * فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن، وليس ههنا شئ يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح. فظاهر هذه الآية - والله أعلم - أن لها أن تعقد النكاح وللاولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع إلا أن هذا لم يقل به أحد، وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم ولا يحتج ببعضها فيه ضعف. وأما إضافة النكاح إليهن فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد، لكن الاصل هو الاختصاص إلا أن يقوم الدليل على خلاف ذلك. وأما حديث ابن عباس فهو لعمري ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر، لانه إذا كان كل واحد منهما يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا ليت شعري تكون الايم أحق بنفسها من وليها؟ وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث أحرى من أن يكون معارضا له، ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط، ويكون السكوت كافيا في العقد والاحتجاج بقوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) * هو أظهر في أن المرأة تلي العقد من الاحتجاج بقوله: * (ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا) * على أن الولي هو الذي يلي العقد. وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة، وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزهري. وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه، قالوا: والدليل على ذلك أن الزهري لم يكن يشترط الولاية، ولا الولاية من مذهب عائشة. وقد احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولكنه مختلف في رفعه. وكذلك اختلفوا أيضا في صحة الحديث الوارد في نكاح النبي عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأمره لابنها أن ينكحها إياه. وأما احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل، وذلك أنه يمكن أن يقال إن الرشد إذا وجد في المرأة اكتفي به في عقد النكاح كما يكتفى به في التصرف في المال، ويشبه أن يقال إن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير الاموال، فاحتاط الشرع بأن جعلها محجوزة في هذا المعنى على التأبيد، مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى أوليائها، لكن يكفي في ذلك أن يكون للاولياء الفسخ أو الحسبة، والمسألة محتملة كما ترى، ولكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الاولياء وأصنافهم ومراتبهم، فإن تأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإذا كان لا يجوز عليه - عليه الصلاة والسلام - تأخير البيان عن وقت

[ 11 ]

الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه (ص) تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم ينقل، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين: إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح وإنما للاولياء الحسبة في ذلك، وإما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم، ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الابعد مع وجود الاقرب. الموضع الثاني: وأما النظر في الصفات الموجبة للولاية والسالبة لها، فإنهم اتفقوا على أن شرط الولاية: الاسلام والبلوغ والذكورة، وأن سوالبها أضداد هذه: أعني الكفر والصغر والانوثة. واختلفوا في ثلاثة: في العبد والفاسق والسفيه. فأما العبد فالاكثر على منع ولايته، وجوزها أبو حنيفة. وأما الرشد فالمشهور في المذهب: أعني عند أكثر أصحاب مالك أن ذلك ليس من شرطها، وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي، وبقول الشافعي قال أشهب وأبو معصب. وسبب الخلاف: تشبيه هذه الولاية بولاية المال، فمن رأى أنه قد يوجب الرشد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال: ليس من شرطه أن يكون رشيدا في المال، ومن رأى أن ذلك ممتنع الوجود قال: لا بد من الرشد في المال، وهما قسمان كما ترى. أعني أن الرشد في المال غير الرشد في اختيار الكفاءة لها. وأما العدالة فإنما اختلفوا فيها من جهة أنها نظر للمعنى: أعني هذه الولاية فلا يؤمن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفاءة. وقد يمكن أن يقال إن الحالة التي بها يختار الاولياء لمولياتهم الكف ء غير حالة العدالة وهي خوف لحوق العار بهم، وهذه هي موجودة بالطبع وتلك العدالة الاخرى مكتسبة، ولنقص العبد يدخل الخلاف في ولايته كما يدخل في عدالته. الموضع الثالث: وأما أصناف الولاية عند القائلين بها فهي نسب وسلطان ومولى أعلى وأسفل. ومجرد الاسلام عند مالك صفة تقتضي الولاية على الدنيئة. واختلفوا في الوصي، فقال مالك: يكون الوصي وليا، ومنع ذلك الشافعي. وسبب اختلافهم: هل صفة الولاية مما يمكن أن يستناب فيها، أم ليس يمكن ذلك؟ ولهذا السبب بعينه اختلفوا في الوكالة في النكاح، لكن الجمهور على جوازها، إلا أبا ثور، ولا فرق بين الوكالة والايصاء، لان الوصي وكيل بعد الموت، والوكالة تنقطع بالموت. واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب. فعند مالك أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن، فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية، والابناء عنده أولى وإن سفلوا ثم الآباء ثم الاخوة للاب والام. ثم للاب ثم بنو الاخوة للاب والام ثم للاب فقط ثم الاجداد للاب وإن علوا. وقال المغيرة: الجد وأبوه أولى من الاخ، وابنه ليس من أصل، ثم العمومة على ترتيب الاخوة وإن سفلوا ثم المولى

[ 12 ]

ثم السلطان. والمولى الاعلى عنده أحق من الاسفل، والوصي عنده أولى من ولي النسب: أعني وصي الاب. واختلف أصحابه فيمن هو أولى: وصي الاب أو ولي النسب؟ فقال ابن القاسم: الوصي أولى، مثل قول مالك، وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم: الولي أولى. وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا، وفي تقديم الاخوة على الجد فقال: لا ولاية للابن، وروي عن مالك أن الاب أولى من الابن وهو أحسن، وقال أيضا: الجد أولى من الاخ، وبه قال المغيرة، والشافعي اعتبر التعصيب، أعني أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي (ص) أمر ابنها أن ينكحها إياه ولانهم اتفقوا: أعنمالكا والشافعي على أن الابن يرث الولاء الواجب للام، والولاء عندهم للعصبة. وسبب اختلافهم في الجد: هو اختلافهم فيمن هو أقرب: هل الجد أو الاخ؟ ويتعلق بالترتيب ثلاث مسائل مشهورة: أحدها: إذا زوج الابعد مع حضور الاقرب. والثانية: إذا غاب الاقرب هل تنتقل الولاية إلى الابعد أو إلى السلطان؟ والثالثة: إذا غاب الاب عن ابنته البكر هل تنتقل الولاية أو لا تنتقل؟ فأما المسألة الاولى: فاختلف فيها قول مالك، فمرة قال: إن زوج الابعد مع حضور الاقرب فالنكاح مفسوخ، ومرة قال: النكاح جائز، ومرة قال: للاقرب أن يجيز أو يفسخ، وهذا الخلاف كله عنده فيما عدا الاب في ابنته البكر والوصي في محجورته، فإنه لا يختلف قوله أن النكاح في هذين مفسوخ، أعني تزويج غير الاب البنت البكر مع حضور الاب أو غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي، وقال الشافعي: لا يعقد أحد مع حضور الاب لا في بكر ولا في ثيب. وسبب هذا الاختلاف: هو هل الترتيب حكم شرعي: أعني ثابتا بالشرع في الولاية، أم ليس بحكم شرعي؟ وإن كان حكما فهل ذلك حق من حقوق الولي الاقرب، أم ذلك حق من حقوق الله؟ فمن لم ير الترتيب حكما شرعيا قال: يجوز نكاح الابعد مع حضور الاقرب، ومن رأى أنه حكم شرعي ورأى أنه حق للولي قال: النكاح منعقد، فإن أجازه الولي جاز، وإن لم يجزه انفسخ، ومن رأى أنه حق لله قال: النكاح غير منعقد، وقد أنكر قوم هذا المعنى في المذهب: أعني أن يكون النكاح منفسخا غير منعقد. وأما المسألة الثانية: فإن مالكا يقول: إذا غاب الولي الاقرب انتقلت الولاية إلى الابعد، وقال الشافعي: تنتقل إلى السلطان. وسبب اختلافهم: هل الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا؟ وذلك أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في الموت. وأما المسألة الثالثة: وهي غيبة الاب عن ابنته البكر، فإن في المذهب فيها تفصيلا واختلافا، وذلك راجع إلى بعد المكان وطول الغيبة أو قربه والجهل بمكانه أو العلم به.

[ 13 ]

وحاجة البنت إلى النكاح إما لعدم النفقة، وإما لما يخاف عليها من عدم الصون. وإما للامرين جميعا، فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو كان الاب مجهول الوضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة، أنها إن لم تدع إلى التزويج لا تزوج وإن دعت فتزوج عند الاسر وعند الجهل بمكانه. واختلفوا هل تزوج مع العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا، فقيل تزوج وهو قول مالك، وقيل لا تزوج، وهو قول عبد الملك وابن وهب. وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير صون فإنها تزوج أيضا في هذه الاحوال الثلاثة: أعني في الغيبه البعيدة، وفي الاسر، والجهل بمكانه، وكذلك إن اجتمع الامران فإذا كانت في غير صون تزوج وإن لم تدع إلى ذلك، ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة المعلومة لمكان إمكان مخاطبته، وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن كان الموضع قريبا. وإذا قلنا إنه تجوز ولاية الابعد مع حضور الاقرب، فإن جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما، فإنه لا يخلو أن يكون تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا، ثم لا يخلو ذلك من أن يعلم المتقدم أو لا يعلم، فأما إذا علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها للاول إذا لم يدخل بها واحد منهما واختلفوا إذا دخل الثاني، فقال قوم: هي للاول، وقال قوم هي للثاني، وهو قول مالك وابن القاسم، وبالاول قال الشافعي وابن عبد الحكم، وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف. وسبب الخلاف: في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس، وذلك أنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: أيما امرأة أنكحها وليان فهي للاول منهما فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للاول دخل بها الثاني أو لم يدخل، ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف. وأما إن لم يعلم الاول فإن الجمهور على الفسخ، وقال مالك: يفسخ ما لم يدخل أحدهما، وقال شريح: تخير فأيهما اختار ت كان هو الزوج، وهو شاذ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز. الموضع الرابع: في عضل الاولياء: واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كف ء وبصداق مثلها وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها ما عدا الاب، فإنه اختلف فيه المذهب. واختلفوا بعد هذا الاتفاق فيما هي الكفاءة المعتبرة في ذلك وهل صداق المثل منها أم لا؟ وكذلك اتفقوا على أن للمرأة أن تمنع نفسها من إنكاح من له من الاولياء جبرها إذا لم تكن فيها الكفاءة موجودة كالاب في ابنته البكر، أما غير البالغ باتفاق، والبالغ والثيب الصغيرة باختلاف على ما تقدم، وكذلك الوصي في محجوره على القول بالجبر. فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك إلا ما روي عن محمد بن الحسن من إسقاط اعتبار الدين، ولم يختلف المذهب أن البكر إذا زوجها الاب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في

[ 14 ]

ذلك فيفرق بينهما، وكذلك إن زوجها ممن ماله حرام. أممن هو كثير الحلف بالطلاق. واختلفوا في النسب هل هو من الكفاءة أم لا؟ وفي الحرية وفي اليسار وفي الصحة من العيوب، فالمشهور عن مالك أنه يجوز نكاح الموالي من العرب وأنه احتج لذلك بقوله تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * وقال سفيان الثوري وأحمد: لا تزوج العربية من مولى، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تزوج قرشية إلا من قرشي، ولا عربية إلا من عربي. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها وحسبها فاظفر بذات الدين تربت يمينك فمنهم من رأى أن الدين هو المعتبر فقط لقوله عليه الصلاة والسلام فعليك بذات الدين تربت يمينك، ومنهم من رأى أن الحسب في ذلك هو بمعنى الدين وكذلك المال، وأنه لا يخرج من ذلك إلا ما أخرجه الاجماع. وهو كون الحسن ليس من الكفاءة، وكل من يقول برد النكاح من العيوب يجعل الصحة منها من الكفاءة، وعلى هذا فيكون الحسن يعتبر لجهة ما، ولم يختلف المذهب أيضا أن الفقر مما يوجب فسخ إنكاح الاب ابنته البكر، أعني إذا كان فقيرا غير قادر على النفقة عليها فالمال عنده من الكفاءة، ولم ير ذلك أبو حنيفة. أما الحرية فلم يختلف المذهب أنها من الكفاءة لكون السنة الثابتة لتخيير الامة إذا عتقت. وأما مهر المثل فإن مالكا والشافعي يريان أنه ليس من الكفاءة، وأن للاب أن ينكح ابنته بأقل من صداق المثل: أعني البكر، وأن الثيب الرشيدة إذا رضيت به لم يكن للاولياء مقال، وقال أبو حنيفة: مهر المثل من الكفاءة. وسبب اختلافهم: أما في الاب فلاختلافهم هل له أن يضع من صداق ابنته البكر شيئا أم لا؟ وأما في الثيب فلاختلافهم هل ترتفع عنها الولاية في مقدار الصداق إذا كانت رشيدة كما ترتفع في سائر تصرفاتهم المالية أم ليس ترتفع الولاية عن مقدار الصداق إذ كانت لا ترتفع عنها في التصرف في النكاح، والصداق من أسبابه؟ وقد كان هذا القول أخلق بمن يشترط الولاية ممن لم يشترطها، لكن أتى الامر بالعكس. ويتعلق بأحكام الولاية مسألة مشهورة، وهي هل يجوز للولي أن ينكح وليته من نفسه أم لا يجوز ذلك؟ فمنع ذلك الشافعي قياسا على الحاكم والشاهد، أعني أنه لا يحكم لنفسه ولا يشهد لنفسه، وأجاز ذلك مالك ولا أعلم له حجة في ذلك إلا ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام تزوج أم سلمة بغير ولي لان ابنها كان صغيرا، وما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية فجعل صداقها عتقها. والاصل عند الشافعي في أنكحة النبي (ص) أنها على الخصوص حتى يدل الدليل على العموم لكثرة خصوصيته في هذا المعنى (ص)، ولكن تردد قوله في الامام الاعظم.

[ 15 ]

الفصل الثاني: في الشهادة واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر. واختلفوا إذا أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك: هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس بسر. وسبب اختلافهم: هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الانكار؟ فمن قال حكم شرعي قال: هي شرط من شروط الصحة، ومن قال توثق قال: من شروط التمام. والاصل في هذا ما روي عن ابن عباس لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة، وكثير من الناس رأى هذا داخلا في باب الاجماع وهو ضعيف، وهذا الحديث قد روي مرفوعا ذكره الدارقطني، وذكر أن في سنده مجاهيل. وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين، لان المقصود عنده بالشهادة هو الاعلان فقط، والشافعي يرى أن الشهادة تتضمن المعنيين: أعني الاعلان والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة، وأما مالك فليس تتضمن عنده الاعلان إذا وصي الشاهدان بالكتمان. وسبب اختلافهم: هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا؟ والاصل في اشتراط الاعلان قول النبي عليه الصلاة والسلام أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف خرجه أبو داود، وقال عمر فيه: هذا نكاح السر، ولو تقدمت فيه لرجمت. وقال أبو ثور وجماعة: ليس الشهود من شرط النكاح، لا شرط صحة ولا شرط تمام، وفعل ذلك الحسن بن علي، روي عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن النكاح. الفصل الثالث: في الصداق والنظر في الصداق في ستة مواضع: الاول: في حكمه وأركانه. الموضع الثاني: في تقرر جميعه للزوجة. الموضع الثالث في تشطيره. الموضع الرابع: في التفويض وحكمه. الموضع الخامس: الاصدقة الفاسدة وحكمها. الموضع السادس: في اختلاف الزوجين في الصداق. الموضع الاول: وهذا الموضع فيه أربع مسائل: الاولى: في حكمه. الثانية: في قدره. الثالثة: في جنسه ووصفه. الرابعة: في تأجيله. المسألة الاولى: أما حكمه فإنهم اتفقوا على أنه شرط من شروط الصحة وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى: * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) * وقوله تعالى: * (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) *.

[ 16 ]

المسألة الثانية: وأما قدره فإنهم اتفقوا على أنه ليس لاكثره حدواختلفوا في أقله، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء المدينة من التابعين: ليس لاقله حد، وكل ما جاز أن يكون ثمنا وقيمة لشئ جاز أن يكون صداقة، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك، وقالت طائفة بوجوب تحديد أقله، وهؤلا اختلفوا، فالمشهور في ذلك مذهبان: أحدهما: مذهب مالك وأصحابه. والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه، فأما مالك فقال: أقله ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم كيلا من فضة، أو ما يساوي الدراهم الثلاثة، أعني دراهم الكيل فقط في المشهور، وقيل أو ما يساوي أحدهما، وقال أبو حنيفة: عشرة دراهم أقله، وقيل خمسة دراهم. وقيل أربعون درهما. وسبب اختلافهم: في التقدير سببان: أحدهما: تردده بين أن يكون عوضا من الاعواض يعتبر فيه التراضي بالقليل كان أو بالكثير كالحال في البيوعات، وبين أن يكون عبادة فيكون مؤقتا، وذلك أنه من جهة أنه يملك به على المرأة منافعها على الدوام يشبه العوض، ومن جهة أنه لا يجوز التراضي على إسقاطه يشبه العبادة. والسبب الثاني: معارضة هذا القياس، فالمقتضى التحديد لمفهوم الاثر الذي لا يقتضي التحديد. أما القياس الذي يقتضي التحديد فهو كما قلنا إنه عبادة والعبادات مؤقتة. وأما الاثر الذي يقتضي مفهومه عدم التحديد فحديث سهل بن سعد الساعدي المتفق على صحته، وفيه أن رسول الله (ص) جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله (ص): هل معك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال رسول الله (ص): إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا، فقال: لا أجد شيئا، فقال عليه الصلاة والسلام: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا، فقال رسول الله (ص): هل معك شئ من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها - فقال رسول الله (ص): قد أنكحتكها بما معك من القرآن قالوا: فقوله عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتما من حديد دليل على أنه لا قدر لاقله لانه لو كان له قدر لبينه إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا الاستدلال بين كما ترى مع أن القياس الذي اعتمده القائلون بالتحديد ليس تسلم مقدماته، وذلك أنه انبنى على مقدمتين: إحداهما: أن الصداق عبادة. والثانية: أن العبادة مؤقتة، وفي كليهما نزاع للخصم، وذلك أنه قد يلغي في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة، بل الواجب فيها هو أقل ما ينطلق عليه الاسم. وأيضا فإنه ليس فيه شبه العبادات خالصا وإنما صار المرجحون لهذا القياس على مفهوم الاثر لاحتمال أن يكون ذلك الاثر خاصا بذلك الرجل لقوله فيه قد أنكحتكها بما معك من القرآن وهذا خلاف للاصول، وإن كان قد جاء في بعض رواياته أنه قال قم فعلمها لما ذكر أنه معه من القرآن، فقام فعلمها، فجاء نكاحا بإجارة، لكن لما التمسوا أصلا يقيسون عليه قدر

[ 17 ]

الصداق لم يجدوا شيئا أقرب شبها به من نصاب القطع على بعد ما بينهما. وذلك أن القياس الذي استعملوه في ذلك هو أنهم قالوا: عضو مستباح بمال، فوجب أن يكون مقدرا أصله القطع، وضعف هذا القياس هو من قبل الاستباحة فيهما هي مقولة باشتراك الاسم، وذلك أن القطع غير الوطئ، وأيضا فإن القطع استباحة على جهة العقوبة والاذى ونقص خلقه، وهذا استباحة على جهة اللذة والمودة، ومن شأنه قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي به تشابه الفرع والاصل شيئا واحدا لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم إنما وجد للاصل من جهة الشبه، وهذا كله معدوم في هذا القياس، ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين، لكن لم يستعملوا هذا القياس في إثبات التحديد المقابل لمفهوم الحديث إذ هو في غاية الضعف، وإنما استعملوه في تعيين قدر التحديد. وأما القياس الذي استعملوه في معارضة مفهوم الحديث فهو أقوى من هذا. ويشهد لعدم التحديد ما خرجه الترمذي أن امرأة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله (ص): أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ فقالت: نعم، فجوز نكاحها وقال حديث حسن صحيح. ولما اتفق القائلون بالتحديد على قياسه على نصاب السرقة اختلفوا في ذلك بحسب اختلافهم في نصاب السرقة، فقال مالك: هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لانه النصاب في السرقة عنده، وقال أبو حنيفة: هو عشرة دراهم، لانه النصاب في السرقة عنده، وقال ابن شبرمة: هو خمسة دراهم، لانه النصاب عنده أيضا في السرقة وقد احتجت الحنفية لكون الصداق محددا بهذا القدر بحديث يروونه عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا مهر بأقل من عشرة دراهم. ولو كان ثابتا لكان رافعا لموضع الخلاف لانه كان يجب لموضع هذا الحديث أن يحمل حديث سهل ابن سعد على الخصوص، لكن حديث جابر هذا ضعيف عند أهل الحديث فإنه يرويه، قال مبشرابن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان، وعطاء أيضا لم يلق جابرا، ولذلك لا يمكن أن يقال إن هذا الحديث معارض لحديث سهل بن سعد المسألة الثالثة: أما جنسه فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضا. واختلفوا من ذلك في مكانين: في النكاح بالاجارة، وفي جعل عتق أمته صداقها. أما النكاح على الاجارة ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال: قول بالاجازة، وقول بالمنع، وقول بالكراهة: والمشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى فسخه قبل الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون، وهو قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه. وسبب اختلافهم: سببان: أحدهما: هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه أم الامر بالعكس؟ فمن قال: هو لازم أجازه لقوله تعالى: * (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي

[ 18 ]

هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) * الآية، ومن قال ليس بلازم قال: لا يجوز النكاح بالاجارة. والسبب الثاني: هل يجوز أن يقاس النكاح في ذلك على الاجارة؟ وذلك أن الاجارة هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول، ولذلك خالف فيها الاصم وابن علية، وذلك أن أصل التعامل إنما هو على عين معروفة ثابتة في عين معروفة ثابتة، والاجارة هي عين ثابتة في مقابلتها حركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة بنفسها. ولذلك اختلف الفقهاء متى تجب الاجرة على المستأجر. وأما كون العتق صداقا فإنه منعه فقهاء الامصار ما عدا داود وأحمد. وسبب اختلافهم: معارضة الاثر الوارد في ذلك للاصول. أعني ما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها مع احتمال أن يكون هذا خاصا به عليه الصلاة والسلام لكثرة اختصاصه في هذا الباب. ووجه مفارقته للاصول أن العتق إزالة ملك، والازالة لا تتضمن استباحة الشئ بوجه آخر لانها إذا أعتقت ملكت نفسها، فكيف يلزمها النكاح؟ ولذلك قال الشافعي: إنها إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها، لانه رأى أنها قد أتلفت عليه قيمتها إذا كاإنما أتلفها بشرط الاستمتاع بها، وهذا كله لا يعارض به فعله عليه الصلاة والسلام ولو كان غير جائز لغيره لبينه عليه الصلاة والسلام والاصل أن أفعاله لازمة لنا، إلا ما قام الدليل على خصوصيته. وأما صفة الصداق فإنهم اتفقوا على انعقاد النكاح على العوض المعين الموصوف، أعني المنضبط جنسه وقدره بالوصف، واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معين، مثل أن يقول أنكحتكها على عبد أو خادم، من غير أن يصف ذلك وصفا يضبط قيمته، فقال مالك وأبو حنيفة يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، وإذا وقع النكاح على هذا الوصف عند مالك كان لها الوسط مما سمى. وقال أبو حنيفة: يجبر على القيمة. وسبب اختلافهم: هل يجري النكاح في ذلك مجرى البيع من القصد في التشاح، أو ليس يبلغ ذلك المبلغ بل القصد منه أكثر ذلك المكارمة؟ فمن قال يجري في التشاح مجرى البيع قال: كما لا يجوز البيع على شئ غير موصوف كذلك لا يجوز النكاح، ومن قال ليس يجري مجراه إذ المقصود منه إنما هو المكارمة قال: يجوز. وأما التأجيل فإن قوما لم يجيزوه أصلا، وقوم أجازوه واستحبوا أن يقدم شيئا منه إذا أراد الدخول وهو مذهب مالك، والذين أجازوا التأجيل منهم من لم يجزه إلا لزمن محدود وقدر هذا البعد، وهو مذهب مالك، ومنهم من أجازه لموت أو فراق، وهو مذهب الاوزاعي. وسبب اختلافهم: هل يشبه النكاح البيع في التأجيل أو لا يشبهه؟ فمن قال يشبهه لم يجز التأجيل لموت أو فراق، ومن قال لا يشبهه أجاز ذلك، ومن منع التأجيل فلكونه عبادة. الموضع الثاني: في النظر في التقرر. واتفق العلماء على أن الصداق يجب كله

[ 19 ]

بالدخول أو الموت. أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى: * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * الآية. وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا إلا انعقاد الاجماع على ذلك. واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول المسيس أم ليس ذلك من شرطه. بل يجب بالدخول والخلوة، وهو الذي يعنون بإرخاء الستور؟ فقال مالك والشافعي وداود: لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن المسيس، وقال أبو حنيفة: يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرما أو مريضا أو صائما في رمضان أو كانت المرأة حائضا، وقال ابن أبليلى: يجب المهر كله بالدخول ولم يشترط في ذلك شيئا. وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حكم الصحابة في ذلك لظاهر الكتاب، وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها المنكوحة أنه ليس يجوز أن يؤخذ من صداقها شئ في قوله تعالى: * (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) *، ونص في المطلقة قبل المسيس أن لها نصف الصداق، فقال تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * وهذا نص كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين: أعني قبل المسيس وبعد المسيس ولا وسط بينهما، فوجب بهذا إيجابا ظاهرا أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس، والمسيس ههنا الظاهر من أمره أنه الجماع، وقد يحتمل أن يحمل على أصله في اللغة وهو المس، ولعل هذا هو الذي تأولت الصحابة، ولذلك قال مالك في العنين المؤجل: إنه قد وجب لها الصداق عليه إذا وقع الطلاق لطول مقامه معها، فجعل له دون الجماع تأثيرا في إيجاب الصداق. وأما الاحكام الواردة في ذلك عن الصحابة فهو أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب عليه الصداق، لم يختلف عليهم في ذلك فيما حكموا. واختلفوا من هذا الباب ففرع، وهو إذا اختلفا في المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس، وذلك مثل أن تدعي هي المسيس وينكر هو، فالمشهور عن مالك أن القول قولها، وقيل: إن كان دخول بناء صدقت، وإن كان دخول زيارة لم تصدق، وقيل إن كانت بكرا نظر إليها النساء، فيتحصل فيها في المذهب ثلاثة أقوال. وقال الشافعي وأهل الظاهر: القول قوله، وذلك لانه مدعى عليه، ومالك ليس يعتبر في وجوب اليمين على المدعى عليه من جهة ما هو مدعى عليه، بل من جهة ما هو أقوى شبهة في الاكثر، ولذلك يجعل القول في مواضع كثيرة قول المدعي إذ كان أقوى شبهة. وهذا الخلاف يرجع إلى: هل إيجاب اليمين على المدعى عليه: معلل أو غير معلل؟ وكذلك القول في وجوب البينة على المدعي، وسيأتي هذا في مكانه.

[ 20 ]

الموضع الثالث: في التشطير واتفقو اتفاقا مجملا أنه إذا طلق قبل الدخول وقد فرض صداقا أنه يرجع عليها بنصف الصداق لقوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم) * الآية والنظر في التشطير في أصول ثلاثة: في محله من الانكحة، وفي موجبه من أنواع الطلاق: أعني الواقع قبل الدخول، وفي حكم ما يعرض له من التغيرات قبل الطلاق. أما محله من النكاح عند مالك فهو النكاح الصحيح، أعني أن يكون يقع الطلاق الذي قبل الدخول في النكاح الصحيح، وأما النكاح الفاسد، فإن لم تكن الفرقة فيه فسخا وطلق قبل الفسخ ففي ذلك قولان. وأما موجب التشطير فهو الطلاق الذي يكون باختيار من الزوج لا باختيار منها مثل الطلاق الذي يكون من قبل قيامها بعيب يوجد فيه. واختلفوا من هذا الباب في الذي يكون سببه قيامها عليه بالصداق أو النفقة مع عسره، ولا فرق بينه وبين القيام بالعيب، وأما الفسوخ التي ليست طلاقا فلا خلاف أنها ليست توجب التشطير إذا كان فيها الفسخ من قبل العقد أو من قبل الصداق، وبالجملة من قبل عدم موجبات الصحة، وليس لها في ذلك اختيار أصلا. وأما الفسوخ الطارئة على العقد الصحيح مثل الردة والرضاع، فإن لم يكن لاحدهما فيه اختيار أو كان لها دونه لم يوجب التشطير وإن كان له فيه اختيار مثل الردة أوجب التشطير. والذي يقتضيه مذهب أهل الظاهر أن كل طلاق قبل البناء فواجب أن يكون فيه التنصيف سواء كان من سببها أو سببه، وأن ما كان فسخا ولم يكن طلاقا فلا تنصيف فيه. وسبب الخلاف: هل هذه السنة معقولة المعنى أم ليست بمعقولة. فمن قال إنها معقولة المعنى وأنه إنما وجب لها نصف الصداق عوض ما كان لها لمكان الجبر على رد سلعتها وأخذ الثمن كالحال في المشتري فلما فارق النكاح في هذا المعنى البيع جعل لها هذا عوضا من ذلك الحق قال: إذا كان الطلاق من سببها لم يكن لها شئ لانها أسقطت ما كان لها من جبره على دفع الثمن وقبض السلعة، ومن قال إنها سنة غير معقولة واتبع ظاهر اللفظ قال: يلزم التشطير في كل طلاق كان من سببه أو سببها. فأما حكم ما يعرض للصداق من التغيرات قبل الطلاق فإن ذلك لا يخلو أن يكون من قبلها أو من الله، فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يكون تلفا للكل، وإما أن يكون نقصا، وإما أن يكون زيادة، وإما أن يكون زيادة ونقصا معا. وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة، أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها، فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان، وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة. وسبب اختلافهم: هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو الموت ملكا مستقرا أو لا تملكه؟ فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا قال: هما فيه شريكان ما لم تتعد فتدخله في منافعها، ومن قال تملكه ملكا مستقرا والتشطير حق واجب تعين عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها ولم يختلفوا أنها إذا

[ 21 ]

صرفته في منافعها ضامنة للنصف. واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز مما جرت به العادة هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو الثمن؟ فقال مالك: يرجع عليها بنصف ما اشترته، وقال أبو حنيفة والشافعي: يرجع عليها بنصف الثمن الذي هو الصداق. واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور متعلق بالسماع وهو هل للاب أن يعفو عن نصف الصداق في ابنته البكر؟ أعني إذا طلقت قبل الدخول، وللسيد في أمته؟ فقال مالك: ذلك له، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس ذلك له. وسبب اختلافهم: هو الاحتمال الذي في قوله تعالى: * (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * وذلك في لفظة يعفو فإنها تقال في كلام العرب مرة بمعنى يسقط ومرة بمعنى يهب، وفي قوله: * (الذي بيده عقدة النكاح) * على من يعود هذا الضمير هل على الولي أو على الزوج، فمن قال على الزوج جعل يعفو بمعنى يهب ومن قال على الولي جعل يعفو بمعنى يسقط، وشذ قوم فقالوا: لكل ولي أن يعفو عن نصف الصداق الواجب للمرأة، ويشبه أن يكون هذان الاحتمالان اللذان في الآية على السواء، لكن من جعله الزوج فلم يوجب حكما زائدا في الآية: أي شرعا زائدا، لان جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع. ومن جعله الولي، إما الاب وإما غيره فقد زاد شرعا، فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين به أن الآية أظهر في الولي منها في الزوج وذلك شئ يعسر، والجمهور على أن المرأة الصغير والمحجورة ليس لها أن تهب من صداقها النصف الواجب لها، وشذ قوم فقالوا: يجوز أن تهب مصيرا لعموم قوله تعالى: * (إلا أن يعفون) * واختلفوا من هذا الباب في المرأة إذا وهبت صداقها لزوجها ثم طلقت قبل الدخول، فقال مالك: ليس يرجع عليها بشئ، وقال الشافعي: يرجع عليها بنصف الصداق. وسبب الخلاف: هل النصف الواجب للزوج بالطلاق هو في عين الصداق أو في ذمة المرأة؟ فمن قال في عين الصداق قال: لا يرجع عليها بشئ لانه قبض الصداق كله، ومن قال هو في ذمة المرأة قال: يرجع وإن وهبته له كما لو وهبت له غير ذلك من مالها. وفرق أبو حنيفة في هذه المسألة بين القبض ولا قبض. فقال: إن قبضت فله النصف وإن لم تقبض حتى وهبت فليس له شئ كأنه رأى أن الحق في العين ما لم تقبض، فإذا قبضت صار في الذمة. الموضع الرابع: في التفويض وأجمعوا على أن نكاح التفويض جائز، وهو أن يعقد النكاح دون صداق لقوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) *. واختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: إذا طلبت الزوجة فرض الصداق واختلفا في القدر. الموضع الثاني: إذا مات الزوج ولم يفرض هل لها صداق أم لا؟. فأما المسألة الاولى: وهي إذا قامت المرأة تطلب أن يفرض لها مهرا، فقالت طائفة:

[ 22 ]

يفرض لها مهر مثلها، وليس للزوج في ذلك خيار، فإن طلق بعد الحكم، فمن هؤلاء من قال: لها نصف الصداق، ومنهم من قال: ليس لها شئ، لان أصل الفرض لم يكن في عقدة النكاح، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال مالك وأصحابه: الزوج بين خيارات ثلاث: إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض ما تطلبه المرأة به، وإما أن يفرض صداق المثل ويلزمها. وسبب اختلافهم: - أعني بين من يوجب مهر المثل من غير خيار للزوج إذا طلق بعد طلبها الفرض، ومن لا يوجب - اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) * هل هذا محمول على العموم في سقوط الصداق سواء أكان سبب الطلاق اختلافهم في فرض الصداق أو لم يكن الطلاق سببه الخلاف في ذلك، وأيضا فهل يفهم من رفع الجناح عن ذلك سقوط المهر في كل حال أو لا يفهم ذلك؟ فيه احتمال وإن كان الاظهر سقوطه في كل حال لقوله تعالى: * (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) *، ولا خلاف أعلمه في أنه إذا طلق ابتداء أنه ليس عليه شئ. وقد كان يجب على من أوجب لها المتعة مع شطر الصداق إذا طلق قبل الدخول في نكاح غير التفويض وأوجب لها مهر المثل في نكاح التفويض أن يوجب لها مع المتعة فيه شطر مهر المثل، لان الآية لم تتعرض بمفهومها لاسقاط الصداق في نكاح التفويض، وإنما تعرضت لاباحة الطلاق قبل الفرض فإن كان يوجب نكاح التفويض مهر المثل إذا طلب فواجب أن ينشطر إذا وقع الطلاق كما ينشطر في وأما المسمى، ولهذا قال مالك: إنه ليس يلزم فيه مهر المثل مع خيار الزوج المسألة الثانية: وهي إذا مات الزوج قبل تسمية الصداق وقبل الدخول بها، فإن مالكا وأصحابه والاوزاعي قالوا: ليس لها صداق ولها المتعة والميراث. وقال أبو حنيفة: لها صداق المثل والميراث، وبه قال أحمد وداود، وعن الشافعي القولان جميعا، إلا أن المنصور عند أصحابه هو مثل قول مالك. وسبب اختلافهم: معارضة القياس للاثر: أما الاثر فهو ما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه المسألة فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني: أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الاشجعي فقال: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله (ص) في بروع بنت واشق، خرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وأما القياس المعارض لهذا فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض المعوض لم يجب العوض قياسا على البيع، وقال المزني عن الشافعي في هذه المسألة: إن ثبت حديث بروع فلا حجة في قول أحد مع السنة. والذي قاله هو الصواب والله أعلم. الموضع الخامس: في الاصدقة الفاسدة والصداق يفسد إما لعينه وإما لصفة فيه من

[ 23 ]

جهل أو عذر، فالذي يفسد لعينه فمثل الخمر والخنزير وما لا يجوز أن يتملك، والذي يفسد من قبل العذر والجهل فالاصل فيه بالبيوع، وفي ذلك خمس مسائل مشهورة: المسألة الاولى: إذا كان الصداق خمرا أو خنزيرا أو ثمرة لم يبد صلاحها أو بعيرا شاردا، فقال أبو حنيفة: العقد صحيح إذا وقع فيه مهر المثل. وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: فساد العقد وفسخه قبل الدخول وبعده وهو قول أبي عبيد. والثانية: أنه إن دخل ثبت ولها صداق المثل. وسبب اختلافهم: هل حكم النكاح في ذلك حكم البيع أم ليس كذلك؟ فمن قال حكمه حكم البيع قال: يفسد النكاح بفساد الصداق كما يفسد البيع بفساد الثمن، ومن قال ليس من شرط صحة عقد النكاح صحة الصداق بدليل أن ذكر الصداق ليس شرطا في صحة العقد قال: يمضي النكاح ويصحح بصداق المثل. والفرق بين الدخول وعدمه ضعيف، والذي تقتضيه أصول مالك أن يفرق بين الصداق المحرم العين وبين المحرم لصفة فيه قياسا على البيع، ولست أذكر الآن فيه نصا. المسألة الثانية: واختلفوا إذا اقترن بالمهر بيع مثل أن تدفع إليه عبدا ويدفع ألف درهم عن الصداق وعن ثمن العبد، ولا يسمى الثمن من الصداق، فمنعه مالك وابن القاسم، وبه قال أبو ثور. وأجازه أشهب، وهو قول أبي حنيفة. وفرق عبد الله فقال: إن كان الباقي بعد البيع ربع دينار فصاعدا بأمر لا يشك فيه جاز، واختلف فيه قول الشافعي، فمرة قال: ذلك جائز، ومرة قال: فيه مهر المثل. وسبب اختلافهم: هل النكاح في ذلك شبيه بالبيع أم ليس بشبيه؟ فمن شبهه في ذلك بالبيع منعه، ومن جوز في النكاح من الجهل ما لا يجوز في البيع قال يجوز. المسألة الثالثة: واختلف العلماء فيمن نكح امرأة واشترط عليه في صداقها حباء يحابي به الاب على ثلاثة أقوال: فقال أبو حنيفة وأصحابه: الشرط لازم والصداق صحيح، وقال الشافعي: المهر فاسد ولها صداق المثل، وقال مالك: إذا كان الشرط عند النكاح فهو لابنته، وإن كان بعد النكاح فهو له. وسبب اختلافهم: تشبيه النكاح في ذلك بالبيع، فمن شبهه بالوكيل يبيع السلعة ويشترط لنفسه حباء قال: لا يجوز النكاح كما لا يجوز البيع، ومن جعل النكاح في ذلك مخالفا للبيع قال: يجوز. وأما تفريق مالك فلانه اتهمه إذا كان الشرط في عقد النكاح أن يكون ذلك الذي اشترطه لنفسه نقصانا من صداق مثلها، ولم يتهمه إذا كان بعد انعقاد النكاح والاتفاق على الصداق. وقول مالك هو قول عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي عبيد. وخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص) أيما امرأة نكحت على حباء قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته وأخته وحديث عمرو بن شعيب مختلف فيه من قبل أنه صحفه، ولكنه نص في قول مالك، وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا روته

[ 24 ]

الثقات وجب العمل به. المسألة الرابعة: واختلفوا في الصداق يستحق، ويوجد به عيب، فقال الجمهور: النكاح ثابت. واختلفوا هل ترجع بالقيمة أو بالمثل أو بمهر المثل؟ واختلف في ذلك قول الشافعي، فقال مرة بالقيمة، وقال مرة بمهر المثل، وكذلك اختلف المذهب في ذلك، فقيل ترجع بالقيمة، وقيل ترجع بالمثل. قال أبو الحسن اللخمي: ولو قيل ترجع بالاقل من القيمة أو صداق المثل لكان ذلك وجها. وشذ سحنون فقال: النكاح فاسد. ومبنى الخلاف: هل يشبه النكاح في ذلك البيع أو لا يشبهه؟ فمن شبهه قال: ينفسخ، ومن لم يشبهه قال: لا ينفسخ. المسألة الخامسة: واختلفوا في الرجل ينكح المرأة على أن الصداق ألف إن لم يكن له زوجة، وإن كانت له زوجة فالصداق ألفان، فقال الجمهور بجوازه، واختلفوا في الواجب في ذلك، فقال قوم: الشرط جائز، ولها من الصداق بحسب ما اشترط، وقالت طائفة: لها مهر المثل، وهو قول الشافعي وبه قال أبو ثور، إلا أنه قال: إن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة، وقال أبو حنيفة: إن كانت له امرأة فلها ألف درهم، وإن لم تكن له امرأة فلها مهر مثلها ما لم يكن أكثر من الالفين أو أقل من الالف، ويتخرج في هذا قول إن النكاح مفسوخ لمكان الغرر ولست أذكر الآن نصا فيها في المذهب. فهذه مشهور مسائلهم في هذا الباب وفروعه كثيرة.. واختلفوا فيما يعتبر به مهر المثل إذا قضى به في هذه المواضع وما أشبهها، فقال مالك: يعتبر في جمالها ونصابها ومالها. وقال الشافعي: يعتبر بنساء عصبتها فقط، وقال أبو حنيفة: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من العصبة وغيرهم، ومبنى الخلاف هل المماثلة في المنصب فقط أو في المنصب والمال والجمال، لقوله عليه الصلاة والسلام تنكح المرأة لدينها وجمالها وحسبها الحديث. الموضع السادس: في اختلاف الزوجين في الصداق واختلافهم لا يخلو أن يكون في القبض أو في القدر أو في الجنس أو في الوقت: أعني وقت الوجوب، فأما إذا اختلفا في القدر فقالت المرأة مثلا بمائتين وقال الزوج بمائة، فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، فقال مالك: إنه إن كان الاختلاف قبل الدخول وأتى الزوج بما يشبه والمرأة بما يشبه أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، وإن نكلا جميعا كان بمنزلة ما إذا حلفا جميعا، ومن أتى بما يشبه منهما كان القول قوله، وإن كان الاختلاف بعد الدخول فالقول قول الزوج. وقالت طائفة: القول قول الزوج مع يمينه، وبه قال أبو ثور وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة، وقالت طائفة: القول قول الزوجة إلى مهر مثلها، وقول الزوج فيما زاد على مهر مثلها. وقالت طائفة: إذا اختلفا تحالفا ورجع

[ 25 ]

إلى مهر المثل، ولم تر الفسخ كمالك، وهو مذهب الشافعي والثوري وجماعة، وقد قيل إنها ترد إلى صداق المثل دون يمين ما لم يكن صداق المثل أكثر مما ادعت وأقل مما ادعى هو. واختلافهم مبني: على اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر هل ذلك معلل أو غير معلل؟ فمن قال معلل قال: يحلف أبدا أقواهما شبهة، فإن استويا تحالفا وتفاسخا، ومن قال غير معلل قال: يحلف الزوج لانها تقر له بالنكاح وجنس الصداق وتدعي عليه قدرا زائدا فهو مدعى عليه، وقيل أيضا يتحالفان أبدا، لان كل واحد منهما مدعى عليه، وذلك عند من لم يراع الاشباه. والخلاف في ذلك في المذهب ومن قال القول قولها إلى مهر المثل، والقول قوله فيما زاد على مهر المثل رأى أنهما لا يستويان أبدا في الدعوى، بل يكون أحدهما ولا بد أقوى شبهة، وذلك أنه لا يخلو دعواها من أن يكون فيما يعادل صداق مثلها فما دونه فيكون القول قولها، أو يكون فيما فوق ذلك فيكون القول قوله. وسبب اختلاف مالك والشافعي في التفاسخ بعد التحالف والرجوع إلى صداق المثل، هو هل يشبه النكاح بالبيع في ذلك أم ليس يشبه؟ فمن قال يشبه به قال بالتفاسخ، ومن قال لا يشبه لان الصداق ليس من شرط صحة العقد قال بصداق المثل بعد التحالف. وكذلك من زعم من أصحاب مالك أنه لا يجوز لهما بعد التحالف أن يتراضيا على شئ ولا أن يرجع أحدهما إلى قول الآخر ويرضى به فهو في غاية الضعف. ومن ذهب إلى هذا فإنما يشبه اللعان. وهو تشبيه ضعيف مع أن وجود هذا الحكم للعان مختلف فيه. وأما إذا اختلفا في القبض فقالت الزوجة لم أقبض، وقال الزوج قد قبضت فقال الجمهور: القول قول المرأة وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور، وقال مالك: القول قولها قبل الدخول، والقول قوله بعد الدخول. وقال بعض أصحابه: إنما قال ذلك مالك لان العرف بالمدينة كان عندهم أن لا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق، فإن كان بلد ليس فيه هذا العرف كان القول قولها أبدا، والقول بأن القول قولها أبدا أحسن لانها مدعى عليها، ولكن مالك راعى قوة الشبهة التي له إذا دخل بها الزوج، واختلف أصحاب مالك إذا طال الدخول هل يكون القول قوله بيمين أو بغير يمين أحسن. وأما إذا اختلف في جنس الصداق فقال هو مثلا زوجتك على هذا العبد، وقالت هي زوجتك على هذا الثوب، فالمشهور في المذهب أنهما يتحالفان ويتفاسخان إن كان الاختلاف قبل البناء. وإن كان بعد البناء ثبت وكان لها صداق مثل ما لم يكن أكثر مما ادعت أو أقل مما اعترف به. وقال ابن القصار: يتحالفان قبل الدخول، والقول قول الزوج بعد الدخول، وقال أصبغ: القول قول الزوج إن كان يشبهه سواء أشبه قولهما أو لم يشبه، فإن لم يشبه قول الزوج فإن كان قولها مشبها كان القول قولها، وإن لم يكن قولها مشبها تحالفا وكان لها صداق المثل. وقول الشافعي في هذه المسألة مثل قوله عند اختلافهما في القدر: أعني يتحالفان ويتراجعان إلى

[ 26 ]

مهر المثل. وسبب قول الفقهاء بالتفاسخ في البيع ستعرف أصله في كتاب البيوع إن شاء الله. وأما اختلافهم في الوقت فإنه يتصور في الكالئ. والذي يجئ على أصل قول مالك فيه في المشهور عنه أن القول في الاجل قول الغارم قياسا على البيع وفيه خلاف، ويتصور أيضا متى يجب هل قبل الدخول أو بعده؟ فمن شبه النكاح بالبيوع قال: لا يجب إلا بعد الدخول قياسا على البيع إذ لا يجب الثمن على المشتري إلا بعد قبض السلعة، ومن رأى أن الصداق عبادة يشترط في الحلية قال: يجب قبل الدخول. ولذلك استحب مالك أن يقدم الزوج قبل الدخول شيئا من الصداق. الركن الثالث: في معرفة محل العقد وكل امرأة فإنها تحل في الشرع بوجهين: إما بنكاح، أو بملك يمين. والموانع الشرعية بالجملة تنقسم أولا إلى قسمين: موانع مؤبدة، وموانع غير مؤبدة. والموانع المؤبدة تنقسم إلى متفق عليها، ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاث: نسب، وصهر، ورضاع. واختلف فيها الزنا، واللعان. والغير مؤبدة تنقسم إلى تسعة: أحدها: مانع العدد. والثاني: مانع الجمع. والثالث: مانع الرق. الرابع: مانع الكفر. والخامس: مانع الاحرام. والسادس: مانع المرض. والسابع: مانع العدة على اختلاف في عدم تأبيده. والثامن: مانع التطليق ثلاثا للمطلق. والتاسع: مانع الزوجية. فالموانع الشرعية بالجملة أربعة عشر مانعا، ففي هذا الباب أربعة عشر فصلا. الفصل الاول: في مانع النسب واتفقوا على أن النساء اللائي يحرمن من قبل النسب السبع المذكورات في القرآن: الامهات والبنات والاخوات والعمات والخالات وبنات الاخ وبنات الاخت، واتفقوا على أن الام ههنا: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة من جهة الام أو من جهة الاب، والبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة، وأما الاخت: فهي اسم لكل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو مجموعيهما أعني الاب أو الام أو كليهما، والعمة: اسم لكل أنثى هي أخت لابيك أو لكل ذكر له عليك ولادة، وأما الخالة: فهي اسم لاخت أمك أو أخت كل أنثى لها عليك ولادة، وبنات الاخ: اسم لكل أنثى لاخيك عليها ولادة من قبل أمها أو من قبل أبيها أو مباشرة، وبنا ت الاخت: اسم لكل أنثى لاختك عليها ولادة مباشرة أو من قبل أمها أو من قبل أبيها فهؤلاء الاعيان السبع محرمات، ولا خلاف أعلمه في هذه الجملة. والاصل فيها قوله تعالى: * (حرمت عليكم) * إلى آخر الآية. وأجمعوا على أن النسب الذي يحرم الوطئ يحرم الوطئ بملك اليمين.

[ 27 ]

الفصل الثاني: في المصاهرة وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهن أربع: زوجات الآباء والاصل فيه قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * الآية. وزوجات الابناء والاصل في ذلك أيضا قوله تعالى: * (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) * وأمهات النساء أيضا، والاصل في ذلك قوله تعالى: * (وأمهات نسائكم) * وبنات الزوجات، والاصل فيه قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * فهؤلاء الاربع اتفق المسلمون على تحريم اثنتين منهن بنفس العقد، وهو تحريم زوجات الآباء والابناء، وواحدة بالدخول وهي ابنة الزوجة واختلفوا منها في موضعين: أحدهما هل من شرطها أن تكون في حجر الزوج، والثانية هل تحرم بالمباشرة للام للذة أو بالوطئ؟. وأما أم الزوجة فإنهم اختلفوا هل تحرم بالوطئ أو بالعقد على البنت فقط؟ واختلف أيضا من هذا الباب في مسألة رابعة، وهي هل يوجب الزنا في هذا التحريم ما يوجبه النكاح الصحيح أو النكاح بشبهة؟ فهنا أربع مسائل: المسألة الاولى: وهي هل من شرط تحريم بنت الزوجة أن تكون في حجر الزوج أم ليس ذلك من شرطه؟ فإن الجمهور على أن ذلك ليس من شرط التحريم، وقال داود: ذلك من شرطه، ومبنى الخلاف هل قوله تعالى: * (اللاتي في حجوركم) * وصف له تأثير في الحرمة أو ليس له تأثير، وإنما خرج مخرج الموجود أكثر؟ فمن قال خرج مخرج الموجود الاكثر وليس هو شرطا في الربائب، إذ لا فرق في ذلك بين التي في حجره أو التي ليست في حجره. قال: تحرم الربيبة بإطلاق، ومن جعله شرطا غير معقول المعنى قال: لا تحرم إلا إذا كانت في حجره. المسألة الثانية: وأما هل تحرم البنت بمباشرة الام فقط أو بالوطئ؟ فإنهم اتفقوا على أن حرمتها بالوطئ. واختلفوا فيما دون الوطئ من اللمس والنظر إلى الفرج لشهوة أو لغير شهوة هل ذلك يحرم أم لا؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة والاوزاعي والليث بن سعد: إن اللمس لشهوة يحرم الام. وهو أحد قولي الشافعي، وقال داود والمزني: لا يحرمه إلا الوطئ وهو أحد قولي الشافعي المختار عنده، والنظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان، وفيه عنه خلاف، ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط، وحمل الثوري النظر محمل اللمس ولم يشترط اللذة، وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى والشافعي في أحد قوليه فلم يوجب في النظر شيئا. وأوجب في اللمس. ومبنى الخلاف: هل المفهوم من اشتراط الدخول في قوله تعالى: * (اللاتي دخلتم بهن) * الوطئ أو التلذذ بما دون الوطئ؟ فإن كان التلذذ فهل يدخل فيه النظر أم لا؟

[ 28 ]

المسألة الثالثة: وأما الام فذهب الجمهور من كافة فقهاء الامصار إلى أنها تحرم بالعقد على البنت دخل بها أو لم يدخل، وذهب قوم إلى أن الام لا تحرم إلا بالدخول على البنت كالحال في البنت: أعني أنها لا تحرم إلا بالدخول على الام، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما من طرق ضعيفة. ومبنى الخلاف: هل الشرط في قوله تعالى: * (اللاتي دخلتم بهن) * يعود إلى أقرب مذكور وهم الربائب فقط أو إلى الربائب والامهات المذكورات قبل الربائب في قوله تعالى: * (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * فإنه يحتمل أن يكون قوله - تعالى - * (اللاتي دخلتم بهن) * يعود على الامهات والبنات، ويحتمل أن يعود إلى أقرب مذكور وهم البنات. ومن الحجة للجمهور ما روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا تحل له أمها. وأما المسألة الرابعة: فاختلفوا في الزنا هل يوجب من التحريم في هؤلاء ما يوجب الوطئ في نكاح صحيح أو بشبهة؟ أعني الذي يدرأ فيه الحد، فقال الشافعي: الزنا بالمرأة لا يحرم نكاح أمها ولا ابنتها ولا نكاح أبي الزاني لها ولا ابنه. وقال أبو حنيفة والثوري والاوزاعي: يحرم الزنا ما يحرم النكاح، وأما مالك ففي الموطأ عنه مثل قول الشافعي أنه لا يحرم، وروى عنه ابن القاسم مثل قول أبي حنيفة أنه يحرم، وقال سحنون: أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها، ويذهبون إلى ما في الموطأ، وقد روي عن الليث أن الوطئ بشبهة لا يحرم وهو شاذ. وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم النكاح: أعني في دلالته على المعنى الشرعي واللغوي، فمن راعى الدلالة اللغوية في قوله تعالى: * (ولا تنكحواما نكح آباؤكم) * قال: يحرم الزنا، ومن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحر الزنا. ومن علل هذا الحكم بالحرمة التي بين الام والبنت وبين الاب والابن قال يحرم الزنا أيضا، ومن شبهه بالنسب قال: لا يحرم لاجماع الاكثر على أن النسب لا يلحق بالزنا. واتفقوا فيما حكى ابن المنذر على أن الوطئ بملك اليمين يحرم منه ما يحرم الوطئ بالنكاح. واختلفوا في تأثير المباشرة في ملك اليمين كما اختلفوا في النكاح. الفصل الثالث: في مانع الرضاع واتفقوا على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما يحرم منه النسب. أعني أن المرضعة تنزل منزلة الام، فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب واختلفوا من ذلك في مسائل كثيرة، القواعد منها تسع: إحداها: في مقدار المحرم من

[ 29 ]

اللبن. والثانية: في سن الرضاع. والثالثة: في حل المرضع في ذلك الوقت عند من يشترط للرضاع المحرم وقتا خاصا. والرابعة: هل يعتبر فيه وصوله برضاع والتقام الثدي أو لا يعتبر. والخامسة: هل يعتبر فيه المخالطة أم لا يعتبر. والسادسة: هل يعتبر فيه الوصول من الحلق أو لا يعتبر. والسابعة: هل ينزل صاحب اللبن - أعني الزوج - من المرضع منزلة أب: وهو الذي يسمونه لبن الفحل أم ليس ينزل منه بمنزلة أب. والثامنة: الشهادة على الرضاع. والتاسعة: صفة المرضعة. المسألة الاولى: أما مقدار المحرم من اللبن فإن قوما قالوا فيه بعدم التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه، وروي عن علي وابن مسعود وهو قول ابن عمر وابن عباس، وهؤلاء يحرم عندهم أي قدر كان، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والاوزاعي، وقالت طائفة: بتحديد القدر المحرم، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاث فرق، فقالت طائفة: لا تحرم المصة ولا المصتان وتحرم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور، وقالت طائفة: المحرم خمس رضعات، وبه قال الشافعي، وقالت طائفة: عشر رضعات. والسبب في اختلافهم في هذه المسألة: معارضة عموم الكتاب للاحاديث الواردة في التحديد ومعارضة الاحاديث في ذلك بعضها بعضا. فأما عموم الكتاب فقوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * الآية، وهذا يقتضي ما ينطلق عليه اسم الارضاع، والاحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى: أحدهما: حديث عائشة وما في معناه أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تحرم المصة ولا المصتان أو الرضعة والرضعتان خرجه مسلم من طريق عائشة، ومن طريق أم الفضل، ومن طريق ثالث، وفيه قال: قال رسول الله (ص) لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان والحديث الثاني: حديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي (ص) أرضعيه خمس رضعات وحديث عائشة في هذا المعنى أيضا قالت كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (ص) وهن مما يقرأ من القرآن فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الاحاديث قال: تحرم المصة والمصتان. ومن جعل الاحاديث مفسرة للآية وجمع بينها وبين الآية ورجح مفهوم دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام لا تحرم المصة ولا المصتان على مفهوم دليل الخطاب في حديث سالم قال: الثلاثة فما فوقها هي التي تحرم، وذلك أن دليل الخطاب في قوله لا تحرم المصة ولا المصتان يقتضي أن ما فوقها يحرم، ودليل الخطاب في قوله أرضعيه خمس رضعات يقتضي أن ما دونها لا يحرم والنظر في ترجيح أحد دليلي الخطاب.

[ 30 ]

المسألة الثانية: واتفقوا على أن الرضاع يحرم في الحولين. واختلفوا في رضاع الكبير فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافة الفقهاء: لا يحرم رضاع الكبير، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه يحرم، وهو مذهب عائشة، ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما: حديث سالم، وقد تقدم. والثاني: حديث عائشة خرجه البخاري ومسلم قالت دخل رسول الله (ص) وعندي رجل، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال عليه الصلاة والسلام: انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإن الرضاعة من المجاعة. فمن ذهب إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، إلا أن حديث سالم نازلة في عين، وكان سائر أزواج النبي (ص) يرون ذلك رخصة لسالم، ومن رجح حديث سالم وعلل حديث عائشة بأنهالم تعمل به قال: يحرم رضاع الكبير. المسألة الثالثة: واختلفوا إذا استغنى المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ثم أرضعته امرأة فقال مالك: لا يحرم ذلك الرضاع، وقال أبو حنيفة والشافعي: تثبت الحرمة به. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام فإنما الرضاعة من المجاعة فإنه يحتمل أن يريد بذلك الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيفما كان الطفل وهو سن الرضاع، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فطم في بعض الحولين لم يكن رضاعا من المجاعة، فالاختلاف آيل إلى أن الرضاع الذي سببه المجاعة والافتقار إلى اللبن هل يعتبر فيه الافتقار الطبيعي للاطفال وهو الافتقار الذي سببه سن الرضاع أو افتقار المرضع نفسه وهو الذي يرتفع بالفطم ولكنه موجود بالطبع؟ والقائلون بتأثير الارضاع في مدة الرضاع سواء من اشترط منهم الفطام أو لم يشترطه اختلفوا في هذه المدة، فقال هذه بالمدة حولان فقط. وبه قال زفر، واستحسن مالك التحريم في الزيادة اليسيرة على العامين، وفي قول الشهر عنه. وفي قول عنه إلى ثلاثة أشهر، وقال أبو حنيفة: حولان وستة شهور. وسبب اختلافهم: ما يظن من معارضة آية الرضاع لحديث عائشة المتقدم، وذلك أن قوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) * يوهم أن ما زاد على هذين الحولين ليس هو رضاع مجاعة من اللبن، وقوله

[ 31 ]

عليه الصلاة والسلام إنما الرضاعة من المجاعة يقتضي عمومه أن ما دام الطفل غذاؤه اللبن أن ذلك الرضاع يحرم. المسألة الرابعة: وأما هل يحرم الوجور واللدود، وبالجملة ما يصل إلى الحلق من غير رضاع، فإن مالكا قال: يحرم الوجور واللدود، وقال عطاء وداود: لا يحرم. وسبب اختلافهم: هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة وهو الذي ينطلق عليه اسم الرضاع قال: لا يحرم الوجور ولا اللدود، ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل قال: يحرم. المسألة الخامسة: وأما هل من شرط اللبن المحرم إذا وصل إلى الحلق أن يكون غير مخالط لغيره، فإنهم اختلفوا في ذلك أيضا، فقال ابن القاسم: إذا استهلك اللبن في ماء أو غيره ثم سقيه الطفل لم تقع الحرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي وابن حبيب ومطرف وابن الماجشون من أصحاب مالك: تقع به الحرمة بمنزلة ما لو انفرد اللبن أو كان مختلطا لم تذهب عينه. وسبب اختلافهم: هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره، أم لا يبقى به حكمها كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر. والاصل المعتبر في ذلك انطلاق اسم اللبن عليه كالماء هل يطهر إذا خالطه شئ طاهر؟ المسألة السادسة: وأما هل يعتبر فيه الوصول إلى الحلق أو لا يعتبر فإنه يشبه أن يكون هذا هو سبب اختلافهم في السعوط باللبن والحقنة به. ويشبه أن يكون اختلافهم في ذلك لموضع الشك هل يصل اللبن من هذه الاعضاء أو لا يصل؟ المسألة السابعة: وأما هل يصير الرجل الذي له اللبن: أعني زوج المرأة أبا للمرضع حتى بينهما ومن قبلهما ما يحرم من الآباء والابناء الذين من النسب وهي التي يسمونها لبن الفحل، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والاوزاعي والثوري: لبن الفحل يحرم، وقالت طائفة: لا يحرم لبن الفحل، وبالاول قال علي وابن عباس، وبالقول الثاني قالت عائشة وابن الزبير وابن عمر. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور: أعني آية الرضاع، وحديث عائشة هو قالت جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن علي بعد أن أنزل الحجاب فأبيت أن آذن له، وسألت رسول الله (ص) فقال: إنه عمك فأذني له، فقلت يا رسول الله.. إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: إنه عمك فليلج عليك خرجه البخاري ومسلم ومالك. فمن رأى أن ما في الحديث شرع زائد على ما في الكتاب، وهو قوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) * وعلى قوله (ص) يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة قال: لبن الفحل محرم، ومن رأى أن آية

[ 32 ]

الرضاع وقوله يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة إنما ورد على جهة التأصيل لحكم الرضاع، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة قال: ذلك الحديث إن عمل بمقتضاه أوجب أن يكون ناسخا لهذه الاصول، لان الزيادة المغيرة للحكم ناسخة، من ان عائشة لم يكن مذهبها التحريم بلبن الفحل، وهي الرواية للحديث، ويصعب رد الأصول المنتشرة التي يقصد بها التأصيل والبيان عند وقت الحاجة بالاحاديث النادرة وبخاصة التي تكون في عين، ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس: لا نترك كتاب الله لحديث امرأة. المسألة الثامنة: وأما الشهادة على الرضاع فإن قوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين، وقوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة أربع، وبه قال الشافعي وعطاء، وقوم قالوا: تقبل فيه شهادة امرأة واحدة. والذين قالوا تقبل فيه شهادة امرأتين منهم من اشترط في ذلك فشو قولهما بذلك قبل الشهادة، وهو مذهب مالك وابن القاسم، ومنهم من لم يشترطه، وهو قول مطرف وابن الماجشون. والذين أجازوا أيضا شهادة امرأة واحدة منهم من لم يشترط فشو قولها قبل الشهادة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من اشترط ذلك، وهى رواية عن مالك، وقد روي عنه أنه لا تجوز فيه شهادة أقل من اثنتين. والسبب في اختلافهم: أما بين الاربع والاثنتين فاختلافهم في شهادة النساء هل عديل كل رجل هو امرأتان فيما ليس يمكن فيه شهادة الرجل أو يكفي في ذلك امرأتان، وستأتي هذه المسألة في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى. وأما اختلافهم في قبول شهادة المرأة الواحدة فمخالفة الاثر الوارد في ذلك للاصل المجمع عليه، أعني أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، وأن حال النساء في ذلك إما أن يكون أضعف من حال الرجال، وإما أن تكون أحوالهم في ذلك مساوية للرجال، والاجماع منعقد على أنه لا يقضى بشهادة واحدة. والامر الوارد في ذلك هو حديث عقبة بن الحارث قال يا رسول اللهإني تزوجت امرأة فأتت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فقال رسول الله (ص): كيف وقد قيل؟ دعها عنك وحمل بعضهم هذا الحديث على الندب جمعا بينه وبين الاصول، وهو أشبه، وهي رواية عن مالك. المسألة التاسعة: وأما صفة المرضعة فإنهم اتفقوا على أنه يحرم لبن كل امرأة بالغ وغير بالغ، واليائسة من المحيض كان لها زوج أو لم يكن، حاملا كانت أو غير حامل، وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن الرجل، وهذا غير موجود فضلا عن أن يكون له حكم شرعي، وإن وجد فليس لبنا إلا باشتراك الاسم واختلفوا من هذا الباب في لبن الميتة. وسبب الخلاف: هل يتناولها العموم أو لا يتناولها؟ ولا لبن للميتة إن وجد لها إلا باشتراك الاسم، ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود إلا في القول. الفصل الرابع: في مانع الزنا واختلفوا في زواج الزانية، فأجاز هذا الجمهور، ومنعها قوم. وسبب اختلافهم:

[ 33 ]

اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين) * هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهو الاشارة في قوله: * (وحرم ذلك على المؤمنين) * إلى الزنا أو إلى النكاح؟ وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم لما جاء في الحديث أن رجلا قال للنبي (ص) في زوجته أنها لا ترد يد لامس. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: طلقها، فقال له إني أحبها. فقال له: فأمسكها وقال قوم أيضا: إن الزنا يفسخ النكاح بناء على هذا الاصل. وبه قال الحسن: وأما زواج الملاعنة من زوجها الملاعن فسنذكرها في كتاب اللعان. الفصل الخامس: في مانع العدد واتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء معا، وذلك للاحرار من الرجال. واختلفوا في موضعين: في العبيد، وفيما فوق الاربع. أما العبيد فقال مالك في المشهور عنه: يجوز أن ينكح أربعا. وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز له الجمع إلا بين اثنتين فقط. وسبب اختلافهم: هل العبودية لها تأثير في إسقاط هذا العدد كما لها تأثير في إسقاط نصف الحد الواجب على الحر في الزنا؟ وكذلك الطلاق عند من رأى ذلك. وذاك أن المسلمين اتفقوا على تنصيف حده في الزنا: أعني أن حده نصف حد الحر، واختلفوا في غير ذلك. وأما ما فوق الاربع فإن الجمهور على أنه لا تجوز الخامسة لقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لغيلان لما أسلم وتحته عشرة نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن وقالت فرقة: يجوز تسع، ويشبه أن يكون من أجاز التسع ذهب مذهب الجمع في الآية المذكورة، أعني جمع الاعداد في قوله تعالى: * (مثنى وثلاث ورباع) *. الفصل السادس: في مانع الجمع واتفقوا على أنه لا يجمع بين الاختين بعقد نكاح لقوله تعالى: * (وأتجمعوا بين الاختين) * واختلفوا في الجمع بينهما بملك اليمين، والفقهاء على منعه، وذهبت طائفة إلى إباحة ذلك. وسبب اختلافهم: معارضة عموم قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * لعموم الاستثناء في آخر الآية، وهو قوله تعالى * (إلا ما ملكت أيمانكم) * وذلك أن هذا الاستثناء يحتمل أن يعود لاقرب مذكور، ويحتمل أن يعود لجميع ما تضمنته الآية من التحريم إلا ما وقع الاجماع على أنه لا تأثير له فيه، فيخرج

[ 34 ]

من عموم قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * ملك اليمين، ويحتمل أن لا يعود إلا إلى أقرب مذكور، فيبقى قوله * (وأن تجمعوا بين الاختين) * على عمومه، ولا سيما إن عللنا ذلك بعلة الاخوة أو بسبب موجود فيهم. واختلف الذين قالوا بالمنع في ملك اليمين إذا كانت إحداهما بنكاح والاخرى بملك يمين، فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي، وكذلك اتفقوا فيما أعلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة وتواتره عنه عليه الصلاة والسلام من أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها واتفقوا على أن العمة ههنا هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة إما بنفسه وإما بواسطة ذكر آخر، وأن الخالة: هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة إما بنفسها وإما بتوسط أنثى غيرها وهن الحرات من قبل الام، واختلفوا هل هذا من باب الخاص أريد به الخاص، أم هو من باب الخاص أريد به العام؟ والذين قالوا هو من باب الخاص أريد به العام اختلفوا أي عام هو المقصود به؟ فقال قوم - وهم الاكثر وعليه الجمهور من فقهاء الامصار -: هو خاص أريد به الخصوص فقط، وأن التحريم لا يتعدى إلى غير من نص عليه. وقال قوم: هو خاص والمراد به العموم، وهو الجمع بين كل امرأتين بينهما رحم محرمة أو غير محرمة، فلا يجوز الجمع عند هؤلاء بين ابنتي عم أو عمة، ولا بين ابنتي خال أو خالة، ولا بين المرأة وبنت عمها أو بنت ت عمتها، أو بينها وبين بنت خالتها، وقال قوم: إنما يحرم الجمع بين كل امر أتيبينهما قرابة محرمة، أعني لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا، ومن هؤلاء من اشترط في هذا المعنى أن يعتبر هذا من الطرفين جميعا، أعني إذا جعل كل واحد منهما ذكرا والآخر أنثى فلم يجز لهما أن يتناكحا، فهؤلاء لا يحل الجمع بينهما، وأما إن جعل في أحد الطرفين ذكر يحرم التزويج ولم يحرم من الطرف الآخر فإن الجمع يجوز كالحال في الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها، فإنه إن وضعنا البنت ذكرا لم يحل نكاح المرأة منه لانها زوج أبيه، وإن جعلنا المرأة ذكرا حل لها نكاح ابنة الزوج لانها تكون ابنة الاجنبي وهذا القانون هو الذي اختاره أصحاب مالك، وأولئك يمنعون الجمع بين زوج الرجل وابنته من غيرها. الفصل السابع: في موانع الرق واتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الامة، وللحرة أن تنكح العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها. واختلفوا في نكاح الحر الامة فقال قوم: يجوز بإطلاق، وهو

[ 35 ]

المشهور من مذهب ابن القاسم، وقال قوم: لا يجوز إلا بشرطين: عدم الطول، وخوف العنت، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. والسبب في اختلافهم: معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح) * الآية، لعموم قوله: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين) * الآية، وذلك أن مفهوم دليل الخطاب في قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا) * الآية، يقتضي أنه لا يحل نكاح الامة إلا بشرطين: أحدهما: عدم الطول إلى الحرة، والثاني: خوف العنت. وقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم) * يقتضي بعمومه إنكاحهن من حر أو عبد، واجدا كان الحر أوغير واجد، خائفا للعنت أو غير خائف، لكن دليل الخطاب أقوى ههنا - والله أعلم - من العموم، لان هذا العموم لم يتعرض فيه إلى صفات الزوج المشترطة في نكاح الاماء، وإنما المقصود به الامر بإنكاحهن وألا يجبرن على النكاح، وهو أيضا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك من إرهاق الرجل ولده. واختلفوا من هذا الباب في فرعين مشهورين، أعني الذين لم يجيزوا النكاح إلا بالشرطين المنصوص عليهما: أحدهما: إذا كانت تحته حرة هل هي طول أو ليست بطول؟ فقال أبو حنيفة: هي طول، وقال غيره: ليست بطول، وعن مالك في ذلك القولان. والمسألة الثانية: هل يجوز لمن وجد فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من أمة واحدة ثلاث أو أربع أو ثنتان؟ فمن قال إذا كانت تحته حرة فليس يخاف العنت لانه غير عزب قال: إذا كانت تحته حرة لم يجز له نكاح الامة، ومن قال خوف العنت، إنما يعتبر بإطلاق سواء كان عزبا أو متأهلا لانه قد لا تكون الزوجة الاولى مانعة من العنت، وهو لا يقدر على حرة تمنعه من العنت، فله أن ينكح أمة، لان حاله مع هذه الحرة في خوف العنت كحالة قبلها، وبخاصة إذا خشي العنت من الامة التي يريد نكاحها. وهذا بعينه السبب في اختلافهم: هل ينكح أمة ثانية على الامة الاولى أو لا ينكحها؟ وذلك أن من اعتبر خوف العنت مع كونه عزبا إذ كان الخوف على العزب أكثر قال: لا ينكح أكثر من أمة واحدة، ومن اعتبره مطلقا قال: ينكح أكثر من أمة واحدة، وكذلك يقول إنه ينكح على الحرة. واعتباره مطلقا فيه نظر، وإذا قلنا إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها بغير إذنها فهل لها الخيار في البقاء معه أو في فسخ النكاح؟ اختلف في ذلك قول مالك، واختلفوا إذا وجد طولا بحرة: هل يفارق الامة أم لا؟ ولم يختلفوا أنه إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا يفارقها. أعني أصحاب مالك، واتفقوا من هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة من ملكته وأنها إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح.

[ 36 ]

الفصل الثامن: في مانع الكفر واتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية لقوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * واختلفوا في نكاحها بالملك. واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابية الحرة، إلا ما روي في ذلك عن ابن عمر. واختلفوا في إحلال الكتابية الامة بالنكاح، واتفقوا على إحلالها بملك اليمين. والسبب في اختلافهم: في نكاح الوثنيات بملك اليمين معارضة عموم قوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * وعموم قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يومن) * لعموم قوله: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * وهن المسبيات، وظاهر هذا يقتضي العموم، سواء كانت مشركة أو كتابية، والجمهور على منعها. وبالجواز قال طاوس ومجاهد، ومن الحجة لهم ما روي من نكاح المسبيات في غزوة أوطاس إذ استأذنوه في العزل فأذن لهم. وإنما صار الجمهور لجواز نكاح الكتابيات الاحرار بالعقد، لان الاصل بناء الخصوص على العموم، أعني أن قوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) * هو خصوص، وقوله: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يومن) * هو عموم، فاستثنى الجمهور الخصوص من العموم، ومن ذهب إلى تحريم ذلك جعل العام ناسخا للخاص، وهو مذهب بعض الفقهاء. وإنما اختلفوا في إحلال الامة الكتابية بالنكاح لمعارضة العموم في ذلك القياس، وذلك أن قياسها على الحرة يقتضي إباحة تزويجها، وباقي العموم إذا استثني منه الحرة يعارض ذلك، لانه يوجب تحريمها على قول من يرى أن العموم إذا خصص بقي الباقي على العموم، فمن خصص العموم الباقي بالقياس، أو لم ير الباقي من العموم المخصوص عموما قال: يجوز نكاح الامة الكتابية. ومن رجح باقي العموم بعدم التخصيص على القياس قال: لا يجوز نكاح الامة الكتابية، وهنا أيضا سبب آخر لاختلافهم، وهو معارضة دليل الخطاب للقياس. وذلك أن قوله تعالى: * (من فتياتكم المؤمنات) * يوجب أن لا يجوز نكاح الامة الغير مؤمنة بدليل الخطاب، وقياسها على الحرة يوجب ذلك، (والقياس من كل جنس يجوز فيه النكاح بالتزويج، ويجوز فيه النكاح بملك اليمين أصله

[ 37 ]

المسلمات، والطائفة الثانية أنه ثم لم يجز نكاح الامة المسلمة بالتزويج إلا بشرط فأحرى أن لا يجوز نكاح الامة الكتابية بالتزويج)، وإنما اتفقوا على إحلالها بملك اليمين لعموم قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * ولاجماعهم على أن السبي يحل المسبية الغير متزوجة. وإنما اختلفوا في المتزوجة هل يهدم السبي نكاحها، وإن هدم فمتى يهدم؟ فقال قوم: إن سبيا معا - أعني الزوج والزوجة - لم يفسخ نكاحهما وإن سبي أحدهما قبل الآخر انفسخ النكاح، وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم: بل السبي يهدم سبيا معا أو سبي أحدهما قبل الآخر، وبه قال الشافعي، وعن مالك قولان: أحدهما: أن السبي لا يهدم النكاح أصلا. والثاني: أنه يهدم بإطلاق مثل قول الشافعي. والسبب في اختلافهم: هل يهدم أو لا يهدم هو تردد المسترقين الذين أمنوا من القتل بين نساء الذميين أهل العهد وبين الكافرة التي لا زوج لها أو المستأجرة من كافر، وأما تفريق أبي حنيفة بين أن يسبيا معا وبين أن يسبى أحدهما فلان المؤثر عنده في الاحلال هو اختلاف الدار بهما لا الرق، والمؤثر في الاحلال عند غيره هو الرق، وإنما النظر هل هو الرق مع الزوجية أو مع عدم الزوجية؟ والاشبه أن لا يكون للزوجية ههنا حرمة لان محل الرق وهو الكفر سبب الاحلال: وأما تشبيهها بالذمية فبعيد لان الذمي إنما أعطى الجزية بشرط أن يقر على دينه فضلا عن نكاحه. الفصل التاسع: في مانع الاحرام واختلفوا في نكاح المحرم فقال مالك والشافعي والليث والاوزاعي وأحمد: لا ينكح المحرم ولا ينكح، فإن فعل فالنكاح باطل، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. وسبب اختلافهم: تعارض النقل في هذا الباب: فمنها حديث ابن عباس أن رسول الله (ص) نكح ميمونة وهو محرم وهو حديث ثابت النقل خرجه أهل الصحيح وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة أن رسول الله (ص) تزوجها وهو حلال قال أبو عمر: رويت عنها من طرق شتى: من طريق أبي رافع، ومن طريق سليمان بن يسار وهو مولاها، وعن يزيد بن الاصم. وروى مالك أيضا من حديث عثمان بن عفان مع هذا أنه قال: قال رسول الله (ص) لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب فمن رجح هذه الاحاديث على حديث ابن عباس قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح، ومن رجح حديث ابن عباس أو جمع بينه وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمل النهي الوارد في ذلك على الكراهية قال: ينكح وينكح، وهذا راجع إلى تعارض الفعل والقول والوجه الجمع أو تغليب القول.

[ 38 ]

الفصل العاشر: في مانع المرض واختلفوا في نكاح المريض. فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يجوز، ويتخرج ذلك من قوله أنه يفرق بينهما وإن صح ويتخرج من قوله أيضا أنه لا يفرق بينهما أن التفريق مستحب غير واجب. وسبب اختلافهم: تردد النكاح بين البيع وبين الهبة، وذلك أنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث ويجوز بيعه ولاختلافهم أيضا سبب آخر، وهو هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد أو لا يتهم؟ وقياس النكاح على الهبة غير صحيح، لانهم اتفقوا على أن الهبة تجوز إذا حملها الثلث، ولم يعتبروا بالنكاح هنا بالثلث، ورد جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة، حتى أن قوما رأوا القول بهذا القول شرع زائد وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف، وأنه لا تجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان. والتوقف أيضا عن اعتبار المصالح تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم، فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها، وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقا إلى الظلم، ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا يمنع النكاح، وإن دلت على أنه قصد الاضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشئ وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة. الفصل الحادي عشر: في مانع العدة واتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة كانت عدة حيض أو عدة حمل أو عدة أشهر. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ودخل بها، فقال مالك والاوزاعي والليث: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: يفرق بينهما، وإذا انقضت العدة بينهما فلا بأس في تزويجه إياها مرة ثانية. وسبب اختلافهم: على قول الصاحب حجة أم ليس بحجة؟ وذلك أن مالكا روى عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب فرق بين طليحة الاسدية وبين زوجها راشدا الثقفي لما تزوجها في العدة من زوج ثان وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الاول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الاول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا قال سعيد: ولها مهرها بما استحل منها. وربما عضدوا هذا القياس

[ 39 ]

بقياس شبه ضعيف مختلف في أصله، وهو أنه أدخل في النسب شبهة فأشبه الملاعن. وروي عن علي وابن مسعود مخالفة عمر في هذا. والاصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم على ذلك دليل من كتاب أو سنة أو إجماع من الامة. وفي بعض الروايات أن عمر كان قضى بتحريمها، وكون المهر في بيت المال، فلما بلغ ذلك عليا أنكره فرجع عن ذلك عمر، وجعل الصداق على الزوج ولم يقض بتحريمها عليه، رواه الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق. وأما من قال بتحريمها بالعقد فهو ضعيف. وأجمعوا على أنه لا توطأ حامل مسبية حتى تضع، لتواتر الاخبار بذلك عن رسول الله (ص). واختلفوا إن وطئ هل يعتق عليه الولد أو لا يعتق، والجمهور على أنه لا يعتق. وسبب اختلافهم: هل ماؤه مؤثر في خلقته أو غير مؤثر؟ فإن قلنا إنه مؤثر كان له ابنا بجهة ما، وإن قلنا إنه ليس بمؤثر لم يكن ذلك. وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: كيف يستعبده وقد غذاه في سمعه وبصره. وأما النظر في مانع التطليق ثلاثا. فسيأتي في كتاب الطلاق. الفصل الثاني عشر: في مانع الزوجية وأما مانع الزوجية فإنهم اتفقوا على أن الزوجية بين المسلمين مانعة وبين الذميين. واختلفوا في المسبية على ما تقد، واختلفوا أيضا في الامة إذا بيعت هل يكون بيعها طلاقا؟ فالجمهور على أنه ليس بطلاق. وقال قوم: هو طلاق. وهو مروي عن ابن عباس وجابر وابن مسعود وأبي بن كعب. وسبب اختلافهم: معارضة مفهوم حديث بريرة لعموم قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * وذلك أن قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * يقتضى المسبيات وغيرهن. وتخيير بريرة يوجب أن لا يكون بيعها طلاقا. لانه لو كان بيعها طلاقا لما خيرها رسول الله (ص) بعد العتق. ولكان نفس شراء عائشة لها طلاقا من زوجها. والحجة للجمهور ما خرجه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ص) بعث يوم حنين سرية فأصابوا حيا من العرب يوم أوطاس فهزموهم وقتلوهم وأصابوا نساء لهن أزواج. وكان ناس من أصحاب رسول الله (ص) تأثموا من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنزل الله عزوجل * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * وهذه المسألة هي أليق بكتاب الطلاق. فهذه هي جملة الاشياء المصححة للانكحة في الاسلام، وهي كما قلنا راجعة إلى ثلاثة أجناس: صفة العاقد والمعقود عليها، وصفة العقد، وصفة الشروط في العقد. وأما الانكحة التي انعقدت قبل الاسلام ثم طرأ عليها الاسلام، فإنهم اتفقوا على أن الاسلام إذا كان منهما معا - أعني من الزوج والزوجة - وقد كان عقد النكاح على من يصح ابتداء العقد عليها في الاسلام أن الاسلام يصحح ذلك، واختلفوا في

[ 40 ]

موضعين: أحدهما: إذا انعقد النكاح على أكثر من أربع أو على من لا يجوز الجمع بينهما في الاسلام. والموضع الثاني: إذا أسلم أحدهما قبل الآخر. فأما المسألة الاولى: وهي إذا أسلم الكافر وعنده أكثر من أربع نسوة أو أسلم وعنده أختان، فإن مالكا قال: يختار منهن أربعا ومن الاختين واحدة أيتهما شاء، وبه قال الشافعي وأحمد وداود: وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: يختار الاوائل منهن في العقد، فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن، وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا ثم استأنف نكاح أيتهما شاء، ولم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره. وسبب اختلافهم: معارضة القياس للاثر، وذلك أنه ورد في ذلك أثران: أحدهما: مرسل مالك أن غيلان بن سلامة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه، فأمره رسول الله (ص) أن يختار منهن أربعا الحديث الثاني: حديث قيس بن الحارث أنه أسلم على الاختين، فقال له رسول الله (ص) اختر أيتهما شئت. وأما القياس المخالف لهذا الاثر فتشبيه العقد على الاواخر قبل الاسلام بالعقد عليهن بعد الاسلام: أعني أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الاسلام كذلك قبل الاسلام وفيه ضعف. وأما إذا أسلم أحدهما قبل الآخر. وهي المسألة الثانية ثم فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: أنه إذا أسلم الآخر، فإنهم اختلفوا في ذلك أسلمت المرأة قبله فإنه إن أسلم في عدتها كان أحق بها، وإن أسلم هو وهي فنكاحها ثابت لما ورد في ذلك من حديث صفوان بن أمية، وذلك أن زوجه عاتكة ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله، ثم أسلم هو فأقره رسول الله (ص) على نكاحه قالوا: وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله (ص) وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. وأما إذا أسلم الزوج قبل إسلام المرأة فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: إذا أسلم الزوج قبل المرأة وقعت الفرقة إذا عرض عليها الاسلام فأبت، وقال الشافعي: سواء أسلم الرجل قبل المرأة أو المرأة قبل الرجل إذا وقع إسلام المتأخر في العدة ثبت النكاح. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للاثر والقياس، وذلك أن عموم قوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * يقتضي المفارقة على الفور. وأما الاثر المعارض لمقتضى هذا العموم فما روي من أن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمر الظهران، ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده بأيام فاستقرا على نكاحهم. وأما القياس المعارض للاثر فلانه يظهر أنه لا فرق بين

[ 41 ]

أن تسلم هي قبله أو هو قبلها، فإن كانت العدة معتبرة في إسلامها قبل فقد يجب أن تعتبر في إسلامه أيضا قبل. الباب الثالث: في موجبات الخيار في النكاح وموجبات الخيار أربعة: العيوب، والاعسار بالصداق أو بالنفقة والكسوة. والثالث: الفقد - أعني فقد الزوج -. والرابع: العتق للامة المزوجة.. فيعقد في هذا الباب أربعة فصول: الفصل الاول: في خيار العيوب اختلف العلماء في موجب الخيار بالعيوب لكل واحد من الزوجين، وذلك في موضعين: أحدهما: هل يرد بالعيوب أو لا يرد؟ والموضع الثاني: إذا قلنا إنه يرد فمن أيها يرد، وما حكم ذلك؟ فأما الموضع الاول فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا: العيوب توجب الخيار في الرد أو الامساك: وقال أهل الظاهر: لا توجب خيار الرد والامساك، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وسبب اختلافهم: شيئان: أحدهما: هل قول الصاحب حجة، والآخر: قياس النكاح في ذلك على البيع؟ فأما قول الصاحب الوارد في ذلك فهو ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص - وفي بعض الروايات: أو قرن - فلها صداقها كاملا وذلك غرم لزوجها على وليها. وأما القياس على البيع فإن القائلين بموجب الخيار للعيب في النكاح قالوا: النكاح في ذلك شبيه بالبيع، وقال المخالفون لهم: ليس شبيها بالبيع لاجماع المسلمين على أنه لا يرد النكاح بكل عيب ويرد به البيع. وأما الموضع الثاني في الرد بالعيوب فإنهم اختلفوا في أي العيوب يرد بها وفي أيها لا يرد وفي حكم الرد، فاتفق مالك والشافعي على أن الرد يكون من أربعة عيوب: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج الذي يمنع الوطئ: إما قرن أو رتق في المرأة أو عنة في الرجل أو خصا، واختلف أصحاب مالك في أربع: في السواد والقرع وبخر الفرج وبخر الفم، فقيل ترد بها، وقيل لا ترد، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا ترد المرأة في النكاح إلا بعيبين فقط: القرن والرتق. فأما أحكام الرد فإن القائلين بالرد اتفقوا على أن الزوج إذا علم بالعيب قبل الدخول طلق ولا شئ عليه. واختلفوا إن علم بعد الدخول والمسيس، فقال مالك: إن كان وليها الذي زوجها ممن يظن به لقربه منها أنه عالم بالعيب مثل الاب والاخ فهو غار يرجع عليه الزوج بالصداق وليس يرجع على المرأة بشئ، وإن كان بعيدا رجع الزوج على المرأة بالصداق كله إلا ربع دينار فقط. وقال الشافعي: إن دخل لزمه الصداق كله بالمسيس ولا رجوع له عليها ولا على ولي. وسبب اختلافهم: تردد تشبيه النكاح بالبيع أو بالنكاح الفاسد الذي وقع فيه المسيس، أعني اتفاقهم على وجوب المهر في

[ 42 ]

الانكحة الفاسدة بنفس المسيس، لقوله عليه الصلاة والسلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن سيدها فنكاحها باطل ولها المهر بما استحل منها فكان موضع الخلاف تردد هذا الفسخ بين حكم الرد بالعيب في البيوع، وبين حكم الانكحة المفسوخة: أعني بعد الدخول، واتفق الذين قالوا بفسخ نكاح العنين أنه لا يفسخ حتى يؤجل سنة يخلى بينه وبينها بغير عائق. واختلف أصحاب مالك في العلة التي من أجلها قصر الرد على هذه العيوب الاربعة، فقيل لان ذلك شرع غير معلل، وقيل لان ذلك مما يخفى، ومحمل سائر العيوب على أنها مما تخفى، وقيل لانها يخاف سرايتها إلى الابناء، وعلى هذا التعليل يرد بالسواد والقرع، وعلى الاول يرد بكل عيب إذا علم أنه مما خفي على الزوج. الفصل الثاني: في خيار الاعسار بالصداق والنفقة واختلفوا في الاعسار بالصداق، فكان الشافعي يقول: تخير إذا لم يدخل بها، وبه قال مالك. واختلف أصحابه في قدر التلوم له، فقيل ليس له في ذلك حد، وقيل سنة، وقيل سنتين، وقال أبو حنيفة: هي غريم من الغرماء لا يفرق بينهما ويؤخذ بالنفقة، ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر. وسبب اختلافهم: تغليب شبه النكاح في ذلك بالبيع أو تغليب الضرر اللاحق للمرأة في ذلك من عدم الوطئ تشبيها بالايلاء والعنة. وأما الاعسار بالنفقة فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وجماعة: يفرق بينهما، وهو مروي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يفرق بينهما، وبه قال أهل الظاهر. وسبب اختلافهم: تشبيه الضرر الواقع من ذلك بالضرر الواقع من العنة، لان الجمهور على القول بالتطليق على العنين حتى لقد قال ابن المنذر إنه إجماع. وربما قالوا النفقة في مقابلة الاستمتاع، بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور. فإذا لم يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار. وأما من لا يرى القياس فإنهم قالوا قد ثبتت العصمة بالاجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه فسبب اختلافهم معارضة استصحاب الحال للقياس. الفصل الثالث: في خيار الفقد واختلفوا في المفقود الذي تجهل حياته أو موته في أرض الاسلام، فقال مالك: يضرب لامرأته أجل أربع سنين من يوم ترفع أمرها إلى الحاكم، فإذا انتهى الكشف عن حياته أو موته فجهل ذلك ضرب لها الحاكم الاجل، فإذا انتهى اعتدت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وحلت، قال: وأما ماله فلا يورث حتى يأتي عليه من الزمان ما يعلم أن المفقود لا يعيش إلى مثله غالبا، فقيل سبعون وقيل ثمانون، وقيل تسعون، وقيل مائة فيمن غاب وهو دون هذه الاسنان، وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب، وهو مروي أيضا عن عثمان وبه قال الليث، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا تحل امرأة المفقود

[ 43 ]

حتى يصح موته، وقولهم مروي عن علي وابن مسعود. والسبب في اختلافهم: معارضة استصحاب الحال للقياس، وذلك أن استصحاب الحال يوجب أن لا تنحل عصمة إلا بموت أو طلاق حتى يدل الدليل على غيذلك. وأما القياس فهو تشبيه الضرر اللاحق لها من غيبته بالايلاء والعنة، فيكون لها الخيار كما يكون في هذين والمفقودون عند المحصلين من أصحاب مالك أربعة: مفقود في أرض الاسلام وقع الخلاف فيه، ومفقود في أرض الحرب، ومفقود في حروب الاسلام، أعني فيما بينهم، ومفقود في حروب الكفار، والخلاف عن مالك وعن أصحابه في الثلاثة الاصناف من المفقودين كثير. فأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه عندهم حكم الاسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يصح موته، ما خلا أشهب، فإنه حكم له بحكم المفقود في أرض المسلمين. وأما المفقود في حروب المسلمين فقال: إن حكمه حكم المقتول دون تلوم، وقيل يتلوم له بحسب بعد الموضع الذي كانت فيه المعركة وقربه وأقصى الاجل في ذلك سنة. وأما المفقود في حروب الكفار ففيه في المذهب أربعة أقوال: قيل حكمه حكم الاسير، وقيل حكمه حكم المقتول بعد تلوم سنة، إلا أن يكون بموضع لا يخفى أمره فيحكم له بحكم المفقود في حروب المسلمين وفتنهم، والقول الثالث أن حكمه حكم المفقود في بلاد المسلمين، والرابع حكمه حكم المقتول في زوجته، وحكم المفقود في أرض المسلمين في ماله أعني يعمر وحينئذ يورث، وهذه الاقاويل كلها مبناها على تجويز النظر بحسب الاصلح في الشرع، وهو الذي يعرف بالقياس المرسل، وبين العلماء فيه اختلاف: أعني بين القائلين بالقياس. الفصل الرابع: في خيار العتق واتفقوا على أن الامة إذا عتقت تحت عبد أن لها الخيار، واختلفوا إذا عتقت تحت الحر هل لها خيار أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأهل المدينة والاوزاعي وأحمد والليث: لا خيار لها. وقال أبو حنيفة والثوري: لها الخيار حرا كان أو عبدا. وسبب اختلافهم: تعارض النقل في حديث بريرة، واحتمال العلة الموجبة للخيار أن يكون الجبر الذي كان في إنكاحها بإطلاق إذا كانت أمة، أو الجبر على تزويجها من عبد، فمن قال: العلة الجبر على النكاح بإطلاق قال: تخير تحت الحر والعبد، ومن قال الجبر على تزويج العبد فقط قال: تخير تحت العبد فقط. وأما اختلاف النقل فإنه روي عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود. وروي عن عائشة أن زوجها كان حرا. وكلا النقلين ثابت عند أصحاب الحديث، واختلفوا أيضا في الوقت الذي يكون لها الخيار فيه، فقال مالك والشافعي: يكون لها الخيار ما لم يمسها، وقال أبو حنيفة: خيارها على المجلس، وقال الاوزاعي: إنما يسقط خيارها بالمسيس إذا علمت أن المسيس يسقط خيارها.

[ 44 ]

الباب الرابع: في حقوق الزوجية واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة والكسوة لقوله تعالى: * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * الآية. ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولقوله لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. فأما النفقة فاتفقوا على وجوبها. واختلفوا في أربعة مواضع: في وقت وجوبها، ومقدارها، ولمن تجب؟ وعلى من تجب؟ فأما وقت وجوبها فإن مالكا قال: لا تجب النفقة على الزوج حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ، وقال أبو حنيفة والشافعي: يلزم غير البالغ النفقة إذا كانت هي بالغا. وأما إذا كان هو بالغا والزوجة صغيرة فللشافعي قولان: أحدهما مثل قول مالك، والقول الثاني أن لها النفقة بإطلاق. وسبب اختلافهم: هل النفقة لمكان الاستمتاع أو لمكان أنها محبوسة على الزوج كالغائب والمريض. وأما مقدار النفقة فذهب مالك إلى أنها غير مقدرة بالشرع وأن ذلك راجع إلى ما يقتضيه حال الزوج وحال الزوجة، وأن ذلك يختلف بحسب اختلاف الامكنة والازمنة والاحوال، وبه قال أبو حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة، فعلى الموسر مدان، وعلى الاوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. وسبب اختلافهم: تردد حمل النفقة في هذا الباب على الاطعام في الكفارة أو على الكسوة، وذلك أنهم اتفقوا أن الكسوة غير محدودة وأن الاطعام محدود. واختلفوا من هذا الباب في هل يجب على الزوج نفقة خادم الزوجة؟ وإن وجبت فكم يجب؟ والجمهور على أن على الزوج النفقة لخادم الزوجة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، وقيل بل على الزوجة خدمة البيت، واختلف الذين أوجبوا النفقة على خادم الزوجة على كم تجب نفقته؟ فقالت طائفة: ينفق على خادم واحدة، وقيل على خادمين إذا كانت المرأة ممن لا يخدمها إلا خادمان وبه قال مالك وأبو ثور. ولست أعرف دليلا شرعيا لايجاب النفقة على الخادم إلا تشبيه الاخدام بالاسكان. فإنهم اتفقوا على أن الاسكان على الزوج للنص الوارد في وجوبه للمطلقة الرجعية، وأما لمن تجب النفقة فإنهم اتفقوا على أنها تجب للحرة الغير ناشز. واختلفوا في الناشز والامة. فأما الناشز فالجمهور على أنها لا تجب لها نفقة، وشذ قوم فقالوا تجب لها النفقة. وسبب الخلاف: معارضة العموم للمفهوم. وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يقتضي أن الناشز وغير الناشز في ذلك سواء، والمفهوم من أن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع يوجب أن لا نفقة للناشز. وأما الامة فاختلف فيها أصحاب مالك اختلافا كثيرا، فقيل: لها النفقة كالحرة، وهو المشهور، وقيل

[ 45 ]

لا نفقة لها وقيل أيضا إن كانت تأتيه فلها النفقة، وإن كان يأتيها فلا نفقة لها، وقيل لها النفقة في الوقت الذي تأتيه، وقيل إن كان الزوج حرا فعليه النفقة، وإن كان عبدا فلا نفقة عليه. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للقياس، وذلك أن العموم يقتضي لها وجوب النفقة، والقياس يقتضي أن لا نفقة لها إلا على سيدها الذي يستخدمها، وتكون النفقة بينهما لان كل واحد منهما ينتفع بها ضربا من الانتفاع، ولذلك قال قوم: عليه النفقة في اليوم الذي تأتيه. وقال ابن حبيب: يحكم على مولى الامة المزوجة أن تأتي زوجها في كل أربعة أيام. وأما على من تجب، فاتفقوا أيضا أنها تجب على الزوج الحر الحاضر، واختلفوا في العبد والغائب. فأما العبد فقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن على العبد نفقة زوجته. وقال أبو المصعب من أصحاب مالك: لا نفقة عليه. وسبب الخلاف: معارضة العموم لكون العبد محجورا عليه في ماله. وأما الغائب فالجمهور على وجوب النفقة عليه، وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا بإيجاب السلطان. وإنما اختلفوا فيمن القول قوله إذا اختلفوا في الاتفاق، وسيأتي ذلك في كتاب الاحكام إن شاء الله. وكذلك اتفقوا على أن من حقوق الزوجات العدل بينهن في القسم لما ثبت من قسمه (ص) بين أزواجه ولقوله عليه الصلاة والسلام: إذا كان للرجل امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ولما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد السفر أقرع بينهن واختلفوا في مقام الزوج عند البكر والثيب وهل يحتسب به أو لا يحتسب إذا كانت له زوجة أخرى؟ فقال مالك والشافعي وأصحابهما: يقيم عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا، ولا يحتسب إذا كان له امرأة أخرى بأيام التي تزوج، وقال أبو حنيفة: الاقامة عندهن سواء بكرا كانت أو ثيبا. ويحتسب بالاقامة عندها إن كانت له زوجة أخرى. وسبب اختلافهم: معارضة حديث أنس لحديث أم سلمة، وحديث أنس هو: أن النبي (ص) كان إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا وحديث أم سلمة هو أن النبي (ص) تزوجها فأصبحت عنده فقال: ليس بك على أهلك هوا إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت فقالت: ثلث وحديث أم سلمة هو مدني متفق عليه خرجه مالك والبخاري ومسلم، وحديث أنس حديث بصري خرجه أبو داود، فصار أهل المدينة إلى ما خرجه أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى ما خرجه أهل المدينة. واختلف أصحاب مالك في هل مقامه عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا واجب أو مستحب؟ فقال ابن القاسم: هو واجب: وقال ابن عبد الحكم: يستحب. وسبب الخلاف: حمل فعله عليه الصلاة والسلام على الندب أعلى الوجوب. وأما حقوق الزوج على الزوجة بالرضاع وخدمة البيت على اختلاف بينهم في ذلك، وذلك أن قوما أوجبوا عليها الرضاع على الاطلاق، وقوم لم يوجبوا ذلك عليها بإطلاق وقوم أوجبوا ذلك على الدنيئة

[ 46 ]

ولم يوجبوا ذلك على الشريفة، إلا أن يكون الطفل لا يقبل إلا ثديها، وهو مشهور قول مالك. وسبب اختلافهم: هل آية الرضاع متضمنة حكم الرضاع: أعني إيجابه، أو متضمنة أمره فقط؟ فمن قال أمره قال: لا يجب عليها الرضاع إذ لا دليل هنا على الوجوب، ومن قال تتضمن الامر بالرضاع وإيجابه وأنها من الاخبار التي مفهومها مفهوم الامر قال: يجب عليها الارضاع. وأما من فرق بين الدنيئة والشريفة فاعتبر في ذلك العرف والعادة. وأما المطلقة فلا رضاع عليها إلا أن لا يقبل ثدي غيرها فعليها الارضاع وعلى الزوج أجر الرضاع، هذا إجماع لقوله سبحانه وتعالى: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * والجمهور على أن الحضانة للام إذا طلقها الزوج وكان الولد صغيرا لقوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ولان الامة والمسبية إذا لم يفرق بينها وبين ولدها فأخص بذلك الحرة. واختلفوا إذا بلغ الولد حد التمييز فقال قوم: يخير، ومنهم الشافعي واحتجوا بأثر ورد في ذلك، وبقي قوم على الاصل لانه لم يصح عندهم هذا الحديث، والجمهور على أن تزويجها لغير الاب يقطع الحضانة لما روي أن رسول الله (ص) قال أنت أحق به ما لم تنكحي ومن لم يصح عنده هذا الحديث طرد الاصل. (وأما نقل الحضانة من الام إلى غير الاب فليس في ذلك شئ يعتمد عليه). الباب الخامس: في الانكحة المنهي عنها بالشرع والانكحة الفاسدة وحكمها والانكحة التي ورد النهي فيها مصرحا أربعة: نكاح الشغار، ونكاح المتعة، والخطبة على خطبة أخيه، ونكاح المحلل. فأما نكاح الشغار فإنهم اتفقوا على أن صفته هو أن ينكح الرجل وليته رجلا آخر على أن ينكح الآخر وليته ولا صداق بينهما إلا بضع هذه ببضع الاخرى، واتفقوا على أنه نكاح غيجائز لثبوت النهي عنه، واختلفوا إذا وقع هل يصحح بمهر المثل أم لا؟ فقال مالك: لا يصحح ويفسخ أبدا قبل الدخول وبعده، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: إن سمى لاحداهما صداقا أو لهما معا فالنكاح ثابت بمهر المثل، والمهر الذي سمياه فاسد، وقال أبو حنيفة: نكاح الشغار يصح بفرض صداق المثل، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري. وسبب اختلافهم: هل النهي المعلق بذلك معلل بعدم العوض أو

[ 47 ]

غير معلل؟ فإن قلنا غير معلل لزم الفسخ على الاطلاق، وإن قلنا العلة عدم الصداق صح بفرض صداق المثل مثل العقد على خمر أو على خنزير، وقد أجمعو على أن النكاح المنعقد على الخمر والخنزير لا يفسخ إذا فات بالدخول. ويكون فيه مهر المثل، وكأن مالكا رضي الله عنه رأى أن الصداق وإن لم يكن من شرط صحة العقد ففساد العقد ههنا من قبل فساد الصداق مخصوص لتعلق النهي به، أو رأى أن النهي إنما يتعلق بنفس تعيين العقد، والنهي يدل على فساد المنهي. أما نكاح المتعة، فإنه وإن تواترت الاخبار عن رسول الله (ص) بتحريمه إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم، ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها في عام أوطاس، وأكثر الصحابة وجميع فقهاء الامصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك لقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم) * وفي حرف عنه: إلى أجل مسمى. وروي عنه أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عزوجل رحم بها أمة محمد (ص)، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي. وهذا الذي روعن ابن عباس رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار. وعن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس. وأما اختلافهم في النكاح الذي تقع فيه الخطبة على خطبة غيره، فقد تقدم أن فيه ثلاثة أقوال: قول بالفسخ، وقول بعدم الفسخ. وفرق بين أن ترد الخطبة على خطبة الغير بعد الركون والقرب من التمام أو لا ترد وهو مذهب مالك. وأما نكاح المحلل: أعني الذي يقصد بنكاحه تحليل المطلقة ثلاثا، فإن مالكا قال: هو نكاح مفسوخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نكاح صحيح. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام لعن الله المحلل الحديث. فمن فهم من اللعن التأثيم فقط قال: النكاح صحيح، ومن فهم من التأثيم فساد العقد تشبيها بالنهي الذي يدل على فساد النهي عنه قال: النكاح فاسد. فهذه هي الانكحة الفاسدة بالنهي. وأما الانكحة الفاسدة بمفهوم الشرع فإنها تفيد إما بإسقاط شرط من شروط صحة النكاح. أو لتغيير حكم واجب بالشرع من أحكامه مما هو عن الله عزوجل، وإما بزيادة تعود إلى إبطال شرط من شروط

[ 48 ]

الصحة. وأما الزيادا ت التي تعرض من هذا المعنى فإنها لا تفسد النكاح باتفاق، وإنما اختلف العلماء فلزوم الشروط التي بهذه الصفة أو لا لزومها، مثل أن يشترط عليه أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا ينقلها من بلدها، فقال مالك: إن اشترط ذلك لم تلزمه إلا أن يكون في ذلك يمين بعتق أو طلاق، فإن ذلك يلزمه إلا أن يطلق أو يعتق من أقسم عليه، فلا يلزم الشرط الاول أيضا، وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال الاوزاعي وابن شبرمة: لها شرطها وعليه الوفاء، وقال ابن شهاب: كان من أدركت من العلماء يقضون بها، وقول الجماعة مروي عن علي، وقول الاوزاعي مروي عن عمر. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للخصوص. فأما العموم فحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) خطب الناس فقال في خطبته كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط وأما الخصوص فحديث عقبة بن عامر عن النبي (ص) أنه قال أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج والحديثان صحيحان خرجهما البخاري ومسلم، إلا أن المشهور عند الاصوليين القضاء بالخصوص على العموم وهو لزوم الشروط وهو ظاهر ما وقع في العتبية وإن كان المشهور خلاف ذلك. وأما الشروط المقيدة بوضع من الصداق فإنه قد اختلف فيها المذهب اختلافا كثيرا: أعني في لزومها أو عدم لزومها، وليس كتابنا هذا موضوعا على الفروع. وأما حكم الانكحة الفاسدة إذا وقعت فمنها ما اتفقوا على فسخه قبل الدخول وبعده. وهو ما كان منها فاسدا بإسقاط شرط متفق على وجوب صحة النكاح بوجوده، مثل أن ينكح محرمة العين، ومنها ما اختلفوا فيه بحسب اختلافهم في ضعف علة الفساد وقوتها ولماذا يرجع من الاخلال بشروط الصحة ومالك في هذا الجنس - وذلك في الاكثر - يفسخه قبل الدخول ويثبته بعده والاصل فيه عنده أن لا فسخ، ولكنه يحتاط بمنزلة ما يرى في كثير من البيع الفاسد أنه يفوت بحوالة الاسواق وغير ذلك، ويشبه أن تكون هذه عنده هي الانكحة المكروهة، وإلا فلا وجه للفرق بين الدخول وعدم الدخول، والاضطراب في المذهب في هذا الباب كثير، وكأن هذا راجع عنده إلى قوة دليل الفسخ وضعفه: فمتى كان الدليل عنده قويا فسخ قبله وبعده، ومتى كان ضعيفا فسخ قبل ولم يفسخ بعد، وسواء كان الدليل القوي متفقا عليه أو مختلفا فيه. ومن قبل هذا أيضا اختلف المذهب في وقوع الميراث في الانكحة الفاسدة إذا وقع الموت قبل الفسخ وكذلك وقوع الطلاق فيه، فمرة اعتبر فيه الاختلاف والاتفاق، ومرة اعتبر فيه الفسخ بعد الدخول أو عدمه، وقد نرى أن نقطع ههنا القول في هذا الكتاب، فإن ما ذكرنا منه كفاية بحسب غرضنا المقصود.

[ 49 ]

كتاب الطلاق والكلام في هذا الباب ينحصر في أربع جمل: الجملة الاولى: في أنواع الطلاق. الجملة الثانية: في أركان الطلاق. الجملة الثالثة: في الرجعة. الجملة الرابعة: في أحكام المطلقات. الجملة الاولى وفي هذه الجملة خمسة أبواب: الباب الاول: في معرفة الطلاق البائن والرجعي. الباب الثاني: في معرفة الطلاق السني من البدعي. الباب الثالث: في الخلع. الباب الرابع: في تمييز الطلاق من الفسخ. الباب الخامس: في التخيير والتمليك. الباب الاول: في معرفة الطلاق البائن والرجعي واتفقوا على أن الطلاق نوعان: بائن ورجعي. وأن الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها، وإنما اتفقوا على هذا لقوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) * إلى قوله تعالى: * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * وللحديث الثابت أيضا من حديث ابن عمر أنه (ص) أمره أن يراجع زوجته لما طلقها حائضا. ولا خلاف في هذا. وأما الطلاق البائن، فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول ومن قبل عدد التطليقات ومن قبل العوض في الخلع على اختلاف بينهم هل الخلع طلاق أو فسخ على ما سيأتي بعد. واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت مفترقات لقوله تعالى: * (الطلاق مرتان) * الآية. واختلفوا إذا وقعت ثلاثا في اللفظ دون الفعل، وكذلك اتفق الجمهور على أن الرق مؤثر في إسقاط أعداد الطلاق، وأن الذي يوجب البينونة في الرق اثنتان. واختلفوا هل هذا معتبر برق الزوج أو برق الزوجة أم برق من رق منهما، ففي هذا الباب إذن ثلاث مسائل: المسألة الاولى: جمهور فقهاء الامصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك، وحجة هؤلاء ظاهر قوله تعالى: * (الطلاق مرتان) * إلى قوله في الثالثة * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * والمطلق بلفظ الثلاث مطلق واحدة لا مطلق

[ 50 ]

ثلاث، واحتجوا أيضا بما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فأمضاه عليهم عمر واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله (ص): كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس س واحد، قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها وقد احتج من انتصر لقول الجمهور بأحديث ابن عباس الواقع في الصحيحين إنما رواه عنه من أصحابه طاوس، وأن جلة أصحابه رووا عنه لزوم الثلاث منهم سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة غيرهم، وأن حديث ابن إسحاق وهم، وإنما روى الثقات أنه طلق ركانة زوجه البتة لا ثلاثا. وسبب الخلاف: هل الحكم الذي جعله الشرع من البينونة للطلقة الثالثة يقع بإلزام المكلف نفسه هذا الحكم في طلقة واحدة أم ليس يقع؟ ولا يلزم من ذلك إلا ما ألزم الشرع؟ فمن شبه الطلاق بالافعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها كالنكاح والبيوع قال: لا يلزم، ومن شبهه بالنذور والايمان التي ما التزم العبد منها لزمه على أي صفة كان ألزم الطلاق كيفما ألزمه المطلق نفسه، وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدا للذريعة ولكن تبطل بذاك الرخصة الشرعية والرفق المقصود في ذلك أعني في قوله تعالى: * (لعل الله يحد ث بعد ذلك أمرا) *. المسألة الثانية: وأما اختلافهم في اعتبار نقص عدد الطلاق البائن بالرق فمنهم من قال المعتبر فيه الرجال، فإذا كان الزوج عبدا كان طلاقه البائن الطلقة الثانية، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، وبهذا قال مالك والشافعي، ومن الصحابة عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس، وإن كان اختلف عنده في ذلك، لكن الاشهر عنه هو هذا القول. ومنهم من قال: إن الاعتبار في ذلك هو بالنساء، فإذا كانت الزوجة أمة كان طلاقها البائن الطلقة الثانية سواء كان الزوج عبدا أو حرا. وممن قال بهذا القول من الصحابة: علي وابن مسعود، ومن فقهاء الامصار أبو حنيفة وغيره. وفي المسألة قول أشذ من هذين، وهو أن الطلاق يعتبر برق من رق منهما، قال ذلك عثمان البتي وغيره وروي عن ابن عمر. وسبب هذا الاختلاف: هل المؤثر في هذا هو رق المرأة أو رق الرجل، فمن قال التأثير في هذا هو لمن بيده الطلاق قال: يعتبر بالرجال ومن قال التأثير في هذا الذي يقع عليه الطلاق قال: هو حكم من أحكام المطلقة فشبهوها بالعدة. وقد أجمعوا على أن العدة بالنساء: أي نقصانها تابع لرق النساء. واحتج الفريق الاول بما روي عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء إلا أنه حديث لم يثبت في الصحاح.

[ 51 ]

وأما من اعتبر من رق منهما فإنه جعل سبب ذلك هو الرق مطلقا ولم يجعل سبب ذلك لا الذكورية ولا الانوثية مع الرق. المسألة الثالثة: وأما كون الرق مؤثرا في نقصان عدد الطلاق فإنه حكى قوم أنه إجماع، وأبو محمد بن حزم وجماعة من أهل الظاهر مخالفون فيه، ويرون أن الحر والعد في هذا سواء. وسبب الخلاف: معارضة الظاهر في هذا للقياس، وذلك أن الجمهور صاروا إلى هذا المكان قياس طلاق العبد والامة على حدودهما، وقد أجمعوا على كون الرق مؤثرا في نقصان الحد. أما أهل الظاهر فلما كان الاصل عندهم أن حكم العبد في التكاليف حكم الحر إلا ما أخرجه الدليل، والدليل عندهم هو نص أو ظاهر من الكتاب أو السنة، ولم يكن هناك دليل مسموع صحيح وجب أن يبقى العبد على أصله، ويشبه أن يكون قياس الطلاق على الحد غير سديد، لان المقصود بنقصان الحد رخصة للعبد لمكان نقصه، وأن الفاحشة ليست تقبح منه قبحها من الحر. وأما نقصان الطلاق فهو من باب التغليظ، لان وقوع التحريم على الانسان بتطليقتين أغلظ من وقوعه بثلاث لما عسى أن يقع في ذلك من الندم والشرع إنما سلك في ذلك سبيل الوسط، وذلك أنه لو كانت الرجعة دائمة بيد الزوجة لعنتت المرأة وشقيت، ولو كانت البينونة واقعة في الطلقة الواحدة لعنت الزوج من قبل الندم، وكان ذلك عسرا عليه، فجمع الله بهذه الشريعة بين المصلحتين، ولذلك ما نرى - والله أعلم - أن من ألزم الطلاق الثلاث في واحدة، فقد رفع الحكمة الموجودة في هذه السنة المشروعة. الباب الثاني: في معرفة الطلاق السني من البدعي أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة وإنما أجمعوا على هذا لما ثبت من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله (ص)، فقال عليه الصلاة والسلام: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. واختلفوا من هذا الباب في ثلاثة مواضع: الموضع الاول: هل من شرطه أن لا يتبعها طلاقا في العدة؟ والثاني: هل المطلق ثلاثا: أعني بلفظ الثلاث مطلق للسنة أم لا؟ والثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض. أما الموضع الاول: فإنه اختلف فيه مالك وأبو حنيفة ومن تبعهما، فقال مالك: من شرطها أن لا يتبعها في العدة طلاقا آخر. وقال أبو حنيفة: إن طلقها عند كل طهر طلقة واحدة كان مطلقا للسنة. وسبب هذا الاختلاف: هل من شرط هذا الطلاق أن يكون في حال

[ 52 ]

الزوجية بعد رجعة أم ليس من شرطه؟ فمن قال هو من شرطه قال: لا يتبعها فيه طلاقا، ومن قال ليس من شرطه أتبعها الطلاق ولا خلاف بينهم في وقوع الطلاق المتبع. وأما الموضع الثاني: فإن مالكا ذهب إلى أن المطلق ثلاثا بلفظ واحد مطلق لغير سنة وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنة. وسبب الخلاف: معارضة إقراره عليه الصلاة والسلام للمطلق بين يديه ثلاثا في لفظة واحدة لمفهوم الكتاب في حكم الطلقة الثالثة. والحديث الذي احتج به الشافعي هو ما ثبت من أن العجلاني طلق زوجته ثلاثا بحضرة رسول الله (ص) بعد الفراغ من الملاعنة قال: فلو كان بدعة لما أقره رسول الله (ص). وأما مالك فلما رأى أن المطلق بلفظ الثلاث رافع للرخصة التي جعلها الله في العدد قال فيه إنه ليس للسنة. واعتذر أصحابه عن الحديث بأن المتلاعنين عنده قد وقعت الفرقة بينهما من قبل التلاعن نفسه، فوقع الطلاق على غير محله، فلم يتصف لا بسنة ولا ببدعة، وقول مالك - والله أعلم - أظهر ههنا من قول الشافعي. وأما الموضع الثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض فإن الناس اختلفوا من ذلك في مواضع: منها أن الجمهور قالوا يمضي طلاقه، وقالت فرقة: لا ينفذ ولا يقع، والذين قالوا ينفذ قالوا: يؤمر بالرجعة وهؤلاء افترقوا فرقتين فقوم رأوا أن ذلك واجب وأنه يجبر على ذلك، وبه قال مالك وأصحابه. وقالت فرقة بل يندب إلى ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد والذين أوجبوا الاجبار اختلفوا في الزمان الذي يقع فيه الاجبار، فقال مالك وأكثر أصحابه ابن القاسم وغيره يجبر ما لم تنقض عدتها، وقال أشهب: لا يجبر إلا في الحيضة الاولى. والذين قالوا بالامر بالرجعة اختلفوا متى يوقع الطلاق بعد الرجعة إن شاء، فقوم اشترطوا في الرجعة أن يمسكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها، وبه قال مالك والشافعي وجماعة، وقوم قالوا: بل يراجعها، فإن طهرت من تلك الحيضة التي طلقها فيها فإن شاء أمسكوإن شاء طلق، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، وكل من اشترط في طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه لم ير الامر بالرجعة إذا طلقها في طهر مسها فيه، فهنا إذن أربع مسائل: أحدها: هل يقع هذا الطلاق أم لا؟ والثانية: إن وقع فهل يجبر على الرجعة أم يؤمر فقط؟ والثالثة: متى يوقع الطلاق بعد الاجبار أو الندب. والرابعة: متى يقع الاجبار. أما المسألة الاولى: فإن الجمهور إنما صاروا إلى أن الطلاق إن وقع في الحيض اعتد به، وكان طلاقا لقوله (ص) في حديث ابن عمر مره فليراجعها قالوا: والرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وروى الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله (ص)؟ قال نعم، وروى أنه

[ 53 ]

الذي كان يفتي به ابن عمر. وأما من لم ير هذا الطلاق واقعا فإنه اعتمد عموم قوله (ص): كل فعل أو عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وقالوا: أمر رسول الله (ص) برده يشعر بعدم نفوذه ووقوعه. وبالجملة فسبب الاختلاف: هل الشروط التي اشترطها الشرع في الطلاق السني هي شروط صحة وإجزاء. أم شروط كمال وتمام؟ فمن قال شروط إجزاء قال: لا يقع الطلاق الذي عدم هذه الصفة، ومن قال: شروط كمال وتمام قال يقع ويندب إلى أن يقع كاملا، ولذلك من قال بوقوع الطلاق وجبره على الرجعة فقد تناقض، فتدبر ذلك. وأما المسألة الثانية: وهي هل يجبر على الرجعة أو لا يجبر؟ فمن اعتمد ظاهر الامر وهو الوجوب على ما هو عليه عند الجمهور قال: يجبر، ومن لحظ هذا المعنى الذي قلناه من كون الطلاق واقعا قال: هذا الامر هو على الندب. وأما المسألة الثالثة: وهي متى يوقع الطلاق بعد الاجبار فإن من اشترط في ذلك أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإنما صار لذلك لانه المنصوص عليه في حديث ابن عمر المتقدم قالوا: والمعنى في ذلك لتصح الرجعة بالوطئ في الطهر الذي بعد الحيض لانه لو طلقها في الطهر الذي بعد الحيضة لم يكن عليها من الطلاق الآخر عدة لانه كان يكون كالمطلق قبل الدخول. وبالجملة فقالوا إن من شرط الرجعة وجود زمان يصح فيه الوطئ، وعلى هذا التعليل يكون من شروط طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يطلق في الحيضة التي قبله، وهو أحد الشروط المشترطة عند مالك في طلاق السنة فيما ذكره عبد الوهاب، وأما الذين لم يشترطوا ذلك، فإنهم صاروا إلى ما روى يونس بن جبير وسعيد بن جبير وابن سيرين ومن تابعهم عن ابن عمر في هذا الحديث أنه قال: يراجعها فإذا طهرت طلقها إن شاء، وقالوا: المعنى في ذلك أنه إنما أمر بالرجوع عقوبة له لانه طلق في زمان كره له فيه الطلاق، فإذا ذهب ذلك الزمان وقع منه الطلاق على وجه غير مكروه فسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذه المسألة وتعارض مفهوم العلة. وأما المسألة الرابعة: وهي متى يجبر؟ فإنما ذهب مالك إلى أنه يجبر على رجعتها لطول زمان العدة لانه الزمان الذي له فيه ارتجاعها. وأما أشهب فإنه إنما صار في هذا إلى ظاهر الحديث، لان فيه مره فليراجعها حتى تطهر فدل ذلك على أالمراجعة كانت في الحيضة، وأيضا فإنه قال: إنه أمر بمراجعتها لئلا تطول عليها العدة، فإنه إذا وقع عليها الطلاق في الحيضة لم تعتد بها بإجماع فإن قلنا إن يراجعها في غير الحيضة كان ذلك عليها أطول، وعلى هذا التعليل فينبغي أن يجوز إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة. فسبب الاختلاف هو سبب اختلافهم في علة الامر بالرد.

[ 54 ]

الباب الثالث: في الخلع واسم الخلع والفدية والصلح والمبارأة كلها تؤول إلى معنى واحد، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختص ببذلها له جميع ما أعطاها والصلح ببعضه والفدية بأكثره والمبارأة بإسقاطها عنه حقا لها عليه - على ما زعم الفقهاء -. والكلام ينحصر في أصول هذا النوع من الفراق في أربعة فصول: في جواز وقوعه أولا، ثم ثانيا: في شروط وقوعه: أعني جواز وقوعه، ثم ثالثا: في نوعه: أعني هل هو طلاق أو فسخ؟ ثم رابعا: فيما يلحقه من الاحكام. الفصل الاول: في جواز وقوعه فأما جواز وقوعه فعليه أكثر العلماء. والاصل في ذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) *. وأما السنة فحديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي (ص) فقالت: يا رسول الله.. ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر بعد الدخول في الاسلام، فقال رسول الله (ص): أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله (ص): اقبل الحديقة وطلقها طلقة واحدة خرجه بهذا اللفظ البخاري وأبو داود والنسائي، وهو حديث متفق على صحته، وشذ أبو بكر ابن عبد الله المزيني عن الجمهور فقال: لا يحل للزوج أن يأخذ من زوجته شيئا، واستدل على ذلك بأنه زعم أن قوله تعالى: * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * منسوخ بقوله تعالى: * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * الآية. والجمهور على أن معنى ذلك بغير رضاها، وأما برضاها فجائز. فسبب الخلاف حمل هذا اللفظ على عمومه أو على خصوصه. الفصل الثاني: في شروط وقوعه فأما شروط جوازه فمنها ما يرجع إلى القدر الذي يجوز فيه، ومنها ما يرجع إلى صفة الشئ الذي يجوز به ومنها ما يرجع إلى الحال التي يجوز فيها، ومنها ما يرجع إلى صفة من يجوز له الخلع من النساء أو من أوليائهن ممن لا تملك أمرها، ففي هذا الفصل أربع مسائل: المسألة الاولى: أما مقدار ما يجوز لها أن تختلع به فإن مالكا والشافعي وجماعة قالوا: جائز أن تختلع المرأة بأكثر مما يصير لها من الزوج في صداقها إذا كان النشوز من

[ 55 ]

قبلها وبمثله وبأقل منه. وقال قائلون: ليس له أن يأخذ أكثر مما أعطاها على ظاهر حديث ثابت. فمن شبهه بسائر الاعواض في المعاملات رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك. وكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق. المسألة الثانية: وأما صفة العوض، فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب. ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر والمعدوم، مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها والعبد غير الموصوف. وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم. وسبب الخلاف: تردد العوض ههنا بين العوض في البيوع أو الاشياء الموهوبة والموصى بها. فمن شبهها بالبيوع اشترط فيه ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع. ومن شبهه بالهبات لم يشترط ذلك. واختلفوا إذا وقع الخلع بما لا يحل كالخمر والخنزير هل يجب لها عوض أم لا بعد اتفاقهم على أن الطلاق يقع؟ فقال مالك: لا يستحق عوضا. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجب لها مهر المثل. المسألة الثالثة: وأماما يرجع إلى الحال التي يجوز فيها الخلع من التي لا يجوز فإن الجمهور على أن الخلع جائز مع التراضي إذا لم يكن سبب رضاها بما تعطيه إضراره بها. والاصل في ذلك قوله تعالى: * (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * وقوله تعالى: * (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * وشذ أبو قلابة والحسن البصري فقالا: لا يحل للرجل الخلع عليها حتى يشاهدها تزني، وحملوا الفاحشة في الآية على الزنا، وقال داود: لا يجوز إلا بشرط الخوف أن لا يقيما حدود الله على ظاهر الآية، وشذ النعمان فقال: يجوز الخلع مع الاضرار، والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل، فيتحصل في الخلع خمسة أقوال: قول إنه لا يجوز أصلا. وقول إنه يجوز على كل حال: أي مع الضرر. وقول إنه لا يجوز إلا مع مشاهدة الزنا. وقول مع خوف أن لا يقيما حدود الله. وقول إنه يجوز في كل حال إلا مع الضرر، وهو المشهور. المسألة الرابعة: وأما من يجوز له الخلع ممن لا يجوز فإنه لا خلاف عند الجمهور أن الرشيدة تخالع عن نفسها، وأن الامة لا تخالع عن نفسها إلا برضا سيدها، وكذلك السفيهة مع وليها عند من يرى الحجر، وقال مالك: يخالع الاب على ابنته الصغيرة كما

[ 56 ]

ينكحها وكذلك على ابنه الصغير لانه عنده يطلق عليه والخلاف في الابن الصغير، قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز لانه لا يطلق عليه عندهم والله أعلم. وخلع المريضة يجوز عند مالك إذا كان بقدر ميراثه منها، وروى ابن نافع عن مالك أنه يجوز خلعها بالثلث كله، وقال الشافعي: لو اختلعت بقدر مهر مثلها جاز، وكان من رأس المال، وإن زاد على ذلك كانت الزيادة من الثلث. وأما المهملة التي لا وصي لها ولا أب فقال ابن القاسم: يجوز خلعها إذا كان خلع مثلها، والجمهور على أنه يجوز خلع المالكة لنفسها، وشذ الحسن وابن سيرين فقالا: لا يجوز الخلع إلا بإذن السلطان. الفصل الثالث: في نوعه وأما نوع الخلع فجمهور العلماء على أنه طلاق، وبه قال مالك، وأبو حنيفة سوى بين الطلاق والفسخ، وقال الشافعي: هو فسخ، وبه قال أحمد وداود ومن الصحابة ابن عباس. وقد روي عن الشافعي أنه كناية، فإن أراد به الطلاق كان طلاقا وإلا كان فسخا، وقد قيل عنه في قوله الجديد إنه طلاق. وفائدة الفرق هل يعتد به في التطليقات أم لا؟ وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائنا، لانه لو كان للزوج في العدة منه الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى، وقال أبو ثور: إن لم يكن بلفظ الطلاق لم يكن له عليها رجعة، وإن كان بلفظ الطلاق كان له عليها الرجعة. فاحتج من جعله طلاقا بأن الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق مما ليس يرجع إلى اختياره، وهذا راجع إلى الاختيا فليس بفسخ، واحتج من لم يره طلاقا بأن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الطلاق فقال: * (الطلاق مرتان) * ثم ذكر الافتداء ثم قال: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، وعند هؤلاء أن الفسوخ تقع بالتراضي قياسا على فسوخ البيع: أعني الاقالة، وعند المخالف أن الآية إنما تضمنت حكم الافتداء على أنه شئ يلحق جميع أنواع الطلاق لا أنه شئ غير الطلاق. فسبب الخلاف: هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم ليس يخرجها؟ الفصل الرابع: فيما يلحقه من الاحكام وأما لواحقه ففروع كثيرة، لكن نذكر منها ما شهر: فمنها هل يرتدف على المختلعة طلاق أم لا؟ فقال مالك: لا يرتدف إلا إن كان الكلام متصلا، وقال الشافعي: لا يرتدف وإن كان الكلام متصلا، وقال أبو حنيفة: يرتدف، ولم يفرق بين الفور والتراخي. وسبب

[ 57 ]

الخلاف: أن العدة عند الفريق الاول من أحكام الطلاق، وعند أبي حنيفة من أحكام النكاح، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها. فمن رآها من أحكام النكاح ارتدف الطلاق عنده، ومن لم ير ذلك لم يرتدف، ومنها أن جمهور العلماء أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة. إلا ما روي عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها. والفرق الذي ذكرناه عن أبي ثور بين أن يكون بلفظ الطلاق أو لا يكون. ومنها أن الجمهور أجمعوا على أن له أن يتزوجها برضاها في عدتها، وقالت فرقة من المتأخرين: لا يتزوجها هو ولا غيره في العدة. وسبب اختلافهم: هل المنع من النكاح في العدة عبادة أو ليس بعبادة بل معلل؟ واختلفوا في عدة المختلعة وسيأتي بعد. واختلفوا إذا اختلف الزوج والزوجة في مقدار العدد الذي وقع به الخلع فقال مالك: القول قوله إن لم يكن هنالك بينة. وقال الشافعي: يتحالفان ويكون عليها مهر المثل شبه الشافعي اختلافها باختلاف المتبايعين، وقال مالك: هي مدعى عليها وهو مدع. ومسائل هذا الباب كثيرة وليس مما يليق بقصدنا. الباب الرابع: في تمييز الطلاق من الفسخ واختلف قول مالك رحمه الله في الفرق بين الفسخ الذي لا يعتد به في التطليقات الثلاث وبين الطلاق الذي يعتد به في الثلاث إلى قولين: أحدهما: أن النكاح إن كان فيه خلاف خارج عن مذهبه: أعني في جوازه. وكان الخلاف مشهورا فالفرقة عنده فيه لكلامه مثل الحكم بتزويج المرأة نفسها والمحرم، فهذه على هذه الرواية هي طلاق لا فسخ. والقول الثاني: أن الاعتبار في ذلك هو بالسبب الموجب لا للتفرق. فإن كان غير راجع إلى الزوجين مما لو أراد الاقامة على الزوجية معه لم يصح كان فسخا مثل نكاح المحرمة بالرضاع أو النكاح أو العدة وإن كان مما لهما أن يقيما عليه مثل الرد بالعيب كان طلاقا. الباب الخامس: في التخيير والتمليك ومما يعد من أنواع الطلاق مما يرى أن له أحكاما خاصة: التمليك والتخيير، والتمليك عن مالك في المشهور غير التخيير، وذلك أن التمليك هو عنده تمليك المرأة إيقاع الطلاق، فهو يحتمل الواحدة فما فوقها، ولذلك له أن يناكرها عنده فيما فوق الواحدة، والخيار بخلاف ذلك لانه يقتضي إيقاع طلاق تنقطع معه العصمة إلا أن يكون تخييرا مقيدا مثل أن يقول لها اختاري نفسك أو اختاري تطليقة أو تطليقتين. ففي الخيار المطلق عند مالك ليس لها إلا أن تختار زوجها أو تبين منه بالثلاث. وإن اختارت واحدة لم يكن لها ذلك، والمملكة لا يبطل تمليكها عنده إن لم توقع الطلاق حتى يطول الامر بها على إحدى الروايتين أو يتفرقا من المجلس. والرواية الثانية أنه يبقى لها التمليك إلى أن ترد أو تطلق. والفرق عند مالك بين التمليك وتوكيله إياها على تطليق نفسها أن في

[ 58 ]

التوكيل له أن يعزلها قبل أن تطلق، وليس له ذلك في التمليك. وقال الشافعي: اختاري وأمرك بيدك سواء، ولا يكون ذلك طلاقا إلا أن ينويه، وإن نواه فهو ما أراد إن واحدة فواحدة وإن ثلاثا فثلاث، فله عنده أن يناكرها في الطلاق نفسه، وفي العدد في الخيار أو التمليك، وهي عنده إن طلقت نفسها رجعية، وكذلك هي عند مالك في التمليك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخيار ليس بطلاق، فإن طلقت نفسها في التمليك. واحدة فهي بائنة، وقال الثوري: الخيار والتمليك واحد لا فرق بينهما، وقد قيل: القول قولها في أعداد الطلاق في التمليك، وليس للزوج مناكرتها، وهذا القول مروي عن علي وابن المسيب وبه قال الزهري وعطاء وقد قيل إنه ليس للمرأة في التمليك إلا أن تطلق نفسها تطليقة واحدة، وذلك مروي عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما، روي أنه جاء ابن مسعود رجل فقال: كان بيني وبين امرأتي بغض ما يكون بين الناس، فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع، قال: فإن الذي بيدي من أمرك بيدك، قالت: فأنت طالق ثلاثا، قال: أراها واحدة وأنت أحق بها مادامت في عدتها، وسألقى أمير المؤمنين عمر، ثم لقيه فقص عليه القصة فقال: صنع الله بالرجال وفعل، يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم فيجعلونه بأيدي النساء بفيها التراب، ماذا قلت فيها؟ قال: قلت أراها واحدة وهو أحق بها قال: وأنا أرى ذلك، ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب. وقد قيل ليس التمليك بشئ لان ما جعل الشرع بيد الرجل ليس يجوز أن يرجع إلى يد المرأة بجعل جاعل. وكذلك التخيير وهو قول أبي محمد بن حزم وقول مالك في المملكة أن لها الخيار في الطلاق أو البقاء على العصمة ما دامت في المجلس وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والاوزاعي وجماعة فقهاء الامصار، وعند الشافعي أن التمليك إذا أراد به الطلاق كالوكالة. ولو أن يرجع في ذلك متى أحب ذلك ما لم يوقع الطلاق وإنما صار الجمهور للقضاء بالتمليك أو التخيير، وجعل ذلك للنساء لما ثبت من تخيير رسول الله (ص) نساءه، قالت عائشة: خيرنا رسول الله (ص) فاخترناه فلم يكن طلاقا، لكن أهل الظاهر يرون أن معنى ذلك أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله (ص) لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق. وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن التخيير والتمليك واحد في الحكم، لان من عرف دلالة اللغة أن من ملك إنسانا أمرا من الامور إن شاء أن يفعله أو لا يفعله فإنه قد خيره. وأما مالك فيرى أن قوله لها اختاريني أو اختاري نفسك أنه ظاهر بعرف الشرع في معنى البينونة بتخيير رسول الله (ص) نساءه لان المفهوم منه إنما كان البينونة. وإنما رأى مالك أنه لا يقبل قول الزوج في التمليك أنه لم يرد به طلاقا إذا زعم ذلك لانه لفظ ظاهر في معنى جعل الطلاق بيدها. وأما الشافعي فلما لم يكن اللفظ عنده نصا اعتبر فيه النية. فسبب الخلاف: هل يغلب ظاهر اللفظ أو دعوى النية. وكذلك فعل في التخيير، وإنما

[ 59 ]

اتفقوا على أن له مناكرتها في العدد: أعني في لفظ التمليك، لانه لا يدل عليه دلالة محتملة فضلا عن ظاهره. وإنما رأى مالك والشافعي أنه إذا طلقت نفسها بتمليكه إياها طلقة واحدة أنها تكون رجعية، لان الطلاق إنما يحمل على العرف الشرعي وهو طلاق السنة. وإنما رأى أبو حنيفة أنها بائنة لانه إذا كان له عليها رجعة لم يكن لما طلبت من التمليك فائدة ولما قصد هو من ذلك. وأما من رأى أن لها أن تطلق نفسها في التمليك ثلاثا وأنه ليس للزوج مناكرتها في ذلك، فلان معنى التمليك عنده إنما هو تصيير جميع ما كان بيد الرجل من الطلاق بيد المرأة فهي مخيرة فيما توقعه من أعداد الطلاق. وأما من جعل التمليك طلقة واحدة فقط أو التخيير، فإنما ذهب إلى أنه أقل ما ينطلق عليه الاسم، واحتياطا للرجال لان العلة في جعل الطلاق بأيدي الرجال دون النساء هو لنقصان عقلهن وغلبة الشهوة عليهن مع سوء المعاشرة، وجمهور العلماء على أن المرأة إذا اختارت زوجها أنه ليس بطلاق لقول عائشة المتقدم. وروي عن الحسن البصري أنها إذا اختارت زوجها فواحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، فيتحصل في هذه المسألة الخلاف في ثلاثة مواضع، أحدها: أنه لا يقع بواحد منهما طلاق. والثاني: أنه تقع بينهما فرقة. والثالث: الفرق بين التخيير والتمليك فيما تملك به المرأة، أعني أن تملك بالتخيير البينونة، وبالتمليك ما دون البينونة، وإذا قلنا بالبينونة فقيل تملك واحدة، وقيل تملك الثلاث، وإذا قلنا إنها تملك واحدة فقيل رجعية، وقيل بائنة. وأما حكم الالفاظ التي تجيب بها المرأة في التخيير والتمليك فهي ترجع إلى حكم الالفاظ التي يقع بها الطلاق في كونها صريحة أو كناية أو محتملة، وسيأتي تفصيل ذلك عند التكلم في ألفاظ الطلاق. الجملة الثانية وفي هذه الجملة ثلاثة أبواب: الباب الاول: في ألفاظ الطلاق وشروطه. الباب الثاني: في تفصيل من يجوز طلاقه ممن لا يجوز. الباب الثالث: في تفصيل من يقع عليها الطلاق من النساء ممن لا يقع. الباب الاول: في ألفاظ الطلاق وشروطه وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الاول: في أنواع ألفاظ الطلاق المطلقة. الفصل الثاني: في أنواع ألفا الطلاق المقيدة. الفصل الاول: في أنواع ألفاظ الطلاق المطلقة أجمع المسلمون على ان الطلاق يقع إذا كان بنية وبلفظ صريح. واختلفوا هل يقع بالنية مع اللفظ الذي ليس بصريح أو بالنية دون اللفظ، أو باللفظ دون النية، فمن اشترط فيه النية واللفظ الصريح فاتباعا لظاهر الشرع، وكذلك من أقام الظاهر مقام الصريح، ومن شبهه بالعقد في النذر وفي اليمين أوقعه بالنية فقط، ومن أعمل التهمة أوقعه باللفظ فقط. واتفق الجمهور على أن ألفاظ الطلاق المطلقة صنفان: صريح، وكناية. واختلفوا في

[ 60 ]

تفصيل الصريح من الكناية وفي أحكامها وما يلزم فيها، ونحن إنما قصدنا من ذلك ذكر المشهور وما يجري مجرى الاصول، فقال مالك وأصحابه: الصريح هو لفظ الطلاق فقط، وما عدا ذلك كناية، وهي عنده على ضربين ظاهرة ومحمولة وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: ألفاظ الطلاق الصريحة ثلاث: الطلاق، والفراق والسراح، وهي المذكورة في القرآن، وقال بعض أهل الظاهر: لا يقع طلاق إلا بهذه الثلاث. فهذا هو اختلافهم في صريح الطلاق من غير صريحه. وإنما اتفقوا على أن لفظ الطلاق صريح لان دلالته على هذا المعنى الشرعي دلالة وضعية بالشرع فصار أصلا في هذا الباب. وأما ألفاظ الفراق والسراح فهي مترددة بين أن يكون للشرع فيها تصرف أعني أن تدل بعرف الشرع على المعنى الذي يدل عليه الطلاق، أو هي باقية على دلالتها اللغوية، فإذا استعملت في هذا المعنى: أعني في معنى الطلاق كانت مجازا إذ هذا هو معنى الكناية أعني اللفظ الذي يكون مجازا في دلالته، وإنما ذهب مذهب إلى أنه لا يقع الطلاق إلا بهذه الالفاظ الثلاث، لان الشرع إنما ورد بهذه الالفاظ الثلاثة وهي عبادة، ومن شرطها اللفظ، فوجب أن يقتصر بها على اللفظ الشرعي الوارد فيها. فأما اختلافهم في أحكام صريح ألفاظ الطلاق ففيه مسألتان مشهورتان: إحداهما: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة عليها. والثانية: اختلفوا فيها. فأما التي اتفقوا عليها فإن مالكا والشافعي وأبا حنيفة قالوا: لا يقبل قول المطلق إذا نطق بألفاظ الطلاق إنه لم يرد به طلاقا إذا قال لزوجته أنت طالق. وكذلك السراح والفراق عند الشافعي. واستثنت المالكية بأن قالت: إلا أن تقترن بالحالة أو المرأة قرينة تدل على صدق دعواه، مثل أن تسأله أن يطلقها من وثاق هي فيه وشبهه، فيقول لها أنت طالق. وفقه المسألة عند الشافعي وأبي حنيفة أن الطلاق لا يحتاج عندهم إلى نية، وأما مالك فالمشهور عنه أن الطلاق عنده يحتاج إلى نية، لكن لم ينوه ههنا لموضع التهم، ومن رأيه الحكم بالتهم سدا للذرائع، وذلك مما خالفه فيه الشافعي وأبو حنفية. فيجب على رأي من يشترط النية في ألفاظ الطلاق ولا يحكم بالتهم أن يصدقه فيما ادعى. وأما المسألة الثانية: فهي: اختلفوا فيمن قال لزوجته أنت طالق، وادعى أنه أراد بذلك أكثر من واحدة إما اثنتين وإما ثلاثا، فقال مالك: هو ما نوى وقد لزمه، وبه قال الشافعي إلا أن يقيد فيقول طلقة واحدة، وهذا القول هو المختار عند أصحابه، وأما أبو حنيفة فقال: لا يقع ثلاثا بلفظ الطلاق لان العدد لا يتضمنه لفظ الافراد، لا كناية ولا تصريحا. وسبب اختلافهم: هل يقع الطلاق بالنية دون اللفظ أو بالنية مع اللفظ المحتمل؟ فمن قال بالنية أوجب الثلاث، وكذلك من قال بالنية واللفظ المحتمل ورأى أن لفظ الطلاق يحتمل العدد، ومن رأى أنه لا يحتمل العدد وأنه لا بد من اشتراط اللفظ في الطلاق مع النية قال: لا يجب العدد وإن نواه، وهذه المسألة اختلفوا فيها، وهي من مسائل شروط

[ 61 ]

ألفاظ الطلاق: أعني اشتراط النية مع اللفظ، أو بانفراد أحدهما، فالمشهور عن مالك أن الطلاق لا يقع إلا باللفظ والنية، وبه قال أبو حنيفة، وقد روي عنه أنه يقع باللفظ دون النية، وعند الشافعي أن لفظ الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية، فمن اكتفى بالنية احتج بقوله (ص) إنما الاعمال بالنيات ومن لم يعتبر النية دون اللفظ احتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها والنية دون قول حديث نفس. قال: وليس يلزم من اشتراط النية في العمل في الحديث المتقدم أن تكون النية كافية بنفسها. واختلف المذهب هل يقع بلفظ الطلاق في المدخول بها طلاق بائن إذا قصد ذلك المطلق ولم يكن هنالك عوض؟ فقيل يقع، وقيل لا يقع، وهذه المسألة من مسائل أحكام صريح ألفا الطلاق وأما ألفاظ الطلاق التي ليست بصريح، فمنها ما هي كناية ظاهرة عند مالك، ومنها ما هي كناية محتملة. ومذهب مالك أنه إذا ادعى في الكناية الظاهرة أنه لم يرد طلاقا لم يقبل قوله إلا أن تكون هنالك قرينة تدل على ذلك كرأيه في الصريح، وكذلك لا يقبل عنده ما يدعيه من دون الثلاث في الكنايات الظاهرة وذلك في المدخول بها إلا أن يكون قال ذلك في الخلع. وأما غير المدخول بها فيصدقه في الكناية الظاهرة فيما دون الثلاث، لان طلاق غير المدخول بها بائن، وهذه هي مثل قولهم: حبلك على غاربك، ومثل البتة، ومثل قولهم: أنت خلية وبرية. وأما مذهب الشافعي في الكنايات الظاهرة فإنه يرجع في ذلك إلى ما نواه، فإن كان نوى طلاقا كان طلاقا وإن كان نوى ثلاثا كان ثلاثا أو واحدة كان واحدة، ويصدق في ذلك. وقول أبي حنيفة في ذلك مثل قول الشافعي، إلا أنه على أصله واحدة أو اثنتين وقع عنده طلقة واحدة بائنة، وإن اقترنت به قرينة تدل على الطلاق وزعم أنه لم ينوه لم يصدق، وذلك إذا كان عنده في مذاكراته الطلاق. وأبو حنيفة يطلق بالكنايات كلها إذا اقترنت بها هذه القرينة إلا أربع: حبلك على غاربك، واعتدي، واستبرئي. وتقنعي، لانها عنده من المحتملة غير الظاهرة. وأما ألفاظ الطلاق المحتملة غير الظاهرة فعند مالك أنه يعتبر فيها نيته كالحال عند الشافعي في الكناية الظاهرة، وخالفه في ذلك جمهور العلماء فقالوا: ليس فيها شئ وإن نوى طلاقا فيحصل في الكنايات الظاهرة ثلاثة أقوال: قول أن يصدق بإطلاق. وهو قول الشافعي، وقول إنه لا يصدق بإطلاق إلا أن يكون هنالك قرينة وهو قول مالك، وقول إنه يصدق إلا أن يكون في مذاكرة الطلاق، وهو قول أبي حنيفة. وفي المذهب خلاف في مسائل يتردد حملها بين الظاهر والمحتمل، وبين قوتها وضعفها في الدلالة على صفة البينونة فوقع فيها الاختلاف وهي راجعة إلى هذه الاصول، وإنما صار مالك إلى أنلا يقبل قوله في الكنايات الظاهرة إنه لم يرد به طلاقا، لان العرف اللغوي والشرعي

[ 62 ]

شاهد عليه، وذلك أن هذه الالفاظ إنما تلفظ بها الناس غالبا. والمراد بها الطلاق، إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على خلاف ذلك وإنما صار إلى أنه لا يقبل قوله فيما يدعيه دون الثلاث، لان الظاهر من هذه الالفاظ هو البينونة، والبينونة لا تقع إلا خلعا عنده في المشهور أو ثلاثا، وإذا لم تقع خلعا لانه ليس هناك عوض فبقي أن يكون ثلاثا، وذلك في المدخول بها. ويتخرج على القول في المذهب بأن البائن تقع من دون عوض ودون عدد أن يصدق في ذلك وتكون واحدة بائنة، وحجة الشافعي أنه إذا وقع الاجماع على أنه يقبل قوله فيما دون الثلاث في صريح ألفاظ الطلاق كان أحرى أن يقبل قوله في كنايته لان دلالة الصريح أقوى من دلالة الكناية. ويشبه أن تقول المالكية إن لفظ الطلاق وإن كان صريحا في الطلاق فليس بصريح في العدد، ومن الحجة للشافعي حديث ركانة المتقدم، وهو مذهب عمر في حبلك على غاربك، وإنما صار الشافعي إلى أن الطلاق في الكنايات الظاهرة إذا نوى ما دون الثلاث يكون رجعيا لحديث ركانة المتقدم، وصار أبو حنيفة إلى أنه يكون بائنا لانه المقصود به قطع العصمة ولم يجعله ثلاثا لان الثلاث معنى زائد على البينونة عنده. فسبب اختلافهم: هل يقدم عرف اللفظ على النية أو النية على عرف اللفظ؟ وإذا غلبنا عرف اللفظ فهل يقتضي البينونة فقط أو العدد؟ فمن قدم النية لم يقض عليه بعرف اللفظ ومن قدم العرف الظاهر لم يلتفت إلى النية. ومما اختلف فيه الصدر الاول وفقهاء الامصار من هذا الباب: أعني من جنس المسائل الداخلة في هذا الباب لفظ التحريم: أعني من قال لزوجته أنت علي حرام وذلك أن مالكا قال: يحمل في المدخول بها على البت: أي الثلاث وينوي في غير المدخول بها، وذلك على قياس قوله المتقدم في الكنايات الظاهرة، وهو قول ابن أبي ليلى، وزيد بن ثابت وعلي من الصحابة، وبه قال أصحابه إلا ابن الماجشون فإنه قال: لا ينوي في غير المدخول بها وتكون ثلاثا فهذا هو أحد الاقوال في هذه المسألة، والقول الثاني: أنه إن نوى بذلك ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها وإن لم ينو به طلاقا ولا يمينا فليس بشئ، هي كذبة، وقال بهذا القول الثوري والقول الثالث: أن يكون أيضا ما نوى بها وإن نوى واحدة فواحدة أو ثلاثا فثلاث، وإن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها، وهذا القول قاله الاوزاعي. والقول الرابع: أن ينوي فيها في الموضعين في إرادة الطلاق وفي عدده، فما نوى كان ما نوى، فإن نوى واحدة كان رجعيا، وإن أراد تحريمها بغير طلاق فعليه كفارة يمين وهو قول الشافعي. والقول الخامس: أنه ينوي أيضا في الطلاق وفي العدد، فإن نوى واحدة كانت بائنة، فإن لم ينو طلاقا كان يمينا وهومول، فإن نوى الكذب فليس بشئ، وهذا القول قاله أبو حنيفة وأصحابه. والقول السادس: أنها يمين يكفرها ما يكفر اليمين، إلا أن بعض هؤلاء قال يمين مغلظة، وهو قول عمر وابن

[ 63 ]

مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين، وقال ابن عباس وقد سئل عنها: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، خرجه البخاري ومسلم ذهب إلى الاحتجاج بقوله تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * الآية. والقول السابع: أن تحريم المرأة كتحريم الماء، وليس فيه كفارة ولا طلاق لقوله تعالى: * (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) * وهو قول مسروق والاجدع وأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وغيرهم. ومن قال فيها إنها غير مغلظة بعضهم أوجب فيها الواجب في الظهار. وبعضهم أوجب فيها عتق رقبة. وسبب الاختلاف: هل هو يمين أو كناية؟ أو ليس بيمين ولا كناية؟ فهذه أصول ما يقع من الاختلاف في ألفاظ الطلاق. الفصل الثاني: في ألفاظ الطلاق المقيدة والطلاق المقيد لا يخلو من قسمين: إما تقييد اشتراط، أو تقييد استثناء، والتقيد المشترط لا يخلو أن يعلق بمشيئة من له اختيار أو بوقوع فعل من الافعال المستقبلة أو بخروج شئ مجهول العلم إلى الوجود على ما يدعيه المعلق للطلاق به مما لا يتوصل إلى علمه إلا بعد خروجه إلى الحس، أو إلى الوجود أو بما لا سبيل إلى الوقوف عليه مما هو ممكن أن يكون أو لا يكون. فأما تعليق الطلاق بالمشيئة فإنه لا يخلو أن يعلقه بمشيئة الله أو بمشيئة مخلوق، فإذا علقه بمشيئة الله وسواء علقه على جهة الشرط مثل أن يقول أنت طالق إن شاء الله، أو على جهة الاستثناء مثل أن يقول أنت طالق إلا أن يشاء الله، فإن مالكا قال: لا يؤثر الاستثناء في الطلاق شيئا وهو واقع ولا بد. وقال أبو حنيفة والشافعي إذا استثنى المطلق مشيئة الله لم يقع الطلاق. وسبب الخلاف: هل يتعلق الاستثناء بالافعال الحاضرة الواقعة كتعلقه بالافعال المستقبلة أو لا يتعلق؟ وذلك أن الطلاق هو فعل حاضر، فمن قال لا يتعلق به قال: لا يؤثر الاستثناء ولا اشتراط المشيئة في الطلاق، ومن قال يتعلق به قال: يؤثر فيه، وأما إن علق الطلاق بمشيئة من تصح مشيئته ويتوصل إلى علمها فلا خلاف في مذهب مالك أن الطلاق يقف على اختيار الذي علق الطلاق بمشيئته. وأما تعليق الطلاق بمشيئة من لا مشيئة له، ففى خلاف في المذهب، قيل يلزمه الطلاق، وقيل لا يلزمه، والصبي والمجنون داخلان في هذا المعنى فمن شبهه بطلاق الهزل وكان الطلاق بالهزل عنده يقع قال: يقع هذا الطلا، ومن اعتبر وجود الشرط قال: لا يقع لان الشرط قد عدم ههنا. وأما تعليق الطلاق بالافعال المستقبلة، فإن الافعال التي يعلق بها توجد على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يمكن

[ 64 ]

أن يقع أو لا يقع على السواء كدخول الدار وقدوم زيد، فهذا يقف وقوع الطلاق فيه على وجود الشرط بلا خلاف. وأما ما لا بد من وقوعه كطلوع الشمس غدا، فهذ يقع ناجزا عند مالك، ويقف وقوعه عند الشافعي وأبي حنيفة على وجود الشرط، فمن شبهه بالشرط الممكن الوقوع قال: لا يقع إلا بوقوع الشرط، ومن شبهه بالوطئ الواقع في الاجل بنكاح المتعة لكونه وطئا مستباحا إلى أجل قال: يقع الطلاق، الثالث هو الاغلب منه بحسب العادة وقوع الشرط، وقد لا يقع كتعليق الطلاق بوضع الحمل ومجئ الحيض والطهر، ففي ذلك روايتان عن مالك: إحداهما: وقوع الطلاق ناجزا، والثانية: وقوعه على وجود شرطه، وهو الذي يأتي على مذهب أبي حنيفة والشافعي، والقول بإنجاز الطلاق في هذا يضعف لانه مشبه عنده بما يقع ولا بد، والخلاف فيه قوي. وأما تعليق الطلاق بالشرط المجهول الوجود فإن كان لا سبيل إلى علمه مثل أن يقول: إن كان خلق الله اليوم في بحر القلزم حوتا بصفة كذا فأنت طالق. فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الطلاق يقع في هذا، وأما إن علقه بشئ يمكن أن يعلم بخروجه إلى الوجود مثل أن يقول: إن ولدت أنثى فأنت طالق فإن الطلاق يتوقف على خروج ذلك الشئ إلى الوجود. وأما إن حلف بالطلاق أنها تلد أنثى، فإن الطلاق في الحين يقع عنده وإن ولدت أنثى، وكان هذا من باب التغليظ، والقياس يوجب أن يوقف الطلاق على خروج ذلك الشئ أو ضده. ومن قول مالك إنه إذا أوجب الطلاق على نفسه بشرط أن يفعل فعلا من الافعال أنه لا يحنث حتى يفعل ذلك الفعل، وإذا أوجب الطلاق على نفسه بشرط ترك فعل من الافعال فإنه على الحنث حتى يفعل ويوقف عنده عن وطئ زوجته، فإن امتنع عن ذلك الفعل أكثر من مدة أجل الايلاء ضرب له أجل الايلاء ولكن لا يقع عنده حتى يفوت الفعل إن كان مما يقع فوته، ومن العلماء من يرى أنه على بر حتى يفوت الفعل، وإن كان مما لا يفوت كان على البر حتى يموت. ومن هذا الباب اختلافهم في تبعيض المطلقة، أو تبعيض الطلاق وإرداف الطلاق على الطلاق. فأما مسألة تبعيض المطلقة، فإن مالكا قال إذا قال يدك أو رجلك أو شعرك طالق طلقت عليه، وقال أبو حنيفة: لا تطلق إلا بذكر عضو يعبر به عن جملة البدن كالرأس والقلب والفرج، وكذلك تطلق عنده إذا طلق الجزء منها، مثل الثلث أو الربع، وقال داود: لا تطلق، وكذلك إذا قال عند مالك: طلقتك نصف تطليقة طلقت، لان هذا كله عنده لا يتبعض، وعند المخالف إذا تبعض لم يقع وأما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق نسقا، فإنه يكون ثلاثا عند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقع واحدة فمن شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد، أعني بقوله طلقتك ثلاثا قال: يقع الطلاق ثلاثا، ومن رأى أنه باللفظة الواحدة قد بانت منه قال: لا يقع عليها الثاني والثالث. ولا خلاف بين المسلمين في ارتدافه في الطلاق الرجعي. وأما الطلاق المقيد بالاستثناء فإنما يتصور في العدد فقط، فإذا طلق أعدادا من الطلاق، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يستثني ذلك العدد بعينه، مثل أن يقول: أنت طالق

[ 65 ]

ثلاثا إلا ثلاثا، أو اثنتين إلا اثنتين، وإما أن يستثني ما هو أقل، فإما أن يستثني ما هو أقل مما هو أكثر، وإما أن يستثني ما هو أكثر مما هو أقل، فإذا استثنى الاقل من الاكثر، فلا خلاف أعلمه أن الاستثناء يصح ويسقط المستثنى، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، وأما إن استثنى الاكثر من الاقل فيتوجه فيه قولان: أحدهما: أن الاستثناء لا يصح وهو مبني على من منع أن يستثني الاكثر من الاقل. والآخر: أن الاستثناء يصح، وهو قول مالك. وأما إذا استثنى ذلك العدد بعينه مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، فإن مالكا قال: يقع الطلاق لانه اتهمه على أنه رجوع منه. وأما إذا لم يقل بالتهمة وكان قصده بذلك استحالة وقوع الطلاق فلا طلاق عليه. كما لو قال أنت طالق لا طالق معا. فإن وقوع الشئ مع ضده مستحيل. وشذ أبو محمد بن حزم فقال: لا يقع طلاق بصفة لم تقع بعدولا بفعل لم يقع، لان الطلاق لا يقع في وقت وقوعه إلا بإيقاع من يطلق في ذلك الوقت ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على وقوع طلاق في وقت لم يوقعه فيه المطلق، وإنما ألزم نفسه إيقاعه فيه، فإن قلنا باللزوم لزم أن يوقف عند ذلك الوقت حتى يوقع. هذا قياس قوله عندي وحجته. وإن كنت لست أذكر في هذا الوقت احتجاجه في ذلك. الفصل الثاني: في المطلق الجائز الطلاق واتفقوا على أنه الزوج العاقل البالغ الحر غير المكره، واختلفوا في طلاق المكره والسكران وطلاق المريض وطلاق المقارب للبلوغ. واتفقوا على أنه يقع طلاق المريض إن صح واختلفوا هل ترثه إن مات أم لا؟ فأما طلاق المكره فإنه غير واقع عند مالك والشافعي وأحمد وداود وجماعة، وبه قال عبد الله بن عمر وابن الزبير وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وفرق أصحاب الشافعي بين أن ينوي الطلاق أولا ينوي شيئا، فإن نوى الطلاق فعنهم قولان أصحهما لزومه، وإن لم ينو فقولان أصحهما أنه لا يلزم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واقع. وكذلك عتقه دون بيعه، ففرقوا بين البيع والطلاق والعتق. وسبب الخلاف: هل المطلق من قبل الاكراه مختار أم ليس بمختار؟ لانه ليس يكره على اللفظ إذ كان اللفظ إنما يقع باختياره. والمكره على الحقيقة هو الذي لم يكن له اختيار في إيقاع الشئ أصلا، وكل واحد من الفريقين يحتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولكن الاظهر أن المكره على الطلاق وإن كان موقعا للفظ باختياره أنه ينطلق عليه في الشرع اسم المكره لقوله تعالى: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) * وإنما فرق أبو حنيفة بين البيع والطلاق، لان الطلاق مغلظ فيه، ولذلك استوى جده وهزله. وأما طلاق الصبي، فإن المشهور عن مالك أنه لا يلزمه

[ 66 ]

حتى يبلغ، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إنه يلزمه إذا ناهز الاحتلام، وبه قال أحمد بن حنبل إذا هو أطاق صيام رمضان، وقال عطاء: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقه، وروعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما طلاق السكران، فالجمهور من الفقهاء على وقوعه، وقال قوم: لا يقع، منهم المزني وبعض أصحاب أبي حنيفة. والسبب في اختلافهم: هل حكمه حكم المجنون أم بينهما فرق؟ فمن قال هو والمجنون سواء إذ كان كلاهما فاقدا للعقل، ومن شرط التكليف العقل قال: لا يقع، ومن قال الفرق بينهما أن السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته والمجنون بخلاف ذلك ألزم السكران الطلاق، وذلك من باب التغليظ عليه، واختلف الفقهاء فيما يلزم السكران بالجملة من الاحكام وما لا يلزمه، فقال مالك: يلزمه الطلاق والعتق والقود من الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح ولا البيع، وألزمه أبو حنيفة كل شئ، وقال الليث: كل ما جاء من منطق السكران فموضوع عنه، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ولا نكاح ولا بيع ولا حد في قذف، وكل ما جنته جوارحه فلازم له، فيحد في الشرب والقتل والزنا والسرقة وثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان لا يرى طلاق السكران، وزعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة. وقول من قال: إن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه ليس نصا في إلزام السكران الطلاق لان السكران معتوه ما، وبه قال داود وأبو ثور وإسحاق وجماعة من التابعين: أعني أن طلاقه ليس يلزم، وعن الشافعي القولان في ذلك، واختار أكثر أصحابه قوله الموافق للجمهور واختار المزني من أصحابه أن طلاقه غير واقع. وأما المريض الذي يطلق طلاقا بائنا ويموت من مرضه، فإن مالكا وجماعة يقول: ترثه زوجته، والشافعي وجماعة لا يورثها، والذين قالوا بتوريثها انقسموا ثلاث فرق: ففرقة قالت لها الميراث ما دامت في العدة، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وقال قوم: لها الميراث ما لم تتزوج، وممن قال بهذا أحمد وابن أبي ليلى، وقال قوم: بل ترث كانت في العدة أو لم تكن، تزوجت أم لم تتزوج، وهو مذهب مالك والليث. وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب له ميراثا، وذلك أن هذه الطائفة تقول: إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه لانهم قالوا: إنه لا يرثها إن ماتت. وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها، ولا بد لخصومهم من أحد الجوابين، لانه يعسر أن يقال إن في الشرع نوعا من الطلاق توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية، وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح، لان هذا يكون طلاقا موقوف الحكم إلى أن يصح أو لا يصح وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع، ولكن

[ 67 ]

إنما أنس القائلون به أنه فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة، ولا معنى لقولهم فالخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور. وأما من رأى أنها ترث في العدة، فلان العدة عنده من بعض أحكام الزوجية، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية، وروي هذا القول عن عمر وعن عائشة. وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث زوجين، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث. واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق أو ملكها أمرها الزوج فطلقت نفسها، فقال أبو حنيفة: لا ترث أصلا، وفرق الاوزاعي بين التمليك والطلاق فقال: ليس لها الميراث في التمليك، ولها في الطلاق. وسوى مالك في ذلك كله حتى لقد قال: إن ماتت لا يرثها، وترثه هي إن مات، وهذا مخالف للاصول جدا. الباب الثالث: فيمن يتعلق به الطلاق من النساء ومن لا يتعلق وأما من يقع طلاقه من النساء، فإنهم اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في عصمة أزواجهن، أو قبل أن تنقضي عددهن في الطلاق الرجعي، وأنه لا يقع على الاجنبيات: أعني الطلاق المعلق. وأما تعليق الطلاق على الاجنبيات بشرط التزويج مثل أن يقول: إن نكحت فلانة فهي طالق فإن للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب: قول إن الطلاق لا يتعلق بأجنبية أصلا عم المطلق أو خص، وهو قول الشافعي وأحمد وداود وجماعة، وقول إنه يتعلق بشرط التزويج عم المطلق جميع النساء أو خصص، وهو قول أبي حنيفة وجماعة، وقول إنه إن عم جميع النساء لم يلزمه، وإن خصص لزمه، وهو قول مالك وأصحابه، أعني مثل أن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا فهي طالق، وكذلك في وقت كذا، فإن هؤلاء يطلقن عند مالك إذا زوجن. وسبب الخلاف: هل من شرط وقوع الطلاق وجود الملك متقدما بالزمان على الطلاق أم ليس ذلك من شرطه؟ فمن قال هو من شرطه قال: لا يتعلق الطلاق بالاجنبية، ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال: يقع بالاجنبية. وأما الفرق بين التعميم والتخصيص فاستحسان مبني على المصلحة، وذلك أنه إذا عمم فأوجبنا عليه التعميم لم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عنتا به وحرجا، وكأنه من باب نذر المعصية، وأما إذا خصص فليس الامر كذلك إذا ألزمناه الطلاق، واحتج الشافعي بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص) لا طلاق إلا من بعد نكاح وفي رواية أخرى لا طلاق فيمالا يملك ولا عتق فيما لا يملك وثبت ذلك عن علي ومعاذ وجابر بن عبد الله وابن عباس وعائشة، وروي مثل قول أبي حنيفة عن عمر وابن مسعود، وضعف قوم الرواية بذلك عن عمر رضي الله عنهم. الجملة الثالثة في الرجعة بعد الطلاق. ولما كان الطلاق على ضربين: بائن،

[ 68 ]

ورجعي، وكانت أحكام الرجعة بعد الطلاق البائن غير أحكام الرجعة بعد الطلاق الرجعي وجب أن يكون في هذا الجنس بابان: الباب الاو: في أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي. الباب الثاني: في أحكام الارتجاع في الطلاق البائن. الباب الاول: في أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي وأجمع المسلمون على أن الزوج يملك رجعة الزوجة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاه لقوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) * وأن من شرط هذا الطلاق تقدم المسيس له. واتفقوا على أنها تكون بالقول والاشهاد. واختلفوا هل الاشهاد شرط في صحتها أم ليس بشرط؟ وكذلك اختلفوا هل تصح الرجعة بالوطئ؟ فأما الاشهاد فذهب مالك إلى أنه مستحب، وذهب الشافعي إلى أنه واجب. وسبب الخلاف: معارضة القياس للظاهر، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * يقتضي الوجوب، وتشبيه هذا الحق بسائر الحقوق التي يقبضها الانسان يقتضي أن لا يجب الاشهاد. فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب. وأما اختلافهم فيما تكون به الرجعة، فإن قوما قالوا: لا تكون الرجعة إلا بالقول فقط، وبه قال الشافعي، وقوم قالوا: تكون رجعتها بالوطئ. وهؤلاء انقسموا قسمين: فقال قوم: لا تصح الرجعة بالوطئ إلا إذا نوى بذلك الرجعة، لان الفعل عنده يتنزل منزلة القول مع النية، وهو قول مالك. وأما أبو حنيفة فأجاز الرجعة بالوطئ إذا نوى بذلك الرجعة ودون النية. فأما الشافعي فقاس الرجعة على النكاح وقال: قد أمر الله بالاشهاد، ولا يكون الاشهاد إلا على القول. وأما سبب الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة فإن أبا حنيفة يرى أن الرجعية محللة الوطئ عنده قياسا على المولى منها وعلى المظاهرة ولان الملك لم ينفصل عنده، ولذلك كان التوارث بينهما، وعند مالك أن وطئ الرجعية حرام حتى يرتجعها، فلا بد عنده من النية، فهذا هو اختلافهم في شروط صحة الرجعة. واختلفوا في مقدار ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية ما دامت في العدة، فقال مالك: لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما. وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الاكل معها، وقال أبو حنيفة: لا بأس أن تتزين الرجعية لزوجها وتتطيب له وتتشوف وتبدي البنان والكحل، وبه قال الثوري وأبو يوسف والاوزاعي، وكلهم قالوا: لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل واختلفوا في هذا

[ 69 ]

الباب في الرجل يطلق زوجته طلقة رجعية وهو غائب ثم يراجعها فيبلغها الطلاق ولا يبلغها الرجعة فتتزوج إذا انقضت عدتها، فذهب مالك إلى أنها للذي عقد عليها النكاح دخل بها أو لم يدخل، هذا قوله في الموطأ، وبه قال الاوزاعي والليث. وروى عنه ابن القاسم أنه رجع عن القول الاول، وأنه قال: الاول أولى بها إلا أن يدخل الثاني، وبالقول الاول قال المدنيون من أصحابه. قالوا: ولم يرجع عنه لانه أثبته في موطئه إلى يوم مات وهو يقرأ عليه، وهو قول عمر بن الخطاب ورواه عنه مالك في الموطأ، وأما الشافعي والكوفيون وأبو حنيفة وغيرهم فقالوا: زوجها الاول الذي ارتجعها أحق بها دخل بها الثاني أو لم يدخل، وبه قال داود وأبو ثور، وهو مروي عن علي وهو الابين. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة: إن الزوج الذي ارتجعها مخير بين أن تكون امرأته أو أن يرجع عليها بما كان أصدقها، وحجة مالك في الرواية الاولى ما رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت السنة في الذي يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها رجعتها حتى تحل فتنكح زوجا غيره أنه ليس له من أمرها شئ ولكنها لمن تزوجها، وقد قيل إن هذا الحديث إنما يروى عن ابن شهاب فقط. وحجة الفريق الاول أن العلماء قد أجمعوا على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة، بدليل أنهم قد أجمعوا على أن الاول أحق بها قبل أن تتزوج، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني فاسدا، فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة لا قبل الدخول ولا بعد الدخول وهو الاظهر إن شاء الله، ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن سمرة بن جندب أن النبي (ص) قال أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للاول منهما، ومن باع بيعا من رجلين فهو للاول منهما. الباب الثاني: في أحكام الارتجاع في الطلاق البائن والطلاق البائن، إما بمدون الثلاث فذلك يقع في غير المدخول بها بلا خلاف، وفي المختلعة باختلاف، وهل يقع أيضا دون عوض؟ فيه خلاف. وحكم الرجعة بعد هذا الطلاق حكم ابتداء النكاح أعني في اشتراط الصداق والولي والرضا، إلا أنه لا يعتبر فيه انقضاء العدة عند الجمهور، وشذ قوم فقالوا: المختلعة لا يتزوجها زوجها في العدة ولا غيره، وهؤلاء كأنهم رأوا منع النكاح في العدة عبادة. وأما البائنة بالثلاث، فإن العلماء كلهم على أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الاول إلا بعد الوطئ لحديث رفاعة بن سموءل أنه طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله (ص) ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير. فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة زوجها الاول أن ينكحها، فذكر ذلك لرسول الله (ص) فنهاه عن تزويجها وقال: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة. وشذ سعيد بن المسيب فقال: إنه جائز أن ترجع إلى

[ 70 ]

زوجها الاول بنفس العقد لعموم قوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * والنكاح ينطلق على العقد، وكلهم قال: التقاء الختانين يحلها، إلا الحسن البصري فقال: لا تحل إلا بوطئ إنزال. وجمهور العلماء على أن الوطئ الذي يوجب الحد ويفسد الصوم والحج ويحل المطلقة ويحصن الزوجين ويوجب الصداق هو التقاء الختانين. وقال مالك وابن القاسم: لا يحل المطلقة إلا الوطئ المباح الذي يكون في العقد الصحيح في غير صوأو حج أو حيض أو اعتكاف، ولا يحل الذمية عندهما وطئ زوج ذمي لمسلم، ولا وطئ ملم يكن بالغا، وخالفهما في ذلك كله الشافعي وأبو حنيفة والثوري والاوزاعي فقالوا: يحل الوطئ وإن وقع في عقد فاسد أو وقت غير مباح. وكذلك وطئ المراهق عندهم يحل، ويحل وطئ الذمي الذمية للمسلم، وكذلك المجنون عندهم، والخصي الذي يبقى له ما يغيبه في فرج والخلاف في هذا كله آيل إلى هل يتناول اسم النكاح أصناف الوطئ الناقص أم لا يتناوله؟ واختلفوا من هذا الباب في نكاح المحلل: أعني إذا تزوجها على شرط أن يحللها لزوجها الاول، فقال مالك: النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده، والشرط فاسد لا تحل به، ولا يعتبر في ذلك عنده إرادة المرأة التحليل، وإنما يعتبر عنده إرادة الرجل، وقال الشافعي وأبو حنيفة: النكاح جائز، ولا تؤثر النية في ذلك، وبه قال داود وجماعة وقالوا: هو محلل للزوج المطلثلاثا، وقال بعضهم: النكاح جائز والشرط باطل: أي ليس يحللها، وهو قول ابن ابي ليلى، وروي عن الثوري واستدل مالك وأصحابه بما روي عن النبي (ص) من حديث علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر أنه قال (ص) لعن الله المحلل والمحلل له فلعنه إياه كلعنه آكل الربا وشارب الخمر. وذلك يدل على النهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، واسم النكاح الشرعي لا ينطلق على النكاح المنهي عنه. وأما الفريق الآخر فتعلق بعموم قوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * وهذا ناكح، وقالوا: وليس في تحريم قصد التحليل ما يدل على أن عدمه شرط في صحة النكاح، كما أنه ليس النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، مما يدل على أن من شرط صحة الصلاة صحة مالك البقعة أو الاذن من مالكها في ذلك، قالوا وإذا لم يدل النهي على فساد عقد النكاح فأحرى أن لا يدل على بطلان التحليل. وإنما لم يعتبر مالك قصد المرأة لانه إذا لم يوافقها على قصدها لم يكن لقصدها معنى مع أن الطلاق ليس بيدها. واختلفوا في هل يهدم الزوج ما دون الثلاث؟ فقال أبو حنيفة يهدم، وقال مالك والشافعي لا يهدم: أعني إذا تزوجت قبل الطلقة الثالثة غير الزوج الاول ثم راجعها هل يعتد بالطلاق الاول أم لا؟ فمن رأى أن هذا شئ يخص الثالثة بالشرع قال: لا يهدم ما دون الثالثة عنده، ومن رأى أنه إذا هدم الثالثة فهو أحرى أن يهدم ما دونها قال: يهدم ما دون الثلاث، والله أعلم.

[ 71 ]

الجملة الرابعة وهذه الجملة فيها بابان: الاول: في العدة. الثاني: في المتعة. الباب الاول: في العدة والنظر في هذا الباب في فصلين: الفصل الاول: في عدة الزوجات. الفصل الثاني: في عدة ملك اليمين. الفصل الاول: في عدة الزوجات والنظر في عدة الزوجات ينقسم إلى نوعين: أحدهما: في معرفة العدة. والثاني: في معرفة أحكام العدة. النوع الاول: وكل زوجة فهي إما حرة وإما أمة، وكل واحدة من هاتين إذا طلقت فلا يخلو أن تكون مدخولا بها أو غير مدخول بها، فأما غير المدخول بها فلا عدة عليها بإجماع لقوله تعالى: * (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) *. وأما المدخول بها فلا يخلو أن تكون من ذوات الحيض أو من غير ذوات الحيض وغير ذوات الحيض إما صغار، وإما يائسات، وذوات الحيض إما حوامل وإما جاريات على عاداتهن في الحيض، وإما مرتفعات الحيض، وإما مستحاضات. والمرتفعات الحيض في سن الحيض إما مرتابات بالحمل: أي يحس في البطن، وإما غير مرتابات. وغير المرتابات إما معروفات سبب انقطاع الحيض من رضاع أو مرض، وإما غير معروفات. فأما ذوات الحيض الاحرار الجاريات في حيضهن على المعتاد فعدتهن ثلاثة قروء، والحوامل منهن عدتهن وضع حملهن، واليائسات منهن عدتهن ثلاثة أشهر، ولا خلاف في هذا لانه منصوص عليه في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * الآية، وفي قوله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم) * الآية. واختلفوا من هذه الآية في الاقراء ما هي؟ فقال قوم: هي الاطهار: أعني الازمنة التي بين الزمنين: وقال قوم: هي الدم نفسه، وممن قال إن الاقراء هي الاطهار: أما من فقهاء الامصار فمالك والشافعي وجمهور أهل المدينة وأبو ثور وجماعة، وأما من الصحابة فابن عمروزيد بن ثابت وعائشة، وممن قال إن الاقراء هي الحيض أما من فقهاء الامصار فأبحنيفة والثوري والاوزاعي وابن أبي ليلى وجماعة، وأما من الصحابة فعلي وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو موسى الاشعري. وحكى الاثرم عن أحمد أنه قال: الاكابر من أصحاب رسول الله (ص) يقولون: الاقراء هي الحيض. وحكى أيضا عن الشعبي أنه قول أحد عشر أو اثني عشر من أصحاب

[ 72 ]

رسول الله (ص). وأما أحمد بن حنبل فاختلفت الرواية عنه. فروي عنه أنه كان يقول: إنها الاطهار على قول زيد ابن ثابت وابن عمر وعائشة، ثم توقفت الآن من أجل قول ابن مسعود وعلي: هو أنها الحيض والفرق بين المذهبين هو أن من رأى أنها الاطهار رأى أنها إذا دخلت الرجعية عنده في الحيضة الثالثة لم يكن للزوج عليها رجعة وحلت للازواج، ومن رأى أنها الحيض لم تحل عنده حتى تنقضي الحيضة الثالثة. وسبب الخلاف: اشتراك اسم القرء، فإنه يقال في كلام العرب على حد سواء على الدم وعلى الاطهار، وقد رام كلا الفريقين أن يدل أن اسم القرء في الآية ظاهر في المعنى الذي يراه، فالذين قالوإنها الاطهار قالوا: إن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أن القر الذي هو الحيض يجمع على أقراء لا على قروء، وحكوا ذلك عن ابن الانباري، وأيضا فإنهم قالوا: إن الحيضة مؤنثة والطهر مذكر، فلو كان القرء الذي يراد به الحيض لما ثبت في جمعه الهاء لان الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة، وقالوا أيضا: إن الاشتقاق يدل على ذلك، لان القرء مشتق من قرأت الماء في الحوض: أي جمعته، فزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر، فهذا هو أقوى ما تمسك به الفريق الاول من ظاهر الآية. وأما ما تمسك به الفريق الثاني من ظاهر الآية فإنهم قالوا: إن قوله تعالى: * (ثلاثة قروء) * ظاهر في تمام كل قرء منها لانه ليس ينطلق اسم القرء على بعضه إلا تجوزا، وإذا وصفت الاقراء بأنها هي الاطهار أمكن أن تكون العدة عندهم بقرأين وبعض قرء، لانها عندهم تعتد بالطهر الذي تطلق فيه وإن مضى أكثره، وإذا كان ذلك كذلك فلا ينطلق عليها اسم الثلاثة إلا تجوزا، واسم الثلاثة ظاهر في كمال كل قرء منها، وذلك لا يتفق إلا بأن تكون الاقراء هي الحيض لان الاجماع منعقد على أنها إن طلقت في حيضة أنها لا تعتد بها، ولكل واحد من الفريقين احتجاجات متساوية من جهة لفظ القرء، والذي رضيه الحذاق أن الآية مجملة في ذلك. وأن الدليل ينبغي أن يطلب من جهة أخرى، فمن أقوى ما تمسك به من رأى أن الاقراء هي الاطهار حديث ابن عمر المتقدم، وقوله (ص) مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم يطلقها إن شاء قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء قالوا: وإجماعهم على أن طلاق السنة لا يكون إلا في طهر لم تمس فيه، وقوله عليه الصلاة والسلام فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء دليل واضح على أن العدة هي الاطهار لكي يكون الطلاق متصلا بالعدة. ويمكن أن يتأول قوله فتلك العدة

[ 73 ]

أي فتلك مدة استقبال العدة لئلا يتبعض القرء بالطلاق في الحيض. وأقوى ما تمسك به الفريق الثاني أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم، وبراءتها إنما تكون بالحيض لا بالاطهار، ولذلك كان عدة من ارتفع الحيض عنها بالايام، فالحيض هو سبب العدة بالاقراء، فوجب أن تكون الاقراء هي الحيض، واحتج من قال الاقراء هي الاطهار بأن المعتبر في براءة الرحم هو النقلة من الطهر إلى الحيض لا انقضاء الحيض، فلا معنى لاعتبار الحيضة الاخيرة، وإذا كان ذلك فالثلاث المعتبر فيهن التمام: أعني المشترط هي الاطهار التي بين الحيضتين، ولكلا الفريقين احتجاجات طويلة. ومذهب الحنفية أظهر من جهة المعنى، وحجتهم من جهة المسموع متساوية أو قريب من متساوية، ولم يختلف القائلون أن العدة هي الاطهار أنها تنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. واختلف الذين قالوا إنها الحيض، فقيل تنقضي بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، وبه قال الاوزاعي، وقيل حين تغتسل من الحيضة الثالثة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود، ومن الفقهاء الثوري وإسحاق بن عبيد، وقيل حتى يمضي وقت الصلاة التي طهرت في وقتها، وقيل إن للزوج عليها الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة، حكي هذا عن شريك. وقد قيل تنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. وهو أيضا شاذ. فهذه هي حال الحائض التي تحيض. وأما التي تطلق فلا تحيض وهي في سن الحيض وليس هناك ريبة حمل ولا سبب من رضاع ولا مرض، فإنها تنتظر عند مالك تسعة أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت بثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة الاشهر اعتبرت الحيض واستقبلت انتظاره، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض الثانية اعتدت ثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر من العام الثاني انتظرت الحيضة الثالثة، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر، فإن حاضت الثالثة في الثلاثة الاشهر كانت قد استكملت عدة الحيض وتمتد عدتها، ولزوجها عليها الرجعة ما لم تحل. واختلف عن مالك متى تعتد بالتسعة أشهر؟ فقيل من يوم طلقت، وهو قوله في الموطأ، وروى ابن القاسم عنه: من يوم رفعها حيضتها. وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور في التي ترتفع حيضتها وهي لا تيأس منها في المستأنف: إنها تبقى أبدا تنتظر حتى تدخل في السن الذي تيأس فيه من المحيض، وحينئذ تعتد بالاشهر وتحيض قبل ذلك، وقول مالك مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وقول الجمهور قول ابن مسعود وزيد. وعمدة مالك عن طريق المعنى هو أن المقصود بالعدة إنما هو ما يقع به براءة الرحم ظنا غالبا بدليل أنه قد تحيض الحامل، وإذا كان ذلك كذلك فعدة الحمل كافية في العلم ببراءة الرحبل هي قاطعة على ذلك، ثم تعتد بثلاثة أشهر عدة اليائسة. فإن حاضت قبل تمام السنة حكم لها بحكم ذوات الحيض، واحتسبت بذلك القرء، ثم تنتظر القرء الثاني أو السنة إلى أن يمضي لها ثلاثة أقراء. وأما الجمهور فصاروا إلى ظاهر قوله تعالى: * (واللائي يئسن

[ 74 ]

من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) * والتي هي من أهل الحيض ليست بيائسة، وهذا الرأي فيه عسر وحرج، ولو قيل انها تعتد بثلاثة أشهر لكان جيدا إذا فهم من اليائسة التي لا يقطع بانقطاع حيضتها. وكان قوله * (إن ارتبتم) * راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض على ما تأوله مالك ك عليه، فكأن مالكا لم يطابق مذهبه تأويله الآية، فإنه فهم من اليائسة هنا من تقطع على أنها ليست من أهل الحيض، وهذا لا يكون إلا من قبل السن، ولذلك جعل قوله * (إن ارتبتم) * راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض، أي إن شككتم في حكمهن، ثم قال في التي تبقى تسعة أشهر لا تحيض وهي في سن من تحيض أنها تعتد بالاشهر. وأما إسماعيل وابن بكير من أصحابه، فذهبوا إلى أن الريبة ههنا في الحيض، وأن اليائس في كلام العرب هو ما لم يحكم عليه بما يئس منه بالقطع، فطابقوا تأويل الآية مذهبهم الذي هو مذهب مالك، ونعم ما فعلوا لانه إن فهم ههنا من اليائس القطع فقد يجب أن تنتظر الدم وتعتد به حتى تكون في هذا السن: أعني سن اليائس، وإن فهم من اليائس ما لا يقطع بذلك فقد يجب أن تعتد التي انقطع دمها عن العادة وهي في سن من تحيض بالاشهر، وهو قياس قول أهل الظاهر، لان اليائسة في الطرفين ليس هي عندهم من أهل العدة لا بالاقراء ولا بالشهور. أما الفرق في ذلك بين ما قبل التسعة وما بعدها فاستحسان. وأما التي ارتفعت حيضتها لسبب معلوم مثل رضاع أو مرض، فإن المشهور عند مالك أنها تنتظر الحيض، قصر الزمان أم طال، وقد قيل إن المريضة مثل التي ترتفع حيضتها لغير سبب، وأما المستحاضة فعدتها عند مالك سنة إذا لم تميز بين الدمين، فإن ميزت بين الدمين فعنه روايتان: إحداهما أن عدتها السنة. والاخرى أنها تعمل على التمييز فتعتد بالاقراء، وقال أبو حنيفة عدتها الاقراء إن تميزت لها، وإن لم تتميز لها فثلاثة أشهر، وقال الشافعي: عدتها بالتمييز إذا انفصل عنها الدم، فيكون الاحمر القاني من الحيضة، ويكون الاصفر من أيام الطهر فإن طبق عليها الدم اعتدت بعدد أيام حيضتها في صحتها. وإنما ذهب مالك إلى بقاء السنة لانه جعلها مثل التي لا تحيض وهي من أهل الحيض، والشافعي إنما ذهب في العارفة أيامها أنها تعمل على معرفتها قياسا على الصلاة لقول (ص) للمستحاضة: اتركي الصلاة أيام أقرائك فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي الدم. وإنما اعتبر التمييز لقوله (ص) لفاطمة بنت حبيش إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئ وصلى فإنما هو عرق خرجه أبو داود، وإنما ذهب من ذهب إلى عدتها بالشهور إذا اختلط عليها الدم، لانه معلوم في الاغلب أنها في كل شهر تحيض، وقد جعل الله العدة بالشهور عند ارتفاع الحيض، وخفاؤه كارتفاعه. وأما المسترابة: أعني التي

[ 75 ]

تجد حسا في بطنها تظن به أنه حمل فإنها تمكث أكثر مدة الحمل، وقد اختلف فيه فقيل في المذهب أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقال أهل الظاهر: تسعة أشهر. ولا خلاف أن انقضاء عدة الحوامل لوضع حملهن: أعني المطلقات لقوله تعالى: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وأما الزوجات غير الحرائر فإنهن ينقسمن أيضا بتلك الاقسام بعينها، أعني حيضا ويائسات ومستحاضات ومرتفعات الحيض من غير يائسات. فأما الحيض اللاتي يأتيهن حيضهن، فالجمهور على أن عدتهن حيضتان، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أن عدتهن ثلاث حيض كالحرة، وبه قال ابن سيرين. فأهل الظاهر اعتمدوا عموم قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * وهي ممن ينطلق عليها اسم المطلقة. واعتمد الجمهور تخصيص هذا العموم بقياس الشبه وذلك أنهم شبهوا الحيض بالطلاق والحد أعني كونه متنصفا مع الرق. وإنما جعلوها حيضتين لان الحيضة الواحدة لا تتبعض. وأما الامة المطلقة اليائسة من المحيض أو الصغيرة فإن مالكا وأكثر أهل المدينة قالوا: عدتها ثلاثة أشهر، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور وجماعة عدتها شهر ونصف شهر نصف عدة الحرة وهو القياس إذا قلنا بتخصيص العموم، فكأن مالكا اضطرب قوله، فمرة أخذ بالعموم، وذلك في اليائسات، ومرة أخذ بالقياس وذلك في ذوات الحيض، والقياس في ذلك واحد. وأما التي ترتفع حيضتها من غير سبب فالقول فيها هو القول في الحرة والخلاف في ذلك، وكذلك المستحاضة، واتفقوا على أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها. واختلفوا فيمن راجع امرأته في العدة من الطلاق الرجعي ثم فارقها قبل أن يمسها هل تستأنف عدة أم لا؟ فقال جمهور فقهاء الامصار: تستأنف، وقالت فرقة: تبقى في عدتها من طلاقها الاول وهو أحد قولي الشافعي، وقال داود: ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستأنفة. وبالجملة فعند مالك أن كل رجعة تهدم العدة وإن لم يكن مسيس، ما خلا رجعة المولي. وقال الشافعي: إذا طلقها بعد الرجعة وقبل الوطئ ثبتت على عدتها الاولى، وقول الشافعي أظهر. وكذلك عند مالك رجعة المعسر بالنفقة تقف صحتها عنده على الانفاق فإن أنفق صحت الرجعة وهدمت العدة إن كان طلاقا، وإن لم ينفق بقيت على عدتها الاولى، وإذا تزوجت ثانيا في العدة فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما تداخل العدتين، والاخرى نفيه. فوجه الاولى اعتبار براءة الرحم، لان ذلك حاصل مع التداخل. ووجه الثانية كون العدة عبادة، فوجب أن تتعدد بتعدد الوطئ الذي له حرمة، وإذا عتقت الامة في عدة الطلاق مضت على عدة الامة عند مالك، ولم تنتقل إلى عدة الحرة، وقال أبو حنيفة: تنتقل في الطلاق الرجعي دون البائن

[ 76 ]

وقال الشافعي تنتقل في الوجهين معا. وسبب الخلاف: هل العدة من أحكام الزوجية أم من أحكام انفصالها؟ فمن قال من أحكام الزوجية قال: لا تنتقل عدتها، ومن قال من أحكام انفصال الزوجية قال: تنتقل كما لو أعتقت وهي زوجة ثم طلقت، وأما من فرق بين البائن والرجعي فبين، وذلك أن الرجعي فيه شبه من أحكام العصمة، ولذلك وقع فيه الميراث باتفاق إذا مات وهي في عدة من طلاق رجعي، وأنها تنتقل إلى عدة الموت، فهذا هو القسم الاول من قسمي النظر في العدة. القسم الثاني: وأما النظر في أحكام العدد، فإنهم اتفقوا على أن للمعتدة الرجعية النفقة والسكنى، وكذلك الحامل لقوله تعالى في الرجعيات: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * الآية ولقوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) *. واختلفوا في سكنى المبتوتة ونفقتها إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها السكنى والنفقة، وهو قول الكوفيين. والقول الثاني: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول أحمد وداود وأبي ثور وإسحاق وجماعة. الثالث: أن لها السكنى ولانفقة لها، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. وسبب اختلافهم: اختلاف الرواية في حديث فاطمة بنت قيس ومعارضة ظاهر الكتاب له، فاستدل من لم يوجب لها نفقة ولا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت طلقني زوجي ثلاثا على عهرسول الله (ص)، فأتيت النبي (ص) فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة خرجه مسلم، وفي بعض الروايات أن رسول الله (ص) قال: إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة وهذا قول مروي عن علي وابن عباس وجابر بن عبد الله. وأما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة فإنهم احتجوا بما رواه مالك في موطئه من حديث فاطمة المذكورة، وفيه: فقال رسول الله (ص) ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيها إسقاط السكنى، فبقي على عمومه في قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * وعللوا أمره عليه الصلاة والسلام بأن تعتد في بيت ابن أم مكتوم بأنه كان في لسانها بذاء. وأما الذين أوجبوا لها السكنى والنفقة فصاروا إلى وجوب السكنى لها بعموم قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * وصاروا إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الاسكان في الرجعية وفي الحامل وفي نفس الزوجية. وبالجملة فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، وروي عن عمر أنه قال في حديث فاطمة هذا: لا ندع كتاب نبينا وسنته لقول امرأة، يريد قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * الآية. ولان المعروف من سنته عليه الصلاة والسلام أنه أوجب النفقة حيث تجب السكنى، فلذلك

[ 77 ]

الاولى في هذه المسألة إما أن يقال إن لها الامرين جميعا مصيرا إلى ظاهر الكتاب والمعروف من السنة، وإما أن يخصص هذا العموم بحديث فاطمة المذكور. وأما التفريق بين إيجاب النفقة والسكنى فعسير ووجه عسره ضعف دليله. وينبغي أن تعلم أن المسلمين اتفقوا على أن العدة تكون في ثلاثة أشياء: في طلاق، أو موت، أو اختيار الامة نفسها إذا أعتقت. واختلفوا فيها في الفسوخ، والجمهور على وجوبها. ولما كان الكلام في العدة يتعلق فيه أحكام عدة الموت رأينا أن نذكرها ههنا فنقول: إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة أشهر وعشرا لقوله تعالى: * (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) *. واختلفوا في عدة الحامل وفي عدة الامة إذا لم تأتها حيضتها في الاربعة الاشهر وعشرا ماذا حكمها؟ فذهب مالك إلى أن من شرط تمام هذه العدة أن تحيض حيضة واحدة في هذه المدة، فإن لم تحض فهي عنده مسترابة فتمكث مدة الحمل، وقيل عنه إنها قد لا تحيض وقد لا تكون مسترابة، وذلك إذا كانت عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة، وهذا إما غير موجود، أعني من تكون عادتها أن تحيض أكثر من أربعة أشهر إلى أكثر من أربعة أشهر، وإما نادر. واختلف عنه فيمن هذه حالها من النساء إذا وجدت، فقيل تنتظر حتى تحيض، وروى عنه ابن القاسم: تتزوج إذا انقضت عدة الوفاة ولم يظهر بها حمل. وعلى هذا جمهور فقهاء الامصار: أبي حنيفة والشافعي والثوري. وأما المسألة الثانية: وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها، فقال الجمهور وجميع فقهاء الامصار: عدتها أن تضع حملها مصيرا إلى عموم قوله تعالى: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وإن كانت الآية في الطلاق وأخذا أيضا بحديث أم سلمة أن سبيعة الاسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر وفيه فجاءت رسول الله (ص) فقال لها: قد حللت فانكحي من شئت وروى مالك عن ابن عباس أن عدتها آخر الاجلين، يريد أنها تعتد بأبعد الاجلين، إما الحمل، وإما انقضاء العدة عدة الموت، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين عموم آية الحوامل وآية الوفاة. وأما الامة المتوفى عنها من تحل له، فإنها لا تخلو أن تكون زوجة أو ملك يمين أو أم ولد أو غير أم ولد، فأما الزوجة فقال الجمهور: إن عدتها نصف عدة الحرة قاسوا ذلك على الدية. وقال أهل الظاهر: بل عدتها عدة الحرة، وكذلك عندهم عدة الطلاق مصيرا إلى التعميم. وأما أم الولد فقال مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة: عدتها حيضة، وبه قال ابن عمر. وقال مالك: وإن كانت ممن لا تحيض

[ 78 ]

اعتدت ثلاثة أشهر، ولها السكنى، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: عدتها ثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود، وقال قوم: عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها زوجها، وقال قوم: عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشرا، وحجة مالك أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض، فلم يبق إلا استبراء رحمها، وذلك يكون بحيضة تشبيها بالامة يموت عنها سيدها، وذلك ما لا خلاف فيه، وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة، وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا بأمة فتعتد عدة أمة، فوجب أن تستبرئ رحمها بعدة الاحرار. أما الذين أوجبوا لها عدة الوفاة فاحتجوا بحديث روي عن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا، وضعف أحمد هذا الحديث ولم يأخذ به. وأما من أوجب عليها نصف عدة الحرة تشبيها بالزوجة الامة. فسبب الخلاف: أنها مسكوت عنها، وهي مترددة الشبه بين الامة والحرة، وأما من شبهها بالزوجة الامة فضعيف، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة، وهو مذهب أبي حنيفة. الباب الثاني: في المتعة والجمهور على أن المتعة ليست واجبة في كل مطلقة، وقال قوم من أهل الظاهر: هي واجبة في كل مطلقة، وقال قوم: هي مندوب إليها وليست واجبة، وبه قال مالك والذين قالوا بوجوبها في بعض المطلقات اختلفوا في ذلك، فقال أبو حنيفة: هي واجبة على كل من طلق قبل الدخول، ولم يفرض لها صداقا مسمى، وقال الشافعي: هي واجبة لكل مطلقة إذا كان الفراق من قبله إلا التي سمى لها وطلقت قبل الدخول، وعلى هذا جمهور العلماء. واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) * فاشترط المتعة مع عدم المسيس، وقال تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * فعلم أنه لا متعة لها مع التسمية والطلاق قبل المسيس، لانه إذا لم يجب لها الصداق فأحرى أن لا تجب لها المتعة، وهذا لعمري مخيل، لانه حيث لم يجب لها صداق أقيمت المتعة مقامه، وحيث ردت من يدها نصف الصداق لم يجب لها شئ. وأما الشافعي فيحمل الاوامر الواردة بالمتعة في قوله تعالى: * (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) * على العموم في كل مطلقة إلا التي سمي لها وطلقت قبل الدخول، وأما أهل الظاهر فحملوا الامر على

[ 79 ]

العموم، والجمهور على أن المختلعة لا متعة لها لكونها معطية من يدها كالحال في التي طلقت قبل الدخول وبعفرض الصداق، وأهل الظاهر يقولون: هو شرع فتأخذ وتعطي. وأما مالك فإنه حمل الامر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية * (حقا على المحسنين) * أعلى المتفضلين المتجملين، وما كان من باب الاجمال والاحسان فليس بواجب. واختلفوا في المطلقة المعتدة هل عليها إحداد؟ فقال مالك: ليس عليها إحداد. باب: في بعث الحكمين اتفق العلماء على جواز بعث الحكمين إذا وقع التشاجر بين الزوجين وجهلت أحوالهما في التشاجر: أعني المحق من المبطل لقوله تعالى: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * الآية، وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين: أحدهما: من قبل الزوج، والآخر من قبل المرأة، إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما، وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وأجمعوا على أن قولهما في الجمع بينهما نافذ بغير توكيل من الزوجين. واختلفوا في تفريق الحكمين بينهما إذا اتفقا على ذلك هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إلى ذلك؟ فقال مالك وأصحابه: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما في ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: ليس لهما أن يفرقا، إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق وحجة مالك ما رواه من ذلك عن علي بن أبي طالب أنه قال في الحكمين: إليهما التفرقة بين الزوجين، والجمع. وحجة الشافعي وأبي حنيفة أن الاصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج. واختلف أصحاب مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا، فقال أبو القاسم: تكون واحدة، وقال أشهب والمغيرة تكون ثلاثا إن طلقاها ثلاثا، والاصل أن الطلاق بيد الرجل إلا أن يقوم دليل على غير ذلك وقد احتج الشافعي وأبو حنيفة بما روي في حديث علي هذا أنه قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله وبما فيه لي وعلي، فقال الرجل: أما الفرق فلا، فقال علي: لا، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة، قال: فاعتبر في ذلك إذنه. ومالك يشبه الحكمين بالسلطان، والسلطان يطلق بالضرر عند مالك إذا تبين.

[ 80 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما. كتاب الايلاء والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * والايلاء: هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته إما مدة هي أكثر من أربعة أشهر أو أربعة أشهر أو بإطلاق، على الاختلاف المذكور في ذلك فيما بعد. واختلف فقهاء الامصار في الايلاء في مواضع: فمنها هل تطلق المرأة بانقضاء الاربعة الاشهر المضروبة بالنص للمولي، أم إنما تطلق بأن يوقف بعد الاربعة الاشهر؟ فإما فاء وإما طلق؟ ومنها هل الايلاء يكون بكل يمين، أم بالايمان المباحة في الشرع فقط؟ ومنها إذا أمسك عن الوطئ بغير يمين هل يكون موليا أم لا؟ ومنها هل المولي هو الذي قيد يمينه بمدة من أربعة أشهر فقط أو أكثر من ذلك؟ أو المولي هو الذي لم يقيد يمينه بمدة أصلا؟ ومنها هل طلاق الايلاء بائن أو رجعي؟ ومنها إن أبى الطلاق والفئ هل يطلق القاضي عليه أم لا؟ ومنها هل يتكرر الايلاء إذا طلقها ثم راجعها من غير إيلاء حادث في الزواج الثاني؟ ومنها هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا؟ ومنها هل إيلاء العبد حكمه أن يكون مثل إيلاء الحر أم لا؟ ومنها هل إذا طلقها بعد انقضاء مدة الايلاء تلزمها عدة أم لا؟ فهذه هي مسائل الخلاف المشهورة في الايلاء بين فقهاء الامصار التي تتنزل من هذا الباب منزلة الاصول، ونحن نذكر خلافهم في مسألة مسألة منها، وعيون أدلتهم وأسباب خلافهم على ما قصدنا. المسألة الاولى: أما اختلافهم هل تطلق بانقضاء الاربعة الاشهر نفسها أم لا تطلق وإنما الحكم أن يوقف فإما فاء وإما طلق؟ فإن مالكا والشافعي وأحمد وأبا ثور وداود والليث ذهبوا إلى أنه يوقف بعد انقضاء الاربعة الاشهر، فإما فاء وإما طلق، وهو قول علي وابن عمر، وإن كان قد روي عنهما غير ذلك، لكن الصحيح هو هذا، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وبالجملة الكوفيون إلى أن الطلاق يقع بانقضاء الاربعة الاشهر إلا أن يفئ فيها، وهو قول ابن مسعود

[ 81 ]

وجماعة من التابعين. وسبب الخلاف: هل قوله تعالى: * (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) * أي فإن فاءوا قبل انقضاء الاربعة الاشهر أو بعدها؟ فمن فهم منه قبل انقضائها قال: يقع الطلاق، ومعنى العزم عنده في قوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * أن لا يفئ حتى تنقضي المدة. فمن فهم من اشتراط الفيئة اشتراطها بعد انقضاء المدة قال: معنى قوله * (وإن عزموا الطلاق) * أي باللفظ * (فإن الله سميع عليم) *. وللمالكية في الآية أربعة أدلة: أحدها: أنه جعل مدة التربص حقا للزوج دون الزوجة، فأشبهت مدة الاجل في الديون المؤجلة، الدليل الثاني: أن الله تعالى أضاف الطلاق إلى فعله. وعندهم ليس يقع من فعله إلا تجوزا: أعني ليس ينسب إليه على مذهب الحنفية إلا تجوزا، وليس يصار إلى المجاز عن الظاهر إلا بدليل. الدليل الثالث: قوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * قالوا: فهذا يقتضي وقوع الطلاق على وجه يسمع، وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء المدة. الرابع: أن الفاء في قوله تعالى: * (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) * ظاهرة في معنى التعقيب، فدل ذلك على أن الفيئة بعد المدة، وربما شبهوا هذه المدة بمدة العتق. وأما أبو حنيفة فإنه اعتمد في ذلك تشبيه هذه المدة بالعدة الرجعية إذ كانت العدة إنما شرعت لئلا يقع منه ندم، وبالجملة فشبهوا الايلاء بالطلاق الرجعي، وشبهوا المدة بالعدة وهو شبه قوي، وقد روي ذلك عن ابن عباس. المسألة الثانية: وأما اختلافهم في اليمين التي يكون بها الايلاء، فإن مالكا قال: يقع الايلاء بكل يمين، وقال الشافعي: لا يقع إلا بالايمان المباحة في الشرع وهي اليمين بالله أو بصفة من صفاته، فمالك اعتمد العموم: أعني عموم قوله تعالى: * (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * والشافعي يشبه الايلاء بيمين الكفارة، وذلك أن كلا اليمينين يترتب عليهما حكم شرعي، فوجب أن تكون اليمين التي ترتب عليها حكم الايلاء هي اليمين التي يترتب عليها الحكم الذي هو الكفارة. المسألة الثالثة: وأما لحوق حكم الايلاء للزوج إذا ترك الوطئ بغير يمين، فإن الجمهور على أنه لا يلزمه حكم الايلاء بغير يمين، ومالك يلزمه وذلك إذا قصد الاضرار بترك الوطئ، وإن لم يحلف على ذلك، فالجمهور اعتمدوا الظاهر، ومالك اعتمد المعنى، لان الحكم إنما لزمه باعتقاده ترك الوطئ، وسواء شد ذلك الاعتقاد بيمين أو بغير يمين، لان الضرر يوجد في الحالتين جميعا. المسألة الرابعة: وأما اختلافهم في مدة الايلاء، فإن مالكا ومن قال بقوله يرى أن مدة الايلاء يجب أن تكون أكثر من أربعة أشهر إذ كان الفئ عندهم إنما هو بعد الاربعة

[ 82 ]

الاشهر، وأما أبو حنيفة فإن مدة الايلاء عنده هي الاربعة الاشهر فقط إذ كان الفئ عنده إنما هو فيها، وذهب الحسن وابن أبي ليلى إلى أنه إذا حلف وقتا ما وإن كان أقل من أربعة أشهر كان موليا يضرب له الاجل إلى انقضاء الاربعة الاشهر من وقت اليمين. وروي عن ابن عباس أن المولي هو من حلف أن لا يصيب امرأته على التأبيد. والسبب في اختلافهم في المدة إطلاق الآية، فاختلافهم في وقت الفئ، وفي صفة اليمين ومدته هو كون الآية عامة في هذه المعاني أو مجملة، وكذلك اختلافهم في صفة المولي والمولى منها ونوع الطلاق على ما سيأتي بعد. وأما ما سوى ذلك فسبب اختلافهم فيه هو سبب السكوت عنها. وهذه هي أركان الايلاء: أعني معرفة نوع اليمين ووقت الفئ، والمدة، وصفة المولى منها، ونوع الطلاق الواقع فيه. المسألة الخامسة: فأما الطلاق الذي يقع بالايلاء فعند مالك والشافعي أنه رجعي، لان الاصل أن كل طلاق وقع بالشرع أنه يحمل على أنه رجعي إلى أن يدل الدليل على أنه بائن، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: هو بائن، وذلك أنه إن كان رجعيا لم يزل الضرر عنها بذلك لانه يجبرها على الرجعة. فسبب الاختلاف: معارضة المصلحة المقصودة بالايلاء للاصل المعروف في الطلاق، فمن غلب الاصل قال: رجعي، ومن غلب المصلحة قال بائن. المسألة السادسة: وأما هل يطلق القاضي إذا أبى الفئ أو الطلاق أو يحبس حتى يطلق، فإن مالكا قال: يطلق القاضي عليه، وقال أهل الظاهر: يحبس حتى يطلقها بنفسه. وسبب الخلاف: معارضة الاصل المعروف في الطلاق للمصلحة، فمن راعى الاصل المعروف في الطلاق قال: لا يقع طلاق إلا من الزوج، ومن راعى الضرر الداخل من ذلك على النساء قال: يطلق السلطان وهو نظر إلى المصلحة العامة، وهذا هو الذي يعرف بالقياس المرسل، والمنقول عن مالك العمل به، وكثير من الفقهاء يأبى ذلك. المسألة السابعة: وأما هل يتكرر الايلاء إذا طلقها ثم راجعها؟ فإن مالكا يقول: إذا راجعها فلم يطأها تكرر الايلاء عليه، وهذا عنده في الطلاق الرجعي والبائن. وقال أبو حنيفة: الطلاق البائن يسقط الايلاء وهو أحد قولي الشافعي، وهذا القول هو الذي اختاره المزني. وجماعة العلماء على أن الايلاء لا يتكرر بعد الطلاق إلا بإعادة اليمين. والسبب في اختلافهم: معارضة المصلحة لظاهر شرط الايلاء. وذلك أنه لا إيلاء في الشرع إلا حيث يكون يمين في ذلك النكاح بنفسه لا في نكاح آخر، ولكن إن راعينا هذا وجد الضرر المقصود إزالته بحكم الايلاء، ولذلك رأى مالك أنه يحكم بحكم الايلاء بغير يمين إذا وجد معنى الايلاء. المسألة الثامنة: وأما هل تلزم الزوجة المولى منها عدة أو ليس تلزمها؟ فإن الجمهور على أن العدة تلزمها، وقال جابر بن زيد: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الاربعة الاشهر ثلاث حيض. وقال بقوله طائفة، وهو مروي عن ابن عباس. وحجته أن العدة إنما

[ 83 ]

وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة. وحجة الجمهور أنها مطلقة فوجب أن تعتد كسائر المطلقات. وسبب الخلاف: أن العدة جمعت عبادة ومصلحة. فمن لحظ جانب المصلحة لم ير عليها عدة، ومن لحظ جانب العبادة أوجب عليها العدة. المسألة التاسعة: وأما إيلاء العبد، فإن مالكا قال: إيلاء العبد شهران على النصف من إيلاء الحر، قياسا على حدوده وطلاقه. وقال الشافعي وأهل الظاهر: إيلاؤه مثل إيلاء الحر أربعة أشهر تمسكا بالعموم. والظاهر أن تعلق الايمان بالحر والعبد سواء، والايلاء يمين، وقياسا أيضا على مدة العنين، وقال أبو حنيفة: النقص الداخل على الايلاء معتبر بالنساء لا بالرجال كالعدة، فإن كانت المرأة حرة كان الايلاء إيلاء الحر وإن كان الزوج عبدا، وإن كانت أمة فعلى النصف. وقياس الايلاء على الحد غير جيد، وذلك أن العبد إنما كان حده أقل من حد الحر، لان الفاحشة منه أقل قبحا، ومن الحر أعظم قبحا، ومدة الايلاء إنما ضربت جمعا بين التوسعة على الزوج وبين إزالة الضرر عن الزوجة، فإذا فرضنا مدة أقصر من هذه كان أضيق على الزوج وأنفى للضرر على الزوجة، والحر أحب التوسعة ونفي الضرر عنه، فلذلك كان يجب على هذا القياس أن لا ينقص من الايلا إلا إذا كان الزوج عبدا والزوجة حرة فقط، وهذا لم يقل به أحد، فالواجب التسوية. والذين قالوا بتأثير الرق في مدة الايلاء اختلفوا في زوال الرق بعد الايلاء، هل ينتقل إلى إيلاء الاحرار أم لا؟ فقال مالك: لا ينتقل من إيلاء العبيد إلى إيلاء الاحرار، وقال أبو حنيفة: ينتقل، فعنده أن الامة إذا عتقت وقد آلى زوجها منها انتقلت إلى إيلاء الاحرار، وقال ابن القاسم: الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا إيلاء عليها، فإن وقع وتمادى حسبت الاربعة الاشهر من يوم بلغت، وإنما قال ذلك لانه لاضرر عليها في ترك الجماع، وقال أيضا لا إيلاء على خصي ولا على من لا يقدر على الجماع. المسألة العاشرة: وأما هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا؟ فإن الجمهور ذهبوا إلى أن ذلك ليس من شرطها، وأما مالك فإنه قال: إذا لم يطأ فيها من غير عذر: مرض أو ما أشبه ذلك فلا رجعة عنده له عليها وتبقى على عدتها، ولا سبيل له إليها إذا انقضت العدة. وحجة الجمهور أنه لا يخلو أن يكون الايلاء يعود برجعته إياها في العدة أو لا يعود، فإن عاد لم يعتبر واستؤنف الايلاء من وقت الرجعة، أعني تحسب مدة الايلاء من وقت الرجعة، وإن لم يعد إيلاء لم يعتبر أصلا إلا على مذهب من يرى أن الايلاء يكون بغير يمين، وكيفما كان فلا بد من اعتبار الاربعة الاشهر من وقت الرجعة، وأما مالك فإنه قال: كل رجعة من طلاق كان لرفع ضرر، فإن صحة الرجعة معتبرة فيه بزوال ذلك الضرر، وأصله المعسر بالنفقة إذا طلق عليه ثم ارتجع، فإن رجعته تعتبر صحتها بيساره. فسبب الخلاف: قياس الشبه، وذلك أن من شبه الرجعة بابتداء النكاح أوجب فيها تجدد الايلاء، ومن شبه هذه الرجعة برجعة المطلق لضرر لم يرتفع منه ذلك الضرر قال: يبقى على الاصل.

[ 84 ]

كتاب الظهار والاصل في الظهار: الكتاب والسنة. فأما الكتاب فقوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) * الآية. وأما السنة فحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أويس بن الصامت، فجئت رسول الله (ص) أشكو إليه، ورسول الله يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما خرجت حتى أنزل الله * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) * الآيات، فقال: ليعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا. قالت: ما عنده من شئ يتصدق به، قال فإني سأعينه بعرق من تمر. قالت: وأنا أعينه بعرق آخر، قال لقد أحسنت.. اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا خرجه أبو داود. وحديث سلمة بن صخر البياضي عن النبي (ص). والكلام في أصول الظهار ينحصر في سبعة فصول. منها في ألفاظ الظهار، ومنها في شروط وجوب الكفارة فيه، ومنها فيمن يصح فيه الظهار، ومنها فيما يحرم على المظاهر، ومنها هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح؟ ومنها هل يدخل الايلاء عليه؟. ومنها القول في أحكام كفارة الفصل الاول: في ألفاظ الظهار واتفق الفقهاء على أن الرجل إذا قال الظهار لزوجته: أنت علي كظهر أمي أنه ظهار، واختلفوا إذا ذكر عضوا غير الظهر، أو ذكر ظهر من تحرم عليه من المحرمات النكاح على التأبيد غير الام، فقال مالك: هو ظهار، وقال جماعة من العلماء: لا يكون ظهارا إلا بلفظ الظهر والام. وقال أبو حنيفة: يكون بكل عضو يحرم النظر إليه. وسبب اختلافهم: معارضة المعنى للظاهر، وذلك أن معنى التحريم تستوي فيه الام وغيرها من المحرمات، والظهر

[ 85 ]

وغيره من الاعضاء، وأما الظاهر من الشرع، فإنه يقتضي أن لا يسمى ظهارا إلا ما ذكر فيه لفظ الظهر والام. وأما إذا قال: هي علي كأمي ولم يذكر الظهر، فقال أبو حنيفة والشافعي: ينوي في ذلك لانه قد يريد بذلك الاجلال لها وعظم منزلتها عنده، وقال مالك: هو ظهار. وأما من شبه زوجته بأجنبية لا تحرم عليه على التأبيد، فإنه ظهار عند مالك، وعن ابن الماجشون: ليس بظهار. وسبب الخلاف: هل تشبيه الزوجة بمحرمة غير مؤبدة التحريم كتشبيهها بمؤبدة التحريم؟. الفصل الثاني: في شروط وجوب الكفارة فيه وأما شروط وجو ب الكفارة، فإن الجمهور على أنها لا تجب دون العود، وشذ مجاهد وطاوس فقالا: لا تجب دون العود، ودليل الجمهور قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) * وهو نص في معنى وجوب تعلق الكفارة بالعود، وأيضا فمن طريق القياس، فإن الظهار يشبه الكفارة في اليمين، فكما أن الكفارة إنما تلزم بالمحافظة أو بإرادة المخالفة، كذلك الامر في الظهار. وحجة مجاهد وطاوس أنه معنى يوجب الكفارة العليا فوجب أن يوجبها بنفسه لا بمعنى زائد تشبيها بكفارة القتل والفطر، وأيضا قالوا: إنه طلاق الجاهلية فنسخ تحريمه بالكفارة وهو معنى قوله تعالى: * (ثم يعودون لما قالوا) * والعود عندهم هو العود في الاسلام. فأما القائلون باشتراط العود في إيجاب الكفارة، فإنهم اختلفوا فيه ما هو؟ فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: أن العود هو أن يعزم على إمساكها والوطئ معا. والثانية: أن يعزم على وطئها فقط، وهي الرواية الصحيحة المشهورة عن أصحابه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. والرواية الثالثة: أن العود هو نفس الوطئ. وهي أضعف الروايات عند أصحابه. وقال الشافعي: العود هو الامساك نفسه. قال: ومن مضى له زمان يمكنه أن يطلق فيه ولم يطلق ثبت أنه عائد ولزمته الكفارة، لان إقامته زمانا يمكن أن يطلق فيه من غير أن يطلق يقوم مقام إرادة الامساك منه، أو هو دليل ذلك. وقال داود وأهل الظاهر: العود هو أن يكرر لفظ الظهار ثانية، ومتى لم يفعل ذلك فليس بعائد ولا كفارة عليه. فدليل الرواية المشهورة لمالك ينبني على أصلين: أحدهما: أن المفهوم من الظهار هو أن وجوب الكفارة فيه إنما يكون بإرادته العود إلى ما حرم على نفسه بالظهار وهو الوطئ. وإذا كان ذلك كذلك وجب أن تكون العودة هي إما الوطئ نفسه، وإما العزم عليه وإرادته. والاصل الثاني: ليس يمكن أن يكون العود نفسه هو وطئ لقوله تعالى في الآية: * (فتحرير رقبة

[ 86 ]

من قبل أن يتماسا) * ولذلك كان الوطئ محرما حتى يكفر. قالوا: ولو كان العود نفسه هو الامساك لكان الظهار نفسه يحرم الامساك فكان الظهار يكون طلاقا. وبالجملة فالمعول عليه عندهم في هذه المسألة هو الطريق الذي يعرفه الفقهاء بطريق السبر والتقسيم، وذلك أن معنى العود لا يخلو أن يكون تكرار اللفظ على ما يراه داود، أو الوطئ نفسه، أو الامساك نفسه، أإرادة الوطئ. ولا يكون تكرار اللفظ، لان ذلك تأكيد والتأكيد لا يوجب الكفارة، ولا يكون إرادة الامساك للوطئ، فإن الامساك موجود بعد، فقد بقي أن يكون إرادة الوطئ، وإن كان إرادة الامساك للوطئ فقد أراد الوطئ، فثبت أن العود هو الوطئ. ومعتمد الشافعية في إجرائهم أرادة الامساك، أو الامساك للوطئ مجرى إرادة الوطئ أن الامساك يلزم عنه الوطئ فجعلوا لازم الشئ مشبها بالشئ، وجعلوا حكمهما واحدا، وهو قريب من الرواية الثانية، وربما استدلت الشافعية على أن إرادة الامساك هو السبب في وجوب الكفارة أن الكفارة ترتفع بارتفاع الامساك، وذلك إذا طلق إثر الظهار، ولهذا احتاط مالك في الرواية الثانية، فجعل العود هو إرادة الامرين جميعا: أعني الوطئ والامساك، وأما أن يكون العود الوطئ فضعيف ومخالف للنص، والمعتمد فيها تشبيه الظهار باليمين: أي كما أن كفارة اليمين إنما تجب بالحنث كذلك الامر ههنا، وهو قياس شبه عارضه النص. وأما داود فإنه تعلق بظاهر اللفظ في قوله تعالى: * (ثم يعودون لما قالوا) * وذلك يقتضي الرجوع إلى القول نفسه، وعند أبي حنيفة أنه العود في الاسلام إلى ما تقدم من ظهارهم في الجاهلية. وعند مالك والشافعي أن المعنى في الآية: ثم يعودون فيما قالوا. وسبب الخلاف: بالجملة إنما هو مخالفة الظاهر للمفهوم، فمن اعتمد المفهوم جعل العودة إرادة الوطئ أو الامساك، وتأول معنى اللام في قوله تعالى: * (ثم يعودون لما قالوا) * بمعنى الفاء، وأما من اعتمد الظاهر فإنه جعل العودة تكرير اللفظ، وأن العودة الثانية إنما هي ثانية للاولى التي كانت منهم في الجاهلية. ومن تأول أحد هذين، فالاشبه له أن يعتقد أن بنفس الظهار تجب الكفارة كما اعتقد ذلك مجاهد، إلا أن يقدر في الآية محذوفا وهو إرادة الامساك، فهنا إذن ثلاثة مذاهب: إما أن تكون العودة هي تكرار اللفظ، وإما أن تكون إرادة الامساك، وإما أن تكون العودة التي هي في الاسلام، وهذان ينقسمان قسمين: أعني الاول والثالث: أحدهما: أن يقدر في الآية محذوفا، وهو إرادة الامساك فيشترط هذه الارادة في وجوب الكفارة، وإما ألا يقدر فيها محذوفا فتجب الكفارة بنفس الظهار. واختلفوا من هذا الباب في فروع وهو: هل إذا طلق قبل إرادة الامساك أو ماتت عنه زوجته هل تكون عليه كفارة أم لا؟ فجمهور العلماء على أن لا كفارة عليه إلا أن يطلق بعد إرادة العودة أو بعد

[ 87 ]

الامساك بزمان طويل على ما يراه الشافعي وحكي عن عثمان البتي أن عليه الكفارة بعد الطلاق، وأنها إذا ماتت قبل إرادة العودة لم يكن له سبيل إلى ميراثها إلا بعد الكفارة. وهذا شذوذ مخالف للنص. والله أعلم. الفصل الثالث: فيمن يصح فيه الظهار واتفقوا على لزوم الظهار من الزوجة التي في العصمة، واختلفوا في الظهار من الامة ومن التي في غير العصمة، وكذلك اختلفوا في ظهار المرأة من الرجل. فأما الظهار من الامة فقال مالك والثوري وجماعة: الظهار منها لازم كالظهار من الزوجة الحرة، وكذلك المدبرة وأم الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا ظهار من أمة، وقال الاوزاعي: إن كان يطأ أمته فهو منها مظاهر، وإن لم يطأها فهي يمين وفيها كفارة يمين، وقال عطاء: هو مظاهر لكن عليه نصف كفارة. فدليل من أوقع ظهار الامة عموم قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم) * والاماء من النساء. وحجة من لم يجعله ظهارا أنهم قد أجمعوا أن النساء في قوله تعالى: * (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * هن ذوات الازواج، فكذلك اسم النساء في آية الظهار. فسبب الخلاف: معارضة قياس الشبه للعموم: أعني تشبيه الظهار بالايلاء وعموم لفظ النساء، أعني أن عموم اللفظ يقتضي دخول الاماء في الظهار وتشبيهه بالايلاء يقتضي خروجهن من الظهار. وأما هل من شرط الظهار كون المظاهر منها في العصمة أم لا؟ فمذهب مالك أن ذلك ليس من شرطه، وأن من عين امرأة ما بعينها وظاهر منها بشرط التزويج كان مظاهرا منها، وكذلك إن لم يعين وقال: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي، وذلك بخلاف الطلاق وبقول مالك في الظهار قال أبو حنيفة والثوري والاوزاعي، وقال قائلون: لا يلزم الظهار إلا فيما يملك الرجل، وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور وداود، وفرق قوم فقالوا: إن أطلق لم يلزمه ظهار وهو أن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي، فإن قيد لزمه وهو أن يقول: إن تزوجت فلانة أو سمى قرية أو قبيلة، وقائل هذا القول هو ابن أبي ليلى والحسن بن حي. ودليل الفريق الاول قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * ولانه عقد على شرط الملك فأشبه إذا ملك، والمؤمنون عند شروطهم، وهو قول عمر. وأما حجة الشافعي فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك، ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك خرجه أبو داود والترمذي. والظهار شبيه بالطلاق، وهو قول ابن عباس. وأما الذين فرقوابين التعميم والتعيين، فإنهم رأوا أن التعميم في الظهار من باب الحرج، وققال الله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من

[ 88 ]

حرج) *. واختلفوا أيضا من هذا لباب في: هل تظاهر المرأة من الرجل؟ فعن العلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه لا يكون منها ظهار، وهو قول مالك والشافعي. والثاني: أن عليها كفارة يمين. والثالث: أن عليها كفارة الظهار. ومعتمد الجمهور تشبيه الظهار بالطلاق، ومن ألزم المرأة الظهار فتشبيها للظهار باليمين، ومن فرق فلانه رأى أن أقل اللازم لها في ذلك المعنى هو كفارة يمين وهو ضعيف. وسبب الخلاف: تعارض الاشياء في هذا المعنى. الفصل الرابع: فيما يحرم على المظاهر واتفقوا على أن المظاهر يحرم عليه الوطئ. واختلفوا فيما دونه من ملامسة ووطئ في غير الفرج ونظر اللذة، فذهب مالك إلى أنه يحرم الجماع وجميع أنواع الاستمتاع مما دون الجمامن الوطئ فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها من سائر بدنها ومحاسنها، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط، وقال الشافعي: إنما يحرم الظهار الوطئ في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عدا ذلك، وبه قال الثوري وأحمد وجماعة. ودليل مالك قوله تعالى: * (من قبل أن يتماسا) * وظاهر لفظ التماس يقتضي المباشرة فما فوقها، ولانه أيضا لفظ حرمت ت به عليه فأشبه لفظ الطلاق، ودليل قول الشافعي أن المباشرة كناية ههنا عن الجماع بدليل إجماعهم على أن الوطئ محرم عليه، وإذا دلت على الجماع لم تدل على ما فوق الجماع لانها إما أن تدل على ما فوق الجماع، وإما أن تدل على الجماع، وهي الدلالة المجازية، ولكن قد اتفقوا على أنها دالة على الجماع فانتفت الدلالة المجازية، إذ لا يدل لفظ واحد دلالتين: حقيقة ومجازا. قلت: الذين يرون أن اللفظ المشترك له عموم لا يبعد أن يكون اللفظ الواحد عندهم يتضمن المعنيين جميعا: أعني الحقيقة والمجاز، وإن كان لم تجر به عادة للعرب، ولذلك القول به في غاية من الضعف، ولو علم أن للشرع فيه تصرفا لجاز، وأيضا فإن الظهار مشبه عندهم بالايلاء، فوجب أن يختص عندهم بالفرج. الفصل الخامس: هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح؟ وأما تكرر الظهار بعد الطلاق: أعني إذا طلقها بعد الظهار قبل أن يكفر ثم راجعها هل يتكرر عليها الظهار فلا يحل له المسيس حتى يكفر؟ فيه خلاف. قال مالك: إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها فعليه الكفارة، وقال الشافعي: إن راجعها في العدة فعليه الكفارة، وإن راجعها في غير العدة فلا كفارة عليه، وعنه قول آخر مثل قول

[ 89 ]

مالك. وقال محمد ابن الحسن: الظهار راجع عليها نكحها بعد الثلاث أو بعد واحدة، وهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق ثم يطلق ثم يراجع هل تبقى تلك اليمين عليه أم لا؟ وسبب الخلاف: هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ويهدمها، أو لا يهدمها؟ فمنهم من رأى أن البائن الذي هو الثلاث يهدم، وأن ما دون الثلاث لا يهدم، ومنهم من رأى أن الطلاق كله غير هادم، وأحسب أن من الظاهرية من يرى أنه كله هادم. الفصل السادس: في دخول الايلاء عليه وأما هل يدخل الايلاء على الظهار إذا كان مضارا، وذلك بأن لا يكفر مع قدرته على الكفارة؟ فإن فيه أيضا اختلافا، فأبو حنيفة والشافعي يقولان: لا يتداخل الحكمان، لان حكم الظهار خلاف حكم الايلاء، وسواء أكان عندهم مضارا أو لم يكن، وبه قال الاوزاعي وأحمد وجماعة. وقال مالك: يدخل الايلاء على الظهار بشرط أن يكون مضارا وقال الثوري: يدخل الايلاء على الظهار، وتبين منه بانقضاء الاربعة الاشهر من غير اعتبار المضارة، ففيه ثلاثة أقوال: قول إنه يدخل بإطلاق، وقول إنه لا يدخل بإطلاق، وقول إنه يدخل مع المضارة ولا يدخل مع عدمها. وسبب الخلاف: مراعاة المعنى واعتبار الظاهر، فمن اعتبر الظاهر قال: لا يتداخلان، ومن اعتبر المعنى قال: يتداخلان إذا كان القصد الضرر. الفصل السابع: في أحكام كفارة الظهار والنظر في كفارة الظهار في أشياء، منها في عدد أنواع الكفارة وترتيبها، وشروط نوع منها: أعني الشروط المصححة. ومتى تجب كفارة واحدة، ومتى تجب أكثر من واحدة؟ فأما أنواعها فإنهم أجمعوا على أنها ثلاثة أنواع: إعتاق رقبة. أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، وأنها على الترتيب، فالاعتاق أولا، فإن ليكن فالصيام، فإن لم يكن فالاطعام، هذا في الحر، واختلفوا في العبد يكفر بالعتق أو بالاطعام بعد اتفاقهم أن الذي يبدأ به الصيام أعني إذا عجز عن الصيام، فأجاز للعبد العتق إن أذن له سيده: أبو ثور وداود، وأبى ذلك سائر العلماء. وأما الاطعام فأجازه له مالك إن أطعم بإذن سيده، ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي. ومبنى الخلاف: في هذه المسألة هل يملك العبد أو لا يملك؟ وأما اختلافهم في الشروط المصححة: فمنها اختلافهم إذا وطئ في صيام الشهرين هل عليه استئناف الصيام أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة: يستأنف الصيام، إلا أن أبا حنيفة شرط في ذلك العمد، ولم يفرق مالك بين العمد في ذلك والنسيان، وقال الشافعي لا يستأنف على حال. وسبب الخلاف: تشبيه كفارة الظهار بكفارة اليمين والشرط الذي ورد في كفارة الظهار: أعني أن تكون قبل المسيس، فمن اعتبر هذا الشرط قال: يستأنف

[ 90 ]

الصوم، ومن شبهه بكفارة اليمين قال: لا يستأنف، لان الكفارة في اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق. ومنها هل من شرط الرقبة أن تكون مؤمنة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك شرط في الاجزاء، وقال أبو حنيفة: يجزئ في ذلك رقبة الكافر، ولا يجزئ عندهم إعتاق الوثنية والمرتدة ودليل الفريق الاول أنه إعتاق على وجه القربة فوجب أن تكون مسلمة أصله الاعتاق في كفارة القتل، وربما قالوا إن هذا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب حمل المطلق على المقيد، وذلك أنه قيد الرقبة بالايمان في كفارة القتل وأطلقها في كفارة الظهار فيجب صرف المطلق إلى المقيد. وهذا النوع من حمل المطلق على المقيد فيه خلاف، والحنفية لا يجيزونه، وذلك أن الاسباب في القضيتين مختلفة. وأما حجة أبي حنيفة فهو ظاهر العموم، ولا معارضة عنده بين المطلق والمقيد، فوجب عنده أن يحمل كل على لفظه. ومنها اختلافهم هل من شرط الرقبة أن تكون سالمة من العيوب أم لا؟ ثم إن كانت سليمة فمن أي العيوب تشترط سلامتها؟ فالذي عليه الجمهور أن للعيوب تأثيرا في منع إجزاء العتق، وذهب قوم إلى أنه ليس لها تأثير في ذلك، وحجة الجمهور تشبيهها بالاضاحي والهدايا لكون القربة تجمعهما وحجة الفريق الثاني إطلاق اللفظ في الآية. فسبب الخلاف: معارضة الظاهر لقياس الشبه. والذين قالوا إن للعيوب تأثيرا في منع الاجزاء اختلفوا في عيب عيب مما يعتبر في الاجزاء أو عدمه. أما العمى وقطع اليدين أو الرجلين فلا خلاف عندهم في أنه مانع للاجزاء، واختلفوا فيما دون ذلك، فمنها هل يجوز قطع اليد الواحدة؟ أجازه أبو حنيفة، ومنعه مالك والشافعي. وأما الاعور فقال مالك: لا يجزئ، وقال عبد الملك: يجزئ: وأما قطع الاذنين فقال مالك: لا يجزئ، وقال أصحاب الشافعي: يجزئ. وأما الاصم فاختلف فيه في مذهب مالك، فقيل يجزئ. وقيل لا يجزئ. وأما الاخرس فلا يجزئ عند مالك، وعن الشافعي في ذلك قولان. أما المجنون فلا يجزئ. أما الخصي فقال ابن القاسم: لا يعجبني الخصي، وقال غيره لا يجزئ، وقال الشافعي: يجزئ. وإعتاق الصغير جائز في قوله عامة فقهاء الامصار، وحكي عن بعض المتقدمين منعه. والعرج الخفيف في المذهب يجزئ، أما البين العرج فلا. والسبب في اختلافهم: في قدر النقص المؤثر في القربة، وليس له أصل في الشرع إلا الضحايا. وكذلك لا يجزئ في المذهب ما فيه شركة أو طرف حرية كالكتابة والتدبير لقوله تعالى: * (فتحرير رقبة) * والتحرير هو ابتداء الاعتاق، وإذا كان فيه عقد من عقود الحرية كالكتابة كان تنجيزا لا إعتاقا، وكذلك الشركة لان بعض الرقبة ليس برقبة. وقالوا أبو حنيفة: إن كان المكاتب أدى شيئا من مال الكتابة لم يجز. وإن كان لم يؤد جاز، واختلفوا

[ 91 ]

هل يجزيه عتق مدبره؟ فقال مالك: لا يجزيه تشبيها بالكتابة لانه عقد ليس له حلة، وقال الشافعي: يجزيه، ولا يجزي عند مالك إعتاق أم ولده ولا المعتق إلى أجل مسمى. وأما عتق أم الولد فلان عقدها آكد من عقد الكتابة والتدبير، بدليل أنهما قد يطرأ عليهما الفسخ. أما في الكتابة فمن العجز عن أداء النجوم. وأما التدبير فإذا ضاق عنه الثلث. وأما العتق إلى أجل فإنه عقد عتق لا سبيل إلى حله. واختلف مالك والشافعي مع أبي حنيفة في إجزاء عتق من يعتق عليه بالنسب، فقال مالك والشافعي: لا يجزئ عنه وقال أبو حنيفة: إذا نوى به عتقه عن ظهار أجزأ. فأبو حنيفة شبهه بالرقبة التي لا يجب عتقها، وذلك أن كل واحدة من الرقبتين غير واجب عليه شراؤها وبذل القيمة فيها على وجه العتق، فإذا نوى بذلك التكفير جاز، والمالكية والشافعية رأت أنه إذا اشترى من يعتق عليه عتق عليه من غير قصد إلى إعتاقه فلا يجزيه، فأبو حنيفة أقام القصد للشراء مقام العتق، وهؤلاء قالوا: لا بد أن يكون قاصدا للعتق نفسه، فكلاهما يسمى معتقا باختياره، ولكن أحدهما معتق بالاختيار الاول، والآخر معتق بلازم الاختيار، فكأنه معتق على القصد الثاني ومشتر على القصد الاول، والآخر بالعكس. واختلف مالك والشافعي فيمن أعتق نصفي عبدين. فقال مالك: لا يجوز ذلك، وقال الشافعي: يجوز لانه في معنى الواحد ومالك تمسك بظاهر دلالة اللفظ. فهذا ما اختلفوا فيه من شروط الرقبة المعتقة. وأما شروط الاطعام فإنهم اختلفوا من ذلك في القدر الذي يجزي لمسكين مسكين من الستين مسكينا الذين وقع عليهم النص، فعن مالك في ذلك روايتان أشهرهما أن ذلك مد بمد هشام لكل واحد، وذلك مدان بمد النبي (ص)، وقد قيل هو أقل، وقد قيل هو مد وثلث. وأما الرواية الثانية فمد مد لكل مسكين بمد النبي (ص)، وبه قال الشافعي. فوجه الرواية الاولى اعتبار الشبع غالبا: أعني الغداء والعشاء، ووجه الرواية الثانية اعتبار هذه الكفارة بكفارة اليمين. فهذا هو اختلافهم في شروط الصحة في الواجبات في هذه الكفارة. وأما اختلافهم في مواضع تعددها ومواضع اتحادها، فمنها إذا ظاهبكلمة واحدة من نسوة أكثر من واحدة هل يجزي في ذلك كفارة واحدة، أم يكون عدد الكفارات على عدد النسوة؟ فعند مالك أنه يجزي في ذلك كفارة واحدة، وعند الشافعي وأبي حنيفة أن فيها من الكفارات بعدد المظاهر منهن إن اثنتين فاثنتين. وإن ثلاثا فثلاثا، وإن أكثر فأكثر، فمن شبهه بالطلاق أوجب في كل واحدة كفارة، ومن شبهه بالايلاء أوجب فيه كفارة واحدة، وهو بالايلاء أشبه. ومنها إذا ظاهر من امرأته في مجالس شتى هل عليه كفارة واحدة، أو على عدد المواضع التي ظاهر فيها؟ فقال مالك: ليس عليه إلا كفارة واحدة، إلا أن يظاهر ثم يكفر ثم يظاهر فعليه كفارة ثانية، وبه قال الاوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفارة. وأما إذا كان ذلك في مجلس واحد فلا خلاف عند مالك أن في ذلك كفارة واحدة. وعند أبي حنيفة أن

[ 92 ]

ذلك راجع إلى نيته، فإن قصد التأكيد كانت الكفارة واحدة، وإن أراد استئناف الظهار كان ما أراد ولزمه من الكفارات على عدد الظهار. وقال يحيى بن سعيد: تلزم الكفارة على عدد الظهار سواء أكان في مجلس واحد أو في مجالس شتى. والسبب في هذا الاختلاف: أن الظهار الواحد بالحقيقة هو الذي يكون بلفظ واحد من امرأة واحدة في وقت واحد، والمتعدد بلا خلاف هو الذي يكون بلفظين من امرأتين في وقتين، فإن كرر اللفظ من امرأة واحدة، فهل يوجب تعدد اللفظ تعدد الظهار، أم لا يوجب ذلك فيه تعددا؟ وكذلك إن كان اللفظ واحدا والمظاهر منها أكثر من واحدة؟ وذلك أن هذه بمنزلة المتوسطات بين ذينك الطرفين، فمن غلب شبه الطرف الواحد أوجب له حكمه، ومن غلب شبه الطرف الثاني أوجب له حكمه. ومنها إذا ظاهر من امرأته ثم مسها قبل أن يكفر هل عليه كفارة واحدة أم لا؟ فأكثر فقهاء الامصار: مالك والشافعي وأبو حنيفة والثور والاوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأبو عبيد أن في ذلك كفارة واحدة والحجة لهم حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته في زمان رسول الله (ص) ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، فأتى رسول الله (ص) فذكر له ذلك فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا. وقال قوم: عليه كفارتان: كفارة العزم على الوطئ، وكفارة الوطئ، لانه وطئ وطأ محرما، وهو مروي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب وسعيد بن جبير وابن شهاب، وقد قيل: إنه لا يلزمه شئ لا عن العود ولا عن الوطئ، لان الله تعالى اشترط صحة الكفارة قبل المسيس، فإذا مس فقد خرج وقتها فلا تجب إلا بأمر مجدد، وذلك معدوم في مسألتنا. وفيه شذوذ. وقال أبو محمد ابن حزم: من كان فرضه الاطعام فليس يحرم عليه المسيس قبل الاطعام، وإنما يحرم المسيس على من كان فرضه العتق أو الصيام.

[ 93 ]

كتاب اللعان والقول فيه يشتمل على خمسة فصول بعد القول بوجوبه. الفصل الاول: في أنواع الدعاوى الموجبة له وشروطها. الفصل الثاني: في صفات المتلاعنين. الفصل الثالث: في صفة اللعان. الفصل الرابع: في حكم نكول أحدهما أو رجوعه. الفصل الخامس: في الاحكام اللازمة لتمام اللعان. فأما الاصل في وجوب اللعان: أما من الكتاب فقوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) * الآية. وأما من السنة فما رواه مالك وغيره من مخرجي الصحيح من حديث عويمر العجلاني إذ جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني رجل من قومه فقال له: يا عاصم.. أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه؟ أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول الله (ص)، فسأل عاصم عن ذلك رسول الله (ص)، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم.. ماذا قال لك رسول الله (ص)؟ فقال: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله (ص) المسألة التي سألت عنها، فقال: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله (ص) وسط الناس فقال: يا رسول الله.. أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله (ص): قد نزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فائت بها، وقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله (ص)، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره بذلك رسول الله (ص). قال مالك: قال ابن شهاب: فلم تزل تلك سنة المتلاعنين. وأيضا من جهة المعنى لما كان الفراش موجبا للحوق النسب كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده وتلك الطريق هي اللعان. فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والاجماع، إذ لا خلاف في ذلك أعلمه، فهذا هو القول في إثبات حكمه. الفصل الاول: في أنواع الدعاوى الموجبة له وشروطها وأما صور الدعاوى التي يجب بها اللعان فهي أولا صورتان: إحداهما: دعوى الزنا، والثانية: نفي الحمل، ودعوى الزنا لا يخلو أن تكون مشاهدة: أعني أن يدعي أنه

[ 94 ]

شاهدها تزني كما يشهد الشاهد على الزنا، أو تكون دعوى مطلقة. وإذا نفى الحمل فلا يخلو أن ينفيه أيضا نفيا مطلقا، أو يزعه انه لم يقربها بعد استبرائها، فهذه أربعة أحوال بسائط، وسائر الدعاوى تتركب عن هذه، مثل أن يرميها بالزنا وينفي الحمل، أو يثبت الحمل ويرميها بالزنى. فأما وجوب اللعان بالقذف بالزنا إذا ادعى الرؤية فلا خلاف فيه، قالت المالكية: إذا زعم أنه لم يطأها بعد، وأما وجوب اللعان بمجرد القذف، فالجمهور على جوازه: الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وداود وغيرهم. وأما المشهور عن مالك، فإنه لا يجوز اللعان عنده بمجرد القذف، وقد قال ابن القاسم أيضا: إنه يجوز، وهي أيضا رواية عن مالك. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم) * الآية، ولم يخص في الزنا صفة دون صفة، كما قال في إيجاب حد القذف، وحجة مالك ظواهر الاحاديث الواردة في ذلك، منها قوله في حديث سعد أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا وحديث ابن عباس، وفيه فجاء رسول الله (ص) فقال: والله يا رسول الله لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله (ص) ما جاء به واشتد عليه، فنزلت * (والذين يرمون أزواجهم) * الآية وأيضا فإن الدعوى يجب أن تكون ببينة كالشهادة. وفي هذا الباب فرع اختلف فيه قول مالك، وهو إذا ظهر بها حمل بعد اللعان، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: سقوط الحمل عنه، والاخرى لحوقه به. واتفقوا فيما أحسب أن من شرط الدعوى الموجبة اللعان برؤية الزنا أن تكون في العصمة. واختلفوا فيمن قذف زوجته بدعوى الزنا ثم طلقها ثلاثا هل يكون بينهما لعان أم لا؟ فقال مالك والشافعي والاوزاعي وجماعة: بينهما لعان، وقال أبو حنيفة: لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدا ولا حد، وقال مكحول والحكم وقتادة يحد ولا يلاعن. وأما إن نفى الحمل فإنه كما قلنا على وجهين: أحدهما: أن يدعي أنه استبرأها ولم يطأها بعد الاستبراء، وهذا ما لا خلاف فيه. واختلف قول مالك في الاستبراء، فقال مرة: ثلاث حيض، وقال مرة: حيضة. وأما نفيه مطلقا، فالمشهور عن مالك أنه لا يجب بذلك لعان، وخالفه في هذا الشافعي وأحمد وداود، وقالوا: لا معنى لهذا لان المرأة قد تحمل مع رؤية الدم، وحكى عبد الوهاب عن أصحاب الشافعي أنه لا يجوز نفي الحمل مطلقا من غير قذف واختلفوا من هذا الباب في فرع، وهو وقت نفي الحمل، فقال الجمهور: ينفيه وهي حامل، وشرط مالك أنه متى لم ينفه وهو حمل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان، وقال الشافعي: إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له

[ 95 ]

أن ينفيه بعد الولادة، وقال أبو حنيفة: لا ينفي الولد حتى تضع. وحجة مالك ومن قال بقوله الآثار المتواترة من حديث ابن عباس وابن مسعود وأنس وسهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام حين حكم باللعان بين المتلاعنين قال: إن جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها قالوا: وهذا يدل على أنها كانت حاملا في وقت اللعان. وحجة أبي حنيفة أن الحمل قد ينفش ويضمحل، فلا وجه للعان إلا على يقين. ومن حجة الجمهور أن الشرع قد علق بظهور الحمل أحكاما كثيرة: كالنفقة والعدة ومنع الوطئ، فوجب أن يكون قياس اللعان كذلك، وعند أبي حنيفة أنه يلاعن وإن لم ينف الحمل إلا وقت الولادة، وكذلك ما قرب من الولادة ولم يوقت في ذلك وقتا، ووقت صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: له أن ينفيه ما بين أربعين ليلة من وقت الولادة. والذين أوجبوا اللعان في وقت الحمل اتفقوا على أن له نفيه في وقت العصمة، واختلفوا في نفيه بعد الطلاق، فذهب مالك إلى أن له ذلك في جميع المدة التي يلحق الولد فيها بالفراش، وذلك هو أقصى زمان الحمل عنده وذلك نحو من أربع سنين عنده أو خمس سنين، وكذلك عنده حكم نفي الولد بعد الطلاق إذا لم يزل منكرا له. وبقريب من هذا المعنى قال الشافعي. وقال قوم: ليس له أن ينفي الحمل إلا في العدة فقط وإن نفاه في غير العدة حد وألحق به الولد، فالحكم يجب به عند الجمهور إلى انقضاء أطول مدة الحمل على اختلافهم في ذلك. فإن الظاهرية ترى أن أقصر مدة الحمل التي يجب بها الحكم هو المعتاد من ذلك، وهي التسعة أشهر وما قاربها، ولا اختلاف بينهم أنه يجب الحكم به في مدة العصمة، فما زاد على أقصر مدة الحمل وهي الستة أشهر، أعني أن يولد المولود لستة أشهر من وقت الدخول أو إمكانه. لا من وقت العقد، وشذ أبو حنيفة فقال: من وقت العقد، وإن علم أن الدخول غير ممكن حتى أنه إن تزوج عنده رجل بالمغرب الاقصى امرأة بالمشرق الاقصى فجاءت بولد لرأس ستة أشهر من وقت العقد أنه يلحق به إلا أن ينفيه بلعان، وهو في هذه المسألة ظاهري محض، لانه إنما اعتمد في ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام الولد للفراش وهذه المرأة قد صارت فراشا له بالعقد، فكأنه رأى أن هذه عبادة غير معللة، وهذا شئ ضعيف. واختلف قول مالك من هذا الباب في فرع، وهو أنه إذا ادعى أنها زنت واعترف بالحمل فعنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها: أنه يحد ويلحق به الولد ولا يلاعن. والثانية: أنه يلاعن وينفي الولد. والثالثة: أنه يلحق به الولد ويلاعن ليدرأ الحد عن نفسه. وسبب الخلاف: هل يلتفت إلى إثباته مع موجب نفيه وهدعواه الزنا؟ واختلفوا أيضا من هذا الباب في فرع، وهو إذا أقام الشهود على الزنا هل له أن يلاعن أم لا؟ فقال أبو حنيفة وداود لا يلاعن لان اللعان إنما جعل عو ض الشهود لقوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم

[ 96 ]

شهداء إلا أنفسهم) الآية. وقال مالك والشافعي: يلاعن، لان الشهود لا تأثير لهم في دفع الفراش. الفصل الثاني: في صفات المتلاعنين وأما صفة المتلاعنين، فإن قوما قالوا: يجوز اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد محدودين كانا أو عدلين أو أحدهما، مسلمين كانا أو كان الزوج مسلما والزوجة كتابية، ولا لعان بين كافرين إلا أن يترافعا إلينا، وممن قال بهذا القول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا لعان إلا بين مسلمين حرين عدلين، وبالجملة فاللعان عندهم إنما يجوز لمن كان من أهل الشهادة. وحجة أصحاب القول الاول عموم قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) * ولم يشترط في ذلك شرطا. ومعتمد الحنفية أن اللعان شهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة، إذ قد سماهم الله شهداء لقوله: * (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) * ويقولون إنه لا يكون لعان إلا بين من يجب عليه الحد في القذف الواقع بينهما. وقد اتفقوا على أن العبد لا يحد بقذفه، وكذلك الكافر، فشبهوا من يجب عليه اللعان بمن يجب في قذفه الحد، إذ كان اللعان إنما وضع لدرء الحد مع نفي النسب. وربما احتجوا بمروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) قال لا لعان بين أربعة: العبدين، والكافرين والجمهور يرون أنه يمين وإن كان يسمى شهادة، فإن أحدا لا يشهد لنفسه، وأما أن الشهادة قد يعبر عنها باليمين فذلك بين في قوله تعالى: * (إذا جاءك المنافقون قالوا) * الآية، ثم قال: * (اتخذوا أيمانهم جنة) *. وأجمعوا على جواز لعان الاعمى، واختلفوا في الاخرس، فقال مالك والشافعي يلاعن الاخرس إذا فهم عنه، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن لانه ليس من أهل الشهادة. وأجمعوا على أن من شرطه العقل والبلوغ. الفصل الثالث: في صفة اللعان فأما صفة اللعان فمتقاربة عند جمهور العلماء، وليس بينهم في ذلك كبير خلاف، وذلك على ظاهر ما تقتضيه ألفاظ الآية، فيحلف الزوج أربع شهادات بالله لقد رأيتها تزني وأن ذلك الحمل ليس مني، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد هي أربع شهادات بنقيض ما شهد هو به ثم تخمس بالغضب، هذا كله متفق عليه. واختلف الناس هل يجوز أن يبدل مكان اللعنة الغضب، ومكان الغضب اللعنة، ومكان

[ 97 ]

أشهد أقسم، ومكان قوله بالله غيره من أسمائه؟ والجمهور على أنه لا يجوز من ذلك إلا ما نص عليه من هذه الالفاظ أصله عدد الشهادات وأجمعوا على أن شرط صحته أن يكون بحكم حاكم. الفصل الرابع: في حكم نكول أحدهما أو رجوعه فأما إذا نكل الزوج فقال الجمهور: إنه يحد، وقال أبو حنيفة: إنه لا يحد، ويحبس وحجة الجمهور عموم قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * الآية، وهذا عام في الاجنبي والزوج، وقد جعل الالتعان للزوج مقام الشهود، فوجب إذا نكل أن يكون بمنزلة من قذف ولم يكن له شهود: أعني أنه يحد، وما جاء أيضا من حديث ابن عمر وغيره في قصة العجلاني من قوله عليه الصلاة والسلام إن قتلت قتلت، وإن نطقت جلدت، وإن سكت سكت على غيظ. واحتج الفريق الثاني بأن آية اللعان لم تتضمن إيجاب الحد عليه عند النكول والتعريض لايجابه زيادة في النص، والزيادة عندهم نسخ، والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بأخبار الآحاد، قالوا: وأيضا لو وجب الحد لم ينفعه الالتعان ولا كان له تأثير في إسقاطه، لان الالتعان يمين فلم يسقط به الحد عن الاجنبي، فكذلك الزوج. والحق أن الالتعان يمين مخصوصة، فوجب أن يكون لها حكم مخصوص، وقد نص على المرأة أن اليمين يدرأ عنها العذاب، فالكلام فيما هو العذاب الذي يندرئ عنها باليمين، وللاشتراك الذي في اسم العذاب اختلفوا أيضا في الواجب عليها إذا نكلت، فقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور: إنها تحد، وحدها الرجم إن كان دخل بها ووجدت فيها شروط الاحصان، وإن لم يكن دخل بها فالجلد. وقال أبو حنيفة: إذا نكلت وجب عليها الحبس حتى تلاعن، وحجته قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفبعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس وأيضا فإن سفك الدم بالنكول حكم ترده الاصول، فإنه إذا كان كثير من الفقهاء لا يوجبون غرم المال بالنكول فكان بالحري أن يجب بذلك سفك الدماء. وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لاتراق إلا بالبينة العادلة أو بالاعتراف. ومن الواجب ألا تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك، فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله. وقد اعترف أبو المعالي في كتابه البرهان بقوة أبي حنيفة في هذه المسألة وهو شافعي. واتفقوا على أنه إذا أكذب نفسه حد وألحق به الولد إن كان نفى ولدا. واختلفوا هل له أن يراجعها بعد اتفاق جمهورهم على أن الفرقة تجب باللعان، إما بنفسه وإما بحكم حاكم على ما نقوله بعد: فقال مالك والشافعي والثوري وداود وأحمد وجمهور فقهاء الامصار: إنهما لا يجتمعان أبدا وإن أكذب نفسه، وقال أبو حنيفة وجماعة: إذا أكذب نفسه جلد الحد وكان خاطبا من الخطاب، وقد قال

[ 98 ]

قوم: ترد إليه امرأته. وحجة الفريق الاول قول رسول الله (ص) لا سبيل لك عليها ولم يستثن فأطلق التحريم. وحجة القول الثاني أنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم اللعان، فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه، وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب، فإذا انكشف ارتفع التحريم. الفصل الخامس: في الاحكام اللازمة لتمام اللعان فأما موجبات اللعان، فإن العلماء اختلفوا من ذلك في مسائل: منها هل تجب الفرقة أم لا؟ وإن وجبت فمتى تجب؟ وهل تجب بنفس اللعان أم بحكم حاكم؟ وإذا وقعت فهل هي طلاق أو فسخ؟ فذهب الجمهور إلى أن الفرقة تقع باللعان لما اشتهر من ذلك في أحاديث اللعان من أن رسول الله (ص) فرق بينهما وقال ابن شهاب فيما رواه مالك عنه: فكانت تلك سنة المتلاعنين، ولقوله (ص): لا سبيل لك عليها. وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة: لا يعقب اللعان فرقة، واحتجوا بأن ذلك حكم لم تتضمنه آية اللعان، ولا هو صريح في الاحاديث، لان في الحديث المشهور أنه طلقها بحضرة النبي (ص) فلم ينكر ذلك عليه. وأيضا فإن اللعان إنما شرع لدرء حد القذف. فلم يوجب تحريما تشبيها بالبينة، وحجة الجمهور أنه قد وقع بينهما من التقاطع والتباغض والتهاتر وإبطال حدود الله ما أوجب أن لا يجتمعا بعدها أبدا، وذلك أن الزوجية مبناها على المودة والرحمة وهؤلاء قد عدموا ذلك كل العدم، ولا أقل من أن تكون عقوبتهما الفرقة. وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح. وأما متى تقع الفرقة فقال مالك والليث وجماعة: إنها تقع إذا فرغا جميعا من اللعان. وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج لعانه وقعت الفرقة. وقال أبو حنيفة: لا تقع إلا بحكم حاكم، وبه قال الثوري وأحمد. وحجة مالك على الشافعي حديث ابن عمر قال: فرق رسول الله (ص) بين المتلاعنين وقال: حسابكما على الله، أحدهما كاذب، لاسبيل لك عليها وما روي أنه لم يفرق بينهما إلا بعد تمام اللعان. وحجة الشافعي أن لعانها تدرأ به الحد عن نفسها فقط، ولعان الرجل هو المؤثر في نفي النسب، فوجب إن كان للعان تأثير في الفرقة أن يكون لعان الرجل تشبيها بالطلاق. وحجتهما جميعا على أبي حنيفة أن النبي (ص) أخبرهما بوقوع الفرقة عند وقوع اللعا منهما، فدل ذلك على أن اللعان هو سبب الفرقة. وأما أبو حنيفة فيرى أن الفراق إنما نفذ بينهما بحكمه وأمره (ص) بذلك حين قال لا سبيل لك عليها فرأى أن حكمه شرط في وقوع الفرقة كما أن حكمه شرط في صحة اللعان. فسبب الخلاف: بين من رأى أنه تقع به فرقة، وبين من لم ير ذلك أن تفريق النبي (ص) بينهما ليس هو بينا في الحديث المشهور، لانه بادر بنفسه فطلق قبل أن يخبره بوجوب الفرقة، والاصل أن لا

[ 99 ]

فرقة إلا بطلاق، وأنه ليس في الشرع تحريم يتأبد: أعني متفقا عليه، فمن غلب هذا الاصل على المفهوم لاحتماله نفي وجوب الفرقة قال بإيجابها. وأما سبب اختلاف من اشترط حكم الحاكم أو لم يشترطه فتردد هذا الحكم بين أن يغلب عليه شبه الاحكام التي يشترط في صحتها حكم الحاكم أو التي لا يشترط ذلك فيها. وأما المسألة الرابعة: وهي إذا قلنا إن الفرقة تقع فهل ذلك فسخ أو طلاق، فإن القائلين بالفرقة اختلفوا في ذلك، فقال مالك والشافعي: هو فسخ، وقال أبو حنيفة: هو طلاق بائن. وحجة مالك تأبيد التحريم به فأشبه ذات المحرم. وأما أبو حنيفة فشبهها بالطلاق قياسا على فرقة العنين إذ كانت عنده بحكم حاكم.

[ 100 ]

كتاب الاحداد أجمع المسلمون على أن الاحداد واجب على النساء الحرائر المسلمات في عدة الوفاة إلا الحسن وحده. واختلفوا فيما سوى ذلك من الزوجات، وفيما سوى عدة الوفاة، وفيما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع، فقال مالك: الاحداد على المسلمة والكتابية والصغيرة والكبيرة. وأما الامة يموت عنها سيدها سواء كانت أم ولد أولم تكن فلا إحداد عليها عنده، وبه قال فقهاء الامصار. وخالف قول مالك المشهور في الكتابية ابن نافع وأشهب، وروياه عن مالك، وبه قال الشافعي: أعني أنه لا إحداد على الكتابية، وقال أبو حنيفة: ليس على الصغيرة ولا على الكتابية إحداد، وقال قوم: ليس على الامة المزوجة إحداد، وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة. فهذا هو اختلافهم المشهور فيمن عليه إحداد من أصناف الزوجات ممن ليس عليه إحداد. وأما اختلافهم من قبل العدد فإن مالكا قال: لا إحداد إلا في عدة الوفاة. وقال أبو حنيفة والثوري: الاحداد في العدة من الطلاق البائن واجب، وأما الشافعي فاستحسنه للمطلقة ولم يوجبه. وأما الفصل الثالث وهو ما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع عنه، فإنها تمتنع عند الفقهاء بالجملة من الزينة الداعية للرجال إلى النساء، وذلك كالحلي والكحل - إلا ما لم تكن فيه زينة - ولباس الثياب المصبوغة إلا السواد، فإنه لم يكره مالك لها لبس السواد، ورخص كلهم في الكحل عند الضرورة، فبعضهم اشترط فيه ما لم يكن فيه زينة، وبعضهم لم يشترطه، وبعضهم اشترط جعله بالليل دون النهار. وبالجملة، فأقاويل الفقهاء فيما تجتنب الحادة متقاربة، وذلك ما يحرك الرجال بالجملة إليهن. وإنما صار الجمهور لايجاب الاحداد في الجملة لثبوت السنة بذلك عن رسول الله (ص). فمنها حديث أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة جاءت إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله.. إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها أفتكتحلهما، فقال رسول الله (ص): لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول لها لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول. وقال أبو محمد فعلى هذا الحديث يجب التعويل على القول بإيجاب الاحداد. وأما حديث أم حبيبة حين دعت بالطيب فمسحت به عارضيها، ثم قالت: والله ما لي به من حاجة غير أني سمعت رسول الله (ص) يقول لا يحل لامرأة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت

[ 101 ]

فوق ثلاث ليال، إلا على زواج أربعة أشهر وعشرا فليس فيه حجة، لانه استثناء من حظر فهو يقتضي الاباحة دون الايجاب. وكذلك حديث زينب بنت جحش. قا القاضي: وفي الامر إذا ورد بعد الحظر خلاف بين المتكلمين: أعني هل يقتضي الوجوب أو الاباحة. وسبب الخلاف: بين من أوجبه على المسلمة دون الكافرة أن من رأى أن الاحداد عبادة لم يلزمه الكافرة، ومن رأى أنه معنى معقول، وهو تشوف الرجال إليها وهي إلى الرجال، سوى بين الكافرة والمسلمة، ومن راعى تشوف الرجال دون تشوف النساء فرق بين الصغيرة والكبيرة إذا كانت الصغيرة لا يتشوف الرجال إليها، ومن حجة من أوجبه على المسلمات دون الكافرات قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج قال: وشرطه الايمان في الاحداد يقتضي أنه عبادة. وأما من فرق بين الامة والحرة وكذلك الكتابية، فلانه زعم أن عدة الوفاة أوجبت شيئين باتفاق: أحدهما: الاحداد، والثاني: ترك الخروج، فلما سقط ترك الخروج عن الامة بتبذلها والحاجة إلى استخدامها سقط عنها منع الزينة. وأما اختلافهم في المكاتبة فمن قبل ترددها بين الحرة والامة، وأما الامة بملك اليمين وأم الولد، فإنما صار الجمهور إلى إسقاط الاحداد عنها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج فعلم بدليل الخطاب أن من عدا ذات الزوج لا يجب عليها إحداد، ومن أوجبه على المتوفى عنها زوجها دون المطلقة تعلق بالظاهر المنطوق به، ومن ألحق المطلقات بهن فمن طريق المعنى، وذلك أنه يظهر من معنى الاحداد أن المقصود به أن لا تتشوف إليها الرجال في العدة ولا تتشوف هي إليهم. وذلك سدا للذريعة لمكان حفظ الانساب، والله أعلم. كمل كتاب الطلاق والحمد لله على آلائه، والشكر على نعمه، ويتلوه كتاب البيوع إن شاء الله تعالى.

[ 102 ]

كتاب البيوع الكلام في البيوع ينحصر في خمس جمل: في معرفة أنواعها. وفي معرفة شروط الصحة في واحد واحد منها. وفي معرفة شروط الفساد. وفي معرفة أحكام البيوع الصحيحة. وفي معرفة أحكام البيوع الفاسدة. فنحن نذكر أنواع البيوع المطلقة، ثم نذكر شروط الفساد والصحة في واحد واحد منها. وأحكام بيوع الصحة، وأحكام البيوع الفاسدة. ولما كانت أسباب الفساد والصحة في البيوع منها عامة لجميع أنواع البيوع أو لاكثرها، ومنها خاصة، وكذلك الامر في أحكام الصحة والفساد اقتضى النظر الصناعي أن نذكر المشترك في هذه الاصناف الاربعة: أعني العام من أسباب الفساد وأسباب الصحة وأحكام الصحة وأحكام الفساد لجميع البيوع، ثم نذكر الخاص من هذه الاربعة بواحد واحد من البيوع، فينقسم هذا الكتاب باضطرار إلى ستة أجزاء: الجزء الاول: تعرف فيه أنواع البيوع المطلقة. والثاني: تعرف فيه أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة أيضا: أعني في كلها أو أكثرها إذ كانت أعرف من أسباب الصحة. الثالث: تعرف فيه أسباب الصحة في البيوع المطلقة أيضا. الرابع: نذكر فيه أحكام البيوع الصحيحة، أعني الاحكام المشتركة لكل البيوع الصحيحة أو لاكثرها. الخامس: نذكر فيه أحكام البيوع الفاسدة المشتركة: أعني إذا وقعت. السادس: نذكر فيه نوعا نوعا من البيوع بما يخصه من الصحة والفساد وأحكامها. الجزء الاول إن كل معاملة وجدت بين اثنين، فلا يخلو أن تكون عينا بعين، أو عينا بشئ في الذمة، أو ذمة بذمة، وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ناجز، وكل واحد من هذه أيضا إما ناجز من الطرفين وإما نسيئة من الطرفين، وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة من الطرف الآخر، فتكون أنواع البيوع تسعة. فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لانه الدين بالدين المنهي عنه. وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد وحال العقد، ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة، وذلك أنها إذا كانت عينا بعين فلا تخلو أن تكون ثمنا بمثمون أو ثمنا بثمن، فإن كانت ثمنا بثمن سمي صرفا، وإن كانت ثمنا بمثمون سمي بيعا مطلقا وكذلك مثمونا بمثمون على الشروط التي تقال بعد، وإن كان عينا بذمة سمي سلما، وإن كان على الخيار سمي بيع خيار، وإن كان على المرابحة سمي بيع مرابحة. وإن كان على المزايدة سمي بيع مزايدة.

[ 103 ]

الجزء الثاني وإذا اعتبرت الاسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها: تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. وهذه الاربعة هي بالحقيقة أصول الفساد، وذلك أن النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع لا لامر من خارج. وأما التي ورد النهي فيها لاسباب من خارج. فمنها الغش ومنها الضرر، ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه، ومنها لانها محرمة البيع، ففي هذا الجزء أبواب: الباب الاول: في الاعيان المحرمة البيع وهذه على ضربين: نجاسات، وغير نجاسات. فأما بيع النجاسات فالاصل في تحريمها حديث جابر، ثبت في الصحيحين قال: قال رسول الله (ص) إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام، فقيل: يا رسول الله.. أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويستصبح بها؟ فقال: لعن الله اليهود.. حرمت الشحوم عليهم فباعوها وأكلوا أثمانها وقال في الخمر إن الذي حرم شربها حرم بيعها والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي الخمر وأنها نجسة، إلا خلافا شاذا في الخمر: أعني في كونها نجسة، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة، وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة. واختلف في الانتفاع بشعره، فأجازه ابن القاسم ومنعه أصبغ. وأما القسم الثاني: وهي النجاسات التي تدعو الضرورة إلى استعمالها كالرجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين، فاختلف في بيعها في المذهب فقيل بمنعها مطلقا، وقيل بإجازتها مطلقا، وقيل بالفرق بين العذرة والزبل: أعني إباحة الزبل ومنع العذرة. واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا؟ فمن رأى نه ناب جعله ميتة، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن، والخلاف فيه في المذهب. وأما ما حرم بيعه مما ليس بنجس أو مختلف في نجاسته، فمنها الكلب والسنور. أما الكلب فاختلفوا في بيعه، فقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب أصلا. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك. وفرق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه وبين ما لا يجوز اتخاذه، فاتفقوا على أن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به وإمساكه. فأما من أراده للاكل فاختلفوا فيه، فمن أجاز أكله أجاز بيعه، ومن لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه. واختلفوا أيضا في المأذون في اتخاذه، فقيل هو حرام، وقيل مكروه. فأما الشافعي فعمدته شيئان: أحدهما: ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي (ص). والثاني: أن الكلب عنده نجس العين كالخنزير، وقد ذكرنا دليله في ذلك في كتاب الطهارة. وأما من أجاز فعمدته أنه طاهر العين غير محرم الاكل،

[ 104 ]

فجاز بيعه كالاشياء الطاهرة العين، وقد تقدم أيضا في كتاب الطهارة استدلال من رأى أنه طاهر العين، وفي كتاب الاطعمة استدلال من رأى أنه حلال. ومن فرق أيضا فعمدته أنه غير مباح الاكل ولا مباح الانتفاع به، إلا ما استثناه الحديث من كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه، ورويت أحاديث غير مشهورة اقترن فيها بالنهي عن ثمن الكلب استثناء أثمان الكلاب المباحة الاتخاذ. وأما النهي عن ثمن السنور فثابت، ولكن الجمهور على إباحته لانه طاهر العين مباح المنافع. فسبب اختلافهم: في الكلاب تعارض الادلة. ومن هذا الباب اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتفاقهم على تحريم أكله، فقال مالك: لا يجوز بيع الزيت النجس، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا بين، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك. وحجة من حرمه حديث جابر المتقدم أنه سمع رسول الله (ص) عام الفتح يقول: إن الله ورسوله حرما الخمر والميتة والخنزير وعمدة من أجازه أنه إذا كان في الشئ أكثر من منفعة واحدة وحرم منه واحدة من تلك المنافع أنه ليس يلزمه أن يحرم منه سائر المنافع، ولا سيما إذا كانت الحاجة إلى المنفعة غير المحرمة كالحاجة إلى المحرمة، فإذا كان الاصل هذا يخرج منه الخمر والميتة والخنزير وبقيت سائر محرمات الاكل على الاباحة: أعني أنه إن كان فيها منافع سوى الاكل فبيعت لهذا جاز. ورووا عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم أجازوا بيع الزيت النجس ليستصبح به، وفي مذهب مالك جواز الاستصباح به وعمل الصابون مع تحريم بيعه، وأجاز ذلك الشافعي أيضا مع تحريم ثمنه، وهذا كله ضعيف، وقد قيل إن في المذهب رواية أخرى تمنع الاستصباح به وهو ألزم للاصل: أعني لتحريم البيع. واختلف أيضا في المذهب في غسله وطبخه هل هو مؤثر في عين النجاسة ومزيل لها على قولين: أحدهما: جواز ذلك، والآخر: منعه، وهما مبنيان على أن الزيت إذا خالطته النجاسة هل نجاسته نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فمن رآه نجاسة مجاورة طهره عند الغسل والطبخ، ومن رآه نجاسة عين لم يطهره عند الطبخ والغسل. ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب، فمالك والشافعي يجوزانه، وأبو حنيفة لا يجوزه وعمدة من أجاز بيعه أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الانعام. وأبو حنيفة يرى أن تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه، وأنه في الاصل محرم، إذ لحم ابن آدم محرم، والاصل عندهم أن الالبان تابعة للحوم، فقالوا في قياسهم هكذا الانسان حيوان لا يؤكل لحمه، فلم يجز بيع لبنه أصله لبن الخنزير والاتان. فسبب اختلافهم في هذا الباب: تعارض أقيسة الشبه، وفروع هذا الباب كثيرة، وإنما نذكر من المسائل في كل باب المشهور ليجري ذلك مجرى الاصول. الباب الثاني: في بيوع الربا واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع

[ 105 ]

أو سلف أو غير ذلك. فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون فكانوا يقولون: أنظرني أزدك، وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه وسنذكره فيما بعد. وأما الربا في البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة وتفاضل، إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي (ص) أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه (ص). والكلام في الربا ينحصر في أربعة فصول: الفصل الاول: في معرفة الاشياء التي لا يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النساء، وتبيين علة ذلك. الثاني: معرفة الاشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء. الثالث: في معرفة ما يجوز فيه الامران جميعا. الرابع: في معرفة ما يعد صنفا واحدا مما لا يعد صنفا واحدا. الفصل الاول: في معرفة الاشياء التي لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء وتبيين علة ذلك فنقول: أجمع العلماء على أن التفاضل والنساء مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الاصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت، إلا ما حكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال: سمعت رسول الله (ص) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الاعيان. وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث، أشهرها حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص) الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضا حديث عبادة منع النساء في الصنفين من هذه، وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة، وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد وهذا كله متفق عليه من الفقهاء إلا البر بالشعير. واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها، فقال قوم منهم أهل الظاهر: إنما يمتنع التفاضل في صنف صنف من هذه الاصناف الستة فقط، وأن ما عداها لا يمتنع في الصنف الواحد منها التفاضل، وقال هؤلاء أيضا: إن النساء ممتنع في هذه الستة فقط اتفقت الاصناف أو اختلفت، وهذا أمر متفق عليه: أعني امتناع النساء فيها مع اختلاف الاصناف، إلا ما حكي عن ابن علية أنه قال: إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ما عدا الذهب والفضة. فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من

[ 106 ]

باب الخاص أريد به الخاص. وأما الجمهور من فقهاء الامصار، فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام، واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الاصناف: أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النساء فيها. فالذي استقر عليه حذاق المالكية أن سبب منع التفاضل أما في الاربعة، فالصنف الواحد من المدخر المقتات، وقد قيل الصنف الواحد المدخر وإن لم يكن مقتاتا. ومن شرط الادخار عندهم أن يكون في الاكثر، وقال بعض أصحابه: الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار. وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للاثمان وقيما للمتلفات، وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة، لانها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة. أما علة منع النساء عند المالكية في الاربعة المنصوص عليها فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف، ولذلك إذا اختلفت أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة، ولذلك يجوز التفاضل عندهم في المطعومات التي ليست مدخرة أعني في الصنف الواحد منها، ولا يجوز النساء. أما جواز التفاضل، فلكونها ليست مدخرة، وقد قيل إن الادخار شرط في تحريم التفاضل في الصنف الواحد. وأما منع النساء فيها فلكونها مطعومة مدخرة، وقد قلنا إن الطعم بإطلاق عللمنع النساء في المطعومات. وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الاربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد. وأما علة النساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل قول مالك، وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف، وعلة النساء فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس والذهب، فإن الاجماع انعقد على أنه يجوز فيها النساء، ووافق الشافعي مالكا في علة منع التفاضل والنساء في الذهب والفضة، أعني أن كونهما رؤوسا للاثمان وقيما للمتلفات هو عندهم علة مع النسيئة إذا اختلف الصنف، فإذا اتفقا منع التفاضل. والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى فيه الكيل، وسيأتي أحكام الدنانير والدراهم بما يخصها في كتاب الصرف، وأما ههنا فالمقصود هو تبيين مذاهب الفقهاء في علل الربا المطلق في هذه الاشياء، وذكر عمدة دليل كل فريق منهم، فنقول: إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الاصناف الستة فهم أحد صنفين: إما قوم نفوا القياس في الشرع: أعني استنباط العلل من الالفاظ وهم الظاهرية، وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت عنه ههنا بالمنطوق به، فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة، إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال: علة منع الربا إنما هي حياطة الاموال، يريد منع العين. وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى، إذ لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الاصناف الاربعة، لانه زعم أنه في معنى التمر. ولكل واحد من هؤلاء: أعني من القائلين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت

[ 107 ]

عنه بالمنطوق به من هذه الاربعة. أما الشافعية فإنهم قالوا في تثبيت علتهم الشبهية: إن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم مثل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * فلما علق الحكم بالاسم المشتق وهو السارق علم أن الحكم متعلق بنفس السرقة. قالوا: وإذا كان هذا هكذا، وكان قد جاء من حديث سعيد بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل فمن البين أن الطعم هو الذي علق به الحكم. وأما المالكية فإنها زادت على الطعم إما صفة واحدة وهو الادخار على ما في الموطأ، وإما صفتين وهو الادخار والاقتيات على ما اختاره البغداديون وتمسكت في استنباط هذه العلة بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفي بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الاربعة الاصناف المذكورة، فلما ذكر منها عددا علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه، وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لاصلاح الطعام، وأيضا فإنهم قالوا: لما كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضا وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الاقوات. وأما الحنفية فعمدتهم في اعتبار المكيل والموزون أنه (ص) لما علق التحليل باتفاق الصنف واتفاق القدر، وعلق التحريم باتفاق الصنف واختلاف القدر في قوله (ص) لعامله بخيبر من حديث أبي سعيد وغيره إلا كيلا بكيل يدا بيد رأوا أن التقدير أعني الكيل أو الوزن هو المؤثر في الحكم كتأثير الصنف، وربما احتجوا بأحاديث ليست مشهورة فيها تنبيه قوي على اعتبار الكيل أو الوزن. منها أنهم رووا في بعض الاحاديث المتضمنة المسميات المنصوص عليها في حديث عبادة زيادة، وهي كذلك ما يكال ويوزن. وفي بعضها: وكذلك المكيال والميزان، هذا نص لو صحت الاحاديث، ولكن إذا تومل الامر من طريق المعنى ظهر - والله أعلم - أن علتهم أولى العلل، وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الاشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها: أعني تقديرها، ولما كانت الاشياء المختلفة الذوات: أعني غير الموزونة والمكيلة العدل فيها إنما هو في وجود النسبة، أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشئ الآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل إذا باع إنسان فرسا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الافراس هي نسبة قيمة ذلك الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته

[ 108 ]

خمسون فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون، فليكن مثلا الذي يساوي هذا القدر عددها هو عشر أثواب، فإذا اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد واجبة في المعاملة العدالة، أعني أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل. وأما الاشياء المكيلة والموزونة، فلما كانت ليست تختلف كل الاختلاف، وكانت منافعها متقاربة ولم تكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف أن يستبدله بذلك الصنف بعينه إلا على جهة السرف كان العدل في هذا إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو الوزن إذ كانت لا تتفاوت في المنافع، وأيضا فإن منع التفاضل في هذه الاشياء يوجب أن لا يقع فيها تعامل لكون منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة، فإذا منع التفاضل في هذه الاشياء، أعني المكيلة والموزونة علتان: إحداهما: وجود العدل فيها، والثاني: منع المعاملة إذا كانت المعاملة بها من باب السرف. وأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيها أظهر إذ كانت هذه ليس المقصود منها الربح، وإنما المقصود بها تقدير الاشياء التي لها منافع ضرورية. وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يعتبر في علة الربا في هذه الاصناف الكيل والطعم، وهو معنى جيد لكون الطعم ضروريا في أوقات الناس، فإنه يشبه أن يكون حفظ العين وحفظ السرف فيما هو قوت أهم منه فيما ليس هو قوتا. وقد روي عن بعض التابعين أنه اعتبر في الربا الاجناس التي تجب فيها الزكاة، وعن بعضهم الانتفاع مطلقا: أعني المالية، وهو مذهب اين الماجشون. الفصل الثاني: في معرفة الاشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء فيجب من هذا أن تكون علة امتناع النسيئة في الربويات هي الطعم عند مالك والشافعي. وأما في غير الربويات مما ليس بمطعوم، فإن علة منع النسيئة فيه عند مالك هو الصنف الواحد المتفق المنافع مع التفاضل، وليس عند الشافعي نسيئة في غير الربويات. وأما أبو حنيفة فعلة منع النساء عنده هو الكيل في الربويات، وفي غير الربويات الصنف الواحد متفاضلا كان أو غير متفاضل، وقد يظهر من ابن القاسم عن مالك أنه يمنع النسيئة في هذه، لانه عنده من باب السلف الذي يجر منفعة. الفصل الثالث: في معرفة ما يجوز فيه الامران جميعا وأما ما يجوز فيه الامران جميعا: اعني التفاضل والنساء، فما لم يكن ربويا عند الشافعي. وأما عند مالك فما لم يكن ربويا ولا كان صنفا واحدا متماثلا أو صنفا واحدا بإطلاق على مذهب أبي حنيفة، ومالك يعتبر في الصنف المؤثر في التفاضل في الربويات، وفي النساء في غير الربويات اتفاق المنافع واختلافها، فإذا اختلفت جعلها صنفين، وإن كان الاسم واحدا، وأبو حنيفة يعتبر الاسم وكذلك الشافعي، وإن كان الشافعي ليس الصنف

[ 109 ]

عنده مؤثرا إلا في الربويات فقط: أعني أنه يمنع التفاضل فيه، وليس هو عنده علة للنساء أصلا. فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة في هذه الفصول الثلاث. فأما الاشياء التي لا تجوز فيها النسيئة فإنها قسمان: منها ما لا يجوز فيها التفاضل وقد تقدم ذكرها، ومنها ما يجوز فيها التفاضل. فأما الاشياء التي لا يجوز فيها التفاضل فعلة امتناع النسيئة فيها هو الطعم عند مالك، وعند الشافعي الطعم فقط، وعند أبي حنيفة معلومات الكيل والوزن، فإذا اقترن بالطعم اتفاق الصنف حرم التفاضل عند الشافعي، وإذا اقترن وصف ثالث وهو الادخار حرم التفاضل عند مالك، وإذا اختلف الصنف جاز التفاضل وحرمت النسيئة. وأما الاشياء التي ليس يحرم التفاضل فيها عند مالك فإنها صنفان: إما مطعومة، وإما غير مطعومة. فأما المطعومة فالنساء عنده لا يجوز فيها. وعلة المنع الطعم، وأما غير المطعومة فإنه لا يجوز فيها النساء عنده فيما اتفقت منافعه مع التفاضل، فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل إلا أن تكون إحداهما حلوبة والاخرى أكولة، هذا هو المشهور عنه، وقد قيل إنه يعتبر اتفاق المنافع دون التفاضل فعلى هذا لا يجوز عنده شاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل. فأما إذا اختلفت المنافع فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان وإن كان الصنف واحدا، وقيل يعتبر اتفاق الاسماء مع اتفاق المنافع، والاشهر أن لا يعتبر، وقد قيل يعتبر. وأما أبو حنيفة فالمعتبر عنده في منع النساء ما عدا التي لا يجوز عنده فيها التفاضل هو اتفاق الصنف اتفقت المنافع أو اختلفت، فلا يجوز عنده شاة بشاة ولا بشاتين نسيئة وإن اختلفت منافعها. وأما الشافعي فكل ما لا يجوز التفاضل عنده في الصنف الواحد يجوز فيه النساء، فيجيز شاة بشاتين نسيئة ونقدا، وكذلك شاة بشاة، ودليل الشافعي حديث عمرو بن العا ص أن رسول الله (ص) أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة قالوا فهذا التفاضل في الجنس الواحد مع النساء. وأما الحنفية فاحتجت بحديث الحسن عن سمرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الحيوان بالحيوان قالوا: وهذا يدل على تأثير الجنس على الانفراد في النسيئة. وأما مالك فعمدته في مراعاة منع النساء عند اتفاق الاغراض سد الذريعة، وذلك أنه لا فائدة في ذلك إلا أن يكون من باب سلف يجر نفعا وهو يحرم، وقد قيل عنه إنه أصل بنفسه، وقد قيل عن الكوفيين إنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة اختلف الجنس أو اتفق على ظاهر حديث سمرة، فكأن الشافعي ذهب مذهب الترجيح لحديث عمرو بن العاص، والحنفية لحديث سمرة مع التأويل له، لان ظاهره يقتضي أن لا يجوز الحيوان بالحيوان نسيئة اتفق الجنس أو اختلف، وكأن مالكا ذهب مذهب الجمع، فحمل حديث سمرة على اتفاق الاعراض. وحديث عمرو بن العاص على اختلافهما. وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ولكن صححه الترمذي، ويشهد لمالك ما رواه الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله (ص) الحيوان اثنان بواحد لا يصلح

[ 110 ]

النساء ولا بأس به يدا بيدوقال ابن المنذر: ثبت: أن رسول الله (ص) اشترى عبدا بعبدين أسودين، واشترى جارية بسبعة أرؤس وعلى هذا الحديث يكون بيع الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من قبل سد ذريعة. واختلفوا فيما لا يجوز بيعه نساء، هل من شرطه التقايض في المجلس قبل الافتراق في سائر الربويات بعد اتفاقهم في اشتراط ذلك في المصارفة لقوله عليه الصلاة والسلام: لا تبيعوا منها غائبا بناجز فمن شرط فيها التقابض في المجلس شبهها بالصرف، ومن لم يشترط ذلك قال: إن القبض قبل التفرق ليس شرطا في البيوع إلا ما قام الدليل عليه، ولما قام الدليل على الصرف فقط بقيت سائر الربويات على الاصل. الفصل الرابع: في معرفة ما يعد صنفا واحدا، وما لا يعد صنفا واحدا واختلفوا من هذا الباب فيما يعد صنفا واحدا وهو المؤثر في التفاضل مما لا يعد صنفا واحدا في مسائل كثيرة، لكن نذكر منها أشهرها، وكذلك اختلفوا في صفات الصنف الواحد المؤثر في التفاضل، هل من شرطه أن لا يختلف بالجودة والرداءة، ولا باليبس والرطوبة؟ فأما اختلافهم فيما يعد صنفا واحدا مما لا يعد صنفا واحدا، فمن ذلك القمح والشعير، صار قوم إلى أنه مصنف واحد، وصار آخرون إلى أنهما صنفان، فبالاول قال مالك والاوزاعي، وحكاه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب، وبالثاني قال الشافعي أما السماع فقوله (ص) لا تبيعوا وأبو حنيفة، وعمدتهما السماع والقياس البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل فجعلهما صنفين، وأيضا فإن في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، والبر بالشعير كيف شئتم، والملح بالتمر كيف شئتم يدا بيد ذكره عبد الرزاق ووكيع عن الثوري وصحح هذه الزيادة الترمذي. وأما القياس فلانهما شيئان اختلفت أسماؤهما ومنافعهما، فوجب أن يكونا صنفين، أصله الفضة والذهب وسائر الاشياء المختلفة في الاسم والمنفعة. وأما عمدة مالك فإنه عمل سلفه بالمدينة. وأما أصحابه فاعتمدوا في ذلك أيضا السماع والقياس. أما السماع فما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الطعام بالطعام مثلا بمثل فقالوا: اسم الطعام يتناول البر والشعير، وهذا ضعيف، فإن هذا عام يفسره الاحاديث الصحيحة. وأما من طريق القياس فإنهم عددوا كثيرا من اتفاقهما في المنافع، والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق، والسلت عند مالك والشعير صنف واحد، وأما القطنية فإنها عنده صنف واحد في الزكاة، وعنه في البيوع روايتان: إحداهما أنها صنف واحد، والاخرى أنها أصناف. وسبب الخلاف: تعارض اتفاق المنافع فيها واختلافها، فمن غلب الاتفاق قال: صنف واحد، ومن غلب الاختلاف قال: صنفان أو أصناف، والارز والدخن والجاورس عنده صنف واحد.

[ 111 ]

مسألة: واختلفوا من هذا الباب في الصنف الواحد من اللحم الذي لا يجوز فيه التفاضل، فقال مالك: اللحوم ثلاثة أصناف: فلحم ذوات الاربع، ولحم ذوات الماء صنف، ولحم الطير كله صنف واحد أيضا، وهذه الثلاثة الاصناف مختلفة يجوز فيها التفاضل، وقال أبو حنيفة: كل واحد من هذه هو أنواع كثيرة، والتفاضل فيجائز إلا في النوع الواحد بعينه، وللشافعي قولان: أحدهما مثل قول أبي حنيفة، والآخر أن جميعها صنف واحد. وأبو حنيفة يجيز لحم الغنم بالبقر متفاضلا، ومالك لا يجيزه والشافعي لا يجيز بيع لحم الطير بلحم الغنم متفاضلا، ومالك يجيزه. وعمدة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام: الطعام بالطعام مثلا بمثل ولانها إذا فارقتها الحياة زالت الصفات التي كانت بها تختلف، ويتناولها اسم اللحم تناولا واحدا. وعمدة المالكية أن هذه أجناس مختلفة، فوجب أن يكون لحمها مختلفا. والحنفية تعتبر الاختلاف الذي في الجنس الواحد من هذه، وتقول إن الاختلاف الذي بين الانواع التي في الحيوان، أعني في الجنس الواحد منه كأنك قلت الطائر هو وزان الاختلاف الذي بين التمر والبر والشعير. وبالجملة فكل طائفة تدعي أن وزان الاختلاف الذي بين الاشياء المنصوص عليها هو الاختلاف الذي تراه في اللحم، والحنفية أقوى من جهة المعنى، لان تحريم التفاضل إنما هو عند اتفاق المنفعة. مسألة: واختلفوا من هذا الباب في بيع الحيوان بالميت على ثلاثة أقوال: قول إنه لا يجوز بإطلاق، وهو قول الشافعي والليث، وقول إنه يجوز في الاجناس المختلفة التي يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز ذلك في المتفقة: أعني الربوية لمكان الجهل الذي فيها من طريق التفاضل، وذلك في التي المقصود منها الاكل، وهو قول مالك، فلا يجوز شاة مذبوحة بشاة تراد للاكل، وذلك عنده في الحيوان المأكول: حتى أنه لا يجيز الحي بالحي إذا كان المقصود الاكل من أحدهما، فهي عنده من هذا الباب، أعني أن امتناع ذلك عنده من جهة الربا والمزابنة، وقول ثالث أنه يجوز مطلقا، وبه قال أبو حنيفة. وسبب الخلاف: معارضة الاصول في هذا الباب لمرسل سعيد بن المسيب، وذلك أن مالكا روى عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الحيوان باللحم فمن لم تنقدح عنده معارضة هذا الحديث لاصل من أصول البيوع التي توجب التحريم قال به، ومن رأى أن الاصول معارضة له وجب عليه أحد أمرين: إما أن يغلب الحديث فيجعله أصلا زائدا بنفسه أو يرده لمكان معارضة الاصول له، فالشافعي غلب الحديث وأبو حنيفة غلب الاصول، ومالك رده إلى أصوله في البيوع، فجعل البيع فيه من باب الربا، أعني بيع الشئ الربوي بأصله، مثل بيع الزيت بالزيتون وسيأتي الكلام على هذا الاصل فإنه الذي يعرفه الفقهاء بالمزابنة، وهي داخلة في الربا بجهة، وفي الغرر بجهة، وذلك أنها ممنوعة في الربويات من جهة الربا والغرر، وفي غير الربويات من جهة الغرر فقط الذي سببه الجهل بالخارج عن الاصل.

[ 112 ]

مسألة: ومن هذا البا ب اختلافهم في بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل، فالاشهر عن مالك جوازه، وهو قول مالك في موطئه، وروي عنه أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال بعض أصحاب مالك: ليس هو اختلافا من قوله، وإنما رواية المنع إذا كان اعتبار المثلية بالكيل، لان الطعام إذا صار دقيقا اختلف كيله، ورواية الجواز إذا كان الاعتبار بالوزن، وأما أبو حنيفة فالمنع عنده في ذلك من قبل أن أحدهما مكيل والآخر موزون. ومالك يعتبر الكيل أو الوزن فيما جرت العادة أن يكال أو يوزن، والعدد فيما لا يكال ولا يوزن. واختلفوا من هذا الباب فيما تدخله الصنعة مما أصله منع الربا فيه مثل الخبز بالخبز، فقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع ذلك متفاصلا ومتماثلا، لانه قد خرج بالصنعة عن الجنس الذي فيه الربا، وقال الشافعي: لا يجوز متماثلا فضلا عن متفاضل، لانه قد غيرته الصنعة تغيرا جهلت به مقاديره التي تعتبر فيها المماثلة. وأما مالك فالاشهر في الخبز عنده أنه يجوز متماثلا. وقد قيل فيه إنه يجوز فيه التفاضل والتساوي. وأما العجين بالعجين فجائز عنده مع المماثلة. وسبب الخلاف: هل الصنعة تنقله من جنس الربويات أو ليس تنقله، وإن لم تنقله فهل تمكن المماثلة فيه أو لا تمكن؟ فقال أبو حنيفة: تنقله، وقال مالك والشافعي: لا تنقله واختلفوا في إمكان المماثلة فيهما، فكان مالك يجيز اعتبار المماثلة في الخبز واللحم بالتقدير والحزر فضلا عن الوزن. وأما إذا كان أحد الربويين لم تدخله صنعة والآخر قد دخلته الصنعة، فإن مالكا يرى في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس: أعني من أن يكون جنسا واحدا فيجيز فيها التفاضل، وفي بعضها ليس يرى ذلك، وتفصيل مذهبه في ذلك عسير الانفصال، فاللحم المشوي والمطبوخ عنده من جنس واحد، والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان، وقد رام أصحابه التفصيل في ذلك، والظاهر من مذهبه أن ليس في ذلك قانون من قوله حتى تنحصر فيه أقواله فيها، وقد رام حصرها الباجي في المنتقى، وكذلك أيضا يعسر حصر المنافع التي توجب عنده الاتفاق في شئ شئ من الاجناس التي يقع بها التعامل، وتمييزها من التي لا توجب ذلك: أعني في الحيوان والعروض والنبات، وسبب العسر أن الانسان إذا سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في تمييزها إلا ما يعطيه بادئ النظر في الحال جاوب فيها بجوابات مختلفة، فإذا جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الاجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ذلك عليه، وأنت تتبين ذلك من كتبهم، فهذه هي أمهات هذا الباب. فصل: وأما اختلافهم في بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس مع وجود التماثل في القدر والتناجز، فإن السبب في ذلك ما روى مالك عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله (ص): أينقص الرطب

[ 113 ]

إذا جف؟ فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك فأخذ به أكثر العلماء وقال: لا يجوز بيع التمر بالرطب على حال: مالك والشافعي وغيرهما، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، وخالفه في ذلك صاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف. وقال الطحاوي بقول أبي حنيفة. وسبب الخلاف: معارضة ظاهر حديث عبادة وغيره له، واختلافهم في تصحيحه، وذلك أن حديث عبادة اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة، وهذا يقتضي بظاهره حاالعقد لا حال المآل، فمن غلب ظواهر أحاديث الربويات رد هذا الحديث، ومن جعل هذا الحديث أصلا بنفسه قال: هو أمر زائد ومفسر لاحاديث الربويات. والحديث أيضا اختلف الناس في تصحيحه ولم يخرجه الشيخان. قال الطحاوي: خولف فيه عبد الله، فرواه يحيى بن كثير عنه أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة وقال: إن الذي يروي عنه هذا الحديث عن سعد بن أبي وقاص هو مجهول، لكن جمهور الفقهاء صاروا إلى العمل به. وقال مالك في موطئه قياسا به على تعليل الحكم في هذا الحديث، وكذلك كل رطب بيابس من نوعه حرام: يعني منع المماثلة كالعجين بالدقيق واللحم اليابس بالرطب وهو أحد قسمي المزابنة عند مالك المنهي عنها عنده، والعرية عنده مستثناة من هذا الاصل، وكذلك عند الشافعي، والمزابنة المنهي عنها عند أبي حنيفة هو بيع التمر على الارض بالتمر في رؤوس النخيل لموضع الجهل بالمقدار الذي بينهما أعني بوجود التساوي. وطرد الشافعي هذه العلة في الشيئين الرطبين، فلم يجز بيع الرطب بالرطب، ولا العجين بالعجين مع التماثل لانه زعم أن التفاضل يوجد بينهما عند الجفاف، وخالفه في ذلك جل من قال بهذا الحديث. وأما اختلافهم في بيع الجيد بالردئ في الاصناف الربوية، فذلك يتصور بأن يباع منها صنف واحد وسط في الجودة بصنفين: أحدهما أجود من ذلك الصنف، والآخر أردأ، مثل أن يبيع مدين من تمر وسط بمدين من تمر أحدهما أعلى من الوسط، والآخر أدون منه، فإن مالكا يرد هذا لانه يتهمه أن يكون إنما قصد أن يدفع مدين من الوسط في مد من الطيب، فجعل معه الردئ ذريعة إلى تحليل ما لا يجب من ذلك، ووافقه الشافعي في هذا، ولكن التحريم عنده ليس هو فيما أحسب لهذه التهمة لانه لا يعمل التهم، ولكن يشبه أن يعتبر التفاضل في الصفة، وذلك أنه متى لم تكن زيادة الطيب على الوسط مثل نقصان الردئ عن الوسط، وإلا فليس هناك مساواة في الصفة. ومن هذا الباب اختلافهم في جواز بيع صنف من الربويات بصنف مثله وعرض أو دنانير أو دراهم إذا كان الصنف الذي يجعل معه العرض أقل من ذلك الصنف المفرد أو يكون مع كل واحد منهما عرض والصنفان مختلفان في القدر، فالاول: مثل أن يبيع كيلين من التمر بكيل من التمر ودرهم. والثاني: مثل أن يبيع كيلين من التمر وثوب بثلاثة أكيال من التمر ودرهم. فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز، وقال أبو حنيفة والكوفيون: إن ذلك

[ 114 ]

جائز. فسبب الخلاف: هل ما يقابل العرض من الجنس الربوي ينبغي أن يكون مساويا له في القيمة أو يكفي فذلك رضا البائع؟ فمن قال الاعتبار بمساواته في القيمة قال: لا يجوز لمكان الجهل بذلك، لانه إذا لم يكن العرض مساويا لفضل أحد الربويين على الثاني كان التفاضل ضرورة، مثال ذلك أنه إن باع كيلين من تمر بكيل وثوب فقد يجب أن تكون قيمة الثوب تساوي الكيل، وإلا وقع التفاضل ضرورة. وأما أبو حنيفة فيكتفي في ذلك بأن يرضى به المتبايعان، ومالك يعتبر أيضا في هذا سد الذريعة، لانه إنما جعل جاعل ذلك ذريعة إلى بيع الصنف الواحد متفاضلا، فهذه مشهورات مسائلهم في هذا الجنس. باب: في بيوع الذرائع الربوية وهنا شئ يعرض للمتبايعين: إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان، وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشئ الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما من غير قصد إلى ذلك تبايع ربوي، مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الاولى استقر الامر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل، وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال. فنذكر من ذلك مسألة في الاقالة، ومسألة من بيوع الآجال إذ كان هذا الكتاب ليس المقصود به التفريع، وإنما المقصود فيه تحصيل الاصول. مسألة: لم يختلفوا أن من باع شيئا ما كأنك قلت: عبدا بمائة دينار مثلا إلى أجل، ثم ندم البائع فسأل المبتاع أن يصرف إليه مبيعه ويدفع إليه عشرة دنانير مثلا نقدا أو إلى أجل أن ذلك يجوز وأنه لا بأس بذلك، وأن الاقالة عندهم إذا دخلتها الزيادة والنقصان هي بيع مستأنف، ولاحرج في أن يبيع الانسان الشئ بثمن ثم يشتريه بأكثر منه، لانه في هذه المسألة اشترى منه البائع الاول العبد الذي باعه بالمائة التي وجبت له وبالعشرة مثاقيل التي زادها نقدا أو إلى أجل، وكذلك لا خلاف بينهم لو كان البيع بمائة دينار إلى أجل والعشرة مثاقيل نقدا أو إلى أجل. وأما إن ندم المشتري في هذه المسألة وسأالاقالة على أن يعطي البائع العشرة المثاقيل نقدا أو إلى أجل أبعد من الاجل الذي وجبت فيه المسألة، فهنا اختلفوا، فقال مالك: لا يجوز. وقال الشافعي: يجوز ووجه ما كره من ذلك مالك أن ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب بالذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض بذهب. لان المشتري دفع العشرة مثاقيل والعبد في المائة دينار التي عليه، وأيضا يدخله بيع وسلف كأن المشتري باعه العبد بتسعين وأسلفه عشرة إلى الاجل الذي يجب عليه قبضها من نفسه لنفسه. وأما الشافعي فهذا عنده كله جائز لانه شراء مستأنف، ولا فرق عنده بين هذه المسألة وبين أن تكون لرجل على رجل مائة دينار مؤجلة، فيشتري منه غلاما بالتسعين دينارا التي عليه ويتعجل له عشرة دنانير، وذلك جائز بإجماع. قال: وحمل الناس على التهم

[ 115 ]

لا يجوز. وأما إن كان البيع الاول نقدا فلا خلاف في جواز ذلك، لانه ليس يدخله بيع ذهب بذهب نسيئة إلا أن مالكا كره ذلك لمن هو من أهل العينة: أعني الذي يداين الناس، لانه عنده ذريعة لسلف في أكثر منه يتوصلان إليه بما أظهر من البيع من غير أن تكون له حقيقة. وأما البيوع التي يعرفونها ببيوع الآجال، فهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلا أجل، ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر، أو نقدا. (وهنا تسع مسائل، إذا لم تكن هناك زيادة عرض اختلف منها في مسألتين، واتفق في الباقي) وذلك أنه من باع شيئا إلى أجل ثم اشتراه، فإما أن يشتريه إلى ذلك الاجل بعينه أو قبله أو بعده، وفي كل واحد من هذه الثلاثة إما أن يشتريه بمثل الثمن الذي باعه به منه، وإما بأقل، وإما بأكثر يختلف من ذلك في اثنين، وهو أن يشتريها قبل الاجل نقدا بأقل من الثمن أو إلى أبعد من ذلك الاجل بأكثر من ذلك الثمن. فعند مالك وجمهور أهل المدينة أن ذلك لا يجوز. وقال الشافعي وداود وأبو ثور: يجوز، فمن منعه فوجه منعه اعتبار البيع الثاني بالبيع الاول، فاتهمه أن يكون إنما قصد دفع دنانير في أكثر منها إلى أجل، وهو الربا المنهي عنه فزور لذلك هذه الصورة ليتصلا بها إلى الحرام مثل أن يقول قائل لآخر: أسلفني عشرة دنانير إلى شهر وأرد إليك عشرين دينارا، فيقول: هذا لا يجوز، ولكن أبيع منك هذا الحمار بعشرين إلى شهر، ثم أشتريه منك بعشرة نقدا. وأما في الوجوه الباقية فليس يتهم فيها لانه إن أعطى أكثر من الثمن في أقل من ذلك الاجل لم يتهم، وكذلك إن اشتراها بأقل من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الاجل، ومن الحجة لمن رأى هذا الرأي حديث أبي العالية عن عائشة أنها سمعتها وقد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت من زيد عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الاجل بستمائة، فقالت عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله (ص) إن لم يتب. قالت: أرأيت إن تركت وأخذت الستمائة دينار؟ قالت: فهو * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) * وقال الشافعي وأصحابه: لا يثبت حديث عائشة، وأيضا فإن زيدا قد خالفها، وإذا اختلفت الصحابة فمذهبنا القياس. وروي مثل قول الشافعي عن ابن عمر. وأما إذا حدث بالمبيع نقص عند المشتري الاول، فإن الثوري وجماعة من الكوفيين أجازوا لبائعه بالنظرة أن يشتريه نقدا بأقل من ذلك الثمن. وعن مالك في ذلك روايتان. والصور التي يعتبرها مالك في الذرائع في هذه البيوع هي أن يتذرع منها إلى: أنظرني أزدك، أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلا أو بيع ما لا يجوز نساء، أو إلى بيع وسلف. أو إلى ذهب وعرض بذهب أو إلى: ضع وتعجل، أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، أو بيع وصرف، فإن هذه هي أصول الربا. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن باع طعاما بطعام قبل أن يقبضه. فمنعه مالك وأبو حنيفة وجماعة. وأجازه الشافعي والثوري

[ 116 ]

والاوزاعي وجماعة. وحجة من كرهه أنه شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، ومن أجازه لم ير ذلك فيه اعتبارا بترك القصد إلى ذلك. ومن ذلك اختلافهم فيمن اشترى طعاما بثمن إلى أجل معلوم، فلما حل الاجل لم يكن عند البائع طعام يدفعه إليه، فاشترى من المشتري طعاما بثمن يدفعه إليه مكان طعامه الذي وجب له، فأجاز ذلك الشافعي وقال: لا فرق بين أن يشتري الطعام من غير المشتري الذي وجب له عليه أو من المشتري نفسه، ومنع من ذلك مالك ورآه من الذريعة إلى بيع الطعام قبل أن يستوفى. لانه رد إليه الطعام الذي كان ترتب في ذمته، فيكون قد باعه منه قبل أن يستوفيه. وصورة الذريعة في ذلك أن يشتري رجل من آخر طعاما إلى أجل معلوم، فإذا حل الاجل قال الذي عليه الطعام: ليس عندي طعام. ولكن أشتري منك الطعام الذي وجب لك علي، فقال: هذا لا يصح، لانه بيع الطعام قبل أن يستوفى فيقول له: فبع طعاما مني وأرده عليك، فيعرضمن ذلك ما ذكرناه، أعني أن يرد عليه ذلك الطعام الذي أخذ منه ويبقى الثمن المدفوع إنما هو ثمن الطعام الذي هو في ذمته. وأما الشافعي فلا يعتبر التهم كما قلنا، وإنما يراعي فيما يحل ويحرم من البيوع ما اشترطا وذكراه بألسنتهما وظهر من فعلهما لاجماع العلماء على أنه إذا قال: أبيعك هذه الدراهم بدراهم مثلها وأنظرك بها حولا أو شهرا أنه لا يجوز، ولو قال له: أسلفني دراهم وأمهلني بهحولا أو شهرا جاز، فليس بينهما إلا اختلاف لفظ البيع وقصده ولفظ القرض وقصده، ولما كانت أصول الربا كما قلنا خمسة: أنظرني أزدك، والتفاضل، والنساء، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه، فإنه يظن أنه من هذا الباب إذ فاعل ذلك يدفع دنانير ويأخذ أكثر منها من غير تكلف فعل ولا ضمان يتعلق بذمته، فينبغي أن نذكر ههنا هذين الاصلين. أما: ضع وتعجل، فأجازه ابن عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الامصار، ومنعه جماعة منهم ابن عمر من الصحابة ومالك وأبو حنيفة والثوري وجماعة من فقهاء الامصار، واختلف قول الشافعي في ذلك، فأجاز مالك وجمهور من ينكر: ضع وتعجل، أن يتعجل الرجل في دينه المؤجل عرضا يأخذه وإن كانت قيمته أقل من دينه. وعمدة من لم يجز: ضع وتعجل، أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا، وذلك أنه هنالك ما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمنا، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمنا، وعمدة من أجاز ما روي عن ابن عباس أن النبي (ص) لما أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: يا نبي الله.. إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله (ص): ضعوا وتعجلوا. فسبب الخلاف: معارضة قياس الشبه لهذا الحديث. وأما بيع الطعام قبل قبضه. فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله (ص) من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله (ص)

[ 117 ]

قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. واختلف من هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. والثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. والثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا. ففيه ثلاثة فصول: الفصل الاول: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته وأما الطعام الربوي فلاخلاف في مذهبه أن القبض شرط في بيعه. وأما غير الربوي من الطعام فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: المنع وهي الاشهر. وبها قال أحمد وأبو ثور، إلا أنهما اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الاخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرط في كل بيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تحول من الدور والعقار. وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري. وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شئ لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود. فيتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الاول: في الطعام الربوي فقط. والثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: في كل شئ ينقل. الخامس: في كل شئ. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون والمعدود. أما عمدة مالك في منعه ما عدا المنصوص عليه فدليل الخطاب في الحديث المتقدم. وأما عمدة الشافعي في تعميم ذلك في كل بيع فعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل بيع وسلف ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك وهذا من باب بيع ما لم يضمن. وهذا مبني على مذهبه من أن القبض شرط في دخول المبيع في ضمان المشترط، واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله.. إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: يا ابن أخي.. إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه قال أبو عمر: حديث حكيم بن حزام رواه يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام قال: ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو عنهما إلا رجل واحد فقط، وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن كرهه جماعة من المحدثين. ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق منه إلى الربا، وإنما استثنى أبو حنيفة ما يحول وينقل عنده مما لا ينقل، لان ما ينقل القبض عنده فيه هي التخلية، وأما من اعتبر الكيل والوزن، فلاتفاقهم أن المكيل والموزون لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن وقد نهي عن بيع ما لم يضمن.

[ 118 ]

الفصل الثاني: في الاستفادا ت التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط وأما ما يعتبر ذلك فيه مما لا يعتب، فإن العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات، والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة وهي البيوع والاجارات والمهور والصلح والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا. أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق كالشركة والاقالة والتولية. وتحصيل أقوال العلماء في هذه الاقسام: أما ما كان بيعا وبعوض فلا خلاف في اشتراط القبض فيه، وذلك في الشئ الذي يشترط فيه القبض واحد واحد من العلماء، وأما ما كان خالصا للرفق، أعني القرض، فلا خلاف أيضا أن القبض ليس شرطا في بيعه أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن يقبضه. واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع، فقال: يجوز بيعهما قبل القبض. وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة وهي التولية والشركة والاقالة. فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الاقالة أو التولية بزيادة أو نقصان. فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض. وتجوز الاقالة عندهما لانها قبل القبض فسخ بيع، لا بيع. فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والاقالة والشركة للاثر والمعنى. أما الاثر فما رواه من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ماكان من شركة أو تولية أو إقالة وأما من طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفلا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان. وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل، لان العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا. الفصل الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا وأما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافا، فإن مالكا رخص فيه وأجازه وبه قال الاوزاعي، ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه لان الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف. ومن الحجة لهما ما روي عن ابن عمر أنه قال: كنا في زمان رسول الله (ص) نبتاع الطعام جزافا، فبعث

[ 119 ]

إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا الحديث ذكر الجزاف، فقد روته جماعة وجوده عبد الله بن عمر وغيره، وهو مقدم في حفظ حديث نافع. وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفية، فهو عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة، وقد يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع بيع الرجل شيئا لا يملكه، وهو المسمى عينة عند من يرى نقله من باب الذريعة إلى الربا. وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع الغرر، وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني عشرة دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها، فيقول له: هذا لا يصلح، ولكن أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها قريب مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب في هذا تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها غير جائزة في المذهب: أعني إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل شرائها، وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه. واختلفوا في مسائل هل هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه ولا سكنى دار ولا جارية تتواضع، ويراه من باب الدين بالدين. وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدين بالدين، وإنما الدين بالدين ما لم يشرع في أخذ شئ منه. وهو قياس عند كثير من المالكيين. وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. ومما أجازه مالك من هذا الباب وخالفه فيه جمهور العلماء ما قاله في المدونة من أن الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، فيأخذ المبتاع كل يوم وزنا معلوما قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل ما يبتاع في الاسواق. وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه الفساد من الفواكه إذا أخذ جميعه. وأما القمح وشبهه فلا، فهذه هي أصول هذا الباب، وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن علم. الباب الثالث: في البيوع المنهي عنها وهي البيوع المنهي عنها من قبل الغبن الذي سببه الغرر، والغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل على أوجه: إما من جهة الجهل بتعيين المعقود عليه، أو تعيين العقد، أو من جهة الجهل بوصف الثمن والمثمون المبيع، أو بقدره أو بأجله إن كان هنالك أجل، وإما من جهة الجهل بوجوده أو تعذر القدرة عليه، وهذا راجع إلى تعذر التسليم، وإما من جهة الجهل بسلامته: أعني بقاءه، وههنا بيوع تجمع أكثر هذه أو بعضها. ومن البيوع التي

[ 120 ]

توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها وبيوع مسكوت عنها، والمنطوق به أكثره متفق عليه، وإنما يختلف في شرح أسمائها، والمسكوت عن مختلف فيه، ونحن نذكر أولا المنطوق به في الشرع، وما يتعلق به من الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من المسكوت عنه ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الامصار ليكون كالقانون في نفس الفقه: أعني في رد الفروع إلى الاصول. فأما المنطوق به في الشرع فمنه نهيه (ص) عن بيع حبل الحبلة ومنها نهيه عن بيع ما لم يخلق، وعن بيع الثمار حتى تزهى، وعن بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة ومنها نهيه عن المعاومة، وعن بيعتين في بيعة. وعن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وعن بيع السنبل حتى يبيض والعنب حتى يسودونهيه عن المضامين والملاقيح. أما بيع الملامسة فكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، أو يبتاعه ليلا، ولا يعلم ما فيه وهذا مجمع على تحريمه، وسبب تحريمه الجهل بالصفة. وأما بيع المنابذة فكان أن ينبذ كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه الثوب من غير أن يعين أن هذا بهذا، بل كانوا يجعلون ذلك راجعا إلى الاتفاق. وأما بيع الحصاة، فكانت صورته عندهم أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي، وقيل أيضا إنهم كانوا يقولون: إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وجب البيع. وهذا قمار. وأما بيع حبل الحبلة ففيه تأويلان: أحدهما: أنها كانت بيوعا يؤجلونها إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم ينتج ما في بطنها، والغرر من جهة الاجل في هذا بين، وقيل إنما هو بيع جنين الناقة، وهذا من باب النهي عن بيع المضامين والملاقيح. والمضامين: هي ما في بطون الحوامل، والملاقيح ما في ظهور الفحول، فهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها، وهي محرمة من تلك الاوجه التي ذكرناها. وأما بيع الثمار، فإنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وحتى تزهى ويتعلق بذلك مسائل مشهورة نذكر منها نحن عيونها. وذلك أن بيع الثمار لا يخلو أن تكون قبل أن تخلق أو بعد أن تخلق، ثم إذا خلقت لا يخلو أن تكون بعد الصرام أو قبله. ثم إذا كان قبل الصرام فلا يخلو أن تكون قبل أن تزهى أو بعد أن تزهى، وكل واحد من هذين لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا أو بشرط التبقية أو بشرط القطع، أما القسم الاول: وهو بيع الثمار قبل أن تخلق فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك، لانه من باب النهي عن بيع ما لم يخلق، ومن باب بيع السنين والمعاومة. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة وهي بيع الشجر أعواما، إلا ما روي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير أنهما كانا يجيزان بيع الثمار سنين. وأما بيعها بعد الصرام فلا خلا ف في جوازه، وأما بيعها بعد أن خلقت فأكثر العلماء على جواز ذلك على التفصيل الذي نذكره، إلا ما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وعن عكرمة أنه لا يجوز إلا بعد الصرام، فإذا قلنا بقول الجمهور: إنه

[ 121 ]

يجوز قبل الصرام، فلا يخلو أن تكون بعد أن تزهى أو قبل أن تزهى. وقد قلنا إن ذلك لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا أو بيعا بشرط القطع أو بشرط التبقية. فأما بيعها قبل الزهو بشرط القطع فلا خلاف في جوازه إلا ما روي عن الثوري وابن أبي ليلى من منع ذلك. وهي رواية ضعيفة. وأما بيعها قبل الزهو بشرط التبقية فلا خلاف في أنه لا يجوز إلا ما ذكره اللخمي من جوازه تخريجا على المذهب. وأما بيعها قبل الزهو مطلقا، فاختلف في ذلك فقهاء الامصار. فجمهورهم على أنه لا يجوز: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والليث والثوري وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك إلا أنه يلزم المشتري عنده فيه القطع لا من جهة ما هو بيع ما لم يره بل من جهة أن ذلك شرط عنده في بيع الثمر على ما سيأتي بعد. أما دليل الجمهور على منع بيعها مطلقا قبل الزهو، فالحديث الثابت عن ابن عمر أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري فعلم أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبل الغاية، وأن هذا النهي يتناو البيع المطلق بشرط التبقية، ولما ظهر للجمهور أن المعنى في هذا خوف ما يصيب الثمار من الجائحة غالبا قبل أن تزهى لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك بعد نهيه عن بيع الثمرة قبل الزهو أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ لم يحمل العلماء النهي في هذا على الاطلاق: أعني النهي عن البيع قبل الازهاء بل رأى أن معنى النهي هو بيعه بشرط التبقية إلى الازهاء، فأجازوا بيعها قبل الازهاء بشرط القطع. واختلفوا إذا ورد البيع مطلقا في هذه الحال: هل يحمل على القطع وهو الجائز، أو على التبقية الممنوعة؟ فمن حمل الاطلاق على التبقية، أو رأى أن النهي يتناوله بعمومه قال: لا يجوز، ومن حمله على القطع قال: يجوز، والمشهور عن مالك أن الاطلاق محمول على التبقية، وقد قيل عنه إنه محمول على القطع. وأما الكوفيون فحجتهم في بيع الثمار مطلقا قبل أن تزهى حديث ابن عمر الثابت أن رسول الله (ص) قال: من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع قالوا: فلما جاز أن يشترطه المبتاع جاز بيعه مفردا، وحملوا الحديث الوارد بالنهي عن بيع الثمار قبل أن تزهى على الندب، واحتجوا لذلك بما روي عن زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد رسول الله (ص) يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الزمان، أصابه ما أضر به قشام ومراض - لعاهات يذكرونها - فلما كثرت خصومتهم عند النبي قال كالمشورة يشير بها عليهم: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها وربما قالوا: إن المعنى الذي دل عليه الحديث في قوله حتى يبدو صلاحه هو ظهور الثمرة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ وقد كان يجب على من قال من الكوفيين بهذا القول ولم يكن يرى رأي أبي حنيفة في أن من ضرورة بيع الثمار القطع أن يجيز بيع الثمار قبل بدو صلاحها على شرط التبقية،

[ 122 ]

فالجمهور يحملون جواز بيع الثمار بالشرط قبل الازهاء على الخصوص: أعني إذا بيع الثمر مع الاصل. وأما شراء الثمر مطلقا بعد الزهو فلا خلاف فيه، والاطلاق فيه عند جمهور فقهاء الامصار يقتضي التبقية، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: أرأيت إن منع الله الثمرة... الحديث. ووجه الدليل منه أن الجوائح إنما تطرأ في الاكثر على الثمار قبل بدو الصلاح، وأما بعد بدو الصلاح فلا تظهر إلا قليلا، ولو لم يجب في المبيع بشرط التبقية لم يكن هنالك جائحة تتوقع، وكان هذا الشرط باطلا. وأما الحنفية فلا يجوز عندهم بيع الثمر بشرط التبقية، والاطلاق عندهم كما قلنا محمول على القطع، وهو خلاف مفهوم الحديث، وحجتهم أن نفس بيع الشئ يقتضي تسليمه وإلا لحقه الغرر، ولذلك لم يجز أن تباع الاعيان إلى أجل. والجمهور على أن بيع الثمار مستثنى من بيع الاعيان إلى أجل لكون الثمر ليس يمكن أن ييبس كله دفعة، فالكوفيون خالفوا الجمهور في بيع الثمار في موضعين: أحدهما: في جواز بيعها قبل أن تزهى. والثاني: في منع تبقيتها بالشرط بعد الازهاء أو بمطلق العقد، وخلافهم في الموضع الاول أقوى من خلافهم في الموضع الثاني: أعني في شرط القطع وإن أزهى، وإنما كان خلافهم في الموضع الاول أقرب لانه من باب الجمع بين حديثي ابن عمر المتقدمين، لان ذلك أيضا مروي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير، وأما بدو الصلاح الذي جوز رسول الله (ص) البيع بعده، فهو أن يصفر فيه البسر ويسود فيه العنب إن كان مما يسود، وبالجملة أن تظهر في الثمر صفة الطيب، هذا هو قول جماعة فقهاء الامصار، لما رواه مالك عن حميد عن أنس أنه (ص) سئل عن قوله حتى يزهى، فقال: حتى يحمر وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود، والحب حتى يشتد. وكان زيد بن ثابت في رواية مالك عنه لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيار وهو مايو، وهو قول ابن عمر أيضا سئل عن قول رسول الله (ص) إنه نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهات، فقال عبد الله وأما الانواع المتقاربة الطيب فيجوز عنده

[ 123 ]

بيع بعضها بطيب البعض، وبدو الصلاح المعتبر عن مالك في الصنف الواحد من الثمر هو وجود الازهاء في بعضه لا في كله، إذا لم يكن ذلك الازهاء مبكرا في بعضه تبكيرا يتراخى عنه البعض بل إذا كان متتابعا، لان الوقت الذي تنجو الثمرة فيه في الغالب من العاهات هو إذا بدأ الطيب في الثمرة ابتداء متناسقا غير منقطع. وعند مالك أنه إذا بدا الطيب في نخلة بستان جاز بيعه وبيع البساتين المجاورة له إذا كان نخل البساتين من جنس واحد. وقال الشافعي، لا يجوز إلا بيع نخل البستان الذي يظهر فيه الطيب فقط. ومالك اعتبر الوقت الذي تؤمن فيه العاهة إذا كان الوقت واحدا للنوع الواحد. والشافعي اعتبر نقصان خلقة الثمر، وذلك أنه إذا لم يطب كان من بيع ما لم يخلق، وذلك أن صفة الطيب فيه وهي مشتراة لم تخلق بعد، لكن هذا - كما قال - لا يشترط في كل ثمرة بل في بعض ثمرة جنة واحدة وهذا لم يقل به أحد، فهذا هو مشهور ما اختلفوا فيه من بيع الثمار. ومن المسموع الذي اختلفوا فيه من هذا الباب ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن بيع السنبل حتى يبيض والعنب حتى يسود، وذلك أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها دون السنبل، لانه بيع ما لم تعلم صفته ولا كثرته. واختلفوا في بيع السنبل نفسه مع الحب، فجوز ذلك جمهور العلماء: مالك وأبو حنيفة وأهل المدينة وأهل الكوفة، وقال الشافعي: لا يجوز بيع النسبل نفسه وإن اشتد، لانه من باب الغرر وقياسا على بيعه مخلوطا بتبنه بعد الدرس. وحجة الجمهور شيئان: الاثر والقياس. فأما الاثر فما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص) نهى عن بيع النخيل حتى تزهى، وعن السنبل حتى تبيض وتأمن العاهة، نهى البائع والمشتري وهي زيادة على ما رواه مالك من هذا الحديث، والزيادة إذا كانت من الثقة مقبولة وروي عن الشافعي أنه لما وصلته هذه الزيادة رجع عن قوله، وذلك أنه لا يصح عنده قياس مع وجود الحديث. وأما بيع السنبل إذا أفرك ولم يشتد فلا يجوز عند مالك، إلا على القطع. وأما بيع السنبل غير محصود. فقيل عن مالك يجوز، وقيل لا يجوز، إلا إذا كان في حزمه. وأما بيعه في تبنه بعد الدرس فلا يجوز بلا خلاف فيما أحسب، هذا إذا كان جزافا، فأما إذا كان مكيلا فجائز عند مالك، ولا أعرف فيه قولا لغيره. واختلف الذين أجازوا بيع السنبل إذا طاب على من يكون حصاده ودرسه، فقال الكوفيون: على البائع حتى يعمله حبا للمشتري، وقال غيرهم: هو على المشتري. ومن هذا الباب ما ثبت أن رسول الله (ص) نهى عن بيعتين في بيعة وذلك من حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود وأبي هريرة. قال أبو عمر: وكلها من نقل العدول. فاتفق الفقهاء على القول بموجب هذا الحديث عموم، واختلفوا في التفصيل، أعني في الصورة التي ينطلق عليها هذا الاسم من التي لا ينطلق عليها. واتفقوا أيضا على بعضها، وذلك يتصور على وجوه ثلاثة: أحدها: إما في مثمونين بثمنين، أو مثمون واحد بثمنين،

[ 124 ]

أو مثمونين بثمن واحد على أن أحد البيعين قد لزم. أما في مثمونين بثمنين، فإن ذلك يتصور على وجهين: أحدهما: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمن كذا على أن تبيعني هذه الدار بثمن كذا، والثاني: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الاخرى بدينارين. وأما بيع مثمون واحد بثمنين، فإن ذلك يتصور أيضا على وجهين: أحدهما: أن يكون أحد الثمنين نقدا والآخر نسيئة، مثل أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بثمن كذا على أن أشتريه منك إلى أجل كذا بثمن كذا، وأما مثمونان بثمن واحد، فمثل أن يقول له: أبيعك أحد هذين بثمن كذا. أما الوجه الاول: وهو أن يقول له: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فنص الشافعي على أنه لا يجوز، لان الثمن في كليهما يكون مجهولا، لانه لو أفرد المبيعين لم يتفقا في كل واحد منهما على الثمن الذي اتفقا عليه في المبيعين في عقد واحد، وأصل الشافعي في رد بيعتين في بيعة إنما هو جهل الثمن أو المثمون. وأما الوجه الثاني: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الاخرى بدينارين على أن البيع قد لزم في أحدهما فلا يجوز عند الجميع، وسواء أكان النقد واحدا أو مختلفا، وخالف عبد العزيز بن أبي سلمة في ذلك، فأجازه إذا كان النقد واحدا أو مختلفا، وعلة منعه عند الجميع الجهل، وعند مالك من باب سد الذرائع لانه ممكن أن يختار في نفسه أحد الثوبين، فيكون قد باع ثوبا ودينارا بثوب ودينار، وذلك لا يجوز على أصل مالك. وأما الوجه الثالث: وهو أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بكذا أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع فيه واجبا فلا خلاف في أنه لا يجوز وأما إذ لم يكن البيع لازما في أحدهما فأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، لانهما افترقا على ثمن غير معلوم، وجعله مالك من باب الخيار، لانه إذا كان عنده على الخيار لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند مالك هو المانع، فعلة امتناع هذا الوجه الثالث عند الشافعي وأبي حنيفة من جهة جهل الثمن، فهو عندهما من بيوع الغرر التي نهي عنها، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا لامكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولا إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل ثم بدا له ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ومتفاضلا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدا، وإن كان الثمن غير نقد بل طعاما دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام متفاضلا. وأما إذا قال: أشتري منك هذا الثوب نقدا بكذا على أن تبيعه مني إلى أجل. فهو عندهم لا يجوز بإجماع، لانه من باب العينة وهو بيع الرجل ما ليس عنده، ويدخله أيضا علة جهل الثمن. وأما إذا قال له: أبيعك أحد هذين الثوبين بدينار وقد لزمه أحدهما أيهما يختار وافترقا قبل الخيار، فإذا كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن يسلم أحدهما في الثاني فإنه لا خلاف بين مالك والشافعي في أنه

[ 125 ]

لا يجوز، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه يجوز، وعلة المنع الجهل والغرر. وأما إن كانا من صنف واحد فيجوز عند مالك، ولا يجوز عند أبي حنيفة والشافعي وأما مالك فإنه أجازه لانه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الاصناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك. وأما من لا يجيزه فيعتبره بالغرر الذي لا يجوز. لانهما افترقا على بيع غير معلوم. وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز. وأن القليل يجوز. ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر. فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح لترددها بين القليل والكثير، فإذا قلنا بالجواز على مذهب مالك، فقبض الثوبين من المشتري على أن يختار فهلك أحدهما أو أصابه عيب فمن يصيبه ذلك؟ فقيل تكون المصيبة بينهما. وقيل بل يضمنه كله المشتري. إلا أن تقوم البينة على هلاكه. وقيل فرق في ذلك بين الثياب وما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه كالعبد فيضمن فيما يغاب عليه ولا يضمن فيما لا يغاب عليه. وأما هل يلزمه أخذ الباقي؟ قيل يلزم. وقيل لا يلزم. وهذا يذكر في أحكاالبيوع. وينبغي أن نعلم أن المسائل الداخلة في هذا المعنى هي: أما عند فقها الامصار فمن باب الغرر، وأما عند مالك فمنها ما يكون عنده من باب ذرائع الربا، ومنها ما يكون من باب الغرر. فهذه هي المسائل التي تتعلق بالمنطوق به في هذا الباب. وأما نهيه عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط فهو وإن كان سببه الغرر فالاشبه أن نذكرها في المبيعات الفاسدة من قبل الشروط. فصل: وأما المسائل المسكوت عنها في هذا الباب المختلف فيها بين فقهاء الامصار فكثيرة، لكن نذكر منها أشهرها لتكون كالقانون للمجتهد النظار. مسألة: المبيعات على نوعين: مبيع حاضر مرئي، فهذا لا خلاف في بيعه. ومبيع غائب أو متعذر الرؤية، فهنا اختلف العلماء، فقال قوم: بيع الغائب لا يجوز بحال من الاحوال لا ما وصف ولا ما لم يوصف. وهذا أشهر قولي الشافعي وهو المنصوص عند أصحابه، أعني أن بيع الغائب على الصفة لا يجوز، وقال مالك وأكثر أهل المدينة: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه قبل القبض صفته، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع العين الغائبة من غير صفة، ثم له إذا رآها الخيار، فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة من شرطه عندهم خيار الرؤية وإن جاء على الصفة وعند مالك أنه إذا جاء على الصفة فهو لازم، وعند الشافعي لا ينعقد البيع أصلا في الموضعين، وقد قيل في المذهب: يجوز بيع الغائب من غير صفة على شرط الخيار خيار الرؤية، وقع ذلك في المدونة، وأنكره عبد الوهاب وقال: هو مخالف لاصولنا. وسبب الخلاف: هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هو جهل مؤثر في بيع الشئ فيكون من الغرر الكثير، أم ليس بمؤثر وأنه من الغرر اليسير المعفو عنه؟ فالشافعي رآه من الغرر الكثير،

[ 126 ]

ومالك رآه من الغرر اليسير، وأما أبو حنيفة فإنه رأى أنه إذا كان له خيار الرؤية أنه لا غرر هناك وإن لم تكن رؤية، وأما مالك فرأى أن الجهل المقترن بعدم الصفة مؤثر في انعقاد البيع، ولا خلاف عند مالك أن الصفة إنما تنوب عن المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره، وما يخاف أن يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه، ولهذا أجاز البيع على البرنامج على الصفة، ولم يجز عنده بيع السلاح في جرابه ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشر أو ينظر إلى ما في جرابها. واحتج أبو حنيفة بما روي عن ابن المسيب أنه قال: قال أصحاب النبي (ص): وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف تبايعا حتى نعلم أيهما أعظم جدا في التجارة، فاشترى عبد الرحمن من عثمان بن عفان فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألفا أو أربعة آلاف. فذكر تمام الخبر. وفيه بيع الغائب مطلقا، ولا بد عند أبي حنيفة من اشتراط الجنس. ويدخل البيع على الصفة أو على خيار الرؤية من جهة ما هو غائب غرر آخر، وهو هل هو موجود وقت العقد أو معدوم؟ ولذلك اشترطوا فيه أن يكون قريب الغيبة إلا أن يكون مأمونا كالعقار. ومن ههنا أجاز مالك بيع الشئ برؤية متقدمة، أعني إذا كان من القرب بحيث يؤمن أن لا تتغير فيه. فاعلمه. مسألة: وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الاعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة، إلا أن مالكا وربيعة وطائفة من أهل المدينة أجازوا بيع الجارية الرفيعة على شرط المواضعة، ولم يجيزوا فيها النقد كما لم يجزه مالك في بيع الغائب. وإنما منع ذلك الجمهور لما يدخله من الدين بالدين، ومن عدم التسليم، ويشبه أن يكون بيع الدين بالدين من هذا الباب، أعني لما يتعلق بالغرر من عدم التسليم من الطرفين لا من باب الربا، وقد تكلمنا في علة الدين بالدين، ومن هذا الباب ما كان يرى ابن القاسم أنه لا يجوز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه ثمرا قد بدا صلاحه ويراه من باب الدين بالدين، وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: إنما الدين بالدين ما لم يشرع في قبض شئ منه، أعني أنه كان يرى أن قبض الاوائل من الاثمان يقوم مقام قبض الاواخر، وهو القياس عند كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. مسألة: أجمع فقهاء الامصار على بيع الثمر الذي يثمر بطنا واحدا يطيب بعضه وإن لم تطب جملته معا، واختلفوا فيما يثمر بطونا مختلفة، وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن البطون المختلفة لا تخلو أن تتصل أو لا تتصل فإن لم تتصل لم يكن بيع ما لم يخلق منها داخلا فيما خلق كشجر التين يوجد فيه الباكور والعصير، ثم إن اتصلت فلا يخلو أن تتميز البطون أو لا تتميز، فمثال المتميز جز القصيل الذي يجز مدة بعد مدة. ومثال غير المتميز المطابخ والمقاثئ والباذنجان والقرع، ففي الذي يتميز عنه وينفصل روايتان: إحداهما الجواز والاخرى المنع. وفي الذي يتصل ولا يتميز قول واحد وهو الجواز، وخالفه

[ 127 ]

الكوفيون وأحمد وإسحق والشافعي في هذا كله، فقالوا: لا يجوز بيع بطن منها بشرط بطن آخر، وحجة مالك فيما لا يتميز أنه لا يمكن حبس أوله على آخره، فجاز أن يباع ما لم يخلق منها مع ما خلق وبدا صلاحه، أصله جواز بيع ما لم يطب من الثمر مع ما طاب، لان الغرر في الصفة شبهه بالغرر في عين الشئ. وكأنه رأى أن الرخصة ههنا يجب أن تقاس على الرخصة في بيع الثمار، أعني ما طاب مع ما لم يطب لموضع الضرورة، والاصل عنده أن من الغرر ما يجوز لموضع الضرورة، ولذلك منع على إحدى الروايتين عنده بيع القصيل بطنا أكثر من واحد لانه لا ضرورة هناك إذا كان متميزا. وأما وجه الجواز في القصيل فتشبيها له بما لا يتميز وهو ضعيف. وأما الجمهور فإن هذا كله عندهم من بيع ما لم يخلق، ومن باب النهي عن بيع الثمار معاومة. واللفت والجزر والكرنب جائز عند مالك بيعه إذا بدا صلاحه وهو استحقاقه للاكل، ولم يجزه الشافعي إلا مقلوعا، لانه من باب بيع المعيب، ومن هذا الباب بيع الجوز واللوز والباقلا في قشره، أجازه مالك، ومنعه الشافعي. والسبب في اختلافهم: هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين، وأن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما جمع الامرين. ومن هذا الباب بيع السمك في الغدير أو البركة اختلفوا فيه أيضا، فقال أبو حنيفة: يجوز، ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب، وهو الذي تقتضي أصوله. ومن ذلك بيع الآبق أجازه قوم بإطلاق، ومنعه قوم بإطلاق ومنهم الشافعي، وقال مالك: إذا كان معلوم الصفة معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز، وأظنه اشترط أن يكون معلوم الاباق، ويتواضعان الثمن أعني أنه لا يقبضه البائع حتى يقبضه المشتري، لانه يتردد عند العقد بين بيع وسلف، وهذا أصل من أصوله يمنع به النقد في بيع المواضعة وفي بيع الغائب غير المأمون، وفيما كان من هذا الجنس. وممن قال بجواز بيع الآبق والبعير الشارد عثمان البتي. والحجة للشافعي: حديث شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) نهى عن شراء العبد الآبق، وعن شراء ما في بطون الانعام حتى تضع، وعن شراء ما في ضروعها، وعن شراء الغنائم حتى تقسم وأجاز مالك بيع لبن الغنم أياما معدودة إذا كان ما يحلب منها معروفا في العادة. ولم يجز ذلك في الشاة الواحدة، وقال سائر الفقهاء: لا يجوز ذلك إلا بكيل معلوم بعد الحلب. ومن هذا الباب منع مالك بيع اللحم في جلده. ومن هذا الباب بيع المريض، أجازه مالك إلا أن يكون ميؤوسا منه، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، وهي رواية أخرى عنه ومن هذا الباب بيع تراب المعدن والصواغين، فأجاز مالك بيع تراب المعدن بنقد يخالفه أو بعرض، ولم يجز بيع تراب الصاغة، ومنع الشافعي البيع في الامرين جميعا، وأجازه قوم في الامرين جميعا، وبه قال الحسن البصري، فهذه هي البيوع

[ 128 ]

التي يختلف فيها أكثر ذلك من قبل الجهل بالكيفية. وأما اعتبار الكمية فإنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يباع شئ من المكيل أو الموزون أو المعدود أو الممسوح إلا أن يكون معلوم القدر عند البائع والمشتري، واتفقوا على أن العلم الذي يكون بهذه الاشياء من قبل الكيل المعلوم أو الصنوج المعلومة مؤثر في صحة البيع، وفي كل ما كان غير معلوم الكيل والوزن عند البائع والمشتري من جميع الاشياء المكيلة والموزونة والمعدودة والممسوحة، وأن العلم بمقادير هذه الاشياء التي تكون من قبل الحزر والتخمين وهو الذي يسمونه الجزاف يجوز في أشياء ويمنع في أشياء. وأصل مذهب مالك في ذلك أنه يجوز في كل ما المقصود منه الكثرة لا آحاد وهو عنده على أصناف: منها ما أصله الكيل ويجوز جزافا، وهي المكيلات والموزونات، ومنها ما أصله الجزاف ويكون مكيلا، وهي الممسوحات كالارضين والثياب، ومنها ما لا يجوز فيها التقدير أصلا بالكيل والوزن، بل إنما يجوز فيها العدد فقط ولا يجوز بيعها جزافا، وهي كما قلنا التي المقصود منها آحاد أعيانها. وعند مالك أن التبر والفضة الغير المسكوكين يجوز بيعهما جزافا ولا يجوز ذلك في الدراهم والدنانير، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ويكره. ويجوز عند مالك أن تباع الصبرة المجهولة على الكيل: أي كل كيل منها بكذا، فما كان فيها من الاكيال وقع من تلك القيمة بعد كيلها والعلم بمبلغها، وقال أبو حنيفة: لا يلزم إلا في كيل واحد وهو الذي سمياه. ويجوز هذا البيع عند مالك في العبيد والثياب وفي الطعام، ومنعه أبو حنيفة في الثياب والعبيد، ومنع ذلك غيره في الكل فيما أحسب للجهل بمبلغ الثمن. ويجوز عند مالك أن يصدق المشتري البائع في كيلها إذا لم يكن البيع نسيئة، لانه يتهمه أن يكون صدقه لينظره بالثمن، وعند غيره لا يجوز ذلك حتى يكتالها المشتري لنهيه (ص) عن بيع الطعام حتى تجرى فيه الصيعان وأجازه قوم على الاطلاق، وممن منعه أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وممن أجازه بإطلاق عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة، ولا يجوز عند مالك أن يعلم البائع الكيل ويبيع المكيل جزافا ممن يجهل الكيل، ولايجوز عند الشافعي وأبي حنيفة. والمزابنة المنهي عنها هي عند مالك من هذا الباب، وهي بيع مجهول الكمية بمجهول الكمية، وذلك أما في الربويات فلموضع التفاضل، وأما في غير الربويات فلعدم تحقق القدر. الباب الرابع: في بيوع الشروط والثنيا وهذه البيوع الفساد الذي يكون فيها هو راجع إلى الفساد الذي يكون من قبل الغرر، ولكن لما تضمنها النص وجب أن تجعل قسما من أقسام البيوع الفاسدة على حدة. والاصل في اختلاف الناس في هذا الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث جابر قال: ابتاع مني رسول الله (ص) بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة وهذا الحديث في الصحيح. والحديث الثاني: حديث بريرة أن رسول الله (ص) قال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة

[ 129 ]

شرط والحديث متفق على صحته. والثالث: حديث جابر قال: نهى رسول الله (ص) عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا، ورخص في العرايا وهو أيضا في الصحيح خرجه مسلم. ومن هذا الباب ما روي عن أبي حنيفة أنه روى أن رسول الله (ص) نهى عن بيع وشرط فاختلف العلماء لتعارض هذه الاحاديث في بيع وشرط، فقال قوم: البيع فاسد والشرط جائز. وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة، وقال قوم: البيع جائز والشرط جائز، وممن قال بهذا القول ابن أبي شبرمة، وقال قوم: البيع جائز والشرط باطل، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى، وقال أحمد: البيع جائز مع شرط واحد، وأما مع شرطين فلا فمن أبطل البيع والشرط أخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط، ولعموم نهيه عن الثنيا، ومن أجازهما جميعا أخذ بحديث عمر الذي ذكر فيه البيع والشرط، ومن أجاز البيع وأبطل الشرط أخذ بعموم حديث بريرة، ومن لم يجز الشرطين وأجاز الواحد احتج بحديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود قال: قال رسول الله (ص) لا يحل سلف وبيع، ولا يجوز شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس هو عندك. وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط تبطل هي والبيع معا، وشروط تجوز هي والبيع معا، وشروط تبطل ويثبت البيع. وقد يظن أن عنده قسما رابعا وهو أن من الشروط ما إن يمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه الاصناف الاربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا والغرر وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصا في الملك، فما كان دخول هذه الاشياء فيه كثيرا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان قليلا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطا أبطل الشرط وأجاز البيع. ويرى أصحابه أن مذهبه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الاحاديث كلها، والجمع عندهم أحسن من الترجيح. وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات متقاربة، وأحد من له ذلك جدي والمازري والباجي، وتفصيله في ذلك أن قال: إن الشرط في المبيع يقع على ضربين أولين: أحدهما: أن يشترطه بعد انقضاء الملك مثل من يبيع الامة أو العبد، ويشترط أنه متى عتق كان له ولاؤه دون المشتري، فمثل هذا قالوا: يصح فيه العقد ويبطل الشرط لحديث بريرة. والقسم الثاني: أن يشترط عليه شرطا يقع في مدة الملك، وهذا قالوا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يشترط في المبيع منفعة لنفسه، وإما أن يشترط على المشتري منعا من تصرف عام أو خاص، وإما أن يشترط إيقاع معنى في المبيع، وهذا أيضا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون معنى من معاني البر. والثاني: أن يكون معنى ليس فيه من البر شئ. فأما إذا اشترط لنفسه منفعة يسيرة لا تعود بمنع التصرف في أصل المبيع، مثل أن يبيع الدار ويشترط سكناها مدة يسيرة مثل

[ 130 ]

الشهر، وقيل السنة، فذلك جائز على حديث جابر. وأما أن يشترط منعا من تصرف خاص أوعام، فذلك لا يجوز لانه من الثنيا، مثل أن يبيع الامة على أن لا يطأها أو لا يبيعها، وأما أن يشترط معنى من معاني البر مثل العتق، فإن كان اشترط تعجيله جاز عنده، وإن تأخر لم يجز لعظم الغرر فيه. وبقول مالك في إجازة البيع بشرط العتق المعجل قال الشافعي على أن من قوله منع بيع وشرط، وحديث جابر عنده مضطرب اللفظ، لان في بعض رواياته أنه باعه واشترط ظهره إلى المدينة، وفي بعضها أنه أعاره ظهره إلى المدينة. ومالك رأى هذا من باب الغرر اليسير فأجازه في المدة القليلة ولم يجزه في الكثيرة. وأما أبو حنيفة فعلى أصله في منع ذلك. وأما إن اشترط معنى في المبيع ليس ببر مثل أن لا يبيعها، فذلك لا يجوز عند مالك، وقيل عنه: البيع مفسوخ، وقيل: بل يبطل الشرط فقط. وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت علي المبيع فإنه لا يجوز عند مالك، لانه يكون مترددا بين البيع والسلف، إن جاء بالثمن كان سلفا، وإن لم يجئ كان بيعا. واختلف في المذهب هل يجوز ذلك في الاقالة أم لا؟ فمن رأى أن الاقالة بيع فسخها عنده ما يفسخ سائر البيوع، ومن رأى أنها فسخ فرق بينها وبين البيوع. واختلف أيضا فيمن باع شيئا بشرط أن لا يبيعه حتى ينتصف من الثمن، فقيل عن مالك يجوز ذلك لان حكمه حكم الرهن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرهن هو المبيع أو غيره، وقيل عن ابن القاسم: لا يجوز ذلك، لانه شرط يمنع المبتاع التصرف في المبيع المدة البعيدة التي لا يجوز للبائع اشتراط المنفعة فيها، فوجب أن يمنع صحة البيع، ولذلك قال ابن المواز إنه جائز في الامد القصير. ومن المسموع في هذا الباب نهيه (ص) عن بيع وسلف، اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض، فمنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، وأجاز مالك وأصحابه إلا محمد بن عبد الحكم، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور، وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي عنه مع أن الثمن يكون في المبيع مجهولا لاقتران السلف به. وقد روي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر فلما عقد البيع قال: أنا أدع الزق، قال: وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فأجاب إسماعيل عن هذا بجواب لا تقوم به حجة، وهو أن قال له: الفرق بينهما أن مشترط السلف هو مخير في تركه، أو عدم تركه، وليس كذلك مسألة زق الخمر وهذا الجواب هو نفس الشئ الذي طولب فيه بالفرق، وذلك أنه يقال له: لم كان هنا مخيرا ولم يكن هنالك مخيرا في أن يترك الزق ويصح البيع؟ والاشبه أن يقال إن التحريم ههنا لم يكن لشئ محرم بعينه وهو السلف لان السلف مباح، وإنما وقع التحريم من أجل الاقتران: أعني اقتران البيع به، وكذلك البيع في نفسه جائز، وإنما امتنع من قبل اقتران

[ 131 ]

الشرط به، وهنالك إنما امتنع البيع من أجل اقتران شئ محرم لعينه به، لا أنه شئ محرم من قبل الشرط. ونكتة المسألة هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا يرتفع كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرم العين به؟ وهذا أيضا ينبني على أصل آخر هو هل هذا الفساد حكمي أو معقول؟ فإن قلنا حكمي لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا معقول ارتفع بارتفاع الشرط. فمالك رآه معقولا، والجمهور رأوه غير معقول. والفساد الذي يوجد في بيوع الربا والغرر هو أكثر ذلك حكمي ولذلك ليس ينعقد عندهم أصلا، وإن ترك الربا بعد البيع أو ارتفع الغرر. واختلفوا في حكمه إذا وقع على ما سيأتي في أحكام البيوع الفاسدة. ومن هذا الباب بيع العربان، فجمهور علماء الامصار على أنه غير جائز. وحكي عن قوم من التابعين أنهم أجازوه، منهم مجاهد وابن سيرين ونافع بن الحار ث وزيد بن أسلم. وصورته: أن يشتري الرجل شيئا فيدفع إلى المبتاع من ثمن ذلك المبيع شيئا على أنه إن نفذ البيع بينهما كان ذلك المدفوع من ثمن السلعة، وإن لم ينفذ ترك المشتري بذلك الجزء من الثمن عند البائع ولم يطالبه به، وإنما صار الجمهور إلى منعه لانه من باب الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، وكان زيد يقول: أجازه رسول الله (ص). وقال أهل الحديث: ذلك غير معروف عن رسول الله (ص). وفي الاستثناء مسائل مشهورة من هذا الباب اختلف الفقهاء فيها أعني هل تدخل تحت النهي عن الثنيا، أم ليست تدخل؟ فمن ذلك أن يبيع الرجل حاملا ويستثني ما في بطنها، فجمهور فقهاء الامصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري على أنه لا يجوز، وقال أحمد وأبو ثور وداود ذلك جائز، وهو مروي عن ابن عمر. وسبب الخلاف: هل المستثنى مبيع مع ما استثنى منه، أم ليس بمبيع وإنما هو باق على ملك البائع؟ فمن قال مبيع قال: لا يجوز وهو من الثنيا المنهي عنها لما فيها من الجهل بصفته وقلة الثقة بسلامة خروجه؟ ومن قال هو باق على ملك البائع أجاز ذلك، وتحصيل مذهب مالك فيمن باع حيوانا واستثنى بعضه أن ذلك البعض لا يخلو أن يكون شائعا أو معينا أو مقدرا، فإن كان شائعا فلا خلاف في جوازه مثل أن يبيع عبدا إلا ربعه. وأما إن كان معينا فلا يخلو أن يكون مغيبا مثل الجنين، أو يكون غير مغيب، فإن كان مغيبا فلا يجوز، وإن كان غير مغيب كالرأس واليد والرجل، فلا يخلو الحيوان أن يكون مما يستباح ذبحه أو لا يكون، فإن كان مما لا يستباح ذبحه فإنه لا يجوز، لانه لا يجوز أن يبيع أحد غلاما ويستثني رجله، لان حقه غير متميز، ولا متبعض وذلك مما لا خلاف فيه، وإن كان الحيوان مما يستباح ذبحه، فإن باعه واستثنى منه عضوا له قيمة بشرط الذبح، ففي المذهب فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز وهو المشهور، والثاني: يجوز، وهو قول ابن حبيب جوز بيع الشاة مع استثناء القوائم والرأس. وأما إذا لم يكن المستثنى قيمة فلا خلاف في جوازه في المذهب، ووجه قول مالك أنه إن كان استثناؤه بجلده فما تحت الجلد مغيب وإن كان لم يستثنه بجلده فإنه لا يدري بأي صفة يخرج له بعد كشط الجلد

[ 132 ]

عنه. ووجه قول ابن حبيب أنه استثنى عضوا معينا معلوما، فلم يضره ما عليه من الجلد أصله شراء الحب في سنبله والجوز في قشره. وأما إن كان المستثنى من الحيوان بشرط الذبح إما عرفا وإما ملفوظا به جزءا مقدرا مثل أرطال من جزور، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: المنع، وهي رواية ابن وهب، والثانية: الاجازة في الارطال اليسيرة فقط، وهي رواية ابن القاسم. وأجمعوا من هذا الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه واستثناء نخلات معينات منه قياسا على جواز شرائها. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يستثني من حائط له عدة نخلات غير معينات إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع، لانه بيع ما لم يره المتبايعان واختلفوا في الرجل يبيع الحائط ويستثنى منه عدة نخلات بعد البيع، فمنعه الجمهور لمكان اختلاف صفة النخيل، وروي عن مالك إجازته، ومنع ابن القاسم قوله في النخلات وأجازه في استثناء الغنم. وكذلك اختلف قول مالك وابن القاسم في شراء نخلات معدودة من حائطه على أن يعينها بعد الشراء المشتري فأجازه مالك ومنعه ابن القاسم. وكذلك اختلفوا إذا استثنى البائع مكيلة من حائط، قال أبو عمر بن عبد البر: فمنع ذلك فقهاء الامصار الذين تدور الفتوى عليهم، وألفت الكتاب على مذاهبهم لنهيه (ص) عن الثنيا في البيع، لانه استثناء مكيل من جزاف، وأما مالك وسلفه من أهل المدينة فإنهم أجازوا ذلك فيما دون الثلث ومنعوه فيما فوقه، وحملوا النهي عن الثنيا على ما فوق الثلث، وشبهوا بيع ما عدا المستثنى ببيع الصبرة التي لا يعلم مبلغ كيلها فتباع جزافا ويستثنى منها كيل ما، وهذا الاصل أيضا مختلف فيه، أعني إذا استثني منها كيل معلوم واختلف العلماء من هذا الباب في بيع وإجارة معا في عقد واحد، فأجازه مالك وأصحابه، ولم يجزه الكوفيون ولا الشافعي، لان الثمن يرون أنه يكون حينئذ مجهولا، ومالك يقول إذا كانت الاجارة معلومة لم يكن الثمن مجهولا، وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة. وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف أو البيع كما قلنا. واختلف قول مالك في إجازة السلف والشركة، فمرأجاز ذلك ومرة منعه، وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافهم بالاقل والاكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها، فمن قويت عنده علة المنع في مسألة منها منعها، ومن لم تقو عنده أجازها، وذلك راجع إلى ذوق المجتهد، لان هذه الموا يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها، ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابا، ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير.

[ 133 ]

الباب الخامس: في البيوع المنهي عنها من أجل الضرر أو الغبن والمسموع من هذا الباب ما ثبت من نهيه (ص) عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن أن يسوم أحد على سوم أخيه، ونهيه عن تلقي الركبان، ونهيه عن أن يبيع حاضر لباد، ونهيه عن النجش. وقد اختلف العلماء في تفصيل معاني هذه الآثار اختلافا ليس بمتباعد، فقال مالك: معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا يبع بعضكم على بيع بعض ومعنى نهيه عن أن يسوم أحد على سوم أخيه واحد، وهي في الحالة التي إذا ركن البائع فيها إلى السائم ولم يبق بينهما إلا شئ يسير مثل اختيار الذهب أو اشتراط العيوب أو البراءة منها، وبمثل تفسير مالك فسر أبو حنيفة هذا الحديث. وقال الثوري معنى لا يبع بعضكم على بيع بعض أن لا يطرأ رجل آخر على المتبايعين فيقول: عندي خير من هذه السلعة. ولم يحد وقت ركون ولا غيره. وقال الشافعي: معنى ذلك إذا تم البيع باللسان ولم يفترقا فأتى أحد يعرض عليه سلعة له هي خير منها، وهذا بناء على مذهبه في أن البيع إنما يلزم بالافتراق، فهو ومالك متفقان على أن النهي إنما يتناول حالة قرب لزوم البيع على ما سنذكره بعد، وفقهاء الامصار على أن هذا البيع يكره، وإن وقع مضى لانه سوم على بيع لم يتم، وقال داود وأصحابه: إن وقع فسخ في أي حالة وقع تمسكا بالعمو، وروي عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت، وأنكر ابن الماجشون ذلك في البيع فقال: وإنما قال بذلك مالك في النكاح وقد تقدم ذلك. واختلفوا في دخول الذمي في النهي عن سوم غيره، فقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين الذمي وغيره وقال الاوزاعي: لا بأس بالسوم على سوم الذمي لانه ليس بأخي المسلم، وقد قال (ص) لا يسم أحد على سوم أخيه ومن هنا منع قوم بيع المزايدة وإن كان الجمهور على جوازه. وسبب الخلاف: بينهم هل يحمل هذا النهي على الكراهة أو على الحظر، ثم إذا حمل على الحظر فهل يحمل على جميع الاحوال، أو في حالة دون حالة؟. فصل: وأما نهيه عن تلقي الركبان للبيع، فاختلفوا في مفهوم النهي ما هو، فرأى مالك أن المقصود بذلك أهل الاسواق لئلا ينفرد المتلقي برخص السلعة، دون أهل الاسواق، ورأى أنه لا يجوز أن يشتري أحد سلعة حتى تدخل السوق، هذا إذا كان التلقي قريبا، فإن كان بعيدا فلا بأس به، وحد القرب في المذهب بنحو من ستة أميال، ورأى أنه إن وقع جاز، ولكن يشرك المشتري أهل الاسواق في تلك السلعة التي من شأنها أن يكون ذلك سوقها. وأما الشافعي فقال: إن المقصود بالنهي إنما هو لاجل البائع لئلا يغبنه المتلقي، لان البائع يجهل سعر البلد، وكان يقول: إذا وقع فرب السلعة بالخيار إن شاء

[ 134 ]

أنفذ البيع أو رده. ومذهب الشافعي هو نص في حديث أبي هريرة الثابت عن رسول الله (ص) أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تتلقوا الجلب، فمن تلقى منه شيئا فاشتراه، فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق أخرجه مسلم وغيره. فصل: وأما نهيه (ص) عن بيع الحاضر للباد، فاختلف العلماء في معنى ذلك، فقال قوم: لا يبع أهل الحضر لاهل البادية قولا واحدا. واختلف عنه في شراء الحضري للبدوي، فمرة أجازه، وبه قال ابن حبيب. ومرة منعه، وأهل الحضر عنده هم أهل الامصار، وقد قيل عنه إنه لا يجوز أن يبيع أهل القرى لاهل العمود المنتقلين، وبمثل قول مالك قال الشافعي والاوزاعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه، لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي ويخبره بالسعر، وكرهه مالك، أعني أن يخبر الحضري البادي بالسعر، وأجازه الاوزاعي. والذين منعوه اتفقوا على أن القصد بهذا النهي هو إرفاق أهل الحضر، لان الاشياء عند أهل البادية أيسر من أهل الحاضرة، وهي عندهم أرخص، بل أكثر ما يكون مجانا عندهم: أي بغير ثمن، فكأنهم رأوا أنه يكره أن ينصح الحضري للبدوي، وهذا مناقض لقوله عليه الصلاة والسلام الدين النصيحة وبهذا تمسك في جوازه أبو حنيفة. وحجة الجمهور حديث جابر عند مسلم وأبو داود قال: قال رسول الله (ص) لا يبع حاضر لباد، ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وهذه الزيادة انفرد بها أبو داود فيما أحسب، والاشبه أن يكون من باب غبن البدوي لانه يرد والسعر مجهول عنده، إلا أن تثبت هذه الزيادة، ويكون على هذا معنى الحديث معنى النهي عن تلقي الركبان على ما تأوله الشافعي: إذا وقع فقد تم وجاز البيع لقوله عليه الصلاة والسلام دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض واختلف في هذا المعنى أصحاب مالك، فقال بعضهم: يفسخ، وقال بعضهم: لا يفسخ. فصل: وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن النجش، فاتفق العلماء على منع ذلك، وأن النجش هوأن يزيد أحد في سلعة وليس في نفسه شراؤها، يريد بذلك أن ينفق البائع ويضر المشتري، واختلفوا إذا وقع هذا البيع، فقال أهل الظاهر: هو فاسد، وقال مالك: هو كالعيب والمشتري بالخيار، إن شاء أن يرد رد، وإن شاء أن يمسك أمسك، وقال أبو حنيفة والشافعي: وإن وقع أتم وجاز البيع. وسبب الخلاف: هل يتضمن النهي فساد المنهي، وإن كان النهي ليس في نفس الشئ بل من خارج، فمن قال يتضمن فسخ البيع لم يجزه، ومن قال ليس يتضمن أجازه. والجمهور على أن النهي عن الربا والغرر إذا ورد لمعنى في المنهي عنه أنه يتضمن الفساد، مثل النهي عن الربا والغرر، وإذا ورد الامر من خارج لم يتضمن الفساد، ويشبه أن يدخل في هذا الباب نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الماء لقوله عليه الصلاة والسلام في بعض ألفاظه إنه نهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلا وقال أبو بكر بن المنذر: ثبت أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الماء، ونهى عن بيع فضل الماء ليمنع

[ 135 ]

به الكلا وقال: لا يمنع وهو بئر ولا بيع ماء. واختلف العلماء في تأويل هذا النهي، فحمله جماعة من العلماء على عمومه، فقالوا: لا يحل بيع الماء بحال كان من بئر أو غدير أو عين في أرض مملكة أو غير مملكة، غير أنه إن كان متملكا كان أحق بمقدار حاجته منه، وبه قال يحيى بن يحيى قال: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلا. وبعضهم خصص هذه الاحاديث بمعارضة الاصول لها، وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه كما قال عليه الصلاة والسلام، وانعقد عليه الاجماع، والذين خصصوا هذا المعنى اختلفوا في جهة تخصيصه، فقال قوم: معنى ذلك أن البئر يكون بين الشريكين يسقي هذا يوما، فيروي زرع أحدهما في بعض يومه، ولا يروي في اليوم الذي لشريكه زرعه، فيجب عليه أن لا يمنع شريكه من الماء بقية ذلك اليوم. وقال بعضهم: إنما تأويل ذلك في الذي يزرع على مائه فتنهار بئره ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره، والتأويلان قريبان، ووجه التأويلين أنهم حملوا المطلق في هذين الحديثين على المقيد وذلك أنه نهى عن بيع الماء مطلقا، ثم نهى عن منع فضل الماء، فحملوا المطلق في هذا الحديث على المقيد وقالوا: الفضل هو الممنوع في الحديثين. وأما مالك فأصل مذهبه أن الماء متى كان في أرض متملكة منيعة فهو لصاحب الارض له بيعه ومنعه، إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم ويخاف عليهم الهلاك، وحمل الحديث على آبار الصحراء التي تتخذ في الارضين الغير متملكة، فرأى أن صاحبها - أعني الذي حفرها - أولى بها، فإذا روت ماشيته ترك الفضل للناس، وكأنه رأى أن البئر لا تتملك بالاحياء. ومن هذا الباب التفرقة بين الوالدة وولدها، وذلك أنهم اتفقوا على منع التفرقة في المبيع بين الام وولدها، لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة واختلفوا من ذلك في موضعين في وقت جواز التفرقة وفي حكم البيع إذا وقع. فأما حكم البيع فقال مالك: يفسخ، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفسخ وأثم البائع والمشتري. وسبب الخلاف: هل النهي يقتضي فساد المنهي إذا كان لعلة من خارج؟ وأما الوقت الذي ينتقل فيه المنع إلى الجواز، فقال مالك: حد ذلك الاثغار، وقال الشافعي: حد ذلك سبع سنين أو ثمان، وقال الاوزاعي: حده فوق عشر سنين: وذلك أنه إذا نفع نفسه واستغنى في حياته عن أمه. ويلحق بهذا الباب إذا وقع في البيع غبن لا يتغابن الناس بمثله هل يفسخ البيع أم لا؟ فالمشهور في المذهب أن لا يفسخ. وقال عبد الوهاب: إذا كان فوق الثلث رد، وحكاه عن بعض أصحاب مالك، وجعله عليه الصلاة والسلام الخيار لصاحب الجلب إذا تلقي خارج المصر دليل على اعتبار الغبن، وكذلك ما جعل لمنقذ بن حبان من الخيار ثلاثا لما ذكر أنه يغبن في البيوع، ورأى قوم من السلف الاول أن حكم الوالد في ذلك حكم الوالدة، وقوم رأوا ذلك في الاخوة.

[ 136 ]

الباب السادس: في النهي من قبل وقت العبادات وذلك إنما ورد في الشرع في وقت وجوب المشي إلى الجمعة فقط لقوله تعالى: * (إذا نودي للصلاة من يوالجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * وهذا أمر مجمع عليه فيما أحسب، أعني منع البيع عند الاذان الذي يكون بعد الزوال والامام على المنبر. واختلفوا في حكمه إذا وقع هل يفسخ أو لا يفسخ؟ فإن فسخ فعلى من يفسخ؟ وهل يلحق سائر العقود في هذا المعنى بالبيع أم لا يلحق؟ فالمشهور عند مالك أنه يفسخ، وقد قيل لا يفسخ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وسبب الخلاف: كما قلنا غير ما مرة هل النهي الوارد لسبب من خارج يقتضي فساد المنهي عنه أو لا يقتضيه؟ وأما على من يفسخ؟ فعند مالك على من تجب عليه الجمعة لا على من لا تجب عليه. وأما أهل الظاهر فتقتضي أصولهم أن يفسخ على كل بائع. وأما سائر العقود فيحتمل أن تلحق بالبيوع، لان فيها المعنى الذي في البيع من الشغل به عن السعي إلى الجمعة ويحتمل أن لا يلحق به لانها تقع في هذا الوقت نادرا بخلاف البيوع. وأما سائر الصلوات فيمكن أن تلحق بالجمعة على جهة الندب لمرتقب الوقت، فإذا فات فعلى جهة الحظر، وإن كان لم يقل به أحد في مبلغ علمي، ولذلك مدح الله تاركي البيوع لمكان الصلاة، فقال تعالى: * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) *. وإذ قد أثبتت أسباب الفساد العامة للبيوع فلنصر إلى ذكر الاسباب والشروط المصححة له وهو القسم الثاني من النظر العام في البيوع. القسم الثاني: والاسباب والشروط المصححة للبيع هي بالجملة ضد الاسباب المفسدة له، وهي منحصرة في ثلاثة أجناس: النظر الاول: في العقد. والثاني: في المعقود عليه. والثالث: في العاقدين، ففي هذا القسم ثلاثة أبواب. الباب الاول: في العقد والعقد لا يصح إلا بألفاظ البيع والشراء التي صيغتها ماضية مثل أن يقول البائع: قد بعت منك، ويقول المشتري: قد اشتريت منك، وإذا قال له: بعني سلعتك بكذا وكذا فقال: قد بعتها. فعند مالك أن البيع قد وقع وقد لزم المستفهم إلا أن يأتي في ذلك بعذر، وعند الشافعي أنه لا يتم البيع حتى يقول المشتري: قد اشتريت، وكذلك إذا قال المشتري للبائع: بكم تبيع سلعتك؟ فيقول للمشتري بكذا وكذا، فقال: قد اشتريت منك. اختلف هل يلزم البيع أم لا حتى يقول: قد بعتها منك، وعند الشافعي أنه يقع البيع بالالفاظ الصريحة وبالكناية، ولا

[ 137 ]

أذكر لمالك في ذلك قولا، ولا يكفي عند الشافعي المعاطاة دون قول، ولا خلاف فيما أحسب أن الايجاب والقبول المؤثرين في اللزوم لا بتراخي أحدهما عن الثاني حتى يفترق المجلس، أعنى انه متى قال البائع قد بعت سلعتي بكذا وكذا فسكت المشتري ولم يقبل البيع حتى افترقا ثم أتى بعد ذلك فقال: قد قبلت أنه لا يلزم ذلك البائع. واختلفوا متيكون اللزوم. فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وطائفة من أهل المدينة: إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم يفترقا، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، وابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم: البيع لازم بالافتراق من المجلس وأنهما مهما لم يفترقا، فليس يلزم البيع ولا ينعقد، وهو قول ابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة وابن المبارك وسوار القاضي وشريح القاضي وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة الاسلمي من الصحابة ولا مخالف لهما من الصحابة. وعمدة المشترطين لخيار المجلس حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار وفي بعض روايات هذا الحديث إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الاسانيد وأصحها، حتى لقد زعم أبو محمد أن مثل هذا الاسناد يوقع العلم وإن كان من طريق الآحاد. وأما المخالفون فقد اضطرب بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث: فالذي اعتمد عليه مالك رحمه الله في رد العمل به أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه مع أنه قد عارضه عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال: أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان فكأنه حمل هذا على عمومه، وذلك يقتضي أن يكون في المجلس وبعد المجلس. ولو كان المجلس شرطا في انعقاد البيع لم يكن يحتاج فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لان البيع بعد لم ينعقد ولا لزم بل بالافتراق من المجلس، وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الاول، وبخاصة أنه لا يعارضه إلا مع توهم العموم فيه، والاولى أن ينبني هذا على ذلك، وهذا الحديث لم يخرجه أحد مسندا فيما أحسب، فهذا هو الذي اعتمده مالك رحمه الله في ترك العمل بهذا الحديث. وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سمعية، وعلى القياس، فمن أظهر الظاهر في ذلك قوله عزوجل: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) * والعقد هو الايجاب والقبول، والامر على الوجوب، وخيار المجلس يوجب ترك الوفاء بالعقد، لان له عندهم أن يرجع في البيع بعد ما أنعم ما لم يفترقا. وأما القياس فإنهم قالوا: عقد معاوضة، فلم يكن لخيار المجلس فيه أثر أصله سائر العقود مثل النكاح والكتابة والخلع والرهون والصلح على دم

[ 138 ]

العمد، فلما قيل لهم إن الظواهر التي تحتجون بها يخصصها الحديث المذكور، فلم يبق لكم في مقابلة الحديث إلا القياس، فيلزمكم على هذا أن تكونوا ممن يرى تغليب القياس على الاثر، وذلك مذهب مهجور عند المالكية، وإن كان قد روي عن مالك تغليب القياس على السماع مثل قول أبي حنيفة، فأجابوا عن ذلك بأن هذا ليس من باب رد الحديث بالقياس ولا تغليب، وإنما هو من باب تأويله وصرفه عن ظاهره. قالوا: وتأويل الظاهر بالقياس متفق عليه عند الاصوليين. قالوا: ولنا فيه تأويلان: أحدهما: أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان اللذان لم ينفذ بينهما البيع، فقيل لهم إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة فيه لانه معلوم من دين الامة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقول. وأما التأويل الآخر: فقالوا: إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق بالقول لا التفرق بالابدان كما قال الله تعالى: * (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) * والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة، والحقيقة هي التفرق بالابدان. ووجه الترجيح أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس، فيغلب الاقوى. والحكمة في ذلك هي لموضع الندم، فهذه هي أصول الركن الاول الذي هو العقد. وأما الركن الثاني: الذي هو المعقود عليه، فإنه يشترط فيه سلامته من الغرر والربا، وقد تقدم المختلف في هذه من المتفق عليه وأسباب الاختلاف في ذلك، فلا معنى لتكراره. والغرر ينتفي عن الشئ بأن يكون معلوم الوجود، معلوم الصفة، معلوم القدر، مقدورا على تسليمه، وذلك في الطرفين: الثمن والمثمون معلوم الاجل أيضا إن كان بيعا مؤجلا. وأما الركن الثالث: وهما العاقدان، فإنه يشترط فيهما أن يكونا مالكين تامي الملك أو وكيلين تامي الوكالة بالغين، وأن يكونا مع هذا غير محجور عليهما أو على أحدهما، إما لحق أنفسهما كالسفيه عند من يرى التحجير عليه أو لحق الغير كالعبد إلا أن يكون العبد مأذونا له في التجارة. واختلفوا من هذا في بيع الفضولي، هل ينعقد أم لا؟ وصورته أن يبيع الرجل مال غيره بشرط إن رضي به صاحب المال أمضى البيع، وإن لم يرض فسخ، وكذلك في شراء الرجل للرجل بغير إذنه، على أنه إن رضي المشتري صح الشراء وإلا لم يصح، فمنعه الشافعي في الوجهين جميعا، وأجازه مالك في الوجهين جميعا، وفرق أبو حنيفة بين البيع والشراء فقال: يجوز في البيع ولا يجوز في الشراء. وعمدة المالكية ما روي أن النبي (ص) دفع إلى عروة البارقي دينارا وقال: اشتر لنا من هذا الجلب شاة، قال: فاشتريت شاتين بدينار وبعت إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة والدينار، فقلت: يا رسول الله هذه

[ 139 ]

شاتكم وديناركم، فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه ووجه الاستدلال منه أن النبي (ص) لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع، فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير، وعلى الشافعي في الامرين جميعا. وعمدة الشافعي النهي الوارد عن بيع الرجل ما ليس عنده، والمالكية تحمله على بيعه لنفسه لا لغيره، قالوا: والدليل على ذلك أن النهي إنما ورد في حكيم بن حزام وقضيته مشهورة، وذلك أنه كان يبيع لنفسه ما ليس عنده. وسبب الخلاف: المسألة المشهورة، هل إذا ورد النهي على سبب حمل على سببه أو يعم؟ فهذه هي أصول هذا القسم، وبالجملة فالنظر في هذا القسم هو منطوق بالقوة في الجزء الاول، ولكن النظر الصناعي الفقهي يقتضي أن يفرد بالتكلم فيه. وإذ قد تكلمنا في هذا الجزء بحسب غرضنا فلنظر إلى القسم الثالث، وهو القول في الاحكام العامة للبيوع الصحيحة. القسم الثالث: في الاحكام العامة للبيوع الصحيحة. وهذا القسم تنحصر أصوله التي لها تعلق قريب بالمسموع في أربع جمل: الجملة الاولى: في أحكام وجود العيب في المبيعات. والجملة الثانية: في الضمان في المبيعات متى ينتقل من ملك البائع إلى ملك المشتري. والثالثة: في معرفة الاشياء التي تتبع المبيع مما هي موجودة فيه في حين البيع من التي لا تتبعه. والرابعة: في اختلاف المتبايعين، وإن كان الاليق به كتاب الاقضية. وكذلك أيضا من أبواب أحكام البيوع: الاستحقاق، وكذلك الشفعة هي أيضا من الاحكام الطارئة عليه، لكن جرت العادة أن يفرد لها كتاب. الجملة الاولى وهذه الجملة فيها بابان: الباب الاول: في أحكام وجود العيوب في البيع المطلق. والباب الثاني: في أحكامهما في البيع بشرط البراءة. الباب الاول: في أحكام العيوب في البيع المطلق والاصل في وجود الرد بالعيب قوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) *. وحديث المصراة المشهور. ولما كان القائم بالعيب لا يخلو أن يقوم في عقد يوجب الرد، أو يقوم في عقد لا يوجب ذلك، ثم إذا قام في عقد يوجب الرد، فلا يخلو أيضا أن يقوم بعيب يوجب حكما أو لا يوجبه، ثم إن قام بعيب يوجب حكما فلا يخلو المبيع أيضا أن يكون قد حدث فيه تغير بعد البيع أو لا يكون، فإن كان لم يحدث فما حكمه؟ وإن كان حدث فيه فكم أصناف التغييرات وما حكمها؟ كانت الفصول المحيطة بأصول هذا الباب خمسة: الفصل الاول: في معرفة العقود التي يجب فيها بوجود العيب

[ 140 ]

حكم، من التلا يجب ذلك فيها. الثاني: في معرفة العيوب التي توجب الحكم، وما شرالموجب للحكم فيها. الثالث: في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير. الرابع: في معرفة أصناف التغييرات الحادثة عند المشتري. وحكمها. الخامس: في القضاء في هذا الحكم عند اختلاف المتبايعين، وإن كان أليق بكتاب الاقضية. الفصل الاول: في معرفة العقود التي يجب فيها بوجود العيب حكم من التي لا يجب فيها أما العقود التي يجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف، فهي العقود التى المقصود منها المفاوضة، كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة لا خلاف أيضا في أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير الثواب والصدقة، وأما ما بين هذين الصنفين من العقود، أعني ما جمع قصد المكارمة والمعاوضة مثل هبة الثواب، فالاظهر في المذهب أنه لا حكم فيها بوجود العيب، وقد قيل يحكم به إذا كان العيب مفسدا. الفصل الثاني: في معرفة العيوب التي توجب الحكم، وما شرطها الموجب للحكم فيها وفي هذا الفصل نظران: أحدهما: في العيوب التي توجب الحكم. والنظر الثاني: في الشرط الموجب له. النظر الاول: فأما العيوب التي توجب الحكم: فمنها عيوب في النفس، ومنها عيوب في البدن، وهذه منها ما هي عيوب بأن تشترط أضدادها في المبيع وهي التي تسمى عيوبا من قبل الشرط، ومنها ما هي عيوب توجب الحكم وإن لم يشترط وجود أضدادها في المبيع، وهذه هي التي فقدها نقص في أصل الخلقة، وأما العيوب الاخر فهي التي أضدادها كمالات، وليس فقدها نقصا مثل الصنائع، وأكثر ما يوجد هذا الصنف في أحوال النفس، وقد يوجد في أحوال الجسم. والعيوب الجسمانية، منها ما هي في أجسام ذوات الانفس ومنها ما هي في غير ذوات الانفس. والعيوب التي لها تأثير في العقد، هي عند الجميع، ما نقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في ثمن المبيع، وذلك يختلف بحسب اختلاف الازمان والعوائد والاشخاص، فربما كان النقص في الخلقة فضيلة في الشرع، كالخفاض في الاماء، والختان في العبيد، ولتقارب هذه المعاني في شئ شئ مما يتعامل الناس به وقع الخلاف بين الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء ليكون ما يحصل من ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصا عمن تقدمه أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره، فمن ذلك وجود الزنا في العبيد. اختلف العلماء فيه، فقال مالك والشافعي هو عيب، وقال أبو حنيفة ليس بعيب وهو نقص في الخلق الشرعي الذي هو

[ 141 ]

العفة. والزواج عند مالك عيب، وهو من العيوب العائقة عن الاستعمال، وكذلك الدين، وذلك أن العيب بالجملة هو ما عاق فعل النفس أو فعل الجسم وهذا العائق قد يكون في الشئ وقد يكون من خارج. وقال الشافعي ليس الدين ولا الزواج بعيب فيما أحسب والحمل في الرائعة عيب عند مالك وفي كونه عيبا في الوخش خلاف في المذهب. والتصرية عند مالك والشافعي عيب وهو حقن اللبن في الثدي أياما حتى يوهم ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير، وحجتهم حديث المصراة المشهور، وهو قوله (ص) لا تصروا الابل والبقر، فمن فعل ذلك فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر قالوا: فأثبت له الخيار بالرد مع التصرية، وذلك دال على كونه عيبا مؤثرا. قالوا: وأيضا فإنه مدلس، فأشبه التدليس بسائر العيوب، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليست التصرية عيبا للاتفاق على أن الانسان إذا اشترى شاة فخرج لبنها قليلا أن ذلك ليس بعيب. قالوا: وحديث المصراة يجب أن لا يوجب عملا لمفارقته الاصول، وذلك أنه مفارق للاصول من وجوه، فمنها أنه معارض لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وهو أصل متفق عليه، ومنها أن فيه معارضة منع بيع طعام بطعام نسيئة، وذلك لا يجوز باتفاق، ومنها أن الاصل في المتلفات إما القيم وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلا. ومنها بيع الطعام المجهول: أي الجزاف بالمكيل المعلوم، لان اللبن الذي دلس به البائع غير معلوم القدر، وأيضا فإنه يقل ويكثر، والعوض ههنا محدود، ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه الاصول كلها لموضع صحة الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب وإنما هو حكم خاص. ولكن اطرد إليه القول فلنرجع إلى حيث كنا فنقول: إنه لا خلاف عندهم في العور والعمى وقطع اليد والرجل أنها عيوب مؤثرة، وكذلك في المرض في أي عضو كان، أو كان في جملة البدن، والشيب في المذهب عيب في الرائعة، وقيل لا بأس باليسير منه فيها، وكذلك الاستحاضة عيب في الرقيق والوخش وكذلك ارتفاع الحيض عيب في المشهور من المذهب، والزعر عيب، وأمراض الحواس والاعضاء كلها عيب باتفاق. وبالجملة، فأصل المذهب أن كل ما أثر في القيمة: أعني نقص منها فهو عيب، والبول في الفراش عيب، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ترد الجارية به، ولا يرد العبد به، والتأنيث في الذكر، والتذكير في الانثى عيب هذا كله في المذهب إلا ما ذكرنا فيه الاختلاف. النظر الثاني: وأما شرط العيب الموجب للحكم به فهو أن يكون حادثا قبل أمد التبايع باتفاق، أو في العهدة عند من يقول بها، فيجب ههنا أن نذكر اختلاف الفقهاء في العهدة فنقول: انفرد مالك بالقول بالعهدة دون سائر فقهاء الامصار، وسلفه في ذلك أهل المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم. ومعنى العهدة أن كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو

[ 142 ]

من البائع. وهي عند القائلين بها عهدتان: عهدة الثلاثة الايام، وذلك من جمع العيوب الحادثة فيها عند المشتري. وعهدة السنة، وهي من العيوب الثلاثة: الجذام والبرص والجنون. فما حدث في السنة من هذه الثلاث بالمبيع فهو من البائع. وما حدث من غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الاصل. وعهدة الثلاث عند المالكية بالجملة بمنزلة أيام الخيار وأيام الاستبراء، والنفقة فيها والضمان من البائع. وأما عهدة السنة فالنفقة فيها والضمان من المشتري إلا من الادواء الثلاثة، وهذه العهدة عند مالك في الرقيق، وهي أيضا واقعة في أصناف البيوع في كل ما القصد منه المماكسة والمحاكرة وكان بيعا لا في الذمة. هذا ما لا خلاف فيه في المذهب. واختلف في غير ذلك. وعهدة السنة تحسب عنده بعد عهدة الثلاث في الاشهر من المذهب. وزمان المواضعة يتداخل مع عهدة الثلاث إن كان زمان المواضعة أطول من عهدة الثلاث. وعهدة السنة لا تتداخل مع عهدة الاستبراء، هذا هو الظاهر من المذهب، وفيه اختلاف. وقال الفقهاء السبعة: لا يتداخل منها عهدة مع ثانية فعهدة الاستبراء أولا، ثم عهدة الثلاث، ثم عهدة السنة. واختلف أيضا عن مالك هل تلزم العهدة في كل البلاد من غير أن يحمل أهلها عليها؟ فروي عنه الوجهان، فإذا قيل لا يلزم أهل هذه البلد إلا أن يكونوا قد حملوا على ذلك، فهل يجب أن يحمل عليها أهل كل بلد أم لا؟ فيه قولان في المذهب، ولا يلزم النقد في عهدة الثلاث وإن اشترط، ويلزم في عهدة السنة، والعلة في ذلك أنه يكمل تسليم البيع فيها للبائع قياسا على بيع الخيار لتردد النقد فيها بين السلف والبيع، فهذه كلها مشهورات أحكام العهدة في مذهب مالك وهي كلها فروع مبنية على صحة العهدة، فلنرجع إلى تقرير حجج المثبتين لها والمبطلين. وأما عمدة مالك رحمه الله في العهدة وحجته التي عول عليها، فهي عمل أهل المدينة. وأما أصحابه المتأخرون فإنهم احتجوا بما رواه الحسن عن عقبة بن عامر عن النبي (ص) قال: عهدة الرقيق ثلاثة أيام وروى أيضا لا عهدة بعد أربع وروى هذا الحديث أيضا الحسن عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه، وكلا الحديثين عند أهل العلم معلول، فإنهم اختلفوا في سماع الحسن عن سمرة، وإن كان الترمذي قد صححه. وأما سائر فقهاء الامصار فلم يصح عندهم في العهدة أثر، ورأوا أنها لو صحت مخالفة للاصول، وذلك أن المسلمين مجمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع قبل قبضه فهي من المشتري، فالتخصيص لمثل هذا الاصل المتقرر إنما يكون بسماع ثابت، ولهذا ضعف عند مالك في إحدى الروايتين عنه أن يقضى بها في كل بلد إلا أن يكون ذلك عرفا في البلد أو وروى الشافعي عن ابن جريج يشترط وبخاصة عهدة السنة، فإنه لم يأت في ذلك أثر قال: سألت ابن شهاب عن عهدة السنة والثلاث فقال: ما علمت فيها أمرا سالفا. وإذ قد تقرر القول في تمييز العيوب التي

[ 143 ]

توجب حكما من التي لا توجبه وتقرر الشرط في ذلك، وهو أن يكون العيب حادثا قبل البيع أو في العهدة عند من يرى العهدة، فلنصر إلى ما بقي. الفصل الثالث: في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير وإذا وجدت العيوب، فإن لم يتغير المبيع بشئ من العيوب عند المشتري فلا يخلو أن يكون في عقار أو عروض أو في حيوان، فإن كان في حيوان فلا خلاف أن المشتري مخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شئ له. وأما إن كان عقار فمالك يفرق في ذلك بين العيب اليسير والكثير فيقول: إن كان العيب يسيرا لم يجب الرد، ووجبت قيمة العيب وهو الارش، وإن كان كثيرا وجب الرد. هذا هو الموجود المشهور في كتب أصحابه، ولم يفصل البغداديون هذا التفصيل. وأما العروض فالمشهور في المذهب أنها ليست في هذا الحكم بمنزلة الاصول، وقد قيل إنها بمنزلة الاصول في المذهب، وهذا الذي كان يختاره الفقيه بكر بن رزقجدي رحمة الله عليهما، وكان يقول: إنه لا فرق في هذا المعنى بين الاصول والعروض. وهذا الذي قاله يلزم من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الاصول: أعني أن يفرق في ذلك أيضا في العروض، والاصل أن كل ما حط القيمة أنه يجب به الرد، وهو الذي عليه فقهاء الامصار، ولذلك لم يعول البغداديون فيما أحسب على التفرقة التي قلت في الاصول، ولم يختلف قولهم في الحيوان أنه لا فرق فيه بين العيب القليل والكثير. 2 > فصل: وإذ قد قلنا إن المشتري يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شئ له، فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الامصار يجيزون ذلك. إلا ابن سريجمن اصحاب الشافعي فإنه قال: ليس لهما ذلك لانه خيار في مال، فلم يكن له إسقاطه بعوض كخيار الشفعة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا غلط، لان ذلك حق للمشتري فله أن يستوفيه: أعني أن يرد ويرجع بالثمن، وله أن يعارض على تركه، وما ذكره من خيار الشفعة فإنه شاهد لنا، فإن له عندنا تركه إلى عوض يأخذه، وهذا لا خلاف فيه. وفي هذا الباب فرعان مشهوران من قبل التبعيض: أحدهما: هل إذا اشترى المشتري أنواعا من المبيعات في صفقة واحدة فوجد أحدهما معيبا، فهل يرجع بالجميع؟ أو بالذي وجد فيه العيب؟ فقال قوم: ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك، وبه قال أبو ثور والاوزاعي، إلا أن يكون قد سمى ما لكل واحد من تلك الانواع من القيمة، فإن هذا مما لا خلاف فيه أنه يرد المبيع بعينه فقط، وإنما الخلاف إذا لم يسم. وقال قوم: يرد المعيب بحصته من الثمن وذلك بالتقدير، وممن قال بهذا القول سفيان الثوري وغيره. وروي عن الشافعي القولان معا. وفرق مالك فقال: ينظر في

[ 144 ]

المعيب، فإن كان ذلك وجه الصفقة والمقصود بالشراء رد الجميع، وإن لم يكن وجه الصفقة رده بقيمته، وفرق أبو حنيفة تفريقا آخر وقال: إن وجد العيب قبل القبض رد الجميع، وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن. ففي هذه المسألة أربعة أقوال: فحجة من منع التبعيض في الرد أن المردويرجع فيه بقيمة لم يتفق عليها المشتري والبائع، وكذلك الذي يبقى إنما يبق بقيمة لم يتفقا عليها ويمكن أنه لو بعضت السلعة لم يشتر البعض بالقيمة التي أقيم بها. وأما حجة من رأى الرد في البعض المعيب ولا بد فلانه موضع ضرورة، فأقيم فيه التقويم والتقدير مقام الرضا قياسا على أن ما فات في البيع فليس فيه إلا القيمة. وأما تفريق مالك بين ما هو وجه الصفقة أو غير وجهها فاستحسان منه، لانه رأى أن ذلك المعيب إذا لم يكن مقصودا في المبيع فليس كبير ضرر في أن لا يوافق الثمن الذي أقيم به إرادة المشتري أو البائع، وأما عندما يكون مقصودا أو جل المبيع فيعظم الضرر في ذلك. واختلف عنه هل يعتبر تأثير العيب في قيمة الجميع أو في قيمة المعيب خاصة. وأما تفريق أبي حنيفة بين أن يقبض أو لا يقبض، فإن القبض عنده شرط من شروط تمام البيع، وما لم يقبض المبيع فضمانه عنده من البائع، وحكم الاستحقاق في هذه المسألة حكم الرد بالعيب. وأما المسألة الثانية: فإنهم اختلفوا أيضا في رجلين يبتاعان شيئا واحدا في صفقة واحدة فيجدان به عيبا فيريد أحدهما الرجوع ويأبى الآخر، فقال الشافعي: لمن أراد الرد أن يرد، وهرواية ابن القاسم عن مالك، وقيل ليس له أن يرد، فمن أوجب الرد شبهه بالصفقتين المفترقتين لانه قد اجتمع فيها عاقدان ومن لم يوجبه شبهه بالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري فيها تبعيض رد المبيع بالعيب. الفصل الرابع: في معرفة أصناف التغيرات الحادثة عند المشتري وحكمها وأما إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم بالعيب إلا بعد تغير المبيع عنده فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الامصار بحسب التغير. فأما إن تغير بموت أو فساد أو عتق، ففقهاء الامصار على أنه فوت، ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب. وقال عطاء بن أبي رباح: لا يرجع في الموت والعتق بشئ. وكذلك عندهم حكم من اشترى جارية فأولدها. وكذلك التدبير عندهم، وهو القياس في الكتابة. وأما تغيره في البيع فإنهم اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا باعه لم يرجع بشئ، وكذلك قال الليث. وأما مالك فله في البيع تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يبيعه من بائعه منه أو من غير بائعه، ولا يخلو أيضا أن يبيعه بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا رجوع له بالعيب، وإن باعه منه بأقل من الثمن رجع عليه بقيمة العيب، وإن باعه بأكثر من الثمن نظر، فإن كان البائع

[ 145 ]

الاول مدلسا رجع الاول على الثاني في الثمن والثاني على الاول أيضا، وينفسخ البيعان، ويعود المبيع إلى ملك الاول، فإن باعه من عند بائعه منه، فقال ابن القاسم: لا رجوع له بقيمة العيب، مثل قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن عبد الحكم: له الرجوع بقيمة العيب، وقال أشهب: يرجع بالاقل من قيمة العيب أو بقيمة الثمن، هذا إذا باعه بأقل مما اشتراه، وعلى هذا لا يرجع إذا باعه بمثل الثمن أو أكثر، وبه قال عثمان البتي. ووجه قول ابن القاسم والشافعي وأبي حنيفة أنه إذا فات بالبيع فقد أخذ عوضا من غير أن يعتبر تأثيرا بالعيب في ذلك العوض الذي هو الثمن، ولذلك متى قام عليه المشتري منه بعيب رجع على البائع الاول بلا خلاف. ووجه القول الثاني تشبيهه البيع بالعتق. ووجه قول عثمان وأشهب أنه لو كان عنده المبيع لم يكن له إلا الامساك أو الرد للجميع، فإذا باعه فقد أخذ عوض ذلك الثمن، فليس له إلا ما نقص إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب. وقال مالك: إن وهب أو تصدق رجع بقيمة العيب، وقال أبو حنيفة لا يرجع، لان هبته أو صدقته تفويت للملك بغير عوض ورضى منه بذلك طلبا للاجر، فيكون رضاه بإسقاط حق العيب أولى وأحرى بذلك. وأما مالك فقاس الهبة على العتق، وقد كان القياس أن لا يرجع في شئ من ذلك إذا فات ولم يمكنه الرد، لان إجماعهم على أنه إذا كان في يده فليس يجب له إلا الرد أو الامساك دليل على أنه ليس للعيب تأثير في إسقاط شئ من الثمن، وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط. وأما العقود التي يتعاقبها الاسترجاع كالرهن والاجارة فاختلف في ذلك أصحاب مالك، فقال ابن القاسم: لا يمنع ذلك من الرد بالعيب إذا رجع إليه المبيع، وقال أشهب: إذا لم يكن زمان خروجه عن يده زمانا بعيدا كان له الرد بالعيب، وقول ابن القاسم أولى، والهبة للثواب عند مالك كالبيع في أنها فوت. فهذه هي الاحوال التي تطرأ على المبيع من العقود الحادثة فيها وأحكامها. باب: في طرو النقصان وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون نقص في قيمته أو في البدن أو في النفس. فأما نقصان القيمة لاختلاف الاسواق، فغير مؤثر في الرد بالعيب بإجماع. وأما النقصان الحادث في البدن، فإن كان يسيرا غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب، وحكمه حكم الذي لم يحدث، وهذا نص مذهب مالك وغيره. وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة، فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط وليس له غير ذلك إذا أبى البائع من الرد، وبه قال الشافعي في قوله الجديد وأبو حنيفة، وقال الثوري: ليس له إلا أن يرد، ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده، وهو قول الشافعي الاول. والقول الثالث قول مالك: إن المشتري بالخيار بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على البائع ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده، وأنه

[ 146 ]

إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع للمشتري أنا أقبض المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، وقال المشتري: بل أنا أمسك المبيع، وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، فالقول قول المشتري والخيار له، وقد قيل في المذهب القول قول البائع، وهذا إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يرد، وما نقص عنده. وشذ أبو محمد بن حزم فقال: له أن يرد ولا شئ عليه. وأما حجة من قال: إنه ليس للمشتري إلا أن يرد ويرد قيمة العيب، أو يمسك، فلانه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب عند المشتري فليس إلا الرد، فوجب استصحاب حال هذا الحكم، وإن حدث عند المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده. وأما من رأى أنه لا يرد المبيع بشئ وإنما قيمة العيب الذي كان عند البائع، فقياسا على العتق والموت لكون هذا الاصل غير مجمع عليه، وقد خالف فيه عطاء. وأما مالك فلما تعارض عنده حق البائع وحق المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار، لان البائع لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري، أو يكون علمه فدلس به على المشتري. وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب عليه الرد من غير أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده، فإن مات من ذلك العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه. وأما حجة أبي محمد: فلانه أمر حدث من عند الله كما لو حدث في ملك البائع. فإن الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في نفسه. وإنما انعقد في الظاهر، وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما لم يكن له تأثير في نقصه إلا أن يكون على جهة التغليظ عند من ضمن الغاصب ما نقص عنده بأمر من الله، فهذا حكم العيوب الحادثة في البدن. وأما العيوب التي في النفس كالاباق والسرقة، فقد قيل في المذهب إنها تفيت الرد كعيوب الابدان، وقيل لا، ولا خلاف أن العيب الحادث عند المشتري إذا ارتفع بعد حدوثه أنه لا تأثير له في الرد إلا أن لا تؤمن عاقبته. واختلفوا من هذا الباب في المشتري يطأ الجارية، فقال قوم: إذا وطئ فليس له الرد وله الرجوع بقيمة العيب. وسواء كانت بكرا أو ثيبا، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يرد قيمة الوطئ في البكر ولا يردها في الثيب، وقال قوم: بل يردها ويرد مهر مثلها، وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى، وقال سفيان الثوري: إن كانت ثيبا رد نصف العشر من ثمنها، وإن كانت بكرا رد العشر من ثمنها، وقال مالك: ليس عليه في وطئ الثيب شئ لانه غلة وجبت له بالضمان. وأما البكر فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار على ما سلف من رأيه، وقد روي مثل هذا القول عن الشافعي، وقال عثمان: الوطئ معتبر في العرف في ذلك النوع من الرقيق، فإن كان له أثر في القيمة رد البائع ما نقص، وإن لم يكن له أثر لم يلزمه شئ، فهذا هو حكم النقصان الحادث في المبيعات. وأما الزيادة الحادثة في المبيع، أعني المتولدة المنفصلة منه، فاختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي إلى أنها غير مؤثرة في الرد وأنها للمشتري لعموم قوله عليه الصلاة والسلام

[ 147 ]

الخراج بالضمان. وأما مالك فاستثنى من ذلك الولد فقال: يرد للبائع، وليس للمشتري إلا الرد الزائد مع الاصل أو الامساك. قال أبو حنيفة: الزوائد كلها تمنع الرد وتوجب أرش العيب الغلة والكسب، وحجته أن ما تولد عن المبيع داخل في العقد، فلما لم يكن رده ورد ما تولد عنه كان ذلك فوتا يقتضي أرش العيب إلا ما نصصه الشرع من الخراج والغلة. وأما الزيادة الحادثة في نفس المبيع الغير منفصلة عنه فإنها إن كانت مثل الصبغ في الثوب والرقم في الثوب فإنها توجب الخيار في المذهب: إما الامساك والرجوع بقيمة العيب، وإما في الرد وكونه شريكا مع البائع بقيمة الزيادة. وأما النماء في البدن مثل السمن. فقد قيل في المذهب يثبت به الخيار، وقيل لا يثبت. وكذلك النقص الذي هو الهزال. فهذا هو القول في حكم التغيير. الفصل الخامس: في القضاء في اختلاف الحكم عند اختلاف المتبايعين وأما صفة الحكم في القضاء بهذه الاحكام فإنه إذا تقار البائع والمشتري على حالة من هذه الاحوال المذكورة ههنا وجب الحكم الخاص بتلك الحال، فإن أنكر البائع دعوى القائم، فلا يخلو أن ينكر وجود العيب أو ينكر حدوثه عنده. فإن أنكر وجود العيب بالمبيع فإن كان العيب يستوي في إدراكه جميع الناس كفى في ذلك شاهدان عدلان ممن اتفق من الناس، وإن كان مما يختص بعلمه أهل صناعة ما، شهد به أهل تلك الصناعة، فقيل في المذهب عدلان. وقيل لا يشترط في ذلك العدالة ولا العدد ولا الاسلام، وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه مؤثرا في القيمة، وفي كونه أيضا قبل أمد التبايع أو بعده، فإنه إن لم يكن للمشتري بينة حلف البائع أنه ما حد ث عنده، وإن لم تكن له بينة على وجود العيب بالمبيع لم يجب له يمين على البائع. وأما إذا وجب الارش فوجه الحكم في ذلك أن يقوم الشئ سليما ويقوم معيبا ويرد المشتري ما بين ذلك، فإن وجب الخيار قوم ثلاث تقويمات: تقويم وهو سليم، وتقويم بالعيب الحادث عند البائع، وتقويم بالعيب الحادث عند المشتري، فيرد البائع من الثمن ويسقط عنه ما قدر منه قدر ما تنقص به القيمة المعيبة عن القيمة السليمة، وإن أبى المشتري الرد وأحب الامساك رد البائع من الثمن ما بين القيمة الصحيحة والمعيبة عنده.

[ 148 ]

الباب الثاني: في بيع البراءة اختلف العلماء في جواز هذا البيع، وصورته أن يشترط البائع على المشتري التزام كل عيب يجده في المبيع على العموم، فقال أبو حنيفة: يجوز البيع بالبراءة من كل عيب سواء علمه البائع أو لم يعلمه، سماه أو لم يسمه، أبصره أو لم يبصره، وبه قال أبو ثور. وقال الشافعي في أشهر قوليه وهو المنصور عند أصحابه: لا يبرأ البائع إلا من عيب يريه للمشتري، وبه قال الثوري. وأما مالك فالاشهر عنه أن البراءة جائزة مما يعلم البائع من العيوب، وذلك في الرقيق خاصة، إلا البراءة من الحمل في الجواري الرائعات، فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه، ويجوز في الوخش، وفي رواية ثانية: أنه يجوز في الرقيق والحيوان. وفي رواية ثالثة مثل قول الشافعي. وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصح من السلطان فقط وقيل في بيع السلطان وبيع المواريث، وذلك من غير أن يشترطوا البراءة. وحجة من رأى القول بالبراءة على الاطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري قبل البائع، فإذا أسقطه سقط، أصله سائر الحقوق الواجبة. وحجة من لم يجزه على الاطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب الغبن والغش فيما علمه، ولذلك اشترط جهل البائع مالك. وبالجملة فعمدة مالك ما رواه في الموطأ أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه على البراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه، فاختصما إلى عثمان، فقال الرجل: باعني عبدا وبه داء لم يسمه لي. وقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف لقد باع العبد وما به من داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد. وروي أيضا أن زيد بن ثابت كان يجيز بيع البراءة. وإنما خص مالك بذلك الرقيق لكون عيوبهم في الاكثر خافية. وبالجملة خيار الرد بالعيب حق ثابت للمشتري، ولما كان ذلك يختلف اختلافا كثيرا كاختلاف المبيعات في صفاتها وجب إذا اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا على جهل صفة المبيع المؤثرة في الثمن. ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن مالك أن آخر قوله كان إنكار بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان. وفي قضاء الديون خاصة. وذهب المغيرة من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما كان من العيوب لا يتجاوز فيها ثلث المبيع، والبراءة بالجملة إنما تلزم عند القائلين بالشرط: أعني إذا اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث عند مالك فقط. فالكلام بالجملة في بيع البراءة هو في جوازه وفي شرط جوازه، وفيما يجوز من العقود والمبيعات والعيوب، ولمن يجوز بالشرط أو مطلقا، وهذه كلها قد تقدمت بالقوة في قولنا فاعلمه. الجملة الثانية: في وقت ضمان المبيعات. واختلفوا في الوقت الذي يضمن فيه المشتري المبيع أنى تكون خسارته إن هلك منه. فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يضمن

[ 149 ]

المشتري إلا بعد القبض. وأما مالك فله في ذلك تفصيل، وذلك أن المبيعات عنده في هذا الباب ثلاثة أقسام: بيع يجب على البائع فيه حق توفية من وزن أو كيل أو عدد. وبيع ليس فيه حق توفية. وهو الجزاف أو ما لا يوزن ولا يكال ولا يعد. فأما ما كان فيه حق توفية فلا يضمن المشتري إلا بعد القبض. وأما ما ليس فيه حق توفية وهو حاضر فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من المشتري وإن لم يقبضه. وأما المبيع، فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: أشهرها: أن الضمان من البائع إلا أن يشترطه على المبتاع. والثانية: أنه من المبتاع إلا أن يشترطه على البائع. والثالثة: الفرق بين ما ليس بمأمون البقاء إلى وقت الاقتضاء كالحيوان والمأكولات، وبين ما هو مضمون البقاء. والخلاف في هذه المسألة: مبني على هل القبض شرط من شروط العقد، أو حكم من أحكام العقد، والعقد لازم دون القبض؟ فمن قال القبض من شروط صحة العقد أو لزومه أو كيفما شئت أن تعبر في هذا المعنى كان الضمان عنده من البائع حتيقبضه المشتري، ومن قال هو حكم لازم من أحكام المبيع والبيع، وقد انعقد ولزم قال: العقد يدخل في ضمان المشتري. وتفريق مالك بين الغائب والحاضر، والذي فيه حق توفية والذي ليس فيه حق توفية استحسان، ومعنى الاستحسان في أكثر الاحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل. وذهب أهل الظاهر إلى أن بالعقد يدخل في ضمان المشتري فيما أحسب، وعمدة من رأى ذلك اتفاقهم على أن الخراج قبل القبض للمشتري، وقد قال عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وعمدة المخالف حديث عتاب بن أسيد أن رسول الله (ص) لما بعثه إلى مكة قال له انههم عن بيع ما لم يقبضو وربح ما لم يضمنوا وقد تكلمنا في شرط القبض في المبيع فيما سلف، ولا خلاف بين المسلمين أنه من ضمان المشتري بعد القبض إلا في العهدة والجوائح. وإذ قد ذكرنا العهدة فينبغي أن نذكر ههنا الجوائح. القول في الجوائح اختلف العلماء في وضع الجوائح في الثمار. فقال بالقضاء بها مالك وأصحابه. ومنعها أبو حنيفة والثور والشافعي - في قوله الجديد - والليث. فعمدة من قال بوضعها حديث جابر أن رسول الله (ص) قال من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئا. على ماذا يأخذ أحدكم مال أخيه؟ خرجه مسلم عن جابر. وما روي عنه أنه قال أمر رسول الله (ص) بوضع الجوائح. فعمدة من أجاز الجوائح حديثا جابر هذان، وقياس الشبه أيضا. وذلك أنهم قالوا: إنه مبيع بقي على البائع فيه حق توفية، بدليل ما عليه من سقيه إلى أن يكمل، فوجب أن يكون ضمانه منه أصله سائر المبيعات التي بقي لها حق توفية، والفرق عندهم بين هذا المبيع وبين سائر البيوع أن هذا بيع وقع في الشرع والمبيع لم يكمل بعد. فكأنه مستثنى من النهي عن بيع ما لم يخلق،

[ 150 ]

فوجب أن يكون في ضمانه مخالفا لسائر المبيعات. وأما عمدة من لم يقل بالقضاء بها فتشبيه هذا البيع بسائر المبيعات وأن التخلية في هذا المبيع هو القبض. وقد اتفقوا على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري، ومن طريق السماع أيضا حديث أبي سعيد الخدري قال أجيح رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه، فقال رسول الله (ص): تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه. فقال رسول الله (ص): خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك قالوا: فلم يحكم بالجائحة. فسبب الخلاف: في هذه المسألة هو تعارض الآثار فيها وتعارض مقاييس الشبه، وقد رام كل واحد من الفريقين صرف الحديث المعارض للحديث الذي هو الاصل عنده بالتأويل، فقال من منع الجائحة: يشبه أن يكون الامر بها إنما ورد من قبل النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، قالوا: ويشهد لذلك أنه لما كثر شكواهم بالجوائح أمروا أن لا يبيعوا الثمر إلا بعد أن يبدو صلاحه، وذلك في حديث زيد بن ثابت المشهور، وقال من أجازها في حديث أبي سعيد: يمكن أن يكون البائع عديما فلم يقض عليه بجائحة أو أن يكون المقدار الذي أصيب من الثمر مقدارا لا يلزم فيه جائحة، أو أن يكون أصيب في غير الوقت الذي تجب فيه الجائحة، مثل أن يصاب بعد الجذاذ أو بعد الطيب. وأما الشافعي فروى حديث جابر عن سليمان بن عتيق عن جابر، وكان يضعفه ويقول: إنه اضطرب في ذكر وضع الجوائح فيه ولكنه قال: إن ثبت الحديث وجب وضعها في القليل والكثير، ولا خلاف بينهم في القضاء بالجائحة بالعطش، وقد جعل القائلون بها اتفاقهم في هذا حجة على إثباتها. والكلام في أصول الجوائح على مذهب مالك ينحصر في أربعة فصول: الاول: في معرفة الاسباب الفاعلة للجوائح. والثاني: في محل الجوائح من المبيعات. الثالث: في مقدار ما يوضع منه فيه. الرابع: في الوقت الذي توضع فيه. الفصل الاول: في معرفة الاسباب الفاعلة للجوائح وأما ما أصاب الثمرة من السماء مثل البرد والقحط وضده والعفن، فلا خلاف في المذهب أنه جائحة. وأما العطش - كما قلنا - فلا خلاف بين الجميع أنه جائحة. وأما ما أصاب من صنع الآدميين فبعض من أصحاب مالك رآه جائحة، وبعض ليره جائحة. والذين رأوه جائحة انقسموا قسمين: فبعضهم رأى منه جائحة ما كان غالبا كالجيش ولم ير ما كان منه بمغافصة جائحة مثل السرقة، وبعضهم جعل كل ما يصيب الثمرة من جهة

[ 151 ]

الآدميين جائحة بأي وجه كان، فمن جعلها في الامور السماوية فقط اعتمد ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام أرأيت إن منع الله الثمرة؟ ومن جعلها في أفعال الآدميين شبهها بالامور السماوية، ومن استثني اللص قال: يمكن أن يتحفظ منه. الفصل الثاني في محل الجوائح من المبيعات ومحل الجوائح هي الثمار والبقول. فأما الثمار فلا خلاف فيها في المذهب، وأما البقول ففيها خلاف، والاشهر فيها الجائحة. وإنما اختلفوا في البقول لاختلافهم في تشبيهها بالاصل الذي هو الثمر. الفصل الثالث: في مقدار ما يوضع منه فيه وأما المقدار الذي تجب فيه الجائحة، أما في الثمار فالثلث، وأما في البقول فقيل في القليل والكثير وقيل في الثلث. وابن القاسم يعتبر ثلث الثمر بالكيل وأشهب يعتبر الثلث في القيمة. فإذا ذهب من الثمر عند أشهب ما قيمته الثلث من الكيل وضع عنه الثلث من الثمن. وسواء كان ثلثا في الكيل أو لم يكن. وأما ابن القاسم فإنه إذا ذهب من الثمر الثلث من الكيل، فإن كان نوعا واحدا ليس تختلف قيمة بطونه حط عنه من الثمن الثلث، وإن كان الثمر أنواعا كثيرة مختلفة القيم، أو كان بطونا مختلفة القيم أيضا اعتبر قيمة ذلك الثلث الذاهب من قيمة الجميع، فما كان قدره حط بذلك القدر من الثمن، ففي موضع يعتبر المكيلة فقط، حيث تستوي القيمة في أجزاء الثمرة وبطونها، وفي موضع يعتبر الامرين جميعا حيث تختلف القيمة، والمالكية يحتجون في مصيرهم إلى التقدير في وضع الحوائج - وإن كان الحديث الوارد فيها مطلقا - بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير إذ كان معلوما أن القليل يذهب من كل ثمر، فكأن المشتري دخل على هذا الشرط بالعادة وإن لم يدخل بالنطق، وأيضا فإن الجائحة التي علق الحكم بها تقتضي الفرق بين القليل والكثير. قالوا: وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه، إذ قد اعتبره الشرع في مواضع كثيرة، وأن كان المذهب يضطرب في هذا الاصل، فمرة يجعل الثلث من حيز الكثير كجعله إياه ههنا، ومرة يجعله في حيز القليل. ولم يضطرب في أنه الفرق بين القليل والكثير، والمقدرات يعسر إثباتها بالقياس عند جمهور الفقهاء، ولذلك قال الشافعي: لو قلت بالجائحة لقلت فيها بالقليل والكثير، وكون الثلث فرقا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله عليه الصلاة والسلام: الثلث، والثلث كثير.

[ 152 ]

الفصل الرابع: في الوقت الذي توضع فيه وأما زمان القضاء بالجائحة، فاتفق المذهب على وجوبها في الزمان الذي يحتاج فيه إلى تبقية الثمر على رؤوس الشجر حيث يستوفى طيبه. واختلفوا إذا أبقاه المشتري في الثمار ليبيعه على النضارة وشيئا شيئا، فقيل فيه الجائحة تشبيها بالزمان المتفق عليه، وقيل ليس فيه جائحة تفريقا بينه وبين الزمان المتفق على وجوب القضاء بالجائحة فيه، وذلك أن هذا الزمان يشبه المتفق عليه من جهة ويخالفه من جهة، فمن غلب الاتفاق أوجب فيه الجائحة، ومن غلب الاختلاف لم يوجب فيه جائحة، أعني من رأى أن النضارة مطلوبة بالشراء كما الطيب مطلوب قال بوجوب الجائحة فيه، ومن لم ير الامر فيهما واحدا قال: ليس فيه الجائحة، ومن ههنا اختلفوا في وجوب الجوائح في البقول. الجملة الثالثة من جمل النظر في الاحكام وهو في تابعات المبيعات. ومن مسائل هذا الباب المشهورة اثنتان: الاولى: بيع النخيل وفيها الثمر متى يتبع بيع الاصل ومتى لا يتبعه؟ فجمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل أن يؤبر فإن الثمر للمشتري، وإذا كان البيع بعد الابار فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، والثمار كلها في هذا المعنى في معنى النخيل، وهذا كله لثبوت حديث ابن عمر أن رسول الله (ص) قال من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قالوا: فلما حكم (ص) بالثمن للبائع بعد الابار علمنا بدليل الخطاب أنها للمشتري قبل الابار بلا شرط، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي للبائع قبل الابار وبعده، ولم يجعل المفهوم ههنا من باب دليل الخطاب بل من باب مفهوم الاحرى والاولى، قالوا: وذلك أنه إذا وجبت للبائع بعد الابار فهي أحرى أن تجب له قبل الابار. وشبهوا خروج الثمر بالولادة وكما أن من باع أمة لها ولد فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع كذلك الامر في الثمن. وقال ابن أبي ليلى: سواء أبر أو لم يؤبر إذا بيع الاصل فهو للمشتري اشترطها أو لم يشترطها، فرد الحديث بالقياس، لانه رأى أن الثمر جزء من المبيع، ولا معنى لهذا القول إلا إن كان لم يثبت عنده الحديث. وأما أبو حنيفة فلم يرد الحديث، وإنما خالف مفهوم الدليل فيه. فإذا سبب الخلاف: في هذه المسألة بين أبي حنيفة والشافعي ومالك ومن قال بقولهم معارضة دليل الخطاب لدليل مفهوم الاحرى والاولى. وهو الذي يسمى فحوى الخطاب لكنه ههنا ضعيف، وإن كان في الاصل أقوى من دليل الخطاب. وأما سبب مخالفة ابن أبي ليلى فمعارضة القياس للسماع، وهو كما قلنا ضعيف. والابار عند العلماء أن يجعل طلع ذكور النخل في طلع إناثها، وفي سائر الشجر أن تنور وتعقد، والتذكير في شجر التين التي تذكر في معنى الابار، وإبار الزرع مختلف فيه في المذهب، فروى ابن القاسم عن مالك أن إباره أن يفرك قياسا على سائر الثمر، وهل الموجب لهذا الحكم هو الابار أو وقت الابار؟ قيل الوقت، وقيل الابار،

[ 153 ]

وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخل ولم يؤبر البعض، هل يتبع ما لم يؤبر ما أبر أو لا يتبعه؟ واتفقوا فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمروقد دخل الابار فلم يؤبر أن حكمه حكم المؤبر. المسألة الثانية: وهي اختلافهم فبيع مال العبد، وذلك أنهم اختلفوا في مال العبد هل يتبعه في البيع والعتق؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماله في البيع والعتق لسيده، وكذلك في المكاتب، وبه قال الشافعي والكوفيون. والثاني: أن ماله تبع له في البيع والعتق، وهو قول داود وأبي ثور. والثالث: أنه تبع له في العتق لا في البيع إلا أن يشترطه المشتري، وبه قال مالك والليث. فحجة من رأى أن ماله في البيع لسيده إلا أن يشترطه المبتاع حديث ابن عمر المشهور عن النبي (ص) أنه قال: من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع ومن جعله لسيده في العتق فقياسا على البيع. وحجة من رأى أنه تبع للعبد في كل حال انبنت على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا: أعني هل يملك العبد أو لا يملك؟ ويشبه أن يكون هؤلاء إنما غلبوا القياس على السماع لان حديث ابن عمر هو حديث خالف فيه نافع سالما، لان نافعا رواه عن ابن عمر وسالم رواه عن ابن عمر عن النبي (ص) وأما مالك فغلب القياس في العتق والسماع في البيع. وقال مالك في الموطأ الامر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو عرضا أو دينا. وقد روي عن النبي (ص) أنه قال من أعتق غلاما فمالله إلا أن يستثنيه سيده ويجوز عند مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم، وإن كامال العبد دراهم أو فيه دراهم. وخالفه أبو حنيفة والشافعي إذا كان مال العبد نقدا، وقالوا: العبد وماله بمنزلة من باع شيئين لا يجوز فيهما إلا ما يجوز في سائر البيوع. واختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في صفقة البيع، فقال ابن القاسم: لا يجوز، وقال أشهب: جائز أن يشترط بعضه، وفرق بعضهم فقال: إن كان ما اشترى به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ذلك لانه يدخله دراهم بعرض ودراهم، وإن كان ما اشترى به عروضا أو لم يكن في مال العبد دراهم جاز. ووجه قول ابن القاسم أنه لا يجوز أن يشترط بعضه تشبيهه بثمر النخل الابار. ووجه قول أشهب تشبيهه الجزء بالكل، وفي هذا الباب مسائل مسكوت عنها كثيرة ليست مما قصدناه. ومن مشهور مسائلهم في هذا الباب الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بما يرضى به المتبايعان أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن الذي انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع هل يتبع حكم الثمن أم لا؟ وفائدة الفرق أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد بالعيب وما أشبه ذلك، وأيضا من جعلها في حكم الثمن الاول إن كانت فاسدة البيع، ومن لم يجعلها من الثمن: أعني

[ 154 ]

الزيادة لم يوجب شيئا من هذا، فذهب أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا في بيع المرابحة، بل الحكم للثمن الاول، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا وهو في حكم الهبة. واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عزوجل: * (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * قالوا: وإذا لحقت الزيادة في الصداق بالصداق لحقت في البيع بالثمن. واحتج الفريق الثاني باتفاقهم على أنها لا تلحق في الشفعة، وبالجملة من رأى أن العقد الاول قد تقرر قال: الزيادة هبة، ومن رأى أنها فسخ للعقد الاول وعقد ثان عدها من الثمن. الجملة الرابعة وإذا اتفق المتبايعان على البيع واختلفا في مقدار الثمن ولم تكن هناك بينة، ففقهاء الامصار متفقون على أنهما يتحالفان ويتفاسخان بالجملة، ومختلفون في التفصيل، أعني في الوقت الذي يحكم فيه بالايمان والتفاسخ. فقال أبو حنيفة وجماعة: إنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت عين السلعة، فإن فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه. وقال الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأشهب صاحب مالك: يتحالفان في كل وقت. وأما مالك فعنه روايتان: إحداهما: أنهما يتحالفان ويتفاسخان قبل القبض، وبعد القبض القول قول المشتري. والرواية الثانية: مثل قول أبي حنيفة، وهي رواية ابن القاسم، والثانية رواية أشهب، والفوت عنده يكون بتغيير الاسواق وبزيادة المبيع ونقصانه. وقال داود وأبو ثور: القول قول المشتري على كل حال، وكذلك قال زفر، إلا أن يكونا اختلفا في جنس الثمن، فحينئذ يكون التفاسخ عندهم والتحالف ولا خلاف أنهم إذا اختلفوا في جنس الثمن أو المثمون أن الواجب هو التحالف والتفاسخ، وإنما صار فقهاء الامصار إلى القول على الجملة بالتحالف والتفاسخ عند الاختلاف في عدد الثمن لحديث ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان فمن حمل هذا الحديث على وجوب التفاسخ وعمومه قال: يتحالفان في كل حال ويتفاسخان، والعلة في ذلك عنده أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه. وأما من رأى أن الحديث إنما يجب أن يحمل على الحالة التي يجب أن يتساوى فيها دعوى البائع والمشتري قال: إذا قبض السلعة أو فاتت فقد صار القبض شاهدا للمشتري وشبهة لصدقه، واليمين إنما يجب على أقوى المتداعيين شبهة، وهذا هو أصل مالك في الايمان، ولذلك يوجب في مواضع اليمين على المدعي، وفي مواضع على المدعى عليه، وذلك أنه لم يجب اليمين بالنص على المدعى عليه من حيث هو مدعى عليه، وإنما وجبت عليه من حيث هو في

[ 155 ]

الاكثر أقوى شبهة، فإذا كان المدعي في مواطن أقوى شبهة وجب أن يكون اليمين في حيزه. وأما من رأى القول قول المشتري، فإنه رأى أن البائع مقر للمشتري بالشراء ومدع عليه عددا ما في الثمن. وأما داود ومن قال بقوله فردوا حديث ابن مسعود لانه منقطع ولذلك لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وإنما خرجه مالك. وعن مالك: إذا نكل المتبايعان عن الايمان روايتان: إحداهما الفسخ، والثانية أن القول قول البائع. وكذلك من يبدأ باليمين في المذهب فيه خلاف، فالاشهر البائع على ما في الحديث، وهل إذا وقع التفاسخ يجوز لاحدهما أن يختار قول صاحبه؟ فيه خلاف في المذهب. القسم الرابع: من النظر المشترك في البيوع: وهو النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع، فنقول: اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق أن حكمها الرد أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون. واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو هبة أو رهن أو غير ذلك من سائر التصرفات هل ذلك فوت يوجب القيمة؟ وكذلك إذا نمت أو نقصت فقال الشافعي: ليس ذلك كله فوتا ولا شبهة ملك في البيع الفاسد وأن الواجب الرد، وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة وإلى مكروهة. فأما المحرمة فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة. وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صحت عنده، وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك. فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير فليس عندهم فيه فوت، ومالك يرى أن النهي في هذه الامور إنما هو لمكان عدم العدل فيها، أعني بيوع الربا والغرر، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة، لانه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا وترد وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الاسواق فوتا في المبيع الفاسد، ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن لان المشتري قد رفع له في الثمن لمكان السلف فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك، وإن كان المشتري هو الذي أسلف البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان السلف، فإذا وجبت على المشتري القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن، لان هذه البيوع إنما وقع المنع فيها لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي هو موضوع لعون الناس بعضهم لبعض، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع. واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض: أعني شرط السلف، هل يصح البيع أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: البيع مفسوخ، وقال مالك وأصحابه: البيع غير مفسوخ إلا ابن عبد الحكم قال: البيع مفسوخ. وقد روي عن مالك

[ 156 ]

مثل قول الجمهور. وحجة الجمهور أالنهي يتضمن فساد المنهي فإذا انعقد البيع فاسدا لم يصححه بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد، كما أن رفع السبب المفسد في المحسوسات بعد فساد الشئ ليس يقتضي عودة الشئ إلى ما كان عليه قبل الفساد من الوجود، فاعلمه. وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر، فلما انعقد البيع بينهما قال: أنا أدع الزق، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فوجب أن يكون بيع السلف كذلك، فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة، وقد تقدم القول في ذلك. وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وفي أصول أحكام البيوع الصحيحة، وأصول الاحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع أو لكثير منها فلنظر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الاربعة الاجناس، وذلك بأن نذكر منها ما يجري مجرى الاصول.

[ 157 ]

كتاب الصرف ولما كان يخص هذا البيع شرطان: أحدهما: عدم النسيئة وهو الفور، والآخر: عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية كان النظر في هذا الباب ينحصر في خمسة أجناس: الاول: في معرف ما هو نسيئة مما ليس بنسيئة. الثاني: في معرفة ما هو مماثل مما ليس بمماثل، إذ هذان القسمان ينقسمان بفصول كثيرة فيعرض هنالك الخلاف. الثالث: فيما وقع أيضا من هذا البيع بصورة مختلف فيها هل هو ذريعة إلى أحد هذين أعني الزيادة والنسيئة أو كليهما عند من قال بالذرائع وهو مالك وأصحابه، وهذا ينقسم أيضا إلى نوعين كانقسام أصله. الخامس: في خصائص أحكام هذا البيع من جهة ما يعتبر فيه هذان الشرطان: أعني عدم النساء والتفاضل أو كليهما، وذلك أنه يخالف هذا البيع البيوع لمكان هذين الشرطين فيه في أحكام كثيرة. وأنت إذا تأملت الكتب الموضوعة في فروع الكتاب الذي يوسمونه بكتاب الصرف وجدتها كلها راجعة إلى هذه الاجناس الخمسة، أو إلى ما تركب منها ما عدا المسائل التي يدخلون في الكتاب الواحد بعينه مما ليس هو من ذلك الكتاب مثل إدخال المالكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب الاقتضاء في السلف، ولكن لما كان الفاسد منها يؤول إلى أحد هذين الاصلين، أعني إلى صرف بنسيئة أو بتفاضل أدخلوها في هذا الكتاب، مثل مسائلهم في اقتضاء القائمة والمجموعة والفرادي بعضها من بعض، لكن لما كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع أو قريب من المنطوق بها رأينا أن نذكر في هذا الكتاب سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الاصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب. فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل. وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الافقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت.

[ 158 ]

وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي وعدنا بها. المسألة الاولى: أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد، إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط، وإنما صار ابن عباس لذلك لما رواه عن أسامة بن زيد عن النبي (ص) أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو حديث صحيح، فأخذ ابن عباس بظاهر هذا الحديث فلم يجعل الربا إلا في النسيئة. وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز وهو من أصح ما روي في هذا الباب. وحديث عبادة بن الصامت حديث صحيح ايضا في هذا الباب، فصار الجمهور إلى هذه الاحاديث إذ كانت نصا في ذلك. وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك لانه روي فيه لفظان: أحدهما: أنه قال إنما الربا في النسيئة وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص. وأما اللفظ الآخر وهو لا ربا إلا في النسيئة فهو أقوى من هذا اللفظ لان ظاهره يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس بربا، لكن يحتمل أن يريد بقوله لا ربا إلا في النسيئة من جهة أن الواقع في الاكثر، وإذا كان هذا محتملا والاول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما. وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الاحاديث المتقدمة في ذلك، إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه، وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور العلماء، وأجاز مالك بدل الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف. المسألة الثانية: اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية فضة، أو بالذهب وفيه حلية ذهب، فقال الشافعي: لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب، وقال مالك: إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه، أعني بالفضة إن كانت حليته فضة، أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز، وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كأنها هبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من

[ 159 ]

الفضة التي في السيف. وكذلك الامر في بيع السيف المحلى بالذهب، لانهم رأوا أن الفضة التي فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة به، ويبقى الفضل قيمة السيف. وحجة الشافعي عموم الاحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد الله الانصاري أنه قال أتي رسول الله (ص) وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله (ص) بالذهب الذي في القلادة ينزع وحده، ثم قال لهم رسول الله (ص): الذهب بالذهب وزنا بوزن خرجه مسلم وأما معاوية كما قلنا فأجاز ذلك على الاطلاق. وقد أنكره عليه أبو سعيد وقال: لا أسكن في أرض أنت فيها.. لما رواه من الحديث. المسألة الثالثة: اتفق العلماء على أن من شرط الصرف أن يقع ناجزا. واختلفوا في الزمان الذي يحد هذا المعنى، فقال أبو حنيفة والشافعي: الصرف يقع ناجزا ما لم يفترق المتصارفان تعجل أو تأخر القبض، وقال مالك: إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا حتى كره المواعدة فيه. وسبب الخلاف: ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إلا هاء وهاء وذلك أن هذا يختلف بالاقل والاكثر، فمن رأى أن هذا اللفظ صالح لمن لم يفترق من المجلس، أعني أنه يطلق عليه أنه باع هاء وهاء قال: يجوز التأخير في المجلس. ومن رأى أن اللفظ لا يصح إلا إذا وقع القبض من المتصارفين على الفور قال: إن تأخر القبض عن العقد في المجلس بطل الصرف لاتفاقهم على هذا المعنى لم يجز عندهم في الصرف حوالة ولا حمالة ولا خيار، إلا ما حكي عن أبي ثور أنه أجاز فيه الخيار. واختلف في المذهب في التأخير الذي يغلب عليه المتصارفان أو أحدهما، فمرة قيل فيه إنه مثل الذي يقع بالاختيار، ومرة قيل إنه ليس كذلك في تفاصيل لهم في ذلك ليس قصدنا ذكرها في هذا الكتاب. المسألة الرابعة: اختلف العلماء فيمن اصطرف دراهم بدنانير ثم وجد فيها درهما زائفا، فأراد رده، فقال مالك ينتقض الصرف، وإن كانت دنانير كثيرة انتقض منها دينار للدرهم فما فوقه إلى صرف دينار فإن زاد درهم على دينار انتقض منها دينار آخر، وهكذا ما بينه وبين أن ينتهي إلى صرف دينار. قال: وإن رضي بالدرهم الزائف لم يبطل من الصرف شئ. وقال أبو حنيفة: لا يبطل الصرف بالدرهم الزائف، ويجوز تبديله إلا أن تكون الزيوف نصف الدراهم أو أكثر، فإن ردها بطل الصرف في المردود. وقال الثوري: إذا رد الزيوف كان مخيرا إن شاء أبدلها أو يكون شريكا له بقدر ذلك في الدنانير: أعني لصاحب الدنانير. وقال أحمد: لا يبطل الصرف بالرد قليلا كان أكثيرا. وابن وهب من أصحاب مالك يجيز البدل في الصرف، وهو مبني على أن الغلبة على النظرة في الصرف ليس لها تأثير ولا سيما في البعض، وهو أحسن. وعن الشافعي في بطلان الصرف بالزيوف قولان، فيتحصل لفقهاء الامصار في هذه المسألة أربعة أقوال: قول بإبطال الصرف مطلقا

[ 160 ]

عند الرد، وقول بإثبات الصرف ووجوب البدل، وقول بالفرق بين القليل والكثير، وقول بالتخيير بين بدل الزائف أيكون شريكا له. وسبب الخلاف في هذا كله: هل الغلبة على التأخير في الصرف مؤثرة فيه أو غير مؤثرة؟ وإن كانت مؤثرة فهل هي مؤثرة في القليل أو في الكثير؟ وأما وجود النقصان فإن المذهب اضطرب فيه، فمرة قال فيه إنه إن رضي بالنقصان جاز الصرف، وإن طلب البدل انتقض الصرف قياسا على الزيوف، ومرة قال: يبطل الصرف وإن رضي به، وهو ضعيف. واختلفوا أيضا إذا قبض بعض الصرف وتأخر بعضه، أعني الصرف المنعقد على التناجز، فقيل يبطل الصرف كله، وبه قال الشافعي، وقيل يبطل منه المتأخر فقط، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف، والقولان في المذهب. ومبنى الخلاف: في الصفقة الواحدة يخالطها حرام وحلال هل تبطل الصفقة كلها، أو الحرام منها فقط؟ المسألة الخامسة: أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب بالذهب وفي الفضة بالفضة، وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن، وذلك إذا كانت صفة الذهبين واحدة. واختلفوا في المراطلة في الموضعين: أحدهما: أن تختلف صفة الذهبين. والثاني: أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر. فيريه الآخر أن يزيد بذلك عرضا أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب، أو ذهبا إن كانت المراطلة بدراهم، فذهب مالك: أما في الموضع الاول، وهو أن يختلف جنس المراطل بهما في الجودة والرداءة أنه متى راطل بأحدهما بصنف من الذهب الواحد وأخرج الآخر ذهبين، أحدهما أجود من ذلك الصنف الواحد والآخر أردأ، فإن ذلك عنده لا يجوز، وإن كان الصنف الواحد من الذهبين، أعني الذي أخرجه وحده أجود من الذهبين المختلفين اللذين أخرجهما الآخر أو أردأ منهما معا، أو مثل أحدهما وأجود من الثاني جازت المراطلة عنده. وقال الشافعي: إذا اختلف الذهبان فلا يجوز ذلك. وقال أبو حنيفة وجميع الكوفيين والبصريين: يجوز جميع ذلك. وعمدة مذهب مالك في منعه ذلك الاتهام، وهو مصير إلى القول بسد الذرائع، وذلك أنه يتهم أن يكون المراطل إنما قصد بذلك بيع الذهبين متفاضلا، فكأنه أعطى جزءا من الوسط بأكثر منه من الاردأ، أو بأقل منه من الاعلى، فيتذرع من ذلك إلى بيع الذهب بالذهب متفاضلا، مثال ذلك أن إنسانا قال لآخر: خذ مني خمسة وعشرين مثقالا وسطا بعشرين من الاعلى، فقال: لا يجوز هذا لنا، ولكن أعطيك عشرين من الاعلى وعشرة أدنى من ذهبك، وتعطيني أنت ثلاثين من الوسط، فتكون العشرة الادنى يقابلها خمسة من ذهبك، ويقابل العشرين من ذهب الوسط العشرين من ذهبك الاعلى. وعمدة الشافعي اعتبار التفاضل الموجود في القيمة. وعمدة أبي حنفية اعتبار وجود الوزن من الذهبين ورد القول بسد الذرائع، وكمثل اختلافهم في المصارفة التي تكون بالمراطلة اختلفوا في هذا الموضع في المصارفة التي تكون بالعدد، أعني إذا اختلفت جودة الذهبين أو الا ذهاب. وأما اختلافهم

[ 161 ]

إذا نقصت المراطلة. فأراد أحدهما أن يزيد شيئا آخر مما فيه الربا، أو مما لا ربا فيه، فقريب من هذا الاختلاف، مثل أن يراطل أحدهما صاحبه ذهب بذهب، فينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الذي نقص ذهبه أن يعطي عوض الناقص دراهم أو عرضا، فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز والمراطلة فاسدة، وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والكوفيون. وعمدة الحنفية تقدير وجود المماثلة من الذهبين وبقاء الفضل مقابل للعرض. وعمدة مالك التهمة في أن يقصد بذلك بيع الذهب بالذهب متفاضلا. وعمدة الشافعي عدم المماثلة بالكيل أو الوزن أو العدد الذي بالفضل. ومثل هذا يختلفون إذا كانت المصارفة بالعدد. المسألة السادسة: واختلفوا في الرجلين يكون لاحدهما على صاحبه دنانير وللآخر عليه دراهم، هل يجوز أن يتصارفاها وهي في الذمة؟ فقال مالك: ذلك جائز إذا كانا قد حلا معا، وقال أبو حنيفة يجوز في الحال وفي غير الحال، وقال الشافعي والليث: لا يجوز ذلك حلا أو لم يحلا. وحجة من لم يجزه أنه غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز كان أحرى أن لا يجوز غائب بغائب. وأما مالك فأقام حلول الاجلين في ذلك مقام الناجز بالناجز، وإنما اشترط أن يكونا حالين معا، لئلا يكون ذلك من بيع الدين بالدين. ويقول الشافعي قال ابن وهب وابن كنانة من أصحاب مالك. وقريب من هذا اختلافهم في جواز الصرف على ما ليس عندهما إذا دفعه أحدهما إلى صاحبه قبل الافتراق مثل أن يستقرضاه في المجلس فتقابضاه قبل الافتراق فأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة، وكرهه ابن القاسم من الطرفين واستخفه من الطرف الواحد، أعني إذا كان أحدهما هو المستقرض فقط. وقال زفر: لا يجوز ذلك إلا أن يكون من طرف واحد. ومن هذا الباب اختلافهم في الرجل يكون له على الرجل دراهم إلى أجل هل يأخذ فيها إذا حل الاجل ذهبا أو بالعكس؟ فذهب مالك إلى جواز ذلك إذا كان القبض قبل الافتراق، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه أجاز ذلك وإن لم يحل الاجل، ولم يجز ذلك جماعة من العلماء، سواء أكان الاجل حالا أو لم يكن، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. وحجة من أجاز ذلك حديث ابن عمر قال: كنت أبيع الابل بالبقيع، أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألت عن ذلك رسول الله (ص) فقال: لا بأس بذلك إذا كان بسعر يومه خرجه أبو داود. وحجة من لم يجزه ما جاء في حديث أبي سعيد وغيره ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. المسألة السابعة: اختلف في البيع والصرف في مذهب مالك فقال: إنه لا يجوز إلا أن يكون أحدهما الاكثر والآخر تبع لصاحبه، وسواء أكان الصرف في دينار واحد أو في دنانير، وقيل إن كان الصرف في دينار واحد جاز كيفما وقع، وإن كان في أكثر اعتبر كون أحدهما تابعا للآخر في الجواز، فإن كانا معا مقصودين لم يجز، وأجاز أشهب الصرف والبيع وهو أجود، لانه ليس في ذلك ما يؤدي إلى ربا ولا إلى غرر.

[ 162 ]

كتاب السلم وفي هذا الكتاب ثلاثة أبواب: الباب الاول: في محله وشروطه. الباب الثاني: فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلام، وما يعرض في ذلك من الاقالة والتعجيل والتأخير. الباب الثالث: في اختلافهم في السلم. الباب الاول: في محله وشرطه أما محله: فإنهم أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن لمثبت من حديث ابن عباس المشهور قال: قدم النبي (ص) المدينة وهم يسلمون في التمر السنتين والثلاث، فقال رسول الله (ص): من أسلف فليسلف في ثمن معلوووزن معلوم إلى أجل معلوم واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، وهو الدور والعقار. وأما سائر ذلك من العروض والحيوان فاختلفوا فيها، فمنع ذلك داود وطائفة من أهل الظاهر مصيرا إلى ظاهر هذا الحديث. والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد. واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، فمن ذلك الحيوان والرقيق، فذهب مالك والشافعي والاوزاعي والليث إلى أن السلم فيهما جائز، وهو قول ابن عمر من الصحابة. وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق: لا يجوز السلم في الحيوان، وهو قول ابن مسعود. وعن عمر في ذلك قولان. وعمدة أهل العراق في ذلك ما روي عن ابن عباس أن النبي (ص) نهى عن السلف في الحيوان وهذا الحديث ضعيف عند الفريق الاول. وربما احتجوا أيضا بنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وعمدة من أجاز السلم في الحيوان ما روي عن ابن عمر أن رسول الله (ص) أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الابل، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة، فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وحديث أبي رافع أيضا أن النبي (ص) استسلف بكرا قالوا: وهذا كله يدل على ثبوته في الذمة. فسبب اختلافهم: شيئان: أحدهما: تعارض الآثار في هذا المعنى. والثاني: تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط، فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والصفات وبخاصة صفات النفس قال: لا تنضبط. ومن نظر إلى تشابهها قال: تنضبط. ومنها اختلافهم في البيض والدر وغير ذلك، فلم يجز أبو حنيفة السلم في البيض وأجازه مالك

[ 163 ]

بالعدد، وكذلك في اللحم أجازه مالك والشافعي، ومنعه أبو حنيفة، وكذلك السلم في الرؤوس والاكارع، أجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة، واختلف في ذلك قول أبي حنيفة والشافعي، وكذلك السلم في الدر والفصوص، أجازه مالك، ومنعه الشافعي، وقصدنا من هذه المسائل إنما هو الاصول الضابطة للشريعة لا إحصاء للفروع، لان ذلك غير منحصر. وأما شروطه: فمنها مجمع عليها ومنها مختلف فيها، فأما المجمع عليها فهي ستة: منها أن يكون الثمن والمثمون مما يجوز فيه النساء، وامتناعه فيما لا يجوز فيه النساء، وذلك إما اتفاق المنافع على ما يراه مالك رحمه الله، وإما اتفاق الجنس على ما يراه أبو حنيفة، وإما اعتبار الطعم مع الجنس على ما يراه الشافعي في علة النساء. ومنها أن يكون مقدرا إما بالكيل أو بالوزن أو بالعدد إن كان مما شأنه أن يلحقه التقدير، أو منضبطا بالصفة إن كان مما المقصود منه الصفة. ومنها أن يكون موجودا عند حلول الاجل. ومنها أن يكون الثمن غير مؤجل أجلا بعيدا، لئلا يكون من باب الكالئ بالكالئ، هذا في الجملة. واشترطوا في اشتراط اليومين والثلاثة في تأخير نقد الثمن بعد اتفاقهم على أن لا يجوز في المدة الكثيرة ولا مطلقا، فأجاز مالك اشتراط تأخير اليومين والثلاثة، وأجاز تأخيره بلا شرط. وذهب أبو حنيفة إلى أن من شرطه التقابض في المجلس كالصرف فهذه ستة متفق عليها. واختلفوا في أربعة: أحدها: الاجل. هل هو شرط فيه أم لا؟. والثاني: هل من شرطه أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حال عقد السلم أم لا؟ والثالث: اشتراط مكان دفع المسلم فيه. والرابع: أن يكون الثمن مقدرا إما مكيلا وإما موزونا وإما معدودا فأما الاجل: فإن أبا حنيفة هو عنده شرط صحة بلا خلاف عنه وأن لا يكون جزافا في ذلك. وأما مالك فالظاهر من مذهبه والمشهور عنه، أنه من شرط السلم، وقد قيل إنه يتخرج من بعض الروايات عنه جواز السلم الحال. وأما اللخمي فإنه فصل الامر في ذلك فقال: إن السلم في المذهب يكون على ضربين: سلم حال، وهو الذي يكون من شأنه بيع تلك السلعة. وسلم مؤجل، وهو الذي يكون ممن ليس من شأنه بيع تلك السلعة. وعمدة من اشترط الاجل شيئان: ظاهر حديث ابن عباس. والثاني: أنه إذ لم يشترط فيه الاجل كان من باب بيع ما ليس عند البائع المنهي عنه. وعمدة الشافعي أنه إذا جاز الاجل فهو حالا أجوز لانه أقل غررا. وربما استدلت الشافعية بما روي أن النبي (ص) اشترى جملا من أعرابي بوسق تمر، فلما دخل البيت لم يجد التمر، فاستقرض النبي (ص) تمرا وأعطاه إياه قالوا: فهذا هو شراء حال بتمفي الذمة، والمالكية من طريق المعنى أن السلم إنما جوز لموضع الارتفاق، ولان المسلف يرغب في تقديم الثمن لاسترخاء المسلم فيه والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة، وإذا لم يشترط الاجل زال هذا المعنى. واختلفوا في الاجل في موضعين: أحدهما: هل يقدر بغير الايام والشهور مثل الجذاذ والقطاف والحصاد والموسم؟. والثاني:

[ 164 ]

في مقداره من الايام. وتحصيل مذهب مالك في مقداره من الايام أن المسلم فيه على ضربين: ضرب يقتضى بالبلد المسلم فيه، وضرب يقتضى بغير البلد الذي وقع فيه المسلم، فإن اقتضاه في البلد المسلم فيه، فقال ابن القاسم إن المعتبر في ذلك أجل تختلف فيه الاسواق، وذلك خمسة عشر يوما أو نحوها. وروى ابن وهب عن مالك أنه يجوز اليومين والثلاثة، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به الى اليوم الواحد. وأما ما يقتضى ببلد آخر، فإن الاجل عندهم فيه هو قطع المسافة التي بين البلدين قلت أو كثرت، وقال أبو حنيفة: لا يكون أقل من ثلاثة أيام، فمن جعل الاجل شرطا غير معلل اشترط منه أقل ما ينطلق عليه الاسم، ومن جعله شرطا معللا باختلاف الاسواق، اشترط من الايام ما تختلف فيه الاسواق غالبا. وأما الاجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة والشافعي فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير: أجاز ذلك إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع، وشبهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان، ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه. وأما اختلافهم في هل شرط السلم أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حين عقد السلم؟: فإن مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور لم يشترطوا ذلك وقالوا: يجوز السلم في غير وقت إبانه. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والاوزاعي لا يجوز السلم إلا في إبان الشئ المسلم فيه. فحجة من لم يشترط الا بان ما ورد في حديث ابن عباس أن الناس كانوا يسلمون في التمر السنتين والثلاث فأقروا على ذلك ولم ينهوا عنه. وعمدة الحنفية: ما روي من حديث ابن عمر أن النبي (ص) قال لا تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا لم يكن موجودا في حال العقد، وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر، وإن كان ذلك معينا وهذا في الذمة، وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق. وأما الشرط الثالث: وهو مكان القبض، فكان أبا حنيفة اشترطه تشبيها بالزمان ولم يشترطه غيره وهم الاكثر. وقال القاضي أبو محمد: الافضل اشتراطه. وقال ابن المواز: ليس يحتاج إلى ذلك. وأما الشرط الرابع: وهو أن يكون الثمن مقدرا مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا لا جزافا، فاشترط ذلك أبو حنيفة، ولم يشترطه الشافعي، ولا صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد، قالوا: وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص، إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف، إلا فيما يعظم الغرر فيه على ما تقدم من مذهبه. وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يكون فيه الوزن، وبالكيل فيما يكون فيه الكيل، وبالذرع فيما يكون فيه الذرع وبالعدد فيما يكون فيه العدد. وإن لم يكن فيه أحد من هذه التقديرات

[ 165 ]

انضبط بالصفا ت المقصودة من الجنس مع ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة، أو مع تركه إن كان نوعا واحدا، ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة وأنه لا يكون في معين. وأجاز مالك السلم في قرية معينة إذا كانت مأمونة، وكأنه رآها مثل الذمة. الباب الثاني: فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلام وما يعرض في ذلك من الاقالة والتعجيل والتأخير وفي هذا الباب فروع كثيرة، لكن نذكر المشهور منها: مسألة: اختلف العلماء فيمن أسلم في شئ من الثمر، فلما حل الاجل تعذر تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه وخرج زمانه، فقال الجمهور: إذا وقع ذلك كان المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصبر إلى العام القابل، وبه قا الشافعي وأبو حنيفة وابن القاسم، وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة، وإنما هو شئ شرطه المسلم فهو في ذلك بالخيار. وقال أشهب من أصحاب مالك: ينفسخ السلم ضرورة ولا يجوز التأخير، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ. وقال سحنون: ليس له أخذ الثمن، وإنما له أن يصبر إلى القابل، واضطرب قول مالك في هذا والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رآه أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم، وهو الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي، والكالئ بالكالئ مسألة: اختلف العلماء المنهي عنه إنما هو المقصود - لا الذي يدخل اضطرارا في بيع المسلم فيه إذا حان الاجل من المسلم إليه قبل قبضه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم القائلون بأن كل شئ لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق. وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) من أسلفي شئ فلا يصرفه في غيره. وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين: أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء عليه النص في الحديث. والثاني: إذا لم يكن السلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله مثل أن يكون المسلم فيه عرضا والثمن عرضا مخالفا له فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الاجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله إما سلف وزيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل. وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعام آخر أكثر، لا من جنسه ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة

[ 166 ]

فيما حكاه عبد الوهاب جاز، لانه يحمله على العروض، وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته وإن كان أقل جودة، لانه عنده من باب البدل في الدنانير. والاحسان مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض لانه يدخله الدين بالدين. وإن كان رأس مال المسلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل، وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم. وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز بكل شئ يجوز التبايع به ما لم يكن طعاما، لانه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه. وأما الاقالة فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان، فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع وسلف، أو إلى: ضع وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه. مثال ذلك في دخول بيع وسلف به إذا حل الاجل، فأقاله على أن أخذ البعض وأقال من البعض فإنه لا يجوز عنده فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف، وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة، لانهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع. مسألة: اختلف العلماء في الشراء برأس مال السلم من المسلم إليه شيئا بعد الاقالة بما لا يجوز قبل الاقالة، فمن العلماء من لم يجزه أصلا، ورأى أن الاقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، إلا أن عند أبي حنيفة لا يجوز على الاطلاق، إذ كان لا يجوز عنده بيع المسلم فيه قبل القبض على الاطلاق، ومالك يمنع ذلك في المواضع التي يمنع بيع المسلم فيه قبل القبض على ما فصلناه قبل هذا من مذهبه. ومن العلماء من أجازه، وبه قال الشافعية والثوري. وحجتهم أن بالاقالة قد ملك رأس ماله، فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب، والظن الردئ بالمسلمين غير جائز. قال: وأما حديث أبي سعيد فإنه إنما وقع النهي فيه قبل الاقالة. مسألة: اختلفوا إذا ندم المبتاع في السلم فقال البائع: أقلني وأنظرك بالثمن الذي دفعت إليك، فقال مالك وطائفة: ذلك لا يجوز وقال قوم: يجوز، واعتل مالك في ذلك مخافة أن يكون المشتري لما حل له الطعام على البائع أخره عنه على أن يقيله، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفى، وقوم اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدين بالدين، والذين رأوه جائزا رأوا أنه باب المعروف والاحسان الذي أمر الله تعالى به. قال رسول الله (ص) من أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. مسألة: أجمع العلماء على أنه إذا كان لرجل على رجل دراهم أو دنانير إلى أجل

[ 167 ]

فدفعها إليه عند الاجل وبعده أنه يلزمه أخذها. واختلفوا في العروض المؤجلة من السلم وغيره، فقال مالك والجمهور: إن أتى بها قبل محل الاجل لم يلزم أخذها. وقال الشافعي: إن كان مما لا يتغير ولا يقصد به النظارة لزمه أخذه كالنحاس والحديد، وإن كان مما يقصد به النظارة كالفواكه لم يلزمه. وأما إذا أتى به بعد محل الاجل فاختلف في ذلك أصحاب مال‍ ك فروي عنه أنه يلزمه قبضه مثل أن يسلم في قطائف الشتاء فيأتي بها في الصيف، فقال ابن وهب وجماعة: لا يلزمه ذلك وحجة الجمهور في أنه لا يلزمه قبض العروض قبل محل الاجل من قبل أنه من ضمانه إلى الوقت المضروب الذي قصده، ولما عليه من المؤنة في ذلك، وليس كذلك الدنانير والدراهم، إذ لا مؤنة فيها، ومن لم يلزمه بعد الاجل فحجته أنه رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الاجل لا غيره. وأما من أجاز ذلك في الوجهين، أعني بعد الاجل أو قبله فشبهه بالدنانير والدراهم. مسألة: اختلف العلماء فيمن أسلم إلى آخر أو باع منه طعاما على مكيلة ما فأخبر البائع أو المسلم إليه المشترى بكيل الطعام، هل للمشتري أن يقبضه منه دون أن يكيله وأن يعمل في ذلك على تصديقه؟ فقال مالك: ذلك جائز في السلم وفي البيع بشرط النقد. وإلا خيف أن يكون من باب الربا، كأنه إنما صدقه في الكيل لمكان أنه أنظره بالثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والاوزاعي والليث: لا يجوز ذلك حتى يكيله البائع للمشتري مرة ثانية بعد أن كاله لنفسه بحضرة البائع. وحجتهم أنه لما كان ليس للمشتري أن يبيعه إلا بعد أن يكيله، لم يكن له أن يقبضه إلا بعد أن يكيله البائع له، لانه لما كان من شرط البيع الكيل فكذلك القبض واحتجوا بما جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. واختلفوا إذا هلك الطعام في يد المشتري، قبل الكيل، فاختلفا في الكيل، فقال الشافعي: القول قول المشتري، وبه قال أبو ثور، وقال مالك: القول قول البائع لانه قد صدقه المشتري عند قبضه إياه، وهذا مبني عنده على أن البيع يجوز بنفس تصديقه. الباب الثالث: في اختلاف المتبايعين في السلم والمتبايعين في السلم إما أن يختلفا في قدر الثمن أو المثمون. وإما في جنسهما، وأما في الاجل، وإما في مكان قبض السلم، فأما اختلافهم في قدر المسلم فيه، فالقول فيه قول المسلم إليه إأتى بما يشبه، وإلا فالقول أيضا قول المسلم إن أتى أيضا بما يشبه، فإن أتيا بمالا يشبه فالقياس أن يتحالفا ويتفاسخا. وأما اختلافهم في جنس المسلم فيه، فالحكم في ذلك التحالف والتفاسخ، مثل أن يقول أحدهما: أسلمت في تمر، ويقول الآخر: في قمح. وأما اختلافهم في الاجل فإن كان في حلوله فالقول قول المسلم إليه، وإن كان في قدره فالقول أيضا قول المسلم إليه إلا أن يأتي بما لا يشبه، مثل أن يدعي

[ 168 ]

المسلم وقت إبان المسلم فيه، ويدعي المسلم إليه غير ذلك الوقت، فالقول قول المسلم. وأما اختلافهم في موضع القبض، فالمشهور، أن من ادعى موضع عن السلم فالقول قوله، وإن لم يدعه واحد منهما فالقول قول المسلم إليه. وخالف سحنون في الوجه الاول فقال: القول قول المسلم إليه وإن ادعى القبض في موضع العقد تحالفا وتفاسخا. وأما اختلافهم في الثمن فحكمه حكم اختلاف المتبايعين قبل القبض، وقد تقدم ذلك.

[ 169 ]

كتاب بيع الخيار والنظر في أصول هذا الباب، أما أولا فهل يجوز أم لا؟ وإن جاز فكم مدة الخيار؟ وهل يشترط النقدية فيه أم لا؟ وممن ضمان المبيع في مدة الخيار؟ وهل يورث الخيار أم لا؟ ومن يصح خياره ممن لا يصح؟ وما يكون من الافعال خيارا كالقول؟ أما جواز الخيار فعليه الجمهور. إلا الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر. وعمدة الجمهور حديث حبان بن منقذ وفيه ولك الخيار ثلاثا وما روي في حديث ابن عمر البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار. وعمدة من منعه أنه غرر وأن الاصل هو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على الخيار من كتاب الله أو سنة ثابتة أو إجماع. قالوا: وحديث حبان إما أنه ليس بصحيح، وإما أنه خاص لما شكى إليه (ص) أنه يخدع في البيوع. قالوا: وأما حديث ابن عمر وقوله فيه إلا بيع الخيار فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ، وهو ما ورد فيه من لفظ آخر وهو: أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر وأما مدة الخيار عند الذين قالوا بجوازه فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في نفسه وأنه إنما يتقدر بتقدر الحاجة إلى اختلاف المبيعات، وذلك يتفاوت بتفاوت المبيعات: فقال: مثل اليوم واليومين في اختيار الثوب، والجمعة والخمسة الايام في اختيار الجارية، والشهر ونحوه في اختيار الدار. وبالجملة فلا يجوز عنده الاجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار المبيع، وقال الشافعي وأبو حنيفة: أجل الخيار ثلاثة أيام، لا يجوز أكثر من ذلك. وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لاي مدة اشترطت، وبه قال داود. واختلفوا في الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة، فقال الثوري والحسن بن جني وجماعة بجواز اشتراط الخيار مطلقا ويكون له الخيار أبدا، وقال مالك يجوز الخيار المطلق ولكن السلطان يضرب فيه أجل مثله. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز بحال الخيار المطلق ويفسد البيع. واختلف أبو حنيفة والشافعي إن وقع الخيار في الثلاثة أيام زمن الخيار المطلق، فقال أبو حنيفة: إن وقع في الثلاثة الايام جاز، وإمضت الثلاثة فسد البيع، وقال الشافعي: بل هو فاسد على كل حال، فهذه هي أقاويل فقهاء الامصار في مدة الخيار، وهي هل يجوز مطلقا أو مقيدا؟ وإن جاز مقيدا فكم مقداره؟ وإن لم يجز مطلقا فهل من شرط ذلك أن لا يقع الخيار في الثلاث أم لا يجوز بحال؟ وإن وقع في الثلاث؟. فأما أدلتهم فإن عمدة من لم يجز الخيار هو ما قلناه. وأما عمدة من لم يجز الخيار إلا ثلاثا فهو أن الاصل هو أن لا يجوز الخيار فلا يجوز منه

[ 170 ]

إلا ما ورد فيه النص في حديث منقذ بن حبان أو حبان بن منقذ، وذلك كسائر الرخص المستثناة من الاصول مثل استثناء العرايا من المزابنة وغير ذلك. قالوا: وقد جاء تحديد الخيار بالثلاث في حديث المصراة وهو قوله: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام وأما حديث منقذ، فأشبه طرقه المتصلة ما رواه محمد بن اسحق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال لمنقذ وكان يخدع في البيع إذا بعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا. وأما عمدة أصحاب مالك، فهو أن المفهوم من الخيار هو اختيار المبيع، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختيار المبيع، وذلك يختلف بحسب مبيع مبيع، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيها على هذا المعنى، وهو عندهم من باب الخاص أريد به العام، وعند الطائفة الاولى من باب الخاص أريد به الخاص. وأما اشتراط النقد فإنه لا يجوز عند مالك وجميع أصحابه لتردده عندهم بين السلف والبيع، وفيه ضعف. وأما ممن ضمان المبيع في مدة الخيار؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأصحابه والليث والاوزاعي: مصيبته من البائع، والمشتري أمين، وسواء أكان الخيار لهما أو لاحدهما، وقد قيل في المذهب أنه إن كان هلك بيد البائع فلا خلاف في ضمانه إياه، وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية إن كان مما يغلب عليه فضمانه منه، وإن كان مما لا يغلب فضمانه من البائع. وقال أبو حنيفة: إن كان شرط الخيار لكليهما أو للبائع وحده فضمانه من البائع والمبيع عن ملكه، أما إن كان شرطه المشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل ملك المشتري الثمن، وبقي معلقا حتى ينقضي الخيار، وقد قيل عنه أن على المشتري الثمن، وهذا يدل على أنه قد دخل عنده في ملك المشتري. وللشافعي قولان: أشهرهما: أن الضمان من المشتري لايهما كان الخيار. فعمدة من رأى أن الضمان من البائع على كل حال أنه عقد غير لازم فلم ينقل الملك عن البائع كما لو قال بعتك ولم يقل المشتري قبلت. وعمدة من رأى أنه من المشتري تشبيهه بالبيع اللازم وهو ضعيف لقياسه موضع الخلاف على موضع الاتفاق. وأما من جعل الضمان لمشترط الخيار إذا شرطه أحدهما ولم يشترطه الثاني فلانه إن كان البائع هو المشترط فالخيار له في إبقاء المبيع على ملكه، وإن كان المشتري هو المشترط له فقط فقد صرفه البائع من ملكه وأبانه فوجب أن يدخل في ملك المشتري إذا كان المشتري هو الذي شرطه فقط قال: قد خرج عن ملك البائع لانه لم يشترط خيارا ولم يلزم أن يدخل في ملك المشتري لانه شرط الخيار في رد الآخر له، ولكن القول يمانع الحكم، فإنه لا بد أن تكون مصيبته من أحدهما، والخلاف آيل إلى هل الخيار مشترط لايقاع الفسخ في البيع أو لتتميم البيع؟ فإذا قلنا لفسخ البيع فقد خرج من ضمان البائع، وإن قلنا لتتميمه فهو في ضمانه. وأما المسألة الخامسة: وهي: هل يورث خيار المبيع أم لا؟ فإن مالكا والشافعي

[ 171 ]

وأصحابهما قالوا: يورث. وأنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ما كان له، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع، وهكذا عنده خيار الشفعة وخيار قبول الوصية وخيار الاقالة. وسلم لهم أبو حنيفة خيار الرد بالعيب: أعني أنه قال يورث، وكذلك خيار استحقاق الغنيمة قبل القسم وخيار القصاص وخيار الرهن. وسلم لهم مالك خيار رد الاب ما وهبه لابنه، أعني أنه لم ير لورثة الميت من الخيار في رد الاب ما وهبه لابنه ما جعل له الشرع من ذلك: أعني للاب، وكذلك خيار الكتابة والطلاق واللعان. ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت، فيموت الرجل المجعول له الخيار، فإن ورثته لا يتنزلون منزلته عند مالك. وسلم الشافعي ما سلمت المالكية للحنفية من هذه الخيارات، وسلم زائدا خيار الاقالة والقبول فقال: لا يورثان. وعمدة المالكية والشافعية أن الاصل هو أن تورث الحقوق والاموال إلا ما قام دليل على مفارقة الحق في هذا المعنى للمال. وعمدة الحنفية أن الاصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالاموال. فموضع الخلاف: هل الاصل هو أن تورث الحقوق كالاموال أم لا؟ وكل واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلمه له خصمه منها بما يسلمه منها له ويحتج على خصمه فالمالكية والشافعية تحتج على أبي حنيفة بتسليمه وراثة خيار الرد بالعيب، ويشبه سائر الخيارات التي يورثها به، والحنفية تحتج أيضا على المالكية والشافعية بما تمنع من ذلك وكل واحد منهم يروم أن يعطي فارقا فيما يختلف فيه قوله ومشابها فيما يتفق فيه قوله، ويروم في قول خصمه بالضد، أعني أن يعطي فارقا فيما يضعه الخصم متفقا، ويعطي اتفاقا فيما يضعه الخصم متباينا، مثل ما تقول المالكية: إنما قلنا إن خيار الاب في رد هبته لا يورث، لان ذلك خيار راجع إلى صفة في الاب لا توجد في غيره وهي الابوة، فوجب أن لا تورث لا إلى صفة في العقد. وهذا هو سبب اختلافهم في خيار خيار. أعني أنه من انقدح له في شئ منها أنه صفة للعقد ورثه. ومن انقدح له أنه صفة خاصة بذي الخيار لم يورثه. وأما المسألة السادسة: وهي من يصح خياره فإنهم اتفقوا على صحة خيار المتبايعين. واختلفوا في اشتراط خيار الاجنبي. فقال مالك: يجوز ذلك والبيع صحيح. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز إلا أن يوكله الذي جعل له الخيار ولا يجوز الخيار عنده على هذا القول لغير العاقد. وهو قول أحمد. وللشافعي قول آخر مثل مالك. وبقول مالك قال أبو حنيفة واتفق المذهب على أن الخيار للاجنبي إذا جعله له المتبايعان وأن قوله لهما. واختلف المذهب إذا جعله أحدهما فاختلف البائع ومن جعل له البائع الخيار أو المشتري، ومن جعل له المشتري الخيار، فقيل القول في الامضاه، والرد قول الاجنبي سواء اشترط خياره البائع أو المشتري، وقال عكس هذا القول من جعل خياره هنا

[ 172 ]

كالمشورة. وقيل بالفرق بين البائع والمشتري: أي أن القول في الامضاء والرد قول البائع دون الاجنبي، وقول الاجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو المشترط الخيار، وقيل القول قول من أراد منهما الامضاء، وإن أراد البائع الامضاء، وأراد الاجنبي الذي اشترط خياره الرد ووافقه المشتري، فالقول قول البائع في الامضاء، وإن أراد البائع الرد وأراد الاجنبي الامضاء ووافقه المشتري فالقول قول المشتري، وكذلك إن اشترط الخيار للاجنبي المشتري، فالقول فيهما قول من أراد الامضاء. وكذلك الحال في المشتري، وقيل بالفرق في هذا بين البائع والمشتري: أي إن اشترطه البائع فالقول قول من أراد الامضاء منهما، وإن اشترطه المشتري فالقول قول الاجنبي، وهو ظاهر ما في المدونة، وهذا كله ضعيف. واختلفوا فيمن اشترط من الخيار ما لا يجوز، مثل أن يشترط أجلا مجهولا وخيارا فوق الثلاث عند من لا يجوز الخيار فوق الثلاث أو خيار رجل بعيد الموضع بعينه: أعني أجنبيا، فقال مالك والشافعي: لا يصح البيع وإن أسقط الشرط الفاسد. وقال أبو حنيفة: يصح البيع مع إسقاط الشرط الفاسد. فأصل الخلاف: هل الفساد الواقع في البيع من قبل الشرط يتعدى إلى العقد أم لا يتعدى، وإنما هو في الشرط فقط؟ فمن قال يتعدى أبطل البيع وإن أسقطه، ومن قال لا يتعدى قال: البيع يصح إذا أسقط الشرط الفاسد لانه يبقى العقد صحيحا. كتاب بيع المرابحة أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان: مساومة ومرابحة، وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحا ما للدينار أو الدرهم. واختلفوا من ذلك بالجملة في موضعين: أحدهما: فيما للبائع أن يعده من رأس مال السلعة مما أنفق على السلعة بعد الشراء مما ليس له أن يعده من رأس المال. والموضع الثاني: إذا كذب البائع للمشتري فأخبره أنه اشتراه بأكثر مما اشترى السلعة به. أو وهم فأخبر بأقل مما اشترى به السلعة ثم ظهر له أنه اشتراها بأكثر، ففي هذا الكتاب بحسب اختلاف فقهاء الامصار بابان: الباب الاول: فيما يعد من رأس المال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح. الثاني: في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن. الباب الاول: فيما يعد من رأس المال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح فأما ما يعد في الثمن مما لا يعد. فإن تحصيل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائدا على الثمن ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يعد في أصل الثمن ويكون له

[ 173 ]

حظ من الربح. وقسم يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. وقسم لا يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. فأما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظا من الربح فهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ. وأما الذي يحسبه في رأس المال ولا يجعل له حظا من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد إلى بلد وكراء البيوت التي توضع بها. وأما ما لا يحتسب فيه في الامرين جميعا. فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد. وقال أبو حنيفة: بل يحمل على ثمن السلعة كل ما نابه عليها. وقال أبو ثور: لا يجوز المرابحة إلا بالثمن الذي اشترى به السلعة فقط إلا أن يفصل ويفسخ عنده إن وقع قال لانه كذب، لانه يقول له: ثمن سلعتي كذا وكذا وليس الامر كذلك. وهو عنده من باب الغش. وأما صفة رأس الثمن الذي يجوز أن يخبره به فإن مالكا والليث قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم اشتراها صرف معلوم ثم باعها بدراهم والصرف قد تغير إلى زيادة أنه ليس له أن يعلم يوم باعها بالدنانير التي اشتراها لانه من باب الكذب والخيانة. وكذلك إن اشتراها بدراهم ثم باعها بدنانير وقد تغير الصرف. واختلف أصحاب مالك من هذا الباب فيمن ابتاع سلعة بعروض هل يجوز له أن يبيعها مرابحة أم لا يجوز؟ فإذا قلنا بالجواز فهل يجوز بقيمة العرض أو بالعرض نفسه؟ فقال ابن القاسم: يجوز له بيعها على ما اشتراه به من العروض ولا يجوز على القيمة. وقال أشهب: لا يجوز لمن اشترى سلعة بشئ من العروض أن يبيعها مرابحة لانه يطالبه بعروض على صفة عرضه، وفي الغالب ليس يكون عنده فهو من باب بيع ما ليس عنده. واختلف مالك وأبو حنيفة فيمن اشترى سلعة بدنانير فأخذ في الدنانير عروضا أو دراهم هل يجوز له بيعها مرابحة دون أن يعلم بما نقد أم لا يجوز؟ فقال مالك لا يجوز إلا أن يعلم ما نقد. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيعها منه مرابحة على الدنانير التي ابتاع بها السلعة دون العروض التي أعطى فيها أو الدراهم، قال مالك أيضا فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة أنه لا يجوز حتى يعلم بالاجل. وقال الشافعي إن وقع كان للمشتري مثل أجله. وقال أبو ثور: هو كالعيب وله الرد به. وفي هذا الباب في المذهب فروع كثيرة ليست مما قصدناه. الباب الثاني: في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن واختلفوا فيمن ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره، ثم ظهر بعد ذلك إما بإقراره وإما ببينة أن الثمن كان أقل والسلعة قائمة، فقال مالك وجماعة: المشتري بالخيار، إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم يلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح وإن ألزمه لزمه، وقال أبو حنيفة وزفر: بل المشتري بالخيار على الاطلاق، ولا يلزمه الاخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه، وقالالثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة: بل يبقى البيع لازما لهما

[ 174 ]

بعد حط الزيادة، وعن الشافعي القولان: القول بالخيار مطلقا، والقول باللزوم بعد الحط. فحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به السلعة لا غير ذلك، فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر، كما لو أخذ بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل أنه يلزمه توفية ذلك الكيل. وحجة من رأى أن الخيار مطلقا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب، أعني أنه كما يوجب العيب الخيار كذلك يوجب الكذب. وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي: يحط مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح، وقال مالك: إن كانت قيمتها يوم القبض أو يوم البيع - على خلاف عنه في ذلك - مثل ما وزن المبتاع أو أقل فلا يرجع عليه المشتري بشئ، وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري القيمة أو رده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح. وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك وهي قائمة، فقال الشافعي: لا يسمع من تلك البينة لانه كذبها وقال مالك: يسمع منها ويجبر المبتاع على ذلك الثمن، وهذا بعيد لانه بيع آخر. وقال مالك في هذه المسألة: إذا فاتت السلعة أن المبتاع مخير بين أن يعطى قيمة السلعة يوم قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح فهذه هي مشهورات مسائلهم في هذا الباب. ومعرفة أحكام هذا البيع تنبني في مذهب مالك على معرفة أحكام ثلاثة مسائل وما تركب منها: حكم مسألة الكذب، وحكم مسألة الغش، وحكم مسألة وجود العيب. فأما حكم الكذب فقد تقدم. وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق. وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا، وليس للبائع أن يلزمه البيع وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب، هذا عند ابن القاسم. وأما عند أشهب، فإن الغش عنده ينقسم قسمين: قسم مؤثر في الثمن، وقسم غير مؤثر. فأما غير المؤثر فلا حكم عنده فيه. وأما المؤثر فحكمه عنده حكم الكذب. وأما التي تتركب فهي أربع مسائل: كذب وغش، وكذب وتدليس، وغش وتدليس بعيب، وكذب وغش وتدليس بعيب، وأصل مذهب ابن القاسم فيها أنه يأخذ بالذي بقي حكمه إن كان فات بحكم أحدهما أو بالذي بقي حكمه أو بالذي هو أرجح له إن لم يفت حكم أحدهما، إما على التخيير حيث يمكن التي أربع مسائل: كذب وغش، وكذب وتدليس، وغش وتدليس بعيب، وكذب وغش وتدليس بعيب، وأصل مذهب ابن القاسم فيها أنه يأخذ بالذي بقي حكمه إن كان فات بحكم أحدهما أو بالذي بقي حكمه أو بالذي هو أرجح له إن لم يفت حكم أحدهما، إما على التخيير حيث يمكن التخيير، أو الجمع حيث يمكن الجمع، وتفصيل هذا لائق بكتب الفروع، أعني مذهب ابن القاسم وغيره.

[ 175 ]

كتاب بيع العرية اختلف الفقهاء في معنى العرية والرخصة التي أتت فيها في السنة، فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي أن العرية في مذهب مالك هي أن يهب الرجل ثمرة نخلة أو نخلات من حائطه لرجل بعينه، فيجوز للمعري شراؤها من المعرى له بخرصها تمرا على شروط أربعة: أحدها: أن تزهى. والثاني: أن تكون خمسة أوسق فما دون، فإن زادت فلا يجوز. والثالث: أن يعطيه التمر الذي يشتريها به عند الجذاذ، فإن أعطاه نقدا لم يجز. الرابع: أن يكون التمر من صنف تمر العرية ونوعها، فعلى مذهب مالك الرخصة في العرية إنما هي في حق المعرى فقط، والرخصة فيها إنما هي استثناؤها من المزابنة، وهي بيع الرطب بالتمر الجاف الذي ورد النهي عنه، ومن صنفي الربا أيضا: أعني التفاضل والنساء، وذلك أن بيع ثمر معلوم الكيل بثمر معلوم بالتخمين وهو الخرص، فيدخله بيع الجنس الواحد متفاضلا، وهو أيضا بثمر إلى أجل. فهذا هو مذهب مالك فيما هي العرية، وما هي الرخصة فيها، ولمن الرخصة فيها؟ وأما الشافعي فمعنى الرخصة الواردة عنده فيها ليست للمعري خاصة، وإنما هي لكل أحد من الناس أراد أن يشتري هذا القدر من الثمر: أعني الخمسة أوسق أو ما دون ذلك بتمر مثلها، وروي أن الرخصة فيها إنما هي معلقة بهذا القدر من التمر لضرورة الناس أن يأكلوا رطبا وذلك لمن ليس عنده رطب ولا تمر يشتري به الرطب. والشافعي يشترط في إعطاء التمر الذي تباع به العرية أن يكون نقدا، ويقول: إن تفرقا قبل القبض فسد البيع. والعرية جائزة عند مالك في كل ما ييبس ويدخر، وهي عند الشافعي في التمر والعنب فقط ولا خلاف في جوازها فيما دون الخمسة الاوسق عند مالك والشافعي، وعنهما الخلاف إذا كانت خمسة أوسق، فروي الجواز عنهما والمنع والاشهر عند مالك الجواز. فالشافعي يخالف مالكا في العرية في أربعة مواضع: أحدها: في سبب الرخصة كما قلنا. والثاني: أن العرية التي رخص فيها ليست هبة، وإنما سميت هبة على التجوز. والثالث: في اشتراط النقد عند البيع. والرابع:

[ 176 ]

في محلها. فهي عنده كما قلنا في التمر والعنب فقط، وعند مالك في كل ما يدخر وييبس. وأما أحمد بن حنبل فيوافق مالكا في أن العرية عنده هي الهبة، ويخالفه في أن الرخصة إنما هي عنده فيها للموهوب له أعني المعرى له لا المعري، وذلك أنه يرى أن له أن يبيعها ممن شاء بهذه الصفة لا من المعري خاصة كما ذهب إليه مالك. وأما أبو حنيفة فيوافق مالكا في أن العرية هي الهبة، ويخالفه في صفة الرخصة، وذلك أن الرخصة عنده فيها ليست هي من باب استثنائها من المزابنة ولا هي في الجملة في البيع، وإنما الرخصة فيها عنده من باب رجوع الواهب في هبته إذا كان الموهوب له لم يقبضها وليست عنده ببيع، وإنما هي رجوع في الهبة على صفة مخصوصة، وهو أن يعطى بدلها تمرا بخرصها. وعمدة مذهب مالك في العرية أنها بالصفة التي ذكر سنتها المشهورة عندهم بالمدينة، قالوا: وأصل هذا أن الرجل كان يهب النخلات من حائطه فيشق عليه دخول الموهوب له عليه، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ. ومن الحجة له في أن الرخصة إنما هي للمعري حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع التمر بالرطب إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا قالوا: فقوله يأكلها رطبا دليل على أن ذلك خاص بمعريها، لانهم في ظاهر هذا القول أهلها. ويمكن أن يقال إن أهلها هم الذين اشتروها كائنا من كان، لكن قوله رطبا هو تعليل لا يناسب المعرى، وعلى مذهب الشافعي هو مناسب، وهم الذين ليس عندهم رطب ولا تمر يشترونها به، ولذلك كانت الحجة للشافعي. وأما أن العرية عنده هي الهبة فالدليل على ذلك من اللغة، فإن أهل اللغة قالوا: العرية هي الهبة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل لانها عريت من الثمن، وقيل إنها مأخوذة من عروت الرجل أعروه إذا سألته، ومنه قوله تعالى: * (وأطعموا القانع والمعتر) * وإنما اشترط مالك نقد الثمن عند الجذاذ أعني تأخيره إلى ذلك الوقت، لانه تمر ورد الشرع بخرصه، فكان من سنته أن يتأجل إلى الجذاذ أصله الزكاة، وفيه ضعف، لانه مصادمة بالقياس لاصل السنة. وعنده أنه إذا تطوع بعد تمام العقد بتعجيل التمر جاز، وأما اشتراطه جوازها في الخمسة الاوسق أو فيما دونها، فلما رواه عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق وإنما كان عن مالك في الخمسة الاوسق روايتان لان الشك الواقع في هذا الحديث من الراوي. وأما اشتراطه أن يكون من ذلك الصنف بعينه إذا يبس، فلما روي عن زيد بثابت أن رسول الله (ص) رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا خرجه مسلم. وأما الشافعي فعمدته حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عن النبي (ص) أنه

[ 177 ]

نهى عن المزابنة التمر بالتمر إلا أصحاب العرايا، فإنه أذن لهم فيه وقوله فيها: يأكلها أهلها رطبا. والعرية عندهم هي اسم لما دون الخمسة الاوسق من التمر، وذلك أنه لما كان العرف عندهم أن يهب الرجل في الغالب من نخلاته هذا القدر فما دونه، خص هذا القدر الذي جاءت فيه الرخصة باسم الهبة لموافقته في القدر للهبة، وقد احتج لمذهبه بما رواه بإسناد منقطع عن محمود بن لبيد أنه قال لرجل من أصحاب رسول الله (ص) - أما زيد بن ثابت وإما غيره -: ما عراياكم هذه؟ قال: فسمى رجالا محتاجين من الانصار شكوا إلى رسول الله (ص) أن الرطب أتى وليس بأيديهم نقد يبتاعون به الرطب فيأكلونه مع الناس، وعندهم فضل من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم يأكلونها رطبا وإنما لم يجز تأخير نقد التمر لانه بيع الطعام بالطعام نسيئة. وأما أحمد فحجته ظاهر الاحاديث المتقدمة أنه رخص في العرايا ولم يخص المعري من غيره. وأما أبو حنيفة فلما لم تجز عنده المزابنة وكانت إن جعلت بيعا نوعا من المزابنة رأى أن انصرافها إلى المعري ليس هو من باب البيع وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وهب بإعطاء خرصها تمرا، أو تسميته إياها بيعا عنده مجاز، وقد التفت إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه، فلم يجز بيعها بالدراهم ولا بشئ من الاشياء سوى الخرص، وإن كان المشهور عنه جواز ذلك وقد قيل إن قول أبي حنيفة هذا هو من باب تغليب القياس على الحديث، وذلك أنه خالف الاحاديث في مواضع: منها أنه لم يسمها بيعا، وقد نص الشارع على تسميتها بيعا. ومنها أنه جاء في الحديث أنه نهى عن المزابنة ورخص في العرايا، وعلى مذهبه لا تكون العرية استثناء من المزابنة، لان المزابنة هي في البيع. والعجب منه أنه سهل عليه أن يستثنيها من النهي عن الرجوع في الهبة التي لم يقع فيها الاستثناء بنص الشرع، وعسر عليه أن يستثنيها مما استثنى منه الشارع، وهي المزابنة، والله أعلم.

[ 178 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما كتاب الاجارات والنظر في هذا الكتاب شبيه بالنظر في البيوع: أعني أن أصوله: تنحصر بالنظر في أنواعها وفي شروط الصحة فيها والفساد وفي أحكامها، وذلك في نوع نوع منها، أعني فيما يخص نوعا نوعا منها، وفيما يعم أكثر من واحد منها فهذا الكتاب ينقسم أولا إلى قسمين: القسم الاول: في أنواعها وشروط الصحة والفساد. والثاني: في معرفة أحكام الاجارات وهذا كله بعد قيام الدليل على جوازها. فلنذكر أولا ما في ذلك من الخلاف ثم نصير إلى ذكر ما في ذينك القسمين من المسائل المشهورة. إذ كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي تجري من هذه الاشياء مجرى الامهات، وهي التي اشتهر فيها الخلاف بين فقهاء الامصار، فنقول: إن الاجارة جائزة عند جميع فقهاء الامصار والصدر الاول. وحكي عن الاصم وابن علية منعها. ودليل الجمهور قوله تعالى: * (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني) * الآية، وقوله: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) *. ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله (ص) وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وحديث جابر أنه باع من النبي (ص) بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة. وما جاز استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالاجر. وشبهة من منع ذلك أن المعاوضات إنما يستحق فيها تسليم الثمن بتسليم العين كالحال في الاعيان المحسوسة. والمنافع في الاجارات في وقت العقد معدومة، فكان ذلك غررا ومن بيع ما لم يخلق، ونحن نقول: إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفي في الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء. القسم الاول: وهذا القسم النظر فيه في جنس الثمن وجنس المنفعة التي يكون الثمن مقابلا لوصفتها. فأما الثمن فينبغي أن يكون مما يجوز بيعه، وقد تقدم ذلك في باب البيوع.

[ 179 ]

وأما المنفعة فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه المسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها، فما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشئ محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع، مثل أجر النوائح وأجر المغنيات، وكذلك كل منفعة كانت فرض عين على الانسان بالشرع مثل الصلاة وغيرها، واتفقوا على إجارة الدور والدواب والناس على الافعال المباحة، وكذلك الثياب والبسط. واختلفوا في إجارة الارضين وفي إجارة المياه وفي إجارة المؤذن وفي الاجارة على تعليم القرآن، وفي إجارة نزو الفحول، فأما كراء الارضين فاختلفوا فيها اختلافا كثيرا، فقوم لم يجيزوا ذلك بتة وهم الاقل، وبه قال طاو س وأبو بكر بن عبد الرحمن، وقال الجمهور بجواز ذلك. واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم: لا يجوز كراؤها إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وسعيد بن المسيب، وقال قوم: يجوز كراء الارض بكل شئ ما عدا الطعام، وسواء كان ذلك بالطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعاما أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال آخرون: يجوز كراء الارض بما عدا الطعام فقط، وقال آخرون: يجوز كراء الارض بكل العروض والطعام وغير ذلك ما لم يكن بجزء مما يخرج منها من الطعام، وممن قال بهذا القول سالم بن عبد الله وغيره من المتقدمين، وهو قول الشافعي وظاهر قول مالك في الموطأ، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شئ وبجزء مما يخرج منها، وبه قال أحمد والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وابن أبي ليلى والاوزاعي وجماعة. وعمدة من لم يجز كراءها بحال ما رواه مالك بسنده عن رافع بن خديج: أن رسول الله (ص) نهى عن كراء المزارع قالوا: وهذا عام، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ما روى مالك من تخصيص الراوي له حين روى عنه، قال حنظلة، فسألت رافع بن خديج عن كرائها بالذهب والورق فقال: لا بأس به. وروى هذا عن رافع ابن عمر وأخذ بعمومه، وكان ابن عمر قبل يكري أرضه فترك ذلك، وهذا بناء على رأي من يرى أنه لا يخص العموم بقول الراوي. وروي عن رافع بن خديج عن أبيه قال: نهى رسول الله (ص) عن إجارة الارضين قال أبو عمر بن عبد البر: واحتجوا أيضا بحديث ضمرة عن ابن شوذب عمطرف عن عطاء عن جابر قال: خطبنا رسول الله (ص) فقال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يؤاجرها فهذه هي جملة الاحاديث التي تمسك بها من لم يجز كراء الارض. وقالوا أيضا من جهة المعنى: إنه لم يجز كراؤها لما في ذلك من الغرر، لانه ممكن أن يصيب الزرع جائحة من نار أو قحط أو غرق، فيكون قد لزم كراؤها من غير أن ينتفع من ذلك بشئ. قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الارض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلا الخلقة، وأما عمدة من لم يجز كراءها إلا بالدراهم والدنانير فحديث طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج عن النبي (ص) أنه قال:

[ 180 ]

إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فيزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل اكترى بذهب أو فضة قالوا: فلا يجوز أن يتعدى ما في هذا الحديث والاحاديث الاخر مطلقة وهذا مقيد، ومن الواجب حمل المطلق على المقيد. وعمدة من أجاز كراءها بكل شئ ما عدا الطعام، وسواء أكان الطعام مدخرا أو لم يكن: حديث يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله (ص): من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام معين قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله (ص) عنها، وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعا وفيه: والمحاقلة استكراء الارض بالحنطة. قالوا: وأيضا فإنه من بيع الطعام بالطعام نسيئة. وعمدة من لم يجز كراءها بالطعام ولا بشئ مما يخرج منها، أما بالطعام فحجته حجة من لو يجز كراءها بالطعام. وأما حجته على منع كرائها مما تنبت فهو ما ورد من نهيه (ص) عن المخابرة، قالوا: وهي كراء الارض بما يخرج منها وهذا قول مالك وكل أصحابه. وعمدة من أجاز كراءها بجميع العروض والطعام وغير ذلك مما يخرج منها أنه كراء منفعة معلومة بشئ معلوم، فجاز قياسا على أجارة سائر المنافع، وكأن هؤلاء ضعفوا أحاديث رافع. روي عن سالم بن عبد الله وغيره في حديث رافع أنهم قالوا: اكترى رافع. قالوا: وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يجب أن يحمل عليها سائرها قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، قال: وكان أحدنا يكري أرضه ويقول: هذه القطعة لي وهذه لك، وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي (ص) خرجه البخاري. وأما من لم يجز كراءها بما يخرج منها، فعمدته النظر والاثر. أما الاثر: فما ورد من النهي عن المخابرة، وما ورد من حديث ابن خديج عن ظهير بن رافع قال: نهانا رسول الله (ص) عن أمر كان رفقا بنا، فقلت ما قال رسول الله (ص) فهو حق قال: دعاني رسول الله (ص) فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلنا: نؤاجرها على الربع وعلى الاوسق من التمر والشعير، فقال رسول الله (ص): لا تفعلوا، ازرعوها أو زارعوها أو أمسكوها وهذا الحديث اتفق على تصحيحه الامام البخاري ومسلم. وأما من أجاز كراءها بما يخرج منها فعمدته حديث ابن عمر الثابت: أن رسول الله (ص) دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم على نصف ما تخرجه الارض والثمرة قالوا: وهذا الحديث أولى من أحاديث رافع لانها مضطربة المتون، وإن صحت أحاديث رافع حملناها على الكراهية لا على الحظر، بدليل ما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: إن النبي (ص) لم ينه عنها ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه يكن له خيرا من أن يأخذ منه شيئا قالوا: وقدم معاذ بن جبل اليمن حين بعثه رسول الله (ص) وهم يخابرون فأقرهم. وأما إجارة المؤذن: فإن قوما لم يروا في ذلك بأسا، وقوما كرهوا ذلك. والذين كرهوا ذلك وحرموه احتجوا بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: قال

[ 181 ]

رسول الله (ص): اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا والذين أباحوه قاسوه على الافعال غير الواجبة، وهذا هو سبب الاختلاف، أعني هل هو واجب أم ليس بواجب؟ وأما الاستئجار على تعليم القرآن فقد اختلفوا فيه أيضا، وكرهه قوم، وأجازه آخرون. والذين أباحوه قاسوه على سائر الافعال، واحتجوا بما روي عن خارجة بن الصامت عن عمه قال: أقبلنا من عند رسول الله (ص)، فأتينا على حي من أحياء العرب فقالوا: إنكم جئتم من عند هذا الرجل فهل عندكم دواء أو رقية، فإن عندنا معتوها في القيود، فقلنا لهم نعم، فجاءوا به، فجعلت أقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بريقي ثم أتفل عليه، فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلا، فقلت لا حتى أسأل رسول الله (ص)، فسألته فقال: كل فلعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حقا وبما روي عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله (ص) كانوا في غزاة، فمروا بحي من أحياء العرب، فقالوا: هل عندكم من راق، فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له، قال: فرقى رجل بفاتحة الكتاب فبرئ، فأعطي قطيعا من الغنم، فأبى أن يقبلها، فسأل عن ذلك رسول الله (ص) فقال: بم رقيته؟ قال: بفاتحة الكتاب. قال: وما يدريك أنها رقية؟ قال: ثم قال رسول الله (ص): خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم. وأما الذين كرهوا الجعل على تعليم القرآن فقالوا: هو من باب الجعل على تعليم الصلاة. قالوا: ولم يكن الجعل المذكور في الاجارة على تعليم القرآن وإنما كان على الرقي، وسواء أكان الرقي بالقرآن أو غيره الاستئجار عليه عندنا جائز كالعلاجات. قالوا: وليس واجبا على الناس، وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس. وأما إجارة الفحول من الابل والبقر والدواب، فأجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواما معلومة. ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي. وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ومن أجازه شبهه بسائر المنافع، وهذا ضعيف لانه تغليب القياس على السماع. واستئجار الكلب أيضا هو من هذا الباب، وهو لا يجوز عند الشافعي ولا عند مالك، والشافعي يشترط في جواز استئجار المنفعة أن تكون متقومة على انفرادها، فلا يجوز استئجار تفاحة للشم، ولا طعام لتزيين الحانوت، إذ هذه المنافع ليس لها قيم على انفرادها، فهو لا يجوز عند مالك ولا عند الشافعي. ومن هذا الباب اختلاف المذهب في إجارة الدراهم والدنانير، وبالجملة كل ما لا يعرف بعينه، فقال ابن القاسم: لا يصح إجارة هذا الجنس وهو قرض، وكان أبو بكر الابهري وغيره يزعم أن ذلك يصح وتلزم الاجرة فيه، وإنما منع من إجارتها، لانه لم يتصور فيها منفعة إلا بإتلاف عينها، ومن أجاز إجارتها تصور فيها منفعة، مثل أن يتجمل بها أو يتكثر أو غير

[ 182 ]

ذلك مما يمكن أن يتصور في هذا الباب فهذه هي مشهورات مسائل الخلاف المتعلقة بجنس المنفعة. وأما مسائل الخلاف المتعلقة بجنس الثمن فهي مسائل الخلاف المتعلقة بما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات وما لا يجوز، ومما ورد النهي فيه من هذه الباب ما روى أنه (ص) نهي عن عسيب الفحل وعن كسب الحجام وعن قفيز الطحان قال الطحاوي: ومعنى نهى النبي (ص) عن قفيز الطحان هو ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من دفع القمح إلى الطحان بجزء من الدقيق الذي يطحنه، قالوا: وهذا لا يجوز عندنا، وهو استئجار من المستأجر بعين ليس عنده، ولا هي من الاشياء التي تكون ديونا على الذمم، ووافقه الشافعي على هذا. وقال أصحابه: لو استأجر السلاخ بالجلد والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق فسد لنهيه (ص) عن قفيز الطحان، وهذا على مذهب مالك جائز، لانه استأجره على جزء من الطعام معلوم، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا. وأما كسب الحجام، فذهب قوم إلى تحريمه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: كسبه ردئ يكره للرجل، وقال آخرون بل هو مباح. والسبب في اختلافقهم: تعارض الآثار في هذا الباب، فمن رأء أنه حرام احتج بما روي عن أبي هريرة قال: رسول الله (ص): من السحت كسب الحجام وبما روي عن أنس بن مالك قال: حرم رسول الله (ص) كسب الحجام وروي عن عون بن أبي جحيفة قال: اشترى أبي حجاما فكسر محاجمه، فقلت له: لم يا أبت كسرتها؟ فقال: إن رسول الله (ص) نهى عن ثمن الدم. وأما من رأى إباحة ذلك، فاحتج بما روي عن ابن عباس قال: الحجام رسول الله (ص) وأعطى احجام أجره قالوا: ولو كان حراما لم يعطه، وحديث جابر أن رسول الله (ص) دعا أبا طيبة فحجمه فسأله كم ضريبتك، فقال: ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعا وعنه أيضا أنه أمر للحجام بصاع من طعام، وأمر مواليه أن يخففوا عنه. وأما الذين قالوا بكراهيته فاحتجوا بما روي أن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة جاء إلى مجلس الانصار فقال: نهى رسول الله (ص) عن كسب الحجام وأمرنا أن نطعمه ناضحنا وبما روي عن رجلب من بني حارثة كان له حجام، وسأل رسول الله (ص) عن ذلك فنهاه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، فلم يزل يراجعه حتى قال له رسول الله (ص): أعلف كسبه ناضحك وأطعمه رقيقك. ومن هذا الباب أيضا اختلافهم في إجارة دار بسكنى دار أخرى. فأجاز ذلك مالك ومنعه أبو حنيفة، ولعله رآها من باب الدين بالدين وهذا ضعيف، فهذه مشهورات مسائلهم فيما يتعلق بجنس الثمن وبجنس المنفعة. وأما ما يتعلق بأوصافها فنذكر أيضا المشهور منها، فمن ذلك أن جمهور فقهاء الامصار: مالك وأبو حنيفة والشافعي اتفقوا بالجملة أن من شرط الاجارة أن يكون الثمن معلوما والمنفعة معلومة القدر، وذلك إما بغايتها مثل خياطة الثوب وعمل الباب، وإما بضرب الاجل إذا لم تكن لها غاية مثل خدمة الاجير، وذلك

[ 183 ]

إما بالزمان إن كان عملا واستيفاء منفعة متصلة الوجود مثل كراء الدور والحوانيت، وإما بالمكان أن كان مثليا مثل كراء الرواحل. وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز إجارا ت المجهولات مثل أن يعطي الرجل حماره لمن يسقي عليه أو يحتطب عليه بنصف ما يعود عليه. وعمدة الجمهور أن الاجارة بيع فامتنع فيها من الجهل - لمكان الغبن - ما امتنع في المبيعات. واحتج الفريق الثاني بقياس الاجارة على القراض والمساقاة، والجمهور على أن القراض والمساقاة مستثنيان بالسنة فلا يقاس عليهما لخروجهما عن الاصول. واتفق مالك والشافعي على أنهما إذا ضربا للمنفعة التي ليس لها غاية أمدا من الزمان محدودا. وحددوا أيضا أول ذلك الامد، وكان أوله عقب العقد أذلك جائز. واختلفوا إذا لم يحددوا أول الزمان أو حددوه ولم يكن عقب العقد، فقال مالك: يجوز إذا حدد الزمان ولم يحدد أوله، مثل أن يقول له استأجرت منك هذه الدار سنة بكذا أو شهرا بكذا، ولا يذكر أول ذلك الشهر ولا أول تلك السنة. وقال الشافعي: لا يجوز، ويكون أول الوقت عند مالك وقت عقد الاجارة، فمنعه الشافعي لانه غرر، وأجازه مالك لانه معلوم بالعادة، وكذلك لم يجز الشافعي إذا كان أول العقد متراخيا عن العقد، وأجازه مالك. واختلف قول أصحابه في استئجار الارض غير المأمونة، والتغيير فيما بعد من الزمان، وكذلك اختلف مالك والشافعي في مقدار الزمان الذي تقدر به هذه المنافع، فمالك يجيز ذلك السنين الكثيرة، مثل أن يكري الدار لعشرة أعوام أو أكثر، مما لا تتغير الدار في مثله، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لاكثر من عام واحد. واختلف قول ابن القاسم وابن الماجشون في أرض المطر وأرض السقي بالعيون وأرض السقي بالآبار والانهار، فأجاز ابن القاسم فيها الكراء السنين الكثيرة، وفصل ابن الماجشون فقال: لا يجوز الكراء في أرض المطر إلا لعام واحد، وأما أرض السقي بالعيون فلا يجوز كراؤها إلا لثلاثة أعوام وأربعة، وأما أرض الآبار والانهار فلا يجوز إلا لعشرة أعوام فقط. فالاختلاف ههنا في ثلاثة مواضع: في تحديد أول المدة، وفي طولها، وفي بعدها من وقت العقد. وكذلك اختلف مالك والشافعي إذا لم يحدد المدة وحدد القدر الذي يجب لاقل المدة. مثل أن يقول: أكتري منك هذه الدار الشهر بكذا، ولا يضربان لذلك أمدا معلوما، فقال الشافعي: لا يجوز، وقال مالك وأصحابه: يجوز على قياس: أبيعك من هذه الصبرة بحساب القفيز بدرهم، وهذا لا يجوز غيره. وسبب الخلاف: اعتبار الجهل الواقع في هذه الاشياء هل هو من الغرر المعفو عنه أو المنهي عنه؟ ومن هذا الباب اختلافهم في البيع والاجارة، أجارة مالك، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، ولم يجز مالك أن يقترن بالبيع إلا الاجارة فقط. ومن هذه الباب اختلافهم في إجارة المشاع، فقال مالك والشافعي: هي جائزة، وقال أبو حنيفة: لا تجوز، لان عنده أن الانتفاع بها مع الاشاعة متعذر، وعند

[ 184 ]

مالك والشافعي أن الانتفاع بها ممكن مع شريكه كانتفاع المكري بها مع شريكه: أعني رب المال. ومن هذا الباب استئجار الاجير بطعامه وكسوته، وكذلك الظئر، فمنع الشافعي ذلك على الاطلاق، وأجاز ذلك مالك على الاطلاق: أعني في كل أجير، وأجاز ذلك أبو حنيفة في الظئر فقط. وسبب الخلاف: هل هي إجارة مجهولة، أم ليست مجهولة؟ فهذه هي شرائط الاجارة الراجعة إلى الثمن والمثمون. وأما أنواع الاجارة فإن العلماء على أن الاجارة على ضربين: إجارة منافع أعيان محسوسة، وإجارة منافع في الذمة قياسا على البيع. والذي في الذمة من شرطه الوصف. والذي في العين من شرطه الرؤية أو الصفة عنده كالحال في المبيعات، ومن شرط الصفة عنده ذكر الجنس والنوع، وذلك في الشئ الذي تستوفي منافعه، وفي الشئ الذي تستوفي به منافعه فبد من وصف المركوب مثلا، والحمل الذي تستوفي به منفعة المركوب. وعند مالك أن الراكب لا يحتاج أن يوصف، وعند الشافعي يحتاج إلى الوصف، وعند ابن القاسم أنه إذا استأجر الراعي على غنم بأعيانها أن من شرط صحة العقد اشتراط الخلف، وعند غيره تلزم الجملة بغير شرط. ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك ليخرج من الدين بالدين. كما أن من شرط إجارة الارض غير المأمونة السقي عنده أن لا يشترط فيها النقد إلا بعد الري. واختلفوا في الكراء هل يدخل في أنواعه الخيار أم لا؟ فقال مالك: يجوز الخيار في الصنفين من الكراء المضمون والمعين، وقال الشافعي: لا يجوز. فهذه هي المشهورات من المسائل الواقعة في هذا القسم الاول من هذا الكتاب، وهو الذي يشتمل على النظر في مجال هذا العقد وأوصافه وأنواعه، وهي الاشياء التي تجري من هذا العقد مجرى الاركان، وبها يوصف العقد إذا كان على الشروط الشرعية بالصحة، وبالفساد إذا لم يكن على ذلك، وبقي النظر في الجزء الثاني، وهو أحكام هذا العقد. الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو النظر في أحكام الاجارات وأحكام الاجارات كثيرة، ولكنها بالجملة تنحصر في جملتين: الجملة الاولى: في موجبات هذا العقد ولوازمه من غير حدوث طارئ عليه. الجملة الثانية: في أحكام الطوارئ. وهذه الجملة تنقسم في الاشهر إلى معرفة موجبات الضمان وعدمه، ومعرفة وجوب الفسخ وعدمه، ومعرفة حكم الاختلاف. الجملة الاولى ومن مشهورات هذا الباب متى يلزم المكري دفع الكراء إذا أطلق العقد ولم يشترط قبض الثمن؟ فعند مالك وأبي حنيفة: أن الثمن إنما يلزم جزءا فجزءا بحسب ما يقبض من المنافع، إلا أن يشترط ذلك أو يكون هنالك ما يوجب التقديم، مثل أن يكون عوضا معينا أو يكون كراء في الذمة. وقال الشافعي: يجب عليه

[ 185 ]

الثمن بنفس العقد. فمالك رأى أن الثمن إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من العوض، والشافعي كأنه رأى أن تأخره من باب الدين بالدين. ومن ذلك اختلافهم فيمن اكترى دابة أو دارا وما أشبه ذلك، هل له أن يكري ذلك بأكثر مما اكتراه؟ فأجازه مالك والشافعي وجماعة قياسا على البيع، ومنع ذلك أبو حنيفة وأصحابه. وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم يضمن، لان ضمان الاصل هو من ربه: أعني من المكري. وأيضا فإنه من باب بيع ما لم يقبض، وأجاز ذلك بعض العلماء إذا أحدث فيها عملا. وممن لم يكره ذلك إذا وقع بهذه الصفة سفيان الثوري، والجمهور رأوا أن الاجارة في هذا شبيهة بالبيع. ومنها أن يكري الدار من الذي أكراها منه، فقال مالك: يجوز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وكأنه رأى أنه إذا كان التفاضل بينهما في الكراء فهو من باب أكل المال بالباطل. ومنها إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة أو دونه، فقال مالك: له ذلك، وقال داود: ليس له ذلك. ومنها اختلافهم في كنس مراحيض الدور المكتراة، فالمشهور عن ابن القاسم أنه على أرباب الدور، وروي عنه أنه على المكتري، وبه قال الشافعي، واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها قوم وتخرج قوم فقال: الكنس في هذه على رب الدار. ومنها اختلاف أصحاب مالك في الانهدام اليسير من الدار، هل يلزم رب الدار إصلاحه، أم ليس يلزم؟ وينحط عنه من الكراء ذلك القدر؟ فقال ابن القاسم: لا يلزمه، وقال غيره من أصحابه يلزمه. وفروع هذا الباب كثيرة، وليس قصدنا التفريع في هذا الكتاب. الجملة الثانية: وهي النظر في أحكام الطوارئ الفصل الاول منه: وهو النظر في الفسوخ فنقول: إن الفقهاء اختلفوا في عقد الاجارة، فذهب الجمهور إلى أنه عقد لازم، وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة. والذين قالوا إنه عقد لازم اختلفوا فيما ينفسخ به، فذهب جماعة فقهاء الامصار: مالك والشافعي وسفيان الثوري وأبو ثور وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز فسخ عقد الاجارة للعذر الطارئ على المستأجر، مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق. وعمدة الجمهور قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * لان الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح، ولانه عقد على معارضة فلم ينفسخ أصله البيع. وعمدة أبي حنيفة أنه شبه ذهاب ما به تستوفي المنفعة بذهاب العين التي فيها المنفعة. وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء في غير مخصوص

[ 186 ]

على استيفاء من جنس مخصوص، فقال عبد الوهاب: الظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين في الاجارة، وإن عين فذلك كالوصف لا ينفس ببيعها أو ذهابه، بخلاف العين المستأجرة إذا تلفت قال: وذلك مثل أن يستأجر على رعاية غنم بأعيانها أو خياطة قميص بعينه فتهلك الغنم ويحترق الثوب فلا ينفسخ العقد، وعلى المستأجر أن يأتي بغنم مثلها ليرعاها أو قميص مثله ليخيطه قال: وقد قيل إنها تتعين بالتعيين فينفسخ العقد بتلف المحل. وقال بعض المتأخرين: إن ذلك ليس اختلافا في المذهب وإنما ذلك على قسمين: أحدهما: أيكون المحل المعين لاستيفاء المنافع مما تقصد عينه أو مما لا تقصد عينه، فإن كان مما تقصد عينه انفسخت الاجارة كالظئر إذا مات الطفل، وإن كان مما لا يقصد عينلم تنفسخ الاجارة على رعاية الغنم بأعيانها أو بيع طعام في حانوت وما أشبه ذلك. واشتراط ابن القاسم في المدونة أنه إذا استأجر على غنم بأعيانها فإنه لا يجوز إلا أن يشترط الخلف هو التفات منه إلى أنها تنفسخ بذهاب محل استيفاء المعين، لكن لما رأى التلف سائقا إلى الفسخ رأى أنه من باب الغرر، فلم يجز الكراء عليها إلا باشتراط الخلف. ومن نحو هذا اختلافهم في: هل ينفسخ الكراء بموت أحد المتعاقدين أعني المكري أو المكتري؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا ينفسخ ويورث عقد الكراء، وقال أبو حنيفة والثوري والليث: ينفسخ، وعمدة من لم يقل بالفسخ أنه عقد معاوضة، فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين أصله البيع. وعمدة الحنفية أن الموت نقله لاصل الرقبة المكتراة من ملك إلى ملك، فوجب أن يبطل أصله البيع في العين المستأجرة مدة طويلة: أعني أنه لا يجوز، فلما كان لا يجتمع العقدان معا غلب ههنا انتقال الملك وإلا بقي الملك ليس له وارث، وذلك خلاف الاجماع، وربما شبهوا الاجارة بالنكاح إذ كان كلاهما استيفاء منافع، والنكاح يبطل بالموت وهو بعيد. وربما احتجوا على المالكية فقط بأن الاجرة عندهم تستحق جزءا فجزءا بقدر ما يقبض من المنفعة، قالوا: وإذا كان هذا هكذا فإن مات الملك وبقيت الاجارة، فإن المستأجر يستوفي في ملك الوارث حقا بموجب عقد في غير ملك العاقد وذلك لا يصح، وإن مات المستأجر فتكون الاجرة مستحقة عليه بعد موته، والميت لا يثبت عليه دين بإجماع بعد موته. وأما الشافعية فلا يلزمهم هذا لان استيفاء الاجرة يجب عندهم بنفس العقد على ما سلف من ذلك، وعند مالك أن أرض المطر إذا أكريت فمنع القحط من زراعتها أو زرعها فلم ينبت الزرع لمكان القحط أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة، فلم يتمكن المكتري من أن يزرعها، وسائر الجوائح التي تصيب الزرع لا يحط عنه من الكراء شئ، وعنده أن الكراء الذي بوقت ما أنه إن كان ذلك الوقت مقصودا مثل كراء الرواحل في أيام الحج فغاب المكري عن ذلك الوقت أنه ينفسخ الكراء. وأما إن

[ 187 ]

لم يكن الوقت مقصودا فإنه لا ينفسخ، هذا كله عنده في الكراء الذي يكون في الاعيان. فأما الكراء الذي يكون في الذمة فإنه لا ينفسخ عنده بذها ب العين التي قبض المستأجر ليستوفي منها المنفعة إذ كان لم ينعقد الكراء على عين بعينها وإنما انعقد على موصوف في الذمة. وفروع هذا الباب كثيرة، وأصوله هي هذه التي ذكرناها. الفصل الثاني: وهو النظر في الضمان والضمان عند الفقهاء علوجهين: بالتعدي، أو لمكان المصلحة وحفظ الاموال. فأما بالتعدي فيجب على المكري باتفاق، والخلاف إنما هو في نوع التعدي الذي يوجب ذلك أو لا يوجبه وفي قدره، فمن ذلك اختلاف العلماء في القضاء فيمن اكترى دابة إلى موضع ما فتعدى بها إلى موضع زائد على الموضع الذي انعقد عليه الكراء، فقال الشافعي وأحمد: عليه الكراء الذي التزمه إلى المسافة المشترطة ومثل كراء المسافة التي تعدى فيها، وقال مالك: رب الدابة بالخيار في أن يأخذ كراء دابته في المسافة التي تعدى فيها أو يضمن له قيمة الدابة، وقال أبو حنيفة: لا كراء عليه في المسافة المتعداة، ولا خلاف أنها إذا تلفت في المسافة المتعداة أنه ضامن لها. فعمدة الشافعي أنه تعدى على المنفعة فلزمه أجرة المثل أصله التعدي على سائر المنافع. وأما مالك فكأنه لما حبس الدابة عن أسواقها رأى أنه قد تعدى عليها فيها نفسها فشبهه بالغاصب، وفيه ضعف، وأما مذهب أبي حنيفة فبعيد جدا عما تقتضيه الاصول الشرعية، والاقرب إلى الاصول في هذه المسألة هو قول الشافعي. وعند مالك أن عثار الدابة لو كانت عثور تعد من صاحب الدابة يضمن بها الحمل، وكذلك إن كانت الحبال رثة، ومسائل هذا الباب كثيرة. وأما الذين اختلفوا في ضمانهم من غير تعد إلا من جهة المصلحة فهم الصناع، ولا خلاف عندهم أن الاجير ليس بضامن لما هلك عنده مما استؤجر عليه إلا أن يتعدى ما عدا حامل الطعام والطحان، فإن مالكا ضمنه ما هلك عنده، إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من غير سببه. وأما تضمين الصناع ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف: يضمنون ما هلك عندهم، وقال أبو حنيفة: لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص، ويضمن المشترك ومن عمل بأجر. وللشافعي قولان في المشترك. والخاص عندهم هو الذي يعمل في منزل المستأجر، وقيل هو الذي لم ينتصب للناس، وهو مذهب مالك في الخاص، وهو عنده غير ضامن، وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن، وسواء عمل بأجر أو بغير أجر، وبتضمين الصناع قال علي وعمر، وإن كان قد اختلف عن علي في ذلك. وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده والشريك والوكيل وأجير الغنم، ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة. وأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو لا يعملوا بأجر، فلان العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع، وإذا قبضها بأجر فالمنفعة لكليهما، فغلبت

[ 188 ]

منفعة القابض، أصله القرض والعارية عند الشافعي، وكذلك أيضا من لم ينصب نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة، والاجير عند مالك كما قلنا لا يضمن إلا أنه استحسن تضمين حامل القوت وما يجري مجراه، وكذلك الطحان وما عدا غيرهم فلا يضمن إلا بالتعدي، وصاحب الحمام لا يضمن عنده، هذا هو المشهور عنه، وقد قيل يضمن. وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على هلاكه عندهم من غير تعد منهم ولا تفريط وهو شذوذ، ولا خلاف أن الصناع لا يضمنون ما لم يقبضوا في منازلهم. واختلف أصحاب مالك إذا قامت البينة على هلاك المصنوع وسقط الضمان عنهم هل تجب لهم الاجرة أم لا، إذا كان هلاكه بعد إتمام الصنعة أو بعد تمام بعضها؟ فقال ابن القاسم: لا أجرة لهم، وقال ابن المواز: لهم الاجرة، ووجه ما قال ابن المواز أن المصيبة إذا نزلت بالمستأجر فوجب أن لا يمضي عمل الصانع باطلا، ووجه ما قال ابن القاسم أن الاجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل، فأشبه ذلك إذا هلك بتفريط من الاجير، وقول ابن المواز أقيس، وقول ابن القاسم أكثر نظرا إلى المصلحة لانه رأى أن يشتركوا في المصيبة. ومن هذا الباب اختلافهم في ضمان صاحب السفينة، فقال مالك: لا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان إلا من الموج، وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من حرق أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته، وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا فيما كان فيه تغرير من الاعمال، مثل ثقب الجوهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران، والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ. وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله، وكان من أهل المعرفة فلا شئ عليه في النفس، والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث، وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية قيل في ماله، وقيل على العاقلة. الفصل الثالث: في معرفة حكم الاختلاف وهو النظر في الاختلاف، وفي هذا الباب أيضا مسائل: فمنها أنهم اختلفوا إذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة الصنعة فقال أبو حنيفة: القول قول رب المصنوع، وقال مالك وابن ابي ليلى: القول قول الصانع. وسبب الخلاف: من المدعي منهما على صاحبه، ومن المدعى عليه؟ ومنها إذا ادعى الصناع رد ما استصنعوا فيه، وأنكر ذلك الدافع، فالقول عند مالك قول الدافع، وعلى الصناع البينة لانهم كانوا ضامنين لما في أيديهم، وقال ابن الماجشون: القول قول الصناع إن كان ما دفع إليهم دفع بغير بينة، وإن كان دفع إليهم ببينة فلا يبرؤون إلا ببينة. وإذا اختلف الصانع ورب المتاع في دفع الاجرة، فالمشهور في المذهب أن القول قول الصانع مع يمينه إن قام بحدثان ذلك، وإن تطاول فالقول قول رب المصنوع، وكذلك إذا اختلف المكري والمكتري، وقيل بل القول قول

[ 189 ]

الصانع وقول المكري وإن طال، وهو الاصل. وإذا اختلف المكري والمكتري أو الاجير والمستأجر في مدة الزمان الذي وقع فيه استيفاء المنفعة إذا اتفقا على أن المنفعة لم تستوف في جميع الزمان المضروب في ذلك، فالمشهور في المذهب أن القول قول المكتري والمستأجر لانه الغارم، والاصول على أن القول قول الغارم، وقال ابن الماجشون: القول قول المكتري له والمستأجر إذا كانت العين مستوفاة منها المنافع في قبضهما مثل الدار وما أشبه ذلك. وأما ما لم يكن في قبضه مثل الاجير فالقول قول الاجير. ومن مسائل المذهب المشهورة في هذا الباب اختلاف المتكاريين في الدواب وفي الرواحل، وذلك أن اختلافهما لا يخلو أن يكون في قدر المسافة، أو نوعها. أو قدر الكراء أو نوعه، فإن كان اختلافهما في نوع المسافة، أو في نوع الكراء، فالتحالف والتفاسخ كاختلاف المتبايعين في نوالثمن، قال ابن القاسم: انعقد أو لم ينعقد، وقال غيره: القول قول رب الداب إذا انعقد وكان يشبه ما قال. وإن كان اختلافهما في قدر المسافة، فإن كان قبل الركوب أو بعد ركوب يسير، فالتحالف والتفاسخ، وإن كان بعد ركوب كثير، أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة فالقول قول رب الدابة في المسافة إن انعقد وكان يشبه ما قال، وإن لم ينعقد وأشبه قوله تحالفا ويفسخ الكراء على أعظم المسافتين، فما جعل منه للمسافة التي ادعاها رب الدابة أعطيه. وكذلك إن انعقد ولم يشبه قوله، وإن اختلفا في الثمن واتفقا على المسافة فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد لانه مدعى عليه. وإن اختلفا في الامرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول والدابة بقرطبة: اكتريت منك إلى قرمونة بدينارين ويقول المكتري: بل بدينار إلى إشبيلية، فإن كان أيضا قبل الركوب أو بعد ركوب لا ضرر عليهما في الرجوع تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد سير كثير أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة، فإن كان لم ينقد المكتري شيئا كان القول قول رب الدابة في المسافة، والقول قول المكتري في الثمن، ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة إلى قرمونة، على أنه لو كان الكراء به إلى إشبيلية وذلك أنه قول المكتري، وإن لم يشبه ما قال رب الدابة غرم دينارين وإن كان المكتري نقد الثمن الذي يدعي أنه للمسافة الكبرى وأشبه قول رب الدابة كان القول قول رب الدابة في المسافة ويبقى له ذلك الثمن الذي قبضه لا يرجع عليه بشئ منه إذ هو مدعى عليه في بعضه، وهو يقول: بل هو لي وزيادة، فيقبل قوله فيه لانه قبضه، ولا يقبل قوله في الزيادة ويسقط عنه ما لم يقرب به من المسافة أشبه ما قال أو لم يشبه، إلا أنه إذا لم يشبه قسم الكراء الذي أقر به المكتري على المسافة، فيأخذ رب الدابة من ذلك ماناب المسافة التي ادعاها. وهذا القدر كاف لي في هذا الباب.

[ 190 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصصحبه وسلم تسليما كتاب الجعل والجعل هو الاجارة على منفعة مظنون حصولها، مثل مشارطة الطبيب على البرء والمعلم على الحذاق والناشد على وجود العبد الآبق. وقد اختلف العلماء في منعه وجوازه، فقال مالك: يجوز ذلك في اليسير بشرطين: أحدهما أن لا يضرب لذلك أجلا. والثاني: أن يكون الثمن معلوما، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وللشافعي قولان. وعمدة من أجازه قوله تعالى: * (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) * وإجماع الجمهور على جوازه في الاباق والسؤال، وما جاء في الاثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن. وقد تقدم ذلك. وعمدة من منعه الغرر الذي فيه قياسا على سائر الاجارات، ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل لا يستحق شئ منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم. واختلف مالك وأصحابه في هذا الباب في كراء السفينة، هل هجعل أو إجارة؟ فقول مالك: ليس لصاحبها كراء إلا بعد البلوغ، وهو قول ابن القاسم ذهابا إلى أن حكمها حكم الجعل. وقال ابن نافع من أصحابه: له قدر ما بلغ من المسافة، فأجرى حكمه مجرى الكراء. وقال أصبغ: إن لجج فهو جعل وإن لم يلجج فهو إجارة له بحسب الموضع الذي وصل إليه. والنظر في هذا الباب في جوازه ومحله وشروطه وأحكامه. ومحله هو ما كان من الافعال لا ينتفع الجاعل بجزء منه، لانه إذا انتفع الجاعل بجزء مما عمل الملتزم للجعل، ولم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها، وقلنا على حكم الجعل أنه إذا لم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها لم يكن له شئ، فقد انتفع الجاعل بعمل المجعول من غير أن يعوضه من عمله بأجر وذلك ظلم، ولذلك يختلف الفقهاء في كثير من المسائل هل هو جعل أو إجارة مثل مسألة السفينة المتقدمة هل هي مما يجوز فيها الجعل أو لا يجوز مثل اختلافهم في المجاعلة على حفر الآبار، وقالوا في المغارسة إنها تشبه الجعل من جهة والبيع من جهة، وهي عند مالك أن يعطي الرجل أرضه لرجل على أن يغرس فيه عددا من الثمار معلوما، فإذا استحق الثمر كان للغارس جزء الارض متفق عليه.

[ 191 ]

كتاب القراض ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الاسلام. وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا، وأن هذا مستثنى من الاجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد. وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي. وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في غير ذلك. وبالجملة فالنظر فيه: في صفته وفي محله وفي شروطه وفي أحكامه، ونحن نذكر في باب باب من هذه الثلاثة الابواب مشهورات مسائله. الباب الاول: في محله أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها، وأما محله فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الامصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض، وجوزه ابن أبي ليلى، وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لانه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال والربح مجهولا. وأما إن كانه رأس المال ما به يباع العروض، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا، وأجازه أبو حنيفة. وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها، فكأنه قراض ومنفعة، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول، فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول. ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك من البيع، وحينئذ ينض رأس مال القراض، وكذلك إن أعطاه العرض الذي اشتراه به، ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى، بل هو الظاهر من قولهم، فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطى الرجل ثوبا يبيعه، فما كان فيه من ربح فهو بينهما، وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب، ويشبه أيضا إن جعل رأس

[ 192 ]

المال الثمن أن يتهم المقارض في تصديقه رب المال بحرصه على أخذ القراض منه. واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة، فروى عنه أشهب منع ذلك، وروى ابن القاسم جوازه، ومنه في المصوغ، وبالمنع في ذلك قال الشافعي والكوفي، فمن منع القراض بالنقد شبهها بالعروض، ومن أجازه شبهها بالدراهم والدنانير لقلة اختلاف أسواقها. واختلف أيضا أصحاب مالك في القراض بالفلو س، فمنعه ابن القاسم، وأجازه أشهب، وبه قال محمد بن الحسن، وجمهور العلماء مالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه: أما العلة عند مالك فمخافة أن يكون أعسر بماله، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه، وأما العلة عند الشافعي وأبي حنيفة، فإن ما في الذمة لا يتحول ويعود أمانة. واختلفوا فيمن أمر رجلا أن يقبض دينا له على رجل آخر، ويعمل فيه على جهة القراض فلم يجز ذلك مالك وأصحابه، لانه رأى إذا ازداد على العامل كلفة، وهو ما كلفه من قبضه، وهذا على أصله أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه فاسد، وأجاز ذلك الشافعي والكوفي، قالوا: لانه وكله على القبض، لا أنه جعل القبض شرطا في المصارفة، فهذا هو القول في محله. وأما صفته فهي الصفة التي قدمناها. الباب الثاني: في مسائل الشروط وجملة ما لا يجوز من الشروط عند الجميع هي ما أدى عنده إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة. ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئا زائدا غير ما انعقد عليه القراض أن ذلك لا يجوز، لانه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولا، وهذا هو الاصل عند مالك في أن لا يكون مع القراض بيع ولا كراء ولا سلف ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لصاحبه مع نفسه، فهذه جملة ما اتفقوا عليه وإن كانوا قد اختلفوا في التفصيل، فمن ذلك اختلافهم إذا شرط العامل الربح كله له، فقال مالك: يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: هو قرض لا قراض، فمالك رأى أنه إحسان من رب المال وتطوع، إذ كان يجوز له أن يأخذ منه الجزء القليل من المال الكثير، والشافعي رأى أنه غرر، لانه إن كان خسران فعلى رب المال وبهذا يفارق القرض، وإن كان ربح فليس لرب المال فيه شئ. ومنها إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: القراض جائز والشرط باطل. وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض نفسه، وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط الفاسد في البيع على رواية أن البيع جائز والشرط باطل اعتمادا على حديث بريرة المتقدم. واختلفوا في المقارض يشترط رب المال عليه خصوص التصرف، مثل أن يشترط عليه تعيين جنس ما من السلع، أو تعيين جنس ما من البيع، أو تعيين موضع ما للتجارة، أو تعيين صنف ما من الناس يتجر معهم فقال مالك

[ 193 ]

والشافعي في اشتراط جنس من السلع: لا يجوز ذلك إلا أن يكون ذلك الجنس من السلع لا يختلف وقتا ما من أوقات السنة، وقال أبو حنيفة: يلزمه من اشترط عليه، وإن تصرف في غير ما اشترط عليه ضمن. فمالك والشافعي رأيا أن هذا الاشتراط من باب التضييق على المقارض فيعظم الغرر بذلك، وأبو حنيفة استخف الغرر الموجود في ذلك، كما لو اشترط عليه أن لا يشتري جنسا ما من السلع لكان على شرطه في ذلك بإجماع. ولا يجوز القراض المؤجل عند الجمهور، وأجازه أبو حنيفة إلا أن يتفاسخا. فمن لم يجزه رأى أن في ذلك تضييفا على العامل يدخل عليه مزيد غرر، لانه ربما بارت عنده سلع فيضطر عند بلوغ الاجل إلى بيعها فيلحقه في ذلك ضرر، ومن أجاز الاجل شبه القراض بالاجارة. ومن هذا الباب اختلافهم في جواز اشتراط رب المال زكاة الربح على العامل في حصته من الربح، فقال مالك في الموطأ: لا يجوز، ورواه عنه أشهب، وقال ابن القاسم: ذلك جائز، ورواه عن مالك، وبقول مالك قال الشافعي وحجة من لم يجزه أنه تعود حصة العامل ورب المال مجهولة، لانه لا يدري كم يكون المال في حين وجوب الزكاة فيه، وتشبيها باشتراط زكاة أصل المال عليه - أعني على العامل - فإنه لا يجوز باتفاق. وحجة ابن القاسم أنه يرجع إلى جزء معلوم النسبة وإن لم يكن معلوم القدر، لان الزكاة معلومة النسبة من المال المزكى، فكأنه اشترط عليه في الربح الثلث إلا ربع العشر، أو النصف إلا ربع العشر، أو الربع إلا ربع العشر، وذلك جائز وليس مثل اشتراطه زكاة رأسال مال، لان ذلك معلوم القدر غير معلوم النسبة، فكان ممكنا أن يحيط بالربح فيبقى عمل المقارض باطلا، وهل يجوز أن يشترط ذلك المقارض على رب المال؟ في المذهب فيه قولان: قيل بالفرق بين العامل ورب المال، وقيل يجوز أيشترطه العامل على رب المال، ولا يجوز أن يشترطه رب المال على العامل، وقيل عكس هذا. واختلفوا في اشتراط العامل على رب المال غلاما بعينه على أن يكون للغلام نصيب من المال، فأجازه مالك والشافعي وأبو حنيفة. وقال أشهب من أصحاب مالك: لا يجوز ذلك فمن أجاز ذلك شبهه بالرجل يقارض الرجلين، ومن لم يجز ذلك رأى أنها زيادة ازدادها العامل على رب المال. فأما إن اشترط العامل غلامه، فقال الثوري: لا يجوز، وللغلام فيما عمل أجرة المثل، وذلك أن حظ العامل يكون عنده مجهولا. القول في أحكام القراض والاحكام، منها ما هي أحكام القراض الصحيح، ومنها ما هي أحكام القراض الفاسد، وأحكام القراض الصحيح، منها ما هي من موجبات العقد، أعني أنها تابعة لموجب العقد، وتختلف فيها هل هي تابعة أو غير تابعة؟ ومنها أحكام طوارئ تطرأ على العقد مما لم يكن موجبه من نفس العقد، مثل التعدي والاختلاف وغير ذلك. ونحن نذكر من هذه الاوصاف ما اشتهر عند فقهاء الامصار. ونبدأ من ذلك بموجبات العقد فنقول: إنه أجمع العلماء على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وإن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض. واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد يورث، فإن مات وكان

[ 194 ]

للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث. فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ورآه من العقود المورثة. والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل. ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال، وأنه إن خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح. واختلفوا في الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا فيهلك بعضه قبل أن يعمل فيه، ثم يعمل فيه فيربح، فيريد المقارض أن يجعل رأس المال بقيمة المال بعد الذي هلك، هل له ذلك أم لا؟ فقال مالك وجمهور العلماء: إن صدقه رب المال، أو دفع رجل مالا قراضا لرجل فهلك منه جزء قبل أن يعمل فأخبره بذلك فصدقه ثم قال له يكون الباقي عندك قراضا على الشرط المتقدم لم يجز حتى يفاصله ويقبض منه رأس ماله وينقطع القراض الاول. وقال ابن حبيب من أصحاب مالك: إنه يلزمه في ذلك القول، ويكون الباقي قراضا، وهذه المسألة هي من أحكام الطوارئ، ولكن ذكرناها هنا لتعلقها بوقت وجوب القسمة، وهي من أحكام العقد، واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقال الشافعي في أشهر أقواله: لا نفقة له أصلا إلا أن يأذن له رب المال، وقال قوم: له نفقته، وبه قال إبراهيم النخعي والحسن، وهو أحد ما روي عن الشافعي، وقال آخرون: له النفقة في السفر من طعامه وكسوته، وليس له شئ في الحضر، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء إلا أن مالكا قال: إذا كان المال يحمل ذلك، وقال الثوري: ينفق ذاهبا ولا ينفق راجعا. وقال الليث: يتغدى في المصر ولا يتعشى، وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض، والمشهور عنه مثل قول الجمهور: أن لا نفقة له في المرض. وحجة من لم يجزه أن ذلك زيادة منفعة في القراض فلم يجز. أصله المنافع. وحجة من أجازه أن عليه العمل في الصدر الاول، ومن أجازه في الحضر شبهه بالسفر. وأجمع علماء الامصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بينة ولا غيرها. القول في أحكام الطوارئ واختلفوا إذا أخذ المقارض حصته من غير حضور رب المال، ثم ضاع المال أو بعضه، فقال مالك: إن أذن له رب المال في ذلك فالعامل مصدق فيما ادعاه من الضياع، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: ما أخذ العامل يرده ويجبر به رأس المال، ثم يقتسمان فضلا إن كان هنالك. واختلفوا إذا هلك مال القراض بعد أن اشترى العامل به سلعة ما وقبل أن ينقده البائع. فقال مالك: البيع لازم للعامل، ورب المال مخير إن شاء دفع قيمة السلعة مرة ثانية، ثم تكون بينهما على ما شرطا من المقارضة، وإن شاء تبرأ عنها، وقال أبو حنيفة: بل يلزم ذلك الشراء

[ 195 ]

رب المال، شبهه بالوكيل، إلا أنه قال: يكون رأس المال في ذلك القراض الثمنين، ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا: أعني ثمن تلك السلعة التي تلفت أولا، والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك. واختلفوا في بيع العامل من رب المال بعض سلع القراض، فكره ذلك مالك، وأجازه أبو حنيفة على الاطلاق، وأجازه الشافعي بشرط أن يكونا قد تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله. ووجهه ما كره من ذلك مالك أن يكون يرخص له في السلعة من أجل ما قارضه، فكأن رب المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي اشترط عليه. ولا أعرف خلافا بين فقهاء الامصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد فاستغرق الكراء قيم السلع وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال، لان رب المال إنما دفع ماله إليه ليتجر به، فما كان من خسران في المال فعليه، وكذلك ما زاد على المال واستغرقه. واختلفوا في العامل يستدين مالا فيتجر به مع مال القراض، فقال مالك: ذلك لا يجوز، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ذلك جائز، ويكون الربح بينهما على شرطهما وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة، كذلك لا يجوز أن يأخذ دينا فيها. واختلفوا هل للعامل أن يبيع بالدين إذا لم يأمره به رب المال؟ فقال مالك: ليس له ذلك، فإن فعل ضمن، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: له ذلك. والجميع متفقون على أن العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبا في أكثر الاحوال، فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما يتصرف فيه الناس في الاغلب لم يجزه، ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس أجازه. واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث في العامل يخلط ماله بمال القراض من غير إذن رب المال، فقال هؤلاء كلهم ما عدا مالكا: هو تعد ويضمن، وقال مالك: ليس بتعد. ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الامصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه، فيوفيه حظه مما بقي من المال، وقال المزني عن الشافعي: ليس له إلا أجرة مثله، لانه عمل على فساد. القول في حكم القراض الفاسد واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل. واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال: أحدها: أنه يرد جميعه إلى قراض مثله، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك، وهو قوله وقول أشهب. والثاني: أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك، وحكى عبد الوهاب أنها رواية عن مالك. والثالث: أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه، وإنما له الاقل مما سمى أو قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على المقارض، أو الاكثر من قراض مثله، أو من الجزء الذي سمي له إن كان المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض، وهذا القول يتخرج رواية عن

[ 196 ]

مالك. والرابع: أنه يرد إللى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس ينفرد أحدهما بها عن صاحبه، وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في المال وفي كل قراض فاسد من قبل الغرر والجهل، وهو قول مطرف وابن نافع وابن عبد الحكم وأصبغ، واختاره ابن حبيب. وأما ابن القاسم فاختلف قوله في القراضات الفاسدة، فبعضها وهو الاكثر قال: إن فيها أجرة المثل، وفي بعضها قال: فيها قراض المثل. فاختلف الناس في تأويل قوله، فمنهم من حمل اختلاف قولفيها على الفرق الذي ذهب إليه ابن عبد الحكم ومطرف، وهو اختيار ابن حبيب واختيار جدي - رحمة الله عليه. ومنهم من لم يعلل قوله وقال: إن مذهبه أن كل قراض فاسد ففيه أجرة المثل إلا تلك التي نص فيها قراض المثل وهي سبعة: القراض بالعروض، والقراض بالضمان، والقراض إلى أجل، والقراض المبهم، وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركاء، وإذا اختلف المتقارضان وأتيا بمالا يشبه فحلفا على دعواهما، وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به إلا بالدين فاشترى بالنقد، أو على أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة فاشترى غير ما أمر به. وهذه المسائل يجب أن ترد إلى علة واحدة، وإلا فهو اختلاف من قول ابن القاسم، وحكى عبد الوهاب عن ابن القاسم أنه فصل فقال: إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل، والاشبه أن يكون الامر في هذا بالعكس. والفرق بين الاجرة وقراض المثل أن الاجرة تتعلق بذمة رب المال سواء أكان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل هو على سنة القراض إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلا فلاشئ له. القول في اختلاف المتقارضين واختلف الفقهاء إذا اختلف العامل ورب المال في تسمية الجزء الذي تقارضا عليه، فقال مالك: القول قول العامل لانه عنده مؤتمن، وكذلك الامر عنده في جميع دعاويه إذا أتى بما يشبه، وقال الليث: يحمل على قراض مثله، وبه قال مالك إذا أتى بما لا يشبه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: القول قول رب المال، وبه قال الثوري، وقال الشافعي: يتحالفان ويتفاسخان، ويكون له أجرة مثله. وسبب اختلاف مالك وأبي حنيفة: اختلافهم في سبب ورود النص بوجوب اليمين على المدعى عليه، هل ذلك لانه مدعى عليه، أو لانه في الاغلب أقوى شبهة؟ فمن قال لانه مدعى عليه قال: القول قول رب المال، ومن قال لانه أقواهما شبهة في الاغلب قال: القول قول العامل لانه عنده مؤتمن وأما الشافعي فقاس اختلافهما على اختلاف المتبايعين في ثمن السلعة. وهذا كاف في هذا الباب.

[ 197 ]

كتاب المساقاة القول في المساقاة أما أولا: ففي جوازها. والثاني: في معرفة الفساد والصحة فيها. والثالث: في أحكامها. القول في جواز المساقاة فأما جوازها فعليه جمهور العلماء: مالك والشافعي والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وأحمد وداود، وهي عندهم مستثناة بالسنة من بيع ما لم يخلق، ومن الاجارة المجهولة، قال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة أصلا. وعمدة الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت أن رسول الله (ص) دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله (ص) شطر ثمرها خرجه البخاري ومسلم وفي بعض رواياته أنه (ص) ساقاهم على نصف ما تخرجه الار ض والثمرة وما رواه مالك أيضا من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر أقركم على ما أقركم الله، على أن الثمر بيننا وبينكم قال وكان رسول الله (ص) يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي وكذلك مرسله أيضا عن سليمان بن يسار في معناه. وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله فعمدتهم مخالفة هذا الاثر للاصول، مع أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أن يكون أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم ذمة، إلا أنا إذا أنزلنا أنهم ذمة كان مخالفا للاصول، لانه بيع ما لم يخلق، وأيضا فإنه من المزابنة، وهو بيع التمر بالتمر متفاضلا، لان القسمة بالخرص بيع الخرص، واستدلوا على مخالفته للاصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة أنه كان يقول لهم عند الخرص: إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم وهذا حرام بإجماع. وربما قالوا إن النهي الوارد عن المخابرة هو ما كان من هذا الفعل بخيبر. والجمهور يرون أن المخابرة هي كراء الارض ببعض ما يخرج منها، قالوا: ومما يدل على نسخ هذا الحديث، أو أنه خاص باليهود ما ورد من حديث رافع وغيره من النهي عن كراء الارض بما يخرج منها،

[ 198 ]

لان المساقاة تقتضي جواز ذلك، وهو خاص أيضا في بعض روايات أحاديث المساقاة، ولهذا المعنى لم يقل بهذه الزيادة مالك ولا الشافعي، أعني بما جاء من أنه (ص) ساقاهم على نصف ما تخرجه الارض والثمرة وهي زيادة صحيحة وقال بها أهل الظاهر. القول في صحة المساقاة والنظر في الصحة راجع إلى النظر في أركانها، وفي وقتها، وفي شروطها المشترطة في أركانها. وأركانها أربعة: المحل المخصوص بها، والجزء الذي تنعقد عليه. وصفة العمل الذي تنعقد عليه. والمدة التي تجوز فيها وتنعقد عليها. الركن الاول: في محل المساقاة: واختلفوا في محل المساقاة، فقال داود: لا تكون المساقاة إلا في النخيل فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال مالك: تجوز في كل أصل ثابت كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة، وتكون في الاصول غير الثابتة كالمقاثئ والبطيخ مع عجز صاحبها عنها، وكذلك الزرع، ولا تجوز في شئ من البقول عند الجميع إلا ابن دينار، فإنه أجازها فيه إذا نبتت قبل أن تستغل. فعمدة من قصره على النخل أنها رخصة، فوجب أن لا يتعدى بها محلها الذي جاءت فيه السنة. وأما مالك فرأى أنها رخصة ينقدح فيها سبب عام، فوجب تعدية ذلك إلى الغير. وقد يقاس على الرخص عند قوم إذا فهم هنالك أسباب أعم من الاشياء التي علقت الرخص بالنص بها، وقوم منعوا القيا س على الرخص، وأما داود فهو يمنع القياس على الجملة، فالمساقاة على أصوله مطردة، وأما الشافعي فإنما أجازها في الكرم من قبل أن الحكم في المساقاة هو بالخرص، وقد جاء في حديث عتاب بن أسيد الحكم بالخرص في النخل والكرم وإن كان ذلك في الزكاة، فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة، والحديث الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو أن رسول الله (ص) بعثه وأمره أن يخرص العنب وتؤدي زكاته زبيبا، كما تؤدي زكاة النخل تمرا ودفع داود حديث عتاب بن أسيد لانه مرسل، ولانه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وليس بالقوي. واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار، هل يجوز أن تساقى الارض مع النخل بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الارض؟ فذهب إلى جواز ذلك طائفة، وبه قال صاحبا أبي حنيفة والليث وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وجماعة، وقال الشافعي وأهل الظاهر: لا تجوز المساقاة إلا في الثمر فقط، وأما مالك فقال: إذا كانت الارض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك، فلا بأس بدخولها في المساقاة، اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه، وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه، أعني أن يكون مقدار كراء الارض الثلث من الثمر فما دونه، ولم يجز أن يشترط رب الارض أن يزرع البياض لنفسه، لانها زيادة ازدادها

[ 199 ]

عليه، وقال الشافعي: ذلك جائز. وحجة من أجاز المساقاة عليهما جميعا - أعني على الارض بجزء مما يخرج منها - حديث ابن عمر المتقدم، وحجة من لم يجز ذلك ما روي من النهي عن كراء الارض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج، وقد تقدم ذلك، وقال أحمد بن حنبل: أحاديث رافع مضطربة الالفاظ، وحديث ابن عمر أصح. وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف، وهو استحسان مبني على غير الاصول، لان الاصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد. ومنها اختلافهم في المساقاة في البقل، فأجازها مالك والشافعي وأصحابه ومحمد بن الحسن، وقال الليث: لا تجوز المساقاة في البقل، وإنما أجازها الجمهور لان العامل وإن كان ليس عليه فيها سقي فيبقى عليه أعمال أخر، مثل الابار وغير ذلك، وأما الليث فيرى السقي بالماء هو الفعل الذي تنعقد عليه المساقاة ولمكانه وردت الرخصة فيها. الركن الثاني: وأما الركن الذي هو العمل، فإن العلماء بالجملة أجمعوا على أن الذي يجب على العامل هو السقي والابار. واختلفوا في الجذاذ على من هو؟ وفي سدالحظار وتنقية العين والسانية. أما مالك فقال في الموطأ: السنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطه سد الحظار وخم العين وشرب الشراب وإبار النخل وقطع الجريد وجذ الثمر، هذا وأشباهه هو على العامل، وهذا الكلام يحتمل أن يفهم منه دخول هذه في المساقاة بالشرط، ويمكن أن يفهم منه دخولها فيها بنفس العقد. وقال الشافعي: ليس عليه سد الحظار لانه ليس من جنس ما يؤثر في زيادة الثمرة مثل الابار والسقي. وقال محمد بن الحسن: ليس عليه تنقية السواني والانهار. وأما الجذاذ فقال مالك والشافعي: هو على العامل، إلا أن مالكا قال: إن اشترطه العامل على رب المال جاز، وقال الشافعي: لا يجوز شرطه وتنفسخ المساقاة إن وقع، وقال محمد بن الحسن: الجذاذ بينهما نصفان، وقال المحصلون من أصحاب مالك: إن العمل في الحائط على وجهين: عمل ليس في إصلاح الثمرة، وعمل له تأثير في إصلاحها، والذي له تأثير في إصلاحها منه ما يتأبد ويبقى بعد الثمر ومنه ما لا يبقى بعد الثمر. فأما الذي ليس له تأثير في إصلاح الثمر فلا يدخل في المساقاة لا بنفس العقد ولا بالشرط إلا الشئ اليسير منه. وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ويبقى بعد الثمر فيدخل عنده بالشرط في المساقاة لا بنفس العقد، مثل إنشاء حفر بئر، أو إنشاء ظفيرة للماء، أو إنشاء غرس، أو إنشاء بيت يجنى فيه الثمر. وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ولا يتأبد، فهو لازم بنفس العقد، وذلك مثل الحفر والسقي وزبر

[ 200 ]

الكرم وتقليم الشجر والتذكير والجذاذ وما أشبه ذلك، وأجمعوا على أن ماكان في الحائط من الدواب والعبيد أنه ليس من حق العامل. واختلفوا في شرط العامل ذلك على المساقي، فقال مالك: يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط قبل المساقاة. وأما إن اشترط فيها ما لم يكن في الحائط فلا يجوز، وقال الشافعي: لا بأس بذلك وإن لم يكن في الحائط، وبه قال ابن نافع من أصحاب مالك، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولو اشترطه رب المال على العامل جاز ذلك. ووجه كراهيته ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل بنصيب رب المال، ومن أجازه رأى أن ذلك تافه ويسير، ولتردد الحكم بين هذين الاصلين استحسن مالك ذلك في الرقيق الذي يكون في الحائط في وقت المساقاة ومنعه في غيرهم، لان اشتراط المنفعة في ذلك أظهر، وإنما فرق محمد بن الحسن لان اشتراطهما على العامل هو من جنس ما وجب عليه من المساقاة، وهو العمل بيده. واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لانها إجارة بما لم يخلق، فهذه هي صفات هذا الركن والشروط الجائزة فيه وغير الجائزة. الركن الثالث: وأجمعوا على أن المساقاة تجوز بكل ما اتفقا عليه من أجزاء الثمر، فأجاز مالك أن تكون الثمرة كلها للعامل كما فعل في القراض، وقد قيل إن ذلك منحه لا مساقاة، وقيل لا يجوز. واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دارهم أو دنانير ولا شيئا من الاشياء الخارجة عن المساقاة إلا الشئ‌اليسير عند مالك مثل سد الحظار وإصلاح الظفيرة وهي مجتمع الماء، ولا يجوز عند مالك أن يساقى على حائطين: أحدهما على جزء، والآخر على جزء آخر، واحتج بفعله عليه الصلاة والسلام في خيبر، وذلك أنه سقى على حوائط مختلفة بجزء واحد، وفيه خلاف. وأكثر العلماء على أن القسمة بين العامل والمساقي في الثمر لا تكون إلا بالكيل، وكذلك في الشركة، وأنها لا تجوز بالخرص، وأجاز قوم قسمتها بالخرص. واختلف في ذلك أصحاب مالك، واختلفت الرواية عنه، فقيل يجوز، وقيل لا يجوز من الثمار في الربوية ويجوز في غير ذلك، وقيل يجوز بإطلاق إذا اختلفت حاجة الشريكين. وحجة الجمهور أن ذلك يدخله الفساد من جهة المزابنة ويدخله بيع الرطب بالتمر، وبيع الطعام بالطعام نسيئة. وحجة من أجاز قسمتها بالخرص تشبيهها بالعرية وبالخرص في الزكاة، وفيه ضعف. وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من الخرص في مساقاة خيبر من مرسل سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار. الركن الرابع: وأما اشتراط الوقت في المساقاة فهو صنفان: وقت هو مشترط في جواز المساقاة، ووقت هو شرط في صحة العقد، وهو المحدد لمدتها. فأما الوقت

[ 201 ]

المشترط في جواز عقدها فإنهم اتفقوا على أنها تجوز قبل بدو الصلاح. واختلفوا في جواز ذلك بعد بدو الصلاح، فذهب الجمهور من القائلين بالمساقاة على أنه لا يجوز بعد بدو الصلاح. وقال سحنون من أصحاب مالك: لا بأس بذلك. واختلف قول الشافعي في ذلك، فمرة قال: لا يجوز، ومرة قال: يجوز، وقد قيل عنه إنها لا تجوز إذا خلق الثمر. وعمدة الجمهور أن مساقاة ما بدا صلاحه من الثمر ليس فيه عمل ولا ضرورة داعية إلى المساقاة إذ كان يجوز بيعه في ذلك الوقت. قالوا: وإنما هي إجارة إن وقعت. وحجة من أجازها أنه إذا جازت قبل أن يخلق الثمر فهي بعد بدو الصلاح أجوز، ومن هنا لم تجز عندهم مساقاة البقول لانه يجوز بيعها، أعني عند الجمهور. وأما الوقت الذي هو شرط في مدة المساقاة، فإن الجمهور على أنه لا يجوز أن يكون مجهولا - أعني مدة غير مؤقتة - وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة منهم أهل الظاهر. وعمدة الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياسا على الاجارة، وعمدة أهل الظاهر ما وقع في مرسل مالك من قوله (ص) أقركم على ما أقركم الله وكره مالك المساقاة فيما طال من السنين، وانقضاء السنين فيها هو بالجذ لا بالاهلة. وأما هل اللفظ شرط في هذا العقد؟ فاختلفوا في ذلك، فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها أن لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة، وأنه ليس تنعقد بلفظ الاجارة، وبه قال الشافعي، وقال غيرهم: تنعقد بلفظ الاجارة، وهو قياس قول سحنون. القول في أحكام الصحة والمساقاة عند مالك من العقود اللازمة باللفظ لا بالعمل بخلاف القراض عنده الذي ينعقد بالعمل لا باللفظ، وهو عند مالك عقد موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء، وعليه العمل إن أبى الورثة من تركته، وقال الشافعي إذا لم يكن له تركة سلم إلى الورثة رب المال أجرة ما عمل وفسد العقد، وإن كانت له تركة لزمته المساقاة. وقال الشافعي: تنفسخ المساقاة بالعجز، ولم يفصل. وقال مالك: إذا عجز وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره ووجب عليه أن يستأجر من يعمل، وإن يكن له شئ استؤجر من حظه من الثمر، وإذا كان العامل لصا أو ظالما لم ينفسخ العقد بذلك عند مالك. وحكي عن الشافعي أنه قال: يلزمه أن يقيم غيره للعمل، وقال الشافعي: إذا هرب العامل قبل تمام العمل استأجر القاضي عليه من يعمل عمله. ويجوز عند مالك أن يشترط كل واحد منهما على صاحبه الزكاة بخلاف القراض ونصابهما عنده نصاب الرجل الواحد بخلاف قوله في الشركاء. وإذا اختلف رب المال والعامل في مقدار ما وقعت عليه المساقاة من الثمر، فقال مالك: القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وقال الشافعي: يتحالفان ويتفاسخان، وتكون للعامل الاجرة شبههه بالبيع وأوجب مالك اليمين في حق العامل لانه مؤتمن، ومن

[ 202 ]

أصله أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة. وفروع هذا الباب كثيرة، لكن التي اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء هي هذه التي ذكرناها. أحكام المساقاة الفاسدة واتفقوا على أن المساقاة إذا وقعت على غير الوجه الذي جوزها الشرع أنها تنفسخ ما لم تفت بالعمل. واختلفوا إذا فاتت بالعمل ماذا يجب فيها؟ فقيل إنها ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد، وهو قياس قول الشافعي وقياس إحدى الروايتين عن مالك، وقيل إنها ترد إلى مساقاة المثل بإطلاق، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك، وأما ابن القاسم فقال في بعضها: ترد إلى مساقاة مثلها، وفي بعضها: إلى إجارة المثل. واختلف التأويل عنه في ذلك، فقيل في مذهبه إنها ترد إلى إجارة المثل إلا في أربع مسائل فإنها ترد إلى مساقاة مثلها: إحداها: المساقاة في حائط فيه تمر قد أطعم. والثانية: إذا اشترط المساقي على رب المال أن يعمل معه. والثالثة: المساقاة مع البيع في صفقة واحدة. والرابعة: إذا ساقاه في حائط سنة على الثلث وسنة على النصف. وقيل إن الاصل عنده في ذلك أن المساقاة إذا لحقها الفساد من قبل ما دخلها من الاجارة الفاسدة أو من بيع الثمر من قبل أن يبدو صلاحه، وذلك مما يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل، مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير أو دراهم، وذلك أن هذه الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة، وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق. وأما فساده من قبل الغرر مثل المساقاة على حوائط مختلفة فيرد إلى مساقاة المثل، وهذا كله استحسان جار على غير قياس. وفي المسألة قول رابع، وهو أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان للمساقي، أو أقل إن كان الشرط للمساقي، وهذا كاف بحسب غرضنا.

[ 203 ]

كتاب الشركة والنظر في الشركة، في أنواعها، وفي أركانها الموجبة للصحة في الاحكام ونحن نذكر من هذه الابواب ما اتفقوا عليه، وما اشتهر الخلاف فيه بينهم على ما قصدناه في هذا الكتاب. والشركة بالجملة عند فقهاء الامصار على أربعة أنواع: شركة العنان: وشركة الابدان وشركة المفاوضة. وشركة الوجوه. واحدة منها متفق عليها، وهي شركة العنان، وإن كان بعضهم لم يعرف هذا اللفظ، وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها على ما سيأتي بعد. والثلاثة مختلف فيها، ومختلف في بعض شروطها عند من اتفق منهم عليها. القول في شركة العنان وأركان هذه الشركة ثلاثة: الاول: محلها من الاموال. والثاني: في معرفة قدر الربح من قدر المال المشترك فيه. الثالث: في معرفة قدر المال من الشريكين من قدر المال. الركن الاول: فأما محل الشركة، فمنه ما اتفقوا عليه، ومنه ما اختلفوا فيه، فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين: أعني الدنانير والدراهم، وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة، ومن شرط البيع في الذهب وفي الدارهم المناجزة، لكن الاجماع خصص هذا المعنى في الشركة، وكذلك اتفقوا فيما أعلم على الشركة بالعرضين يكونان بصفة واحدة واختلفوا في الشركة بالعرضين المختلفين وبالعيون المختلفة، مثل الشركة بالدنانير من أحدهما، والدراهم من الآخر، وبالطعام الربوي إذا كان صنفا واحدا، فههنا ثلاث مسائل: المسألة الاولى: فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض، أو في عروض ودراهم أو دنانير، فأجاز ذلك ابن القاسم، وهو مذهب مالك، وقد قيل عنه إنه كره ذلك وسبب الكراهية اجتماع الشركة فيها والبيع، وذلك أن يكون العرضان مختلفين كأن كل واحد

[ 204 ]

منهما باع جزءا من عرضه بجزء من العرض الآخر، ومالك يعتبر في العروض إذا وقعت فيها الشركة القيم، والشافعي يقول: لا تنعقد الشركة إلا على أثمان العروض، وحكى أبو حامد أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير، قال: والقياس أن الاشاعة فيها تقوم مقام الخلط. المسألة الثانية: وأما إن كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، أو بالطعامين المختلفين، فاختلف في ذلك قول مالك، فأجازه مرة، ومنعه مرة، وذلك لما يدخل الشركة بالدراهم من عند أحدهما والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف معا وعدم التناجز، ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة وعدم التناجز، وبالمنع قال ابن القاسم، ومن لم يعتبر هذه العلل أجازها. المسألة الثالثة: وأما الشركة بالطعام من صنف واحد، فأجازها ابن القاسم قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب أو الفضة ومنعها مالك في أحد قوليه - وهو المشهور - بعدم المناجزة الذي يدخل فيه، إذ رأى أن الاصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالاجماع، وقد قيل إن وجه كراهية مالك لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة، والبيع يفتقر إلى الاستواء في الكيل، فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة والكيل وذلك لا يكاد يوجد، فكره مالك ذلك، فهذا هو اختلافهم في جنس محل الشركة. واختلفوا هل من شرط مال الشركة أن يختلط، أو لا يختلط؟ فقال مالك: إن من شرط الشركة: أن يختلطا: إما حسا وإما حكما، مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما مطلقة عليهما، وقال الشافعي: لا تصح الشركة حتى يخلطا ماليهما خلطا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر، وقال أبو حنيفة: تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما بيده. فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول، ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال، والشافعي اشترط إلى هذين الاختلاط، والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم، لان النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه، فهذا هو القول في هذا الركن وفي شروطه. فأما الركن الثاني: وهو وجه اقتسامها الربح، فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان الربح تابعا لرؤوس الاموال، أعني إن كان أصل مال الشركة متساويين كان الربح بينهما نصفين. واختلفوا هل يجوز أن يختلف رؤوس أموالهما ويستويان في الربح؟ فقال مالك والشافعي: ذلك لا يجوز، وقال أهل العراق: يجوز ذلك. وعمدة من منع ذلك أن تشبيه الربح بالخسران، فكما أنه لو اشترط أحدهما جزءا من الخسران لم يجز، كذلك إذا اشترط جزءا من الربح خارجا عن ماله وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار الذي بين الشريكين: أعني أن

[ 205 ]

المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة. وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض، وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا عليه، والعامل ليس يجعل مقابله إلا عملا فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل للعمل جزء من المال إذا كانت الشركة مالا من كل واحد منهما وعملا، فيكون ذلك الجزء من الربح مقابلا لفضل عمله على عمل صاحبه، فإن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك. وأما الركن الثالث: الذي هو العمل، فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال فلا يعتبر بنفسه، وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال، وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتا إلى العمل. فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل، ولهذا قال ابن المنذر: أجمع العلماء على جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالا مثل مال صاحبه من نوعه: أعني دراهم أو دنانير، ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالا واحدا لا يتميز. على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع التجارة، وعلى أن ما كان من فضل فهو بينهما بنصفين، وما كان من خسارة فهو كذلك، وذلك إذا باع كل واحد منهما بحضرة صاحبه، واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافا، والمشهور عند الجمهور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه. القول في شركة المفاوضة واختلفا في شركة المفاوضة، فاتفق مالك وأبو حنيفة بالجملة على جوازها، وإن كان اختلفوا في بعض شروطها، وقا الشافعي: لا تجوز. ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره، وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات. وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الاموال، فإن الارباح فروع، ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها، وأما إذا اشترط كل واحد منهما ربحا لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز، وهذه صفة شركة المفاوضة. وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءا من ماله بجزء من مال شريكه، ثم وكل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده. والشافعي يرى أن الشركة ليست هي بيعا ووكالة. وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه لا يراعى في شركة العنان إلا النقد فقط. وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة من شروط هذه الشركة، فإن أبا حنيفة يرى أن من شرط المفاوضة التساوي في رؤوس الاموال، وقال مالك: ليس من شرطها ذلك تشبيها بشركة العنان، وقال أبو حنيفة، لا يكون لاحدهما شئ إلا أن يدخل في الشركة. وعمدتهم أن اسم المفاوضة يقتضي هذين الامرين، أعني تساوي المالين وتعميم ملكهما.

[ 206 ]

القول في شركة الابدان وشركة الابدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة، ومنع منها الشافعي. وعمدة الشافعية أن الشركة إنما تختص بالاموال لا بالاعمال، لان ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، إذ كان عمل كل واحد منهما مجهولا عند صاحبه. وعمدة المالكية اشتراك الغانمين في الغنيمة، وهم إنما استحقوا ذلك بالعمل. وما روي من أن ابن مسعود شارك سعدا يوم بدر، فأصاب سعد فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئا، فلم ينكر النبي (ص) عليهما. وأيضا فإن المضاربة إنما تنعقد على العمل فجاز أن تنعقد عليه الشركة، وللشافعي أن المفاوضة خارجة عن الاصول فلا يقاس عليها، وكذلك يشبه أن يكون حكم الغنيمة خارجا عن الشركة، ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان، وقال أبو حنيفة: تجوز مع اختلاف الصنعتين، فيشترك عنده الدباغ والقصار، ولا يشتركان عند مالك. وعمدة مالك زيادة الغرر الذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان. وعمدة أبي حنيفة جواز الشركة على العمل. القول في شركة الوجوه وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة، وقال أبو حنيفة: جائزة وهذه الشركة هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال. وعمدة مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلق على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة مع ما في ذلك من الغرر، لان كل واحد منهما عارض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص، وأبو حنيفة يعتمد أنه عمل من الاعمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة. القول في أحكام الشركة الصحيحة وهي من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة: أي لاحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء، وهي عقد موروث، ونفقتهما وكسوتهما من مال الشركة إذا تقاربا في العيال ولم يخرجا عن نفقة مثلهما ويجوز لاحد الشريكين أن يبضع وأن يقارض وأن يودع إذا دعت إلى ذلك ضرورة، ولا يجوز له أن يهب شيئا من مال الشركة، ولا أن يتصرف فيه إلا تصرفا يرى أنه نظر لهما. وأما من قصر في شئ أو تعدى فهو ضامن مثل أن يدفع مالا من التجارة فلا يشهد وينكره القابض، فإنه يضمن لانه قصر إذ لم يشهد، وله أن يقبل الشئ المعيب في الشراء وإقرار أحد الشريكين في مال لمن يتهم عليه لا يجوز، وتجوز إقالته وتوليته، ولا يضمن أحد الشريكين ما ذهب من مال التجارة باتفاق، ولا يجوز للشريك المفاوض أن يقارض غيره إلا بإذن شريكه ويتنزل كل واحد منهما منزلة صاحبه فيما له وفيما عليه في مال التجارة، وفروع هذا الباب كثيرة.

[ 207 ]

كتاب الشفعة والنظر في الشفعة أولا في قسمين: القسم الاول: في تصحيح هذا الحكم وفي أركانه. القسم الثاني: في أحكامه. القسم الاول: فأما وجوب الحكم بالشفعة، فالمسلمون متفقون عليه، لما ورد في ذلك من الاحاديث الثابتة، إلا ما يتأمل على من يرى بيع الشقص المشاع، وأركانها أربعة: الشافع، والمشفوع عليه، والمشفوع فيه، وصفة الاخذ بالشفعة. الركن الاول: وهو الشافع، ذهب مالك والشافعي، وأهل المدينة إلى أن لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم، وقال أهل العراق: الشفعة مرتبة، فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة، ثم الجار الملاصق، وقال أهل المدينة: لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم. وعمدة أهل المدينة: مرسل مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وحديث جابر أيضا أن رسول الله (ص) قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وكان أحمد بن حنبل يقول: حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أصح ما روي في الشفعة. وكان ابن معين يقول: مرسل مالك أحب إلي إذ كان مالك إنما رواه عن ابن شهاب موقوفا وقد جعل قوم هذا الاختلاف على ابن شهاب في إسناده توهينا له، وقد روي عن مالك في غير الموطأ عن ابن شهاب عن أبي هريرة، ووجه استدلالهم من هذا الاثر ما ذكر فيه من أنه إذا وقعت الحدود فلا شفعة، وذلك أنه لما كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى أن لا تكون واجبة للجار، وأيضا فإن الشريك المقاسم هو جار إذا قاسم. وعمدة أهل العراق حديث أبي رافع عن النبي (ص) أنه قال: الجار أحق بصقبه وهو حديث متفق عليه، وخرج اللترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: جار الدار أحق بدار

[ 208 ]

الجار وصححه الترمذي ومن طريق المعنى لهم أيضا أنه لما كانت الشفعة إنما المقصود منها دفع الضرر الداخل من الشركة، وكان هذا المعنى موجودا في الجار وجب أن يلحق به، ولاهل المدينة أن يقولوا: وجود الضرر في الشركة أعظم منه في الجوار. وبالجملة فعمدة المالكية أن الاصول تقتضي ان لا يخرج ملك أحد من يده إلا برضاه، وأن من اشترى شيئا فلا يخرج من يده إلا برضاه حتى يدل الدليل على التخصيص، وقد تعارضت الآثار في هذا الباب، فوجب أن يرجح ما شهدت له الاصول، ولكلا القولين سلف متقدم لاهل العراق من التابعين، ولاهل المدينة من الصحابة. الركن الثاني: وهو المشفوع فيه، اتفق المسلمون على أن الشفعة واجبة في الدور والعقار والارضين كلها، واختلفوا فيما سوى ذلك، فتحصيل مذهب مالك أنها في ثلاثة أنواع: أحدها: مقصود، وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين. والثاني: ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول، وذلك كالبئر ومحال النخل، ما دام الاصل فيها على صفة تجب فيها الشفعة عنه، وهو أن يكون الاصل هو الارض مشاعا بينه وبين شريكه غير مقسوم. والثالث: ما تعلق بهذه كالثمار، وفيها عنه خلاف، وكذلك كراء الارض للزرع وكتابة المكاتب. واختلف عنه في الشفعة في الحمام والرحا، وأما ما عدا هذا من العروض والحيوان فلا شفعة فيها عنده، وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة الدار. واختلف عنه في أكرية الدور، وفي المساقاة وفي الدين، هل يكون الذي عليه الدين أحق به؟ وكذلك الذي عليه الكتابة، وبه قال عمر بن عبد العزيز. وروي أن رسول الله (ص) قضى بالشفعة في الدين وبه قال أشهب من أصحاب مالك، وقال ابن القاسم: لا شفعة في الدين. ولم يختلفا في إيجابها في الكتابة لحرمة العتق. وفقهاء الامصار على أن شفعة إلا في العقار فقط. وحكي عن قوم أن الشفعة في البئر وفي كل شئ ما عدا المكيل والموزون، ولم يجز أبو حنيفة الشفعة في البئر والفحل، وأجازها في العرصة والطريق، ووافق الشافعي مالكا في العرصة وفي الطريق وفي البئر، وخالفاه جميعا في الثمار. وعمدة الجمهور في قصر الشفعة على العقار ما ورد في الحديث الثابت من قوله عليه الصلاة والسلام: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الامصار مع اختلافهم في صحة الاستدلال به. وأما عمدة من أجازها في كل شئ فما خرجه الترمذي عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) قال: الشريك شفيع في كل شئ ولان معنى ضرر الشركة والجوار موجود في كل شئ وإن كان العقار أظهر، ولما لحظ هذا مالك أجرى ما يتبع العقار مجرى العقار. واستدل أبو حنيفة على منع الشفعة في البئر بما روي لا شفعة في بئر ومالك حمل هذا

[ 209 ]

الاثر على آبار الصحارى التي تعمل في الارض الموات، لا التي تكون في أرض متملكة. الركن الثالث: وأما المشفوع عليه فإنهم اتفقوا على أنه من انتقل إليه الملك بشراء من شريك غير مقاسم أو من جار عند من يرى الشفعة للجار. واختلفوا فيمن انتقل إليه الملك بغير شراء، فالمشهور عند مالك أن الشفعة إنما يجب إذا كان انتقال الملك بعوض كالبيع والصلح والمهر وأرش الجنايات وغير ذلك، وبه قال الشافعي، وعنه رواية ثانية أنها تجب بكل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض، كالهبة لغير الثواب والصدقة، ما عدا الميراث فإنه لا شفعة عند الجميع فيه اتفاق. وأما الحنفية فالشفعة عندهم في المبيع فقط، وعمدة الحنفية ظاهر الاحاديث وذلك أن مفهومها يقتضي أنها في المبيعات، بل ذلك نص فيها لا في بعضها فلا بيع حتى يستأذن شريكه. وأما المالكية فرأت أن كل ما انتقل بعوض فهو في معنى البيع، ووجه الرواية الثانية أنها اعتبرت الضرر فقط. وأما الهبة للثواب فلا شفعة فيها عند أبي حنيفة ولا الشافعي، أما أبو حنيفة فلان الشفعة عنده في المبيع، وأما الشافعي فلان هبة الثواب عنده باطلة، وأما مالك، فلا خلاف عنده وعند أصحابه في أن الشفعة فيها واجبة. واتفق العلماء على أن المبيع الذي بالخيار أنه إذا كان الخيار فيه للبائع أن الشفعة لا تجب حتى يجب البيع. واختلفوا إذا كان الخيار للمشتري؟ فقال الشافعي والكوفيون: الشفعة واجبة عليه لان البائع قد صرم الشقص عن ملكه وأبانه منه، وقيل إن الشفعة غير واجبة عليه لانه غير ضامن وبه قال جماعة من أصحاب مالك. واختلف في الشفعة في المساقاة، وهي تبديل أرض بأرض، فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: الجواز، والمنع، والثالث أن تكون المناقلة بين الاشراك أو الاجانب فلم يرها في الاشراك ورآها في الاجانب. الركن الرابع: في الاخذ بالشفعة والنظر في هذا الركن بماذا يأخذ الشفيع، وكم يأخذ، ومتى يأخذ، فإنهم اتفقوا على أنه يأخذ في البيع بالثمن إن كان حالا، واختلفوا إذا كان البيع إلى أجل هل يأخذه الشفيع بالثمن إلى ذلك الاجل، أو يأخذ المبيع بالثمن حالا وهو مخير؟ فقال مالك: يأخذه بذلك الاجل إذا كان مليا أو يأتي بضامن ملئ، وقال الشافعي: الشفيع مخير، فإن عجل تعجلت الشفعة وإلا تتأخر إلى وقت الاجل، وهو نحو قول الكوفيين، وقال الثوري لا يأخذها إلا بالنقد لانها قد دخلت في ضمان الاول قال: ومنا من يقول تبقى في يد الذي باعها، فإن بلغ الاجل أخذها الشفيع. والذين رأوا الشفعة في سائر المعاوضات مما ليس ببيع، فالمعلوم عنهم أنه يأخذ الشفعة بقيمة الشقص إن كان العوض مما ليس يتقدر، مثل أن يكون معطى في خلع. وأما أن يكون معطى في شئ يتقدر ولم يكن دنانير ولا دراهم ولا بالجملة مكيلا ولا موزونا، فإنه يأخذه بقيمة ذلك الشئ الذي دفع الشقص فيه، وإن كان ذلك الشئ محدود القدر بالشرع

[ 210 ]

أخذ ذلك القدر، مثل أن يدفع الشقص في موضحة وجبت عليه أو منقلة، فإنه يأخذه بدية الموضحة أو المنقلة. وأما كم يأخذ؟ فإن الشفيع لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر، والمشفوع عليه أيضا لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر، فأما أن الشفيع واحد والمشفوع عليه واحد فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع، وأما إذا كان المشفوع عليه واحدا والشفعاء أكثر من واحد فإنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: في كيفية قسمة المشفوع فيه بينهم. والثاني: إذا اختلف أسباب شركتهم هل يحجب بعضهم بعضا عن الشفعة أم لا؟ مثل أن يكون بعضهم شركاء في المال الذي ورثوه لانهم أهل سهم واحد، وبعضهم لانهم عصبة. فأما المسألة الاولى: وهي كيفية توزيع المشفوع فيه، فإن مالكا والشافعي وجمهور أهل المدينة يقولون: إن المشفوع فيه يقتسمونه بينهم على قدر حصصهم، فمن كان نصيبه من أصل المال الثلث مثلا أخذ من الشقص بثلث الثمن، ومن كان نصيبه الربع أخذ الربع. وقال الكوفيون: هي على عدد الرؤوس على السواء، وسواء فذلك الشريك ذو الحظ الاكبر وذو الحظ الاصغر. وعمدة المدنيين أن الشفعة حق يستفاد وجوبه بالملك المتقدم، فوجب أن يتوزع على مقدار الاصل، أصله الاكرية في المستأجرات المشتركة والربح في شركة الاموال، وأيضا فإن الشفعة إنما هي لازالة الضرر، والضرر داخل على كل واحد منهم على غير استواء، لانه إنما يدخل على كل واحد منهم بحسب حصته، فوجب أن يكون استحقاقهم لدفعه على تلك النسبة. وعمدة الحنفية أن وجوب الشفعة إنما يلزم بنفس الملك فيستوفي ذلك أهل الحظوظ المختلفة لاستوائهم في نفس الملك، وربما شبهوا ذلك بالشركاء في العبد يعتق بعضهم نصيبه أنه يقوم على المعتقين على السوية: أعني حظ من لم يعتق. وأما المسألة الثانية: فإن الفقهاء اختلفوا في دخول الاشراك الذين هم عصبة في الشفعة مع الاشراك الذين شركتهم من قبل السهم الواحد فقال مالك: أهل السهم الواحد أحق بالشفعة إذا باع أحدهم من الاشراك معهم في المال من قبل التعصيب، وأنه لا يدخل ذو العصبة في الشفعة على أهل السهام المقدرة ويدخل ذوو السهام على ذوي التعصيب، مثل أن يموت ميت فيترك عقارا ترثه عنه بنتان وابنا عم ثم تبيع البنت الواحدة حظها، فإن البنت الثانية عند مالك هي التي تشفع في ذلك الحظ الذي باعته أختها فقط دون ابني العم، وإن باع أحد ابني العم نصيبه يشفع فيه البنات وابن العم الثاني، وبهذا القول قال ابن القاسم. وقال أهل الكوفة: لا يدخل ذوو السهام على العصبات ولا العصبات على ذوي السهام، ويتشافع أهل السهم الواحد فيما بينهم خاصة، وبه قال أشهب. وقال الشافعي في أحد قوليه: يدخل ذوو السهام على العصبات والعصبات على ذوي السهام، وهو الذي

[ 211 ]

اختاره المزني، وبه قال المغيرة من أصحاب مالك. وعمدة مذهب الشافعي عموم قضائه (ص) بالشفعة بين الشركاء، ولم يفصل ذوي السهم من عصبة. ومن خصص ذوي السهام من العصبات فلانه رأى الشركة مختلفة الاسباب: أعني بين ذوي السهام وبين العصبات فشبه الشركات المختلفة الاسباب بالشركات المختلفة من قبل محالها - الذي هو المال - بالقسمة بالاموال. ومن أدخل ذوي السهام على العصبة ولم يدخل العصبة على ذوي السهام فهو استحسان على غير قياس، ووجه الاستحسان أنه رأى أن ذوي السهام أقعد من العصبة. وأما إذا كان المشفوع عليهما اثنين فأكثر فأراد الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني، فقال ابن القاسم: إما أن يأخذ الكل أو يدع، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: له أن يشفع على أيهما أحب، وبه قال أشهب، فأما إذا باع رجلان شقصا من رجل، فأراد الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني، فإن أبا حنيفة منع ذلك، وجوزه الشافعي. وأما إذا كان الشافعون أكثر من واحد، أعني الاشراك، فأراد بعضهم أن يشفع ويسلم له الباقي في البيوع، فالجمهور على أن للمشتري أن يقول للشريك إما أن تشفع في الجميع أو تترك، وأنه ليس له أن يشفع بحسب حظه إلا أن يوافقه المشتري على ذلك، وأنه ليس له أن يبعض الشفعة على المشتري إن لم يرض بتبعيضها. وقال أصبغ من أصحاب مالك: إن كان ترك بعضهم الاخذ بالشفعة رفقا بالمشتري لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ حصته فقط. ولا خلاف في مذهب مالك أنه إذ كان بعض الشفعاء غائبا وبعضهم حاضرا، فأراد الحاضر أن يأخذ حصته فقط أنه ليس له ذلك، إلا أن يأخذ الكل أو يدع، فإذا قدم الغائب فإن شاء أخذ وإن شاء تر ك. واتفقوا على أن من شرط الاخذ بالشفعة أن تكون الشركة متقدمة على البيع. واختلفوا هل من شرطها أن تكون موجودة في حال البيع، وأن تكون ثابتة قبل البيع؟ فأما المسألة الاولى: وهي إذا لم يكن شريكا في حال البيع، وذلك يتصور بأن يكون يتراخى عن الاخذ بالشفعة بسبب من الاسباب التي لا يقطع له الاخذ بالشفعة حتى يبيع الحظ الذي كان به شريكا، فروى أشهب أن قول مالك اختلف في ذلك، فمرة قال: له الاخذ بالشفعة، ومرة قال: ليس له ذلك، واختار أشهب أنه لا شفعة له، وهو قياس قول الشافعي والكوفيين، لان المقصود بالشفعة إنما هو إزالة الضرر من جهة الشركة، وهذا ليس بشريك. وقال ابن القاسم: له الشفعة إذا كان قيامه في أثره، لانه يرى أن الحق الذي وجب له لم يرتفع ببيعه حظه. وأما المسألة الثانية: فصورتها أن يستحق إنسان شقصا في أرض قد بيع منها قبل وقت الاستحقاق شقص ما، هل له أن يأخذ بالشفعة أم لا؟ فقال قوم: له ذلك، لانه وجبت له الشفعة بتقدم شركته قبل البيع، ولا فرق في ذلك كانت يده عليه أو لم تكن،

[ 212 ]

وقال قوم: لا تجب له الشفعة: لانه إنما ثبت له مال الشركة يوم الاستحقاق، قالوا: ألا ترى أنه يأخذ الغلة من المشتري؟ فأما مالك فقال: إن طال الزمان فلا شفعة، وإن لم يطل ففيه الشفعة، وهو استحسان. وأما متى يأخذ وهل له الشفعة؟ فإن الذي له الشفعة رجلان: حاضر أو غائب. فأما الغائب فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه. واختلفوا إذا علم وهو غائب، فقال قوم: تسقط شفعته، وقال قوم: لا تسقط، وهو مذهب مالك والحجة له ما روي عن النبي (ص) من حديث جابر أنه قال: الجار أحق بصقبه أو قال: بشفعته ينتظر بها إذا كان غائبا وأيضا فإن الغائب في الاكثر معوق عن الاخذ بالشفعة، فوجب عذره. وعمدة الفريق الثاني أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها. وأما الحاضر، فإن الفقهاء اختلفوا في وقت وجوب الشفعة له، فقال الشافعي وأبو حنيفة: هي واجبة له على الفور بشرط العلم وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن ولم يطلب بطلت شفعته، إلا أن أبا حنيفة قال: إن أشهد بالاخذ لم تبطل وإن تراخى. وأما مالك فليست عنده على الفور، بل وقت وجوبها متسع. واختلف قوله في هذا الوقت هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود وأنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت، ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة وهو الاشهر، وقيل أكثر من سنة، وقد قيل عنه أن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة. واحتج الشافعي بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: الشفعة كحل العقال وقد روي الشافعي أن أمدها ثلاثة أيام. وأما من لم يسقط الشفعة بالسكوت واعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امرئ مسلم ما لم يظهر من قرائن أحواله ما يدل على إسقاطه، وكان هذا أشبه بأصول الشافعي، لان عنده أنه ليس يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل، وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه، ولكنه فيما أحسب اعتمد الاثر. فهداهو القول في أركان الشفعة وشروطها المصححة لها وبقي القول في الاحكام. القسم الثاني: القول في أحكام الشفعة وهذه الاحكام كثيرة، ولكن نذكر منها ما اشتهفيه الخلاف بين فقهاء الامصار، فمن ذلك اختلافهم في ميراث حق الشفعة، فذهب الكوفيون إلى أنه لا يورث كما أنه لا يباع، وذهب مالك والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة قياسا على الاموال وقد تقدم. سبب الخلاف في هذه المسائل في مسألة الرد بالعيب. ومنها اختلافهم في عهدة الشفيع هل هي على المشتري أو على البائع، فقال مالك والشافعي: هي على المشتري: وقال ابن أبي ليلى: هي على البائع وعمدة مالك أن الشفعة إنما وجبت للشريك بعد حصول ملك المشتري وصحته، فوجب أن تكون عليه العهدة. وعمدة الفريق الآخر أن الشفعة إنما وجبت للشريك بنفس البيع، فطروها على البيع فسخ له وعقد لها. وأجمعوا على أن الاقالة

[ 213 ]

لا تبطل الشفعة من رأى أنها بيع، ومن رأى أنها فسخ - أعني الاقالة - واختلف أصحاب مالك على من عهدة الشفيع في الاقالة؟ فقال ابن القاسم: على المشتري، وقال أشهب: هو مخير. ومنها اختلافهم إذا أحدث المشتري بناء أو غرسا أو ما يشبه في الشقص قبل قيام الشفيع بطلب شفعته، فقال مالك: لا شفعة إلا أن يعطي المشتري قيمة ما بنى وما غرس، وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو متعد وللشفيع أن يعطيه قيمة بنائه مقلوعا أو يأخذه بنقضه. والسبب في اختلافهم: تردد تصرف المشفوع عليه العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق وقد بني في الارض وغرس، وذلك أنه وسط بينهما، فمن غلب عليشبه الاستحقاق لم يكن له أن يأخذ القيمة، ومن غلب عليه شبه التعدي قال: له أيأخذه بنقضه أو يعطيه قيمته منقوضا. ومنها اختلافهم إذا اختلف المشتري والشفيع في مبلغ الثمن، فقال المشتري: اشتريت الشقص بكذا، وقال الشفيع: بل اشتريته بأقل، ولم يكن لواحد منهما بينة، فقال جمهور الفقهاء: القول قول المشتري، لان الشفيع مدع والمشفوع عليه مدعى عليه. وخالف في ذلك بعض التابعين فقالوا: القول قول الشفيع، لان المشتري قد أقر له بوجوب الشفعة وادعى عليه مقدارا من الثمن لم يعترف له به. وأما أصحاب مالك فاختلفوا في هذه المسألة، فقال ابن القاسم: القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه باليمين، فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول الشفيع. وقال أشهب: إذا أتى بما يشبه فالقول قول المشتري بلا يمين وفيما لا يشبه باليمين. وحكي عن مالك أنه قال: إذا كان المشتري ذا سلطان يعلم بالعادة أنه يزيد في الثمن قبل قول المشتري بغير يمين، وقيل إذا أتى المشتري بما لا يشبه رد الشفيع إلى القيمة، وكذلك فيما أحسب إذا أتى كل واحد منهما بمالا يشبه واختلفوا إذا أتى كل واحد ببينة وتساوت العدالة فقال ابن القاسم: يسقطان معا ويرجع إلى الاصل من أن القول قول المشتري مع يمينه. وقال أشهب: البينة بينة المشتري لانها زادت علما.

[ 214 ]

كتاب القسمة والاصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) * وقوله: * (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * وقول رسول الله (ص): أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أدركها الاسلام ولم تقسم فهي على قسم الاسلام. والنظر في هذا الكتاب في القاسم والمقسوم عليه والقسمة، والنظر في القسمة في أبواب: الباب الاول: في أنواع القسمة، الثاني: في تعيين محل نوع نوع من أنواعها: أعني ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، وصفة القسمة فيها وشروطها أعني فيما يقبل القسمة، الثالث: في معرفة أحكامها. الباب الاول: في أنواع القسمة والنظر في القسمة ينقسم أولا إلى قسمين: قسمة رقاب الاموال. والثاني: منافع الرقاب. القسم الاول من هذا الباب: فأما قسمة الرقاب التي لا تكال ولا توزن، فتنقسم بالجملة إلى ثلاثة أقسام: قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل. وقسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل. وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل. وأما ما يكال أو يوزن فبالكيل والوزن. القسم الثاني: وأما الرقاب، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا ينقل ولا يحول، وهي الرباع والاصول. ما ينقل ويحول، وهذان قسمان: وإما غير مكيل ولا موزون، وهو الحيوان والعروض، وإما مكيل أو موزون. ففي هذا الباب ثلاثة فصول: الاول: في الرباع. والثاني: في العروض. والثالث: في المكيل والموزون.

[ 215 ]

الفصل الاول: في الرباع فأما الرباع والاصول، فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا، وإن كانوا اختلفوا في محل ذلك وشروطه، والقسمة لا تخلو أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة، فإذا كانت في محل واحد فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص منفعة الاجزاء بالانقسام، ويجيز الشركاء على ذلك. وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه، فاختلف في ذلك مالك وأصحابه فقال مالك: إنها تنقسم بينهم إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم، وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وعمدتهم في ذلك قوله تعالى: * (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * وقال ابن القاسم: لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة، وإن كان لا يراعى في ذلك نقصان الثمن. وقال ابن الماجشون: يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به، وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت أقل. وقال مطرف من أصحابه: إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به، وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به قسم وجبروا على ذلك سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير، وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل، ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير، وقيل بعكس هذا وهو ضعيف. واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى منفعة أخرى مثل الحمام. فقال مالك: يقسم إذا طلب ذلك أحد الشريكين، وبه قال أشهب، وقال ابن القاسم: لا يقسم، وهو قول الشافعي. فعمدة من منع القسمة قوله (ص): لا ضرر ولا ضرار وعمدة من رأى القسمة قوله تعالى: * (مما قل منه أو كثر نصيبنا مفروضا) * ومن الحجة لمن لم ير القسمة: حديث جابر عن أبيه لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم والتعضى: التفرقة، يقول: لا قسمة بينهم. وأما إذا كان الرباع أكثر من واحد فإنها لا تخلو أيضا أن تكون من نوع واحد أو مختلفة الانواع، فإذا كانت متفقة الانواع فإن فقهاء الامصار في ذلك مختلفون، فقال مالك: إذا كانت متفقة الانواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة، وقال أبو حنيفة والشافعي: بل يقسم كل عقار على حدته فعمدة مالك أنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة. وعمدة الفريق الثاني أن كل عقار تعينه بنفسه لانه تتعلق به الشفعة. واختلف أصحاب مالك إذا اختلفت الانواع في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال، وأما إذا كانت الرباع مختلفة مثل أن يكون منها دور

[ 216 ]

ومنها حوائط ومنها أرض، فلا خلاف أنه لا يجمع في القسمة بالسهمة. ومن شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدأ صلاحها باتفاق في المذهب، لانه يكون بيع الطعام بالطعام على رؤوس الثمر، وذلك مزابنة. وأما قسمتها قبل بدو الصلاح ففيه اختلاف بين أصحاب مالك: أما ابن القاسم فلا يجيز ذلك قبل الابار بحال من الاحوال، ويعتل لذلك لانه يؤدي إلى بيع طعام بطعام متفاضلا، ولذلك زعم أنه لم يجز مالك شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام لا نسيئه ولا نقدا، وأما إن كان بعد الابار، فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في القسمة، وما لم يدخل في نصيبه فهم فيه على الشركة. والعلة في ذلك عنده أنه يجوز اشتراط المشتري الثمر بعد الابار ولا يجوز قبل الابار، فكأن أحدهما اشترى حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت له في القسمة بحظه من الثمرات التي وقعت لشريكه واشترط الثمر. وصفة القسم بالقرعة: أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامهم كسر إلى أن تصح السهام، ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها، ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة، فربما عدل جزء من موضع ثلاثة أجزاء من موضع آخر على قيم الارضين ومواضعها، فإذا قسمت على هذه الصفات وعدلت كتبت في بطائق أسماء الاشراك وأسماء الجهات، فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها، وقيل يرمى بالاسماء في الجهات، فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها، فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه، فهذه هي حال قرعة السهم في الرقاب. والسهمة إنما جعلها الفقهاء في القسمة تطيبا لنفوس المتقاسمين، وهي موجودة في الشرع في مواضع: منها قوله تعالى: * (فساهم فكان من المدحضين) * وقوله: * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) * ومن ذلك الاثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته، فأسهم رسول الله (ص) بينهم، فأعتق ثلث ذلك الرقيق. وأما القسمة بالتراضي سواء أكانت بعد تعديل وتقويم، أو بغير تقويم وتعديل، فتجوز في الرقاب المتفقة والمختلفة لانه بيع من البيوع، وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع. الفصل الثاني: في العروض وأما الحيوان والعروض، فاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قسمة واحد منهما للفساد الداخل في ذلك. واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما، ولم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع، وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه، فقال مالك وأصحابه: يجبر على ذلك، فإن أراد أحدهما أن يأخذه بالقيمة التي أعطي فيها أخذه، وقال أهل الظاهر: لا

[ 217 ]

يجبر، لان الاصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع. وحجة مالك أن في ترك الاجبار ضررا، وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع إنه ليس يقول به أحد من فقهاء الامصار إلا مالك، ولكنه كالضروري في بعض الاشياء. وأما إذا كانت العروض أكثر من جنس واحد، فاتفق العلماء على قسمتها على التراضي، واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة، فأجازها مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. واختلف أصحاب مالك في تمييز الصنف الواحد الذي تجوز فيه السهمة من التي لا تجوز فاعتبره أشهب بما لا يجوز تسليم بعضه في بعض. وأما ابن القاسم فاضطرب، فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما لا يجوز تسليم بعضه في بعض، فجعل القسمة أخف من السلم، ومرة منع القسمة فيما منع فيه السلم، وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف، وأن مسألة التي يظن من قبلها أن القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني. وذهب ابن حبيب إلى أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل الخز والحرير والقطن والكتان. وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي، وذلك ضعيف لان الغرر لا يجوز بالتراضي. الفصل الثالث: في معرفة أحكامها فأما المكيل والموزون فلا تجوز فيه القرعة باتفاق إلا ما حكى اللخمي، والمكيل أيضا لا يخلو أن يكون صبرة واحدة أو صبرتين فزائدا، فإن كان صنفا واحد، فلا يخلو أن تكون قسمته على الاعتدال بالكيل أو الوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشريكين، ولا خلاف في جواز قسمته على التراضي على التفضيل البين كان ذلك من الربوي أو من غير الربوي: أعني الذي لا يجوز فيه التفاضل، ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول، ولا يجوز قسمته جزافا بغير كيل ولا وزن. وأما إن كانت قسمته تحريا، فقيل لا يجوز في المكيل ويجوز في الموزون، ويدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا، وأما إن لم يكن ذلك من صبرة واحدة وكانا صنفين، فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فلا تجوز قسمتها على جهة الجمع إلا بالكيل المعلوم فيما يكال، وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن، لانه إذا كان بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا مختلفين من الكيل المعلوم، وهذا كله على مذهب مالك، لان أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعهما مثل القمح والشعير، وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل فيجوز قسمته على الاعتدال والتفاضل البين المعروف بالمكيال المعروف أو الصنجة المعروفة: أعني على جهة الجمع وإن كانا صنفين، وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضا. وأما في واجب الحكم فلا تنقسم كل صبرة إلا على حدة، وإذا قسمت كل صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال المعلوم والمجهول، فهذا كله هو حكم القسمة التي تكون في الرقاب.

[ 218 ]

القول في القسم الثاني: وهو قسمة المنافع فأما قسمة المنافع، فإنها لا تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم ولا يجبر عليها من أباها، ولا تكون القرعة على قسمة المنافع. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة المنافع، وقسمة المنافع هي عند الجميع بالمهايأة، وذلك إما بالازمان وإما بالاعيان. أما قسمة المنافع بالازمان فهو أن ينتفع كل واحد منهما بالعين مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه. وأما قسم الاعيان بأن يقسما الرقاب على أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة والرقاب باقية على أصل الشركة. وفي المذهب في قسمة المنافع بالزمان اختلاف في تحديد المدة التي تجوز فيها القسمة لبعض المنافع دون بعض للاغتلال أو الانتفاع مثل استخدام العبد وركوب الدابة وزراعة الارض، وذلك أيضا فيما ينقل ويحول، أو لا ينقل ولا يحول. فأما فيما ينقل ويحول فلا يجوز عند مالك وأصحابه في المدة الكثيرة ويجوز في المدة اليسيرة، وذلك في الاغتلال والانتفاع. وأما فيما لا ينقل ولا يحول، فيجوز في المدة البعيدة والاجل البعيد، وذلك في الاغتلال والانتفاع. واختلفوا في المدة اليسيرة فيما ينقل ويحول في الاغتلال فقيل: اليوم لواجد ونحوه، وقيل: لا يجوز ذلك في الدابة والعبد. وأما الاستخدام فقيل يجوز في مثل الخمسة الايام، وقيل في الشهر وأكثر من الشهر قليلا. وأما التهايؤ في الاعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان، وهذا دارا تلك المدة بعينها، فقيل يجوز في سكني الدار وزراعة الارضين، ولا يجوز ذلك في الغلة والكراء إلا في الزمان اليسير، وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالازمان، وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجري القول فيه علل الاختلاف في قسمتها بالزمان. فهذا هو القول في أنواع القسمة في الرقاب، وفي المنافع وفي الشروط المصححة والمفسدة. وبقي من هذا الكتاب القول في الاحكام. القول في الاحكام والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ عليها. والطوارئ ثلاثة: غبن، أو وجود عيب، أو استحقاق. فأما الغبن فلا يوجب الفسخ إلا في قسمة القرعة باتفاق في المذهب إلا على قياس من يرى له تأثيرا في البيع، فيلزم على مذهبه أن يؤثر في القسمة. وأما الرد بالعيب، فإنه لا يخلو على مذهب ابن القاسم أن يجد العيب في جل نصيبه أو في أقله، فإن وجده في جل نصيبه، فإنه لا يخلو أن يكون النصيب الذي حصل لشريكه قد فات أو لم يفت، فإن كان قد فات رد الواجد للعيب نصيبه على الشركة وأخذ من شريكه نصف قيمة نصيبه يوم قبضه، وإن كان لم يفت انفسخت القسمة وعادت الشركة إلى أصلها، وإن كان العيب في أقل ذلك رد ذلك الاقل على أصل الشركة فقط، سواء فات نصيب صاحبه أو لم يفت، ورجع على شريكه بنصف

[ 219 ]

قيمة الزيادة ولا يرجع في شئ‌مما في يده وإن كان قائما بالعيب. وقال أشهب: والذي يفيت الرد قد تقدم في كتاب البيوع. وقال عبد العزيز بن الماجشون: وجود العيب يفسخ القسمة التي بالقرعة ولا يفسخ التي بالتراضي، لان التي بالتراضي هي بيع. وأما التي بالقرعة فهي تمييز حق، وإذا فسخت بالغبن وجب إن تفسخ بالرد بالعيب. وحكم الاستحقاق عند ابن القاسم حكم وجود العيب أن كان المستحق كثيرا وحظ الشريك لم يفت رجع معه شريكا فيما في يديه، وإن كان قد فات رجع عليه بنصف قيمة ما في يديه، وإن كان يسيرا رجع عليه بنصف قيمة ذلك الشئ. وقال محمد: إذا استحق ما في يد أحدهما بطلت القسمة في قسمة القرعة، لانه قد تبين أن القسمة لم تقع على عدل كقول ابن الماجشون في العيب. وأما إذا طرأ أعلى المال حق فيه مثل طوارئ الدين على التركة بعد القسمة أو طرو الوصية أو طرو وارث، فإن أصحاب مالك اختلفوا في ذلك. فأما إن طرأ الدين قيل في المشهور في المذهب وهو قول ابن القاسم: إن القسمة تنتقض إلا أن يتفق الورثة على أن يعطوا الدين من عندهم، وسواء أكانت حظوظهم باقية بأيديهم أو لم تكن، هلكت بأمر من السماء أو لم تهلك. وقد قيل أيضا إن القسمة إنما تنتقض بيد من بقي في يده حظه ولم تهلك بأمر من السماء، وأما من هلك حظه بأمر من السماء فلا يرجع هو على الورثة بما بقي بأيديهم بعد أداء الدين، وقيل بل تنتقض القسمة ولا بد لحق الله تعالى لقوله: * (من بعد وصية يوصي بها أو دين) * وقيل بل تنقض إلا في حق من أعطي منه ما ينوي به من الدين، وهكذا الحكم في طرو الموصى له على الورثة. وأما طرو الوارث على الشركة بعد القسمة وقبل أن يفوت حظ كل واحد منهم فلا تنتقض القسمة وأخذ من كل واحد حظه إن كان ذلك مكيلا أو موزونا وإن كان حيوانا أو عروضا انتقضت القسمة. وهل يضم كل واحد منهم ما تلف في يده بغير سبب منه؟ فقيل يضمن، وقيل لا يضمن.

[ 220 ]

كتاب الرهون والاصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) والنظر في هذا الكتاب في الاركان وفي الشروط وفي الاحكام، والاركان هي النظر في الراهن والمرهون والمرتهن والشئ الذي فيه الرهن وصفة عقد الرهن. الركن الاول: فأما الراهن فلا خلاف أن من صفته أن يكون غير محجور عليه من أهل السداد، والوصي يرهن لمن يلي النظر عليه إذا كان ذلك سدادا ودعت إليه الضرورة عند مالك وقال الشافعي: يرهن لمصلحة ظاهرة ويرهن المكاتب والمأذون عند مالك. قال سحنون: فإن ارتهن في مال أسلفه لم يجز، وبه قال الشافعي. واتفق مالك والشافعي على أن المفلس لا يجوز رهنه، وقال أبو حنيفة: يجوز، واختلف قول مالك في الذي أحاط المدين بماله هل يجوز رهنه؟ أعني هل يلزم أم لا يلزم؟ فالمشهور عنه أنه يجوز، أعني قبل أن يفلس. والخلاف آيل إلى هل المفلس محجور عليه أم لا؟ وكل من صح أن يكون راهنا صح أن يكون مرتهنا. الركن الثاني: وهو الرهن، قالت الشافعية: يصح بثلاثة شروط: الاول: أن يكون عينا، فإنه لا يجوز أن يرهن الدين. الثاني: أن لا يمتنع إثبات يد الراهن على المرتهن عليه كالمصحف، ومالك يجيز رهن المصحف ولا يقرأ فيه المرتهن، والخلاف مبني على البيع. الثالث: أن تكون العين قابلة للبيع عند حلول الاجل، ويجوز عند مالك أن يرتهن ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان كالزرع والثمر لم يبد صلاحه ولا يباع عنده في أداء الدين إلا إذا بدا صلاحه وإن حل أجل الدين، وعن الشافعي قولان في رهن الثمر الذي لم يبد صلاحه، ويباع عنده عند حلول الدين على شرط القطع، قال أبو حامد. والاصح جوازه ويجوز عند مالك رهن ما لم يتعين كالدنانير والدراهم إذا طبع عليها، وليس من شرط الرهن أن يكون

[ 221 ]

ملكا للراهن لا عند مالك ولا عند الشافعي، بل قد يجوز عندهما أن يكون مستعارا. واتفقوا على أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن. واختلفوا إذا كان قبض المرتهن له بغصب ثم أقره المغصوب منه في يده رهنا، فقال مالك: يصح أن ينقل الشئ المغصوب من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن، فيجعل المغصوب منه الشئ المغصوب رهنا في يد الغاصب قبل قبضه منه وقال الشافعي: لا يجوز بل يبقى على ضمان الغصب إلا أن يقبضه. واختلفوا في رهن المشاع، فمنعه أبو حنيفة وأجازه مالك والشافعي والسبب في الخلاف: هل تمكن حيازة المشاع أم لا تمكن؟ الركن الثالث: وهو الشئ المرهون فيه، وأصل مذهب مالك في هذا أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الاثمان الواقعة في جميع البيوعات إلا الصرف ورأس المال في السلم المتعلق بالذمة، وذلك لان الصرف من شرطه التقابض. فلا يجوز فيه عقدة الرهن، وكذلك رأس مال السلم وإن كان عنده دون الصرف في هذا المعنى. وقال قوم من أهل الظاهر: لا يجوز أخذ الرهن إلا في السلم خاصة: أعني في المسلم فيه، وهؤلاء ذهبوا إلى ذلك لكون آية الرهن واردة في الدين في المبيعات وهو السلم عندهم، فكأنهم جعلوا هذا شرطا من شروط صحة الرهن، لانه قال في أول آية: * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * ثم قال: * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * فعلى مذهب مالك يجوز أخذ الرهن في السلم وفي القرض وفي قيم المتلفات وفي أروش الجنايات في الاموال، وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة. وأما قتل العمد والجراح التي يقاد منها فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولان: أحدهما: أن ذلك يجوز، وذلك على القول بأن الولي مخير في العمد بين الدية والقود. والقول الثاني: أما ذلك لا يجوز، وذلك أيضا مبني على أن ليس للولي إلا القود فقط إذا أبى الجاني من إعطاء الدية. ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن يتعين من العاقلة وذلك بعد الحلول، ويجوز في العارية التي تضمن، ولا يجوز فيما لا يضمن، ويجوز أخذه في الاجارات، ويجوز في الجعل بعد العمل، ولا يجوز قبله، ويجوز الرهن في المهر، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة، وبالجملة فيما لا تصح فيه الكفالة. وقالت الشافعية: المرهون فيه له شرائط ثلاث: أحدها: أن يكون دينا، فإنه لا يرهن في عين. والثاني: أن يكون واجبا، فإنه لا يرهن قبل الوجوب، مثل أن يسترهنه بما يستقرضه، ويجوز ذلك عند مالك. والثالث: أن لا يكون لزمه متوقعا أن يجب، وأن لا يجب كالرهن في الكتابة، وهذا المذهب قريب من مذهب مالك.

[ 222 ]

القول في الشروط وأما شروط الرهن، فالشروط المنطوق بها في الشرع ضربان: شروط صحة، وشروط فساد. فأما شروط الصحة المنطوق بها في الرهن: أعني في كونه رهنا فشرطان: أحدهما: متفق عليه بالجملة ومختلف في الجهة التي بها شرط وهو القبض. والثاني: مختلف في إشتراطه. فأما القبض فاتفقوا بالجملة على أنه شرط في الرهن لقوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * واختلفوا هل هو شرط تمام أو شرط صحة؟ وفائدة الفرق أن من قال شرط صحة قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن، ومن قال شرط تمام قال: يلزم العقد ويجبر الراهن على الاقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت، فذهب مالك إلى أنه من شروط التمام، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأهل الظاهر إلى أنه من شروط الصحة. وعمدة مالك قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول. وعمدة الغير قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * وقال بعض أهل الظاهر: لا يجوز الرهن إلا أن يكون هنالك كاتب لقوله تعالى: * (ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * لا يجوز أهل الظاهر أن يوضع الرهن على يدي عدل، وعند مالك أن من شرط صحة الرهن استدامه القبض، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة أو غير ذلك، فقد خرج من اللزوم. وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة، فمالك عم الشرط على ظاهره، فألزم من قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * وجود القبض واستدامته. والشافعي يقول: إذا وجد القبض فقد صح الرهن وانعقد، فلا يحل ذلك إعارته ولا غير ذلك من التصرف فيه كالحال في البيع، وقد كان الاولى بمن يشترط القبض في صحة العقد أن يشترط الاستدامة، ومن لم يشترطه في الصحة أن لا يشترط الاستدامة. واتفقوا على جوازه في السفر. واختلفوا في الحضر، فذهب الجمهور إلى جوازه. وقال أهل الظاهر ومجاهد: لا يجوز في الحضر لظاهر قوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر) * الآية. وتمسك الجمهور بما ورد من: أنه (ص) رهن في الحضر والقول في استنباط منع الرهن في الحضر من الآية هو من باب دليل الخطاب. وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو أن يرهن الرجل رهنا على أنه إن جاء بحقه عند أجله وإلا فالرهن له فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ، وأنه معنى قوله عليه الصلاة والسلام: لا يغلق الرهن. القول في الجزء الثالث من هذا الكتاب وهو القول في الاحكام وهذا الجزء ينقسم إلى معرفة ما للراهن من الحقوق في الرهن وما عليه، وإلى

[ 223 ]

معرفة ما للمرتهن وما عليه، اختلافهما في ذلك، وذلك إما من نفس العقد، وإما لامور طارئة على الرهن، ونحن نذكر من ذلك ما اشتهر الخلاف فيه بين فقهاء الامصار، والاتفاق. أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه، فإن لم يأت به عند الاجل كان له أن يرفعه إلى السلطان، فيبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع، وكذلك إن كان غائبا. وإن وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند حلول الاجل جاز، وكرهه مالك إلا أن يرفع الامر إلى السلطان. والرهن عند الجمهور يتعلق بجملة الحق المرهون فيه وببعضه، أعني أنه إذا رهنه في عدد ما فأدى منه بعضه، فإن الرهن بأسره يبقى بعد بيد المرتهن حتى يستوفي حقه، وقال قوم: بل يبقى من الرهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحق وحجة الجمهور أنه محبوس بحق، فوجب أن يكون محبوسا بكل جزء منه أصله حبس التركة على الورثة حتى يؤدوا الدين الذي على الميت، وحجة الفريق الثاني أن جميعه محبوس بجميعه، فوجب أن يكون أبعاضه محبوسة بأبعاضه، أصله الكفالة. ومن مسائل هذا الباب المشهورة اختلافهم في نماء الرهن المنفصل مثل الثمرة في الشجر المرهون، ومثل الغلة، ومثل الولد هل يدخل في الرهن أم لا؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل لا يدخل شئ منه في الرهن: أعني الذي يحدث منه في يد المرتهن، وممن قال بهدا القول الشافعي، وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل في الرهن، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة والثوري وفرمالك فقال: ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته، فإنه داخل في الرهن كولد الجارية مع الجارية وأما ما لم يكن على خلقته فإنه لا يدخل في الرهن كان متولدا عنه كثمر النخل أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام. وعمدة من رأى أن نماء الرهن وغلته للراهن قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن محلوب ومركوب قالوا: ووجه الدليل من ذلك أنه لم يرد بقوله مركوب ومحلوب أي يركبه الراهن ويحلبه، لانه كأن يكون غير مقبوض، وذلك مناقض لكونه رهنا، فإن الرهن من شرطه القبض، قالوا: ولا يصح أن يكون معناه أن المرتهن يحلبه ويركبه، فلم يبق إلا أن يكون المعنى في ذلك أن أجرة ظهره لربه ونفقته عليه. واستدلوا أيضا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه قالوا: ولانه نماء زائد على ما رضيه رهنا، فوجب أن لا يكون له إلا بشرط زائد. وعمدة أبي حنيفة أن الفروع تابعة للاصول فوجب لها حكم الاصل، ولذلك حكم الولد تابع لحكم أمه في التدبير والكتابة، وأما مالك فاحتج بأن الولد حكمه حكم أمه في البيع: أي هو تابع لها، وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة المفرقة في ذلك، وذلك أن الثمر لا يتبع بيع الاصل إلا بالشرط وولد الجارية يتبع بغير شرط. والجمهور على أن ليس للمرتهن أن ينتفع

[ 224 ]

بشئ من الرهن، وقال قوم: إذا كان الرهن حيوانا فللمرتهن أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بما وراء أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: الرهن محلوب ومركوب. ومن هذا الباب اختلافهم في الرهن يهلك عند المرتهن: ممن ضمانه؟ فقال قم: الرهن أمانة وهو من الراهن، والقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما فرط فيه وما جنى عليه، وممن قال بهذا القول الشافعي وأحمد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث، وقال قوم الرهن من المرتهن ومصيبته منه، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وجمهور الكوفيين. والذين قالوا بالضمان انقسموا قسمين: فمنهم من رأى أن الرهن مضمون بالاقل من قيمته أو قيمة الدين، وبه قال أبو حنيفة وسفيان وجماعة. ومنهم من قال: هو مضمون بقيمته قلت أو كثرت. وأنه إن فضل للراهن شئ فوق دينه أخذه من المرتهن، وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وإسحاق. وفرق قوم بين ما لا يغاب عليه مثل الحيوان والعقار مما لا يخفى هلاكه، وبين ما يغاب عليه من العروض، فقالوا: هو ضامن فيما يغاب عليه ومؤتمن فيما لا يغاب عليه. وممن قال بهذا القول مالك والاوزاعي وعثمان البتي، إلا أن مالكا يقول: إذا شهد الشهود بهلاك ما يغاب عليه من غير تضييع ولا تفريط. فإنه لا يضمن وقال الاوزاعي وعثمان البتي: بل يضمن علكل حال قامت بينة أو لم تقم، ويقول مالك قال ابن القاسم. ويقول عثمان والاوزاعي قال أشهب. وعمدة من جعله أمانة غير مضمونة حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: لا يغلق الرهن وهو ممن رهنه: له غنمه وعليه غرمه: أي له غلته وخراجه. وعليه افتكاكه ومصيبته منه. قالوا: وقد رضي الراهن أمانته فأشبه المودع عنده. وقال المزني من أصحاب الشافعي محتجا له: قد قال مالك ومن تابعه إن الحيوان وما ظهر هلاكه أمانة، فوجب أن يكون كله كذلك. وقد قال أبو حنيفة: إن ما زاد من قيمة الرهن على قيمة الدين فهو أمانة فوجب أن يكون كله أمانة، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام عند مالك ومن قال بقوله: وعليه غرمه أي نفقته. قالوا ومعنى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن مركوب ومحلوب أي أجرة ظهره لربه. ونفقته عليه. وأما أبو حنيفة وأصحابه فتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام: له غنمه وعليه غرمه أن غنمه ما فضل منه على الدين. وغرمه ما نقص. وعمدة من رأى أنه مضمون من المرتهن أنه عين تعلق بها حق الاستيفاء ابتداء فوجب أن تسقط بتلفه، أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى يستوفي الثمن، وهذا متفق عليه من الجمهور، وإن كان عند مالك كالرهن، وربما احتجوا بما روي عن النبي (ص) أن رجلا ارتهن فرسا من رجل، فنفق في يده، فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن: ذهب حقك. وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه. وقد اختلفوا في معنى

[ 225 ]

الاستحسان الذي يذهب إليه مالك كثيرا، فضعفه قوم وقالوا: إنه مثل استحسان أبي حنيفة، وحددوا الاستحسان بأنه قول بغير دليل. ومعنى الاستحسان عند مالك هو جمع بين الادلة المتعارضة، وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بغير دليل. والجمهور على أنه لا يجوز للراهن بيع الرهن ولا هبته. وأنه إن باعه فللمرتهن الاجازة أو الفسخ. قال مالك: وإن زعم أن إجازته ليتعجل حقه حلف على ذلك وكان له. وقال قوم: يجوز بيعه. وإذا كان الرهن غلاما أو أمة فأعتقها الراهن فعند مالك أنه إن كان الراهن موسرا جاز عتقه وعجل للمرتهن حقه، وإن كان معسرا بيعت وقضى الحق من ثمنها. وعند الشافعي ثلاثة أقوال: الرد، والاجازة، والثالث مثل قول مالك. وأما اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الذي وجب به الرهن، فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك، فقال مالك: القول قول المرتهن فيما ذكره من قدر الحق ما لم تكن قيمة الرهن أقل من ذلك، فما زاد على قيمة الرهن فالقول قول الراهن. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجمهور فقهاء الامصار القول في قدر الحق قول الراهن. وعمدة الجمهور أن الراهن مدعى عليه، والمرتهن مدع، فوجب أن تكون اليمين على الراهن على ظاهر السنة المشهورة. وعمدة مالك ههنا أن المرتهن وإن كان مدعيا فله ههنا شبهة بنقل اليمين إلى حيزه، وهو كون الرهن شاهدا له، ومن أصوله أن يحلف أقوى المتداعيين شبهة، وهذا لا يلزم عند الجمهور، لانه قد يرهن الراهن الشئ وقيمته أكثر من المرهون فيه. وأما إذا تلف الرهن - واختلفوا في صفته - فالقول ههنا عند مالك قول المرتهن لانه مدعى عليه، وهو مقر ببعض ما ادعي عليه وهذا على أصوله، فإن المرتهن أيضا هو الضامن فيما يغاب عليه. وأما على أصول الشافعي، فلا يتصور على المرتهن يمين إلا أن يناكره الراهن في إتلافه. وأما عند أبي حنيفة فالقول قول المرتهن في قيمة الرهن، وليس يحتاج إلى صفة، لان عند مالك يحلف على الصفة وتقويم تلك الصفة. وإذا اختلفو في الامرين جميعا، أعني في صفة الرهن وفي مقدار الرهن كان القول قول المرتهن في صفة الرهن وفي الحق ما كانت قيمته الصفة التى حلف عليها شاهدة له، وفيه ضعف. وهل يشهد الحق لقيمة الرهن إذا اتفقا في الحق واختلفا في قيمة الرهن؟ في المذهب فيه قولان، والاقيس الشهادة، لانه إذا شهد الرهن للدين شهد الدين للمرهون. وفروع هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية في غرضنا.

[ 226 ]

كتاب الحجر والنظر في هذا الكتاب في ثلاثة أبواب: الباب الاول: في أصناف المحجورين الثاني: متى يخرجون من الحجر، ومتى يحجر عليهم، وبأي شروط يخرجون. الثالث: في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والاجازة. الباب الاول: في أصناف المحجورين أجمع العلماء على وجوب الحجر على الايتام الذين لم يبلغوا الحلم لقوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) * الآية. واختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار إذا ظهر منهم تبذير لاموالهم، فذهب مالك والشافعي وأهل المدينة وكثير من أهل العراق إلى جواز ابتداء الحجر عليهم بحكم الحاكم، وذلك إذا ثبت عنده سفههم وأعذر إليهم فلم يكن عندهم مدفع، وهو رأي ابن عباس وابن الزبير. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ الحجر على الكبار، وهو قول إبراهيم وابن سيرين وهؤلاء انقسموا قسمين: فمنهم من قال: الحجر لا يجوز عليهم بعد البلوغ بحال وإن ظهر منهم التبذير. ومنهم من قال: إن استصحبوا التبذير من الصغر يستمر الحجر عليهم وإن ظهر منهم رشد بعد البلوغ ثم ظهر منهم سفه، فهؤلاء لا يبدأ بالحجر عليهم. وأبو حنيفة يحد في ارتفاع الحجر وإن ظهر سفهه خمسة وعشرين عاما. وعمدة من أوجب على الكبار ابتداء الحجر أن الحجر على الصغار إنما وجب لمعنى التبذير الذي يوجد فيهم غالبا، فوجب أن يجب الحجر على من وجد فيه هذا المعنى وإن لم يكن صغيرا، قالوا: ولذلك اشترط في رفع الحجر عنهم مع ارتفاع الصغر إيناس الرشد، قال الله تعالى: * (فإن آنستم رشدا فادفعوا إليها أموالهم) * فدل هذا على أن السبب المقتضي للحجر هو السفه. وعمدة الحنفية حديث حبان بن منقذ إذ ذكر فيه لرسول الله (ص) أنه يخدع. فجعل له

[ 227 ]

رسول الله (ص) الخيار ثلاثا ولم يحجر عليه وربما قالوا: الصغر هو المؤثر في منع التصر ف بالمال، بدليل تأثيره في إسقاط التكليف، وإنما اعتبر الصغر لانه الذي يوجد فيه السفه غالبا كما يوجد فيه نقص العقل غالبا ولذلك جعل البلوغ علامة وجوب التكليف وعلامة الرشد، إذا كانا يوجدان فيه غالبا، أعني العقل والرشد، وكما لم يعتبر النادر في التكليف، أعني أن يكون قبل البلوغ عاقلا فيكلف، كذلك لم يعتبر النادر في السفه، وهو أن يكون بعد البلوغ سفيها فيحجر عليه، كما لم يعتبر كونه قبل البلوغ رشيدا. قالوا: وقوله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * الآية، ليس فيها أكثر من منعهم من أموالهم، وذلك لا يوجب فسخ بيوعها وإبطالها. والمحجورون عن مالك ستة: الصغير، والسفيه، والعبد، والمفلس، والمريض، والزوجة. وسيأتي ذكر كل واحد منهم في بابه. الباب الثاني: متى يخرجون من الحجر، ومتى يحجر عليهم وبأي شروط يخرجون؟ والنظر في هذا الباب في موضعين: في وقت خروج الصغار من الحجر، ووقت خروج السفهاء. فنقول: إن الصغار بالجملة صنفان: ذكور، وإناث، وكل واحد من هؤلاء إما ذو أب، وإما ذو وصي، وإما مهمل، وهم الذين يبلغون ولا وصي لهم ولا أب. فأما الذكور الصغار ذوو الآباء فاتفقوا على أنهم لا يخرجون من الحجر إلا ببلوغ سن التكليف وإيناس الرشد منهم، وإن كانوا قد اختلفوا في الرشد ما هو، وذلك لقوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * واختلفوا في الاناث، فذهب الجمهور إلى أن حكمهن في ذلك حكم الذكور أعني بلوغ المحيض وإيناس الرشد، وقال مالك: هي في ولاية أبيها في المشهور عنه حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويؤنس رشدها. وروي عنه مثل قول الجمهور، ولاصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه قيل إنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سنة بعد دخول زوجها بها، وقيل حتى يمر بها عامان، وقيل حتى تمر بها سبعة أعوام. وحجة مالك أن إيناس الرشد لا يتصور من المرأة إلا بعد اختبار الرجال. وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة للنص والقياس، أما مخالفتها للنص، فإنهم لم يشترطوا الرشد، وأما مخالفتها للقياس، فلان الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة، وإذا قلنا على قول مالك لا على قول الجمهور إن الاعتبار في الذكور ذوي الآباء البلوغ وإيناس الرشد، فاختلف قول مالك إذا بلغ ولم يعلم سفهه من رشده وكان مجهول الحال، فقيل عنه إنه محمول على السفه حتى يتبين

[ 228 ]

رشده، وهو المشهور، وقيل عنه إنه محمول على الرشد حتى يتبين سفهه. فأما ذوو الاوصياء فلا يخرجون من الولاية في المشهور عن مالك إلا بإطلاق وصية له من الحجر: أي يقول فيه إنه رشيد إن كان مقدما من قبل الاب بلا خلاف أو بإذن القاضي مع الوصي إن كان مقدما من غير الاب على اختلاف في ذلك. وقد قيل في وصي الاب إنه لا يقبل قوله في أنه رشيد إلا حتى يعلم رشده وقد قيل إن حاله مع الوصي كحاله مع الاب يخرجه من الحجر إذا آنس منه الرشد وإن لم يخرجه وصيه بالاشهاد، وأن المجهول الحال في هذا حكمه حكم المجهول الحال ذي الاب. وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية غير معتبر ثبوتها إذا علم الرشد، ولا سقوطها إذا علم السفه. وهي رواية عن مالك، وذلك من قوله في اليتيم لا في البكر، والفرق بين المذهبين أن من يعتبر الولاية يقول أفعاله كلها مردودة وإن ظهر رشده حتى يخرج من الولاية، وهو قول ضعيف، فإن المؤثر هو الرشد لا حكم الحاكم. وأما اختلافهم في الرشد ما هو؟ فإن مالكا يرى أن الرشد هو تثمير المال وإصلاحه فقط، والشافعي يشترط مع هذا صلاح الدين. وسبب اختلافهم: هل ينطلق اسم الرشد على غير صالح الدين؟. وحال البكر مع الوصي كحال الذكر لا تخرج من الولاية إلا بالاخراج ما لم تعنس على اختلاف في ذلك. وقيل حالها مع الوصي كحالها مع الاب وهو قول بن الماجشون. ولم يختلف قولهم: وإنه لا يعتبر فيها الرشد كاختلافهم في اليتيم. وأما المهمل من الذكور فإن المشهور أن أفعاله جائزة إذا بلغ الحلم كان سفيها متصل السفه أو غير متصل السفه، معلنا به أو غير معلن. وأما ابن القاسم فيعتبر نفس فعله إذا وقع، فإن كان رشدا جاز وإلا رده. فأما اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي فإن فيها في المذهب قولين: أحدهما: أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض. والثاني: أفعالها مردودة ما لم تعنس وهو المشهور. الباب الثالث: في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والاجازة والنظر في هذا الباب في شيئين: أحدهما ما يجوز لصنف صنف من المحجورين من الافعال، وإذ فعلوا فكيف حكم أفعالهم في الرد والاجازة؟، وكذلك أفعال المهملين الذين بلغوا الحلم من غير أب ولا وصي، وهؤلاء كما قلنا إما صغار وإما كبار متصلو الحجر من الصغر وإما مبتدأ حجرهم. فأما الصغار الذين لم يبلغوا الحلم من الرجال ولا المحيض من النساء فلا خلاف في المذهب في أنه لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق وإن أذن له الاب في ذلك أو الوصي، فإن أخرج من يده شيئا بغير عوض كان موقوفا على نظر وليه إن كان له ولي، فإن رآه رشدا أجازه وإلا أبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر في ذلك، وإن عمل في ذلك حتى يلي أمره كان النظر إليه في الاجازة أو الرد. واختلف إذا كان فعله سدادا ونظرا فيما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن ينقضه إذا آل الامر إلى خلاف بحوالة الاسواق أو نماء فيما باعه أو نقصان فيما ابتاعه؟، فالمشهور أن ذلك له، وقيل إن ذلك ليس له، ويلزم الصغير ما أفسد في ماله مما لم يؤتمن عليه. واختلف فيما أفسد وكسر مما اؤتمن عليه،

[ 229 ]

ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته في صغره وحنث به في صغره. واختلف فيما حنث فيه في كبره وحلف به في صغره، فالمشهور أنه لا يلزمه. وقال ابن كنانة: يلزمه ولا يلزمه فيما ادعي عليه يمين. واختلف إذا كان له شاهد واحد هل يحلف معه؟ فالمشهور أنه لا يحلف، وروي عن مالك والليث أنه يحلف. وحال البكر ذات الاب والوصي كالذكر ما لم تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها. فأما السفيه البالغ، فجمهور العلماء على أن المحجور إذا طلق زوجته أو خالعها مضى طلاقه وخلعه، إلا ابن أبي ليلى وأبا يوسف، وخالف ابن أبي ليلى في العتق فقال: إنه ينفذ، وقال الجمهور: إنه لا ينفذ. وأما وصيته فلا أعلم خلافا في نفوذها، ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شئ من المعروف إلا أن يعتق أم ولده، فيلزمه عتقها، وهذا كله في المذهب، وهل يتبعها مالها؟ فيه خلاف، قيل يتبع، وقيل لا يتبع، وقيل بالفرق بين القليل والكثير. وأما ما يفعله بعوض، فهو أيضا موقوف على نظر وليه إن كان له ولي، فإن لم يكن له ولي قدم له ولي. فإن رد بيعه الولي وكان قد أتلف الثمن لم يتبع من ذلك بشئ، وكذلك إن أتلف عين المبيع. وأما أحكام أفعال المحجورين أو المهملين على مذهب مالك فإنها تنقسم إلى أربعة أحوال: فمنهم من تكون أفعاله كلها مردودة، وإن كان فيها ما هو رشد. ومنهم ضد هذا، وهو أن تكون أفعاله كلها محمولة على الرشد وإن ظهر فيها ما هو سفه. ومنهم من تكون أفعاله كلها محمولة على السفه ما لم يتبين رشده، وعكس هذا أيضا أن تكون أفعاله كلها محمولة الرشد حتى يتبين سفهه. فأما الذي يحكم له بالسفه وإن ظهر رشده فهو الصغير الذي لم يبلغ، والبكر ذات الاب والوصي ما لم تعنس على مذهب من يعتبر التعنيس. واختلف في حده اختلافا كثيرا من دون الثلاثين إلى الستين، والذي يحكم له بحكم الرشد وإن علم سفهه، فمنها السفيه إذا لم تثبت عليه ولاية من قبل أبيه، ولا من قبل السلطان على مشهور مذهب مالك، خلافا لابن القاسم الذي يعتبر نفس الرشد لا نفس الولاية، والبكر اليتيمة المهملة على مذهب سحنون. وأما الذي يحكم عليه بالسفه بحكم ما لم يظهر رشده: فالابن بعد بلوغه في حياة أبيه على المشهور في المذهب، وحال البكر ذات الاب التي لا وصي لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها ما لم يظهر رشدها وما لم تبلغ الحد المعتبر في ذلك من السنين عند من يعتبر ذلك، وكذلك اليتيمة التي لا وصي لها على مذهب من يرى أن أفعالها مردودة. وأما الحال التي يحكم فيها بحكم الرشد حتى يتبين السفه: فمنها حال البكر المعنس عند من يعتبر التعنيس، أو التي دخل بها زوجها ومضى لدخوله الحد المعتبر من السنين عند من يعتبر الحد، وكذلك حال الابن ذي الاب إذا بلغ وجهلت حاله على إحدى الروايتين، والابنة البكر بعد بلوغها على الرواية التي لا تعتبر فيها دخولها مع زوجها. فهذه هي جمل ما في هذا الكتا ب والفروع كثيرة.

[ 230 ]

كتاب التفليس والنظر في هذا الكتاب فيما هو الفلس، وفي أحكام المفلس، فنقول: إن الافلاس في الشرع يطلق على معنيين: أحدهما: أن يستغرق الدين مال المدين، فلا يكون في ماله وفاء بديونه. والثاني: أن لا يكون له مال معلوم أصلا، وفي كلا الفلسين قد اختلف العلماء في أحكامهما. فأما الحالة الاولى: وهي إذا ظهر عند الحاكم من فلسه ما ذكرنا، فاختلف العلماء في ذلك هل للحاكم أن يحجر عليه التصرف في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه على الغرماء على نسبة ديونهم، أم ليس له ذلك؟ بل يحبس حتى يدفع إليهم جميع ماله على أي نسبة اتفقت أو لمن اتفق منهم، وهذا الخلاف بعينه يتصور فيمن كان له مال يفي بدينه، فأبى أن ينصف غرماءه، هل يبيع عليه الحاكم فيقسمه عليهم، أم يحسبه حتى يعطيهم بيده ما عليه؟ فالجمهور يقولون: يبيع الحاكم ماله عليه، فينصف منه غرماءه أو غريمه إن كان مليا، أو يحكم عليه بالافلاس إن لم يف ماله بديونه ويحجر عليه التصرف فيه، وبه قال مالك والشافعي، بالقول الآخر قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق. وحجة مالك والشافعي حديث معاذ بن جبل أنه كثر دينه في عهد رسول الله (ص) فلم يزد غرماءه على أن جعله لهم من ماله، وحديث أبي سعيد الخدري أن رجلا أصيب على عهد رسول الله في ثمر ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله (ص): تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه، فقال رسول الله (ص): خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا بذلك وحديث عمر في القضاء على الرجل المفلس في حبسه وقوله فيه: أما بعد، فإن الاسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، وأنه ادان معرضا فأصبح قدرين عليه، فمن كان له عليه دين فليأتنا. وأيضا من طريق المعنى فإنه إذا كان المريض محجورا عليه لمكان ورثته، فأحرى أن يكون المدين محجورا عليه لمكان الغرماء، وهذا القول هو الاظهر، لانه أعدل. والله أعلم. وأما حجج الفريق الثاني الذين قالوا بالحبس حتى يعطي ما عليه أو يموت محبوسا، فيبيع القاضي حينئذ ماله ويقسمه على الغرماء، فمنها حديث جابر بن عبد الله حين استشهد أبوه بأحد وعليه دين، فلما طالبه

[ 231 ]

الغرماء قال جابر: فأتيت النبي (ص) فكلمته، فسألهم أن يقبلوا مني حائطي، ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله (ص) حائطي، قال: ولكن سأغدو عليك، قال: فغدا علينا حين أصبح فطاف بالنخل فدعا في ثمرها بالبركة قال: فجذذتها فقضيت منها حقوقهم، وبقي من ثمرها بقية وربما روي أيضا أنه مات أسيد بن الحضير وعليه عشرة آلاف درهم، فدعا عمر بن الخطاب غرماءه، فقبلهم أرضه وأربع سنين مما لهم عليه. قالوا: فهذه الآثار كلها ليس فيها أنه بيع أصل في دين. قالوا: ويدل على حبسه قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قالوا: والعقوبة هي حبسه. وربما شبهوا استحقاق أصول العقار عليه باستحقاق إجازته، وإذا قلنا إن المفلس محجور عليه، فالنظر في ماذا يحجر عليه؟ وبأي ديون تكون المحاصة في ماله؟ وفي أي شئ من ماله تكون المحاصة؟ وكيف تكون؟. فأما المفلس فله حالان: حال في وقت الفلس قبل الحجر عليه، وحال بعد الحجر. فأما قبل الحجر فلا يجوز له إتلاف شئ من ماله عند مالك بغير عوض إذا كان مما لا يلزمه ومما لا تجري العادة بفعله، وإنما اشترط إذا كان مما لا يلزمه، لان له أن يفعل ما يلزم بالشرع وإن لم يكن بعوض كنفقته على الآباء المعسرين أو الابناء، وإنما قيمما لم تجر العادة بفعله، لان له إتلاف اليسير من ماله بغير عوض كالاضحية والنفقة في العيد والصدقة اليسيرة، وكذلك تراعى العادة في إنفاقه في عوض كالتزوج والنفقة على الزوجة ويجوز بيعه وابتياعه ما لم تكن فيه محاباة، وكذلك يجوز إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه. واختلف قول مالك في قضاء بعض غرمائه دون بعض وفي رهنه. وأما جمهور من قال بالحجر على المفلس فقالوا: هو قبل الحكم كسائر الناس، وإنما ذهب الجمهور لهذا لان الاصل هو جواز الافعال حتى يقع الحجر، ومالك كأنه اعتبر المعنى نفسه، وهو إحاطة الدين بماله لكن لم يعتبره في كل حال، لانه يجوز بيعه وشراؤه إذا لم يكن فيه محاباة، ولا يجوزه للمحجور عليه. وأما حاله بعد التفليس فلا يجوز له فيها عند مالك بيع ولا شراء ولا أخذ ولاعطاء، ولا يجوز إقراره بدين في ذمته لقريب ولا بعيد. قيل إلا إن يكون لواحد منهم بينة، وقيل يجوز لمن يعلم منه إليه تقاض. واختلف في إقراره بمال معين مثل القراض والوديعة على ثلاثة أقوال في المذهب: بالجواز، والمنع. والثالث: بالفرق بين أن يكون على أصل القراض أو الوديعة ببينة أو لا تكون، فقيل إن كانت صدق وإن لم تكن لم يصدق. واختلفوا من هذا الباب في ديون المفلس المؤجلة هل تحل بالتفليس أم لا؟ فذهب مالك إلى أن التفليس في ذلك كالموت، وذهب غيره إلى خلاف ذلك. وجمهور العلماء على أن الديون تحل بالموت، وقال ابن شهاب مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات. وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، فالورثة في ذلك بين أحد أمرين: إما أن لا يريد وأن يؤخروا حقوقهم في المواريث إلى محل أجل الدين

[ 232 ]

فيلزم أن يجعل الدين حالا، وإما أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتى تحل الديون فتكون الديون حينئذ مضمونة في التركة خاصة لا في ذممهم، بخلاف ما كان عليه الدين قبل الموت، لانه كان في ذمة الميت، وذلك يحسن في حق ذي الدين. ولذلك رأى بعضهم أنه إن رضي الغرماء بتحمله في ذممهم أبقيت الديون إلى أجلها، وممن قال بهذا القول ابن سيرين، واختاره أبو عبيد من فقهاء الامصار، لكن لا يشبه الفلس في هذا المعنى الموت كل الشبه، وإن كانت كلا الذمتين قد خرجت فإن ذمة المفلس يرجى المال لها بخلاف ذمة الميت. وأما النظر فيما يرجع به أصحاب الديون من مال المفلس فإن ذلك يرجع إلى الجنس والقدر. أما ما كان قد ذهب عين العوض الذي استوجب من قبله الغريم على المفلس فإن دينه في ذمة المفلس. وأما إذا كان عين العوض باقيا بعينه لم يفت إلا أنه لم يقبض ثمنه، فاختلف في ذلك فقهاء الامصار على أربعة أقوال: الاول: أن صاحب السلعة أحق بها على كل حال إلا أن يتركها ويختار المحاصة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. القول الثاني: ينظر إلى قيمة السلعة يوم الحكم بالتفليس فإن كانت أقل من الثمن خير صاحب السلعة بين أن يأخذها أو يحاص الغرماء، وإن كانت أكثر أو مساوية للثمن أخذها بعينها، وبه قال مالك وأصحابه. القول الثالث: تقوم السلعة بين التفليس، فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه قضي له بها: أعني للبائع، وإن كانت أكثر دفع إليه مقدار ثمنه ويتحاصون في الباقي، وبهذا القول قال جماعة من أهل الاثر. والقول الرابع: أنه أسوة الغرماء فيها على كل حال، وهو قول أبي حنيفة وأهل الكوفة، والاصل في هذه المسألة ما ثبت من حديث أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره وهذا الحديث خرجه مالك والبخاري ومسلم، وألفاظهم متقاربة، وهذا اللفظ لمالك، فمن هؤلاء من حمله على عمومه وهو الفريق الاول، ومنهم من خصصه بالقياس وقالوا: إن معقوله إنما هو الرفق بصاحب السلعة لكون سلعته باقية، وأكثر ما في ذلك أن يأخذ الثمن الذي باعها به، فأما أن يعطى في هذه الحال الذي اشترك فيها مع الغرماء أكثر من ثمنها فذلك مخالف لاصول الشرع، وبخاصة إذا كان للغرماء أخذها بالثمن كما قال مالك. وأما أهل الكوفة فردوا هذا الحديث بجملته لمخالفته للاصول المتواترة على طريقتهم في رد خبر الواحد إذا خالف الاصول المتواترة لكون خبر الواحد مظنونا، والاصول يقينية مقطوع بها، كما قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس: ما كنا لندع كتاب الله وسنة نبينا لحديث امرأة. ورواه عن علي أنه قضى بالسلعة للمفلس، وهو رأي ابن سيرين وإبراهيم من التابعين. وربما احتجوا بأن حديث أبي هريرة مختلف فيه، وذلك أن الزهري روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء وهذا الحديث أولى لانه

[ 233 ]

موافق للاصول الثابتة. قالوا وللجمع بين الحديثين وجه، وهو حمل ذلك الحديث على الوديعة والعارية. إلا أن الجمهور دفعوا هذا التأويل بما ورد في لفظ حديث أبي هريرة في بعض الروايات من ذكر البيع. وهذا كله عند الجميع بعد قبض المشتري السلعة، فأما قبل القبض فالعلماء متفقون - أهل الحجاز وأهل العراق - أن صاحب السلعة أحق بها لانها في ضمانه. واختلف القائلون بهذا الحديث إذا قبض البائع بعض الثمن، فقال مالك: إن شاء أن يردما قبض ويأخذ السلعة كلها، وإن شاء حاص الغرماء فيما بقي من سلعته، وقال الشافعي: بل يأخذ ما بقي من سلعته بما بقي من الثمن، وقالت جماعة من أهل العلم داود وإسحاق وأحمد: إن قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء. وحجتهم ما روى مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء وهو حديث وإن أرسله مالك فقد أسنده عبد الرزاق، وقد روي من طريق الزهري عن أبي هريرة فيه زيادة بيان. وهو قوله، فيه: فإن كان قبض من ثمنه شيئا فهو أسوة الغرماء ذكره أبو عبيد في كتابه في الفقه وخرجه. وحجة الشافعي أن كل السلعة أو بعضها في الحكم واحد، ولم يختلفوا أنه إذا فوت المشتري بعضها أن البائع أحق بالمقدار الذي أدرك من سلعته، إلا عطاء فإنه قال: إذا فوت المشتري بعضها كان البائع أسوة الغرماء. واختلف الشافعي ومالك في الموت هل حكمه حكم الفلس أم لا؟ فقال مالك: هو في المو ت أسوة الغرماء، بخلاف الفلس، وقال الشافعي، الامر في ذلك واحد. وعمدة مالك ما رواه عن ابن شهاب عن أبي بكر - وهو نص في ذلك - وأيضا من جهة النظر أن فرقا بين الذمة في الفلس والموت، وذلك أن الفلس ممكن أن تثرى حاله فيتبعه غرماؤه بما بقي عليه وذلك غير متصور في الموت. وأما الشافعي فعمدته ما رواه ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله (ص): أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق به فسوى في هذه الرواية بين الموت والفلس. وقال: وحديث ابن أبي ذئب أولى من حديث ابن شهاب. لان حديث ابن شهاب مرسل وهذا مسند، ومن طريق المعنى فهو مال لا تصرف فيه لمالكه إلا بعد أداء ما عليه، فأشبه مال المفلس، وقياس مالك أقوى من قياس الشافعي، وترجيح حديثه على حديث ابن أبي ذئب من جهة أن موافقة القياس له أقوى، وذلك أن ما وافق من الاحاديث المتعارضة قياس المعنى فهو أقوى مما وافقه قياس الشبه: أعني أن القياس الموافق لحديث الشافعي هو قياس شبه، والموافق لحديث مالك قياس معنى، ومرسل مالك خرجه عبد الرزاق. فسبب الخلاف: تعارض الآثار في هذا المعنى والمقاييس، وأيضا فإن الاصل يشهد لقول مالك في الموت أعني من باع شيئا فليس يرجع إليه، فمالك رحمه الله أقوى في هذه المسألة، والشافعي إنما ضعف

[ 234 ]

عنده فيها قول مالك لما روي من المسند المرسل عنده لا يجب العمل به. واختلف مالك والشافعي فيمن وجد سلعته بعينها عند المفلس وقد أحدث زيادة مثل أن تكون أرضا يغرسها أو عرصة يبنيها، فقال مالك: العمل الزائد فيها هو فوت ويرجع صاحب السلعة شريك الغرماء. وقال الشافعي: بل يخير البائع بين أن يعطي قيمة ما أحدث المشتري في سلعته ويأخذها، أو أن يأخذ أصل السلعة ويحاص الغرماء في الزيادة، وما يكون فوتا مما لا يكون فوتا في مذهب مالك منصوص في كتبه المشهورة. وتحصيل مذهب مالك فيما يكون الغريم به أحق من سائر الغرماء في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت أن الاشياء المبيعة بالدين تنقسم في التفليس ثلاثة أقسام: عرض يتعين، وعين اختلف فيه هل يتعين فيه أم لا؟ وعمل لا يتعين. فأما العرض فإن كان في يد بائعه لم يسلمه حتى أفلس المشتري، فهو أحق به في الموت والفلس، وهذا ما لا خلاف فيه. وإن كان قد دفعه إلى المشتري ثم أفلس وهو قائم) بيده فهو أحق به من الغرماء في الفلس دون الموت. ولهم عند أن يأخذوا سلعته بالثمن. وقال الشافعي: ليس لهم. وقال أشهب: لا يأخذونها إلا بزيادة يحطونها عن المفلس، وقال ابن الماجشون: إن شاءوا كان الثمن من أموالهم أو من مال الغريم، وقال ابن كنانة: بل يكون من أموالهم وأما العين فهو أحق بها في الموت أيضا، والفلس ما كان بيده. واختلف إذا دفعه إلى بائعه فيه ففلس أو مات وهو قائم بيده يعرف بعينه، فقيل إنه أحق به كالعروض في الفلس دون الموت وهو قول ابن القاسم، وقيل إنه لا سبيل له عليه، وهو أسوة الغرماء، وهو قول أشهب، والقولان جاريان على الاختلاف في تعيين العين، وأما إن لم يعرف بعينه فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس. وأما العمل الذي لا يتعين فإن أفلس المستأجر قبل أن يستوفي عمل الاجير كان الاجير أحق بما عمله في الموت والفلس جميعا، كالسلعة إذا كانت بيد البائع في وقت الفلس، وإن كان فلسه بعد أن استوفى عمل الاجير فالاجير أسوة الغرماء بأجرته التي شارطه عليها في الفلس والموت جميعا على أظهر الاقوال، إلا أن تكون بيده السلعة التي استؤجر على عملها، فيكون أحق بذلك في الموت والفلس جميعا، لانه كالرهن بيده، فإن أسلمه كان أسوة الغرماء بعمله إلا أن يكون له فيه شئ أخرجه فيكون أحق به في الفلس دون الموت، وكذلك الامر عنده في فلس مكتري الدواب إن استكرى أحق بما عليه من المتاع في الموت والفلس جميعا، وكذلك مكتري السفينة، وهذا كله شبهه مالك بالرهن. وبالجملة فلا خلاف في مذهبه أن البائع أحق بما في يديه في الموت والفلس، وأحق بسلعته القائمة الخارجة عن يده في الفلس دون الموت. وأنه أسوة الغرماء في سلعته إذا فاتت، وعندما يشبه حال الاجير عند أصحاب مالك. وبالجملة البائع منفعة بالبائع الرقبة. فمرة يشبهون المنفعة التي عمل بالسلعة التي لم يقبضها المشتري فيقولون: هو أحق بها في

[ 235 ]

الموت والفلس، ومرة يشبهونه بالتي خرجت من يده ولم يمت فيقولون: هو أحق بها في الفلس دون الموت. ومرة يشبهون ذلك بالموت الذي فاتت فيه فيقولون: هو أسوة الغرماء. ومثال ذلك اختلافهم فيمن استؤجر على سقي حائط فسقاه حتى أثمر الحائط ثم أفلس المستأجر فإنهم قالوا فيه الثلاثة الاقوال. وتشبيه بيع المنافع في هذا الباب ببيع الرقاب هو شئ - فيما أحسب - انفرد به مالك دون فقهاء الامصار، وهو ضعيف لان قياس الشبه المأخوذ من الموضع المفارق للاصول يضعف، ولذلك ضعف عند قوم القياس على موضع الرخص، ولكن انقدح هنالك قياس علة، فهو أقوى، ولعل المالكية تدعي وجود هذا المعنى في القياس، ولكن هذا كله ليس يليق بهذا المختصر. ومن هذا الباب اختلافهم في العبد المفلس المأذون له في التجارة هل يتبع بالدين في رقبته أم لا؟ فذهب مالك وأهل الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في يده لا في رقبته، ثم إن أعتق أتبع بما بقي عليه. ورأى قوم أنه يباع. ورأى قوم أن الغرماء يخيرون بين بيعه وبين أن يسعى فيما بقي عليه من الدين، وبه قال شريح. وقالت طائفة: بل يلزم سيده ما عليه وإن لم يشترطه. فالذين لم يروا بيع رقبته قالوا: إنما عامل الناس على ما في يده فأشبه الحر، والذين رأوا بيعه شبهوا ذلك بالجنايا ت التي يجني، وأما الذين رأوا الرجوع على السيد بما عليه من الدين فإنهم شبهوا ماله بمال السيد إذ كان له انتزاعه. فسبب الخلاف: هو تعارض أقيسة الشبه في هذه المسألة، ومن هذا المعنى إذا أفلس العبد والمولى معا بأيهما يبدأ، هل بدين العبد، أم بدين المولى؟ فالجمهور يقولون: بدين العبد، لان الذين داينوا العبد إنما فعلوا ذلك ثقة بما رأوا عند العبد من المال، والذين داينوا المولى لم يعتدوا بمال العبد، ومن رأى البدء بالمولى قال: لان مال العبد هو في الحقيقة للمولى. فسبب الخلاف: تردد مال العبد بين أن يكون حكمه حكم مال الاجنبي أو حكم مال السيد. وأما قدر ما يترك للمفلس من ماله فقيل في المذهب: يترك له ما يعيش به هو وأهله وولده الصغار الايام، وقال في الواضحة والعتبية: الشهر ونحو، ويترك له كسوة مثله، وتوقف مالك في كسوة زوجته لكونها هل تجب لها بعوض مقبوض، وهو الانتفاع بها أو بغير عوض، وقال سحنون: لا يترك له كسوة زوجته، وروى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه، وبه قال ابن كنانة. واختلفوا في بيع كتب العلم عليه على قولين: وهذا مبني على كراهية بيع كتب الفقه أو لا كراهية ذلك. وأما معرفة الديون التى يحاص بها من الديون التي لا يحاص بها على مذهب مالك فإنها تنقسم أولا إلى قسمين: أحدهما: أن تكون واجبة عن عوض. والثاني: أن تكون واجبة من غير عوض. فأما الواجبة عن عوض، فإنها تنقسم إلى عوض مقبوض وإلى عوض غير مقبوض، فأما ما كانت عن عوض مقبوض، وسواء أكانت مالا أو أرش جناية،

[ 236 ]

فلا خلاف في المذهب أن محاصة الغرماء بها واجبة. وأما ما كان عن عوض غير مقبوض، فإن ذلك ينقسم خمسة أقسام: أحدها أن لا يمكنه دفع العوض بحال كنفقة الزوجات لما يأتي من المدة، والثاني: أن لا يمكنه دفع العوض، ولكن يمكنه دفع ما يستوفي فيه، مثل أن يكتري الرجل الدار بالنقد، أو يكون العرف فيه النقد، ففلس المكتري قبل أن يسكن أو بعد ما سكن بعض السكنى وقبل أن يدفع الكراء. والثالث: أن يكون دفع العوض يمكن ويلزمه كرأس مال السلم إذا أفلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال. والرابع: أن يمكنه دفع العوض، ولا يلزمه مثل السلعة إذا باعها ففلس المبتاع قبل أن يدفعها إليه البائع. والخامس: أن لا يكون إليه تعجيل دفع العوض، مثل أن يسلم الرجل إلى رجل دنانير في عروض إلى أجل فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال وقبل أن يحل أجل السلم. فأما الذي لا يمكنه دفع العوض بحال فلا محاصة في ذلك إلا في مهور الزوجات إذا أفلس الزوج قبل الدخول. وأما الذي لا يمكنه دفع العوض ويمكنه دفع ما يستوفي منه، مثل المكتري يفلس قبل دفع الكراء، فقيل للمكري المحاصة بجميع الثمن وإسلام الدار للغرماء، وقيل ليس له إلا المحاصة بما سكن ويأخذ داره، وإن كان لم يسكن فليس له إلا أخذ داره. وأما ما يمكنه دفع العوض يلزمه وهو إذا كان العوض عينا، فقيل يحاص به الغرماء في الواجب له بالعوض ويدفعه، وقيل هو أحق به وعلى هذا لا يلزمه دفع العوض. وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه فهو بالخيار بين المحاصة والامساك وذلك هو إذا كان العوض عينا. وأما إذا لم يكن إليه تعجيل العوض مثل أن يفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال، وقبل أن يحل أجل السلم، فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض ويحاصص الغرماء برأس مال السلم فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء، فإن أبى ذلك أحد الغرماء حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد للغريم من مال، وفي العروض التي عليه إذا حلت لانها من مال الفلس، وإن شاءوا أن يبيعوها بالنقد ويتحاصوا فيها كان ذلك لهم. وأما ما كان من الحقوق الواجبة عن غير عوض فإن ما كان منها غير واجب بالشرع بل بالالتزام كالهبات والصدقات فلا محاصة فيها. وأما ما كان منها واجبا بالشرع كنفقة الآباء والابناء، ففيها قولان: أحدهما: أن المحاصة لا تجب بها، وهو قول ابن القاسم، والثاني: أنها تجب بها إذا لزمت بحكم من السلطان، وهو قول أشهب. وأما النظر الخامس: وهو معرفة وجه التحاص، فإن الحكم في ذلك أن يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء، وسواء أكان مال الغرماء من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، إذ كان لا يقتضي في الديون إلا ما هو من جنس الدين إلا أيتفقوا من ذلك على شئ يجوز. واختلفوا من هذا الباب في فرع طارئ، وهو إذا هلك مال المحجور عليه بعد الحجر وقبل قبض الغرماء: ممن مصيبته؟ فقال أشهب: مصيبته من المفلس، وقال ابن

[ 237 ]

الماجشون: مصيبته من الغرماء إذا وقفه السلطان. وقال ابن القاسم: ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم لانه إنما يباع على ملكه، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء مثل أن يكون المال عينا والدين عينا، وكلهم روى قوله عن مالك، وفرق أصبغ بين الموت والفلس فقال: المصيبة في الموت من الغرماء، وفي الفلس من المفلس. فهذا هو القول في أصول أحكام المفلس الذي له من المال ما لا يفي بديونه. وأما المفلس الذي لا مال له أصلا، فإن فقهاء الامصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز أن لهم أن يؤاخروه، وقال به أحمد من فقهاء الامصار، وكلهم مجمعون على أن المدين إذا ادعى الفلس ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه أو يقر له بذلك صاحب الدين، فإذا كان ذلك خلي سبيله. وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار، وإنما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون، وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح، لان ذلك أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض، وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة، وهو الذي يسمى بالقياس المرسل. وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلا في تهمة خرجه - فيما أحسب - أبو داود. والمحجورون عند مالك: السفهاء والمفلسون والعبيد والمرضى والزوجة فيما فوق الثلث لانه يرى أن للزوج حقا في المال، وخالفه في ذلك الاكثر. وهذا القدر كاف بحسب غرضنا في هذا الكتاب.

[ 238 ]

كتاب الصلح والاصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (والصلح خير) * وما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام مرفوعا وموقوفا على عمر إمضاء الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا واتفق المسلمون على جوازه على الاقرار، واختلفوا في جوازه على الانكار، فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز على الانكار، وقال الشافعي: لا يجوز على الانكار لانه من أكل المال بالباطل من غير عوض. والمالكية تقول فيه عوض، وهو سقوط الخصومة واندفاع اليمين عنه، ولا خلاف في مذهب مالك أن الصلح الذي يقع على الاقرار يراعي في صحته ما يراعي في البيوع، فيفسد بما تفسد به البيوع من أنواع الفساد الخاص بالبيوع ويصح بصحته، وهذا هو مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فيصالحه عليها بعد الاقرار بدنانير نسيئة، وما أشبه هذا من البيوع الفاسدة من قبل الربا والغرر. وأما الصلح على الانكار فالمشهور فيه عن مالك وأصحابه أنه يراعي فيه من الصحة ما يراعي في البيوع، مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فينكر ثم يصالحه عليها بدنانير مؤجلة، فهذا لا يجوز عند مالك وأصحابه، وقال أصبغ: هو جائز، لان المكروه فيه من الطرف الواحد، وهو من جهة الطالب لانه يعترف أنه أخذ دنانير نسيئة في دراهم حلت له. وأما الدافع فيقول: هي هبة مني. وأما إن ارتفع المكروه من الطرفين، مثل أن يدعي كل واحد منهما على صاحب دنانير أو دراهم فينكر كل واحد منهما صاحبه، ثم يصطلحان على أن يؤخر كل واحد منهما صاحبه فيما يدعيه قبله إلى أجل، فهذا عندهم هو مكروه. أما كراهيته فمخافة أن يكون كل واحد منهما. فيكون كل واحد منهما قد أنظر صاحبه لانظار الآخر إياه فيدخله أسلفني وأسلفك. وأما وجه جوازه فلان كل واحد منهما إنما يقول ما فعلت، إنما هو تبرع مني، وما كان يجب علي شئ، وهذا النحو من البيوع قيل إنه يجوز إذا وقع، وقال ابن الماجشون: يفسخ إذا وقع عليه أثر عقده، فإن طال مضى، فالصلح الذي يقع فيه مما لا يجوز في البيوع هو في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: صلح يفسخ باتفاق، وصلح يفسخ باختلاف، وصلح لا يفسخ باتفاق إن طال، وإن لم يطل فيه اختلاف.

[ 239 ]

كتاب الكفالة واختلف العلماء في نوعها وفي وقتها، وفي الحكم اللازم عنها، وفي شروطها، وفي صفة لزومها، وفي محلها، ولها أسماء: كفالة، وحمالة، وضمانة، وزعامة، فأما أنواعها فنوعان: حمالة بالنفس، وحمالة بالمال. أما الحمالة بالمال فثابتة بالسنة ومجمع عليها من الصدر الاول ومن فقهاء الامصار. وحكي عن قوم أنها ليست لازمة تشبيها بالعدة وهو شاذ. والسنة التي صار إليها الجمهور في ذلك هو قوله عليه الصلاة والسلام: الزعيم غارم. وأما الحمالة بالنفس وهي التي تعرف بضمان الوجه، فجمهور فقهاء الامصار على جواز وقوعها شرعا إذا كانت بسبب المال. وحكي عن الشافعي في الجديد أنها لا تجوز، وبه قال داود، وحجتهما قوله تعالى: * (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) * ولانها كفالة بنفس فأشبهت الكفالة في الحدود. وحجة من أجازها عموم قوله عليه الصلاة والسلام: الزعيم غارم وتعلقوا بأن ذلك مصلحة، وأنه مروي عن الصدر الاول. وأما الحكم اللازم عنها، فجمهور القائلين بحمالة النفس متفقون على أن المتحمل عنه إذا مات لم يلزم الكفيل بالوجه شئ، وحكي عن بعضهم لزوم ذلك. وفرق ابن القاسم بين أن يموت الرجل حاضرا أو غائبا فقال: إن مات حاضرا لم يلزم الكفيل شئ، وإن مات غائبا نظر، فإن كانت المسافة التي بين البلدين مسافة يمكن الحميل فيها إحضاره في الاجل المضروب له في إحضاره، وذلك في نحو اليومين إلى الثلاثة ففرط غرم وإلا لم يغرم. واختلفوا إذا غاب المتحمل عنه ما حكم الحميل بالوجه؟ على ثلاثة أقوال: القول الاول: أنه يلزمه أن يحضره أو يغرم، وهو قول مالك وأصحابه وأهل المدينة. والقول الثاني: أنه يحبس الحميل إلى أن يأتي به أو يعلم موته، وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق. والقول الثالث: أنه ليس عليه إلا أن يأتي به إذا علم موضعه، ومعنى ذلك أن لا يكلف إحضاره إلا مع العلم بالقدرة على إحضاره، فإن ادعى الطالب معرفة موضعه على الحميل، وأنكر الحميل كلف الطالب بيان ذلك. قالوا: ولا يحبس الحميل إلا إذا كان المحتمل عنه معلوم الموضع، فيكلف حينئذ إحضاره، وهذا القول حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في الفقه عن جماعة من الناس، واختاره. وعمدة مالك أن المتحمل

[ 240 ]

بالوجه غار لصاحب الحق فوجب عليه الغرم إذا غاب، وربما احتج لهم بما روي عن ابن عباس: أن رجلا سأل غريمه أن يؤدي إليه ماله أو يعطيه حميلا، فلم يقدر حتى حاكمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتحمل عنه رسول الله (ص) ثم أدى المال إليه قالوا: فهذا غرم في الحمالة المطلقة. وأما أهل العراق فقالوا: إنما يجب عليه إحضار ما تحمل به وهو النفس، فليس يجب أن يعدى ذلك إلى المال إلا لو شرطه على نفسه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: المؤمنون عند شروطهم فإنما عليه أن يحضر المال أو يحبس فيه، كذلك الامر في ضمان الوجه. وعمدة الفريق الثالث أنه إنما يلزمه إحضاره إذا كان إحضاره له مما يمكن، وحينئذ يحبس إذا لم يحضره، وأما إذا علم أن إحضاره له غير ممكن فليس يجب عليه إحضاره كما أنه إذا مات ليس عليه إحضاره. قالوا: ومن ضمن الوجه فأغرم المال فهو أحرى أن يكون مغرورا من أن يكون غارا. فأما إذا اشترط الوجه دون المال وصرح بالشرط فقد قال مالك: إن المال لا يلزمه، ولا خلاف في هذا فيما أحسب، لانه كان يكون قد ألزم ضد ما اشترط، فهذا هو حكم ضمان الوجه. وأما حكم ضمان المال فإن الفقهاء متفقون على أنه إذا عدم المضمون أو غاب أن الضامن غارم. واختلفوا إذا حضر الضامن والمضمون وكلاهما موسر. فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والاوزاعي وأحمد وإسحاق: للطالب أن يؤاخذ من شاء من الكفيل أو المكفول. وقال مالك في أحد قوليه: ليس له أن يأخذ الكفيل مع وجود المتكفل عنه. وله قول آخر مثل قول الجمهور. وقال أبو ثور: الحمالة والكفالة واحدة، ومن ضمن عن رجل مالا لزمه وبرئ المضمون، ولا يجوز أن يكون مال واحد على اثنين، وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة. ومن الحجة لمن رأى أن الطالب يجوز له مطالبة الضامن، كان المضمون عنه غائبا أو حاضرا، غنيا أو عديما، حديث قبيصة بن المخارقي قال: تحملت حمالة فأتيت النبي (ص) فسألت عنها، فقال: نخرجها عنك من إبل الصدقة... يا ق