الغدير في الكتاب والسنة والأدب كتاب ديني. علمي. فني. تاريخي. أدبي. أخلاقي مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الاثارة من العلم وغيرهم تأليف الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الأكبر الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الجزء الثاني عني بنشره الحاج حسن إيراني صاحب دار الكتاب العربي بيروت - لبنان
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى نجز الجزء الأول (ولله الحمد) من هذا الكتاب بعد أن المسك باليد حقيقة ناصعة هي من أجلى الحقايق الدينية. ألا ؟ وهي: مغزى نص الغدير ومفاده، ذلك النص الجلي على إمامة مولانا أمير المؤمنين، بحيث لم يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة في تلك الدلالة، وقد أوعزنا في تضاعيف ذلك البحث الضافي إلى أن هذا المعنى من الحديث هو الذي عرفته منه العرب منذ عهد الصحابة الوعاة له وفي الأجيال من
بعدهم وإلى عصرنا الحاضر، فهو معنى اللفظ اللغوي المراد لا محالة قبل القراين المؤكدة له وبعدها، وقد أسلفنا نزرا من شواهد هذا المدعى، غير أنه يروقنا هيهنا التبسط في ذلك بإيراد الشعر المقول فيه، مع يسير من مكانة الشاعر وتوغله في العربية، ليزداد القارئ بصيرة على بصيرته. ألا ؟ إن كلا من أولئك الشعراء الفطاحل (وقل في أكثرهم: العلماء) معدود من رواة هذا الحديث، فإن نظمهم إياه في شعرهم القصصي ليس من الصور الخيالية الفارغة، كما هو المطرد في كثير من المعاني الشعرية، ولدى سواد عظيم من الشعراء، ألم ترهم في كل واد يهيمون ؟ لكن هؤلاء نظموا قصة لها خارج، وأفرغوا ما فيها من كلم منثورة أو معان مقصودة، من غير أي تدخل للخيال فيه، فجاء قولهم كأحد الأحاديث المأثورة، فتكون تلكم القوافي المنضدة في عقودها الذهبية من جملة المؤكدات لتواتر الحديث. ومن هنا لم نعتبر في بعض ما أوردناه أن يكون من علية الشعر، ولا لاحظنا تناسبه لأوقات نبوغ الشاعر في القوة، لما ذكرناه من أن الغاية هي روايته للحديث وفهمه المعنى المقصود منه، ولن تجد أي فصيح من الشعراء والكتاب تشابهت ولائد فكرته في القوة والضعف في جميع أدواره وحالاته.
[2]
* (الشعر والشعراء) * ونحن لا نرى شعر السلف الصالح مجرد ألفاظ مسبوكة في بوتقة النظم، أو كلمات منضدة على أسلاك القريض فحسب، بل نحن نتلقاه بما هناك من الأبحاث الراقية في المعارف من علمي الكتاب والسنة، إلى دروس عالية من الفلسفة والعبر والموعظة الحسنة والأخلاق، أضف إليها ما فيه من فنون الأدب، ومواد اللغة، و مباني التاريخ، فالشعر الحافل لهذه النواحي بغية العالم، ومقصد الحكيم، ومأرب
الأخلاقي، وطلبة الأديب، وأمنية المؤرخ وقل: مرمى المجتمع البشري أجمع. وهناك للشعر المذهبي مآرب أخرى هي من أهل ما نجده في شعر السلف. ألا ؟ وهي الحجاج في المذهب، والدعوة إلى الحق، وبث فضايل آل الله، ونشر روحيات العترة الطاهرة في المجتمع، بصورة خلابة، وأسلوب بديع، يمازج الأرواح، و ويخالط الأدمغة، فيبلغ هتافه القاصي والداني، وتلوكه أشداق الموالي والمناوئ مهما علت في الكون عقيرته، ودوخت الارجاء شهرته، وشاع وذاع وطار صيته في الأقطار، وقرطت به الآذان. مهما صار أحدوة تحدو بها الحداة، وأغاني تغني بها الجواري في أندية الملوك والخلفاء والأمراء، وتناغي بها الأمهات الرضع في المهود، ويرقصنها بها بعد الفطام في الحجور، ويلقنها الآباء أولادهم على حين نعومة الأظفار، فينمو ويشب وفي صفحة قلبه أسطر نورية من الولاء المحض بسبب تلك الأهازيج، وهذه الناحية (الفارغة اليوم) لا تسدها خطابة أي مفوه لسن، ولا تلحقه دعاية أي متكلم، كما يقصر دون إدراكها السيف والقلم. وأنت تجد تأثير الشعر الرائق في نفسيتك فوق أي دعاية وتبليغ، فأي أحد يتلو ميمية الفرزدق فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبا له ؟ أو ينشد هاشميات الكميت فلا يمتلئ حجاجا للحق ؟ أو يترنم بعينية الحميري فلا يعلم أن الحق يدور علي الممدوح بها ؟ أو تلقى عليه تائية دعبل فلا يستاء لاضطهاد أهل الحق ؟ أو تصك سمعه ميمية الأمير أبي فراس فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثم لا يجد كل عضو من يخاطب
[3]
القوم بقوله: يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم * لعصبة بيعهم يوم الحياج دم وكم وكم لهذه من أشباه ونظاير في شعراء أكابر الشيعة، وسوف تقف عليها
في طيات أجزاء كتابنا هذا إنشاء الله تعالى. وبهذه الغاية المهمة كان الشعر في القرون الأولى مدحا وهجاءا ورثاءا كالصارم المسلول بيد موالي أئمة الدين، وسهما مغرقا في أكباد أعداء الله، ومجلة دعاية إلى ولاء آل الله في كل صقع وناحية، وكانوا صلوات الله عليهم يضحون دونه ثروة طايلة ويبذلون من مال الله للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهمة، وكانوا يوجهون الشعراء إلى هذه الناحية، ويحتفظون بها بكل حول وطول، ويحرضون الناس عليها، ويبشرونهم عن الله و (هم أمناء وحيه) بمثل قولهم: من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة. ويحثونهم على تعلم ما قيل فيهم وحفظه بمثل قول الصادق الأمين عليه السلام. علموا أولادكم بشعر العبدي. وقوله: ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس (1). وروى الكشي في رجاله ص 160 عن أبي طالب القمي قال: كتبت إلى أبي جعفر بأبيات شعر وذكرت فيها أباه وسألته أن يأذن لي في أن أقول فيه، فقطع الشعر وحبسه وكتب في صدر ما بقي من القرطاس: قد أحسنت فجزاك الله خيرا. وعنه في لفظ آخر: فأذن لي أن أرثي أبا الحسن أعني أباه وكتب إلي: أن اندبه واندب لي. * (الشعر والشعراء في السنة والكتاب) * كل ما ذكرنا عنهم صلوات الله عليهم كان تأسيا بقدوتهم النبي الطاهر صلى الله عليه وآله فإنه أول فاتح لهذا الباب بمصراعيه مدحا وهجاءا بإصاخته للشعراء المادحين له ولأسرته الكريمة، وكان ينشد الشعر ويستنشده ويجيز عليه ويرتاح له ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة كارتياحه لشعر عمه شيخ الأباطح أبي طالب سلام الله عليه لما استسقى فسقي قال: لله در أبي طالب
(1) عيون أخبار الرضا، رجال الكشي ص 254.
[4]
لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله ؟ فقام عمر بن الخطاب فقال: عسى أردت يا رسول الله ؟. وما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفى ذمة من محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسان بن ثابت. فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: كأنك أردت يا رسول الله ؟ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهل عنده في نعمة وفواضل فقال رسول الله: أجل فقام رجل من بني كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * وأشخص منه إليه البصر فلم يك إلا كإلقا الردا * وأسرع حتى أتانا الدرر دفاق العزالي جم البعاق (1) * أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه * أبو طالب ذا رواء غزر به الله يسقي صيوب الغمام * فهذا العيان وذاك الخبر فقال رسول الله: يا كناني ؟ بوأك الله بكل بيت قلته بيتا في الجنة (2) ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر إلى القتلى مصرعين قال لأبي بكر: لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا أخذت بالأماثل وذلك لقول أبي طالب: وإنما لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عمه العباس بن عبد المطلب لما قال: يا رسول الله ؟ أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله: قل لا يفضض الله فاك. فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق
(1) العزالي جمع العزلاء: مصب الماء. والبعاق بالضم: السحاب الممطر بشدة. (2) أمالي شيخ الطايفة ص 46.
[5]
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض * وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي * النور وسبل الرشاد نخترق (1) وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عمرو بن سالم وقوله له: نصرت يا عمرو بن سالم لما قدمه وأنشده أبياتا أولها (2) لا هم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا عتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا إلخ وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر النابغة الجعدي ودعائه له بقوله: لا يفضض فاك. لما أنشده أبياتا من قصيدته مائتي بيت أولها: خليلي غضا ساعة وتهجرا * ولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا ومما أنشده رسول الله صلى الله عليه وآله: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نيرا وجاهدت حتى ما أحس ومن معي * سهيلا إذا ما لاح ثم تحورا أقيم على التقوى وأرضى بفعلها * وكنت من النار المخوفة أحذرا ولما بلغ إلى قوله:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال النبي صلى الله عليه وآله: أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال: الجنة. قال: أجل إنشاء الله تعالى. ثم قال: ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أجدت لا يفضض الله فاك. مرتين فكانت أسنانه كالبرد المنهل ما انفصمت له سن ولا انفلتت وكان معمرا (1) وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميته التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم أثرها لم يفد مكبول فكساه النبي صلى الله وآله بردة إشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين (2) وفي مستدرك الحاكم 3 ص 582: لما أنشد كعب قصيدته هذه رسول الله وبلغ قوله: إن الرسول لسيف يستضاء به * وصارم من سيوف الله مسلول أشار صلى الله عليه وآله بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه. ويروى أن كعبا أنشد (من سيوف الهند) فقال النبي صلى الله عليه وآله: من سيوف الله (3). وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عبد الله بن رواحة، قال البراء بن عازب: رأيت النبي صلى الله عليه وآله ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلد بطنه وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة.
لاهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا إن أولاء قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا (4) ويظهر من رواية ابن سعد في طبقاته وابن الأثير إن الأبيات لعامر بن الأكوع روى الثاني في أسد الغابة 3 ص 72 إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعامر في مسيره إلى خيبر: انزل يا بن الأكوع واحد لنا من هناتك (5) قال: نزل يرتجز رسول الله صلى الله عليه وآله. لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا إلخ
(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 96، الاستيعاب 1 ص 311، الإصابة 3 ص 539. (2) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 62، الامتاع للمقريزي 494، الإصابة 5 ص 296. (3) شرح قصيدة: بانت سعاد. لجمال الدين الأنصاري ص 98. (4) مسند أحمد 4 ص 302. (5) أي كلماتك وأراجيزك وفي رواية: هنيأتك. على التصغير، وفي أخرى: هنيهاتك.
[7]
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرحمك ربك. وفي لفظ: رحمك الله. وفي الطبقات لابن سعد 3 ص 619: غفر لك ربك. وكارتياحه صلى الله عليه وآله لشعر حسان بن ثابت يوم غدير خم ودعائه له بقوله: لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وكان صلى الله عليه وآله يضع لحسان منبرا في مسجده الشريف يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله، ويقول رسول الله: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله (1) وكارتياحه لشعر أبي كبير الهذلي. قالت عايشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وعرقه يتولد نورا قالت: فبهت فنظر إلي فقال: مالك بهت ؟ فقلت يا رسول الله ؟ نظرت إليك فجعل
جبينك يعرق وعرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبير ؟ قلت: يقول: ومبرئ من كل غبر حيضة * وفساد مرضعة وداء معضل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان بيده وقام وقبل ما بين عيني وقال: جزاك الله خيرا يا عايشة ؟ ما سررت مني كسروري منك. (2) وكان صلى الله عليه وآله يحث الشعراء إلى هذه الناحية، ويأمرهم بالاحتفاظ بها، ويرشدهم إلى أخذ حديث المخالفين له وأحسابهم وتأريخ نشئاتهم ممن يعرفها وهجاءهم كما كان يأمرهم بتعلم القرآن العزيز، وكان يراه نصرة للاسلام، وجهادا دون الدين الحنيف، وكان يصور للشاعر جهاده وينص به ويقول: اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل. وفي لفظ آخر: فكأن ما ترمونهم به نضح النبل. وفي ثالث: والذي نفس محمد بيده فكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر (3)
(1) مستدرك الحاكم 3 ص 477 وصححه هو والذهبي في تلخيصه. (2) حلية الأولياء لأبي نعيم 2 ص 45، تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 253. (3) مسند أحمد 3 ص 460، 456، ج 6 ص 387.
[8]
وكان صلى الله عليه وآله يثور شعراءه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض ويحرضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفار في قولهم المضاد لمبدءه القدسي، ويبث فيهم روحا دينيا قويا، ويؤكد فيهم حمية تجاه الحمية الجاهلية، وكان يوجد فيهم هياجا ونشاطا في النشر والدعاية، وشوقا مؤكدا إلى الدفاع عن حامية الاسلام المقدس، ورغبة في المجاهدة بالنظم بمثل قوله صلى الله عليه وآله للشاعر: اهج
المشركين فإن روح القدس معك ما هاجيتهم (1) وقوله: اهجهم فإن جبريل معك (2) قال البراء بن عازب: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قيل له: إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه فقال: أنت الذي تقول: ثبت الله ؟ قال: نعم يا رسول الله ؟: فثبت الله ما أعطاك من حسن، تثبيت موسى ونصرا مثل ما نصروا قال صلى الله عليه وآله: وأنت يفعل الله بك خيرا مثل ذلك. قال: ثم وثب كعب فقال: يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه. قال: أنت الذي تقول: همت ؟ قال: نعم، قلت يا رسول الله ؟: همت سخينة أن تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب قال صلى الله عليه وآله: إن الله لم ينس ذلك لك. قال ثم قام حسان فقال: يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه وأخرج لسانا له أسود فقال: يا رسول الله ؟ إئذن لي إن شئت أفريت به المزاد (3) فقال: إذهب إلى أبي بكر ليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك (2) وهذه الطائفة من الشعراء هم المعنيون بقوله تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثير وانتصروا من بعد ما ظلموا. وهم المستثنون في صريح القرآن من قوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون. الآية سورة الشعراء. ولما نزلت
(1) مسند أحمد 4 ص 298، مستدرك الحاكم 3 ص 487. (2) مسند أحمد 4 ص 299، 302، 303. (3) أي شفقته. كناية عن إسقاطه بالفضيحة. (4) مستدرك الحاكم 3 ص 488.
[9]
هذه الآية جاءت عدة من الشعراء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يبكون قائلين إنا شعراء
والله أنزل هذه الآية فتلا النبي صلى الله عليه وآله: وسلم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قال: أنتم. وذكروا الله كثيرا، قال: أنتم. وانتصروا من بعد ما ظلموا، قال: أنتم. (1) وإن كعب بن مالك أحد شعراء النبي الأعظم حين أنزل الله تبارك وتعالى في الشعر ما أنزل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشعر ما قد علمت وكيف ترى فيه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه (2) على أن في وسع الباحث أن يقول: إن المراد بالشعراء في الآية الكريمة كل من يأتي بكلا شعري منظوما أو منثورا فتكون مصاديقها أحزاب الباطل وقوالة الزور، فعن مولانا الصادق عليه السلام: إنهم القصاصون. رواه شيخنا الصدوق في عقايده، وفي تفسير علي بن إبراهيم ص 474 أنه قال: نزلت في الذين غيروا دين الله وخالفوا أمر الله، هل رأيتم شاعرا قط تبعه أحد ؟ إنما عني بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم فتبعهم على ذلك الناس، ويؤكد ذلك قوله: ألم ترهم في كل واد يهيمون. يعني يناظرون بالأباطيل ويجادلون بالحجج وفي كل مذهب يذهبون. وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا. فليس في الآية حط لمقام الشعر بما هو شعر وإنما الحط على الباطل منه و من المنثور، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله عند فريقي الاسلام قوله: إن من الشعر لحكمة. م - وإن من البيان لسحرا (3)]. * (الهواتف بالشعر) * وهناك هتافات غيبية شعرية في الدعاية الدينية، خوطب بها أناس في بدء
(1) تفسير ابن كثير 3 ص 354. (2) مسند أحمد 3 ص 456. (3) مسند أحمد 1 ص 269، 273، 303، 332، سنن الدارمي 2 ص 296، صحيح البخاري كتاب الطب، باب: إن من البيان سحرا، المجني لابن دريد ص 22، تاريخ بغداد للخطيب
3 ص 98، 258، و ج 4 ص 254، و ج 8 ص 18، 314، البيان والتبيين للجاحظ 1 ص 212، 275، رسائل الجاحظ ص 235، مصابيح السنة للبغوي 2 ص 149، الروض الأنف 2 ص 337، تاريخ ابن كثير 9 ص 45، تاريخ ابن عساكر 1 ص 348، و ج 6 ص 423، الإصابة 1 ص 453، و ج 4 ص 183، تهذيب التهذيب 9 ص 453).
[10]
الاسلام فاهتدوا بها، وهي معدودة من معاجز النبي صلى الله عليه وآله وتنم عن أهمية الشعر في باب الالقاء والحجاج وإفهام المستمع، وإن أخذه بمجامع القلوب والأفئدة آكد من الكلام المنثور، فليتخذ دستورا في إصلاح المجتمع، وبث الدعاية الروحية. ومنها: 1 - سمعت آمنة بنت وهب في ولادة النبي صلى الله عليه وآله هاتفا يقول: صلى الإله وكل عبد صالح * والطيبون على السراج الواضح المصطفى خير الأنام محمد * الطاهر العلم الضياء اللايح زين الأنام المصطفى علم الهدى * الصادق البر التقي الناصح صلى عليه الله ما هبت الصبا * وتجاوبت ورق الحمام النايح (1) 2 - هتف هاتف من صنم بصوم جهير ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله وقد خرت فيها الأصنام وهو يقول: تردى لمولود أنارت بنوره * جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب وخرت له الأوثان طرا وأرعدت * قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها * فلا مخبر منهم بحق ولا كذب فيال قصي ارجعوا عن ضلالكم * وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب (2) 3 - قال ورقة: بت ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله عند صنم لنا إذ سمعت من جوفه
هاتفا يقول: ولد النبي فذلت الأملاك * ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم انتكس الصنم على رأسه. (3) 4 - قال العوام بن جهيل (مصغرا) الهمداني سادن (يغوث): بت ليلا في بيت الصنم: وسمعت هاتفا من الصنم يقول: يا ابن جهيل ؟ حل بالأصنام الويل، هذا
(1) بحار الأنوار 6 ص 73. (2) تاريخ ابن كثير 2 ص 341، الخصايص الكبرى للسيوطي 1 ص 52. (3) الخصايص الكبرى 1 ص 52.
[11]
نور سطع من الأرض الحرام، فودع يغوث بالسلام. فكلمت قومي ما سمعت فإذا هاتف يقول: هل تسمعن القول يا عوام ؟ * أم أنت ذو وقر عن الكلام ؟ قد كشف دياجر الظلام * وأصفق الناس على الاسلام فقلت: يا أيها الهاتف بالعوام * لست بذي وقر عن الكلام فبينن عن سنة الاسلام قال: وما كنت والله عرفت الاسلام قبل ذلك فأجابني يقول: أرحل على اسم الله والتوفيق * رحلة لا وان ولا مشيق إلى فريق خير ما فريق * إلى النبي الصادق المصدوق فرميت الصنم وخرجت أريد النبي صلى الله عليه وآله فصادفت وفد همدان يدور بالنبي فدخلت عليه فأخبرته خبري فسر النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أخبر المسلمين: وأمرني بكسر الأصنام فرجعت إلى اليمن وقد امتحن الله قبلي بالاسلام
وقلت في ذلك: من مبلغ عنا شآم قومنا * ومن حل بالأجواف سرا وجهرا بأنا هدانا الله للحق بعدها * تهود منا حائر وتنصرا وإنا سرينا من يغوث وقربه * يعوق. وتابعناك يا خير الورى (1) 5 - أخرج أبو نعيم في دلايل النبوة 1 ص 34 عن العباس بن مرداس السلمي قال: دخلت على وثن يقال له (الضمار) فكنست ما حوله ومسحته وقبلته فإذا بصايح يصيح يا عباس بن مرداس ؟ قل للقبايل من سليم كلها: هلك الأنيس وفاز أهل المسجد أودى " ضمار " وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد فخر العباس في ثلثمائة راكب من قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما
(1) أسد الغابة 4 ص 193، الإصابة 3 ص 41.
[12]
رآه النبي تبسم ثم قال: يا عباس بن مرداس كيف كان إسلامك ؟ فقص عليه القصة فقال: صدقت وسر بذلك. (1) 6 - أخرج أبو نعيم في دلايله 1 ص 33 عن رجل خثعمي قال: إن قوما من خثعم كانوا مجتمعين عند صنم لهم إذ سمعوا بهاتف يهتف: يا أيها الناس ذوو الأجسام * ومسندوا الحكم إلى الأصنام ما أنتم وطائش الأحلام * هذا نبي سيد الأنام أعدل ذي حكم من الحكام * يصدع بالنور وبالاسلام ويردع الناس عن الآثام * مستعلن في البلد الحرام وأخرج أبو نعيم عن عمر قال: سمعت هاتفا يهتف ويقول:
يا أيها الناس ذوو الأجسام * ومسندوا الحكم إلى الأصنام ما أنتم وطائش الأحلام * فكلكم أوره كالنعام (2) أما ترون ما أرى أمامي ؟ * قد لاح للناضر من تهام أكرم به لله من إمام * قد جاء بعد الكفر بالاسلام والبر والصلات للأرحام (3) ورواه الخرائطي كما في تاريخ ابن كثير 2 ص 343 بإسناده واللفظ فيه: يا أيها الناس ذوو الأجسام * من بين أشياخ إلى غلام ما أنتم وطائش الأحلام * ومسند الحكم إلى الأصنام أكلكم في حير النيام ؟ * أم لا ترون ما الذي أمامي ؟ من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الأنام * قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من إمام * ومن رسول صادق الكلام
(1) ابن شهر آشوب في المناقب 1 ص 61، تاريخ ابن كثير 2 ص 341. (2) في البحار 6 ص 319. فكلكم أوره كالكهام. وروه فهو أوره. أي حمق. الكهام: الكليل. البطئ. المسن. (3) الخصايص الكبرى 1 ص 133.
[13]
أعدل ذي حكم من الحكام * يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام * ويزجر الناس عن الآثام والرجس والأوثان والحرام * من هاشم في ذروة السنام مستعلنا في البلد الحرام 7 - أخرج أبو نعيم عن يعقوب بن يزيد بن طلحة التيمي عن رجل قال: كنا
بقفرة من الأرض إذا هاتف من خلفنا يقول: قد لاح نجم فأضاء مشرقة * يخرج من ظلماء عسوف موبقه ذاك رسول مفلح من صدقه * الله أعلى أمره وحققه (1) 8 - أخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس إن رجلا قال: يا رسول الله ؟ خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا شرد فهتف بي هاتف في الصبح يقول: يا أيها الراقد في الليل الأجم * قد بعث الله نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجنات الدياجي والظلم فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا فقلت: يا أيها الهاتف في داجي الظلم * أهلا وسهلا بك من طيف ألم بين هداك الله في لحن الكلم * ماذا الذي يدعو إليه ؟ يغتنم فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا بالخيور. ثم أنشأ يقول: الحمد لله الذي * لم يخلق الخلق عبث أرسل فينا أحمدا * خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما * حج له ركب وحث (2) 9 - أخرج أبو سعد في (شرف المصطفى) عن الجعد بن قيس المرادي قال: خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية فمررنا بواد من أودية اليمن إذا بهاتف يقول: ألا أيها الراكب المعرس بلغوا * إذا ما وقفتم بالحطيم وزمزما
(1) الخصايص الكبرى 1 ص 104. (2) الخصايص الكبرى 1 ص 109.
[14]
محمد المبعوث منا تحية * تشيعه من حيث سار ويمما
وقولوا له: إنا لدينك شيعة * بذلك أوصانا المسيح بن مريما (1) 10 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 253 عن عيش بن جبر قال: سمعت قريش في ليلة قائلا يقول على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف مخالف فظنت قريش أنهما سعد تميم، وسعد هذيم، فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول: أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله يا طالب الهدى ؟ * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (2) 11 - روى ابن سعد في طبقاته الكبرى 1 ص 215 - 219 ما ملخصه: لما هاجر سول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة ومر هو ومن معه بخيمتي أم معبد الخزاعية وهي قاعدة بفناء الخيمة فسألوها تمرا أو لحما يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون (3) مسنتون (4) فقالت: والله لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: أللهم ؟ بارك لها في شاتها. قال: فتفاجت (5) ودرت واجترت (6) فدعا بإناء لها يربض (7) الرهط فحلب فيه ثجا (8)
(1) الخصايص الكبرى 1 ص 109. (2) ورواه ابن شهر آشوب في المناقب 1 ص 59. (3) نفد زادهم وافتقروا. (4) مجدبون.
(5) من التفاج هو المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، وهو من الفج أي الطريق. (6) من الجرة وهي: ما يخرجه البعير من بطنه فيمضغه ثانيا. (7) أي يرويهم حتى يناموا ويأخذوا راحتهم. (8) ثج الماء ثجوجا: سال.
[15]
حتى غلبه الثمال (1) فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب صلى الله عليه وآله آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعا عللا بعد نهل (2) حتى أراضوا (3) ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها. الحديث. وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول: جرى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به * فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد (4) فغادره رهنا لديها لحالب * تدر بها في مصدر ثم مورد (5) 12 - أخرج ابن الأثير في أسد الغابة 5 ص 188 عن أبي ذؤيب الهذلي الشاعر إنه سمع ليلة وفاة النبي صلى الله عليه وآله هاتفا يقول: خطب أجل أناخ بالاسلام * بين النخيل ومعقد الآطام (6) قبض النبي محمد فعيوننا * تذري الدموع عليه بالتسجام وهناك هواتف في شؤون العترة النبوية منها: 13 - أخرج الحافظ الكنجي في كفايته ص 261: لما ولد في الكعبة علي " أمير المؤمنين " دخل أبو طالب الكعبة وهو يقول:
يا رب هذا الغسق الدجي * والقمر المنبلج المضي بين لنا من أمرك الخفي * ماذا ترى في إسم ذا الصبي
(1) الثمال بضم الثاء واحدة ثمالة: الرغوة. وما بقي في الإناء من ماء غيره. (2) عللا. بالتحريك: شربا بعد شرب. نهل بالتحريك: أول الشرب. (3) من أراض إراضة: روى. (4) الصريح: الخالص. الضرة: أصل الثدي. المزبد: القاذف بالزبد. (5) ورواها أبو نعيم في دلايل النبوة 2 ص 118 (6) واحده الأطم بالضم: الأبنية المرتفعة كالحصون.
[16]
قال: فسمع صوت هاتف وهو يقول: يا أهل بيت المصطفى النبي * خصصتم بالولد الزكي إن اسمه من شامخ العلي * علي اشتق من العلي ثم قال: هذا حديث تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي. 14 - ذكر الشبلنجي في نور الأبصار ص 47: إن عليا " أمير المؤمنين " كان يزور قبر فاطمة في كل يوم فأقبل ذات يوم فانكب على القبر وبكى وأنشأ يقول: مالي مررت على القبور مسلما * قبر الحبيب فلا يرد جوابي يا قبر مالك لا تجيب مناديا ؟ * أمللت بعدي خلة الأحباب ؟ فأجابه هاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول: قال الحبيب: وكيف لي بجوابكم * وأنا رهين جنادل وتراب ؟ أكل التراب محاسني فنسيتكم * وحجبت عن أهلي وعن أترابي فعليكم مني السلام تقطعت * مني ومنكم خلة الأحباب 15 - روى ابن عساكر في تاريخه 4 ص 341، والكنجي في الكفاية عن أم سلمة
قالت: لما كانت ليلة قتل الحسين (الإمام السبط) سمعت قائلا يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان بن داود * وموسى وحامل الانجيل (1) * (موكب الشعراء) * فمن هنا وهنا جاء بيمن السنة والكتاب من الصحابة الواكبين على الشعر مواكب بعين سيدهم نبي العظمة كالأسود الضارية تفترس أعراض الشرك والضلال، وصقور جارحة تصطاد الأفئدة والمسامع، وتلك المواكب كانت ملتفة حوله في حضره، وتسري معه في سفره، ورجالها فرسان الهيجاء ومعهم حسام الشعر ونبل القريض، يجادلون دون مبدء الاسلام المقدس، ويجاهدون بألسنتهم في سبيل الله،
(1) ذكر ابن حجر منها بيتين، ورواها شيخنا ابن قولويه المتوفى 367 ر 8 في كامله ص 30.
[17]
وفيهم نظراء: العباس عم النبي كعب بن مالك عبد الله بن رواحة حسان بن ثابت النابغة الجعدي ضرار الأسدي ضرار القرشي كعب بن زهير قيس بن صرمة أمية بن الصلت نعمان بن عجلان العباس بن مرداس طفيل الغنوي كعب بن نمط مالك بن عوف صرمة بن أبي أنس قيس بن بحر عبد الله بن حرب بحير بن أبي سلمى سراقة بن مالك وقد أخذت هذه الروح الدينية بمجامع قلوب أفراد المجتمع، ودبت في النفوس ودبجتها، وخالطت الأرواح، حتى مازجت نفوس المسلمات، فأصبحت تغار على الدين وتكلأه، وهن ربات الحجال تذب عن نبي الأمة ببديع النظم وجيد الشعر نظيرات:
1 - أم المؤمنين (الملكة) خديجة بنت خويلد زوج النبي الطاهر صلى الله عليه وآله وكانت رقيقة الشعر جدا، ومن شعرها في تمريغ البعير وجهه على قدمي النبي ونطقه بفضله كرامة له صلى الله عليه وآله قولها: نطق البعير بفضل أحمد مخبرا * هذا الذي شرفت به أم القرى هذا محمد خير مبعوث أتى * فهو الشفيع وخير من وطئ الثرى يا حاسديه تمزقوا من غيضكم * فهو الحبيب ولا سواه في الورى (1) 2 - سعدى بنت كريز خالة عثمان بن عفان، ومن شعرها في الدعاية الدينية: عثمان يا عثمان يا عثمان ؟ * لك الجمال ولك الشان هذا نبي معه البرهان * أرسله بحقه الديان وجاءه التنزيل والبرهان * فاتبعه لا تغيا بك الأوثان فقالت: إن محمد بن عبد الله رسول الله، جاء إليه جبريل يدعوه إلى الله. مصباحه مصباح وقوله صلاح ودينه فلاح وأمره نجاح لقرنه نطاح ذلت له البطاح ما ينفع الصياح لو وقع الرماح وسلت الصفاح ومدت الرماح
(1) بحار الأنوار 6 ص 103.
[18]
وتقول في إسلام عثمان: هدى الله عثمان الصفي بقوله * فأرشده والله يهدي إلى الحق فتابع بالرأي السديد محمدا * وكان ابن أروى لا يصد عن الحق وأنكحه المبعوث إحدى بناته * فكان كبدر مازج الشمس في الأفق فداءك يا بن الهاشميين ؟ مهجتي * فأنت أمين الله أرسلت في الخلق (1) 3 - الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت النبي الأقدس من الرضاعة، تقول
في النبي صلى الله عليه وآله: يا ربنا ؟ أبق لنا محمدا * حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيدا مسددا * وأكبت أعاديه معا والحسدا وأعطه عزا يدوم أبدا (2) 4 - هند بنت أبان (3) بن عباد بن المطلب، لها عدة قواف في النبي الطاهر صلى الله عليه وآله توجد في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص 148 وهي تجابه هند بنت عتبة في وقعة أحد في قولها تفتخر بقتل حمزة ومن أصيب من المسلمين: نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر * أبي وعمي وشقيق بكري شفيت وحشي ؟ غليل صدري * شفيت نفسي وقضيت نذري فأجابتها هند بنت أبان بقولها: جزيت في بدر وغير بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر * بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلي صقري (4) 5 - خنساء بنت عمرو حفيدة امرؤ القيس، قد أكثرت من الشعر، وأجمع أهل
(1) الإصابة 4 ص 372 و 328. (2) الإصابة 4 ص 344. (3) في الطبقات الكبرى لابن سعد وأسد الغابة: أثاثة بن عباد. 4 - أسد الغابة 5 ص 559، الإصابة 4 ص 421.
[19]
العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها وكان النبي صلى الله عليه وآله يعجبه شعرها ويستنشده (1).
6 - رقيقة (بقافين مصغرة) بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد المطلب بن هاشم هي التي أخبرت رسول الله بأن قريشا قد اجتمعت تريد شأنك الليلة فتحول رسول الله صلى الله عليه وآله عن فراشه وبات فيه علي أمير المؤمنين (2) لها شعر جيد منها قولها في استسقاء عبد المطلب لقريش ومعه رسول الله صلى الله عليه وآله يافعا أوله: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا * وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر (3) 7 - أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحبة الاحتجاج المشهور على معاوية يأتي في ترجمة عمرو بن العاص، ولها شعر في رثاء النبي صلى الله عليه وآله منه أبيات أولها. ألا يا عين ويحك أسعديني * بدمعك ما بقيت وطاوعيني ومنها أبيات مستهلها: ألا يا رسول الله ؟ كنت رجاءنا * وكنت بنا برا ولم تك جافيا وتقول فيها: أفاطم ؟ صلى الله رب محمد * على جدث أمسى بيثرب ثاويا أبا حسن ؟ فارقته وتركته * فبك بحزن آخر الدهر شاجيا (4) 8 - عاتكة بنت عبد المطلب 9 - صفية بنت عبد المطلب 10 - هند بنت الحارث 11 - زوج النبي أم سلمة 12 - عاتكة بنت زيد بن عمرو 13 - خادمة النبي أم أيمن (5) وكانت عايشة زوج النبي صلى الله عليه وآله تحفظ الشعر الكثير، وكانت تقول:
(1) الاستيعاب (هامش الإصابة) 4 ص 295، 296، أسد الغابة 5 ص 441. (2) الإصابة 4 ص 303. (3) أسد الغابة 5 ص 455، الخصايص الكبرى 1 ص 80. (4) توجد بقية الأبيات في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص 142، 143. (5) تجد شعر هؤلاء في طبقات ابن سعد 4 ص 144 - 148، مناقب ابن شهر آشوب 1
ص 169 وغيرهما.
[20]
أرويت للبيد اثنى عشر ألف بيت (1) وكان صلى الله عليه وآله يستنشدها الشعر ويقول: أبياتك. ومما أنشدت: إذا ما التبر حك على محك * تبين غشه من غير شك وبان الزيف والذهب المصفى * " علي " بيننا شبه المحك (2) * (الشعر والشعراء عند الأئمة) * هذه الدعاية الروحية، والنصرة الدينية، المرغب فيها بالكتاب والسنة، والمجاهدة دون المذهب بالشعر ونظم القريض، كانت قائمة على ساقها في عهد أئمة العترة الطاهرة تأسيا منهم بالنبي الأعظم، وكانت قلوب أفراد المجتمع تلين لشعراء أهل البيت فتتأثر بأهازيجهم حتى تعود مزيجة نفسياتهم. وكان الشعراء يقصدون أئمة العترة من البلاد القاصية بقصايدهم المذهبية، وهم صلوات الله عليهم يحسنون نزل الشاعر وقراه، ويرحبون به بكل حفاوة وتبجيل، و يحتفلون بشعره ويدعون له، ويزودونه بكل صلة وكرامة، ويرشدونه إلى صواب القول إن كان هناك خلل في النظم، ومن هنا أخذ الأدب في تلك القرون في التطور و التوسع حتى بلغ إلى حد يقصر دونه كثير من العلوم والفنون الاجتماعية. وقد يكسب الشعر بناحيته هذه أهمية كبرى عند حماة الدين أهل بيت الوحي حتى يعد الاحتفال به، والاصغاء إليه، وصرف الوقت النفيس دون سماعه واستماعه من أعظم القربات وأولى الطاعات، وقد يقدم على العبادة والدعاء في أشرف الأوقات وأعظم المواقف، كما يستفاد من قول الإمام الصادق عليه السلام وفعله بهاشميات الكميت لما دخل عليه في أيام التشريق بمنى فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك ؟ قال: إنها أيام عظام قال: إنها فيكم، فلما سمع الإمام عليه السلام مقاله بعث إلى ذويه فقر بهم
إليه وقال: هات فأنشده لاميته من الهاشميات فحظي بدعائه عليه السلام له وألف دينار وكسوة. وسنوقفك على تفصيل هذا الاجمال في ترجمة كميت والحميري ودعبل. ونظرا إلى الغايات الاجتماعية كان أئمة الدين يغضون البصر من شخصيات الشاعر
المذهبي وأفعاله، ويضربون عنها صفحا إن كان هناك عمل غير صالح يسوئهم مهما وجدوه وراء صالح الأمة، وفي الخير له قدم، وصرح به الحق عن محضه، وصرح المحض عن الزبد، وصار الأمر عليه لزام (1) وكانوا يستغفرون له ربه في سوء صنعه، ويجلبون له عواطف الملأ الديني بمثل قولهم: لا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا، وقولهم أيعز على الله أن يغفر الذنوب لمحب علي، وإن محب علي لا تزل له قدم إلا تثبت له أخرى. (2) وفي تلك القدم الثابتة صلاح المجتمع، وعليها نموت ونحيى. وهناك لأئمة الدين صلوات الله عليهم فكرة صالحة صرفت في هذه الناحية، وهي كدستور فيها تعاليم وإرشادات إلى منهاج الخدمة للمجتمع، وتنوير أفكار المثقفين وتوجيهها إلى طرق النشر والدعاية، ودروس في توطيد اسس المذهب، و كيفية احتلال روحيات البلاد وقلوب العباد، وبرنامج في صرف مال الله، وتلويح إلى أهم موارده. تعرب عن هذه الفكرة المشكورة إيصاء الإمام الباقر ابنه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا النوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى (3) وفي تعيينه عليه السلام ظرف الندبة من الزمان والمكان لأنهما المجتمع الوحيد لزرافات المسلمين من أدنى البلاد وأقاصيها من كل فج عميق، وليس لهم مجتمع يضاهيه في الكثرة، دلالة واضحة على أن الغاية من ذلك إسماع الملأ الديني مآثر
الفقيد " فقيد بيت الوحي " ومزاياه، حتى تنعطف عليه القلوب، وتحن إليه الأفئدة، ويكونوا على أمم من أمره، وبمقربة من اعتناق مذهبه، فيحدوهم ذلك بتكرار الندبة في كل سنة إلى الالتحاق به، والبخوع لحقه، والقول بإمامته، والتحلي بمكارم أخلاقه، والأخذ بتعالميه المنجية، وعلى هذا الأساس الديني القويم أسست المآتم والمواكب الحسينية، ليس إلا. ونظرا إلى المغازي الكريمة المتوخاة من الشعر كان شعراء أهل البيت ممقوتين
(1) كل من هذه الجمل مثل يضرب. لزام بكسر الميم مثل حذام، أي: صار هذا الأمر لازما له. (2) توجد هذه الأحاديث في ترجمة أبي هريرة الشاعر والسيد الحميري وغيرهما. (3) رواه بطريق صحيح رجاله ثقات شيخنا الكليني في الكافي 1 ص 360.
[22]
ثقيلين جدا على مناوئيهم، وكانت العداء عليهم محتدمة، والشحناء لهم متشزنة، وكان حامل ألوية هذه الناحية من الشعر لم يزل خائفا يترقب، آيسا من حياته مستميتا مستقتلا، لا يقر له قرار، ولا يأواه منزل. وكان طيلة حياته يكابد المشاق، ويقاسي الشدايد من شنق وقتل وحرق وقطع لسان وحبس وعذاب وتنكيل وضرب وهتك حرمة وإقصاء من الأهل والوطن إلى شدايد أخرى سجلها لهم التاريخ في صحايفه. * (الشعر والشعراء عند أعلام الدين) * اقتفى أثر الأئمة الطاهرين فقهاء الأمة، وزعماء المذهب، وقاموا لخدمة الدين الحنيف بحفظ هذه الناحية من الشعر كلاءة لناموس المذهب، وحرصا لبقاء مآثر آل الله، وتخليدا لذكرهم في الملأ، وكانوا يتبعون منهاج أئمتهم في الاحتفاء بشاعرهم وتقديره، والإثابة على علمه والشكر له بكل قول وكرامة، وكانوا يحتفظون بهذه المغازي بالتأليف في الشعر وفنونه، ويعدونه من واجبهم كما كانوا يؤلفون في الفقه و ساير العلوم الدينية، مهما كان كل منهم للغايات حفيا.
هذا: شيخنا الأكبر الكليني الذي قضى من عمره عشرين سنة في تأليف الكافي أحد الكتب الأربعة مراجع الإمامية، له كتاب ما قيل من الشعر في أهل البيت. والعياشي الذي ألف كتبا كثيرة في الفقه الإمامي لا يستهان بعدتها، له كتاب " معاريض الشعر ". وشيخنا الأعظم الصدوق الذي بذل النفس والنفيس دون التأليف والنشر في الفقه والحديث، له كتاب الشعر. وشيخ الشيعة بالبصرة الجلودي ذلك الشخصية البارزة في العلم وفنونه، له كتاب ما قيل في علي عليه السلام من الشعر. وشيخ الإمامية بالجزيرة أبو الحسن الشمشاطي مؤلف مختصر فقه أهل البيت، له كتب قيمة في فنون الشعر. ومعلم الأمة شيخنا المفيد الذي لا تخفى على أي أحد أشواطه البعيدة في خدمة الدين، وإحياء الأمة، وإصلاح الفاسد، له كتاب مسائل النظم. وسيد الطايفة المرتضى علم الهدى، له ديوان، وتآليف في فنون الشعر. إلى زرافات آخرين من حملة الفقه وأعضاد العلم الإلهي من الطبقة العليا. ولم يزالوا يعقدون الحفلات والأندية في الأعياد المذهبية من مواليد أئمة
[23]
الدين عليهم السلام ويوم العيد الأكبر * (الغدير) * ومجالس تعقد في وفياتهم، فتأتي إليها الشعراء شرعا فيلقون ولايد أفكارهم من مدايح وتهاني وتأبينات ومراثي فيها إحياء أمرهم، فتثبت لها القلوب، وتشتد بها العلائق الودية بين أفراد المجتمع ومواليهم عليهم السلام، ويتبعها الحفاوة والتكريم والإثابة والتعظيم لمنضدي تلك العقود و جامعي أوابدها، هذا وما عند الله خير وأبقى. وكانت الحالة في بعض تلك القرون الخالية أكيدة، والنشاط الروحي بالغا في رجالاته فوق ما يتصور، والأمة بيمن تلك النفوس الطاهرة سعيدة جدا كعصر سيد الأمة آية الله بحر العلوم والشيخ الأكثر كاشف الغطاء، وأما اليوم فإن تلك المحتشدات الروحية:
أمست خلاءا وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد نعم بالأمس كان بقية العترة الطاهرة الإمام المجدد الشيرازي نزيل سامراء المشرفة ذلك العلم الخفاق للأمة جمعاء، الذي طنبت زعامته الدينية على أطراف العالم كله، لا تنقطع حفلاته في الأيام المذكورة كلها فتقصدها صاغة القريض بأناشيدهم المبهجة من شتى النواحي، فتجد عنده فناءا رحبا، وانبساطا شاملا، وتقديرا معجبا، ونائلا جزيلا، وبشاشة مرغبة. ولكن: ذهب الذين يعاش في أكنافهم... ومن نماذج هاتيك الأحوال أن شاعر أهل البيت المفلق السيد حيدر الحلي قصده بشعر في بعض وفداته إليه فأضمر السيد المجدد في نفسه أن يثيبه بعشرين ليرة عثمانية فأفضى بعزمه إلى ابن عمه العلم الحجة (1) الحاج ميرزا إسماعيل فاستقل ذلك المبلغ وقال: إنه شاعر أهل البيت، وإنه أجل وأفضل من أمثال دعبل والحميري و نظرائهما، وكان أئمة الدين يقدمون إليهم الصرر والبدر فاستحفاه عن مقتضى الحال فقال له: إن الحري أن تعطيه مائة ليرة بيدك الشريفة. هناك قصد السيد المجدد زيارة السيد حيدر وناوله المبلغ المذكور بكل حفاوة وتبجيل وقبل يد شاعر أهل البيت. حكاه جمع ممن أدرك ذلك العصر الذهبي ومنهم خلفه الصالح آية الله ميرزا
(1) تأتي ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر.
[24]
علي آغا الذي خلف والده على تلك المجالس والمجتمعات واستنشاد الشعر والإصاخة إليه والتقدير والترحيب في النجف الأشرف. ولا يسعنا بسط المقال حول هذه كلها، وليس هذا المجمل إلا نفثة مصدور، ولهفة متحسر، على فراغ هذه الناحية في اليوم، وإهمال تلك الغاية المهمة، وإقلاق تلك الطمأنينة، وضياع تلك الفوائد الجمة على الأمة، فالأيام عوج رواجع (2)، فكأن
الدنيا رجعت إلى ورائها القهقري، واكتسى الشعر كسوة الجاهلية الأولى، وذهب أمس بما فيه، (3) فلا فقيه هناك كأولئك، ولا شاعر كهؤلاء، ولا رأي لمن لا يطاع. ومهما نتلقى شعر السلف (في القرون الأولى) تلقي الحديث والسنة نذكر في شعرهم المقول في فضايل آل الله بعض ما وقفنا عليه من الحديث الوارد هناك من طرق العامة، ولعل الباحث يقف بذلك على سعة باع الشاعر في علمي الكتاب و السنة. عبد الحسين الأميني آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1) مثل يضرب يعني: الدهر تارة يعرج عليك وتارة يرجع إليك. (3) مثل ساير يضرب.
[25]
شعراء الغدير في القرن الأول 1 - أمير المؤمنين عليه السلام نتيمن في بدء الكتاب بذكر سيدنا أمير المؤمنين علي خليفة النبي المصطفى صلى الله عليهما وآلهما، فإنه أفصح عربي، وأعرف الناس بمعاريض كلام العرب بعد صنوه النبي الأعظم، عرف من لفظ المولى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه. معنى الإمامة المطلقة، وفرض الطاعة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وقال عليه السلام. محمد النبي أخي وصنوي (1) * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * على ما كان من فهمي وعلمي (2) فأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم (3) فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي
(1) في تاريخ ابن عساكر وغير واحد من المصادر: صهري. (2) في رواية ابن أبي الحديد وابن حجر وابن شهر آشوب: غلاما ما بلغت أوان حلمي. وفي رواية ابن الشيخ وبعض آخر: صغيرا ما بلغت أوان حلمي. وفي رواية الطبرسي بعد هذا البيت: وصليت الصلاة وكنت طفلا * مقرا بالنبي في بطن أمي (3) وذكر الدكتور أحمد رفاعي في تعليقه على معجم الأدباء: وأوصاني النبي على اختيار * ببيعته غداة غدير خم وهناك في هذا البيت تصحيف سنوقفك عليه.
[26]
* (ما يتبع الشعر) * هذه الأبيات كتبها الإمام عليه السلام إلى معاوية لما كتب معاوية إليه: إن لي فضايل كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام، وأنا صهر رسول الله، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أبا الفضايل يبغي علي ابن آكلة الأكباد ؟ اكتب يا غلام ؟: محمد النبي أخي وصنوي * إلى آخر الأبيات المذكورة فلما قرأ معاوية الكتاب قال: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب. والأمة قد تلقتها بالقبول، وتسالمت على روايتها، غير أن كلا أخذ منها ما
يرجع إلى موضوع بحثه، من دون أي غمز فيها، بل ستقف على أنها مشهورة، ورواها النقلة الاثبات، ونقلها الحفظة الثقات، وذكر جمع من أعلام السنة والجماعة عن البيهقي: إن هذا الشعر مما يجب على كل متوال لعلي حفظه، ليعلم مفاخره في الاسلام. فرواها من أصحابنا: 1 - معلم الأمة شيخنا المفيد المتوفى 413، رواها بأجمعها في " الفصول المختارة " 2 ص 78 وقال: كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين في ذلك ؟ وقد شاع في شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف، وانتشر حتى صار مذكورا مسموعا من العامة فضلا عن الخاصة، وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدم إيمانه عليه السلام وإنه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان، وفيه أيضا: إنه كان الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله بدليل المقال الظاهر في يوم الغدير الموجب له للاستخلاف. 2 - شيخنا الكراجكي المتوفى 449، رواها في " كنز الفوائد " ص 122. 3 - أبو علي الفتال النيسابوري، في " روضة الواعظين " ص 76. 4 - أبو منصور الطبرسي أحد مشايخ ابن شهر آشوب، في " الاحتجاج " ص 97. 5 - ابن شهر آشوب المتوفى 588، في " المناقب " 1 ص 356. 6 - أبو الحسن الأربلي المتوفى 692، في " كشف الغمة " ص 92.
[27]
7 - ابن سنجر النخجواني، في " تجارب السلف " ص 42 وقال ما تعريبه: لعلي ديوان (1) لا مجال للترديد والشك فيه. 8 - الشيخ علي البياضي المتوفى 877، في " الصراط المستقيم ". 9 - المجلسي العظيم المتوفى 1111، في " بحار الأنوار 9 ص 375. 10 - السيد صدر الدين علي خان المدني المتوفى 1120، في درجاته الرفيعة. 11 - الشيخ أبو الحسن الشريف، في " ضياء العالمين " المؤلف 1137.
* (ورواها من أعلام العامة) * 1 - الحافظ البيهقي المتوفى 458 (المترجم 1 ص 110) رواها برمتها وقال: إن هذا الشعر مما يجب على كل أحد متوال في علي حفظه، ليعلم مفاخره في الاسلام. 2 - أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالكي الشهير بابن الشيخ المتوفى حدود 605، قال في كتابه " ألف باء " 1 ص 439: وأما علي رضي الله عنه فمكانه علي، وشرفه سني، أول من دخل في الاسلام، وزوج فاطمة عليها السلام بنت النبي، وقد نظم في أبيات المفاخرة، وذكر فيها مآثره حين فاخره بعض عداه ممن لم يبلغ مداه، فقال رضي الله عنه يفخر بحمزة عمه وبجعفر ابن عمه رضي الله عنهم: محمد النبي أخي وصنوي وذكر إلى آخر بيت الغدير فقال: يريد بذلك قوله عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاده. 3 - أبو الحسين الحافظ زيد بن الحسن تاج الدين الكندي الحنفي المتوفى 613، رواه من طريق ابن دريد في كتابه " المجتنى " ص 39 ذكر منها خمسة أبيات. 4 - ياقوت الحموي المتوفى 626 (المترجم ج 1 ص 119) ذكر ستة أبيات منها في " معجم الأدباء " 5 ص 266 وزاد الدكتور أحمد رفاعي المصري بيتين في التعليق. 5 - أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي المتوفى 652، يأتي ترجمته في شعراء القرن السابع، رواها برمتها في " مطالب السئول " ص 11 (ط ايران) فقال: هذه الأبيات نقلها
(1) لعله يريد ما دونه الفنجكردي من شعره عليه السلام مما يبلغ مائتي بيت كما يأتي في ترجمته، لا هذا الديوان الكبير المطبوع المنتشر فإن فيه كل الشك.
[28]
عنه عليه السلام الثقات، ورواها النقلة الاثبات. 6 - سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 (المترجم ج 1 ص 120) رواها
بجملتها في [تذكرة خواص الأمة] ص 62 وفي بعض أبياته تغيير يسير. 7 - ابن أبي الحديد المتوفى 658، ذكر منها في شرح نهج البلاغة 2 ص 377 بيتين مكتفيا عن البقية بشهرتها. 8 - أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفى 658، رواها في " المناقب " المطبوع بمصر ص 41، وقال في الاستدلال على سبق أمير المؤمنين إلى الاسلام، وقد أشار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى شئ من ذلك في أبيات قالها رواها عنه الثقات: ثم ذكر البيت الأول والثالث والخامس والسابع. 9 - سعيد الدين الفرغاني المتوفى 699 (المترجم ج 1 ص 123) ذكر في شرح تائية ابن الفارض في قوله: وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * علي بعلم ناله بالوصية بيتين وهما: وأوصاني النبي على اختيار * لأمته رضى منه بحكمي وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم 10 - شيخ الاسلام أبو إسحاق الحموي المتوفى 722 (المترجم 1 ص 123) رواها في " فرايد السمطين " وذكر من أولها إلى آخر بيت الولاية وزاد قبله: وأوصاني النبي على اختيار * لأمته رضى منه بحكمي 11 - أبو الفداء المتوفى 732، أخذ منها في تاريخه 1 ص 118 ما يرجع إلى إسلامه عليه السلام. م 12 - جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي المتوفى بضع و 750 ذكرها برمتها غير البيت الأخير: فويل ثم ويل ثم ويل. إلخ في كتابه [نظم درر السمطين]. 13 - ابن كثير الشامي المتوفى 774 (المترجم 1 ص 126) رواها في " البداية والنهاية " 8 ص 8 عن أبي بكر ابن دريد عن دماد عن أبي عبيدة وذكر منها
خمسة أبيات.
[29]
14 - خواجة پارسا الحنفي المتوفى 822 (المترجم ص 1 ص 129) رواها برمتها في " فصل الخطاب " عن الإمام تاج الاسلام الخدابادي البخاري في أربعينه. 15 - ابن الصباغ المكي المالكي المتوفى 855 (المترجم 1 ص 131) رواها في " الفصول المهمة " ص 16 وذكر منها أربعة أبيات وقال: رواها الثقات الاثبات. 16 - غياث الدين خواندمير (1) رواها في " حبيب السير " 2 ص 5 نقلا عن " فصل الخطاب " لخواجة پارسا. 17 - ابن حجر المتوفى 974 (المترجم 1 ص 134) ذكر خمسة أبيات منها في " الصواعق " ص 79 ونقل كلام الحافظ البيهقي المذكور. توجد في المخطوط من الصواعق سبعة أبيات، وكذلك في المنقول عنه كينابيع المودة للقندوزي ص 291، ويؤيد صحة نقله عن البيهقي فإنه ذكرها برمتها، لكن يد الطبع الأمينة حرفت عنه بيت الولاية وما بعده. 18 - المتقي الهندي المتوفى 975 (المترجم 1 ص 135) روى كتاب معاوية في " كنز العمال " 6 ص 392 وذكر من الأبيات خمسة. 19 - الاسحاقي روى كتاب معاوية باللفظ المذكور في [لطايف أخبار الدول] ص 33 وذكر الأبيات كلها، ولفظ بيت الولاية فيه كذا: وأوجب طاعتي فرضا عليكم * رسول الله يوم غدير خم فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يرد القيامة وهو خصمي 20 - الحلبي الشافعي المتوفى 1044 (المترجم 1 ص 139) أخذ منها في " السيرة النبوية " 1 ص 286 ما يرجع إلى إسلامه عليه السلام. 21 - الشبراوي الشافعي شيخ جامع الأزهر المتوفى 1172 رواها في [الإتحاف
بحب الأشرف] ص 181، وفي طبع ص 69 وذكر منها خمسة أبيات. 22 - السيد أحمد قادين خاني رواها في " هداية المرتاب " وحكى عن البيهقي قوله المذكور. 23 - السيد محمود الآلوسي البغدادي المتوفى 1270 (المترجم 1 ص 147)
(1) مذهبه يحتاج إلى إمعان النظر فيه.
[30]
رواها غير البيت الأول والأخير في شرح عينية الشاعر المفلق عبد الباقي العمري ص 78، وقال: هي مما رواها الثقات عنه عليه السلام. 24 - القندوزي الحنفي المتوفى 1293 (المترجم 1 ص 147) رواها في " ينابيع المودة " ص 291 نقلا عن ابن حجر، وص 371 نقلا عن أربعين الإمام تاج الاسلام الخدابادي البخاري. 25 - السيد أحمد زيني دحلان المتوفى 1304 (المترجم 1 ص 147) ذكر منها في " السيرة النبوية " - هامش السيرة الحلبية - 1 ص 190 ما يرجع إلى إسلامه وقال: وهي مما كتبه علي عليه السلام لمعاوية ثم ذكر كلام البيهقي المذكور. 26 - الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي المالكي ذكرها برمتها في " كفاية الطالب " ص 36 وعدها مما وثق به أنه من شعر أمير المؤمنين. * (لفت نظر) *: أخذ منها ابن عساكر في تاريخه 6 ص 315 بيتا في بيان الفرق بين الصهر والختن وقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: محمد النبي أخي وصهري * أحب الناس كلهم إليا وذهل عن أن الشطر الثاني المذكور هو لأبي أسود الدؤلي من قوله: بنو عم النبي وأقربوه * أحب الناس كلهم إليا * (تصحيح غلط) *
لا أحسب أن أساتذة مصر يخفى عليهم صحيح لفظة (غدير خم) أولا يوقفهم السير عن مسماها وقصتها، وإن قال قائلهم: إنها واقعة حرب معروفة أو يكون لهم معها حساب آخر دون ساير الألفاظ، أو يروقهم أن تكون الأمة على جهل منها، لكن أسفي على إغضائهم عن تصحيح هذه اللفظة في غير واحد من التآليف بل تركوها بصورة يتيه بها القارئ. هذا الدكتور أحمد رفاعي ذلك الأستاذ الفذ فإنه يذكر في تعليقه على (معجم الأدباء) - ط مصر 1357 ه ج 14 ص 48 من شعر أمير المؤمنين بيت الولاية بهذه الصورة:
[31]
وأوصاني النبي على اختيار * بيعته غداة غد برحم وأعجب من ذلك أنه جعل للكتاب فهرس البلدان والبقاع والمياه في 47 صحيفة وأهمل فيها غدير خم وقد ذكرت في عدة مواضع من المعجم. والأستاذ محمد حسين مصحح " ثمار القلوب " (ط مصر 1326 ه) فإنه يقف على هذه اللفظة في صحيفة واحدة ص 511 وهي مذكورة فيها غير مرة س 6 و 8 و 12 ويدعها (غدير حم) وهذا " ثمار القلوب " المخطوط بين أيدينا وفيها: (غدير خم). ومصحح لطايف أخبار الدول (ط مصر 1310 ه) فإنه يترك البيت المذكور من شعر أمير المؤمنين في ص 33 هكذا: وأوجب طاعتي فرضا عليكم * رسول الله يوم غدا برحمي وأنت تجد في مطبوعات غير مصر لدة هذا التصحيف أيضا. * (شكر ونقد) * لا أفتئ معجبا بكتابين فخمين هما من حسنات العصر الحاضر، عني بجمعهما بحاثة كبير حظي به هذا القرن، أولاهما: كتاب جمهرة خطب العرب. وجمهرة رسائل العرب.
للكاتب الشهير أحد زكي صفوت. فقد أسدى بهما إلى الأمة يده الواجبة، أعاد ذكريات قديمة للأمة العربية أتى عليها الدثور، وكابد في ذلك جهودا جبارة، فعلى الأمة جمعاء أن تشكره على تلك المثابرة الناجعة، وتقدر منه ذلك الجهاد المتواصل، فله العتبي على ما أجاد وأفاد. غير أنا نعاتب الأستاذ على إهماله هذه الرسالة الموجودة في جملة من مصادر كتابه، وغيرها من الكتب القيمة، وقد ذكرها ما هو أخصر منه، وأضعف مدركا، و أقل نفعا، وذكر من التافهات ما لم يقله مستوى الصدق والأمانة كبعض رسايل ابن عباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام المكذوبة على حبر الأمة خطتها أقلام مستأجرة من زباين الأمويين، هذا ما نعاتبه عليه، وأما هو فلماذا ذكر ؟ ولماذا أهمل ؟ فلنطو عنه كشحا. ويشبه هذا الاهمال أو يزيد عليه إهمال خطبة الغدير في جمهرة خطب العرب،
[32]
ولها وليومها المشهود أهمية كبرى في تاريخ الاسلام وقد أثبتتها المصادر الوثيقة بأسانيد تربو على حد التواتر وقفت عليها في الجزء الأول من كتابنا، هب أن تمام الخطبة لم يثبت عنده في كتب يعول عليها إلا أن المقدار الذي أصفق عليه الفريقان، وأنهوا إليه أسانيدهم لا مفر له عن إثباته، لكن الكاتب يعلم أنه لماذا ترك، ونحن أيضا لم يفتنا عرفانه، لكن نضرب عن البيان صفحا. * (ويروى لأمير المؤمنين عليه السلام) * ما أخرجه الإمام علي بن أحمد الواحدي عن أبي هريرة قال: اجتمع عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، والفضل بن عباس، وعمار، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، و عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فجلسوا وأخذوا في مناقبهم فدخل عليهم علي
عليه السلام فسألهم: فيم أنتم ؟ قالوا: نتذاكر مناقبنا مما سمعنا من رسول الله فقال علي: إسمعوا مني. ثم أنشأ يقول: لقد علم الأناس بأن سهمي * من الاسلام يفضل كل سهم وأحمد النبي أخي وصهري * عليه الله صلى وابن عمي وإني قائد للناس طرا * إلى الاسلام من عرب وعجم وقاتل كل صنديد رئيس * وجبار من الكفار ضخم وفي القرآن ألزمهم ولائي * وأوجب طاعتي فرضا بعزم كما هارون من موسى أخوه * كذا أنا أخوه وذاك إسمي لذاك أقامني لهم إماما * وأخبرهم به بغدير خم فمن منكم يعادلني بسهمي * وإسلامي وسابقتي ورحمي ؟ فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي وويل ثم ويل ثم ويل * لجاحد طاعتي ومريد هضمي وويل للذي يشقي سفاها * يريد عداوتي من غير جرمي وذكره عن الواحدي القاضي الميبذي الشافعي في شرح الديوان المنسوب إلى
[33]
أمير المؤمنين ص 405 - 407، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 68. * (الشاعر) * أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين، وأول القوم إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأعظمهم مزية، وأقومهم بأمر الله، وأعلمهم بالقضية، وراية الهدى، ومنار الإيمان، وباب الحكمة، والممسوس في ذات الله، خليفة النبي الأقدس (1) صلى الله عليهما وآلهما * (علي بن أبي طالب) * الهاشمي الطاهر، وليد الكعبة المشرفة، ومطهرها من كل صنم ووثن، الشهيد في البيت الإلهي (جامع الكوفة)
في محرابه حال صلاته سنة 40، وقد إتصل هاهنا المنتهى بالمبدأ، فوليد البيت فاض شهيدا في بيت هو من أعظم بيوت الله، وبين الحدين لم تزل عرى حياته متواصلة بالمبدأ الأعلى سبحانه.
(1) كل من هذه الجمل الخمس عشر كلمة قدسية نبوية أخرجها الحفاظ، راجع مسند أحمد 1 ص 331، و ج 5 ص 182، 189، حلية الأولياء 1 ص 62 - 68.
[34]
2 حسان بن ثابت يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا فقال: فمن مولاكم ونبيكم ؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا: إلهك مولانا وأنت نبينا * ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له: قم يا علي ؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أتباع صدق مواليا هناك دعا اللهم ؟ وال وليه * وكن للذي عادا عليا معاديا * (ما يتبع الشعر) * هذا أول ما عرف من الشعر القصصي في رواية هذا النبأ العظيم، وقد ألقاء في ذاك المحتشد الرهيب، الحافل بمائة ألف أو يزيدون، وفيهم البلغاء، ومداره الخطابة، و صاغة القريض، ومشيخة قريش العارفون بلحن القول، ومعارض الكلام، بمسمع من أفصح من نطق بالضاد (النبي الأعظم) وقد أقره النبي صلى الله عليه وآله على ما فهمه من مغزى كلامه، وقرظه بقوله: لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (1) وأقدم كتاب سيق إلى رواية هذا الشعر هو كتاب سليم بن قيس الهلالي التابعي الصدوق الثبت المعول عليه عند علماء الفريقين (كما مر في ج 1 ص 195) فرواه بلفظ يقرب مما يأتي عن كتاب " علم اليقين " للمحقق الفيض الكاشاني، وتبعه على روايته لفيف من
علماء الاسلام لا يستهان بعدتهم فرواه من الحفاظ: 1 - الحافظ أبو عبد الله المرزباني محمد بن عمران الخراساني المتوفى 378 (2) أخرج في (مرقاة الشعر) عن محمد بن الحسين عن حفص عن محمد بن هارون عن قاسم بن الحسن
هذا من أعلام النبوة ومن مغيبات رسول الله، فقد علم أنه سوف ينحرف عن إمام الهدى صلوات الله عليه في أخريات أيامه، فعلق دعائه على ظرف استمراره في نصرتهم. (2) لنا في مذهب الرجل نظر.
[35]
عن يحيى بن عبد الحميد عن قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان من غدير خم أمر رسول الله مناديا فنادى الصلاة جامعة فأخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاداه. فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله أقول في علي شعرا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إفعل، فقال: يناديهم يوم الغدير نبيهم الأبيات 2 - الحافظ الخركوشي أبو سعد المتوفى 406 (المترجم 1 ص 108) أخرجه في كتابه (شرف المصطفى). 3 - الحافظ ابن مردويه الاصبهاني المتوفى 410 (المترجم 1 ص 108) أخرجه بإسناده عن أبي سعيد الخدري حديث الغدير كما مر ج 1 ص 231 وفيه: فقال حسان ابن ثابت: يا رسول الله ؟ أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال: قل على بركة الله فقال: يناديهم يوم الغدير نبيهم الأبيات ورواه عن ابن عباس بلفظ مر ج 1 ص 217. 4 - الحافظ أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 430 (المترجم 1 ص 109) أخرجه في كتابه - ما نزل من القرآن في علي - بالسند والمتن الذين أسلفناهما ج 1 ص 232
وفيه: فقال حسان: إئذن لي يا رسول الله ؟ أن أقول في علي أبياتا تسمعهن. فقال: قل على بركة الله. فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش ؟ أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية. إلخ... 5 - الحافظ أبو سعيد السجستاني المتوفى 477 (المترجم 1 ص 112) أخرجه في - كتاب الولاية - بسند ولفظ مر 1 ج 1 ص 233. 6 - أخطب الخطباء الخوارزمي المالكي المتوفى 568، تأتي ترجمته في شعراء القرن السادس، رواه في - مقتل الإمام السبط الشهيد - و " المناقب " ص 80 بسند ولفظ ذكر في ج 1 ص 234. 7 - الحافظ أبو الفتح النطنزي (المترجم 1 ص 115) رواه في - الخصايص العلوية على ساير البرية - عن الحسن بن أحمد المهري، عن أحمد بن عبد الله بن أحمد،
[36]
عن محمد بن أحمد بن علي، عن ابن أبي شيبة محمد بن عثمان، عن الحماني عن ابن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري بلفظ أبي نعيم الاصبهاني، وذكر من الأبيات أربعة من أولها. 8 - أبو المظفر سبط الحافظ ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 (المترجم 1 ص 120) رواه في - تذكرة خواص الأمة - ص 20. 9 - صدر الحفاظ الكنجي الشافعي المتوفى 658 (المذكور ج 1 ص 120) ذكره في " كفاية الطالب " ص 17 بلفظ أبي نعيم المذكور. 10 - شيخ الاسلام صدر الدين الحموي المتوفى 722 (المترجم ج 1 ص 123) رواه في - فرايد السمطين - في الباب الثاني عشر عن الشيخ تاج الدين أبي طالب علي ابن الحب بن عثمان الخازن، عن برهان الدين ناصر ابن أبي المكارم المطرزي، عن أخطب خوارزم بسنده ولفظه المذكورين.
م 11 - الحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي شمس الدين الحنفي المتوفى بضع و 750 " المترجم ا: 125 " أخرجه في كتابه: نظم درر السمطين]. 12 - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 (المترجم 1 ص 133) ذكره في رسالته - الازدهار فيما عقده الشعراء من الأشعار - نقلا عن تذكرة الشيخ تاج الدين ابن مكتوم الحنفي المتوفى 749. * (ورواه من أعلام الإمامية) * 1 - أبو عبد الله محمد بن أحمد المفجع المتوفى 227، (1) رواه في شرح قصيدته المعروفة بالأشباه عن عبد الله بن محمد بن عايشة القرشي عن المبارك عن عبد الله ابن أبي سلمان عن عطا عن جابر بن عبد الله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بغدير خم، ونصب بدوحات، وكان يوم حار وإن أحدنا ليستظل بثوبه، ويبل خرقة فيضعها على رأسه من شدة الحر فقام عليه السلام فقال: أيها الناس ؟ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي أمهاتهم ؟ قلنا: بلى يا رسول الله ؟ فأخذ بيد علي
(1) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتي هناك شعره وترجمته.
[37]
فرفعها ثم قال: اشهدوا من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاداه. يقولها ثلاثا. فقال عمر: هنيئا لك يا أبا الحسن ؟ أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فقام رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله ؟ أتأذن لي في إنشاء أبيات في علي ؟ فقال عليه السلام: قل يا حسان ؟ فقال: يناديهم يوم الغدير نبيهم * الأبيات إلى آخرها 2 - أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم بن يزيد الطبري رواه في (المسترشد) بإسناده عن يحيى الحماني عن قيس عن العبدي عن أبي سعيد بلفظ الحافظ أبي نعيم الاصبهاني المذكور إلا أن البيت الثالث فيه:
إلهك مولانا وأنت ولينا * ولا تجدن منا لك اليوم عاصيا 3 - شيخنا أبو جعفر الصدوق محمد بن بابويه القمي المتوفى 381، رواه في " الأمالي " ص 343 بالسند والمتن المذكورين عن الحافظ المرزباني. 4 - الشريف الرضي المتوفى 406 صاحب نهج البلاغة (1) في خصايص الأئمة 5 - معلم الأمة شيخنا المفيد المتوفى 413، رواه في " الفصول المختارة " 1 ص 87 وقال: ومما يشهد بقول الشيعة في معنى المولى وأن النبي أراد به يوم الغدير الإمامة قول حسان بن ثابت على ما جاء به الأثر: أن رسول الله لما نصب عليا يوم الغدير للناس علما وقال فيه ما قال، استأذنه حسان بن ثابت في أن يقول شعرا فأنشأ يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم الأبيات فلما فرغ من هذا القول قال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك، فلولا أن النبي صلى الله عليه وآله أراد بالمولى الإمامة لما أثنى على حسان بإخباره بذلك، ولأنكره عليه، ورده عنه. ورواه في رسالته في معنى المولى وقال بعد ذكره: شعر حسان مشهور في ذلك، وهو شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال له: لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهذا صريح في الاقرار بإمامته من جهة القول الكائن في
(1) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتي هناك شعره وترجمته.
[38]
يوم الغدير من رسول الله له، لا يمكن تأويله، ولا يسوغ صرفه إلى غير حقيقته. ورواه في تأليفه - النصرة لسيد العترة في حرب البصرة - وفي كتابه " الارشاد " ص 31، 64 بلفظ يقرب من رواية الحافظ أبي نعيم الاصبهاني المذكور. 6 - الشريف المرتضى علم الهدى المتوفى 436، في شرح بائية السيد الحميري.
7 - أبو الفتح الكراجكي المتوفى 449 في " كنز الفوائد " ص 123 وقال ما ملخصه: إن شعر حسان هذا قد صارت به الركبان وقد تضمن الاقرار لأمير - المؤمنين عليه السلام بالإمامة، والرياسة على الأنام لما مدحه بذلك يوم الغدير بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله على رؤس الاشهاد فصوبه النبي في مقاله، وقال له: لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا ما نصرتنا بلسانك. 8 - الشيخ عبيد الله بن عبد الله السدابادي رواه في " المقنع " في الإمامة. 9 - شيخ الطايفة أبو جعفر الطوسي المتوفى 460 في تلخيص الشافي. 10 - المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الخزاعي الرازي من مشايخ ابن شهر آشوب المتوفى 588، رواه في تفسيره 2 ص 192 بلفظ يقرب من لفظ الحافظ أبي نعيم وزاد فيه: (1) فخص بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المواخيا 11 - شيخنا الفتال أبو علي الشهيد المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 37، رواه في " روضة الواعظين " ص 90. 12 - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، رواه في " إعلام الورى " ص 81. 13 - ابن شهر آشوب السروي المتوفى 588، في " المناقب " 3 ص 35. 14 - أبو زكريا يحيى بن الحسن الحلي الشهير بابن بطريق، رواه في " الخصايص " ص 37 من طريق الحافظ أبي نعيم الاصبهاني. 15 - السيد هبة الدين رواه في كتابه (المجموع الرائق) المخطوط. 16 - رضي الدين سيدنا علي بن طاووس المتوفى 664 في " الطريف " ص 35. 17 - بهاء الدين أبو الحسن الأربلي المتوفى 692 / 3 في " كشف الغمة " ص 94.
(1) ستقف على أن هذه الزيادة في محلها من شعر حسان.
[39]
18 - عماد الدين الحسن الطبري في " الكامل البهائي " ص 152 و 217. 19 - الشيخ يوسف بن أبي حاتم الشامي في موضعين من كتابه (الدر النظيم) 20 - الشيخ علي البياضي العاملي في كتابه " الصراط المستقيم " 21 - القاضي نور الله المرعشي الشهيد سنة 1019، المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 171 ذكره في " مجالس المؤمنين " ص 21. 22 - مولانا المحقق المحسن الكاشاني المتوفى 1019 في " علم اليقين " ص 142 نقلا عن - التهاب نيران الأحزان - بلفظ يقرب من لفظ سليم بن قيس الهلالي التابعي في كتابه وهو: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا وقد جاءه جبريل عن أمر ربه * بأنك معصوم فلا تك وانيا وبلغهم ما أنزل الله ربهم إليك * ولا تخش هناك الأعاديا فقام به إذ ذاك رافع كفه * بكف علي معلن الصوت عاليا فقال: فمن مولاكم ووليكم ؟ فقال ولم يبدوا هناك تعاميا: إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا فقال له: قم يا علي ؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم ؟ وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فيا رب ؟ انصر ناصريه لنصرهم * إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا 23 - الشيخ إبراهيم القطيفي، في " الفرقة الناجية " بلفظ الكاشاني. 24 - السيد هاشم البحراني المتوفى 1107، في " غاية المرام " ص 87. 25 - العلامة المجلسي المتوفى 1111 في " بحار الأنوار " 9 ص 234، 259. 26 - شيخنا البحراني صاحب " الحدايق " المتوفى 1186، في " كشكوله "
2 ص 18. وهناك جمع آخرون رووا هذا الحديث وفي المذكورين كفاية.
[40]
* (لفت نظر) * والذي يظهر للباحث أن حسانا أكمل هذا الأبيات قصيدة ضمنها نبذا من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام فكل أخذ منها شطرا يناسب موضوعه، وذكر الحافظ ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن فضل، قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن جميع بن عمير، عن عبد الله بن عمر، وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في كفايته (ط نجف) ص 38، و (ط مصر) ص 16، و (ط ايران) 21، وابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة ص 22 وغيرهم منها قوله: وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا فقال: سأعطي الراية اليوم ضاربا * كميا محبا للرسول مواليا يحب إلهي والإله يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فخص بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المواخيا (1) هذه الأبيات إشارة إلى حديث صحيح متواتر أخرجه أئمة الحديث بأسانيد رجال جلها كلهم ثقات أنهوها إلى: بريدة بن الخصيب عبد الله بن عمر عبد الله بن العباس عمران بن حصين أبي سعيد الخدري أبي ليلى الأنصاري سهل الساعدي أبي هريرة الدوسي سعد بن أبي وقاص البراء بن عازب سلمة بن الأكوع. فأخرجه البخاري في صحيحه 4 ص 323 عن سهل، وج 5 ص 269 عنه، و 270 عن سلمة، و ج 6 ص 191 عن سلمه وسهل، وأخرجه مسلم في صحيحه 2 ص 324،
والترمذي في صحيحه 2 ص 300 وصححه، وأحمد بن حنبل في مسنده 1 ص 99، و ج 5 ص 353، 358 وغيرها، وابن سعد في طبقاته 3 ص 158، وابن هشام في سيرته 3 ص 386، والطبري في تاريخه 2 ص 93، والنسائي في خصايصه 4 - 8، 16، 33، والحاكم في المستدرك 3 ص 190، 116 وقال: هذا حديث دخل في حد
(1) ورواه شيخنا الطبري في " المسترشد " رواية عن الحافظ ابن أبي شيبة المذكور، و أبو علي الفتال في " روضة الواعظين " وغيرهما.
[41]
التواتر، والخطيب في تاريخه 7 ص 387، وأبو نعيم الاصبهاني في الحلية 1 ص 62، بعدة طرق وصحح بعضها، و ج 4 ص 356، وابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 363 في ترجمة عامر، والحموي (1) في فرايده وقال: قال الإمام محيي السنة: هذا حديث صحيح متفق على صحته، ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص 187، واليافعي في مرآة الجنان 1 ص 109 وصححه، والقاضي الأيجي في المواقف 3 ص 10، 12، وهناك آخرون رووا هذه الأثارة وصححوها لو نذكرهم بأجمعهم لجاء منه كتاب مفرد، ونحن نقتصر من المتون على لفظ البخاري ألا وهو: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال فبات الناس يدوكون (2) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل: هو يا رسول الله ؟ يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله في عينيه ودعا له فبرأ حتى لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله ؟ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لإن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وفي لفظه الآخر: ففتح الله عليه.
* (ديوان حسان) * إن لحسان في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مدايح جمة غير ما سبقت الإشارة إليه، وسنوقفك على ما التقطناه من ذلك، فمن هذه الناحية نعرف أن يد الأمانة لم تقبض عليها يوم مدت إلى ديوانه، فحرفت الكلم عن مواضعها، ولعبت بديوان حسان كما لعبت بغيره من الدواوين والكتب والمعاجم التي أسقطت منها مدايح أهل
(1) بفتح المهملة ثم الميم المضمومة المشددة نسبة إلى جده حمويه، ونحن تبعا على المؤلفين ذكرناه في المجلد الأول (الحمويني) وقد أوقفنا السير على كلام ابن الأثير من أن رجال هذه الأسرة يكتبون لأنفسهم (الحموي) وضبطه على ما ذكر فعدلنا عما كنا عليه. (2) أي يخوضون. يقال: الناس في دوكة. أي: في اختلاط وخوض. وأصله من الدوك. وهو: الحق. وفي كثير من الكتب: يذكرون. وهو: تصحيف.
[42]
البيت عليهم السلام وفضايلهم، والذكريات الحميدة لاتباعهم كديوان الفرزدق الذي أسقطوا منها ميميته المشهورة في مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام مع إشارة الناشر إليها في مقدمة شرح ديوانه، وقد طفحت بذكرها الكتب والمعاجم، وكديوان كميت فإنه حرفت منه أبيات كما زيدت عليه أخرى، وكديوان أمير الشعراء أبي فراس، وكديوان كشاجم الذي زحزحوا عنه كمية مهمة من مراثي سيدنا الإمام السبط الشهيد سلام الله عليه، وكتاب " المعارف " لابن قتيبة الذي زيد فيه ما شاءه الهوى للمحرف و نقص منه ما يلائم خطته، بشهادة الكتب الناقلة عنه من بعده كما مر بعض ما ذكر في محله من هذا الكتاب ويأتي بعضه، إلى غير هذه من الكتب الذي عاثوا فيها لدى النشر، أو حرفوها عند النقل، ونحن نحيل تفصيل ذلك إلى مظانه من مواقع المناسبة لئلا نخرج عن وضع الكتاب، فلنعد الآن إلى ما شذ من شعر حسان عن ديوانه، وأثبتته له المصادر الوثيقة كنفس يائيته السابقة فمن ذلك:
في تاريخ اليعقوبي 2 ص 107، وشرح ابن أبي الحديد 3 ص 14 وغيرهما: صعد أبو بكر المنبر عند ولايته الأمر فجلس دون مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله بمرقاة ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، لا أقول إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملا، وأثنى على الأنصار خيرا وقال: أنا وإياكم معشر الأنصار كما قال القائل: جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فولت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقي الذي يلقون منا لملت فاعتزلت الأنصار عن أبي بكر فغضبت قريش وأحفظها ذلك فتكلم خطباؤها وقدم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار، ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج علي مغضبا حتى دخل المسجد فذكر الأنصار بخير ورد على عمرو بن العاص قوله، فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت: ما نبالي بقول من قال مع حسن قول علي، واجتمعت إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب الفضل، فقال: إن عارضته بغير قوافيه فضحني فقالوا (1):
(1) في شرح ابن أبي الحديد: فقال له خزيمة بن ثابت: أذكر عليا وآله يكفيك عن كل شيئ.
[43]
فاذكر عليا فقط، فقال: جزى الله خيرا والجزاء بكفه * أبا حسن عنا ومن كأبي حسن ؟ سبقت قريشا بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن (1) تمنت رجال من قريش أعزة * مكانك هيهات الهزال من السمن وأنت من الاسلام في كل منزل * بمنزلة الطرف البطين من الرسن غضبت لنا إذ قال عمرو بخصلة * أمات بها التقوى وأحيى بها الإحن وكنت المرجى من لوي بن غالب * لما كان منه والذي بعد لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده * إليك ومن أولى به منك من ومن ؟ ألست أخاه في الهدى ووصيه * وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن ؟ فحقك ما دامت بنجد وشيجة * عظيم علينا ثم بعد على اليمن * (قوله) *: فصدرك مشروح. إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للاسلام، فإنها نزلت في علي وحمزة. رواه الحافظ محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 207 عن الحافظين الواحد وأبي الفرج، وفي ذخاير العقبى ص 88. * (قوله) *: وقلبك ممتحن. أشار به إلى النبوي الوارد في أمير المؤمنين: إنه امتحن الله قلبه بالإيمان (2) أخرجه من الحفاظ والعلماء منهم: النسائي في خصايصه ص 11، والترمذي في الصحيح 2 ص 298، والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص 133، م - والبيهقي في المحاسن والمساوي 1 ص 29] ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص 191، وذخاير العقبي ص 76 وقال: أخرجه الترمذي وصححه، والكنجي في الكفاية ص 34، وقال: هذا حديث عال حسن صحيح، والحموي في فرايده في الباب ال 33، والسيوطي في جمع الجوامع بعدة طرق كما في كنز العمال 6 ص 393 و 396، والبدخشي في نزل الأبرار ص 11 وغيرهم. * (قوله) *: ألست أخاه في الهدى ووصيه. أوعز به إلى حديثي الاخاء والوصية وهما من الشهرة والتواتر بمكان عظيم يجدهما الباحث في جل مسانيد الحفاظ والأعلام.
(1) هذان البيتان ذكرهما لحسان شيخ الطايفة المفيد كما في (الفصول) 2 ص 61 و 67. (2) كذا في لفظ الخطيب، وفي بعض المصادر: على الإيمان. وفي بعضها: للإيمان.
[44]
* (قوله) *: وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن. أراد به ما ورد في علم علي أمير المؤمنين بالكتاب والسنة. أخرج الحفاظ عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث فاطمة سلام الله عليها: زوجتك خير أهلي أعلمهم علما، وأفضلهم حلما، وأولهم إسلاما.
وفي حديث آخر: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب. وفي ثالث: أعلم الناس بالله وبالناس. وفي حديث: يا علي لك سبع خصال وعد منها: وأعلمهم بالقضية (1) وأخرج محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 193، والذخاير ص 78، وابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة) 3 ص 40 عن عايشة: إنه أعلم الناس بالسنة. وفي كفاية الكنجي ص 190 عن أبي أمامة عنه صلى الله عليه وآله: أعلم أمتي بالسنة والقضاء بعدي علي ابن أبي طالب. وأخرج الخوارزمي في المناقب ص 49، وشيخ الاسلام الحموي في فرايده في الباب الثامن عشر بإسناده عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب. وأخرج الحفاظ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (2) و عن النبي صلى الله عليه وآله قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا أحدا (3) وقال السيد أحمد زيني دحلان في " الفتوحات الإسلامية " 2 ص 337: كان علي رضي الله عنه أعطاه الله علما كثيرا وكشفا غزيرا قال أبو الطفيل: شهدت عليا يخطب و هو يقول: سلوني (4) من كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل، ولو شئت أوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب، وقال
(1) حلية الأولياء 1 ص 66، كنز العمال 6 ص 153، 156، 398. (2) حلية الأولياء 1 ص 28، كفاية الكنجي ص 90، كنز العمال 6 ص 396، إسعاف الراغبين ص 162. (3) حلية الأولياء 1 ص 65. (4) في الإصابة 2 ص 509: سلوني سلوني سلوني عن كتاب الله. الحديث (*)
[45]
ابن عباس رضي الله عنه: علم رسول الله من علم الله تبارك وتعالى، وعلم علي رضي الله عنه من علم النبي صلى الله عليه وآله وعلمي من علم علي رضي الله عنه، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله في علم علي رضي الله عنه إلا كقطرة في سبعة أبحر، ويقال: إن عبد الله بن عباس أكثر البكاء على علي رضي الله عنه حتى ذهب بصره، وقال ابن عباس أيضا، لقد اعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر، وكان معاوية رضي الله عنه يسأله ويكتب له فيما ينزل به فلما توفي علي رضي الله عنه قال معاوية: لقد ذهب الفقه والعلم بموت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن (1)، وسئل عطاء أكان في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد أعلم من علي ؟ قال: لا والله ما أعلمه. إنتهى. وعن عبد الله ابن مسعود: إن القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، و إن عليا عنده علم الظاهر والباطن (2) وهناك نظير هذه الأحاديث والكلمات حول علم أمير المؤمنين بالكتاب والسنة كثير جدا لو جمعته يد التأليف لجاء كتابا ضخما. * (ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) * ذكر له أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 115، والكنجي الشافعي في كفايته ص 55، وابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 10 وقال: فشت هذه الأبيات من قول حسان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان: أنزل الله والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرانا فتبوأ الوليد من ذاك فسقا * وعلي مبوأ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف الله * كمن كان فاسقا خوانا فعلي يلقى لدى الله عزا * ووليد يلقى هناك هوانا
سوف يجزى الوليد خزيا ونارا * وعلي لا شك يجزى جنانا
(1) أخرجه كثير من الحفاظ وأئمة الحديث. (2) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 ص 65.
[46]
ورواها له ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص 103 وفيه بعد البيت الثالث: سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلي إلى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا * ووليد يجزى بذاك هوانا (1) رب جد لعقبة بن أبان * لابس في بلادنا تبانا (2) وذكرها له نقلا عن شرح النهج الأستاذ أحمد زكي صفوت في " جمهرة الخطب " 2 ص 23. أشار بهذه الأبيات إلى قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون. ونزوله في علي عليه السلام والوليد بن عقبة بن أبي معيط فيما شجر بينهما، أخرج الطبري في تفسيره 21 ص 62 بإسناده عن عطاء بن يسار قال: كان بين الوليد وعلي كلام فقال الوليد: أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأرد منك للكتيبة فقال علي: اسكت فإنك فاسق. فأنزل الله فيهما: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا. الآية. وفي الأغاني 4 ص 185، وتفسير الخازن 3 ص 470: كان بين علي والوليد تنازع وكلام في شيئ فقال الوليد لعلي: اسكت فإنك صبي وأنا شيخ، والله إني أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق. فأنزل الله هذه الآية. وأخرجه م - الواحدي بإسناده من طريق ابن عباس في " أسباب النزول " ص
263، و] محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 206 عن ابن عباس وقتادة من طريق الحافظين السلفي والواحدي، وفي ذخاير العقبى ص 88، والخوارزمي في المناقب ص 188، والكنجي في الكفاية ص 55، والنيسابوري في تفسيره، وابن كثير في تفسيره 3 ص 462 قال: ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما: إنها نزلت في علي بن أبي طالب
(1) في التذكرة: هناك. بدل " بذاك " في الموضعين. (2) أبان: هو أبو معيط جد الوليد. والتبان: سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة فقط كان يخص بالملاحين.
[47]
وعقبة (فيه تصحيف لا يخفى)، ورواه جمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين ". وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 ص 394، ج 2 ص 103 وحكى عن شيخه: إنه من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به وإطباق الناس عليه. وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 ص 178 وقال: أخرج أبو الفرج في الأغاني، والواحدي، وابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، من طرق عن ابن عباس، وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطا بن يسار، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه مثله، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه، وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس. م - وذكره الحلبي في السيرة 2 ص 85]. * (ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) * ذكر له أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 10: من ذا بخاتمه تصدق راكعا * وأسرها في نفسه إسرارا من كان بات على فراش محمد * ومحمد أسرى يؤم الغارا من كان في القرآن سمي مؤمنا * في تسع آيات تلين غزارا (1)
في البيت الأول إيعاز إلى مأثرة تصدقه صلوات الله عليه خاتمه للسائل راكعا وفيها نزل قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا. الآية. وسنوقفك على بيانها في شرح البيت الثالث إنشاء الله تعالى. وبثاني الأبيات أشار إلى حديث أصفقت الأمة عليه من أن عليا عليه السلام لبس برد النبي صلى الله عليه وآله الحضرمي الأخضر ونام على فراشه ليلة هرب النبي من المشركين إلى الغار وفداه بنفسه ونزلت فيه: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله (سورة البقرة 207). قال أبو جعفر الاسكافي كما في شرح البلاغة لابن أبي الحديد 3 ص 270: حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة، وقد
(1) وذكرها الكنجي في الكفاية ص 123 ونسبها إلى بعضهم وفيه: في تسع آيات جعلن كبارا.
[48]
روى المفسرون كلهم: إن قول الله تعالى: ومن الناس من يشري. الآية. نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش. وروى الثعلبي في تفسيره: إن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة إلى المدينة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودايع التي كانت عنده، وأمر ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه وقال له: اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إنشاء الله تعالى ففعل ذلك علي عليه السلام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه. فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي:
بخ بخ من مثلك يا علي ؟ يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة. فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. وقال ابن عباس: نزلت الآية في علي حين هرب - رسول الله - من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ونام على فراش النبي. وحديث الثعلبي هذا رواه بطوله الغزالي في " إحياء العلوم " 3 ص 238، و الكنجي في " كفاية الطالب " ص 114، والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 209 نقلا عن الحافظ النسفي. ورواه ابن الصباغ المالكي في فصوله ص 33، وسبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 21، والشبلنجي في نور الأبصار ص 86، و في المصادر الثلاثة الأخيرة: قال ابن عباس: أنشدني أمير المؤمنين شعرا قاله في تلك الليلة: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا * وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت أراعي منهم ما يسوءني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله في الغار آمنا * وما زال في حفظ الإله وفي الستر (1) ويوجد حديث ليلة المبيت في مسند أحمد 1 ص 348، تاريخ الطبري 2 - ص 99 - 101، الطبقات لابن سعد 1 ص 212، تاريخ اليعقوبي 2 ص 529 سيرة ابن هشام 2 * (1) وتوجد هذه الأبيات في مناقب الخوارزمي مع زيادة بيت.
[49]
ص 291، العقد الفريد 3 ص 290، تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 191، تاريخ ابن الأثير 2 ص 42، تاريخ أبي الفدا، 1 ص 126، مناقب الخوازمي ص 75، الامتاع للمقريزي ص 39، تاريخ ابن كثير 7 ص 338، السيرة الحلبية 2 ص 29. ويوجد الايعاز إلى هذه المأثرة في حديث صحيح عن ابن عباس أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات راجع ما مر ج 1 ص 50 و 51، وهي مروية في حديث عن الإمام السبط الحسن وقال: بات أمير المؤمنين يحرس رسول الله صلى الله عليه وآله
المشركين وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتى أنزل الله فيه: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله (1) * (البيت الثالث) * أشار به إلى الآيات التسع النازلة في أمير المؤمنين التي سمي فيها مؤمنا، ونحن وقفنا من تلك على عشر (2) آيات ولم نعرف خصوص التسع المراد لحسان في قوله، م - وقال معاوية بن صعصعة في قصيدة له ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 31: ومن نزلت فيه ثلاثون آية * تسميه فيها مؤمنا مخلصا فردا سوى موجبات جئن فيه وغيرها * بها أوجب الله الولاية والودا] والآيات: 1 - أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " سورة السجدة 18 " مر الايعاز إلى حديث نزولها في علي عليه السلام ص 46 من هذا الجزء. 2 - هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " سورة الأنفال 62 " أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه قال: أخبرنا أبو الحسن علي ابن مسلم الشافعي، أخبرنا أبو القاسم بن العلا، وأبو بكر محمد بن عمر بن سليمان العريني
(تذكرة السبط ص 115، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 103، جمهرة الخطب 2 ص 12. 2 - وكذا قال الإمام الحسن السبط الزكي في حديث: سمي أبي مؤمنا في عشر آيات.
[50]
النصيبي، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهري، حدثنا عباس بن بكار، حدثنا خالد بن أبي عمر الأسدي، عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحدي لا شريك لي، و
محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي، وذلك قوله عز وجل في كتابه الكريم: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين علي وحده. ورواه بإسناده الكنجي الشافعي في كفايته ص 110 ثم قال: قلت: ذكره ابن جرير في تفسير (1) وابن عساكر في تاريخه في ترجمة علي عليه السلام. ورواه الحافظ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور 3 ص 199 نقلا عن ابن عساكر، والقندوزي في ينابيعه ص 94 نقلا عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن أبي هريرة، ومن طريق أبي صالح عن ابن عباس. وصدر الحديث أخرجه جمع من الحفاظ منهم: الخطيب البغدادي في تاريخه 11 ص 173 بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي، نصرته بعلي. ومحب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص 172 عن أبي الحمراء من طريق الملأ في سيرته، وفي ذخاير العقبى ص 69، والخوارزمي في المناقب ص 254، والحموي في فرايده في الباب السادس والأربعين من طريقين بلفظ: لما أسري بي إلى السماء رأيت في ساق العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله صفوتي من خلقي، أيدته بعلي ونصرته به. وبإسناد آخر عن أبي الحمراء خادم النبي صلى الله عليه وآله بلفظ: ليلة أسري بي رأيت على ساق العرش الأيمن مكتوبا: أنا الله وحدي لا إله غيري، غرست جنة عدن بيدي لمحمد صفوتي أيدته بعلي. وبهذا اللفظ رواه الحافظ السيوطي كما في كنز العمال 6 ص 158 من غير طريق عن أبي الحمراء. ومن طريق آخر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله: مكتوب في باب الجنة قبل أن يخلق الله السموات والأرض بألفي سنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي. م - وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع 9 ص 121 من طريق الطبراني عن أبي الحمراء، والسيوطي في الخصايص
(1) لم نجد هذا الحديث في تفسير الطبري تحت هذه الآية. (*)
[51]
الكبرى 1: 7 نقلا عن ابن عدي وابن عساكر من طريق أنس]. وروى السيد الهمداني في " مودة القربى " في المودة الثامنة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني رأيت اسمك مقرونا باسمي في أربعة مواطن: فلما بلغت البيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرة بها: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي وزيره. ولما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت عليها: إني أنا الله لا آله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي أيدته بعلي وزيره ونصرته به. ولما انتهيت إلى عرش رب العالمين فوجدت مكتوبا على قوائمه: إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد حبيبي من خلقي، أيدته بعلي وزيره ونصرته به، فلما وصلت الجنة وجدت مكتوبا على باب الجنة: لا إله إلا أنا، ومحمد حبيبي من خلقي أيدته بعلي وزيره ونصرته به. 3 - يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " سورة الأنفال 64 " أخرج الحافظ أبو نعيم في فضايل الصحابة بإسناده: إنها نزلت في علي، وهو المعني بقوله: المؤمنين. 4 - من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " الأحزاب 23 " أخرج الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص 188، وصدر الحفاظ الكنجي في " الكفاية " ص 122 نقلا عن ابن جرير وغيره من المفسرين أنه نزل قوله: فمنهم من قضى نحبه في حمزة وأصحابه كانوا عاهدوا الله تعالى لا يولون الادبار فجاهدوا مقبلين حتى قتلوا، ومنهم من ينتظر علي بن أبي طالب مضى على الجهاد ولم يبدل و لم يغير الآثار.
وفي الصواعق لابن حجر ص 80: سئل (علي) وهو على المنبر بالكوفة عن قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. الآية. فقال: أللهم غفرا هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي ابن عمي عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، فأما عبيدة فقضى نحبه شهيدا يوم بدر، وحمزة قضى نحبه شهيدا يوم أحد، وأما أنا
[52]
فانتظر أشقاها يخضب هذه من هذه - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهد عهده إلي حبيبي أبو القاسم صلى الله عليه وآله. 5 - إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " سورة المائدة 55 " أخرج أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي ذر الغفاري قال: أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما من الأيام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل يديه إلى السماء وقال. أللهم ؟ اشهد أني سألت في مسجد نبيك محمد صلى الله عليه وآله فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي رضي الله عنه في الصلاة راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وفيه خاتم فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، وذلك بمرأى من النبي صلى الله عليه وآله وهو في المسجد فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إلى السماء وقال: أللهم ؟ إن أخي موسى سألك فقال: رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، أشدد به أرزي، و أشركه في أمري، فأنزلت عليه قرآنا: سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما. أللهم ؟ وإني محمد نبيك وصفيك أللهم ؟ واشرح لي صدري و يسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر رضي الله عنه: فما استتم دعاءه حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله عز وجل وقال: يا محمد ؟ إقرأ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا. الآية.
أخرج هذه الأثارة ونزول الآية فيها جمع كثير من أئمة التفسير والحديث منهم: الطبري في تفسيره 6 ص 165 من طريق ابن عباس، وعتبة بن أبي حكيم، ومجاهد. الواحدي في أسباب النزول ص 148 من طريقين. الرازي في تفسيره 3 ص 431 عن عطا عن عبد الله بن سلام وابن عباس وحديث أبي ذر المذكور. الخازن في تفسيره 1 ص 496. أبو البركات في تفسيره 1 ص 496. النيسابوري في تفسيره 3 ص 461. ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص 123 حديث الثعلبي المذكور. ابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 31 بلفظ أبي ذر المذكور. سبط ابن الجوزي في " التذكرة " ص 9 عن تفسير الثعلبي عن السدي وعتبة وغالب بن عبد الله. الكنجي
[53]
الشافعي في " الكفاية " ص 106 بإسناده عن أنس، وص 122 عن ابن عباس من طريق حافظ العراقين والخوارزمي وابن عساكر عن أبي نعيم والقاضي أبي المعالي. الخوارزمي في مناقبه ص 178 بطريقين. الحموي في فرايده في الباب الرابع عشر من طريق الواحدي، وفي التاسع والثلاثين عن أنس، ومن طرق أخرى عن ابن عباس، وفي الباب الأربعين عن ابن عباس وعمار بن ياسر. القاضي عضد الأيجي في " المواقف " 3 ص 276. محب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص 227 عن عبد الله بن سلام من طريق الواحدي وأبي الفرج والفضايلي، وص 206، وفي الذخاير ص 102 من طريق الواقدي وابن الجوزي. ابن كثير الشامي في تفسيره 2 ص 71 بطريق عن أمير المؤمنين، ومن طريق ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل، وعن ابن جرير الطبري بإسناده عن مجاهد والسدي، وعن الحافظ عبد الرزاق بإسناده عن ابن عباس، وبطريق الحافظ ابن مردويه بالإسناد عن سفيان الثوري عن ابن عباس، ومن طريق الكلبي عن ابن عباس فقال: هذا إسناد لا يقدح به، وعن الحافظ ابن مردويه بلفظ أمير المؤمنين، وعمار، وأبي رافع. ابن كثير أيضا في [البداية والنهاية] 7 ص 357 عن الطبراني بإسناده عن أمير المؤمنين، ومن طريق
ابن عساكر عن سلمة بن كهيل. الحافظ السيوطي في " جمع الجوامع " كما في الكنز 6 ص 391 من طريق الخطيب في " المتفق " عن ابن عباس، وص 405 من طريق أبي الشيخ وابن مردويه عن أمير المؤمنين ابن حجر في " الصواعق " ص 25. الشبلنجي في " نور الأبصار " ص 77 حديث أبي ذر المذكور عن الثعالبي. الآلوسي في " روح المعاني " 2 ص 329 وغيرهم. ولحسان بن ثابت في هذه المأثرة شعر يأتي إنشاء الله تعالى. 6 - أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله (سورة التوبة 19) أخرج الطبري في تفسيره 10 ص 59 بإسناده عن أنس أنه قال: قعد العباس وشيبة (ابن عثمان) صاحب البيت يفتخران فقال له العباس: أنا أشرف منك أنا عم رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج. فقال شيبة: أنا أشرف منك أنا أمين الله على
[54]
بيته وخازنه أفلا ائتمنك كما ائتمنني. فهما على ذلك يتشاجران حتى أشرف عليهما علي فقال له العباس: إن شيبة فاخرني فزعم أنه أشرف مني فقال: فما قلت له يا عماه ؟ قال: قلت: أنا عم رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج أنا أشرف منك. فقال لشيبة: ماذا قلت أنت يا شيبة ؟ قال قلت: أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته و خازنه أفلا ائتمنك كما ائتمنني. قال فقال لهما: اجعلاني معكما فخرا، قال: نعم قال: فأنا أشرف منكما أنا أول من آمن بالوعيد من ذكور هذه الأمة وهاجر وجاهد. وانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي فأخبر كل واحد منهم بمفخره فما أجابهم النبي بشيئ فانصرفوا عنه، فنزل جبرئيل عليه السلام بالوحي بعد أيام فيهم، فأرسل النبي إليهم ثلاثتهم حتى أوتوه فقرأ عليهم: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن
بالله واليوم الآخر. الآية. حديث هذه المفاخرة ونزول الآية فيها أخرجه كثير من الحفاظ والعلماء مجملا ومفصلا منهم: الواحدي في أسباب النزول ص 182 نقلا عن الحسن والشعبي والقرظي] القرطبي في تفسيره 8 ص 91 عن السدي. الرازي في تفسيره 4 ص 422. الخازن في تفسير 2 ص 221 قال: وقال الشعبي ومحمد بن كعب القرظي: نزلت في علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن أبي شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه. وقال العباس: وأنا صاحب السقاية والقيام عليها. وقال علي: ما أدري ما تقولون، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله هذه الآية. ومنهم: أبو البركات النسفي في تفسير 2 ص 221. الحموي في " الفرايد " في الباب الواحد والأربعين بإسناده عن أنس. ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص 123 من طريق الواحدي عن الحسن والشعبي والقرظي م - جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي في نظم درر السمطين]. الكنجي في " الكفاية " ص 113 من طريق ابن جرير وابن عساكر عن أنس بلفظ المذكور. ابن كثير الشامي في تفسير 2 ص 341 عن الحافظ عبد الرزاق بإسناده عن الشعبي، ومن طريق ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، وعن السدي وفيه: افتخر علي والعباس وشيبة كما مر، ومن طريق
[55]
الحافظ عبد الرزاق أيضا عن الحسن، ومحمد بن ثور عن معمر عن الحسن. الحافظ السيوطي في الدر المنثور 3 ص 218 من طريق الحافظ ابن مردويه عن ابن عباس، و من طريق الحفاظ عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الشعبي، وعن ابن مردويه عن الشعبي، وعن عبد الرزاق عن الحسن، ومن طريق ابن أبي شيبة وأبي الشيخ وابن مردويه عن عبيد الله بن عبيدة، ومن طريق
الفرياني عن ابن سيرين، وعن ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، ومن طريق ابن جرير وأبي الشيخ عن الضحاك، وعن الحافظين أبي نعيم وابن عساكر بإسنادهما عن أنس باللفظ المذكور. ومنهم: الصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 242 وفي طبعة 209 نقلا عن شوارد الملح وموارد المنح: إن العباس وحمزة رضي الله عنهما تفاخرا فقال حمزة: أنا خير منك لأني على عمارة الكعبة. وقال العباس: أنا خير منك لأني على سقاية الحاج فقالا: نخرج إلى الأبطح ونتحاكم إلى أول رجل نلقاه فوجدا عليا رضي الله عنه فتحاكما على يديه فقال: أنا خير منكما لأني سبقتكما إلى الاسلام. فأخبر النبي بذلك فضاق صدره لافتخاره على عميه فأنزل الله تعالى تصديقا لكلام علي وبيانا لفضله: أجعلتم سقاية الحاج. الآية. ولا يسعنا ذكر جميع المصادر التي وقفنا فيها على هذه المفاخرة ونزول الآية فيها وكذلك في بقية الآيات والأحاديث بل لم نذكر جلها روما للاختصار، وقد بسطنا القول في جميعها في كتابنا (العترة الطاهرة في الكتاب العزيز) يتضمن الآيات النازلة فيهم صلوات الله عليهم. وهذه المفاخرة ونزول الآية فيها نظمها غير واحد من شعراء السلف، الحافظين لناموس الحديث كسيد الشعراء الحميري، والناشي، والبشنوي، ونظرائهم وستقف عليه في تراجمهم إنشاء الله. 7 - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " سورة مريم 96 " أخرج أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله
[56]
صلى الله عليه وآله لعلي: قل: أللهم ؟ اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة.
فأنزل الله هذه الآية. ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 10 وقال: وروي عن ابن عباس: إن هذا الود جعله الله لعلي في قلوب المؤمنين. م - وفي مجمع الزوايد 9 ص 125 عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب: إن الذين آمنوا. الآية. قال: محبة في قلوب المؤمنين] وأخرج الخطيب الخوارزمي في مناقبه ص 188 حديث ابن عباس وبعده بالإسناد عن علي عليه السلام إنه قال: لقيني رجل فقال: يا أبا الحسن ؟ والله إني أحبك في الله. فرجعت إلى رسول الله فأخبرته بقول الرجل فقال: لعلك يا علي ؟ اصطنعت إليه معروفا. قال فقلت: والله ما اصطنعت إليه معروفا. فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودة. فنزل قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. وأخرجه صدر الحفاظ الكنجي في الكفاية ص 121. وأخرج محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 207 في الآية من طريق الحافظ السلفي عن ابن الحنفية: لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود لعلي وأهل بيته. وأخرج الحموي في فرايده في الباب الرابع عشر من طريق الواحدي بسندين عن ابن عباس، والسيوطي في الدر المنثور 4 ص 287 من طريق الحافظ ابن مردويه والديلمي عن البراء، ومن طريق الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس، والقسطلاني في المواهب 7 ص 14 من طريق النقاش، والشبلنجي في نور الأبصار ص 112 عن النقاش وذكر ما مر عن ابن الحنفية، والحضرمي في رشفة الصادي ص 25. 8 - أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات " سورة الجاثية 21 " قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 11: قال السدي عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في علي عليه السلام يوم بدر: فالذين اجترحوا السيئات
عتبة وشيبة والوليد والمغيرة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات علي عليه السلام. وتجد ما يقرب منه في كفاية الكنجي ص 120.
[57]
9 - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " سورة البينة 7 " أخرج الطبري في تفسيره 30 ص 146 بإسناده عن أبي الجارود عن محمد بن علي: أولئك هم خير البرية. فقال قال النبي صلى الله عليه وآله أنت يا علي وشيعتك: وروى الخوارزمي في مناقبه ص 66 عن جابر قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبي طالب فقال رسول الله: قد أتاكم أخي ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: و الذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم قال: إنه أولكم إيمانا معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية، قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: قد جاء خير البرية. وروى في ص 178 من طريق الحافظ ابن مردويه عن يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب علي عليه السلام قال: سمعت عليا يقول: حدثني رسول الله وأنا مسنده إلى صدري فقال: أي علي ؟ ألم تسمع قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية ؟ أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين. وأخرج الكنجي في الكفاية ص 119 حديث يزيد بن شراحيل. وأرسل ابن الصباغ المالكي في فصوله ص 122 عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال (النبي صلى الله عليه وآله) لعلي: أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين. وروى الحموي في فرايده بطريقين
عن جابر: إنها نزلت في علي، وكان أصحاب محمد إذا أقبل علي قالوا: قد جاء خير البرية. وقال ابن حجر في " الصواعق " ص 96 في عد الآيات الواردة في أهل البيت: الآية الحادية عشرة قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه
[58]
الآية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضابا مقمحين، قال: ومن عدوي ؟ قال: من تبرأ منك ولعنك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ومن قال: رحم الله عليا، رحمه الله. وقال جلال الدين السيوطي في " الدر المنثور " 6 ص 379: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل على قالوا: جاء خير البرية. وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله. لعلي: أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله. وذكر حديث يزيد بن شراحيل المذكور، وذكر الشبلنجي في " نور الأبصار " ص 78 و 112 عن ابن عباس باللفظ المذكور عن ابن الصباغ المالكي. 10 - والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات (سورة العصر) قال جلال الدين السيوطي في " الدر المنثور " 6 ص 392: أخرج ابن مردويه
عن ابن عباس في قوله تعالى: والعصر إن الانسان لفي خسر. يعني أبا جهل بن هشام. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ذكر عليا وسلمان. * (ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) * أبا حسن ؟ تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهدى ومسارع أيذهب مدحي والمحبين ضايعا ؟ * وما المدح في ذات الإله بضايع فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكع بخاتمك الميمون يا خير سيد * ويا خير شار ثم يا خير بايع فأنزل فيك الله خير ولاية * وبينها في محكمات الشرايع نظم بها حديث تصدق أمير المؤمنين عليه السلام خاتمه للسائل راكعا ونزول
[59]
قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. فيه كما مر حديثه ص 52. ذكرها لحسان الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص 178، وشيخ الاسلام الحموي في فرايده في الباب التاسع والثلاثين، وصدر الحفاظ الكنجي في " الكفاية " ص 107، وسبط ابن الجوزي في تذكرته ص 10، م - وجمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين "]. * (ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) * جبريل نادى معلنا * والنقع ليس بمنجلي والمسلمون قد أحدقوا * حول النبي المرسل لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي يشير بها إلى ما هتف به أمين الوحي جبرئيل عليه السلام يوم أحد في علي و سيفه. أخرج الطبري في تاريخه 3 ص 17 عن أبي رافع قال: لما قتل علي بن أبي
طالب (يوم أحد) أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من مشركين قريش فقال لعلي: أحمل عليهم. فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من مشركين قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك فقال جبريل: يا رسول الله ؟ إن هذا للمواساة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه. فقال جبريل: وأنا منكما. قال فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وأخرجه أحمد بن حنبل في الفضايل عن ابن عباس، وابن هشام في سيرته 3 ص 52 عن ابن أبي نجيح، والخثعمي في " الروض الأنف " 2 ص 143، وابن أبي الحديد في " شرح النهج " 1 ص 9 وقال: إنه المشهور المروي، وفي ج 2 ص 236 وقال: إن رسول الله قال: هذا صوت جبريل، وج 3 ص 281، والخوارزمي في " المناقب " ص 104 عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: هاجت ريح في ذلك اليوم فسمع مناد يقول لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
[60]
فإذا ندبتم هالكا * فابكوا الوفي أخا الوفي (1) وروى الحموي نحوه في فرايده في الباب التاسع والأربعين، وروى بإسناده من طرق شتى عن الحافظ البيهقي إلى علي عليه السلام قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن صنما في اليمن مغفرا في حديد فابعث إليه فادققه وخذ الحديد قال: فدعاني وبعثني إليه فدققت الصنم وأخذت الحديد فجئت به إلى رسول الله فاستنصرت منه سيفين فسمى واحدا ذا الفقار، والآخر مجذما، فقلد رسول الله ذا الفقار، وأعطاني مجذما ثم أعطاني بعد ذا الفقار، ورآني رسول الله وأنا أقاتل دونه يوم أحد فقال: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
وفي تذكرة سبط ابن الجوزي ص 16: ذكر أحمد في الفضايل أيضا إنهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم (يوم خيبر) وقائلا يقول: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي فأستأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله أن ينشد شعر فأذن له فقال: جبريل نادى معلنا * إلى آخر الأبيات المذكورة ثم قال ما ملخصه: يقال: إن الواقعة كانت يوم أحد كما رواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس، وقيل: إن ذلك كان يوم بدر، والأصح أنه كان في يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء. إنتهى. قال الأميني: إن الأحاديث تؤذننا بتعدد الواقعة وإن المنادي يوم أحد كان جبريل كما مر، والمنادي يوم بدر ملك يقال له: رضوان، قد أجمع أئمة الحديث على نقله كما قال الكنجي وأخرجه في كفايته ص 144 من طريق أبي الغنائم، وابن الجوزي، والسلفي، وابن الجواليقي، وابن أبي الوفا البغدادي، وابن الوليد، و ابن أبي الفهم، والمفتي عبد الكريم الموصلي، ومحمد بن القاسم العدل، والحافظ محمد ابن محمود، وابن أبي البدر، والفقيه عبد الغني بن أحمد، وصدقة بن الحسين، ويوسف ابن شروان المقري، والصاحب أبي المعالي الدوامي، وابن بطة، وشيخ الشيوخ عبد الرحمن بن اللطيف، وعلي بن محمد المقري، وابن بكروس، والحافظ ابن
(1) يعني حمزة سيد الشهداء قتيل ذلك اليوم سلام الله عليه.
[61]
المعالي، وأبي عبد الله محمد بن عمر بأسانيدهم عن سعد بن طريف الحنظلي عن أبي جعفر محمد بن علي * (الإمام الباقر) * قال: نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له: رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
ثم قال: قلت: أجمع أئمة الحديث على نقل هذا الجزء كابرا عن كابر رزقناه عاليا بحمد الله عن الجم الغفير كما سقناه، ورواه الحاكم مرفوعا، وأخرجه عنه البيهقي في مناقبه، أخبرنا بذلك الحافظ ابن النجار، أخبرنا المؤيد الطوسي (إلى آخر السند) عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله يوم بدر: هذا رضوان ملك من ملائكة الله ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وأخرجه محب الدين الطبري باللفظ المذكور في رياضه ص 190، وذخاير العقبى ص 74، والخوارزمي في المناقب ص 101 حديث جابر، وفي كتاب " صفين " لنصر بن مزاحم ص 257، وفي ط مصر ص 546 عن جابر بن نمير - الصحيح: عمير - الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول كثيرا: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي * (ومن شعر حسان) * وإن مريم أحصنت فرجها * وجاءت بعيسى كبدر الدجى فقد أحصنت فاطم بعدها * وجاءت بسبطي نبي الهدى (1) يشير إلى ما صح عن النبي الطاهر في بضعته الصديقة (فاطمة): إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار. أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 152 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد. والخطيب في تاريخه 3 ص 54، ومحب الدين الطبري في " ذخاير العقبى " ص 48 عن أبي تمام في فوائده، وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في " الكفاية " ص 222 بإسناده عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله: إن فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله وذريتها على النار، وفي ص 223 بسند آخر عن ابن مسعود بلفظ
(1) ذكره ابن شهر آشوب السروي في " المناقب " 4 ص 24.
[62]
حذيفة، والسيوطي في " إحياء الميت " ص 257 عن ابن مسعود من طريق البزاز وأبي يعلى والعقيلي والطبراني وابن شاهين، وأخرجه في " جمع الجوامع " من طريق البزار والعقيلي والطبراني والحاكم بلفظ حذيفة اليماني، وذكر المتقي الهندي في إكماله في " كنز العمال " 6 ص 219 من طريق الطبراني بلفظ: إن فاطمة أحصنت فرجها وإن الله أدخلها بإحصان فرجها وذريتها الجنة. وابن حجر في " الصواعق " من طريق أبي تمام (1) والبزار والطبراني وأبي نعيم باللفظ المذكور وقال: وفي رواية فحرمها الله وذريتها على النار. ورواه في ص 112 من طريق البزار وأبي يعلى والطبراني والحاكم باللفظ الثاني، وذكره الشبلنجي في " نور الأبصار " ص 4 باللفظين. * (الشاعر) * أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك النجار (تيم الله) بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة ابن ثعلبة العنقاء (سمي به لطول عنقه) ابن عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرؤ القيس البطريق ابن ثعلبة البهلول ابن مازن بن الأزد بن الغوث ابن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشحب بن يعرب بن قحطان (2). بيت حسان أحد بيوتات الشعر، عريق في الأدب ونظم القريض، قال المرزباني في " معجم الشعراء " ص 366: قال دعبل والمبرد: أعرق الناس كانوا في الشعر آل حسان فمنهم يعدون ستة في نسق كلهم شاعر: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام. ا ه. وولده عبد الرحمن المذكور شاعر قليل الحديث توفي 104، وفيه وفي والده حسان قال شاعر. فمن للقوافي بعد حسان وابنه * ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت وأما المترجم نفسه فعن أبي عبيدة: إن العرب قد اجتمعت على أن حسان
(1) في الصواعق: تمام. والصحيح: أبو تمام. (2) كذا سرده أبو الفرج في الأغاني 4 ص 3.
[63]
أشعر أهل المدن وإنه فضل الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار. وشاعر النبي في أيامه صلى الله عليه وآله. وشاعر اليمن كلها في الاسلام. قال له النبي صلى الله عليه وآله: ما بقي من لسانك ؟ فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته ثم قال: والله إني لو وضعته علي صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه، وما يسرني به مقول من معد (1) وكان وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يضع له منبرا في مسجده الشريف يقوم عليه قائما ويفاخر عن رسول الله ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله (2). كانت الحالة على هذا في عهد النبي صلى الله عليه وآله، ولما توفي صلى الله عليه و وآله مر عمر على حسان وهو ينشد في المسجد فانتهره (3) فقال: أفي مسجد رسول الله تنشد ؟ فقال: كنت أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أجب عني، أللهم أيده بروح القدس ؟ قال: نعم. قال أبو عبد الله الآبي المالكي في شرح صحيح مسلم 317: وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارجه وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعر فليخرج إلى هذه الرحبة. كل ذلك على خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وفي وقته أفحمه حسان بما ذكر من قوله: لكن لا رأي لمن لا يطاع. وقبل حسان نهاه النبي صلى الله عليه وآله عن فكرته هذه وفهمه بما هناك من الغاية الدينية المتوخاة حين تعرض على عبد الله بن رواحة لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يطوف البيت على بعير وعبد الله آخذ بغرزه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير مع رسوله
(1) البيان والتبيين للجاحظ 1 ص 68 و 150. (2) مستدرك الحكام 3 ص 287 بإسناده صححه هو والذهبي. (3) كذا في لفظ ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن عساكر في تاريخه 4 ص 126، وفي لفظ مسلم في الصحيح 2 ص 384: فلحظ إليه. وفي لفظ لأحمد في مسنده 5 ص 222: فقال: مه.
[64]
نحن ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله * يا رب إني مؤمن بقيله فقال له عمر: أو هاهنا يا ابن رواحة أيضا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أو ما تعلمن أولا تسمع ما قال ؟ ؟ ! ! (وفي رواية أبي يعلى) إن النبي قال: خل عنه يا عمر ؟ فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل (1). وكان حسان من المعروفين بالجبن ذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " 2 ص 6 وقال: كان من أجبن الناس. وعده الوطواط في " غرر الخصايص " ص 355 من الجبناء وقال: ذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف ": إنه لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله مشهدا قط قالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله: كان معنا حسان في حصن فارغ يوم الخندق مع النساء والصبيان فمر بنا في الحصن رجل يهودي فجعل يطوف بالحصن (وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا إن أتانا آت) قالت: قلت: يا حسان ؟ أنا والله لا آمن من أن يدل علينا هذا اليهودي أصحابه، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد شغل عنا فأنزل إليه واقتله، قال: يغفر الله لك (يا بنة عبد المطلب) ما أنا بصاحب شجاعة، قال: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت (2) ثم أخذت
عمودا ونزلت إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن وقلت: يا حسان أنزل إليه واسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة [يا بنة عبد المطلب] (3) وكان حسان اقتدى في فعله بهذا الشاعر في قوله: باتت تشجعني هند وما علمت * إن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته * ما يشتهي الموت عندي من له إرب
(1) تاريخ ابن عساكر 7 ص 391. (2) أي لبست المعجر. وفي سيرة ابن هشام: احتجزت يقال: احتجزت المرأة: أي شدت وسطها. (3) وإلى هنا ذكره ابن هشام في سيرته 3 ص 246، وابن عساكر في تاريخه 4 ص 140، وابن الأثير في أسد الغابة 2 ص 6، والعباسي في المعاهد 1 ص 74، والجمل التي جعلناها بين القوسين من لفظ ابن هشام.
[65]
للحرب قوم أضل الله سعيهم * إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا ولست منهم ولا أبغي فعالهم * لا القتل يعجبني منهم ولا السلب * (قال الأميني) *: هذا ما نقله الوطواط عن " المعارف " لابن قتيبة لكن أسفي على مطابع مصر وعلى يد الطبع الأمينة فيها فإنها تحرف الكلم عن مواضعها فأسقطت هذه القصة عن " المعارف " كما حرفت عنه غيرها. ولد المترجم قبل مولد النبي القدسي صلى الله عليه وآله بثمان سنين، وعاش عند الجمهور مائة وعشرين سنة، وقال ابن الأثير: لم يختلفوا في عمره. وفي المستدرك 3 ص 486، وأسد الغابة 2 ص 7: أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل منهم مائة وعشرين سنة وهم: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام. يكنى بأبي الوليد، وأبي المضرب، وأبي حسام، وأبي عبد الرحمن، والأول أشهر، وكان يقال له: الحسام. وذلك لكثرة دفاعه عن حامية الاسلام المقدس بشعره.
وروى الحاكم عن المصعب أنه قال: عاش حسان ستين في الجاهلية وستين في الاسلام. وذهب بصره وتوفي على قول سنة 55 (1) أعمى البصر والبصيرة كما نص عليه الصحابي الكبير سيد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة لما عزله أمير المؤمنين عليه السلام من ولاية مصر، ورجع إلى المدينة فإنه حينما قدمها جاءه حسان شامتا به وكان عثمانيا بعد ما كان علويا فقال له: نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر. فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب وأعمى البصر ؟ والله لولا أن القي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك، ثم أخرجه من عنده (2)
(1) هذا أحد القولين في المستدرك، وقد كثر الخلاف في وفاته، وصحح ابن كثير في تاريخه سنة 54. (2) تاريخ الطبري 231 5، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 25.
[66]
فهرس ترجمة قيس بن سعد بن عبادة شعره في الغدير وما يتبعه - 67 - 69 حديث شرفه - 69 حديث إمارته - 70 - 72 حديث دهاءه - 72 - 74 حديث فروسيته - 74 - 85 حديث جوده - 85 - 88 حديث خطابته - 88 حديث زهده - 89 - 92 حديث فضله - 92 - 96
مشايخه والرواة عنه - 96 - 98 معاوية وقيس - 98 - 103 الصلح بين قيس ومعاوية - 103 - 105 قيس ومعاوية بالمدينة - 105 - 108 قيس في خلقته - 108 - 110 وفاته - 110 - 111 بيت قيس - 111 - 112
[67]
3 قيس الأنصاري قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالأمس والحديث طويل ويقول فيها: وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي: من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل * (ما يتبع الشعر) * هذه الأبيات أنشدها الصحابي العظيم، سيد الخزرج، قيس بن سعد بن عبادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين، رواها شيخنا المفيد، معلم الأمة المتوفى 413 في " الفصول المختارة " 2 ص 87 وقال بعد ذكرها: إن هذه الأشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك. وذكرها في رسالته في معنى المولى وقال فيها: قصيدة قيس التي لا يشك أحد
من أهل النقل فيها، والعلم بها من قبوله كالعلم بنصرته لأمير المؤمنين وحربه أهل البصرة وصفين معه، وهي التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم. ورواها سيدنا الشريف الرضي المتوفى 406 في خصايص الأئمة، وقال: إتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد
[68]
رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا *: حسبنا ربنا ونعم الوكيل وهذان الشاعران [قيس وحسان] صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين شهادة من حضر المشهد وعرف المصدر والمورد. وأخرجها العلم الحجة الشيخ عبيد الله السدابادي في المقنع - الموجود عندنا - فقال: قالوا: ومن الدليل على أن أمير المؤمنين هو الإمام المنصوص عليه قول قيس بن سعد بن عبادة، وهذا من خيار الصحابة يشهد له بالإمامة، وإنه منصوص عليه، وإنه خولف، وقال الكميت بن زيد يصدق قول قيس بن سعد وحسان بن ثابت. ورواها العلامة الكراجكي المتوفى 449 في كنز الفوائد ص 234 فقال: إنه مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة وإنه كان يقوله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعه الراية. وأخرجها أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في " التذكرة " ص 20 فقال: إن قيس أنشدها بين يدي علي بصفين. ورواها سيدنا هبة الدين الراوندي في " المجموع الرائق " - الموجود عندنا - و
المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره 2 ص 193، وشيخ السروي الآتي شيخنا الشهيد الفتال في " روضة الواعظين " ص 90، وسيدنا القاضي نور الله المرعشي الشهيد 1019 في " مجالس المؤمنين " ص 101، والعلامة المجلسي المتوفى 1111 في " البحار " 9 ص 245، والسيد علي خان المتوفى 1120 في " الدرجات الرفيعة " - الموجود عندنا - في ذكر غزوة صفين، وشيخنا صاحب " الحدايق " البحراني المتوفى 1186 في كشكوله 2 ص 18. وجمع آخر من متأخري أعلام الطايفة. * (الشاعر) * أبو القاسم وقيل: أبو الفضل (8) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم (2) بن حارثة ابن
(1) وقيل: أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الملك. (2) في تهذيب التهذيب: دليهم.
[69]
أبي حزيمة [بالحاء المهملة المفتوحة] (1) ابن ثعلبة بن ظريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر (2) بن حارثة بن ثعلبة. إلى آخر النسب المذكور ص 56. أمه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة. هو ذلك الصحابي العظيم، كان يعد من أشراف العرب، وأمرائها، ودهاتها، وفرسانها، وأجوادها، وخطباؤها، وزهادها، وفضلائها، ومن عمد الدين وأركان المذهب. * (أما شرفه) * فكان هو سيد الخزرج وابن سادتها، وقد حاز بيته الشرف والمجد جاهلية وإسلاما، قال سليم بن قيس الهلالي في كتابه: إن قيس بن سعد كان سيد الأنصار وابن سيدها. وفي كامل المبرد 1 ص 309: كان شجاعا جوادا سيدا. وقال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 73: لم يزل قيس سيدا في الجاهلية والاسلام وأبوه و
جده وجد جده لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك. وفي الاستيعاب 2 ص 538: كان قيس شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده. وفي أسد الغابة 4 ص 215: كان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم. وقال ابن كثير في تاريخه 8 ص 99: كان سيدا مطاعا كريما ممدوحا شجاعا. وقال المترجم له في أبيات له: وإني من القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجسم به أعلو الرجال مديد وكان والده أحد النقباء الاثنى عشر الذين ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام قومهم والنقيب: الضمين. راجع تاريخ ابن عساكر 1 ص 86. * (وأما إمارته) * ففي العهد النبوي كان من النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة صاحب الشرطة
(1) وقيل: حارثة بن خزيم بن أبي خزيمة بالمعجمة المضمومة، تاريخ الخطيب 1 ص 177. (2) هنا يتحد المترجم مع حسان في النسب.
[70]
من الأمير يلي ما يلي من أموره (1) وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، وكان من ذوي الرأي من الناس (2) وبعده ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر وكان أميرها الطاهر. كان قيس من شيعة علي عليه السلام ومناصحيه بعثه علي أميرا على مصر في صفر سنة 36، وقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى ظاهر المدينة، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن، واشدد على المريب، و
أرفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن. فقال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين ؟ قد فهمت ما ذكرت، فأما الجند فإني أدعه لك، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك، وإن أردت بعثتهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك. فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر مستهل ربيع الأول فصعد المنبر فجلس عليه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جاء بالحق. وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيها الناس ؟ إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا محمد " صلى الله عليه وآله " فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعلم لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية منها يقال لها: خربتا (3) قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له: يزيد ابن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك ولكن أقرنا على
(1) صحيح الترمذي 2 ص 317، سنن البيهقي 8 ص 155، مصابيح البغوي 2 ص 51، الاستيعاب 2 ص 538، أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 5 ص 354، تهذيب التهذيب 6 ص 394 ؟ ؟، مجمع الروايد 9 ص 345. (2) تاريخ ابن عساكر، تاريخ ابن كثير 8 ص 99. (3) بفتح الخاء وكسرها وكسر الراء المهملة ثم الموحدة الساكنة.
[71]
حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس، ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه. فأرسل إليه قيس: ويحك أعلي تثب ؟ والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فأحقن دمك. فأرسل إليه مسلمة: إني
كاف عنك ما دمت أنت والي مصر، وكان قيس له حزم ورأي (1). خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ووليها أربعة أشهر وخمسة أيام، دخلها كما مر في مستهل ربيع الأول وصرف منها لخمس خلون من رجب كما في الخطط للمقريزي، فما في الاستيعاب وغيره: إنه شهد الجمل الواقع في جمادى الآخرة سنة 36 في غير محله، نعم يظهر من التاريخ شهوده في مقدمات الجمل. وولاه على أمير المؤمنين آذربيجان كما في تاريخ اليعقوبي 2 ص 178 وكتب إليه وهو عليها: أما بعد: فأقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالإنصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله، ثم إن عبد الله بن شبيل الأحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا، فقد رأيته وادعا متواضعا، فألن حجابك، وافتح بابك، واعمد إلى الحق، فإن من وافق الحق ما يحبو أسره، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. قال غياث: ولما أجمع علي على القتال لمعاوية كتب أيضا إلى قيس: أما بعد: فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملأهم وانقادت جماعتهم، فعجل الاقبال فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله، وما تأخري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله. وروى الطبري في تاريخه 6 ص 91، وابن كثير في تاريخه 8 ص 14 عن الزهري: أنه قال: جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي عليه السلام واستخلف
(1) تاريخ الطبري 5 ص 227، كامل ابن الأثير 3 ص 106، شرح ابن أبي الحديد 2 ؟ ص 23 نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي. (*)
[72]
أهل العراق الحسن بن علي عليها السلام على الخلافة. * (حديث دهاءه) * يجد القارئ شواهد قوية على ذلك من مواقفه العظيمة في المغازي، ونظراته العميقة في الحروب، وآرائه المتبعة في مهمات القضايا، وأفكاره العالية في إمارته، وإعظام الإمام أمير المؤمنين محله من الدهاء، وإكباره رأيه في حكومته، فإنه لما قدم قيس من ولاية مصر على علي، وأخبره الخبر الجاري بينه وبين رجال مصر ومعاوية علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، فعظم محل قيس عنده، وأطاعه في الأمر كله (تاريخ الطبري 5 ص 231). فعندها تجد سيد الخزرج (قيس) في الطبقة العليا من أصحاب الرأي ومن مقدمي رجالات النهى والحجا، وتشاهد هناك آيات عقله المطبوع والمكتسب، وتعده أعظم دهاة العرب حين ثارت الفتن، وسعرت نار الحرب، إن لم نقل: أعظم دهاة العالم، ونرى له التقدم في الفضيلة على الخمسة (1) الذين عدوه منهم، وأولاهم بالعقلية الناضجة، وتجد دون محله الشامخ ما في الاستيعاب 2 ص 538 وغيره (2) من: إنه أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، مع النجدة والسخاء والشجاعة. قال الحلبي في سيرته. من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله. وقال ابن كثير في البداية 8 ص 99: ولاه علي نيابة مصر وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص. وكان الإمام السبط الحسن يوصي أمير عسكره عبد الله بن العباس وهو أمير اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مصر بمشاورة قيس بن سعد والمراجعة إليه في مهام الحرب مع معاوية والأخذ برأيه في سياسة الجيش، كما يأتي حديثه. وكان ثقيلا جدا على معاوية وأصحابه، ولما قدم قيس إلى المدينة من مصر
(1) هم: معاوية. عمرو بن العاص. قيس بن سعد. المغيرة بن شعبة. عبد الله بن بديل: راجع تاريخ الطبري 6 ص 94، كامل ابن الأثير 3 ص 143، أسد الغابة 4 ص 215. (2) أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 3 ص 249، تهذيب التهذيب 8 ص 395، السيرة الحلبية 3 ص 93.
[73]
أخافه مروان والأسود بن أبي البختري فظهر قيس إلى علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه و مكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي (تاريخ الطبري 6 ص 53) وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بافتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله. وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول: لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المكر والخديعة في النار. لكنت من أمكر هذه الأمة (1) ويقول: لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب (2) فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين، وكلاءته حمى الشريعة، والتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه، وكفه نفسه عما يخالف ربه، تثبت له الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبد الله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء، والتزامهما بالدين الحنيف، والكف عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن. وكلامه لمالك الأشتر (مالك وما مالك ؟) ينم عن غزارة عقله، وحسن تدبيره، واستقامة رأيه، وقوة إيمانه، وهو من غرر الكلم، ودرر الحكم، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص 86 في حديث طويل فقال: قال الأشتر لعلي عليه السلام: دعني
يا أمير المؤمنين ؟ أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك. فقال له: كف عني. فانصرف الأشتر وهو مغضب، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والأنصار فقال: يا مالك ؟ كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته، وكلما استبطأت أمرا استعجلته، إن أدب الصبر: التسليم، وأدب العجلة: الأناة، وإن شر القول: ما ضاهى العيب، وشر الرأي: ما ضاهى التهمة، فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع، ولا تسأل قبل البلاء، ولا تكلف قبل أن ينزل الأمر، فإن في أنفسنا ما في نفسك، فلا تشق على صاحبك.
(1) أسد الغابة 4 ص 215، تاريخ ابن كثير 8 ص 101. (2) الدرجات الرفيعة، الإصابة 3 ص 249.
[74]
ولما بويع أمير المؤمنين بلغه: أن معاوية قد وقف من إظهار البيعة له وقال: إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته. فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين ؟ إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الأمور ثم اعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين: أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال: لا. قال: لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا، وما كنت متخذ المضلين عضدا، لكن أبعث إليه وادعوه إلى ما في يدي من الحق، فإن أجاب فرجل من المسلمين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله، فولى المغيرة وهو يقول: فحاكمه إذا، فحاكمه إذا، فأنشأ يقول: نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما مني له الدهر ثانيه ولم يقبل النصح الذي جئته به * وكانت له تلك النصيحة كافيه وقالوا له: ما أخلص النصح كله * فقلت له: إن النصيحة غاليه فقام قيس بن سعد فقال: يا أمير المؤمنين ؟ إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله
به، فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى، فإن كان لك الغلبة يقرب إليك بالنصيحة، و إن كانت لمعاوية يقرب إليه بالمشورة. ثم أنشأ يقول: يكاد ومن أرسى بثيرا مكانه (1) * مغيرة أن يقوى عليك معاويه وكنت بحمد الله فينا موفقا * وتلك التي أرءاكها غير كافيه فسبحان من علا السماء مكانها * وأرضا دحاها فاستقرت كما هيه فكان هو صاحب الرأي الوحيد بعين الإمام الطاهر تجاه تلك الآراء التعسة الفارغة عن النزعات الروحية في كل منحسة ومتعسة بين حاذف وقاذف (2) * (فروسيته) * إن الباحث لا يقف على أي معجم يذكر فيه قيس إلا ويجد في طيه جمل الثناء
الواو: للقسم. بثير مصغرا. جبل معروف بمنى. (2) مثل يضرب لمن هو بين شرين: الحاذف بالعصا، القاذف بالحصا.
[75]
متواصلة على حماسته وشجاعته، ويقرأ له دروسا وافية حول فروسيته، وبأسه في الحروب وشدته في المواقف الهائلة، فما عساني أن أكتب عن فارس سجل له التأريخ: إنه كان سياف النبي الأعظم، وأشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين ؟ (1) وما عساني أن أقول في باسل كان أثقل خلق الله على معاوية ؟ جبن أصحابه الشجاع والجبان، وكان أشد عليه من جيش عرام، وكتائب تحشد مائة ألف مقاتل، وكان يوم صفين يقول والله إن قيسا يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل. (2) تعرب عن هذه الناحية مواقفه في العهدين: النبوي والعلوي. أما مواقفه على العهد النبوي فتجد نبأها العظيم في صحايف بدر وفتح وحنين واحد وخيبر ونضير وأحزاب، وهو يعد مواقفه هذه كلها في شعره ويقول: إننا إننا الذين إذا الفتح * شهدنا وخيبرا وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضير ثنينا وقال سيدنا صاحب " الدرجات الرفيعة ": إنه شهد مع النبي المشاهد كلها، وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله، أخذ النبي صلى الله عليه وآله يوم الفتح الراية من أبيه - سعد - و دفعها إليه. وقال الخطيب في تاريخه 1 ص 177: إنه حمل لواء رسول الله في بعض مغازيه. وفي تاريخي الطبري وابن الأثير 3 ص 106: إنه كان صاحب راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من ذوي الرأي والبأس. وفي الاستيعاب (3): إنه كان حامل راية النبي في فتح مكة إذا نزعها من أبيه، وأرسل عليا رضي الله عنه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس ففعل. وأما مواقفه على العهد العلوي فكان يحض أمير المؤمنين على قتال معاوية ويحثه على محاربة مناوئيه ويقول: يا أمير المؤمنين ؟ ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك. لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطعمن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد اشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن
(1) إرشاد القلوب للديلمي 2 ص 201. (2) يأتي ذكر مصادر هذه كلها إنشاء الله تعالى. (3) 2 ص 537، والسيرة الحلبية 3 ص 93، وهامشها سيرة زيني دحلان 2 ص 265.
[76]
عن العلم، وبالشك عن اليقين، وبالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه. فقال: أحسنت والله يا قيس ؟ وأجملت (1) ز فأرسله علي عليه السلام مع ولده الحسن الزكي وعمار بن ياسر إلى الكوفة ودعوة أهلها إلى نصرته فخطب الحسن عليه السلام هناك وعمار وبعدهما قام قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ؟ إن هذا الأمر لو استقبلنا به الشورى،
لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتل من أبى ذلك حلالا وكيف ؟ والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه خلعاه حسدا. فقام خطباؤهم وأسرعوا إلى الرد بالإجابة فقال النجاشي: رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء النبي محمد وقلنا له: أهلا وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند (2) وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة: جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقضي العهد من بدل هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل ؟ * ألا قبح الله الأماني والعلل هذا لفظ شيخ الطائفة في أمالي ولده ص 87 و 94، ورواه شيخنا المفيد في - النصرة
(1) أمالي شيخ الطايفة ص 85. (2) صم الرجل بحجر: ضربه به. السيف المصمم: الماضي. العوالي إلى ج العالية: ما يلي السنان من القناة. ويطلق على الرمح. الصفيح ج الصفيحة: السيف العريض. هند السيف: أحد.
[77]
لسيد العترة - ونسب الأبيات الدالية إلى قيس بن سعد بتغيير وزيادة وهذا لفظه: فلما قدم الحسن عليه السلام وعمار وقيس الكوفة مستنفرين لأهلها (إلى أن قال): ثم قام قيس بن سعد
رحمه الله فقال: أيها الناس إن هذا الأمر لو استقبلناه فيه شورى لكان أمير المؤمنين أحق الناس به لمكانه من رسول الله، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف في الحجة على طلحة والزبير ؟ وقد بايعاه طوعا ثم خلعاه حسدا وبغيا، وقد جاءكم علي في المهاجرين والأنصار، ثم أنشأ يقول: رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء الرسول محمد وقلنا لهم: أهلا وسهلا ومرحبا * نمد يدينا من هوى وتودد فما للزبير الناقض العهد حرمة * ولا لأخيه طلحة اليوم من يد أتاكم سليل المصطفى ووصيه * وأنتم بحمد الله عار من الهد (1) فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغا * وصم العوالي والصفيح المهند يسود من أدناه غير مدافع * وإن كان ما نقضيه غير مسود فإن يأتي ما نهوى فذاك نريده * وإن نخط ما نهوى فغير تعمد وكان يسير في تلك المواقف بكل عظمة وجلال بهيئة فخمة، ترهب القلوب، وترعب الفوارس، وترعد الفرائص، قال المنذر بن الجارود يصف مواكب المجاهدين مع أمير المؤمنين وقد رآهم في الزاوية (2): ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، وعمامة صفراء، متنكب قوسا، متقلد سيفا، تخط رجلاه في الأرض، في ألف من الناس، الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض، معه راية صفراء، قلت: من هذا ؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبناءهم وغيرهم من قحطان. " مروج الذهب 2 ص 8 ". ولما أراد أمير المؤمنين المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركوا الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم.
(1) الهد: الضعيف والجبان.
(2) موضع قرب البصرة، وقرية بين واسط والبصرة على شاطئ دجلة.
[78]
فقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين ؟ انكمش (1) بنا إلى عدونا، ولا تعرج (2) فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين و الأنصار، والتابعين بالاحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه، وفيأنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين. قال: يعني رقيق. " كتاب صفين ص 50 " قال صعصعة بن صوحان: لما عقد علي بن أبي طالب الألوية لأجل حرب صفين أخرج لواء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله، فعقده علي ودعا قيس بن سعد بن عبادة فدفع إليه واجتمعت الأنصار وأهل بد فلما نظروا إلى لواء رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا فأنشأ قيس بن سعد يقول: هذا اللواء الذي كنا نحف به * مع النبي وجبريل لنا مدد ما ضر من كانت الأنصار عيبته * أن لا يكون له من غيرهم أحد قوم إذا حاربوا طالت أكفهم * بالمشرفية حتى يفتح البلد ابن عساكر في تاريخه 3 ص 245، وابن عبد البر في " الاستيعاب 2 ص 539، وابن الأثير في " أسد الغابة " 4 ص 216، والخوارزمي في " المناقب " ص 122 (3). ولما تعاظمت الأمور على معاوية دعا عمر بن العاص، وبسر بن أرطاة، و عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال لهم: إنه قد غمني رجال من أصحاب علي منهم: سعيد بن قيس في همدان، والأشتر في قومه، والمرقال (هاشم بن عتبة)، وعدي بن حاتم، وقيس بن سعد في الأنصار، وقد وقتكم يمانيكم بأنفسها حتى لقد إستحييت لكم وأنتم عددتم من قريش، وقد أردت أن يعلم الناس
أنكم أهل غنا، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي. فقالوا: ذلك إليك. قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا. وأنت يا عمرو ؟ لأعور بني
(1) انكمش الرجل: أسرع. (2) من عرج: وقف ولبث. (3) ذكر الأبيات له شيخنا المفيد في يوم الجمل وهو في غير محله.
[79]
زهرة: المرقال. وأنت يا بسر ؟ لقيس بن سعد. وأنت يا عبيد الله ؟ للأشتر النخعي. وأنت يا عبد الرحمن بن خالد ؟ لأعور طي يعني: عدي بن حاتم. ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل فجعلها نوايب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما. وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الأنصار فاشتدت الحرب بينهما وبرز قيس كأنه فنيق (1) مقرم (2) وهو يقول: أنا ابن سعد زانه عباده * والخزرجيون رجال ساده ليس فراري بالوغا بعاده * إن الفرار للفتى قلاده يا رب أنت لقني الشهادة (3) والقتل خير من عناق غاده حتى متى تثنى لي الوسادة فطعن خيل بسر وبرز له بعد ملي وهو يقول: أنا ابن أرطاة عظيم القدر * مراود في غالب بن فهر ليس الفرار من طباع بسر * إن يرجع اليوم بغير وتر وقد قضيت في عدوي نذري * يا ليت شعري ما بقي من عمري وجعل يطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فيرده على عقبيه، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل (كتاب صفين ص 226). وروى نصر في كتابه ص 227 - 240: إن معاوية دعا النعمان بن بشر بن سعد
الأنصاري، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ولم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال: يا هاذان ؟ لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا: قتله الأنصار، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي، ولأعيبن لكل فارس منهم فارسا ينشب (4) في حلقه، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش
(1) فنيق كشريف: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته. (2) أقرم الفحل: ترك عن الركوب والعمل للفحلة. (3) في مناقب ابن شهر آشوب: يا ذا الجلال لقني الشهادة. (4) نشب الشيئ في الشيئ: علق فيه.
[80]
رجالا لم يغذهم التمر والطفيشل (1) يقولون: نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم. فغضب النعمان فقال: يا معاوية ؟ لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية، فأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا ؟ فافعل، وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه، وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبنا هم عليه كما غلب قريش على سخينة (2) ثم تكلم مسلمة بن مخلد (إلى أن قال): وانتهى الكلام إلى الأنصار فجمع قيس بن سعد الأنصاري الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحبكم، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان
أمس، وجدوا غدا جدا تنسونه به ما كان اليوم، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب، وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت: قريش السخينة. ثم قال قيس بن سعد في ذلك: يا بن هند: دع التوثب في الحرب * إذا نحن في البلاد نأينا (3) نحن من قد رأيت فادن إذا * شئت بمن شئت في العجاج إلينا إن برزنا بالجمع نلقك في الجمع * وإن شئت محضة أسرينا فالقنا في اللفيف نلقك في الخزرج * تدعو في حربنا أبوينا أي هذين ما أردت فخذه ؟ * ليس منا وليس منك الهوينا
(1) كسميدع: نوع من المرق. (2) طعام يتخذ من دقيق وسمن كانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها وسميت: قريش السخينة. (3) ذكر ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 297 ستة من هذه الأبيات مع اختلاف فيها.
[81]
ثم لا ينزع العجاجة حتى * تنجلي حوبنا لنا أو علينا ليت ما تطلب العداة أتانا * أنعم الله بالشهادة عينا إننا إننا الذين إذا الفتح شهدنا وخيبرا وحنينا بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضير ثنينا يوم الأحزاب قد علم الناس * شفينا من قبلكم واشتفينا فلما بلغ معاوية شعره دعا عمرو بن العاص فقال: ما ترى في شتم الأنصار ؟ قال: أرى أن توعد ولا تشتم، ما عسى أن تقول لهم ؟ إذا أردت ذمهم ذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم قال معاوية: إن خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا وهو
والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل، فما الرأي ؟ قال: الرأي: التوكل والصبر. فأرسل معاوية إلى رجال من الأنصار فعاتبهم، منهم: عقبة بن عمرو. وأبو مسعود. والبراء بن عازب. و عبد الرحمن بن أبي ليلي. وخزيمة بن ثابت. وزيد بن أرقم. وعمرو ابن عمرو. والحجاج بن غزية. وكانوا هؤلاء يلقون في تلك الحرب فبعث معاوية بقوله: لتأتوا قيس بن سعد. فمشوا بأجمعهم إلى قيس قالوا: إن معاوية لا يريد شتمنا فكف عن شتمه فقال: إن مثلي لا يشتم ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله. وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية، وحمل الثانية يشبهه أيضا فضربه ثم انصرف وهو يقول: قولوا لهذا الشاتمي معاويه * إن كلما أوعدت ريح هاويه خوفتنا لكلب قوم عاويه * إلي يا بن الخاطئين الماضيه ترقل إرقال العجوز الخاويه (1) * في أثر الساري ليال الشاتيه فقال معاوية: يا أهل الشام ؟ إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه (فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتما قبيحا وشتم الأنصار) (2) فغضب النعمان ومسلمة على معاوية، فأرضاهما بعد ما هما أن ينصرفا إلى قومهما.
(1) أرقل: أسرع. الخاوية: الساقطة. (2) هذه الجملة من لفظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
[82]
ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال يا قيس ؟ أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا ابن بشير ؟ فما حاجتك ؟ فقال النعمان: يا قيس ؟ إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ؟ وقتلتم
أنصاره يوم الجمل ؟ وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكان واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب، ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر (1) قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد أخذت الحرب منا وعنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية. فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان ؟ تجتري على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل. أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذ مني واحدة: قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، أما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية فوالله لو اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار. وأما قولك: إنا لسنا كالناس فنحن في هذا الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان ؟ هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور ؟ انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ؟ ولستما والله ببدريين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام، ولا آية في القرآن (2) و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك. ثم قال قيس في ذلك: والراقصات بكل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان ما ابن المخلد ناسيا أسيافنا * عمن نحاربه ولا النعمان
(1) في شرح النهج: خطب. (2) وإلى هنا رواه ابن قتيبة أيضا في الإمامة والسياسية 1 ص 94.
[83]
تركا العيان وفي العيان كفاية * لو كان ينفع صاحبيه عيان
ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الأنصار (1) وخرج قيس في نهروان إلى الخوارج فقال لهم: عباد الله ؟ أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، تسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين. فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر. فقال قيس: ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم ؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم (2) أما موقفه بعد العهدين فكان مع الإمام السبط المجتبى سلام الله عليه ولما وجه عسكره إلى قتال أهل الشام دعا عليه السلام عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يا بن عم ؟ إني باعث إليك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وأفرش لهم جناحك، وادنهم في مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن (3) ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين يعني: قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله... فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها: الحيوضة. (بمسكن) وأقبل
(1) إلى هنا تنتهى رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين. (2) تاريخ الطبري 6 ص 47، كامل ابن الأثير 3 ص 137. (3) بفتح الميم ثم السكون ثم الكسر: موضع قريب من أوانا ناحية دجيل بينه وبين بغداد عدة
فراسخ من جهة تكريت.
[84]
عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزاءه فلما كان من غد وجه معاوية بخيل إلى عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد أرسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، اعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله. فنزل فنهض بهم وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق: ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا: بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم، فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح (شرح ابن أبي الحديد 4 ص 14) قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 191: إنه وجه الحسن عليه السلام بعبيد الله بن العباس في اثنى عشر ألفا لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوما، والتقى العسكران فوجه معاوية إلى قيس بن سعد: يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال وقال: تخدعني عن ديني ؟
فيقال: إنه أرسل إلى عبيد الله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته، وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث: أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدث: أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه.
[85]
وفي الاستيعاب 2 ص 225 عن عروة قال: كان قيس مع الحسن بن علي على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤسهم بعد ما مات علي وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لأصحابه: ما شئتم ؟ إن شئتم جادلت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانا ؟ ؟ ! فقالوا: خذ لنا أمانا، فأخذ لهم إن لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشئ وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا. (ثم ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه). * (حديث جوده) * لا يسعنا بسط المقال في أخبار (قيس) من هذه الناحية لكثرتها، غير أنا نورد لك شيئا من ذلك الكثير الطيب، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق (1) وكانت هذه الخلة من هذا البيت على عنق الدهر " أي قديما " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الجود من شيمة أهل ذلك البيت (2). باع قيس مالا من معاوية بتسعين ألفا فأمر مناديا فنادى في المدينة: من أراد القرض فليأت منزل سعد فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز الباقي، وكتب على من أقر له صكا، فمرض مرضا قل عواده فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر: يا قريبة ؟ لم ترين قل عوادي ؟ قالت للذي لك عليهم من الدين. فأرسل إلى كل رجل بصكه المكتوب عليه فوهبه ماله عليهم (3). قال جابر: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب فلما
قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا له من أمر قيس فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، ولما ارتحل من العراق نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ (4)
(1) مثل يضرب: أي حسبك بالقليل من الكثير. (2) الإصابة 5 ص 254. (3) تاريخ الخطيب البغدادي 1 ص 177، تاريخ ابن كثير 8 ص 69. (4) الاستيعاب 2 ص 525، تهذيب التهذيب 8 ص 394.
[86]
روى عبد الله بن المبارك عن جويرة قال: كتب معاوية إلى مروان: أن اشتر دار كثير بن الصلت منه فأبى عليه فكتب معاوية إلى مروان: أن خذه بالمال الذي عليه، فإن جاء به وإلا بع عليه داره. فأرسل إليه مروان فأخبره قال: إني أؤجلك ثلاثا فإن جئت بالمال وإلا بعت عليك دارك. قال: فجمعها إلا ثلاثين ألفا فقال: من لي بها ؟ ثم ذكر قيس بن سعد فأتاه فطلبها منه فأقرضه فجاء بها إلى مروان فلما رآه قد جاء بها ردها إليه ورد عليه داره، فرد كثير الثلاثين ألفا على قيس فأبى أن يقبلها. (1) روى المبرد في كامله 1 ص 309: أن عجوزا شكت إلى قيس أن ليس في بيتها جرذ فقال: ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثرن جرذان بيتك. فملأ بيتها طعاما وودكا وإداما، وقال ابن عبد البر: هذه القصة مشهورة صحيحة. في كامل المبرد 1 ص 309: إنه توفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وقد كان سعد رضي الله عنه قسم ماله في حين خروجه من المدينة بين أولاده فكلم أبو بكر و عمر في ذلك قيسا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة فقال: نصيبي للمولود ولا أغير ما صنع أبي ولا أنقضه. وذكره ابن عبد البر في " الاستيعاب " 2 ص 525 وقال: صحيح من رواية الثقات.
ومن مشهور أخبار قيس: إنه كان له مال كثير ديونا على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك. فقال: أخزى الله مالا يمنع الأخوان من العيادة. فأمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو في حل. فأتاه الناس حتى هدموا درجتا كانوا يصعدون عليها إليه، وفي لفظ: فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد. (2) كان قيس في سرية فيها أبو بكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس، فقال أبو بكر و عمر: إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه فمشيا في الناس فلما سمع سعد قام خلف النبي فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي إبني. " أسد الغابة "
(1) الاستيعاب 2 ص 525، الإصابة 5 ص 254 (2) ربيع الأبرار للزمخشري، الاستيعاب 2 ص 526، البداية والنهاية 8 ص 100.
[87]
4 ص 415. وفي لفظ: كان قيس مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل فقال له أبو بكر: إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك. فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر: أردت أن تبخل إبني إنا لقوم لا نستطيع البخل. (1) حكى ابن كثير في تاريخه 8 ص 99: إنه كان لقيس صحفة يدار بها حيث داروا كان ينادي له مناد: هلموا اللحم والثريد. وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله. قال الهيثم بن عدي: إختلف ثلاثة عن الكعبة في أكرم أهل زمانهم فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر: وقال الآخر قيس بن سعد. وقال الآخر: عرابة الأوسي. فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان: فذهب صاحب
عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز (2) ليذهب إلى ضيعة له فقال له: يا بن عم رسول الله ؟ ابن سبيل ومنقطع به. قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها، فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة (3) ولا تخدعن في السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه ؟ قال ابن سبيل ومنقطع به. قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال. هلا أيقظتني ؟ حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده
(1) الدرجات الرفيعة نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن سعيد الثقفي. (2) الغرز بالفتح ثم السكون: ركاب من جلد. (3) الحقيبة بفتح المهملة: ما يحمل على الفرس خلف الراكب.
[88]
وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له: يا عرابة ؟ فقال: قال. فقال: ابن سبيل ومنقطع به. قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه باليمنى على اليسرى ثم قال: أوه أوه والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا ولكن خذ هذين العبدين. قال: ما كنت لأفعل. فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه. قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجله. وإن قيسا أحد الأجواد حكمت مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت. وأجمعوا على أن أسخى
الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. " البداية و النهاية 8 ص 100 " * (حديث خطابته) * إن تقدم سيد الأنصار في المعالم الدينية، وتضلعه في علمي الكتاب والسنة، و عرفانه بمعاريض القول، ومخاريق القيل، وسقطات الرأي، وتحليه بما يحتاج إليه مداره الكلام ومشيخة الخطابة من العلم الكثار، والأدب الجم، وربط الجاش، وقوة العارضة، وحسن التقرير، وجودة السرد، وبلاغة المنطق، وطلاقة اللسان، ومعرفة مناهج الحجاج والمناظرة، وأساليب إلقاء المحاضرة، كلها براهين واضحة على حظه الوافر وقسطه البالغ من هذه الخلة، وإنه أعلى الناس ذافوق (1) على أن فيما مر و ما يأتي من كلمه وخطبه خبرا يصدق الخبر، وشاهد صدق على أنه أحد أمراء الكلام كما كان في مقدم أمراء السيف. فهو خطيب الأنصار المفوه، واللسن الفذ من الخزرج، ومتكلم الشيعة الأكبر، ولسان العترة الطاهرة الناطق، والمجاهد الوحيد دون مبدءه المقدس بالسيف واللسان، أخطب من سحبان وائل، وأنطق من قس الأيادي، وأصدق في مقاله من قطاة. (2)
(1) مثل يضرب: أي أعلى الناس سهما. (2) أصدق من قطاة. مثل مشهور.
[89]
وناهيك بقول معاوية بن أبي سفيان لقومه يوم صفين: إن خطيب الأنصار قيس ابن سعد يقوم كل يوم خطيبا، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل (مر ص 81) وفي قول أمير المؤمنين عليه السلام له عند بعض مقاله كما مر ص 76: أحسنت والله يا قيس ؟ وأجملت. لغنى وكفاية عن أي إطراء وثناء عليه. * (حديث زهده) *
لا نحاول في البحث عن هذه النواحي في أي من التراجم سرد تاريخ أمة غابرة، أو ذكريات أماثل الأمة أو حثالتها في القرون الخالية فحسب، بل إنما نخوض فيها بما فيها من عظات دينية، وفلسفة أخلاقية، وحكم عملية، ومعالم روحية، ومصالح اجتماعية، ودستور في مناهج السير إلى المولى سبحانه، وبرنامج في إصلاح النفس، ودروس في التحلي بمكارم الأخلاق التي بعث لا تمامها نبي الاسلام. وهناك نماذج من نفسيات شيعة العترة الطاهرة وما لهم دون مناوئيهم من خلاق من المكارم والفضايل والقداسة والنزاهة يحق بذلك كله أن يكون كل من نظراء قيس قدوة للبشر في السلوك إلى المولى، وقادة للخلق في تهذيب النفس، ومؤدبا للأمة بالخلايق الكريمة، ومصلحا للمجتمع بالنفسيات الراقية، والروحيات السليمة، فلن تجد فيهم جرف منهال، ولا سحاب منجال (1) ففي وسع الباحث أن يستخرج من تاريخ تلكم النفوس القدسية من قيس ومن يصافقه في المبدء الديني، ومن ترجمة من يضادهم في التشيع بآل الله من عمرو بن العاص ومن يشاكله، حقيقة راهنة دينية أثمن وأغلى من معرفة حقايق الرجال، و الوقوف على تاريخ الأجيال الماضية، ويمكنه أن يقف بذلك على غاية كل من الحزبين (العلوي والأموي) مهما يكن القارئ شريف النفس، حرا في تفكيره، غير مقلد ولا أمعة، مهما حداه التوفيق إلى اتباع الحق. والحق أحق أن يتبع، غير ناكب عن الطريقة المثلى في البخوع للحقايق، والجنوح إليها.
(1) مثل يضرب. جرف منهال: أي لا حزم عنده ولا عقل. سحاب منجال: أي لا يطمع في خيره.
[90]
فخذ قيس بن سعد وعمرو بن العاص مثالا من الفريقين وقس بينهما، وضع يدك على أي مأثرة تحاوله من طهارة مولد، وإسلام، وعقل، وحزم، وعفة، وحناء، وشمم،
وإباء، ومنعة، وبذخ، وصدق، ووفاء، ووقار، ورزانة، ومجد، ونجدة، و شجاعة، وكرم، وقداسة، وزهد، وسداد، ورشد، وعدل، وثبات في الدين، وورع عن محارم الله، إلى مآثر أخرى لا تحصى، تجد الأول منهما حامل عب كل منها بحيث لو تجسم أي من تلكم الصفات ليكون هو مثاله وصورته. وهل ترى الثاني كذلك ؟ أللهم ؟ لا. بل كل منها في ذاته محكوم بالسلب، أضف إلى مخاز في المولد والمحتد والدين والفروسية والأخلاق والنفسيات كلها، وسنلمسك كل هذه بيديك عن قريب إنشاء الله تعالى. عندئذ يعرف المنقب نفسية كل من إمامي الحزبين (إذ الناس على دين ملوكهم) ويكون على بصرة من أمرهما، وحقيقة دعوة أي منهما، وتكون أمثلتهما نصب عينيه، إن لم يتبع الهوى، ولا تضله تعمية من يروقه جهل الأمة الإسلامية بالحقايق بقوله في مقاتلي أمير المؤمنين والخارجين عليه: إنهم كانوا مجتهدين مخطئين ولهم أجر واحد، أو بقوله: الصحابة كلهم عدول. وإن فعل أحدهم ما فعل وجنت يداه ما جنت، وخرج عن طاعة الإمام العادل، وسن لعنه وسبه وحاربه وقاتله وقتله. فالناظر إلى هذه التراجم بعين النصفة إذا أمعن فيها بما فيها من المغازي المذكورة يعتقد بأن (1) أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة، وصدق بقول النبي الطاهر: يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها. لعل الباحث لا يمر على شئ من خطب سيد الخزرج وكتبه وكلمه ومحاضراته إلا ويجده طافحا بقداسة جانبه عن كل ما يلوث ويدنس من إتباع الهوى، وبزهادته
(1) من هنا إلى آخر الكلمة لمولانا أمير المؤمنين إلا كلمتي صدق والطاهر.
[91]
عن حطام الدنيا، معربا عن ورعه عن محارم الله وخشونته في ذات ربه، وتعظيمه شعائر الدين، وقيامه بحق النبي الأعظم، ورعايته في أهل بيته وذويه بكل حول وطول، وبذل النفس والنفيس دون كلائة دينه وإعلاء كلمة الحق، وإرحاض معرة الباطل، وإصلاح الفاسد، وكسر شوكة المعتدين، وبعد اليأس عن صلاح أمته، والعجز عن الدعوة إلى الحق، لزم عقر داره بالمدينة المشرفة بقية حياته، وأقبل على العبادة حتى أدركه أجله المحتوم كما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 524. وأوفى كلمة في زهده وعبادته ما قاله المسعودي في مروج الذهب 2 ص 63 قال: كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضع العظيم، وبلغ من خوفه لله وطاعته إياه أنه كان يصلي فلما أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطرق، فمال على الثعبان برأسه وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته، ولا نقص منها شيئا حتى فرغ ثم أخذ الثعبان فرمى به. كذلك ذكر الحسن ابن علي بن عبد المغيرة عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (الإمام) علي بن موسى الرضا عليه السلام. ا ه. والحديث الرضوي هذا رواه الكشي بإسناده عنه عليه السلام في رجاله ص 63. وكان ذلك الخشوع والاقبال إلى الله في العبادة، وإفراغ القلب بكله إلى الصلاة من وصايا والده الطاهر له قال: يا بني ؟ أوصيك بوصية فاحفظها فإذا أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الأمر أضيع، إذا توضأت فأتم الوضوء، ثم صل صلاة امرء مودع يرى أنه لا يعود، وأظهر اليأس من الناس فإنه غنى، وإياك وطلب الحوائج إليهم فإنه فقر حاضر، وإياك وكل شئ تعتذر منه (تاريخ ابن عساكر 6 ص 90). وكان من دعاء سيدنا المترجم كما في " الدرجات الرفيعة " " وتاريخ الخطيب "
وغيرهما قوله: أللهم ؟ ارزقني حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال أللهم ؟ وسع علي، فإن القليل لا يسعني ولا أسعه. وفي البداية والنهاية 8 ص 100. كان قيس يقول أللهم ؟ ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. ومعلوم أن طلب المال غير مناف للزهادة فإن حقيقة الزهد أن لا يملكك المال لا أن لا تملك المال.
[92]
* (حديث فضله) * إن خطابات * (قيس) * وكتاباته ومحاضراته ومقالاته المبثوثة في طيات الكتب ومعاجم السير شواهد صادقة على تضلعه في المعارف الإلهية، وأشواطه البعيدة في علمي الكتاب والسنة، وفي خدمته النبي الأعظم مدة عشر سنين (1) أو مدة غير محدودة، وقد كان أبوه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله ليخدمه كما في أسد الغابة 4 ص 215 ومسامرته معه صلى الله عليه وآله سفرا وحضرا طول عمره مع ما كان له من العقل والحزم والرأي السديد والشوق المؤكد إلى تهذيب نفسه والولع التام إلى تكميل روحياته لغنى وكفاية عن أي ثناء على علمه المتدفق، وفضله الكثار، وتقدمه في علمي الكتاب والسنة. ومن المفضول أن نتعرض لإحصاء شواهد حسن تعليم النبي صلى الله عليه وآله إياه، وإنه كان يجيد تربيته، ويعلمه معالم دينه، ويفيض عليه من نمير فضله، و يلقنه بما يحتاج إليه الانسان الكامل من المعارف الدينية، وإن ملازمته لصاحب الرسالة وهو سيد الخزرج وابن سادتها لم تكن خدمة بسيطة كما هو الشأن في الخدم و والأتباع من الناس، وإنما هي كخدمة تلميذ لأستاذه للتعلم وأخذ المعارف الدينية، و الاقتباس من أنوار علمه، ومما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلمه معالم دينه في كل حال يجده، وكان قيس يغتنم الفرص ويظهر الشوق إليه، وينم عن
ذلك ما رواه ابن الأثير في أسد الغابة 4 ص 215 عن قيس قال: مر بي النبي صلى الله عليه وآله وقد صليت وقال: ألا أدلك إلى باب من أبواب الجنة ؟ قلت: نعم. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وسماعه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله عن أمير المؤمنين باب مدينة العلم النبوي، و أخذه منه علمي الكتاب والسنة كما قاله لمعاوية في حديث يأتي لما جرت بينهما مناظرة واحتج قيس عليه بكل آية نزلت في علي وبكل حديث ورد في فضله حتى قال معاوية: يا بن سعد: عمن أخذت هذا، وعمن رويته ؟ وعمن سمعته ؟ أبوك أخبرك
(1) البداية 8 ص 99، الإصابة 5 ص 254.
[93]
بذلك ؟ وعنه أخذته ؟ قال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي، وأعظم حقا من أبي. قال: من ؟ قال: علي بن أبي طالب عليه السلام عالم هذه الأمة وصديقها كل هذه آية محكمة تدل على إطلاعه الغزيز في المعالم الدينية، وبرهنة واضحة تثبت طول باعه في العلوم الإلهية، ومثل قيس إذا كان أخذه وسماعه وروايته عن مثل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ينحسر البيان عن استكناه فضله، ويقصر التعريف عن درك مداه. ومن شواهد غزارة علمه إسلامه الراسخ، وإيمانه المستقر، وعرفانه بأولياء الأمر بعد نبيه، وتهالكه في ولائهم، وتفانيه في نصرتهم إلى آخر نفس لفظه، وعدم اكتراثه لومة أي لائم، وكان هناك قوم حناق عليه من أهل النفاق وحملة الحقد والضغينة يعيرونه بولاء العترة الطاهرة، وعدم إيثاره على دينه عوامل النهمة، وعدم تأثره ببواعث الفخفخة أو دواعي الجشع، وعدم انتظاره منهم في دولتهم لرتبة ولا راتب، وعدم إرادته منهم على ولائه جزاءا عاجلا ولا شكورا، ويشف عن ذلك ما وقع بينه وبين حسان بن ثابت لما عزله أمير المؤمنين عن ولاية مصر ورجع إلى
المدينة فإنه حينما قدمها جاءه حسان شامتا به وكان عثمانيا فقال له: نزعك علي بن أبي طالب، وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر. فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب وأعمى البصر ؟ والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك، ثم أخرجه من عنده (1) ولولا أن قيسا مستودع العلوم والمعارف، ومستقى معالم الدين، ومعقد جمان الفضيلة، كما كانت له الشهرة الطايلة في الدهاء والحزم، لما ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر لإدارة شئونها الدينية، والمدينة، كما فوض إليه إقامة أمورها السياسية والإدارية والعسكرية، ولما كتب إليه بما مر ص 71 من كلامه عليه السلام: وعلم من قبلك مما علمك الله. فإن عامل الخليفة هو مرجع تلكم الشئون كلها في الوسط الذي استعمل به، وموئل أمته في كل مشكلة دينية: كما أن له إمامة الجمعة و الجماعة، وما كان للخليفة من منتدح عن استعمال من له الكفاية لذلك كله.
(1) تاريخ الطبري 5 ص ص 131، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 25.
[94]
قال الماوردي في (الأحكام السلطانية) ص 24: وإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين: عامة وخاصة. فأما العامة على ضربين: إمارة استكفاء بعقد عن اختيار، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار، فأما إمارة الاستكفاء التي تنعقد عن اختياره، فتشمل على عمل محدود، ونظر معهود، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله، ونظرا في المعهود من ساير أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل، ومعهودا من نظر، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور 1 - النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلا أن يكون الخليفة قدرها فيدرها عليهم.
2 - النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام. 3 - جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق منهما. 4 - حماية الدين والدب عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل. 5 - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين. 6 - الجمع والجماعات حتى يؤم بها أو يستخلف عليها. 7 - تسيير الحجيج من عمله. فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو اقترن بها ثامن وهو: جهاد من يليه من الأعداء: وقسم غنائمهم في المقاتلة، وأخذ خمسها لأهل الخمس، وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض. وقال في ص 20: يعتبر في تقليد وزارة التفويض شروط الإمامة إلا النسب. وذكر الشروط المعتبرة في الإمامة ص 4 وقال: إنها سبعة. 1 - العدالة على شروطها الجامعة. 2 - العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. 3 - سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان. 4 - سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة. 5 - الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
[95]
6 - الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو. 7 - النسب وهو أن يكون من قريش. إذا عرفت معنى التقليد بالولاية على المسلمين ومغزاها، ووقفت على الأمور الثمانية التي ينظر إليها كل أمير بالاستكفاء بعقد عن اختيار كأمير الاسلام الكبير * (قيس بن سعد) * واطلعت على ما يعتبر فيها من الشروط الستة المعتبرة في الإمامة
ووزارة التفويض، فحدث عن فضل قيس ولا حرج. * (كلمتنا الأخيرة عن قيس) * إنه من عمد الدين وأركان المذهب. لعلك بعد ما تلوناه عليك من فضايل المترجم له وفواضله، وعلومه ومعارفه، وحزمه وسداده، وصلاحه وإصلاحه، وتهالكه في نصرة إمامه الطاهر، وإقامته علم الدين منذ عهد النبوة وعلى العهد العلوي الناصع، وثباته عند تخاذل الأيدي وتدابر النفوس على العهد الحسني، ومصارحته بكلمة الحق في كل محتشد إلى آخر حياته، وعدم انخداعه ببهرجة الباطل، وزبرجة الالحاد السفياني، وثراء معاوية الطائل الهاطل عليه لخدعه عن دينه حينما بذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه كما مر ص 84 إنك لا تشك بعد ذلك كله في أن قيسا من عمد الدين، وأركان المذهب، وعظماء الأمة، ودعاة الحق، فدون مقامه الباذخ ما في المعاجم والكتب من جمل الثناء عليه مهما بالغوا فيها. ولولا مثل قيس في آل سعد لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه: أللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. وما كان يقول في غزوة ذي قرد: أللهم ارحم سعدا وآل سعد، نعم المرء سعد بن عبادة. وما كان يقول لما أكل طعاما في منزل سعد: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون. وما كان يقول لسعد وقيس لما أتيا بزاملة تحمل زادا يوم ضلت زاملة النبي: بارك الله عليكما يا أبا ثابت (1) أبشر فقد أفلحت إن الأخلاف بيد الله فمن شاء أن يمنحه منها
(1) كنية سعد والد المترجم له.
[96]
خلفا صالحا منحه، ولقد منحك الله خلفا صالحا. (1) فلينظر القارئ في قيس بن سعد إلى آثار رحمة الله، ومظاهر صلواته، ومجالي
فضله، وما أثرت فيه تلك الدعوة النبوية وما ظهر فيه وفي آله من بركاتها وقد حقت به الصلوات والرحمة الإلهية. صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. ولقيس محاضرة ومناظرة مع الشيخين في قصة طوق خالد ذكرها أبو محمد الديلمي الحسن بن أبي الحسن في (إرشاد القلوب) 2 ص 201، أفاضها بلسان ذلق، وإيمان مستقر وجنان ثابت نضرب عنها صفحا تحريا للايجاز. * (مشايخ قيس والرواة عنه) * يروي سيد الخزرج عن النبي صلى الله عليه وآله وصنوه الطاهر، وعن والده السعيد (سعد) كما في الإصابة وتهذيب التهذيب، ومن رواياته عن والده ما أخرجه الحافظ محمد ابن عبد العزيز الجنابذي الحنبلي في كتاب " معالم العترة " مرفوعا إلى قيس عن أبيه: إنه سمع عليا رضي الله عنه يقول: أصابتني يوم أحد ست عشر ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهن فجاء رجل حسن الوجه طيب الريح فأخذ بضبعي فأقامني ثم قال: أقبل عليهم فإنك في طاعة الله وطاعة رسوله وهما عنك راضيان. قال علي: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: يا علي ؟ أقر الله عينك ذاك جبريل (كفاية الطالب ط مصر ص 37، نور الأبصار ص 87). ويروي عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب الأنصاري المقتول يوم الحرة سنة 63 وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، ذكر روايته عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب 2 ص 193 وج 5 ص 193 وج 8 ص 396. ويروي عن سيدنا قيس زرافات من الصحابة والتابعين ذكر منهم في حلية الأولياء وأسد الغابة 4 ص 215، والإصابة 3 ص 249، وتهذيب التهذيب 8 ص 396: 1 - أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وآله.
(1) توجد هذه الأحاديث في إمتاع المقريزي ص 263، 515، تاريخ ابن عساكر 6 ص 82، 88، السيرة الحلبية 3 ص 8. (*)
[97]
م 2 - بكر بن سوادة يروي عن قيس حديثا في الملاهي كما في " السنن الكبرى " للبيهقي 10: 222]. 3 - ثعلبة بن أبي مالك القرظي. 4 - عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى 104. 5 - عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري خاصة أمير المؤمنين وصاحب رايته يوم الجمل، ضربه الحجاج حتى اسود كتفاه على سب علي فما فعل، كان أصحاب رسول الله يسمعون لحديثه، وينصتون له، قال عبد الله بن حارث: ما ظننت أن النساء ولدن مثله. ووثقه ابن معين والعجلي وغيرهما توفي 81 / 2 / 3 / 6، ترجمه ابن خلكان 1 ص 296 وكثير من أرباب المعاجم. 5 - عبد الله بن مالك الجيشاني المتوفى 77، ترجمه ابن حجر في تهذيبه 5 ص 380، وحكى عن جمع ثقته، وعن مرثد: كان أعبد أهل مصر، يروي عن أمير المؤمنين وعمر وأبي ذر ومعاذ بن جبل وعقبة. 6 - أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني. 7 - أبو عمار عريب بن حميد الهمداني. يروي عن أمير المؤمنين وحذيفة وعمار وأبي ميسرة، وثقه أحمد وغيره، راجع تهذيب التهذيب 7 ص 191. 8 - أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي المتوفى 63، أثنى عليه شيخنا الشهيد الثاني في درايته وقال: تابعي فاضل من أصحاب محمد بن مسعود. وترجمه ابن حجر في الإصابة 3 ص 114، وفي تهذيبه 8 ص 47 وقال: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من العباد وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة. م 9 - عمرو بن الوليد السهمي المصري المتوفى سنة 103 مولى عمرو بن العاص، يروي عن جمع من الصحابة منهم: المترجم له (قيس) كما في تهذيب التهذيب 8 ص 116،
ومن أحاديثه عنه حديث في الملاهي أخرجه من طريقه البيهقي في " السنن " 10: 222]. 10 - أبو نصر ميمون بن أبي شبيب الربعي الكوفي المتوفى 83 ويقال: الرقي يروي عن أمير المؤمنين وعمر ومعاذ بن جبل وأبي ذر والمقداد وابن مسعود، ترجمه
[98]
ابن حجر في تهذيبه. 11 - هزيل بن شرجيل الأزدي الكوفي. كما في حلية الأولياء 5 ص 24، والإصابة 3 ص 620. م 12 - الوليد بن عبدة [بفتح الباء) مولى عمرو بن العاص، يروي عن المترجم له كما في تهذيب ابن حجر ج 11 ص 141، ولعله عمرو بن الوليد المذكور كما يظهر من كلام الدار قطني]. 13 - أبو نجيع يسار الثقفي المكي المتوفى 109، حكى ابن حجر في تهذيبه عن جمع ثقته، وروى ابن الأثير في أسد الغابة 4 ص 215 عنه عن قيس عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: لو كان العلم متعلقا بالثريا لنا له ناس من فارس. م - وأخرجه أبو بكر الشيرازي المتوفى 407 في " الألقاب " كما في " تبييض الصحيفة " ص 4]. * (معاوية وقيس) * قبل وقعة صفين ذكر غير واحد من رجال التاريخ في معاجمهم (1): إنه لما قرب يوم صفين خاف معاوية على نفسه أن يأتيه علي بأهل العراق، وقيس بأهل مصر، فيقع بينهما ففكر في استدراج قيس واختداعه فكتب إليه: أما بعد: فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو في شتمه رجلا، أو تسييره أحدا، أو في استعماله الفتيان من أهله، فقد علمتم أن دمه لم يحل لكم بذلك، فقد ركبتم عظيما
من الأمر، وجئتم شيئا إدا، فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى الناس وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم يسلم من دمه عظيم قومك فإن استطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان ؟ فبايعنا على علي في أمرنا، ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا ما تحب فكتب إليه قيس:
(1) ذكره الطبري في تاريخه 5 ص 288، وابن الأثير في كامله 3 ص 107، وابن أبي الحديد في شرح النهج 2 ص 23 نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي المتوفى 283
[99]
أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان، وذلك أمر لم أقاربه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه وهذا أمر لم أطلع عليه، وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى الناس كان في أمره عشيرتي، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدم عثمان و ما عرضته علي فقد فهمته وهذا أمر لي فيه نظر وفكر، وليس هذا مما يعجل إلى مثله، وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيئ تكرهه حتى ترى ونرى. فكتب إليه معاوية: أما بعد: فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا، أراك كحبل الجزور، وليس مثلي يصانع بالخداع، ولا يخدع بالمكايد، ومعه عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك، وإن أنت لم تفعل ملأت عليك خيلا ورجلا، والسلام. فكتب إليه قيس: أما بعد: فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروج
عن طاعة أولى الناس بالأمر، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، ولديك قوم ضالون مضلون، طاغوت من طواغيت إبليس، وأما قولك: إنك تملأ علي مصر خيلا ورجلا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك لذو جد، والسلام. وفي لفظ الطبري: فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد. فلما آيس معاوية منه كتب إليه: (1) أما بعد: فإنك يهودي ابن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك، واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك، ونكل بك وكان أبوك وترقوسه، ورمى عير غرضه،
(1) من هنا كلام الجاحظ في " البيان والتبيين " 2 ص 68 والكتب المذكورة توجد في تعليق البيان ص 2 ص 48.
[100]
فأكثر الحز، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران. والسلام. فكتب إليه قيس: أما بعد: فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي وترقوسه، ورمى غرضه، وشغب عليه من لم يبلغ كعبه، ولم يشق غباره، ونحن أنصار الدين الذين خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه. والسلام. راجع كامل المبرد 1 ص 309، البيان والتبيين 2 ص 68، تاريخ اليعقوبي 2 ص 163، عيون الأخبار لابن قتيبة 2 ص 213، مروج الذهب 2 ص 62، مناقب الخوارزمي
ص 173، شرح ابن أبي الحديد 4 ص 15. لفظ الجاحظ في كتاب التاج ص 109. كتب قيس إلى معاوية: يا وثن ابن وثن ؟ تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي ابن أبي طالب، والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك، فوالله الذي لا إله غيره لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، ما سالمتك أبدا وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا حزب الشيطان على حزب الله. والسلام. كتاب مفتعل فلما آيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره، شق عليه ذلك، وثقل عليه مكانه، لما كان يعرف من حزمه وبأسه، ولم تنجع حيلة فيه تكاده من قبل علي فقال لأهل الشام: إن قيسا قد تابعكم فادعوا الله له ولا تسبوه ولا تدعوا إلى غزوه فإنه لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل (خربتا) يجري عليهم عطاياهم وأرزاقهم ويحسن إليهم. واختلق كتابا ونسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام وهو: بسم الله الرحمن الرحيم. للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد: سلام عليك، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني لما نظرت لنفسي
[101]
وديني فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله عز وجل العصمة لذنوبنا ونسأله لديننا، ألا وإني قد ألقيت إليكم بالسلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان رضي الله عنه إمام الهدى المظلوم، فعول علي فيما أحببت من الأموال والرجال اعجل عليك. والسلام (1) إن شنشنة التقول والافتعال غريزة ثابتة في سجايا معاوية، ومنذ عهده شاعت
الأحاديث المزورة فيما يعنيه من فضل بني أمية والوقيعة في بني هاشم عترة الوحي وأنصاره يوم كان يهب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لأهل الجباه السود فيضعون له في ذلك روايات معزوة إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله، فإنه بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم ليروي أن قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. نزل في ابن ملجم أشقى مراد. وقوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. الآية. نزل في علي أمير - المؤمنين. فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل (2) وله من نظاير هذا شئ كثير. فليس من البدع اختلاقه على قيس وهو يفتعل على سيده النبي الأطهر ما لم يقله، و على أمير المؤمنين ما لم يكن، وعلى سروات المجد من بني هاشم الأطيبين ماهم عنه بعداء. فهو مبتدع هذه الخزايات العايدة عليه وعلى لفيفه في عهد ملوكيته المظلم، وعلى هذا كان دينه وديدنه، ثم تمرنت رواة السوء من بعده على رواية الموضوعات وشاعت و كثرت إلى أن ألقت العلماء وحفظة الحديث في جهود متعبة بالتأليف في تمييز الموضوع من غيره، والخبيث من الطيب. لم يزل معاوية دائبا على ذلك متهالكا فيه حتى كبر عليه الصغير، وشاخ الكهل وهرم الكبير، فتداخل بغض أهل البيت عليهم السلام في قلوب ران عليها ذلك التمويه، فتسنى له لعن أمير المؤمنين عليه السلام وسبه في أعقاب الصلوات في الجمعة والجماعات
(1) تاريخ الطبري 5 ص 229، كامل ابن الأثير 3 ص 117، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 24. (2) شرح ابن أبي الحديد 1 ص 361.
[102]
وعلى صهوات المنابر في شرق الأرض وغربها حتى في مهبط وحي الله (المدينة
المنورة) قال الحموي في معجم البلدان 5 ص 38: لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلا مرة وامتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد. وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وآله على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة. ا ه. لما مات الحسن بن علي عليهما السلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن ههنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه ذكر له ذلك فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله: أن يلعنوه على المنابر. ففعلوا فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية: إنكم تعلنون الله ورسوله على منابركم وذلك إنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله. فلم يلتفت إلى كلامها (1). قال الجاحظ في كتاب الرد على الإمامية: إن معاوية كان يقول في آخر خطبته: أللهم إن أبا تراب ألحد في دينك. وصد عن سبيك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما. وكتب ذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيام عمر بن عبد العزيز. وإن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين ؟ إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل. فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا. وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 ص 356. قال الزمخشري في ربيع الأبرار على ما يعلق بالخاطر، والحافظ السيوطي: إنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه
لهم معاوية من ذلك. وفي ذلك يقول العلامة الشيخ أحمد الحفظي الشافعي في أرجوزته
(1) العقد الفريد 2 ص 300.
[103]
وقد حكى الشيخ السيوطي: إنه * قد كان فيما جعلوه سنه سبعون ألف منبر وعشره * من فوقهن يلعنون حيدره وهذه في جنبها العظائم * تصغر بل توجه اللوائم فهل ترى من سنها يعادى ؟ * أم لا وهل يستر أو يهادى ؟ ؟ أو عالم يقول: عنه نسكت ؟ * أجب فإني للجواب منصت وليت شعري هل يقال: اجتهدا * كقولهم في بغيه أم ألحدا ؟ أليس ذا يؤذيه أم لا ؟ فاسمعن * إن الذي يؤذيه من ومن ومن ؟ ؟ ؟ بل جاء في حديث أم سلمة *: هل فيكم الله يسب مه لمه ؟ عاون أخا العرفان بالجواب * وعاد من عادى أبا تراب وكان أمير المؤمنين يخبر بذلك كله ويقول: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن (1) يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبرائة مني. (نهج البلاغة). ونحن لو بسطنا القول في المقام لخرج الكتاب عن وضعه إذ صحايف تاريخ معاوية السوداء ومن لف لفه من بني أمية إنما تعد بالآلاف لا بالعشرات والمئات. * (الصلح بين قيس ومعاوية) * أمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم (وكان يعرف بصاحب شرطة الخميس كما في الكشي ص 72) وتعاهد هو معهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة، فأرسل معاوية إلى قيس يقول: على طاعة من تقاتل ؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك. فأبى قيس أن
يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله وقال: اكتب في هذا ما شئت فهو لك. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله. فقال معاوية: على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا. فلما بعث إليه معاوية
(1) مندحق البطن: واسعها. كان معاوية موصوفا بالنهم وكثرة الأكل. (2) تاريخ الطبري 6 ص 94، كامل ابن الأثير 3 ص 163.
[104]
ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي أمير المؤمنين عليه السلام الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل في سجله ذلك مالا، وأعطاه معاوية ما سأل و دخل قيس ومن معه في طاعته. (2) قال أبو الفرج فأرسل معاوية إليه يدعوه إلى البيعة، فلما أرادوا إدخاله إليه قال: إني حلفت أن ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف. فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينهما ليبر يمينه، فلما دخل قيس ليبايع وقد بايع الحسن عليه السلام فأقبل على الحسن عليه السلام فقال: أفي حل أنا من بيعتك ؟ فقال: نعم. فألقي له كرسي وجلس معاوية على سرير والحسن معه فقال له معاوية: أتبايع يا قيس ؟ قال: نعم. ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجاء معاوية من سريره وأكب على قيس حتى مسح يده وما رفع إليه قيس يده (1). قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 192: بويع معاوية بالكوفة في ذي القعدة سنة 40 و أحضر الناس لبيعته، وكان الرجل يحضر فيقول: والله يا معاوية ؟ إني لا بايعك وإني لكاره لك. فيقول: بايع فإن الله قد جعل في المكروه خيرا كثيرا، ويأتي الآخر فيقول: أعوذ بالله من نفسك. وأتاه قيس بن سعد بن عبادة، فقال: بايع قيس. قال: إني كنت لأكره مثل هذ اليوم يا معاوية ؟ فقال له: مه رحمك الله. فقال: لقد حرصت أن أفرق
بين روحك وجسدك قبل ذلك فأبى الله يا بن أبي سفيان إلا ما أحب. قال: فلا يرد أمر الله. قال: فأقبل قيس على الناس بوجهه فقال: يا معشر الناس ؟ لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العز، و الكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم ؟ أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون ؟. فجثا معاوية على ركبته ثم أخذ بيده وقال: أقسمت عليك ثم صفق على كفه ونادى الناس: بايع قيس. فقال: كذبتم والله ما بايعت. ولم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الإيمان، فكان أول من استحلف على بيعته.
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الجديد 4 ص 17.
[105]
أخرج الحافظ عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية: وأنت يا قيس ؟ تلجم علي مع من ألجم ؟ أما الله لقد كنت أحب أن لا تأتيني هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع. فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارها أن أقوم في هذا المقام فأحييك بهذه التحية. فقال له معاوية: ولم ؟ و هل أنت حبر من أحبار اليهود ؟ ! فقال له قيس: وأنت يا معاوية ؟ كنت صنما من أصنام الجاهلية، دخلت في الاسلام كارها، وخرجت منه طائعا. فقال معاوية: أللهم غفرا مد يدك. فقال له قيس: إن شئت زدت وزدت (تاريخ ابن كثير 8 ص 99). * (قيس ومعاوية في المدينة) * بعد الصلح بينهما دخل قيس بن سعد بعد وقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية: يا معشر الأنصار ؟ بم تطلبون ما قبلي ؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا
علي، ولفللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلتم: ارع وصية رسول الله صلى الله عليه وآله. هيهات يأبى الحقين العذرة. فقال قيس: نطلب ما قبلك بالاسلام الكافي به الله لا بما نمت به إليك الأحزاب، وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأما هجاونا إياك فقول يزول باطنه ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فللنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعة الله طاعته، وأما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده، وأما قولك: يأبى الحقين العذرة. فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية ؟ فدونك أمرك يا معاوية ؟ فإنما مثلك كما قال الشاعر: يا لك من قبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري فقال معاوية يموه: إرفعوا حوائجكم. العقد الفريد 2 ص 121، مروج الذهب 2 ص 63، الإمتاع والمؤانسة 3 ص 170. * (بيان) * قول معاوية: يأبى الحقين العذرة. مثل ساير، أصله: أن رجلا نزل بقوم فاستسقاهم لبنا فاعتلوا عليه وزعموا أن لا لبن عندهم، وكان اللبن محقونا في وطاب
[106]
عندهم، يضرب به الكاذب الذي يعتذر ولا عذر له، يعني: أن اللبن المحقون لديكم يكذبكم في عذركم. فما في مروج الذهب من: يأبى الحقير العذرة. وفي العقد الفريد أبي الخبير العذر. فهو تصحيف. * (قيس ومعاوية في المدينة) * روى التابعي الكبير أبو صادق سليم بن قيس الهلالي في كتابه قال: قدم معاوية حاجا في أيام خلافته بعد ما مات الحسن بن علي عليها السلام فاستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذين استقبلوه عامهم قريش فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال:
ما فعلت الأنصار، وما بالها ما تستقبلني ؟ ؟ ! ! فقيل: إنهم محتاجون ليس لهم دواب. فقال معاوية: فأين نواضحهم ؟ فقال قيس بن سعد: أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون. فقال معاوية: أللهم اغفر. فقال قيس: أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سترون بعدي أثرة. فقال معاوية: فما أمركم به ؟ قال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقونه. ثم قال يا معاوية: تعيرنا بنواضحنا ؟ والله لقد لقيناكم عليها يوم بدر وأنتم جاهدون على إطفاء نور الله، وأن تكون كلمة الشيطان هي العليا، ثم دخلت أنت وأبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه. فقال معاوية: كأنك تمن علينا بنصرتكم إيانا فلله ولقريش بذلك المن والطول. ألستم تمنون علينا يا معشر الأنصار بنصرتكم رسول الله وهو من قريش وهو ابن عمنا ومنا، فلنا المن والطول إن جعلكم الله أنصارنا وأتباعنا فهداكم بنا. فقال قيس. إن الله بعث محمد صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين فبعثه إلى الناس كافة، وإلى الجن والإنس والأحمر والأسود والأبيض اختاره لنبوته، واختصه برسالته، فكان أول من صدقه وآمن به ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو طالب يذب عنه ويمنعه ويحول بين كفار قريش وبين أن يردعوه أو يؤذوه وأمره أن يبلغ رسالة ربه، فلم يزل ممنوعا من الضيم والأذى حتى مات عمه أبو طالب وأمر ابنه بموازرته فوازره ونصره، وجعل نفسه دونه في كل شديدة وكل ضيق وكل خوف، واختص الله بذلك
[107]
عليا عليه السلام من بين قريش، وأكرمه من بين جميع العرب والعجم، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله في
حجر عمه أبي طالب فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي. فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا، فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله ؟ صلى الله عليك. فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال: أللهم املأ جوفه علما وفهما وحكما. ثم قال لأبي طالب: يا أبا طالب ؟ اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى. وآخى صلى الله عليه وآله بين علي وبين نفسه. فلم يدع قيس شيئا من مناقبه إلا ذكره واحتج به. وقال: منهم: جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين اختصه الله بذلك من بين الناس. ومنهم: حمزة سيد الشهداء. ومنهم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. فإذا وضعت من قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وعترته الطيبين فنحن والله خير منكم يا معشر قريش ؟ وأحب إلى الله ورسوله وإلى أهل بيته منكم، لقد قبض رسول الله فاجتمعت الأنصار إلى أبي ثم قالوا: نبايع سعدا فجائت قريش فخاصمونا بحجة علي وأهل بيته، وخاصمونا بحقه وقرابته، فما يعدوا قريش أن يكونوا ظلموا الأنصار وظلموا آل محمد، ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش ولا لأحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي بن أبي طالب وولده من بعده. فغضب معاوية وقال: يا بن سعد ؟ عمن أخذت هذا ؟ وعمن رويته ؟ وعمن سمعته ؟ أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته ؟ ؟ ! ! فقال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي وأعظم علي حقا من أبي. قال: من ؟ قال: علي بن أبي طالب عالم هذه الأمة، وصديقها ؟ الذي أنزل الله فيه: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب - فلم يدع آية نزلت في علي إلا ذكرها - قال معاوية: فإن صديقها أبو بكر، وفاروقها عمر والذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. قال قيس: أحق هذه الأسماء وأولى بها الذي أنزل الله فيه: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، والذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم فقال: من كنت مولاه أولى به من نفسه
[108]
فعلي أولى به من نفسه، وقال في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي كل ما ذكره قيس في هذه المناظرة من الآيات النازلة في أمير المؤمنين، والأحاديث النبوية المأثورة في فضله، أخرجها الحفاظ والعلماء في المسانيد والصحاح نذكر كلا منها في محله إنشاء الله كما مر بعضها. * (قيس في خلقته) * إن للأشكال والهيئات دخلا في مواقع الأبهة والاكبار، فإنها هي التي تملأ العيون بادئ بدء، وهي أول ما تقع عليه النظر من الانسان قبل كل ما انحنت عليه أضالعه، من جاش رابط، وبطولة وبسالة، ودهاء وحزم، ولذلك قيل: إن للهيئة قسطا من الثمن، وهذا في الملوك والأمراء، وذوي الشئون الكبيرة آكد، فإن الرعية تتفرس في العظيم في جثته عظما في معنوياته، وتترسم منه كبر نفسياته، وشدة أمره، ونفوذ عزائمه، وترضخ له قبل الضئيل الذي يحسب أنه لا حول له ولا طول، وإنه يضعف دون إدارة الشئون طوقه وأوقه، ولذلك إن الله سبحانه لما عرف طالوت لبني إسرائيل ملكا عرفه بأنه أوتي بسطة في العلم والجسم، فبعلمه يدير شئون الشعب الدينية والمدنية. ويكون ما أوتي من البسطة في الجسم من مؤكدات الأبهة و الهيبة التي هي كقوة تنفيذية لمواد العلم وشئونه. إن سيد الأنصار " قيس " لما لم يدع الله سبحانه شيئا من صفات الفضيلة ظاهرة وباطنة إلا وجمعه فيه من علم، وعمل، وهدى، وورع، وحزم، وسداد، وعقل، ورأي ودهاء، وذكاء، وإمارة، وحكومة، ورياسة وسياسة، وبسالة، وشهامة، وسخاء، و كرم، وعدل، وصلاح، لم يشأ يخليه عن هذه الخاصة المربية بمقام العظماء. فقال شيخنا الديلمي في إرشاده 2 ص 325: إنه كان رجلا طوله ثمانية عشر
شبرا في عرض خمسة أشبار، وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين. وقال أبو الفرج: كان قيس رجلا طوالا يركب الفرس المشرف ورجلاه يخطان في الأرض. ومر ص 77 عن المنذر بن الجارود أنه رآه في الزاوية على فرس أشقر تخط رجلاه في الأرض. وقال أبو عمر والكشي في رجاله ص 73: كان قيس من العشرة الذين لحقهم النبي صلى الله عليه وآله
[109]
من العصر الأول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، وكان قيس وأبوه سعد طولهما عشر أشبار بأشبارهم. وعن كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي أنه قال: كان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة، وكان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلي ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات. عد الثعالبي في " ثمار القلوب " ص 480 من الأمثال الدائرة والمضافات المعروفة والمنسوب السائر: سراويل قيس. وقال: إنه يضرب مثلا لثوب الرجل الضخم الطويل، وكان قيصر بعث إلى معاوية بعلج من علوج الروم طويل جسيم، معجبا بكمال خلقته و امتداد قامته، فعلم معاوية أنه ليس لمطاولته ومقاومته إلا قيس بن سعد بن عبادة فإنه كان أجسم الناس وأطولهم، فقال له يوما وعنده العلج: إذا أتيت رحلك فابعث إلي بسراويلك. فعلم قيس مراده فنزعها ورمى بها إلى العلج والناس ينظرون فلبسها العلج فطالت إلى صدره، فعجب الناس وأطرق الرومي مغلوبا، وليم قيس على ما فعل بحضرة معاوية فأنشد يقول: أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا: غاب قيس وهذه * سراويل عاد قد نمته ثمود وإني من القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجسم به أعلو الرجال مديد ورواها ابن كثير في " البداية والنهاية " 8 ص 103 بتغيير فيها ثم قال: وفي رواية:
أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم والآخر أطول الروم: فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا ؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضروا عند معاوية قال: من لهذا القوي ؟ فقالوا: ما له إلا أحد رجلين إما محمد بن الحنفية أو عبد الله بن الزبير، فجيئ بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك ؟ قال: لا. فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس لك، وتناولني يدك أو أناولك يدي فأينا قدر
[110]
على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد ؟ تجلس أو أجلس ؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت. فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ولا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي عند ذلك وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي: اجلس لي. فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض، فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية. يستفيد القارئ من أمثال هذه الموارد من التاريخ أن أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم كانوا هم المرجع لحل المشكلات من كل الوجوه كما أن مولاهم أمير المؤمنين عليه السلام كان هو المرجع الفذ فيها لدى الصدر الأول. وفاته
قال الواقدي وخليفة بن خياط والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص 179 وابن كثير في تاريخه 8 ص 102 وغيرهم بكثير: إنه توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. فإن عدت سنة وفاة معاوية من سني خلافته فالمترجم له توفي في سنة ستين، وإلا ففي تسع وخمسين، ولعل هذا منشأ ترديد ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في أسد الغابة في تاريخ وفاته بين السنتين، ففي الأول: إنه توفي سنة ستين. وقيل تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية، وفي الثاني بالعكس، وذكر ابن الجوزي سنة 59 وتبعه ابن كثير في تاريخه، وهناك قول لابن حبان متروك قال: إنه هرب من معاوية ومات سنة 85 في خلافة عبد الملك. ذكره ابن حجر في الإصابة 3 ص 249، واستصوب قول خليفة ومن وافقه. بيت قيس كان في العصور المتقادمة آل قيس من أشرف بيوتات الأنصار، وما زال منبثق أنوار العلم والمجد في أدواره، بين زعيم، وحافظ، وعالم، ومحدث، ومشفوع بالصلاح
[111]
والقداسة، منهم: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عمار بن يحيى بن العباس بن عبد الرحمن بن سالم بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري. ترجم له السمعاني في " الأنساب " وقال: من أشرف بيت في الأنصار، ومن أوحد مشايخ نيسابور في الثروة والعدالة والورع والقبول والاتقان من الرواية، وأكثرهم طلبا للحديث والفهم والمعرفة، سمع بنيسابور محمد بن رافع، وإسحاق بن منصور، و عبد الرحمن بن بشير بن الحكم، وبالعراق عمر بن شبه النميري، والحسن بن محمد بن الصباح، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وأحمد بن سنان القطان، وبالحجاز بحر بن نصر الخولاني، وبالري أبا زرعة، ومحمد بن مسلم بن داره، روى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن عبدوس، ومحمد بن شريك الأسفرايني، وأبو أحمد إسماعيل بن
يحيى بن زكريا، مات في جمادى الآخر سنة 317 بنيسابور. م - ومنهم: أبو بكر محمد بن أبي نصر أحمد بن العباس بن الحسن بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد الأنصاري الشهير بالعياضي [بكسر العين] ذكره السمعاني في " الأنساب " وقال: من أهل سمرقند كان فقيها جليلا من رؤساء البلدة والمنظورين إليهم، روى عن أبي علي محمد بن محمد بن الحرث الحافظ السمرقندي لقيه أبو سعد الادريسي (1) ولم يكتب عنه شيئا. (2) ومنهم: أبو أحمد بن أبي نصر العياضي أخو أبي بكر العياضي المذكور]. ومنهم: ابن المطري أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى بن عساس بن يوسف بن بدر بن عثمان الأنصاري الخزرجي العبادي المدني. قال أبو المعالي السلامي في " المختار " كما في منتخبه ص 72: إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة. كان حافظ وقته، حسن الأخلاق، كثير العبادة، جميل العشرة مع العلماء ورواد العلم، ارتحل في سماع الحديث إلى الشام ومصر والعراق، ورأى في حياته كوارث، نهبت داره سنة 742 وحبس مدة ثم أطلق، له كتاب [الإعلام فيمن دخل المدينة من
م - (1) أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الاسترابادي نزيل سمرقند والمتوفى بها في سلخ ذي الحجة سنة 405). م - (2) وذكره وأخاه محيي الدين ابن أبي الوفاء في " الجواهر المضية " ص 13).
[112]
الأعلام] سمع الحديث بالمدينة المشرفة من أبي حفص عمر بن أحمد السوداني، وبالقاهرة من أبي الحسن علي بن عمر الواني، ويوسف بن عمر الختني، ويوسف بن محمد الدبابيسي، وبالاسكندرية من عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة، وبدمشق من أحمد بن أبي طالب بن الشحنة، والقاسم بن عساكر، وأبي نصر ابن الشيرازي، وببغداد من محمد بن عبد المحسن الدواليبي. توفي بالمدينة المشرفة في ربيع الأول سنة 765. (1)
ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي بن مكي بن طرد بن حسين بن مخلوف بن أبي الفوارس بن سيف الاسلام (2) بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المكي المالكي النحوي، المولود سنة 709 والمتوفى في المحرم سنة 808، ترجم له السيوطي في " بغية الوعاة " ص 161. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
(1) أخذناها من " منتخب المختار " ص 72، " الدرر الكامنة " ص 284. (2) أحسب هنا سقطا في النسب كما لا يخفى.
[113]
فهرس ترجمة عمرو بن العاص السهمي قصيدته الجلجلية وما يتبعها - 114 - 118 نسبه أما وأبا - 120 - 126 حديث إسلامه - 126 عشرون كلمة تمثل عمرا - 127 - 156 حديث شجاعته - 156 - 158 أمير المؤمنين وعمرو في المعركة - 158 - 166 الأشتر وعمرو في المعركة - 166 - 171 درس دين وأخلاق - 171 - 175 وفاة عمرو - 175 - 176
[114]
4 - عمرو بن العاص
المتوفى سنة 43 معاوية الحال لا تجهل * وعن سبل الحق لا تعدل نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي ؟ وقد أقبلوا زمرا يهرعون * مهاليع كالبقر الجفل (1) وقولي لهم: إن فرض الصلاة * بغير وجودك لم تقبل فولوا ولم يعبأوا بالصلاة * ورمت النفار إلى القسطل ولما عصيت إمام الهدى * وفي جيشه كل مستفحل أبا البقر البكم أهل الشأم * لأهل التقى والحجى أبتلي ؟ فقلت: نعم، قم فإني أرى * قتال المفضل بالأفضل فبي حاربوا سيد الأوصياء * بقولي: دم طل من نعثل (2) وكدت لهم أن أقاموا الرماح * عليها المصاحف في القسطل وعلمتهم كشف سوأتهم * لرد الغضنفرة المقبل فقام البغاة على حيدر * وكفوا عن المشعل المصطلي نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل ؟ ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد خاض في المقتل خلعت الخلافة من حيدر * كخلع النعال من الأرجل وألبستها فيك بعد الأياس * كلبس الخواتيم بالأنمل ورقيتك المنبر المشمخر * بلا حد سيف ولا منصل ولو لم تكن أنت من أهله * ورب المقام ولم تكمل
(1) أهرع: أسرع. الهلع: الجزع. الجفل: النفر والشرد. (2) طل الدم: هدر أو لم يثأر له فهو طليل ومطلول ومطل.
[115]
وسيرت جيش نفاق العراق * كسير الجنوب مع الشمأل وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الحمير مع المحمل وجهلك بي يا بن آكلة الكبود * لأعظم ما أبتلي فلولا موازرتي لم تطع * ولولا وجودي لم تقبل ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل نصرناك من جهلنا يا بن هند * على النبأ الأعظم الأفضل وحيث رفعناك فوق الرؤوس * نزلنا إلى أسفل الأسفل وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي ؟ وفي يوم " خم " رقى منبرا * يبلغ والركب لم يرحل وفي كفه كفه معلنا * ينادي بأمر العزيز العلي ألست بكم منكم في النفوس * بأولى ؟ فقالوا: بلى فافعل فأنحله إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل وقال: فمن كنت مولى له * فهذا له اليوم نعم الولي فوال مواليه يا ذا الجلال * وعاد معادي أخ المرسل ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطعهم بي لم يوصل فبخبخ شيخك لما رأى * عرى عقد حيدر لم تحلل فقال: وليكم فاحفظوه * فمدخله فيكم مدخلي وإنا وما كان من فعلنا * لفي النار في الدرك الأسفل وما دم عثمان منج لنا * من الله في الموقف المخجل وإن عليا غدا خصمنا * ويعتز بالله والمرسل (2) يحاسبنا عن أمور جرت * ونحن عن الحق في معزل فما عذرنا يوما كشف الغطا ؟ * لك الويل منه غدا ثم لي
إلا يا بن هند أبعت الجنان * بعهد عهدت ولم توف لي
(1) في بعض النسخ: وبلغ والصحب لم ترحل. (2) في رواية الخطيب التبريزي: سيحتج بالله والمرسل.
[116]
وأخسرت أخراك كيما تنال * يسير الحطام من الأجزل وأصبحت بالناس حتى استقام * لك الملك من ملك محول وكنت كمقتنص في الشراك (1) * تذود الظماء عن المنهل كأنك أنسيت ليل الهرير * بصفين مع هولها المهول وقد بت تذرق ذرق النعام * حذارا من البطل المقبل وحين أزاح جيوش الضلال * وافاك كالأسد المبسل وقد ضاق منك عليك الخناق * وصار بك الرحب كالفلفل (2) وقولك: يا عمرو ؟ أين المفر * من الفارس القسور المسبل ؟ عسى حيلة منك عن ثنيه * فإن فؤدادي في عسعل وشاطرتني كلما يستقيم * من الملك دهرك لم يكمل فقمت على عجلتي رافعا * وأكشف عن سوأتي أذيلي فستر عن وجهه وانثنى * حياء وروعك لم يعقل وأنت لخوفك من بأسه * هناك ملأت من الأفكل (3) ولما ملكت حماة الأنام * ونالت عصاك يد الأول منحت لغيري وزن الجبال * ولم تعطني زنة الخردل وأنحلت مصرا لعبد الملك (4) وأنت عن الغي لم تعدل وإن كنت تطمع فيها فقد * تخلى القطا من يد الأجدل وإن لم تسامح إلى ردها * فإني لحوبكم مصطلي
بخيل جياد وشم الأنوف * وبالمرهفات وبالذبل وأكشف عنك حجاب الغرور * وأيقظ نائمة الأثكل فإنك من إمرة المؤمنين * ودعوى الخلافة في معزل ومالك فيها ولا ذرة * ولا لجدودك بالأول
(1) أقتنص الطير أو الظبي: اصطاده. (2) الفلفل: القرب بين الخطوات. (3) الأفكل: الرعدة من الخوف. (4) عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين.
[117]
فإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل ؟ وأين الحصا من نجوم السما ؟ * وأين معاوية من علي ؟ فإن كنت فيها بلغت المنى * ففي عنقي علق الجلجل (1) * (ما يتبع الشعر) * هذه القصيدة المسماة بالجلجلية كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان في جواب كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه، توجد منها نسختان في مجموعتين في المكتبة الخديوية بمصر كما في فهرستها المطبوع سنة 1307 ج 4 ص 314 وروى جملة منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص 522 وقال: رأيتها بخط أبي زكريا يحيى (2) بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502. وقال الاسحاقي في " لطايف أخبار الدول " ص 41: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص: إنه قد تردد كتابي إليك بطلب خراج مصر وأنت تمتنع وتدافع ولم تسيره فسيره إلي قولا واحدا وطلبا جازما، والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص جوابا وهي القصيدة الجلجلية المشهورة التي أولها:
معاوية الفضل لا تنس لي * وعن نهج الحق لا تعدل نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي ؟ وقد أقبلوا زمرا يهرعون * ويأتون كالبقر المهل ومنها أيضا: ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل ؟ وألعقته عسلا باردا * وأمزجت ذلك بالحنظل (3)
(1) مثل يضرب راجع مجمع الأمثال للميداني ص 195. (2) أحد أئمة اللغة والنحو قال ابن ناصر: كان ثقة في النقل وله المصنفات الكثيرة. كذا ترجم له ابن كثير في تاريخه 12 ص 171. (3) في رواية الخطيب التبريزي: فألمظه عسلا باردا * وأخبأ من تحته حنظلي
[118]
ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد غاب في المفصل وأخلعتها منه عن خدعة * كخلع النعال من الأرجل وألبستها فيك لما عجزت * كلبس الخواتيم في الأنمل ومنها أيضا: ولم تك والله من أهلها * ورب المقام ولم تكمل وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الجنوب مع الشمأل نصرناك من جهلنا يا بن هند * على البطل الأعظم الأفضل وكنت ولن ترها في المنام * فزفت إليك ولا مهر لي وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل
وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي ومنها أيضا: وإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل ؟ وأين الثريا وأين الثرى ؟ * وأين معاوية من علي ؟ فلما سمع معاوية هذه الأبيات لم يتعرض له بعد ذلك. ا ه. وذكر الشيخ محمد الأزهري في شرح مغني اللبيب 1 ص 82 هذه الأبيات برمتها حرفيا نقلا عن تاريخ الاسحاقي غير أنه حذف قوله: وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل وذكر منها ثلاث عشر بيتا ابن شهر آشوب في " المناقب " 3 ص 106. وأخذ منها السيد الجزايري في " الأنوار النعمانية " ص 43 عشرين بيتا. وذكر برمتها الزنوزي في الروضة الثانية من رياض الجنة وقال: هذه القصيدة تسمى بالجلجلية لما في آخرها: وفي عنقي علق الجلجل. وخمسها بطولها الشاعر المفلق الشيخ عباس الزيوري البغدادي، وقفت عليه في ديوانه المخطوط المصحح بقلمه، ويوجد التخميس في إحدى نسختي المكتبة الخديوية بمصر. يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون
[119]
مهمات مصادر ترجمة عمرو بن العاص..
[120]
* (الشاعر) * عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لوي القرشي أبو محمد وأبو عبد الله.
أحد دهاة العرب الخمس، منه بدئت الفتن وإليه تعود، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب، وتناقلته الآثار والسير، وإذا استرسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج، كما تجده في كلمات الصحابة الأولين، فالبغل نغل وهو لذلك أهل (1) ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى. نسبه أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد (إن شانئك هو الأبتر) وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء (2) وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره الفخر الرازي من: أن كلا من أولئك كانوا يشنئون رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة العاص ابن وائل. فالآية تشملهم أجمع، ويخص اللعين بخزي آكد، ولذلك اشتهر بين المفسرين أنه هو المراد. قال الرازي في تفسيره 8 ص 503، روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير. وقال ص 504 بعد نقل الأقوال الأخر: ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول، فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه. وروى التابعي الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه: أن الآية نزلت في
(1) مثل يضرب لمن لؤم أصله فخبث فعله. (2) راجع الطبقات لابن سعد 1 ص 115، والمعارف لابن قتيبة ص 124، وتاريخ ابن عساكر 7 ص 330.
[121]
المترجم نفسه، كان أحد شانئي رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات ولده إبراهيم فقال:
إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له. وذكره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال: إن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا وذكره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبد الله بن جعفر في حديثيهما الآتيين. فالمترجم له هو (الأبتر ابن الأبتر) وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام. تعرفنا الآية الكريمة المذكورة إن كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو أنثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب، أضف إلى ذلك حديث أمه ليلى العنزية الجلانية. كانت أمه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، ولما وضعته ادعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به، وأكثر نفقة عليها، ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها: مرحبا بك يا عمة ؟ فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت: يا بن أخي ؟ لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الاسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته، شريفا عند الله مرضيا، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم
يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنة، وغايتكم النار. فقال لها عمرو بن العاص: أيها العجوز الضالة ؟ أقصري من قولك، وغضي
[122]
من طرفك. قالت: ومن أنت ؟ لا أم لك. قال: عمرو بن العاص. قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بمكة وآخذهن لأجرة، إربع على ظلعك (1) واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد إدعاك ستة (2) نفر من قريش كله يزعم أنه أبوك فسألت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر، فأتم بهم فإنك بهم أشبه. (3) وقال الإمام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر: أما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة (4) من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئي محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل. (5) وعده الكلبي أبو المنذر هشام المتوفى 206 / 4 في كتابه " مثالب العرب " الموجود عندنا - ممن يدين بسفاح الجاهلية، وقال في باب تسمية ذوات الرايات: وأما النابغة أم عمرو بن العاص: فإنها كانت بغيا من طوايف مكة فقدمت مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم: أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، في طهر واحد فولدت عمرا فاختصم القوم جميعا فيه كل يزعم أنه ابنه، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه اثنان: العاص بن وائل، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أمه. فقال العاص: ليس هو كما تقول
(1) مثل يضرب لمن يتوعد. ربع في المكان أي أقام به. الظلع: العرج. يقال: ظلع البعير أي غمز في مشيته فالمعنى: لا تجاوز حدك في وعيدك، وأبصر نقصك وعجزك عنه.
(2) في العقد الفريد، وروض المناظر: خمسة. (3) بلاغات النساء ص 27، العقد الفريد 1 ص 164، روض المناظر 8 ص 4، ثمرات الأوراق 1 ص 132، دايرة المعارف لفريد وجدي 1 ص 215، جمهرة الخطب 2 ص 363. (4) في لفظ الكلبي وسبط ابن الجوزي: خمسة. (5) أخذنا هذه الجملة من حديث المهاجاة الطويلة الواقعة بين الإمام الحسن بن علي وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، في مجلس معاوية رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 101 نقلا عن كتاب المفاخرات للزبير بن بكار، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 114.
[123]
هو إبني فحكما أمه فيه فقالت: للعاص. فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما صنعت و أبو سفيان أشرف من العاص ؟ فقالت: إن العاص كان ينفق على بناتي، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئا وخفت الضيعة، وزعم ابنها عمرو بن العاص إن أمه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة. وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن أبي معيط. (1) وعده الكلبي من الأدعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال: قال الهيثم: ومن الأدعياء عمرو بن العاص، وأمه النابغة حبشية، وأخته لأمه أرينب (بضم الألف) وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص: لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو ؟ فقال: لعفيف بن أبي العاص. قال عثمان: صدقت. إنتهى. وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 11 في كتاب " الأنساب ": إن عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان، والعاص، فقيل: لتحكم أمه فقالت: إنه
من العاص بن وائل. فقال أبو سفيان. أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسبا. فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح. ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله: أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل ففاخر به إما فخرت ولا تكن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت * فقالت رجاء عند ذاك لنائل: من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعت الأقوام عند المحامل (2) وقال الزمخشري في " ربيع الأبرار ": كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة (بالتحريك) فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكة فكانت
(1) وإلى هنا ذكره سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 117 عن المثالب. (2) شرح ابن أبي الحديد 2 ص 101.
[124]
بغيا. ثم ذكر نظير الجملة الأولى من كلام الكلبي ونسب الأبيات المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. وقال: جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه ولم تكن بمنصب مرضي فأتاه بمصر أميرا عليها فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كانت امرأة من عنزة، ثم من بني جلان تسمى ليلى وتلقب النابغة، إذهب وخذ ما جعل لك (1) وقال الحلبي في سيرته 1 ص 46 في نكاح البغايا. ونكاح الجمع. من أقسام نكاح الجاهلية: الأول أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت الحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم. الثاني: أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر
عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان. تسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه، وحينئذ يحتمل أن يكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني فإنه يقال: إنه وطئها أربعة هم: العاص، وأبو لهب، وأمية، وأبو سفيان، و ادعي كلهم عمرا فألحقته بالعاص لإنفاقه على بناتها. ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل عليه ما قيل: إنه الحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، وكان عمرو يعير بذلك عيره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة (2). * (عبد الله وعمرو) * روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7 ص 330: إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية: يا بن جعفر ؟ يريد تصغيره. فقال له: لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول:
(1) ورواه المبرد في الكامل، ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 ص 284، ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكر في شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 100، جمهرة الخطب 2 ص 19. (2) ذكر قتل عثمان عند الكلام على بناء المسجد ج 2 ص 72 - 88 ولم يوجد هناك شيئ مما أو عزاليه.
[125]
تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة * لتستر منه ضوءه بظلامكا كفرت اختيارا ثم آمنت خيفة * وبغضك إيانا شهيد بذلكا * (عبد الله وعمرو) * أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه 7 ص - 438: إن عبد الله بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال: هذا
عبد الله وهو بالباب: فقال: إئذن له. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين ؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف فقال عبد الله: كذبت يا عمرو ؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه: لله ذكور، ولبلاءه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضى الله في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ينوء بالدليل، ويأوي فيها إلى القليل، قد بدت بين حيين، وكالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال ؟ أم بأي قديم تعرض للرجال ؟ أبنفسك ؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم. أم بمن تنتمي إليه ؟ فأنت أهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الاسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وأيم الله إن كان لأسهل للوعث (1) وألم للشعث (2) أن يكعمك (3) معاوية على ولوعك باعراض قريش كعام الضبع في وجاره (4) فأنت لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي. قال: فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية: نشدتك الله إلا ما كففت. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئا. فقال معاوية: أما في مجلسك هذا فدع الانتصار و
(1) الوعث بالفتح: العسر الغليظ. (2) يقال: لم الله شعثهم. أي جمع أمرهم. (39 يقال: كعم البعير. أي شد فمه لئلا يعض أو يأكل. (4) الوجار بكسر الواو وفتحها: حجر الضبع وغيرها
[126]
عليك بالاصطبار. وأشار إلى هذه القصة ابن حجر في الإصابة 2 ص 320. إسلامه إن الذي حدانا إليه يقين لا يخالجه شك بعد الأخذ بمجامع ما يؤثر عن الرجل في شئونه وأطواره: أنه لم يعتنق الدين اعتناقا، وإنما انتحله انتحالا وهو في الحبشة، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الأعظم تنتهي إليه الأنباء عن أمر الرسالة، ويبلغه التقدم والنشور له، وسمع من النجاشي قوله: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟ فقال: أيها الملك ؟ أكذلك هو ؟ فقال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده (1). فراقه التزلف إلى صاحب الرسالة بالتسليم له فلم ينكفئ إلى الحجاز إلى طمعا في رتبة، أو وقوفا على لماظة من العيش، أو فرقا من البطش الإلهي بالسلطة النبوية. فنحن لا نعرفه في غضون هاتيك المدد التي كان يداهن فيها المسلمين و يصانعهم إبقاءا لحياته، واستدرارا لمعاشه، إلا كما نعرفه يوم كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة ذات سبعين بيتا فلعنه صلى الله عليه وآله عدد أبياته. وهو كما قال أمير المؤمنين: متى ما كان للفاسقين وليا، وللمسلمين عدوا ؟ ؟ وهل يشبه إلا أمه التي دفعت به. (2) وكان كما يأتي عن أمير المؤمنين من قوله: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا. قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 ص 137: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى: قول عمرو بن العاص لمعاوية لما قاله معاوية: يا أبا عبد الله ؟ إني لأكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا: دعنا عنك. كناية عن الالحاد بل تصريح به، أي: دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة و
إنها لاتباع بعرض الدنيا من الخرافات، وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط
(1) سيرة ابن هشام 3 ص 319 وغير واحد من كتب السيرة النبوية والتاريخ. (29 تذكرة خواص الأمة ص 56، السيرة الحلبية وغيرهما.
[127]
في الالحاد والزندقة وكان معاوية مثله. وقال في ج 2 ص 113: نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها وأوردتها لأني لا أجحد الفاضل فضله وإن كان دينه عندي غير مرضي. وقال في ص 114: قال شيخنا أبو عبد الله: أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال: حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم. فقال: وثقت بقوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا. وقال في ج 2 ص 179: وأما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم. وهناك كلمات ذكرت في مصادر وثيقة تمثل الرجل بين يدي القاري بروحياته و حقيقته، وتخبره بعجره وبجره (1) وإليك نماذج منها: 1 - كلمة النبي الأعظم دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له: عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد: إن رسول الله صلى الله عليه و آله غزا غزوة وأنتما معه فرءاكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم راءكما اليوم
الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير. كذا أخرجه ابن مزاحم في كتاب " صفين " ص 112 ورواه ابن عبد ربه في " العقد الفريد " 2 ص 290 عن عبادة بن الصامت وفيه: إنه صلى الله عليه وآله قاله في غزوة تبوك ولفظه: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير.
(1) العجر: العروق المتعقدة. البحر: العروق المتعقدة في البطن. مثل يضرب لمن يخبر بجميع عيوبه.
[128]
2 - كلمة أمير المؤمنين روى أبو حيان التوحيدي في " الإمتاع والمؤانسة " 3 ص 183 قال: قال الشعبي: ذكر عمرو بن العاص عليا فقال: فيه دعابة فبلغ ذلك عليا فقال: زعم ابن النابغة إني تلعابة، تمراحة، ذو دعابة، اعافس، وامارس. هيهات يمنع من العفاس والمراس (1) ذكر الموت وخوف البعث والحساب، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب، إنه ليعد فيخلف، ويحدث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم إسته. ورواه بهذا اللفظ شيخ الطايفة في أماليه ص 82 من طريق الحافظ ابن عقدة. * (صورة أخرى على رواية الشريف الرضي) * عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وإني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال باطلا، ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسئل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ؟ ؟ ! ! ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان
ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة. (2) - نهج البلاغة - 1 ص 145. * (صورة أخرى على رواية ابن قتيبة) * قال زيد بن وهب: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا لابن النابغة يزعم إني تلعابة، أعافس وأمارس، أما وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و يسئل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تؤخذ السيوف مآخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبر قط ويمنع الناس إسته، قبحه
(1) العفاس بالكسر: الفساد المراس: العبث واللعب. (2) يقال: رضخ له من ماله رضيخة. أي: قليلا من كثير.
[129]
الله وترحه. (عيون الأخبار 1 ص 164). * (صورة أخرى على رواية ابن عبد ربه) * ذكر عمرو بن العاص عند علي بن أبي طالب فقال فيه علي: عجبا لابن الباغية يزعم إني بلقائه أعافس وأمارس، ألا وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و ويسئل فيبخل، فإذا احمر البأس، وحمى الوطيس، وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه، ويمنح الناس إسته، فضه الله وترحه. (العقد الفريد 2 ص 287). 3 - كلمة أخرى له عليه السلام لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يوم صفين يدعون إلى حكم القرآن قال علي عليه السلام: عباد الله ؟ أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية،
وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال، وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها الباطل، إنهم والله ما رفعوها، إنهم يعرفونها ولا يعملون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة. كتاب صفين لابن مزاحم ص 264 4 - كلمة أخرى له عليه السلام قال أبو عبد الرحمن المسعودي: حدثني يونس بن أرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع علي بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا فقال علي: هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو: و ما فيها يا رسول الله ؟ قال: فيها أن لا تقاتل به مسلما، ولا تقربه من كافر. فأخذها، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة. كتاب صفين لابن مزاحم ص 110.
[130]
5 - كتاب أمير المؤمنين إلى عمرو من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام. سلام على من اتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل: وافق شن طبقة (1) فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغا فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا،
أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن تعجزا (2) وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاما، وبعقابه عقابا. والسلام. * (فائدة) * هذا الكتاب بهذه الصورة ذكرها ابن أبي الحديد (3) في شرحه 4 ص 61 نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ولم نجده فيه فمن أمعن النظر في جل ما نقله ابن أبي الحديد عن هذا الكتاب يعلم بأن المطبوع منه هو مختصره لا أصله وهو أكبر من الموجود بكثير. صورة أخرى له فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، إتباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهب دنياك وآخرتك، ولو بالحق أخذت، أدركت ما طلبت، فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما. والسلام. نهج البلاغة 2 ص 64
(1) مثل ساير له قصة يستفاد منها. شن: اسم رجل. طبقة: اسم امرأة: راجع مجمع الأمثال للميداني 2 ص 321. (2) عجز الشئ: مؤخره. (3) وذكره عنه الدكتور أحمد زكي صفوت في جمهرة الرسائل 1 ص 486.
[131]
6 - خطبة أمير المؤمنين بعد التحكيم لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي عليه السلام ابن
عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيبا فقال: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد -: فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونحلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر (1) فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن (2): أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد ألا ؟ إن هذين الرجلين: (عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري) اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد (3)، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام. الإمامة والسياسة 1 ص 119، تاريخ الطبري 6 ص 45، مروج الذهب 2 ص 35، نهج البلاغة 1 ص 44، كامل ابن الأثير 3 ص 146. ذكر ابن كثير في تاريخه 7 ص 286 هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العيث والفساد بما هم عليه، أولم يره صادرا من أهله في محله، أولم يرض أن تطلع الأمة الإسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى
(1) قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيده أن لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليزوجها، فخالفه وقصد إليها فقتلته فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. فذهب مثلا. (2) دريد بن الصمة.
(3) في الإمامة والسياسة: لم يرشدهما الله.
[132]
آخر البيت فقال: ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، و قال ما فيه حط عليهما. ا ه وهناك لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبه كلمات كثيرة حول الرجل مثل قوله: قد سار إلى مصر ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله. وقوله: إن مصرا افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا. (1) نضرب عنها صفحا روما للاختصار. 7 - قنوت أمير المؤمنين بلعن عمرو م - أخرج أبو يوسف القاضي في " الآثار " ص 71 من طريق إبراهيم قال: إن عليا رضي الله عنه قنت يدعو على معاوية رضي الله عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه]. وروى الطبري في تاريخه 6 ص 40 قال: كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: أللهم ؟ العن معاوية، وعمرا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا، وابن عباس، والأشتر، وحسنا، وحسينا. ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 302 وفي ط مصر ص 636 وفيه: كان علي إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول: أللهم ؟ العن معاوية، و عمرا، وأبا موسى، وحبيب بن سلمة. إلى آخر الحديث باللفظ المذكور، غير أن فيه: قيس بن سعد مكان الأشتر. م - وقال ابن حزم في المحلى 4: 145: كان علي يقنت في الصلوات كلهن، و كان معاوية يقنت أيضا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه].
ورواه الوطواط في " الخصايص " ص 330 وزاد فيه: ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك. وذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " 3 ص 144 بلفظ الطبري. م - وقال أبو عمر في " الاستيعاب " في الكنى في ترجمة أبي الأعور السلمي: كان
(1) تاريخ الطبري 6 ص 61 و 62.
[133]
هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين، وكان من أشد من عنده على علي رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول: أللهم عليك به. مع قوم يدعو عليهم في قنوته. وذكره على لفظ الطبري أبو الفدا في تاريخه 1: 179]. م - وقال الزيلعي في نصب الراية 2: 131: قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على علي]. ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 59 بلفظ الطبري حرفيا إلى قنوت معاوية وزاد فيه: محمد بن الحنفية، وشريح بن هاني. وذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 ص 200 نقلا عن كتابي صفين لابن ديزيل (المترجم له ج 1 ص 73) ونصر بن مزاحم. وذكره الشبلنجي في " نور الأنصار " ص 110. 8 - دعاء عايشة على عمرو لما بلغ عايشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص. رواه الطبري في تاريخه 6 ص 60، ابن الأثير في " الكامل " 3 ص 155، ابن كثير في تاريخه 7 ص 314، ابن أبي الحديد في شرح النهج 2: 33. 9 - الإمام الحسن الزكي وعمرو
روى الزبير بن بكار في كتاب " المفاخرات " قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص (1) وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين ؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون: ؟ قالوا: ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعبره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن
(1) الكلمة القارصة: التي تنغص وتؤلم. ج قوارص.
[134]
يغير علينا شيئا من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله. قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين ؟ لتفعلن. فقال: ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي. قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ؟ أو يربي قوله على قولنا ؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك. قال. أما إذا عضيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله. فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده ؟ فسماهم، فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم قال: يا جارية ؟ ابغيني ثيابي، أللهم ؟ إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين. ثم قام فدخل على معاوية. إلى أن قال:
فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له: ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي. وقال: إنكم يا بني عبد المطلب ؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن ؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه، سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.
[135]
فتكلم الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (إلى أن قال لعمرو بعد جمل ذكرت ص 122): وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون: أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله: أللهم ؟ إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي،
أللهم العنه بكل حرف ألف لعنة. فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن. وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (أي: قشرت) قرحة أدميتها. ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا، ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا بن العاص ؟ ألست القائل ؟ في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي: تقول ابنتي: أين هذا الرحيل ؟ * وما السير مني بمستنكر فقلت: ذريني فإني امرؤ * أريد النجاشي في جعفر لأكويه عنده كية * أقيم بها نخوة الأصعر وشانئ أحمد من بنيهم * وأقولهم فيه بالمنكر وأجري إلى عتبة جاهدا * ولو كان كالذهب الأحمر ولا أنثني عن بني هاشم * وما اسطعت في الغيب والمحضر فإن قبل العتب مني له * وإلا لويت له مشفري (1) تذكرة سبط ابن الجوزي ص 14، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 103، جمهرة الخطب ج 2 ص 12.
* (بيان) * قوله عليه السلام: لتأتي بجعفر وأصحابه إلى مكة. يشير إلى هجرته الثانية إلى الحبشة وقد هاجر إليها من المسلمين نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثمان عشر امرأة. وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب، ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة الوليد بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليسلم المسلمين، فرجعا خائبين، وأبى النجاشي أن يخفر ذمته.
قوله عليه السلام: لما ارتكب من حليلته. ذلك: إن عمرا وعمارة ركبا البحر إلى الحبشة وكان عمارة جميلا وسيما تهواه النساء، وكان مع عمرو بن العاص امرأته، فلما صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معها فانتشى عمارة فقال لامرأة عمرو: قبليني. فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك. فقبلته، فهواها عمارة وجعل يراودها عن نفسها، فامتنعت منه، ثم إن عمرا أجلس على منجاف (1) السفينة يبول فدفعه عمارة في البحر، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة، وضغن على عمارة في نفسه، وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا حتى نزلا الحبشة، فلما اطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره فيقول عمرو: لا أصدقك إنك قدرت على هذا، إن شأن هذا المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه من السحر ما عرف به ذلك قال له: إن كنت صادقا فقل لها: فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره، فإني أعرفه وآتني بشئ منه حتى أصدقك. قال: أفعل. فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة، فقال عمرو، أشهد أنك قد صدقت لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط: امرأة الملك. ما سمعنا بمثل هذا، ثم سكت عنه حتى اطمأن ودخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة وقدم إليه الدهن. فلما أثبت أمره دعا بعمارة ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه، ثم أمرهن ينفخن في إحليله حتى خلى سبيله فخرج هاربا. عيون الأخبار لابن قتيبة 1 ص 37، الأغاني 9 ص 56، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 107، قصص العرب 1 ص 89.
(1) منجاف السفينة: سكانها الذي تعدل به.
[137]
10 - كتاب ابن عباس إلى عمرو كتب ابن عباس مجيبا إلى عمرو بن العاص: أما بعد: فإني لا أعلم رجلا من
العرب أقل حياءا منك، إنه مال بك معاوية إلى الهوى، وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت بالناس في عشوة طمعا في الملك، فلما لم تر شيئا، أعظمت الدنيا إعظاما أهل الذنوب وأظهرت فيها نزهة أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله بذلك فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها بسواء، أردت الله، وأردت أنت مصر، وقد عرفت الشيئ الذي باعدك مني، وأعرف الشيئ الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا نسبقك به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه، ثم دعا الفضل بن عباس فقال له: يا بن أم ؟ أجب عمرا. فقال الفضل: يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فليس لداء الجهل من آس (1) إلا تواتر طعن في نحوركم * يشجي النفوس ويشفي نخوة الراس هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم * حتى تطيعوا عليا وابن عباس أما علي فإن الله فضله * بفضل ذي شرف عال على الناس إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة (2) * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قد كان منا ومنكم في عجاجتها * ما لا يرد وكل عرضة الباس قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة * هذا بهذا وما بالحق من باس لا بارك الله في مصر لقد جلبت * شرا وحظك منها حسوة الكاس (3) يا عمرو إنك عار من مغانمها * والراقصات ومن يوم الجزا كاس الإمامة والسياسة 1 ص 95، كتاب صفين ص 219، شرح ابن أبي الحديد
2 ص 288. وهناك أبيات تعزى إلى حبر الأمة ابن عباس في كتاب " صفين " لابن مزاحم ص 300 ذكر فيها عمرا بكل قول شائن. 11 ابن عباس وعمرو حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس ؟ مالك إذا رأيتني وليتني قصرة (1) كأن بين عينيك دبرة (2) وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة (3) الهمزة ؟ (4) فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش من الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحمله، وتسعو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك ؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا. العقد الفريد 2 ص 136 12 - ابن عباس وعمرو حضر عبد الله بن جعفر مجلس معاوية وفيه عبد الله بن عباس، وعمرو بن العاص، فقال عمرو: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ولكنه: لله ذكور ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب،
وإذا سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا عيابة مغتاب، حل من قريش في كريم
(1) القصر والقصرة بفتح الصاد: الكسل. (2) الدبر بفتح المهملة والموحدة: قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه ج دبرو ادبار. (3) الهوهاة: ضعيف القلب. أحمق. (4) همز الشيطان الانسان: همس في قلبه وسواسا.
[139]
النصاب، كالهزبر الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنئ، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا، ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين، كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عرفوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال ؟ وبأي حسب تعتد به تبارز عند النضال ؟ أبنفسك ؟ وأنت: الوغد اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم، أم بمن تنمي إليهم ؟ وهم: أهل السفه و الطيش، والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الاسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله لكان أبين للفضل، و أبعد للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، ولم يورق فيها غصنك. فقال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت. فقال ابن عباس: دعني والعبد، فإنه قد يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا، وقد أتيح له ضيغم شرس، للاقران مفترس، وللأرواح مختلس، فقال عمرو بن العاص: دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه فوالله ما ترك شيئا. قال ابن عباس: دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان:
وقدما قد قرعت وقارعوني * فما نزر الكلام ولا شجاني يصد الشاعر العراف عني * صدود البكر عن قرم هجان هذا الحديث أخرجه الجاحظ في (المحاسن والأضداد) ص 101، والبيهقي في (المحاسن والمساوي) 1 ص 68، وقد مر ص 125 عن ابن عساكر لعبد الله بن أبي سفيان نحوه، وفي بعض ألفاظه تصحيف يصحح بهذا. 13 - معاوية وعمرو لما علم معاوية أن الأمر لم يتم له إن لم يبايعه عمرو فقال له: يا عمرو ؟ اتبعني. قال. لماذا ؟ للآخرة ؟ فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا ؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها.
[140]
وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب: إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، ووالله ما يجد بدا من كتابتها، ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر وعمرو يقول له: إنما أبايعك بها ديني. فقال عتبة: إئتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد. وكتب عمرو إلى معاوية: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع فإن تعطني مصرا فأربح صفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع العقد الفريد 2 ص 291. 14 - معاوية وعمرو بصورة مفصلة كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى بيعته، فاستشار
معاوية بأخيه عتبة بن أبي سفيان فقال له: استعن بعمرو بن العاص، فإنه من قد علمت في دهائه ورأيه، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن تثمن له بدينه فسيبيعك، فإنه صاحب دنيا، فكتب إليه معاوية وهو بالسبع من فلسطين: - أما بعد -: فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة (1) أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أذاكرك أمرا. فلما قرأ الكتاب استشار ابنيه عبد الله ومحمد فقال لهما: ما تريان ؟ فقال عبد الله: أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غايب، فقر في منزلك فلست معجولا خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فتشقى فيها. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وأن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فألحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها وأطلب بدم عثمان، فإنك قد استلمت فيه إلى بني أمية. فقال
(1) الرافضة: كل جند تركوا قايدهم.
[141]
عمرو: أما أنت يا عبد الله ؟ فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد ؟ فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وأنا ناظر فيه، فلما جنه الليل رفع صوته وأهله ينظرون إليه: تطاول ليلي للهموم الطوارق * وخوف التي تجلو وجوه العوائق وإن ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها بنات البوائق أتاه جرير من علي بخطة * أمرت عليه العيش ذات مضائق فإن نال مني ما يؤمل رده * وإن لم ينله ذل ذل المطابق فوالله ما أدري وما كنت هكذا * أكون ومهما قادني فهو سائقي أخادعه إن الخداع دنية * أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم تقتطعني عوائقي وخالفه فيه أخوه محمد * وإني لصلب العود عند الحقائق فقال عبد الله: رحل الشيخ. وفي لفظ اليعقوبي: بال الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه: فلما أصبح دعا عمرو غلامه " وردان " وكان داهيا ماردا فقال: ارحل يا وردان ؟ ثم قال: حط يا وردان ؟ ثم قال: ارحل يا وردان ؟ حط يا وردان ؟ فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله ؟ أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك. قال: هات ويحك: قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض الآخرة، فأنت واقف بينهما. قال: فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان ؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية، فارتحل وهو يقول: يا قاتل الله وردانا وفطنته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان نفس تعف وأخرى الحرص يقلبها (1) والمرء يأكل تبنا وهو غرثان (2)
(1) في شرح ابن أبي الحديد: يغلبها. (2) غرث غرثا: جاع. فهو غرثان ج غرثى وغراث وغراثي.
[142]
أما علي فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على * بصر وما معي بالذي أختار برهان إني لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان
عمرو لعمر أبيه غير مشتبه * والمرء يعطس والوسنان وسنان فسار حتى قدم على معاوية وعرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه وكايد كل واحد منهما صاحبه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر. قال: وما ذاك ؟ قال ذاك: أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو من آفات هذا الدين. ومنها: إن قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام. ومنها: إن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا. قال: ليس كل ما ذكرت عظيما، أما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك ؟ وأما قيصر فاهد له من وصفاء (1) الروم ووصائفها وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع. وأما علي فلا والله يا معاوية ؟ ما تستوي العرب بينك وبينه في شيئ من الأشياء، إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه. وفي رواية أخرى قال معاوية يا أبا عبد الله ؟ إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة، وقطع الرحم. قال عمرو: إلى من ؟ قال: إلى جهاد علي. فقال عمرو: والله يا معاوية ؟ ما أنت وعلي بعكمي (2) بعير، مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه، و الله إن له مع ذلك حدا وحدودا وحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ؟ وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر. قال: حكمت. قال: مصر طعمة. فتلكأ عليه. (3)
(1) الوصيف. الغلام دون المراهق ج وصفاء. مؤنثه الوصيفة ج وصائف. (2) العكم بالكسر: العدل بالكسر. (3) تلكأ عن الأمر. أبطأ وتوقف.
[143]
وفي حديث: قال له معاوية: إني أكره لك أن يتحدث العرب عنك: إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال دعني عنك (1) قال معاوية: إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت. قال عمر: لا لعمر الله ما مثلي يخدع لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن مني برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو ويسار فعض معاوية أذنه، وقال: هذه خدعة، هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع فإن تعطني مصرا فاربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع (2) وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع ولكنني أغضي الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع وأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وإني به إن زلت النعل أصرع وتمنعني مصرا وليست برغبة (3) * وإني بذا الممنوع قدما لمولع قال: أبا عبد الله ؟ ألم تعلم أن مصرا مثل العراق ؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق، وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي قال: فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك ؟ ليتك لا تغلب على الشام. فقال معاوية: يا عتبة ؟ بت عندنا الليلة فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية وقال: أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز إنما أنت خروف مائل * بين ضرعين وصوف لم يجز أعط عمرا إن عمرا تارك * دينه اليوم لدنيا لم تحز يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز (4)
(1) مر تحليل هذه الكلمة ص 126. (2) البيتان يوجدان في عيون الأخبار لابن قتيبة 1 ص 181.
(3) الرغبة بكسر المهملة وفتحها: العطاء الكثير. (4) الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب. الشخبة: الدفعة منه ج شخاب: غرزا الغنم: ترك حلبها لتسمن.
[144]
واسحب الذيل وبادر فوتها * وانتهزها إن عمرا ينتهز (1) أعطه مصرا وزده مثلها * إنما مصر لمن عز فبز (2) واترك الحرص عليها ضلة * واشبب النار لمغرور يكز إن مصرا لعلي ولنا * تغلب اليوم عليها من عجز فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو فأعطاه مصرا فقال له عمرو: لي الله عليك بذلك شاهد. قال له معاوية: نعم لك الله علي بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة. قال عمرو: والله على ما نقول وكيل. فخرج عمرو من عنده فقال له إبناه: ما صنعت ؟ قال: أعطانا مصر. قالا: وما مصر في ملك العرب ؟ !. قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر، وكتب معاوية على أن لا ينقض شرط طاعة. وكتب عمرو على أن لا ينقض طاعة شرطا. فكايد كل واحد منهما صاحبه. كتاب صفين لابن مزاحم ص 20 - 24، كامل المبرد 1 ص 221، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 136 - 138، تاريخ اليعقوبي 2 ص 161 - 163، رغبة الآمل من كتاب الكامل 3 ص 108، قصص العرب 2 ص 362. 15 عمار بن ياسر وعمرو اجتمع عمار بن ياسر مع عمرو بن العاص في المعسكر يوم صفين، فنزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمايل سيوفهم فتشهد عمرو بن العاص (يعني قال: أشهد أن لا إله إلا الله) فقال عمار: اسكت فقد تركتها في حياة محمد ومن بعده، ونحن أحق بها منك، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك، وإن شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل
الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك، وتكفرك قبل القيام، و تشهد بها على نفسك، ولا تستطيع أن تكذبني. قال عمرو: يا أبا اليقظان ؟ ليس لهذا جئت إنما جئت لأني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم، أذكرك الله إلا كففت سلاحهم، وحقنت دمائهم وحرضت على ذلك فعلام تقاتلنا ؟ ! أو لسنا نعبد إلها واحدا ؟ ونصلي قبلتكم، وندعو ودعوتكم ؟ ونقرأ كتابكم ؟ ونؤمن برسولكم ؟ قال عمار: الحمد
(1) يقال: جاء يسحب ذيله: أي يمشي متبخترا انتهز: ابتدر واغتنم. (2) بزه غلبه. بز الشيئ منه: أخذه بجفاء وقهر.
[145]
لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولأصحابي القبلة، والدين وعبادة الرحمن، والنبي والكتاب، من دونك ودون أصحابك، الحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال، وجعلك أعمى، وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك، أمرني رسول الله أن أقاتل الناكثين وقد فعلت، و أمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا. أيها الأبتر ؟ ألست تعلم أن رسول الله قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ؟ ! وأنا مولى الله ورسوله وعلي من بعده وليس لك مولى. قال له عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان ؟ ولست أشتمك، قال عمار: وبم تشتمني ؟ أتستطيع أن تقول: إني عصيت الله ورسوله يوما قط ؟ قال له عمرو: إن فيك لمسبات سوى ذلك. قال عمار: إن الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعا فرفعني الله، ومملوكا فأعتقني الله، وضعيفا فقواني الله، وفقيرا فأغناني الله. وقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان ؟ قال فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلي قتله. قال عمار: بل الله رب علي قتله. (1) وروى نصر في كتابه ص 165 في حديث: فلما دنا عمار بن ياسر رحمه الله بصفين
من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو ؟ بعت دينك بمصر، تبا لك، وطال ما بغيت الاسلام عوجا. ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 53 وزاد: والله ما قصدك وقصد عدو الله ابن عدو الله بالتعلل بدم عثمان إلا الدنيا. 16 - أبو نوح الحميري وعمرو أتى أبو نوح الحميري الكلاعي يوم صفين مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس، وعبد الله بن عمر يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله ؟ هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك ؟ قال عمرو: ومن هو ؟ قال ذو الكلاع: ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة. فقال عمرو: إني لأرى عليك سيما أبي تراب. قال أبو نوح: علي
(1) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 176، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 373.
[146]
سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون. كتاب صفين ص 174، شرح النهج لابن أبي الحديد. 17 - أبو الأسود الدؤلي وعمرو قدم أبو الأسود (1) الدؤلي على معاوية بعد مقتل علي رضي الله عنه وقد استقامت لمعاوية البلاد، فأدنى مجلسه، وأعظم جائزته، فحسده عمرو بن العاص فقدم على معاوية فاستأذن عليه في غير وقت الإذن له فقال له معاوية: يا أبا عبد الله ؟ ما أعجلك قبل وقت الإذن فقال: يا أمير المؤمنين ؟ أتيتك لأمر قد أوجعني وارقني وغاظني، وهو من بعد ذلك نصيحة لأمير المؤمنين. قال: وما ذاك ؟ يا عمرو ؟ قال: يا أمير المؤمنين ؟ إن أبا الأسود رجل مفوه له عقل وأدب، من مثله للكلام يذكر ؟ وقد أذاع بمصرك من الذكر لعلي، والبغض لعدوه وقد خشيت عليك أن يترى (2) في ذلك حتى يؤخذ لعنقك، وقد رأيت أن ترسل إليه، وترهبه، وترعبه، وتسبره، وتخبره، فإنك
من مسألته على إحدى خبرتين، إما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته، وإما أن يستقبلك فيقول ما ليس من رأيه، فيحتمل ذلك عنه فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح إنشاء الله تعالى. فقال له معاوية: إني امرؤ والله لقل ما تركت رأيا لرأي امرئ قط إلا كنت فيه بين أن أرى ما أكره وبين بين، ولكن إن أرسلت إليه فسألته فخرج من مساءلتي بأمر لا أجد عليه مقدما ويملأني غيظا لمعرفتي بما يريد، وإن الأمر فيه أن يقبل ما أبدى من لفظه فليس لنا أن نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانبا. فقال عمرو: أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين، وقد عرفت رأي ولست أرى خلافي و ما آلوك خيرا، فأرسل إليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئا. فأرسل معاوية إلى أبي الأسود فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثا فرحب به معاوية وقال: يا أبا الأسود ؟ خلوت أنا وعمرو فتناجزنا (3) في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين. قال: سل يا أمير المؤمنين ؟ عما بدا لك. فقال: يا
(1) ظالم بن عمرو التابعي الكبير المتوفى سنة 69 وهو ابن خمس وثمانين سنة. (2) ترى تريأ في الأمر: تراخى فيه. (3) ناجزه: خاصمه. والمناجزة في الحرب المبارزة.
[147]
أبا الأسود ؟ أيهم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: أشدهم حبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وأوقاهم له بنفسه. فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسه، ثم تمادى في مسألته فقال: يا أبا الأسود ؟ فأيهم كان أفضلهم عندك ؟ قال أتقاهم لربه وأشدهم خوفا لدينه. فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: يا أبا الأسود ؟ فأيهم كان أعلم ؟ قال: أقولهم للصواب وأفصلهم للخطاب. قال: يا أبا الأسود ؟ فأيهم كان أشجع ؟ قال: أعظمهم بلاء، وأحسنهم عناء، وأصبرهم على اللقاء. قال: فأيهم كان أوثق عنده ؟ قال من أوصى إليه فيما بعده. قال: فأيهم كان للنبي صلى الله عليه وآله صديقا ؟ قال: أولهم به تصديقا. فأقبل معاوية على عمرو و
قال: لا جزاك الله خيرا، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئا ؟ فقال أبو الأسود: إني قد عرفت من أين أتيت، فهل تأذن لي فيه ؟ فقال: نعم. فقل ما بدا لك. فقال يا أمير المؤمنين، إن هذا الذي ترى هجا رسول الله صلى الله عليه وآله بأبيات من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللهم ؟ إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمرا بكل بيت لعنة. أفتراه بعد هذا نائلا فلاحا ؟ أو مدركا رباحا ؟ وأيم الله إن امرءا لم يعرف إلا بسهم أجيل عليه فجال لحقيق أن يكون كليل اللسان ضعيف الجنان، مستشعرا للاستكانة، مقارنا للذل والمهانة، غير ولوج فيما بين الرجال، ولا ناظر في تسطير المقال، إن قالت الرجال أصغى، وإن قامت الكرام أقعى (1) متعيص لدينه لعظيم دينه، غير ناظر في أبهة الكرام ولا منازع لهم، ثم لم يزل في دجة ظلماء مع قلة حياء، يعامل الناس بالمكر والخداع، والمكر والخداع في النار. فقال عمرو: يا أخا بني الدؤل ؟ والله إنك لأنت الذليل القليل، ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الأجدل الحدية (2) غير أنك بهم تطول، وبهم تصول، فلقد استطبت مع هذا لسانا قوالا، سيصير عليك وبالا، و أيم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين قديما وحديثا، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لتوالي عدوه، وتعادي وليه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليقطعن عنه لسانك، وليخرجن من رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان (3) في أصل الشجرة.
(1) أقعى الكلب: جلس على استه. (2) الأجدل: الصقر. والحداة بكسر الحاء: طائر من الجوارح. والعامة تسميه الحدية. (3) الأفعوان بضم الأول: ذكر الأفعى.
[148]
فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود ؟ أغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك. و قال لعمرو: فلم تغرق كما أغرقت ولم تبلغ ما بلغت، غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء،
والباغي أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره وقوما غير مطرودين، فقام عمرو وهو يقول: لعمري لقد أعيى القرون التي مضت * لغش ثوى بين الفؤاد كمين وقام أبو الأسود وهو يقول: ألا إن عمرا رام ليث خفية (1) وكيف ينال الذئب ليث عرين تاريخ ابن عساكر 7 ص 104 - 106 18 - حديث أبي جعفر وزيد قال أبو جعفر وزيد بن الحسن: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو: على أن لي حكمي إن قتل الله ابن أبي طالب ؟ واستوسقت لك البلاد. فقال: أليس حكمك في مصر ؟ قال: وهل مصر تكون عوضا عن الجنة ؟ وقتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ؟ فقال معاوية: إن لك حكمك أبا عبد الله ؟ إن قتل ابن أبي طالب، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك. فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام ؟ سووا صفوفكم ؟ أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأدبارهم، واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. كتاب صفين لابن مزاحم ص 123، شرح ابن أبي الحديد. هذا أكبر كلمة تدل على ضئولة الرجل في دينه لأنها تنم عن عرفانه بحق أمير المؤمنين عليه السلام ومغبة أمر من ناواه ومع ذلك فهو يحرض الناس على قتاله و يموه عليهم، وهي ترد قول من يبرر عمله باجتهاده أو بعدله. 19 - عمرو وابن أخيه كان لعمرو بن العاص ابن أخ (2) أريب من بني سهم جاءه من مصر فقال له: ألا
(1) الخفية: الغيضة الملتفة.
(2) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ابن عم.
[149]
تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك، وتمنيت دنيا غيرك، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ (1) فقال عمرو: يا بن أخي إن الأمر لله دون علي ومعاوية. فقال الفتى: ألا يا هند أخت بني زياد * رمي عمرو بداهية البلاد رمي عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر محشي الكباد (2) له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفوائد فشرط في الكتاب عليه حرفا * يناديه بخدعته المنادي وأثبت مثله عمرو عليه * كلا المرأين حية بطن وادي ألا يا عمرو ؟ ما أحرزت مصرا * وما ملت الغداة إلى الرشاد وبعت الدين بالدنيا خسارا * فأنت بذاك من شر العباد فلو كنت الغداة أخذت مصرا * ولكن دونها خرط القتاد وفدت إلى معاوية بن حرب * فكنت بها كوافد قوم عاد وأعطيت الذي أعطيت منها * بطرس فيه نضح من مداد ألم تعرف أبا حسن عليا * وما نالت يداه من الأعادي ؟ ؟ ! ! عدلت به معاوية بن حرب * فيا بعد البياض من السواد ويا بعد الأصابع من سهيل * ويا بعد الصلاح من الفساد أتأمن أن تراه على خدب ؟ يحث الخيل بالاسل الخداد (3) ينادي بالنزال وأنت منه * قريب فانظرن من ذا تعادي فقال عمرو: يا بن أخي ؟ لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكن الآن مع معاوية.
فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك. ولكنك تريد دنياه ويريد دينك. وبلغ معاوية قول الفتى، فطلبه فهرب فلحق فحدثه بأمر عمرو ومعاوية. قال
(1) يعني كتابا كتبه معاوية لعمرو بمصر وجعلها طعمة له. (2) يعني معاوية: يقال في النسبة إلى عبد شمس: عبشمى. حشا حشوا: ملا. احتشى: امتلاء. (3) خدب بالكسر وتشديد الموحدة: سنام البعير الضخم. الأسل: الرماح.
[150]
فسر ذلك عليا وقربه قال: وغضب مروان وقال: ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو ؟ ! فقال معاوية: إنما يشترى الرجال لك. قال: فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال: يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا يسترق السمع ويغشي البصرا * ما كان يرضى أحمد لو أخبرا أن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا (1) كلاهما في جنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه فأفجرا من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر إن أصاب الظفرا إني إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا قدم لوائي لا تؤخر حذرا * لن ينفع الحذار مما قدرا لما رأيت الموت موتا أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا حي يمان يعظمون الخطرا * قرن إذا ناطح قرنا كسرا قل لابن حرب لا تدب الحمرا * أرود قليلا أبد منك الضجرا (2) لا تحسبني يا بن حرب عمرا * وسل بنا بدرا معا وخيبرا كانت قريش يوم بدر جزرا * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا (3) لو أن عندي يا بن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا رأت قريش نجم ليل ظهرا
الإمامة والسياسة 1 ص 84، كتاب صفين لابن مزاحم ص 24، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 138. 20 - غانمة بنت غانم وعمرو بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة قالت:
(1) الخزر: ضيق العين. الخزرة بالضم: انقلاب الحدقة نحو اللحاظ وهو أقبح الحول. (2) أدب الصبى: صيره. أرود في السير: رفق وتمهل. الضجر بفتح الفاء والعين. القلق من غم وضيق نفس. (3) الجزرة. الشاة التي تذبح ج جزر. بالفتح وقد تكسر. الصدر، بالتحريك: رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد.
[151]
يا معشر قريش ؟ والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول الله صلى الله عليه وآله إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت و ألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته وكان لا تعرفه فقالت: من أنت ؟ كلأك الله. قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد. فتعمر لون يزيد فأتى أباه فأخبره فقال: هي أسن قريش وأعظمهم. فقال يزيد: كم تعد لها يا أمير المؤمنين ؟ قال: كانت تعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة عام وهي من بقية الكرام، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص ؟ (1) قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسب قريشا وبني هاشم ؟ وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو ؟ إني والله لعارفة بعيوبك
وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا: ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء، تبول من قيام، وتعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد، ومفسدا غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية ؟ فما كنت في خير ولا ربيت في خير، فمالك ولبني هاشم ؟ أنساء بني أمية كنسائهم ؟ ! الحديث. وهو طويل وقد حذفنا من أوله مقدار ما ذكر، راجع [المحاسن والأضداد] للجاحظ ص 102 - 104، وفي ط 118 - 121 و [المحاسن والمساوي] للبيهقي 1 ص 69 - 71. هذه حقيقة الرجل ونفسياته وروحياته منذ العهد الجاهلي وفي دور النبوة وبعده إلى ما أثاره من فتن إلتفت بها حلقتا البطان في أيام أمير المؤمنين عليه السلام يوم تحيزه إلى ابن آكلة الأكباد لدحض الحق وأهله، وما كان يتحرى فيها من الغوائل وبعدها إلى أن، اصطلمه القدر الحاتم، واخترمته منيته يوم خابت أمنيته
(1) في لفظ الجاحظ: أفيكم عمرو بن العاص ؟.
[152]
فطفق يتغلل بين أطباق الجحيم وتضربه زبانيتها بمقامع من حديد، ولعلنا ألمسناك هذه الحقيقة باليد فلن تجد في تضاعيف هاتيك الأعوام له مأثرة يتبجح بها ابن أنثى خلا ما تقوله زبائنه من أعداء أهل البيت عليهم السلام، وما عسى أن يكون مقيلها من ظل الحق ؟ بعد ما أثبتناه من الحقيقة الراهنة، ووقفنا عليه من أحوال رواة السوء و شناشنهم في افتعال المدايح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة. وأما تأميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعا بعد ما علمناه من أنه كان يتظاهر بالاسلام ويبطن النفاق في طيلة حياته، وما كان الصالح العام والحكمة الإلهية يحدوان رسول الله صلى الله عليه وآله على العمل بالبواطن، وإنما يجاري القوم مجاري
ظواهرهم لأنهم حديثو عهد بالجاهلية، والاسلام لما يتحكم في أفئدتهم، فلو كاشفهم على السرائر، لانتكصوا على أعقابهم، وتقهقروا إلى جاهليتهم الأولى، فكان يسايرهم على هذا الظاهر لعلهم يتمرنوا باعتناق الدين، ويأخذ من قلوبهم محله، ولذلك أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم بنفاق كثير من أصحابه كما أخبره الله تعالى بقوله: و من أهل المدينة مردوا على النفاق. إلى غيرها من الآيات الكريمة، لكنه يستر عليهم رعاية لما أبرمه حذار الانتكاث، فكان تأمير عمرو مع علمه بنفاقه لتلك الحكمة البالغة غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من كلام مولانا أمير المؤمنين من أنه صلى الله عليه وآله لما عقد له الراية شرط عليه شرطا قد أخلفه. ويعرب عن حقيقة ما نرتأيه قول أبي عمرو وغيره: إن عمرو بن العاص ادعى على أهل الاسكندرية أنهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم، فعهد إليها فحارب أهلها وافتتحها، وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فنقم ذلك عليه عثمان، ولم يصح عنده نقضهم العهد، فأمر برد السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم، وعزل عمروا عن مصر وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري مصرا بدله، فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان، فلما بدا بينهما من الشر ما بدا اعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله، وكان يأتي المدينة أحيانا ويطعن على عثمان (1) و
(1) الاستيعاب 2 ص 435، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 112.
[153]
ولى عمر عمرو بن العاص على مصر وبقي واليا عليها إلى أول خلافة عثمان، سعر عليه الدنيا نارا، ولما أتاه قتله قال: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (1) قرحة أدميتها. ثم إن عثمان عزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل على الخراج عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، ثم جمعهما لعبد الله بن سعد وعزل عمروا، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به. فقال: يا بن النابغة ؟ ما أسرع
ما قمل جربان (2) جبتك ؟ إنما عهدك بالعمل عام أول، أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بالآخر ؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين ؟ في رعيتك. فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظلعك (3) وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر ابن الخطاب ففارقني وهو عني راض. فقال عثمان: وأنا والله لو أخذتك بما أخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت لك فاجترأت علي. فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان. ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان. ولما قصد الثوار إلى المدينة أخرج لهم عثمان عليا فكلمهم فرجعوا عنه وخطب عثمان الناس فقال: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم، فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد: إتق الله يا عثمان ؟ فإنك قد ركبت نهابير (4) وركبناها معك، فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان فقال: وإنك هناك يا بن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل. و في لفظ البلاذري في الأنساب: يا بن النابغة ؟ وإنك ممن تؤلب علي الطغام لأني عزلتك عن مصر. فلما كان حصر عثمان الأول خرج عمرو من المدينة حتى إنتهت إلى أرض له
(1) نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ. (2) جربان الجبة بضم الميم والراء وكسرهما وتشديد الباء جيبها. (3) أي على ما فيك من عيب وميل. والظلع في الأصل غمز البعير في مشيه. (4) جمع نهبورة بالضم: المهلكة.
[154]
بفلسطين يقال لها: السبع. فنزل بها، وكان يقول: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة
نكأتها، والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه. وفي لفظ البلاذري: وجعل يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم. فبينما هو بقصره بفلسطين إذ مر به راكب من المدينة فسأله عمرو عن عثمان فقال: تركته محصورا. قال عمرو: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار، فلما بلغه مقتل عثمان قال عمرو: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق (1) وهو أكره من يليه إلي. فلما بلغه أن عليا قد بويع له، فاشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس، ثم نمى إليه معاوية بالشام يأبى أن يبايع عليا، وإنه يعظم قتل عثمان ويحرض على الطلب بدمه، فاستشار ابنيه عبد الله ومحمدا في الأمر، وقال: ما تريان ؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل (1) بسابقته، وهو غير مشركي في شئ من أمره. فقال عبد الله ابن عمرو: توفي النبي صلى الله عليه وآله وهو عنك راض، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه وهو عنك راض، وتوفي عمر رضي الله عنه وهو عنك راض، أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال محمد بن عمرو: أنت ناب من أنياب العرب فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس ذلك فيه صوت ولا ذكر. قال عمرو: أما أنت يا عبد الله ؟ فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلم في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بالذي أنبه لي في دنياي، وأشر لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه إبناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو، فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك ؟ ! إنصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أم والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية
(1) استنظف الشئ. أخذ كله. (2) أدل وتدلل: انبسط واجترأ.
[155]
وعطف عليه. أنساب الأشراف للبلاذري 5 ص 74، 87، تاريخ الطبري 5 ص 108 - 111 و 224، كامل ابن الأثير 3 ص 68، تذكرة السبط ص 49، جمهرة رسائل العرب 1 ص 388. وكان بعد تلك المساومة المشؤمة يحرض الناس على قتل الإمام أمير المؤمنين كما فعله على عثمان حتى قتله وافتخر به بقوله: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع: ثم جعل قميصه وسيلة النيل إلى الرتبة والراتب وقام بطلب دمه قائلا: إن في النفس من ذلك ما فيها. وممن حث على أمير المؤمنين وألبه حريث مولى معاوية بن أبي سفيان قال ابن عساكر في تاريخه 4 ص 113: قال معاوية لحريث: إتق عليا ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: إنك والله يا حريث ؟ لو كنت قرشيا لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لها حظها، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه. ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام استبشر بذلك وبشره به سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص قال ابن عساكر في تاريخه 6 ص 181: لما طعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ذهب سفيان يبشر معاوية وعمرو بن العاص بقتله فكتب معاوية إلى عمرو وهو يقول: وقتك وأسباب المنون كثيرة * منية شيخ من لوي بن غالب فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه * وصاحبه دون الرجال الأقارب نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ويضربني بالسيف آخر مثله * فكانت عليه تلك ضربة لازب
وأنت تناغي كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء الشوازب هذه نفسية الرجل وتمام حقيقته اللائحة على تجارته البائرة، وصفقته الخاسرة، وبضاعته المزجاة من الدين المبطن بالإلحاد، والمكتنف بالنفاق، ولو لم يكن كذلك لما اقتنع بتلك المساومة، وهو يعرف الثمن والمثمن، ويعلم سابقة أمير المؤمنين وفضله وقرابته ويقول: إن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق. ومع ذلك يظهر بغضه وعداه بقوله: وهو أكره من يليه إلي. ويعترف بالحق ويتحيز إلى خلافه، و
[156]
يعرف الموضع الصالح للخلافة ثم يميل مع الهوى ويقول: إنما أردنا هذه الدنيا. فيبيع دينه لمعاوية بثمن بخس (مصر وكورها) ويؤلب الناس على الإمام الطاهر بنص الكتاب العزيز، ويسر بقتله، ولقد صارح بكل ذلك صراحة لا تقبل التأويل وهي مستفاد من نصوصه ونصوص الصحابة الأولين، وبها عرف في التاريخ الصحيح كما سمعت من دون أي استنباط أو تحوير، فلا بارك الله في صفقة يمينه، ولا غار له بخير. حديث شجاعته لم نعهد لابن النابغة موقفا مشهودا في المغازي والحروب سواء في ذلك: العهد الجاهلي، ودور النبوة، وأما وقعة صفين فلم يؤثر عنه سوى مخزات سوئته مع أمير المؤمنين، وفراره من الأشتر، وقد بقي عليه عار الأولى مدى الحقب والأعوام، وجرى بها المثل وغنى بها أهل الحجاز وجاء في شعر عتبة بن أبي سفيان: سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب وفي شعر معاوية بن أبي سفيان يذكر عمرا وموقفه كما يأتي: فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي وفي شعر الحارث بن نصر السهمي:
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه وفي شعر الأمير أبي فراس: ولا خير في دفع الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوئته عمرو وفي شعر الزاهي البغدادي: وصد عن عمرو بسر كرما * إذ لقيا بالسوأتين من شخص وقال آخر: ولا خير في صون الحياة بذلة * كما صانها يوما بذلته عمرو وقال عبد الباقي الفاروقي العمري: وليلة الهرير قد تكشفت * عن سوءة ابن العاص لما غلبا
[157]
فحاد عنه مغضبا حيدرة * وعف والعفو شعار النجبا ولو يشأ ركب فيه زجة * تركيب مزجي كمعدي كربا وكان قد تكرر منه هذا العمل المخزي كما سيأتي، ولو كان للرجل شيئ من البسالة لجبه معيريه بتعداد مشاهده، وسلقهم بلسان حديد، وهو ذلك الصلف المفوه، وفيما أمر من الحروب كان الزحف للجيش الباسل دونه، فلم يسط أمامه، وإنما كان رئيا في أمرهم يدير وجه الحيلة فيه، كما أنه كان في صفين كذلك لم يبارح سرادق معاوية وطفق يبديه دهائه إلا في موقفين سيوافيك تفصيلهما، ولذلك كله اشتهر بدهاء دون الشجاعة. قال البيهقي في [المحاسن والمساوي] 1 ص 39: قال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؟ قال عبد الله: فنظرت إليه فرأيته فقلت: يا أبه ؟ ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال فاسترجع وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا بيوم أجنادين،
وددت أن بيني وبين موقفي بعد المشرقين. هذا هو الذي عرفه منه معاصروه، وستقف على أحاديثهم، نعم جاء ابن عبد البر بعد لأي من عمر الدهر فتهجس في " الاستيعاب " فعده من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم. ولعل ابن منير (1) المولود بعد ابن عبد البر بعشر سنين وقف على كلامه في " الاستيعاب " وحكمه ببطولة الرجل فقال في قصيدته التترية: وأقول إن أخطأ معاوية * فما أخطأ القدر هذا ولم يغدر معاوية * ولا عمرو مكر بطل بسوءته يقاتل * لا بصارمه الذكر فإليك ما يؤثر في مواقفه حتى ترى عيه عن القحوم إلى الفوارس في مضمار النضال والدنو من نقع الحومة، وتقف على حقيقته من هذه الناحية أيضا، وتعرف قيمة كلام ابن حجر في " الإصابة " 3 ص 2 من: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، ولا نسائله متى قربه وأدناه.
(1) أحد شعراء الغدير في قرن السادس تأتي هناك قصيدته التترية وترجمته.
[158]
أمير المؤمنين وعمرو في معترك القتال بصفين. كان عمرو بن العاص عدو للحرث بن نضر الخثعمي، وكان من أصحاب علي عليه السلام، وكان علي قد تهيبته فرسان الشام وملأ قلوبهم بشجاعته وامتنع كل منهم من الإقدام عليه وكان عمرو ما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرث بن نضر الخثعمي وعابه فقال الحرث: ليس عمرو بتارك ذكره الحرث * مدى الدهر أو يلاقي عليا واضع السيف فوق منكبه الاي - من لا يحسب الفوارس شيا
ليت عمرا يلقاه في حومة النقع * وقد أمست السيوف عصيا حيث يدعو البراز حامية القوم * إذا كان بالبراز مليا فوق شهب مثل السحوق * من * النخل ينادي المبارزين: إليا ثم يا عمرو تستريح من الفخر * وتلقى به فتى هاشميا فالقه إن أردت مكرمة الدهر * أو الموت كل ذاك عليا فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمرا فأقسم بالله ليلقين عليا ولو مات ألف موتة. فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه فتقدم علي وهو مخترط سيفا، معتقل رمحا، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغرا برجليه، كاشفا عورته، فانصرف عنه علي لاقتا وجهه، مستدبرا له، فعد الناس ذلك من مكارم علي وسؤدده، وضرب بها المثل. كتاب صفين لابن مزاحم ص 224، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 110. وقال ابن قتيبة في - الإمامة السياسة - 1 ص 91: ذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك ؟ ؟ ! ! والله لأبارزن عليا و لو مت ألف موتة في أول لقائه، فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه، وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء
(1) سحقت النخلة. طالت. فهي سحوق بالفتح ج سحق. بالضم
[159]
وتكرما وتنزها عما لا يحل، ولا يجل بمثله كرم الله وجهه. وقال المسعودي في مروج الذهب 2 ص 25: إن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بالبراز إلى أن يبرز إلى علي فلم يجد عمرو من ذلك بدا فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به فكشف عمرو عن عورته وقال: مكره أخوك لأبطل. فحول علي وجهه وقال: قبحت. ورجع عمرو إلى مصافه.
اجتمع عند معاوية في بعض ليالي صفين عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وابن طلحة الطلحات الخزاعي، فقال عتبة: إن أمرنا وأمر علي بن أبي طالب لعجيب، ما فينا إلا موتور مجتاح، أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة وأخي حنظلة وشرك في دم عمي شيبة يوم بدر، وأما أنت يا وليد ؟ فقتل أباك صبرا، وأما أنت يا ابن عامر فصرع أباك وسلب عمك، وأما أنت يا بن طلحة ؟ فقتل أباك يوم الجمل، وأيتم إخوتك، وأما أنت يا مروان، فكما قال الشاعر (1). وأفلتهن علباء جريضا * ولو أدركته صفر الوطاب (2) فقال معاوية: هذا الاقرار فأي غير غيرت ؟ قال مروان: وأي غير تريد ؟ ! قال: أريد أن تشجروه بالرماح. قال: والله يا معاوية ؟ ما أراك إلا هاذيا أو هاذئا وما أرانا إلا ثقلنا عليك. فقال ابن عقبة: يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب ؟ يشد على أبي حسن علي * بأسمر لا تهجنه العكوب (3) فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع القوم مطرد يثوب فقلت له: أتلعب يا بن هند ؟ * كأنك بيننا رجل غريب
(1) البيت لامرؤ القيس، قوله. صفر الوطاب. مثل يضرب لمن مات أو قتل. (2) أفلته: خلصه وأطلقه. أفلت: تخلص. علباء من علب اللحم: تغيرت رائحته بعد اشتداده. الجريض: المشرف على الهلاك. الصفر بالحركات الثلاث: الخالي. الوطب: سقاء اللبن ج وطاب. (3) هجنه الأمر: قبحه وعابه. العكوب بالفتح: الغبار.
[160]
أتغرينا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح (1) له به أسد مهيب بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه ولقياه عجيب دعا للقاه في الهيجاء لاق * فأخطأ نفسه الأجل القريب سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لهم قلوب كعمرو أي معاوية بن حرب * وما ظني ستلحقه العيوب لقد ناداه في الهيجا علي * فأسمعه ولكن لا يجيب فغضب عمرو وقال: إن كان الوليد صادقا فليلق عليا، أو فليقف حيث يسمع صوته وقال عمرو: يذكرني الوليد دعا علي * وبطن المرء يملأه الوعيد متى يذكر مشاهده قريش * يطر من خوفه القلب الشديد فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن حرب والوليد وعير في الوليد لقاء ليث * إذا ما زار (2) هابته الأسود لقيت ولست أجهله عليا * وقد بلت من العلق اللبود (3) فأطعنه ويطعنني خلاسا (4) * وماذا بعد طعنته أريد ؟ فرمها أنت يا بن أبي معيط * وأنت الفارس البطل النجيد (5) وأقسم لو سمعت ندا علي * لطار القلب وانتفخ الوريد ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ولطمت فيك الخدود (6)
(1) تاح تيحا وتوحا: قدر وتهيأ. رجل متيح: أي لا يزال يقع في بلية. (2) من الزئير: صوت الأسد. (3) اللبد بالكسر: الشعر المجتمع بين كفي الأسد. ما يجعل على ظهر الفرس تحت السرج ج لبود والباد.
(4) يقال: الرجلان يتخالسان: أي يروم كل منهما قتل صاحبه. (5) النجيد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. (6) كتاب صفين ص 222، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 110، تذكرة السبط ص 51.
[161]
* (وفي رواية سبط ابن الجوزي) *: ثم التفت الوليد إلى عمرو بن العاص وقال: إن لم تصدقوني وإلا فسلوا. أراد تبكيت عمرو، قال هشام بن محمد: ومعنى هذا الكلام: إن عليا خرج يوما من أيام صفين فرأى عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يعرفه فطعنه، فوقع، فبدت عورته، فاستقبل عليا فأعرض عنه ثم عرفه فقال: يا بن النابغة ؟ أنت طليق دبرك أيام عمرك، وكان قد تكرر منه هذا الفعل. رواية ابن عباس: روى نصر بإسناده عن ابن عباس قال: تعرض عمرو بن العاص لعلي يوما من أيام صفين، وظن أنه يطمع منه في غرة (أي: في غفلة) فيصيبه، فحمل عليه علي عليه السلام فلما كاد أن يخالطه أذرى (أي: ألقى) نفسه عن فرسه، ورفع ثوبه، و شغر 2 (1) برجله فبدت عورته، فصرف عليه السلام وجهه عنه، وقام معفرا بالتراب، هاربا على رجليه، معتصما بصفوفه، فقال أهل العراق: يا أمير المؤمنين ؟ أفلت الرجل. فقال: أتدرون من هو ؟ قالوا: لا. قال: إنه عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكرني بالرحم (لفظ ابن كثير) فصرفت وجهي عنه، ورجع عمرو إلى معاوية فقال: ما صنعت يا أبا عبد الله ؟ فقال: لقيني علي فصرعني. قال: احمد الله وعورتك - وفي لفظ ابن كثير: احمد الله واحمد أستك - والله إني لأظنك لو عرفته لما اقتحمت عليه. وقال معاوية في ذلك: ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على تركي برازي فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي له كف كأن براحتيها * منايا القوم يخطف خطف باز فإن تكن المنية أخطأته * فقد غنى بها أهل الحجاز فغضب عمرو وقال: ما أشد تعظيمك عليا في كسري هذا - وفي لفظ ابن أبي الحديد: ما أشد تغليطك أبا تراب في أمري - هل أنا إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه ؟. أفترى السماء قاطرة لذلك دما ؟ ! قال: لا ولكنها معقبة لك خزيا. كتاب صفين ص
(1) شغر الكلب: رفع إحدى رجليه فبال.
[162]
216، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 287، تاريخ ابن كثير 7 ص 263. معاوية وعمرو إستأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه استضحك معاوية فقال عمرو: ما أضحكك يا أمير المؤمنين ؟ أدام الله سرورك. قال: ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت. فقال: أتشمت بي يا معاوية ؟ وأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك، وأطت (1) أضالعك، وانتفخ منخرك، والله لو بارزته لأوجع قذالك (2) وأيتم عيالك، وبزك سلطانك، وأنشأ عمرو يقول: معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقي فارسا لا تعتريه الفوارس معاوي إن أبصرت في الخيل مقبلا * أبا حسن يهوي دهتك الوساوس وأيقنت أن الموت حق وإنه * لنفسك إن لم تمض في الركض حابس فإنك لو لاقيته كنت بومة (3) * أتيح لها صقر من الجو رايس (4) وما ذا بقاء القوم بعد اختباطه ؟ * وإن امرؤ يلقى عليا لآيس دعاك فصمت دونه الأذن هاربا * فنفسك قد ضاقت عليها الأمالس (5) وأيقنت أن الموت أقرب موعد * وأن الذي ناداك فيها الدهارس (6)
وتشمت بي إن نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس (7) أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرايس وأي امرؤ لاقاه لم يلف شلوه * بمعترك تسفي عليه الروامس (8)
(1) أط: صوت. الإبل: حنت. (2) القذال: بين الأذنين من مؤخر الرأس ج قذل وأقذلة. (3) البوم والبومة. طائر يسكن الخراب. يضرب به المثل في الشوم. (4) من رأس يريس. مشى متبخترا. يقال رأس القوم. اعتلى عليهم وغلبهم. (5) الأمالس والاماليس ج امليس: الفلاة التى ليس فيها نبات. (6) الدهرس: الشدة والبلية. (7) نهس اللحم نهسا بفتح العين وكسره: أخذه ونتفه ومده بالفم. (8) الرمس: الستر والتغطية. ويقال لما يحثى على القبر من التراب: رمس.
[163]
فإن كنت في شك فارهج عجاجه * وإلا فتلك الترهات البسابس (1) فقال معاوية: مهلا يا أبا عبد الله ؟ ولا كل هذا. قال: أنت استدعيته. وفي لفظ ابن قتيبة في " عيون الأخبار " 1 ص 169: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ أضحك الله سنك. قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وافقته منانا كريما ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين ؟ أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك، وربا سحرك (2) وبدا منك ما أكره ذكره ذلك، فمن نفسك فاضحك أو دع. وفي لفظ البيهقي في [المحاسن والمساوي] 1 ص 38: دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين ؟ أضحك الله
سنك وأدام سرورك وأقر عينك ما كل ما أرى يوجب الضحك. فقال معاوية ؟ خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك، كيف حضرك ذهنك في تلك الحال ؟ أما والله لقد واقفت هاشميا منافيا ولو شاء أن يقتلك لقتلك. فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذلك، وأيتم عيالك، وأنهب مالك، وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك، وأربد شدقاك، وتنشر منخراك، وعرق جبينك، وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا. وفي لفظ الواقدي: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله ؟ لا أراك إلا ويغلبني الضحك قال: بماذا ؟ قال: أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين فأذريت نفسك فرقا من شبا سنانه، وكشفت سوأتك له. فقال عمرو: أنا منك أشد ضحكا إني لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك، وربا لسانك في فمك، وعصب
ريقك، وارتدت فرائصك، وبدا منك ما أكره ذكره لك. فقال معاوية: لم يكن هذا كله، وكيف يكون ؟ ودوني عك والأشعريون. قال: إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والأشعريون، فكيف كانت حالك. لو جمعكما مأقط الحرب. قال: يا أبا عبد الله ؟ خض بنا الهزل إلى الجد: إن الجبن والفرار من علي لا عار على أحد فيهما. شرح ابن أبي الحديد 2 ص 111. قال نصر في كتابه ص 229: وكان معاوية لم يزل يشمت عمرا ويذكر يومه المعهود
ويضحك، وعمرو يعتذر بشدة موقفه بين يدي أمير المؤمنين، فشمت به معاوية يوما و قال: لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس وفررتم وإنك لجبان، فغضب عمرو ثم قال: والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية ؟ فهلا برزت إلى علي إذا دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم ؟ وقال عمرو في ذلك: تسير إلى ابن ذي يزن سعيد * وتترك في العجاجة من دعاكا فهل لك في أبي حسن علي ؟ * لعل الله يمكن من قفاكا دعاك إلى النزال فلم تجبه * ولو نازلته تربت يداكا وكنت أصم إذ ناداك عنه * وكان سكوته عنه مناكا فآب الكبش قد طحنت رحاه * بنجدته ولم تطحن رحاكا فما أنصفت صحبك يا بن هند * أتفرقه وتغضب من كفاكا ؟ ؟ ! ! فلا والله ما أضمرت خيرا * ولا أظهرت لي إلا هواكا أشار عمرو بن العاص في هذه الأبيات إلى ما رواه نصر في كتاب صفين ص 140 وغيره من المؤرخين من: أن عليا عليه السلام قام يوم صفين بين الصفين ثم نادى يا معاوية ؟ يكررها فقال معاوية: إسألوه ما شأنه ؟ قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة. فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك على م يقتتل الناس بيني وبينك، ويضرب بعضهم بعضا ؟ ؟ ! ! أبرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله ؟ فيما هيهنا، أبارزه ؟ ؟ ! ! فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي. فقال معاوية: يا عمرو ؟ ليس مثلي يخدع عن نفسه، والله
[165]
ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه. ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه
خرج علي عليه السلام ذات يوم في صفين منقطعا من خيله ومعه الأشتر يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه وعلي يقول: إني علي فسلوا لتخبروا * ثم ابرزوا إلى الوغا أو أدبروا سيفي حسام وسناني أزهر * منا النبي الطيب المطهر وحمزة الخير ومنا جعفر * له جناح في الجنان أخضر ذا أسد الله وفيه مفخر * هذا بهذا وابن هند محجر مذبذب مطرد مؤخر إذ برز له بسر بن أرطاة مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه: أبرز إلي أبا حسن ؟ فانحدر إليه على تؤدة (1) غير مكترث به حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الأرض، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه، فاتقاه بسر بعورته وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه، فانصرف عنه عليه السلام مستدبرا له فعرفه الأشتر حين سقط فقال: يا أمير المؤمنين ؟ هذا بسر بن أرطاة هذا عدو الله وعدوك، فقال: دعه عليه لعنة الله، أبعد أن فعلها ؟ فحمل ابن عم لبسر شاب على علي وهو يقول: أرديت بسرا والغلام ثايره * أرديت شيخا غاب عنه ناصره وكلنا حام لبسر واتره فحمل عليه الأشتر وهو يقول: أكل يوم رجل شيخ شاغره * وعورة تحت العجاج ظاهره تبرزها طعنة كف واتره * عمرو وبسر رميا بالفاقره فطعنه الأشتر فكسر صلبه، وقام بسر من طعنة علي وولت خيله، وناداه علي يا بسر ؟ معاوية كان أحق بهذا منك. فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية: إرفع طرفك قد أدال (2) الله عمرا منك. فقال في ذلك الحارث بن نضر السهمي:
(1) أي تأنى وتمهل.
(2) أدال الشئ. جعله متداولا. يقال أدال الله زيدا من عمرو، أي نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد.
[166]
أفي كل يوم فارس تندبونه * له عورة تحت العجاجة باديه يكف بها عن علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهيه متى تلقيا الخيل المشيجة صيحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا * ونار الوغى إن التجارب كافيه وإن كان منه بعد في النفس حاجة * فعودوا إلى ما شئتما هي ماهيه كتاب صفين ص 246، الاستيعاب 1 ص 67، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 300، مطالب السئول ص 43، تاريخ ابن كثير 4 ص 30، نور الأبصار ص 95. ينبأنا التاريخ أن عمرو ليس بأول رجل كشف عن سوءته من بأس أمير المؤمنين وإنما قلد طلحة بن أبي طلحة فإنه لما حمل عليه أمير المؤمنين يوم أحد ورأى أنه مقتول لا محالة، فاستقبله بعورته وكشف عنها. م - راجع تاريخ ابن كثير 4 ص 20 و] ذكره الحلبي في سيرته 2 ص 247 ثم قال: وقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين: الأولى: حمل على بسر بن أرطاة. والثانية: حمل على عمرو بن العاص فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته، فانصرف عنه علي كرم الله وجهه. الأشتر وعمرو بن العاص في معترك القتال بصفين
إن معاوية دعا يوما بصفين مروان بن الحكم فقال: إن الأشتر قد غمني وأقلقني، فاخرج بهذه الخيل في يحصب والكلاعيين فالقه فقاتل بها. فقال مروان: ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك. قال: وأنت نفسي دون وريدي. قال: لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، أو ألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيته ما في يد غيرك، فإن غلبت طاب له المقام، وإن غلبت خف عليه الهرب. فقال معاوية:
[167]
سيغني الله عنك. قال: أما إلى اليوم فلن يغن، فدعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر. فقال: أما إني لا أقول لك ما قال مروان. قال: فكيف تقول ؟ ! وقد قدمتك وأخرته، وأدخلتك وأخرجته. قال: أما والله إن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر وإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، ثم قام فخرج في تلك الخيل فلقيه الأشتر أمام القوم وهو يقول: يا ليت شعري كيف لي بعمرو ؟ * ذاك الذي أوجبت فيه نذري ذاك الذي أطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري ذاك الذي إن ألقه بعمري * تغلي به عند اللقاء قدري أجعله فيه طعام النسر * أولا فربي عاذري بعذري فلما سمع عمرو هذا الرجز وعرف أنه الأشتر فشل وجبن واستحى أن يرجع وأقبل نحو الصوت وقال: يا ليت شعري كيف لي بمالك * كم جاهل خيبته وحارك (1) وفارس قتلته وفاتك * ومقدم آب بوجهه حالك (2) ما زلت دهري عرضة المهالك فغشيه الأشتر بالرمح فزاغ عنه عمرو فلم يصنع الرمح شيئا، ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه وجعل يرجع راكضا نحو عسكره، فنادى غلام من يحصب:
يا عمرو ؟ عليك العفا ما هبت الصبا. كتاب صفين ص 233، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 295. ينبأك صدر هذا الحديث عن نفسيات أولئك المناضلين عن معاوية الدعاة إلى إمامته، ويعرب عن غايات تلك الفئة الباغية بنص النبي الأطهر إماما ومأموما في تلك الحرب الزبون، فما ينبغي لي أن أكتب عن إمام يكون مثل عمرو بن العاص شعاره، ومثل مروان بن الحكم نفسه ؟ ؟ ! ! وما يحق لك أن تعتقد في مأموم هذه محاوراته في معترك القتال مع إمامه المفترضة عليه طاعته - إن صحت الأحلام - ومشاغبته دون
(1) حرك. امتنع من الحق الذي عليه. غلام حرك. خفيف ذكي. (2) حلك. اشتد سواده فهو حالك وحلك.
[168]
الرتبة والراتب ؟ ؟ ! ! ابن عباس وعمرو حج عمرو بن العاص وقام بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية وتناول بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين، فقال ابن عباس: يا عمرو ؟ إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، و كان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكل راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص، حتى لو أن نفسك في يدك لألقيتها إليه، وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلا بالغدر، ولا منيت إلا بالفجور والغش، و ذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك، ولقد كشفت فيها عورتك، ولا نكتنا فيها حربك، ولقد كنت فيها طويل اللسان، قصير السنان، آخر الحرب إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شر، ووجهان: وجه مؤنس ووجه موحش، ولعمري أن من باع دينه بدنيا غيره لحري
أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك. فقال عمرو: أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة علي منك، ولا لأحد من قريش قدر عندي مثل قدرك. البيان والتبيين 2 ص 239، العقد الفريد 2 ص 136، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 196 نقلا عن البلاذري. ابن عباس وعمرو في حفلة أخرى روى المدايني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة وعنده ابنه يزيد، وزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم فقال عمرو بن العاص: هذا والله يا أمير المؤمنين ؟ نجوم أول الشر، وأفول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة، وانتهز منه الفرصة، واردع بالتنكيل به غيره، وشرد به من خلفه،
[169]
فقال ابن عباس: يا بن النابغة ؟ ضل والله عقلك، وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال (1) وتكافح الأبطال، وكثرت الجراح، وتقصفت (2) الرماح، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواثر من الموت، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته رجاء النجاة عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوأتك، حذرا أن يصطلمك بسطوته، أو يلتهمك (3) بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مؤنته، وتعدم صورته، فعلم غل صدرك، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء لفظك، فإنك بين أسد خادر، وبحر
زاجر، إن تبرزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر قمسك - أي: غمسك و أغرقك -. شرح ابن أبي الحديد 2 ص 105، جمهرة الخطب 2 ص 93. عبد الله المرقال وعمرو كان في نفس معاوية من يوم صفين إحن على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله، فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه: أما بعد: فانظر عبد الله بن هاشم فشد يده إلى عنقه ثم ابعث به إلي، فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة فادخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا ؟ قال: لا. قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صفين: إني شريت النفس لما اعتلا * وأكثر اللوم وما أقلا أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا لا بد أن يفل أو يفلا * أسلهم بذي الكعوب سلا لا خير عندي في كريم ولى
(1) نزال: اسم فعل بمعنى: انزل. أي حين قال الأبطال بعضهم لبعض: انزل. (2) تقصفت: تكسرت. (3) التهم الشئ: ابتلعه بمرة.
[170]
فقال عمرو متمثلا: وقد نبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا وإنه لهو، دونك يا أمير المؤمنين ؟ الضب المضب (1) فأشخب أوداجه على أسباجه (أثباجه) ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق، وله مع ذلك هوى يرديه وبطانة تغويه، فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ليجهزن إليك جيشا تكثر
صواهله لشر يوم لك، فقال عبد الله وهو المقيد: يا ابن الأبتر ؟ هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين ؟ ونحن ندعوك إلى البراز، وأنت تلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القوداء، أما إنه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة، حميد المقدرة، ليس بالحبس المنكوس، ولا الثلب (2) المركوس (3). فقال عمرو: دع كيت وكيت، فقد وقعت بين لحيي لهذم (4) فروس للأعداء، يسعطك إسعاط (5) الكودن (6) الملجم. قال عبد الله: أكثر إكثارك، فإني أعلمك بطرا في الرخاء جبانا في اللقاء، عيابة عند كفاح الأعداء، ترى أن تقي مهجتك بأن تبدي سوأتك، أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال ؟ فتحيد عن القتال خوفا أن، يغمرك رجال لهم أبدان شداد، وأسنة حداد، ينهبون السرح، ويذلون العزيز. فقال عمرو: لقد علم معاوية أني شهدت تلك المواطن، فكنت فيها كمدرة الشوك، و لقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن، تخفق أحشاؤه، وتنق أمعاؤه. قال: أما والله لو لقيك أبي في ذلك المقام لارتعدت منه فرائصك ولم تسلم منه مهجتك، ولكنه قاتل غيرك، فقتل دونك. فقال معاوية: ألا تسكت ؟ لا أم لك. فقال: يا بن هند ؟ أتقول لي هذا ؟ والله لئن شئت لأغرقن جبينك، ولأقيمنك وبين عينيك وسم يلين له خدعاك، أبأكثر من الموت تخوفني ؟. فقال معاوية: أو تكف يا بن أخي ؟ وأمر بإطلاق عبد الله، فقال عمرو لمعاوية:
(1) من أضب يضب: أي صاح وتكلم وغاض وحقد. (2) الثلب: المعيب المهان. (3) المركوس: الضعيف. (4) اللهذم: الحاد القاطع من السيوف والأسنة والأنياب. (5) الاسعاط: إدخال الدواء في الأنف. يقال: أسعطه الرمح أي طعنه به في أنفه. (6) الكودن: البرذون الهجين. الفيل ج كوادن.
[171]
أمرتك أمرا حازما فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا معاوية الذي * أعان عليا يوم حز الغلاصم ؟ ! (1) فلم ينثني حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم (2) وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه (3) ويوشك أن تقرع به سن نادم فقال عبد الله يجيبه: معاوي إن المرء عمرا أبت له * ضغينة صدر غشها غير نائم يرى لك قتلي يا بن هند وإنما * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم * إذا كان منه بيعة للمسالم وقد كان منا يوم صفين نقرة * عليك جناها هاشم وابن هاشم قضى ما انقضى منها وليس الذي مضى * ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة * وإن تر قتلي تستحل محارمي فقال معاوية: أرى العفو عن عليا قريش وسيلة * إلى الله في اليوم العصيب القماطر (4) ولست أرى قتل العداة ابن هاشم * بإدراك ثاري في لوي وعامر بل العفو عنه بعد ما بان جرمه * وزلت به إحدى الجدود العواثر فكان أبوه يوم صفين جمرة * علينا فأردته رماح النهابر (5) كتاب صفين لابن مزاحم ص 182، كامل المبرد 1 ص 181، مروج الذهب 2 ص 57 - 59، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 176. درس دين وأخلاق لعل الباحث لا يخفى عليه أن كل سوءة وعورة ذكر بها المترجم له في التاريخ
(1) جمع غلضمة: اللحم بين الرأس والعنق. يعنى: أيام الحرب. (2) الخضرم بالكسر: البحر العظيم الماء.
(3) في كامل المبرد: عيصه. يعني: أصله. (4) القماطر بالضم: الشديد. (5) النهابر والنهابير: المهالك. الواحدة: نهبرة. نهبور. نهبورة.
[172]
الصحيح، وما يعزى إليه وعرف به من المساوي في طيات تلكم الكلمات الصادقة المذكورة من الوضاعة والغواية والغدر والمكر والحيلة والخدعة والخيانة والفجور ونقض العهد وكذب القول وخلف الوعد وقطع الإل والحقد والوقاحة والحسد والرياء والشح والبذاء والسفه والوغد والجور والظلم والمراء والدناءة واللئم والملق والجلافة والبخل والطمع واللدد وعدم الغيرة على حليلته. إلى غير ذلك من المعاير النفسية وأضداد مكارم الأخلاق، ليست هذه كلها إلا من علايم النفاق، ومن رشحات عدم الاسلام المستقر، وانتفاء الإيمان بالله وبما جاء به النبي الأقدس، إذا الاسلام الصحيح هو المصلح الوحيد للبشر، ومهذب النفس بمكارم الأخلاق، ومجتمع الفضايل، وأساس كل فضل وفضيلة، وأصل كل محمدة ومكرمة، وبه يتأتى الصلاح في النفوس مهما سرى الإيمان من عاصمة مملكة البدن (القلب) إلى ساير الأعضاء والجوارح واحتلها واستقر بها. وذلك أن مثل الإيمان في المملكة البدنية الجامعة لشتات آحاد الجوارح والأعضاء كمثل دستور الحكومات في الممالك الجامعة لإفراد الأشخاص، فكما أن القوانين المقررة في الحكومات والدول مبثوثة في الأفراد، وكل فرد من المجتمع له تكليف يخص به، وواجب يحق عليه أن يقوم به، وحد محدود يجب عليه رعايته، وبصلاح الأفراد وقيام كل فرد منهم بواجبه يتم صلاح المجتمع، ويحصل التقدم و الرقي في الحكومات، كذلك الإيمان في المملكة البدنية فإنه قوانين مبثوثة في الأعضاء والجوارح العاملة فيها، ولكل منها بنص الذكر الحكيم تكليف يخص به، وحد
معين في السنة يجب عليه رعايته والتحفظ به، وأخذ كل بما وجب عليه هو إيمانه و به يحصل صلاحه، فواجب القلب غير فريضة اللسان، وفريضته غير واجب الأذن، وواجبها غير ما كلف به البصر، وفرضه غير واجب اليدين، وواجبهما غير تكليف الرجلين وهكذا وهكذا، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، وهذا البيان يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحافظ ابن ماجة في سننه 1 ص 35، الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان (1) وقوله صلى
(1) وبهذا اللفظ يروى عن أمير المؤمنين كما في " نهج البلاغة ".
[173]
الله عليه وآله: الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (1) ومن هنا يقبل الإيمان ضعفا وقوة وزيادة ونقصا، ويتصف الانسان في آن واحد بطرفي السلب والايجاب باعتبارين، فيثبت له الإيمان من جهة وينفى عنه بأخرى، ومن هنا يعلم معنى قوله صلى الله عليه وآله: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن (2) فلا يتأتى صلاح الممكة البدنية إلا بالسلم العام وقيام جميع أجزائها بواجبها، وامتثال كل فرد منها فيما فرض عليه، ولا يكمل الإيمان إلا بتحقيق شعبه. وكما أن انتفاء الإيمان عن كل عضو وجارحة مكلفة يكشف عن ضعف إيمان القلب، وتضعضع حكومة الاسلام فيه، إذ هو أمير البدن ولا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، كذلك الصفات النفسية فإن منها ما هو الكاشف عن قوة الإيمان القلبي وضعفه كما ورد في النبوي الشريف فيما أخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3 ص 171: إن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شئ فينقص ذلك من إيمانه. ومنها ما يلازم النفاق ولا يفارقه ولا يجتمع مع شيئ من الإيمان وإن صلى
صاحبه وصام وبه عرف المنافق في القرآن العزيز. فإليك ما رود عن النبي الأقدس في كثير من الصفات المذكورة المعزوة إلى المترجم له حتى تكون على بصيرة من الأمر، فلا يغرنك تقلب الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد. 1 - آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان. أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. 2 - أربع من كن فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائمتن خان. وإذا حدث كذب. وإذا عهد غدر. وإذا خاصم فجر، أخرجه البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي. 3 - لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له. أخرجه أحمد. البزار.
(1) أخرجه البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي. ابن ماجة. (2) أخرجه مسلم وغيره.
[174]
الطبراني. ابن حبان. أبو يعلى. البيهقي. 4 - المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه. متفق عليه. 5 - الكذب مجانب للإيمان. ابن عدي، البيهقي. 6 - المكر والخديعة في النار. الديلمي. القضاعي. 7 - المؤمن ليس بحقود. الغزالي. ابن الدبيع. 8 - لا إيمان لمن لا حياء له. ابن حبان. ابن الدبيع. 9 - الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل. الديلمي. ابن الدبيع. 10 - الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق، الديلمي. القضاعي. ابن الدبيع 11 - اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة. ابن ماجة. الحاكم. البيهقي.
12 - من أرضى سلطانا بما يسخط به ربه خرج من دين الله. الحاكم. 13 - الحياء من الإيمان. البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي. ابن ماجة. 14 - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. البخاري. مسلم. الترمذي. النسائي ابن ماجة. 15 - لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد. ابن حبان. البيهقي. 16 - الشح والعجز والبذاء من النفاق. الطبراني. أبو الشيخ. 17 - لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدا. النسائي. ابن حبان. الحاكم. 18 - خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق. البخاري. الترمذي وغيرهما. 19 - المؤمن غر كريم والفاجر خب (1) لئيم. أبو داود. الترمذي. أحمد. 20 - إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله. الأصبهاني. 21 - الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. الحاكم. الطبراني.
(1) الخب الخداع.
[175]
22 - إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الاسلام. ابن ماجة. المنذري. وفاته
توفي ليلة الفطر سنة 43 على ما هو الأصح عند المؤرخين وقيل غير ذلك، وعاش نحو تسعين سنة وقال العجلي: عاش تسعا وتسعين سنة. قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 198: لما حضرت عمرا الوفاة قال لابنه: لود أبوك أنه كان مات في غزات ذات السلاسل، إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها. ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال: يا ليته كان بعرا، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي. قال ابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 436: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال: أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا، وأفسدت من ديني كثيرا، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنخنق بين السماء والأرض، لا أرقي بيدين ولا أهبط برجلين، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي. فقال له ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله ؟ صار ابن أخيك أخاك، ولا تشاء أن تبكي إلا بكيت، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم ؟. فقال عمرو: وعلى حينها (1) حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي ؟ أللهم ؟ إن ابن عباس تقنطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى. قال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله ؟ أخذت جديدا وتعطي خلقا. فقال عمرو: مالي ولك يا بن عباس ؟ ! ما أرسلت كلمة إلا أرسلت نقيضها.
(1) يعني حين الوفاة.
[176]
قال عبد الرحمن بن شماسة: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي أجزعا من الموت ؟ ؟ ! ! قال: لا والله ولكن لما بعده. فقال له:
قد كنت على خير. فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وفتوحه الشام، فقال له عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله. إني كنت على ثلاث أطباق ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شئ كافرا فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله فلو مت يومئذ وجبت لي النار. فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله كنت أشد الناس حياء منه فما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وآله حياء منه، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة. ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري أعلي أم لي ؟ ؟ ! ! فإذا مت فلا تبكين علي باكية. ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر. الحديث. * (فائدة) * يوجد إسم والد المترجم له في كثير من كلمات الأصحاب (العاصي) بالياء وكذا ورد في شعر أمير المؤمنين: لا وردن العاصي بن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي وفي رجز الأشتر: ويحك يا بن العاصي * تنح في القواصي ويذكر بالياء في كتب غير واحد من الحفاظ، وقال الحافظ النووي في تهذيب الأسماء واللغات 2 ص 30: وعليه الجمهور وهو الفصيح عند أهل العربية. ثم قال: ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء وهي لغة وقد قرئ في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع.
[177]
5 - محمد الحميري بحق محمد قولوا بحق * فإن الإفك من شيم اللئام أبعد محمد بأبي وأمي * رسول الله ذي الشرف التهامي
أليس علي أفضل خلق ربي * وأشرف عند تحصيل الأنام ؟ ؟ ! ! ولايته هي الإيمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام وطاعة ربنا فيها وفيها * شفاء للقلوب من السقام علي إمامنا بأبي وأمي * أبو الحسن المطهر من حرام إمام هدى أتاه الله علما * به عرف الحلال من الحرام ولو أني قتلت النفس حبا * له ما كان فيها من أثام يحل النار قوم أبغضوه * وإن صلوا وصاموا ألف عام ولا والله لا تزكو صلاة * بغير ولاية العدل الإمام أمير المؤمنين بك اعتمادي * وبالغر الميامين اعتصامي فهذا القول لي دين وهذا * إلى لقياك يا ربي كلامي برأت من الذي عادى عليا * وحاربه من أولاد الطغام تناسوا نصبه في يوم " خم " * من الباري ومن خير الأنام برغم الأنف من يشنأ كلامي * علي فضله كالبحر طامي وأبرأ من أناس أخروه * وكان هو المقدم بالمقام علي هزم الأبطال لما * رأوا في كفه برق الحسام * (ما يتبع الشعر) * هذه القصيدة رواها شيخ الاسلام الحموي في الباب الثامن والستين من " فرائد السمطين " بإسناده عن الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد ابن إبراهيم النطنزي مصنف كتاب - الخصائص العلوية على ساير البرية - قال: أنبأنا
[178]
أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بن محمد بن محمود الثقفي بقرائتي عليه قال: أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم قال: أنبأنا الشيخ قال: حدثنا محمد بن أحمد بن معدان:
حدثنا محمد بن زكريا: حدثنا عبد الله بن الضحاك: حدثنا هشام بن محمد عن أبيه قال: اجتمع الطرماح الطائي، وهشام المرادي، ومحمد بن عبد الله الحميري عند معاوية بن أبي سفيان فأخرج بدرة فوضعها بين يديه وقال: يا معشر شعراء العرب ؟ قولوا قولكم في علي بن أبي طالب ولا تقولوا إلا الحق وأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي. فقام الطرماح وتكلم في علي ووقع فيه فقال له معاوية: اجلس فقد عرف الله نيتك ورأى مكانك. ثم قام هشام المرادي فقال أيضا ووقع فيه فقال له معاوية: اجلس مع صاحبك فقد عرف الله مكانكما. فقال عمرو بن العاص لمحمد ابن عبد الله الحميري وكان خاصا به: تكلم ولا تقل إلا الحق ثم قال: يا معاوية قد آليت أن لا تعطي هذه البدرة إلا من قال الحق في علي قال: نعم أنا نفي من صخر ابن حرب إن أعطيتها منهم إلا من قال الحق في علي. فقام محمد بن عبد الله فتكلم ثم قال: بحق محمد قولوا بحق. القصيدة. فقال معاوية: أنت أصدقهم قولا فخذ هذه البدرة. ورواها شيخنا الفقيه الكبير عماد الدين أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن محمد الطبري الآملي في الجزء الأول من (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى) قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في شوال سنة اثنتي عشرة وخمسمائة قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله محمد بن محسن الخزاعي قال: حدثنا أبو الطيب علي بن محمد بن بنان قال: حدثنا أبو القاسم الحسن ابن محمد السكري من كتابه قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق ببغداد من كتابه قال: حدثنا محمد بن دينار الضبي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك إلى آخر السند والمتن. وذكرها صاحب " رياض العلماء " في ترجمة الشريف المرتضى نقلا عن شيخ الاسلام الحموي.
[179]
* (الشاعر) * محمد بن عبد الله الحميري زميل عمرو بن العاص، أحسبه ابن القاضي عبد الله بن محمد الحميري الذي قلده معاوية بن أبي سفيان ديوان الخاتم وكان قاضيا كما ذكره الجهشياري في كتاب " الوزراء والكتاب " ص 15 قال: كان معاوية أول من إتخذ ديوان الخاتم، وكان سبب ذلك: إنه كتب لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم إلى زياد وهو عامله على العراق ففض عمرو الكتاب وجعلها مائتي ألف درهم، فلما رفع زياد حسابه قال معاوية: ما كتبت له إلا بمائة ألف. وكتب إلى زياد بذلك وأمره أن يأخذ المائة ألف منه، فحبسه بها فاتخذ معاوية ديوان الخاتم وقلده عبد الله بن محمد الحميري وكان قاضيا ا ه ويحتمل قويا أن يكون صاحب الشعر هو القاضي عبد الله نفسه ووقع الاشتباه بتقديم الوالد على الولد. وأما ديوان الخاتم فقد اخترعه معاوية قال ابن الطقطقي في " الآداب السلطانية " ص 78: ومما إخترع معاوية من أمور الملك " ديوان الخاتم " وهذا ديوان معتبر من أكابر الدواوين، لم تزل السنة جارية به إلى أواسط دولة بني العباس فاسقط، ومعناه: أن يكون ديوان وبه نواب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان وأثبتت نسخته فيه وحزم بخيط وختم بشمع كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة وختم بختم صاحب ذلك الديوان.
[180]
* (شعراء الغدير) * في القرن الثاني 6 أبو المستهل الكميت المولود 60
المتوفى 126 نفى عن عينك الأرق الهجوعا * وهم يمتري منها الدموعا دخيل في الفؤاد يهيج سقما * وحزنا كان من جذل (1) منوعا وتوكاف الدموع على اكتئاب * أحل الدهر موجعه الضلوعا ترقرق أسحما دررا وسكبا * يشبه سحها غربا هموعا (2) لفقدان الخضارم من قريش * وخير الشافعين معا شفيعا لدى الرحمن يصدع بالمثاني * وكان له أبو حسن قريعا (3) حطوطا في مسرته ومولى * إلى مرضاة خالقه سريعا وأصفاه النبي على اختيار * بما أعيى الرفوض له المذيعا ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا مبيعا فلم أبلغ بها لعنا ولكن * أساء بذاك أولهم صنيعا فصار بذاك أقربهم لعدل * إلى جور وأحفظهم مضيعا أضاعوا أمر قائدهم فضلوا * وأقومهم لدى الحدثان ريعا تناسوا حقه وبغوا عليه * بلا ترة وكان لهم قريعا فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهند والقطيعا
: ألا أف لدهر كنت فيه * هدانا طائعا لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا ويلعن فذ أمته جهارا * إذا ساس البرية والخليعا بمرضي السياسة هاشمي * يكون حيا لأمته ربيعا وليثا في المشاهد غير نكس * لتقويم البرية مستطيعا يقيم أمورها ويذب عنها * ويترك جدبها أبدا مريعا * (ما يتبع الشعر) * هذه من غرر قصايد الكميت (الهاشميات) المقدرة بخمسمائة وثمانية وسبعين بيتا كما نص به صاحب [الحدايق الوردية] غير أنه عاثت في طبعها يد النشر الأمينة على ودايع العلم فنقصت منها شيئا كثيرا لا يستهان به مثل ما اجترحت في طبع ديوان حسان والفرزدق وأبي نواس وغيرها كما مر ص 41، وقد آن ليد التنقيب أن تميط الستار عن تلكم الجنايات المخبئة، فالمطبوع منها في ليدن سنة 1904 يتضمن 536 بيتا. والمشروحة بقلم الأستاذ محمد شاكر الخياط 560 بيتا. والمشروحة بقلم الأستاذ الرافعي 458 بيتا على هذا الترتيب. من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام ؟ ط ليدن والخياط 103 بيتا، ومشروحة الرافعي 102. طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ؟ ط ليدن والخياط 140، ومشروحة الرافعي 138. أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لا صبوة ولا ريب ؟ ؟ ! ! ط ليدن 133. مشروحة الخياط 132. مشروحة الرافعي 67 بيتا. الأهل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل ؟ ؟ ! ! ط ليدن والخياط 111، مشروحة الرافعي 89 بيتا. طربت وهل بك من طرب * ولم تتصاب ولم تلعب ؟ ؟ ؟
ط ليدن والخياط 33. مشروحة الرافعي 28 بيتا.
[182]
نفى عن عينك الأرق الهجوعا * وهم يمتري منها الدموعا ط ليدن 20، ومشروحة الخياط 21، والرافعي 19 بيتا. سل الهموم لقلب غير متبول * ولا رهين لدى بيضاء عطبول (1) ط ليدن والخياط 7 بيتا، وذكر الرافعي منها 5 بيتا. أهوى عليا أمير المؤمنين ولا * أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا ط ليدن والخياط 7 بيتا، وحذف الرافعي منها بيتا. ستة أبيات فائية وقافية ونونية ولم يذكر الرافعي البيتين النونيتين فلما كانت العينية التي أثبتناها من (الهاشميات) نذكر أولا ما يخص بها ثم نورد ما يرجع إلى (الهاشميات) جملة واحدة، ونردفه بما ورد في بعض قصايدها غير العينية. العينية من الهاشميات قال شيخنا المفيد في رسالته في معنى المولى: الكميت ممن استشهد بشعره في كتاب الله، وأجمع أهل العلم على فصاحته ومعرفته باللغة ورياسته في النظم وجلالته في العرب حيث يقول: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا أوجب له الإمامة بخبر الغدير ووصفه بالرياسة من جهة المولى، وليس يجوز على الكميت مع جلالته في اللغة والعربية وضع عبارة على معنى لم توضع عليه قط في اللغة، ولا استعملها قبله أحد من أهل العربية، ولا عرفها بشئ كما وصف أحد منهم لأنه لو جاز عليه جاز على غيره ممن هو مثله وفوقه ودونه حتى تفسد اللغة بأسرها، ولا يكون لنا طريق إلى معرفة لغة العرب على الحقيقة وينغلق الباب في ذلك. ا ه.
وروى الكراجكي في كنز الفوائد ص 154 بإسناده عن هناد (1) بن السري
(1) تبله الحب أو الدهر فهو متبول. أسقمه. العطبول: المرأة الجميلة الفتية الطويلة العنق. (1) يروى عنه البخاري وجمع كثير، وثقه النسائي وغيره، وصدقه أبو حاتم ولد 152، وتوفي 243، راجع تهذيب التهذيب 11 ص 71.
[183]
قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المنام فقال لي: يا هناد ؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين ؟ قال أنشدني قول الكميت: ويوم الدوح دوح غدير خم.... قال: فأنشدته فقال لي: خذ إليك يا هناد ؟ فقلت: يا سيدي ؟ فقال عليه السلام: ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا وقال الشيخ أبو الفتوح في تفسيره 2 ص 193: روي عن الكميت قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في المنام فقال: أنشدني قصيدتك العينية فأنشدته حتى انتهيت إلى قولي فيها: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا فقال صلوات الله عليه: صدقت. ثم أنشد عليه السلام. ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا ورواه السيد في [الدرجات الرفيعة]، والعقيلي نقلا عن (منهاج الفاضلين) للحمويني و (مرآت الزمان) لابن الجوزي، ورواه سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 20 عن شيخه عمرو بن صافي الموصلي عن بعض. وقال المرزباني في " معجم الشعراء " ص 348: مذهب الكميت في التشيع و مدح أهل البيت عليهم السلام في أيام بني أمية مشهورة ومن قوله فيهم:
فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهند والقطيعا: أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا ويروى: إن أبا جعفر محمد بن علي (الإمام الطاهر) رضي الله عنه لما أنشده الكميت هذه القصيدة دعا له. ا ه. وفي " الصراط المستقيم " للبياضي العاملي: إنه روى ابن الكميت: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال: أنشدني قصيدة أبيك العينية فلما وصل إلى قوله: ويوم الدوح دوح غدير خم... بكى شديدا وقال: صدق أبوك رحمه الله، أي والله لم أر مثله حقا أضيعا.
[184]
الهاشميات ذكرها له المسعودي في " مروج الذهب " 2 ص 194. وقال أبو الفرج (1) والسيد العباسي (2) قصايد الكميت (الهاشميات) من جيد شعره ومختاره. وقال الآمدي (3) وابن عمر البغدادي (4): لكميت بن زيد في أهل البيت الأشعار المشهورة وهي أجود شعره. وقال السندوبي (5): كان الكميت من خيرة شعراء الدولة الأموية، وكان عالما بلغات العرب وأيامهم، ومن خير شعره وأفضله (الهاشميات) وهي القصايد التي ذكر فيها آل بيت الرسول بالخير. روى أبو الفرج في الأغاني 15 ص 124 بإسناده عن محمد بن علي النوفلي قال: سمعت أبي يقول: لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال (الهاشميات) فسترها، ثم أتى الفرزدق بن غالب فقال له: يا أبا فراس ؟ إنك شيخ مضر وشاعرها وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي. قال له: صدقت أنت ابن أخي، فما حاجتك ؟ قال: نفث على لساني فقلت شعرا فأحببت أن أعرضه عليك فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحا أمرتني بستره وكنت أولى من ستره علي. فقال له الفرزدق: أما عقلك
فحسن وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت فأنشده: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب. قال فقال لي: فيم تطرب يا ابن أخي ؟ ! فقال: ولا لعبا مني. وذو الشيب يلعب ؟ ! فقال: بلى يا بن أخي ؟ فالعب فإنك في أوان اللعب. فقال: ولم يلهني دار ولا رسم منزل * ولم يتطربني بنان مخضب فقال: ما يطربك يا بن أخي ؟ ! فقال:
(1) في الأغاني 3 ص 113. (2) في معاهد التنصيص 2 ص 26. (3) في المؤتلف والمختلف ص 170. (4) خزانة الأدب ص 69. (5) في تعليقه على البيان والتبيين للجاحظ 1 ص 54.
[185]
ولا السانحات البارحات عشية * أمر سليم القرن أم مر أغضب فقال: أجل لا تتطير. فقال: ولكن إلى أهل الفضايل والتقى * وخير بني حواء والخير يطلب فقال: ومن هؤلاء ؟ ! ويحك. قال: إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نابني أتقرب قال: أرحني ويحك من هؤلاء ؟ ! قال: بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضي مرارا وأغضب خفضت لهم مني جناحي مودة * إلى كنف عطفاه أهل ومرحب وكنت لهم من هؤلاء وهؤلاء * محبا على أني أذم واغضب
وأرمي وأرمي بالعدواة أهلها * وإني لأوذى فيهم واؤنب فقال له الفرزدق: يا بن أخي ؟ أذع ثم أذع فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي ورواه المسعودي في مروجه 2 ص 194، والعباسي في " المعاهد " 2 ص 26. روى الكشي في رجاله ص 134 بإسناده عن أبي المسيح عبد الله بن مروان الجواني قال: كان عندنا رجل من عباد الله الصالحين وكان رواية شعر الكميت يعني (الهاشميات) وكان يسمع ذلك منه وكان عالما بها فتركه خمسا وعشرين سنة لا يستحل روايته و إنشاده ثم عاد فيه فقيل له: ألم تكن زهدت فيه وتركتها ؟ ؟ ! ! فقال: نعم ولكني رأيت رؤيا دعتني إلى العود لها. فقيل له: وما رأيت ؟ قال: رأيت كأن القيامة قد قامت وكأنما أنا في المحشر فدفعت إلي مجلة قال أبو محمد: فقلت لأبي المسيح: وما المجلة ؟ قال: الصحيفة. قال: نشرتها فإذا فيها. بسم الله الرحمن الرحيم. أسماء من يدخل الجنة من محبي علي بن أبي طالب قال: فنظرت في السطر الأول فإذا أسماء قوم لم أعرفهم، ونظرت في السطر الثاني فإذا هو كذلك، ونظرت في السطر الثالث والرابع فإذا فيها: والكميت بن زيد الأسدي. قال: فذلك دعاني إلى العود فيه. قال البغدادي في " خزانة الأدب " 1 ص 87: بلغ خالد القسري خبر هذه القصيدة. (يعني قصيدة الكميت المسماة بالمذهبة التي أولها: ألا حييت عنا يا مدينا)
[186]
فقال: والله لأقتلنه ثم. اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن فرواهن القصايد (الهاشميات) للكميت ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبد الملك فاشتراهن فأنشدته يوما القصائد المذكورة فكتب إلى خالد وكان يومئذ عامله بالعراق: أن ابعث إلي برأس الكميت. فأخذه خالد وحبسه فوجه الكميت إلى امرأته ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة فاجتمعت بنو أسد إليه
وقالوا: ما سبيلك على امرأة لنا خدعت فخافهم وخلى سبيلها (1) قال الثعالبي في " ثمار القلوب " ص 171: عهدي بالخوارزمي يقول: من روى حوليات زهير. واعتذارات النابغة. وأهاجي الحطيئة. وهاشميات الكميت. ونقائض جرير. والفرزدق. وخمريات أبي نواس. وزهريات أبي العتاهية. ومراثي أبي تمام. ومدائح البحتري. وتشبيهات ابن المعتز. وروضيات الصنوبري. ولطائف كشاجم. وقلائد المتنبي. ولم يتخرج في الشعر فلا أشب الله تعالى قرنه. خمس الهاشميات غير واحد من الشعراء منهم: الشيخ ملا عباس الزيوري البغدادي، والعلامة الشيخ محمد السماوي، والسيد محمد صادق آل صدر الدين الكاظمي، و شرحها الأستاذ محمد محمود الرافعي المصري وأحسن فيه وفي مقدمته وترجمة الكميت وأجاد وقال: الهاشميات هي من مختار الكلام، ومن رائق الشعر وشيقه، وجيد القول وطريفه، أحسن فيه كل الاحسان، وأجاد كل الاجادة. وشرحها الأستاذ محمد شاكر الخياط النابلسي. الميمية من الهاشميات من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام ؟ ! قال صاعد مولى الكميت: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام فأنشده الكميت قصيدته هذه فقال: أللهم ؟ اغفر للكميت. أللهم ؟ اغفر للكميت. " الأغاني " 15 ص 123. قال نصر بن مزاحم المنقري: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم وبين
(1) سيأتيك عن الأغاني تفصيل القصة إنشاء الله تعالى.
[187]
يديه رجل ينشده: من لقلب متيم مستهام....
قال: فسألت عنه فقيل لي: هذا الكميت بن زيد الأسدي قال: فجعل النبي صلى الله عليه وآله يقول: جزاك الله خيرا، وأثنى عليه. " الأغاني " 15 ص 124، " المعاهد " 2 ص 27. روى الكشي في رجاله ص 136 بإسناده عن زرارة قال: دخل الكميت على أبي جعفر عليه السلام وأنا عنده فأنشده: من لقلب متيم مستهام.... فلما فرغ منها قال للكميت: لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا. وروى في ص 135 بإسناده عن يونس بن يعقوب قال: أنشد الكميت أبا عبد الله عليه السلام شعره: أخلص الله في هواي فما أغر - ق نزعا وما تطيش سهامي فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هكذا ولكن قل: قد أغرق نزعا. ورواه ابن شهر آشوب في " المناقب " وفي لفظه: فقلت: يا مولاي ؟ أنت أشعر مني بهذا المعنى. وروى الحديثين الطبرسي في [إعلام الورى] ص 158. قال المسعودي في " مروج الذهب " 2 ص 195: قدم الكميت المدينة فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم فأذن له ليلا وأنشده فلما بلغ الميمية قوله: وقتيل بالطف غودر منهم * بين غوغاء أمة وطغام بكى أبو جعفر ثم قال: يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيدا بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت. فخرج من عنده فأتى عبد الله بن الحسين بن علي فأنشده فقال: يا أبا المستهل إن لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها وقد أشهدت لك بذلك شهودا. وناوله إياه، فقال: بأبي أنت وأمي إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا ولا والله ما قلت فيكم إلا لله، وما كنت لآخذ على شيئ جعلته لله مالا ولا ثمنا. فألح عبد الله عليه
وأبى من إعفائه، فأخذ الكميت الكتاب ومضى، فمكث أياما ثم جاء إلى عبد الله
[188]
فقال: بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ؟ إن لي حاجة قال: وما هي ؟ وكل حاجة لك مقضية. قال: وكائنة ما كانت ؟ قال: نعم. قال: هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة. ووضع الكتاب بين يديه فقبله عبد الله، ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأخذ ثوبا جلدا فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم و يقول: يا بني هاشم ؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية فأثيبوه بما قدرتم. فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير و دراهم. وأعلم النساء بذلك فكانت المرأة تبعث ما أمكنها حتى أنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت فقال: يا أبا المستهل أتيناك بجهد المقل ونحن في دولة عدونا وقد جمعنا هذا المال و فيه حلي النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك فقال: بأبي أنت وأمي قد أكثرتم و أطيبتم وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ولم أك لآخذ لكم ثمنا من الدنيا فاردده إلى أهله. فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة فأبى فقال: إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما يجب. فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأياد وأنمار إبني نزار ويكثر فيها من تفضيلهم ويطنب في وصفهم وانهم أفضل من قحطان فغضب بها بين اليمانية والنزارية فيما ذكرناه وهي قصيدته التي أولها. ألا حييت عنا يا مدينا * وهل ناس تقول مسلمينا ؟ قال ابن شهر آشوب في " المناقب " 5 ص 12: بلغنا أن الكميت أنشد الباقر عليه السلام من لقلب متيم مستهام *.....
فتوجه الباقر عليه السلام إلى الكعبة فقال: أللهم ؟ ارحم الكميت واغفر له. ثلاث مرات. ثم قال: يا كميت هذه مائة ألف قد جمعتها لك من أهل بيتي. فقال الكميت: لا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عز وجل الذي يكافيني ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه. وذكره العباسي في " المعاهد " 2 ص 27 وفيه: فأمر له (أبو جعفر) بمال وثياب فقال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردت الدنيا لأتيت
[189]
من هي في يديه، ولكنني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها وأما المال فلا أقبله فرده وقبل الثياب. قال البغدادي في (خزانة الأدب) 1 ص 69: حكى صاعد مولى الكميت قال: دخلت مع الكميت على علي بن الحسين رضي الله عنه فقال: إني قد مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أنشده قصيدته التي أولها: من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام ؟ ! فلما أتى على آخرها قال له: ثوابك نعجز عنه ولكن ما عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافأتك. أللهم ؟ اغفر للكميت. ثم قسط له على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم وقال له: خذ يا أبا المستهل ؟ فقال له: لو وصلتني بدانق لكان شرفا لي ولكن إن أحببت أن تحسن إلي فادفع إلي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرك بها. فقام فنزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال: أللهم ؟ إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس، وأظهر ما كتمه غيره من الحق، فأحيه سعيدا، وأمته شهيدا، وأره الجزاء عاجلا، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا، فإنا قد عجزنا عن مكافاته. قال الكميت: ما زلت أعرف بركة دعائه. قال محمد بن كناسة: لما انشد هشام بن عبد الملك قول الكميت: فبهم صرت للبعيد ابن عم * واتهمت القريب أي اتهام (1)
مبديا صفحتي على الموقف المعلم * بالله قوتي واعتصامي (2) قال: استقتل المرائي. " الأغاني " 15 ص 127. البائية من الهاشميات طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب ؟ روى أبو الفرج في " الأغاني " 15 ص 124 بإسناده عن إبراهيم بن سعد الأسدي قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال: من أي الناس أنت ؟ قلت:
(1) هو البيت الثمانون من القصيدة. (2) هو البيت الخامس والثمانون من القصيدة.
[190]
من العرب. قال: أعلم فمن أي العرب ؟ قلت: من بني أسد. قال: من أسد بن خزيمة. قلت: نعم. قال: أهلالي أنت ؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الكميت بن زيد ؟ قلت: يا رسول الله عمي ومن قبيلتي. قال: أتحفظ من شعره ؟ قلت: نعم. قال أنشدني. طربت وما شوقا إلى البيض أطرب *..... قال: فأنشده، حتى بلغت إلى قوله: فمالي إلا آل أحمد شيعة * وما لي إلا مشعب الحق مشعب فقال لي: إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام وقل له. قد غفر الله لك بهذه القصيدة. وذكره العباسي في [معاهد التنصيص] 2 ص 27 وغيره. وفي " الأغاني " 15 ص 124: عن دعبل بن علي الخزاعي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال لي: مالك وللكميت بن زيد ؟ فقلت: يا رسول الله ؟ ما بيني وبينه إلا كما بين الشعراء. فقال: لا تفعل، أليس هو القائل ؟ فلا زلت فيهم حيث يتهمونني * ولا زلت في أشياعكم أتقلب فإن الله قد غفر له بهذا البيت قال. فانتهيت عن الكميت بعدها.
* (هذا البيت) * من أبيات حرفتها يد النشر المصرية عن القصيدة بعد قوله: وقالوا ترابي هواه ورأيه * بذلك أدعى فيهم وألقب قال السيوطي في [شرح شواهد المغني] ص 13: أخرج ابن عساكر بإسناده عن محمد بن عقير (1) كانت بنو أسد تقول: فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت لأنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال له: أنشدني: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب..... فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك. وفي " شرح الشواهد " أيضا ص 14: أخرج ابن عساكر عن أبي عكرمة الضبي عن أبيه قال: أدركت الناس بالكوفة من لم يرو. طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ؟ فليس بهاشمي. ورواه السيد في [الدرجات الرفيعة] وفيها: فليس بشيعي.
(1) في غير شرح الشواهد: عقبة.
[191]
وقال السيوطي في " الشرح " ص 14: أخرج ابن عساكر عن محمد بن سهل قال قال الكميت: رأيت في النوم وأنا مختف رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: مم خوفك ؟ قلت: يا رسول الله ؟ من بني أمية وأنشدته: ألم ترني من حب آل محمد * أروح وأغدو خائفا أترقب (1) فقال: أظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا والآخرة. وقال في ص 14: أخرج ابن عساكر عن الجاحظ قال: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقول: فإن هي لم تصلح لحي سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب يقولون: لم يورث. ولولا تراثه * لقد شركت فيها بكيل وأرحب
وذكر كلام الجاحظ الشيخ المفيد كما في " الفصول المختارة " 2 ص 84، و لعل الجاحظ لم يقف على مواقف احتجاج الشيعة بنفس هذه الحجة وغيرها المتكثرة منذ عهدهم المتقادم المتصل بالعهد النبوي. أو إنه يرمي بكلمته إلى إنكار سلف الشيعة في الصدر الأول، لكن فضحه تاريخهم المجيد والمأثورات في فضلهم عن صاحب الرسالة وهلم جرا، وإنك تجد الاحتجاج بما ذكر وغيره في كثير من شعر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وفي كلماتهم المنثورة قبل أن تنعقد نطفة الكميت كخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين. وعبد الله بن عباس، والفضل بن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وقيس بن سعد الأنصاري، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب، وزفر بن زيد بن حذيفة، والنجاشي بن الحرث بن كعب، وجرير بن عبد الله البجلي، وعبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمع، وآخرين كثيرين. وقد فتح لهم هذا الباب بمصراعيه أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في كتبه وخطبه الطافحة بذلك، المبثوثة في طيات الكتب ومعاجم الخطب والرسائل، قال شيخنا المفيد كما في " الفصول " 2 ص 85: إنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام في منثور كلامه في الحجة على معاوية، فلم يزل آل محمد عليهم السلام بعد أمير المؤمنين يحتجون بذلك ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفى زمانه وبعده وذلك موجود
(1) هو البيت الخامس والسبعين من القصيدة.
[192]
في الأخبار المأثورة والروايات المشهورة، ومن بلغ إلى الحد الذي بلغه الجاحظ في البهت سقط كلامه. اللامية من الهاشميات الأهل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل ؟ ؟ ! ! روى أبو الفرج في " الأغاني " 15 ص 126 بالإسناد عن أبي بكر الحضرمي قال:
إستأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في أيام التشريق بمنى فأذن له فقال له الكميت: جعلت فداك إني قلت فيكم شعرا أحب أن أنشدكه فقال: يا كميت ؟ أذكر الله في هذه الأيام المعلومات وفي هذه الأيام المعدودات. فأعاد عليه الكميت القول فرق له أبو جعفر عليه السلام فقال: هات. فأنشده قصيدته حتى بلغ يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخر أسدى له. الغي أول فرفع أبو جعفر عليه السلام يديه إلى السماء وقال. أللهم اغفر للكميت. وعن محمد بن سهل صاحب الكميت قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك ؟ قال: إنها أيام عظام. قال: إنها فيكم. قال: هات. وبعث أبو عبد الله عليه السلام إلى بعض أهله فقرب فأنشده فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت. يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخر أسدى له الغي أول فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه فقال: أللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، واعطه حتى يرضى. " الأغاني " 15 ص 123 " المعاهد " 2 ص 27. ورواه البغدادي في " خزانة الأدب " 1 ص 70 وفيه بعد قوله: فكثر البكاء: و ارتفعت الأصوات. فلما مر على قوله في الحسين رضي الله عنه: كأن حسينا والبهاليل حوله * لأسيافهم ما يختلى المتبتل وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل فلم أر مخذولا لأجل مصيبة * وأوجب منه نصرة حين يخذل
[193]
فرفع جعفر الصادق رضي الله عنه يديه وقال: أللهم اغفر للكميت ما قدم وأخر، وما أسر وأعلن، واعطه حتى يرضى. ثم أعطاه ألف دينار وكسوة، فقال له
الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لأتيت من هو في يديه، ولكنني أحببتكم للآخرة فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها لبركتها، وأما المال فلا أقبله. روى أبو الفرج في " الأغاني " 15 ص 119 عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان هشام بن عبد الملك قد اتهم خالد بن عبد الله وكان يقال: إنه يريد خلعك فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر فدخل بها على هشام فقرئت عليه وهي: تألق برق عندنا وتقابلت * أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها فدونك قدر الحرب وهي مقرة * لكفيك واجعل دون قدر جعالها ولن تنتهي أو يبلغ الأمر حده * فنلها برسل قبل أن لا تنالها فتجشم منها ما جشمت من التي * بسور أهرت نحو حالك حالها تلاف أمور الناس قبل تفاقم * بعقدة حزم لا يخاف انحلالها فما أبرم الأقوام يوما لحيلة * من الأمر إلا قلدوك احتيالها وقد تخبر الحرب العوان بسرها * وإن لم يبح من لا يريد سؤالها فأمر هشام أن يجتمع له من بحضرته من الرواة فجمعوا فأمر بالأبيات فقرأت عليهم فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات ؟ فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت بن زيد الأسدي. فقال هشام: نعم: هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد الله. ثم كتب إلى خالد يخبره وكتب إليه بالأبيات، وخالد يومئذ بواسط فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت وحبسه، وقال لأصحابه: إن هذا يمدح بني هاشم ويهجو بني أمية فأتوني من شعر هذا بشئ فأتي بقصيدته اللامية التي أولها. ألا هل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل ؟ ؟ ! ! فكتبها وأدرجها في كتاب إلى هشام يقول: هذا شعر الكميت فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك. فلما قرأت على هشام اغتاظ فلما سمع قوله:
فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم * ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
[194]
اشتد غيظه فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه ويضرب عنقه ويهدم داره ويصلبه على ترابها. فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته و أعلن الأمر رجاء أن يتخلص الكميت فقال. كتب إلي أمير المؤمنين وإني لأكره أن أستفسد عشيرته. وسماه فعرف عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد فأخرج غلاما له مولدا ظريفا فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة وقال: إن أنت وردت الكوفة فأنذرت الكميت لعله أن يتخلص من الحبس فأنت حر لوجه الله والبغلة لك ولك علي بعد ذلك إكرامك والاحسان إليك. فركب البغلة فسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكرا فخبر الكميت بالقصة، فأرسل إلى امرأته وهي ابنة عمه يأمرها: أن تجيئه ومعها ثياب من لباسها وخفان. ففعلت فقال: ألبسيني لبسة النساء. ففعلت، ثم قالت له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر فقالت: ما أدري إلا يبسا في منكبيك إذهب في حفظ الله. فمر بالسجان فظن أنه المرأة فلم يعرض له فنجا وأنشأ يقول: خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * على الرغم من تلك النوايح والمشلي علي ثياب الغانيات وتحتها * عزيمة أمر أشبهت سلة النصل وورد كتاب خالد إلى والي الكوفة يأمره فيه بما كتب به إليه هشام، فأرسل إلى الكميت ليؤتى به من الحبس فينفذ فيه أمر خالد، فدنا من باب البيت فكلمتهم المرأة وخبرتهم: أنها في البيت، وإن الكميت قد خرج. فكتب بذلك إلى خالد فأجابه: حرة كريمة أفدت ابن عمها بنفسها. وأمر بتخليتها فبلغ الخبر الأعور الكلبي بالشام فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس ويقول: أسودينا واحمرينا.....
فهاج الكميت ذلك حتى قال: ألا حييت عنا يا مدينا (وهي ثلاثمائة بيت) وقال في ص 114: إن خالد بن عبد الله القسري روى جارية حسناء قصايد الكميت (الهاشميات) وأعدها ليهديها إلى هشام وكتب إليه بأخبار الكميت وهجائه بني أمية وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:
[195]
فيا رب هل إلا بك النصر يبتغى * ويا رب هل إلا عليك المعول وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي وابنه الحسين بن زيد ويمدح بني هاشم، فلما قرأها أكبرها وعظمت عليه واستنكرها وكتب إلى خالد: يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده. فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره فأخذ وحبس في المحبس، وكان أبان بن الوليد عاملا على واسط وكان الكميت صديقه فبعث إليه بغلام على بغل وقال له: أنت حر - إلى آخر ما يأتي إنشاء الله تعالى. وللكميت في حديث الغدير من قصيدة قوله: علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم وإن رسول الله أوصى بحقه * وأشركه في كل حق مقسم وزوجه صديقة لم يكن لها * معادلة غير البتولة مريم وردم أبواب الذين بنى لهم * بيوتا سوى أبوابه لم يردم وأوجب يوما بالغدير ولاية * على كل بر من فصيح وأعجم [تفسير أبي الفتوح 2 ص 193] * (الشاعر) * أبو المستهل الكميت بن زيد بن خنيس بن مخالد (1) بن وهيب بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
مضر بن نزار. قال أبو الفرج: شاعر مقدم عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، من شعراء مضر وألسنتها والمحصبين على القحطانية المقارنين المقارعين لشعراءهم، العلماء بالمثالب والأيام المفاخرين بها، وكان في أيام بني أمية ولم يدرك الدولة العباسية ومات قبلها، وكان معروفا بالتشيع لبني هاشم مشهورا بذلك. سئل معاذ الهراء: من أشعر الناس ؟ قال: أمن الجاهليين أم من الاسلاميين ؟ ؟ قالوا: بل من الجاهليين. قال: امرؤ القيس، وزهير، وعبيد بن الأبرص. قالوا: فمن
(1) وقيل: مخالد بن ذويبة بن قيس بن عمرو.
[196]
الاسلاميين قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. قال فقيل له: يا أبا محمد ؟ ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت ؟ قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين (1). وقد مر ص 168 قول الفرزدق له. أنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي. وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومأتين وتسعة وثمانين بيتا على ما في الأغاني، و المعاهد 2 ص 31. أو أكثر من خمسة آلاف قصيدة كما في كشف الظنون نقلا عن عيون الأخبار لابن شاكر 1 ص 397. وقد جمع شعره الأصمعي وزاد فيه ابن السكيت، ورواه جماعة عن أبي محمد عبد الله بن يحيى المعروف بابن كناسة الأسدي المتوفى 207، ورواه ابن كناسة عن الجزي، وأبي الموصل، وأبي صدقة الأسديين، وألف كتابا أسماه (سرقات الكميت من القرآن وغيره) (2). ورواه ابن السكيت عن أستاذه نصران وقال نصران: قرأت شعر الكميت على أبي حفص عمر ابن بكير. وعمل شعره السكري أبو سعيد الحسن بن الحسين المتوفى 275، كما في فهرست ابن النديم ص 107 و 225. وصاحب شعره محمد بن أنس كما في تاريخ ابن عساكر 4 ص 429.
وحكى ياقوت في معجم الأدباء 1 ص 410 عن ابن نجار عن أبي عبد الله أحمد بن الحسن الكوفي النسابة أنه قال: قال ابن عبدة النساب: ما عرف النساب أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت (النزاريات) فأظهر بها علما كثيرا، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها، فلما سمعت هذا أجمعت شعره فكان عوني على التصنيف لأيام العرب. وقال بعضهم: كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب أسد، فقيه الشيعة، حافظ القرآن العظيم، ثبت الجنان، كاتبا حسن الخط، نسابة جدلا، وهو أول من ناظر (3) في التشيع، راميا لم يكن في أسد أرمى منه، فارسا
(1) الأغاني 15 ص 115 و 127. (2) التعبير بالسرقة لا يخلو من مسامحة فإنها ليست إلا أخذا بالمعنى أو تضمينا لكلم من القرآن، وحسب الكميت (وأي شاعر) أن يقتص أثر الكتاب الكريم. (3) مر فساد هذه النسبة إلى المترجم له ص 191.
[197]
شجاعا، سخيا دينا. خزانة الأدب 2 ص 69، شرح الشواهد ص 13. ولم تزل عصبيته للعدنانية ومهاجاته شعراء اليمن متصلة، والمناقضة بينه و بينهم شايعة في حياته، وفي إثرها ناقض دعبل وابن عيينة قصيدته المذهبة بعد وفاته وأجابهما أبو الزلفاء البصري مولى بني هاشم، وكان بينه وبين حكيم الأعور الكلبي مفاخرة ومناظرة تامة. * (فائدة) * حكيم الأعور المذكور أحد الشعراء المنقطعين إلى بني أمية بدمشق، ثم انتقل إلى الكوفة، جاء رجل إلى عبد الله بن جعفر فقال له: يا بن رسول الله ؟ هذا حكيم الأعور ينشد الناس هجاكم بالكوفة. فقال: هل حفظت شيئا ؟ قال: نعم وأنشد.
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجزع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب فرفع عبد الله يديه إلى السماء وهما تنتفضان رعدة فقال: أللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا. فخرج حكيم من الكوفة فأدلج (1) فافترسه الأسد. معجم الأدباء 4 ص 132. * (الكميت وحياته المذهبية) * يجد الباحث في خلال السير وزبر الحديث شواهد واضحة على أن الرجل لم يتخذ شاعريته وما كان يتظاهر به من التهالك في ولاء أهل البيت عليهم السلام، وسيلة لما يقتضيه النهمة، وموجبات الشره من التلمظ بما يستفيده من الصلات و الجوائز، أو تحري مسانحات وجرايات، أو الحصول على رتبة أو راتب، أنى ؟ و آل رسول الله كما يقول عنهم دعبل الخزاعي: أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات وهم سلام الله عليهم فضلا عن شيعتهم. مشردون نفوا عن عقر دارهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر
(1) أدلج القوم: ساروا الليل كله أو في آخره.
[198]
وقد انهالت الدنيا قضها بقضيضها على أضدادهم يوم ذلك من طغمة الأمويين ولو كان المتطلب يطلب شيئا من حطام الدنيا، أو حصولا على مرتبة، أو زلفة تربى به لطلبها من أولئك المتغلبين على عرش الخلافة الإسلامية، فرجل يلوي بوجهه عنهم إلى أناس مضطهدين مقهورين، ويقاسي من جراء ذلك الخوف والاختفاء تتقاذف به المفاوز والحزون، مفترعا ربوة طورا، ومسفا إلى الأحضة تارة، وورائه الطلب الحثيث، وبمطلع الأكمة النطح والسيف، ليس من الممكن أن يكون ما يتحراه
إلا خاصة فيمن يتولاهم، لا توجد عند غيرهم، وهذا هو شأن الكميث مع أئمة الدين عليهم السلام فقد كان يعتقد فيهم أنهم وسائله إلى المولى سبحانه، وواسطة نجاحه في عقباه، وإن مؤدتهم أجر الرسالة الكبرى. روى الشيخ الأكبر الصفار في " بصاير الدرجات " بإسناده عن جابر قال: دخلت على الباقر عليه السلام فشكوت إليه الحاجة فقال: ما عندنا درهم. فدخل الكميت فقال: جعلت فداك أنشدك ؟ فقال: انشد فأنشده قصيدة فقال: يا غلام ؟ اخرج من ذلك البيت بدرة فادفعها إلى الكميت. فقال: جعلت فداك أنشدك أخرى ؟ فأنشده فقال: يا غلام ؟ اخرج بدرة فادفعها إليه. فقال: جعلت فداك أنشدك أخرى ؟ فأنشده فقال: يا غلام ؟ اخرج بدرة فادفعها إليه. فقال: جعلت فداك والله ما أحبكم لعرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله وما أوجب الله علي من الحق. فدعا له الباقر عليه السلام فقال: يا غلام ردها إلى مكانها. فقلت: جعلت فداك قلت لي: ليس عندي درهم وأمرت الكميت بثلاثين ألفا (1) فقال: ادخل ذلك البيت. فدخلت فلم أجد شيئا، فقال: ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا. الحديث. قال صاعد: دخلنا مع الكميت على فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت وجاءت بقدح فيه سويق فحركته بيدها وسقت الكميت فشربه ثم أمرت له بثلاثين دينارا ومركب، فهملت عيناه وقال: لا والله لا أقبلها إني لم أحبكم للدنيا. " الأغاني " 15 ص 123. وللكميت في رده الصلات الطايلة على سروات المجد من بني هاشم مكرمة
(1) في مناقب ابن شهر آشوب 5 ص 7: خمسين ألف درهم.
[199]
ومحمدة عظيمة أبقت له ذكرى خالدة وكل من تلكم المواقف شاهد صدق على خالص ولائه و قوة إيمانه، وصفاء نيته، وحسن عقيدته، ورسوخ دينه، وإباء نفسه، وعلو همته، وثباته
في مبدئه (العلوي) المقدس، وصدق مقاله للإمام السجاد زين العابدين عليه السلام: إني قد مدحتك أن يكون لي وسيلة عند رسول الله ويعرب عن ذلك كله صريح قوله: للإمام الباقر محمد بن علي عليهما السلام: والله ما أحبكم لعرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله وما أوجب الله علي من الحق. وقوله الآخر عليه السلام: ألا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عز وجل الذي يكافيني. وقوله للإمامين الصادقين عليهما السلام: والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لأتيت من هو في يديه ولكني أحببتكم للآخرة. وقوله لعبد الله بن الحسن بن علي عليه السلام: والله ما قلت فيكم إلا لله وما كنت لآخذ على شيئ جعلته لله مالا ولا ثمنا. وقوله لعبد الله الجعفري: ما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولو أك لآخذ لكم ثمنا من الدنيا. وقوله لفاطمة بنت الإمام السبط: والله إني لم أحبكم للدنيا. وهذا شأن الشيعة سلفا وخلفا، وشيمة كل شيعي صميم، وأدب كل متضلع بالنزعات العلوية، وروح كان علوي جعفري، وهذا شعار التشيع ليس إلا. وبمثل هذا فيعمل العاملون. وكان أئمة الدين ورجالات بني هاشم يلحون في أخذ الكميت صلاتهم، و قبوله عطاياهم، مع إكبارهم محله من ولائه، واعتنائهم البالغ بشأنه، والاحتفاء و التبجيل له، والاعتذار عنه بمثل قوم الإمام السجاد صلوات الله عليه له: ثوابك نعجز عنه ولكن ما عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافأتك. وهو مع ذلك كله كان على قدم وساق من إباءه واستعفاءه إظهارا لولاءه المحض لآل الله، وقد مر أنه رد على الإمام السجاد عليه السلام أربعمائة ألف درهم وطلب من ثيابه التي تلي جسده ليتبرك بها. ورد على الإمام الباقر مائة ألف مرة، وخمسين ألف أخرى وطلب قميصا من قمصه. ورد على الإمام الصادق ألف دينار وكسوة واستدعى منه أن يكرمه بالثوب الذي مس جلده. ورد على عبد الله بن الحسين ضيعته التي أعطى له كتابها وكانت تسوى بأربعة آلاف دينار. ورد على عبد الله الجعفري ما جمع له من بني هاشم ما كان يقدر بمائة
ألف درهم.
[200]
فكل من هذه خبر يصدق الخبر بأن مدح الكميت عترة نبيه الطاهر وولائه لهم، وتهالكه بكله في حبهم، وبذله النفس والنفيس دونهم، ونيله من مناوئيهم، ونصبه العداء لمخالفيهم، لم يكن إلا لله ولرسوله فحسب، وما كان له غرض من حطام الدنيا وزخرفها، ولا مرمى من الثواب العاجل دون الآجل، وكل واقف على شعره يراه كالباحث بظلفه عن حتفه، ويجده مستقتلا بلسانه، قد عرض لبني أمية دمه، مستقبلا صوارمهم كما نص عليه الإمام زين العابدين عليه السلام وقال: أللهم إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك نفسه حين ضن الناس، وأظهر ما كتمه غيره. وقال عبد الله الجعفري لبني هاشم ؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس من فضلكم وعرض دمه لبني أمية. وخالد القسري لما أراد قتله رأى في شعره غنى وكفاية عن أي حيلة وسعاية عليه، فاشترى جارية وعلمها الهاشميات وبعثها إلى هشام بن عبد الملك وهو لما سمعها منها قال: استقتل المرائي. وكتب إلى خالد بقتله وقطع لسانه ويده. فكان الكميت منذ غضاضة من شبيبته التي نظم فيها " الهاشميات " خائفا يترقب طيلة عمره مختفيا في زوايا الخمول إلى أن أقام بقريضه الحجة، وأوضح به المحجة، و أظهر به الحق، وأتم به البرهنة، وبلغ ضالته المنشودة من بث الدعاية إلى العترة الطاهرة، فلما دوخ صيت شعره الأقطار، وقرطت به الآذان، ودارت على الألسن استجاز الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام أن يمدح بني أمية صونا لدمه فأجاز له، رواه أبو الفرج في " الأغاني " 15 ص 126 بإسناده عن ورد بن زيد أخي الكميت قال: أرسلني الكميت إلى أبي جعفر عليه السلام فقلت له: إن الكميت أرسلني إليك وقد صنع بنفسه ما صنع فتأذن له أن يمدح بني أمية ؟ قال: نعم هو في حل فليقل ما شاء.
فنظم قصيدته الرائية التي يقول فيها. فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصاير ودخل علي أبي جعفر عليه السلام فقال له: يا كميت ؟ أنت القائل: فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصاير
[201]
قال: نعم، قد قلت ولا والله ما أردت به (1) إلا الدنيا ولقد عرفت فضلكم قال: أما إن قلت ذلك إن التقية لتحل. وروى الكشي في رجاله ص 135 بإسناده عن درست بن أبي منصور قال: كنت عند أبي الحسن موسى عليه السلام وعنده الكميت بن زيد فقال للكميت: أنت الذي تقول: فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصاير قال: قد قلت ذلك فوالله ما رجعت عن إيماني، وإني لكم لموال، ولعدوكم لقال، ولكني قلته على التقية. قال: أما لأن قلت ذلك إن التقية تجوز في شرب الخمر. * (لفت نظر) * أحسب أن الإمام المذكور في حديث الكشي هو أبو عبد الله الصادق عليه السلام ولا يتم ما فيه من أبي الحسن موسى عليه السلام، إذ الكميت توفي بلا اختلاف أجده سنة 126 قبل ولادة أبي الحسن موسى بسنتين أو ثلاث. كما لا يتم القول باتحاده مع حديث أبي الفرج المروي عن الإمام أبي جعفر إذ درست بن أبي منصور لا يروي عنه عليه السلام وليس من تلك الطبقة. الكميت ودعاء الأئمة له من الواضح أن أدعية ذوي النفوس القدسية، والألسنة الناطقة بالمشيئة الإلهية المعبرة عن الله، من الذين يوحي إليهم ربهم، ولا يتكلمون إلا بإذنه، وما ينطقون عن الهوى، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ليست مجرد شفاعة لأي أحد، و
مسألة خير من المولى لكل إنسان كائنا من كان، بل فيها إيعاز بأن المدعو له من رجال الدين، وحلفاء الخير والصلاح، ودعاة الأمة إليهما، وممن قيضه المولى للدعوة إليه، والأخذ بناصر الهدى، رغما على أباطيل الحياة وأهوائها الضالة، إلى فضايل لا تحصى على اختلاف المدعوين لهم فيها. وقل ما دعي لأحد مثل ما دعي للكميت وقد أكثر النبي الأعظم والأئمة من أولاده صلوات الله عليه وعليهم دعائهم له، فاسترحم له النبي صلى الله عليه وآله مرة كما مر
(1) أي أراد بقوله: صرت. مصير الدنيا إليهم لا الخلافة.
[202]
في حديث البياضي، واستجزى له بالخير وأثنى عليه أخرى كما في منام نصر بن مزاحم، وقال له ثالثة: بوركت وبورك قومك. كما في حديث السيوطي، ودعا له الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام بقوله: أللهم أحيه سعيدا وأمته شهيدا، وأره الجزاء عاجلا، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا، ودعا له أبو جعفر الباقر عليه السلام في مواقف شتى في مثل أيام التشريق بمنى وغيرها، متوجها إلى الكعبة بالاسترحام والاستغفار له غير مرة، وبقوله: لا تزال مؤيدا بروح القدس تارة أخرى، ومن دعائه عليه السلام له في أيام البيض ما رواه الشيخ الأقدم أبو القاسم الخزاز القمي في [كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثنى عشر] بإسناده عن الكميت أنه قال: دخلت علي سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقر فقلت: يا بن رسول الله ؟ إني قد قلت فيكم أبياتا أفتأذن لي في إنشادها ؟ فقال: أيام البيض. قلت: فهو فيكم خاصة. قال: هات فأنشأت أقول: أضحكني الدهر وأبكاني * والدهر ذو صرف وألوان لتسعة بالطف قد غودروا * صاروا جميعا رهن أكفان فبكى عليه السلام وبكى أبو عبد الله عليه السلام وسمعت جارية تبكي من وراء الخباء فلما بلغت إلى قولي:
وستة لا يتجارى * بنو عقيل خير فرسان ثم علي الخير مولاهم * ذكرهم هيج أحزاني فبكى ثم قال عليه السلام: ما من رجل ذكرنا أو ذكرنا عنده يخرج من عينيه ماء ولو مثل جناح البعوضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة، وجعل ذلك الدمع حجابا بينه وبين النار. فلما بلغت إلى قولي: من كان مسرورا بما مسكم * أو شامتا يوما من الآن فقد ذللتم بعد عز فما * أدفع ضيما حين يغشاني أخذ بيدي ثم قال: أللهم ؟ اغفر للكميت ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فلما بلغت إلى قولي: متى يقوم الحق فيكم متى * يقوم مهديكم الثاني ؟ ؟ ! ! قال: سريعا إنشاء الله سريعا. ثم قال: يا أبا المستهل ؟ إن قائمنا هو التاسع من
[203]
ولد الحسين لأن الأئمة بعد رسول الله اثنى عشر، الثاني عشر هو القائم. قلت: يا سيدي ؟ فمن هؤلاء الاثنى عشر ؟ قال: أولهم علي بن أبي طالب وبعده الحسن والحسين و بعد الحسين علي بن الحسين وبعده أنا ثم بعدي هذا ووضع يده على كتف جعفر قلت: فمن بعد هذا ؟ قال: ابنه موسى وبعد موسى ابنه علي وبعد علي ابنه محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وهو أبو القاسم الذي يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا ويشفي صدور شيعتنا. قلت: فمتى يخرج ؟ يا بن رسول الله قال: لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: إنما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة. وناهيك به فضلا دعاء الإمام الصادق عليه السلام له في مواقفه المشهودة في أشرف الأيام رافعا يديه قائلا: أللهم ؟ اغفر للكميت ما قدم وأخر، وما أسر و
أعلن، واعطه حتى يرضى. وينم عن إجابة تلك الأدعية الصالحة الصادرة من النفوس الطاهرة بالألسنة الصادقة أمر النبي صلى الله عليه وآله أبا إبراهيم سعد الأسدي في منامه بقراءة سلامه عليه، وأنبأه بأن الله قد غفر له. وكذلك نهيه صلى الله عليه وآله دعبل الخزاعي في الطيف عن معارضة الكميت وقوله له: إن الله قد غفر له. وكان بنو أسد (قبيلة الكميت) يحسون بركة دعاء النبي له ولهم بقوله: بوركت و بورك قومك. ويشاهدون آثار الاجابة فيهم، يجدون في أنفسهم نفحاتها، وكانوا يقولون: إن فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت (1) ومن تلك الأدعية المستجابة التي شوهدت آثارها، وأبقت للكميت فضيلة مع الأبد ما رواه شيخنا قطب الدين الراوندي في [الخرايج والجرايح] أن محمد بن علي الباقر عليه السلام دعا للكميت لما أراد أعداء آل محمد أخذه وهلاكه وكان متواريا فخرج في ظلمة الليل هاربا وقد أقعدوا على كل طريق جماعة ليأخذوه إذا ما خرج في خفية، فلما وصل الكميت إلى الفضاء وأراد أن يسلك طريقا فجاء أسد يمنعه من أن يسري منها فسلك جانبا آخر فمنعه منه أيضا، كأنه أشار إلى الكميت أن يسلك خلفه ومضى الأسد في جانب الكميت إلى أن أمن وتخلص من الأعداء.
(1) مر الحديث ص 190.
[204]
وفي " معاهد التنصيص " 2 ص 28 قال المستهل: أقام الكميت مدة متواريا حتى إذا أيقن أن الطلب خف عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد على خوف ووجل وفيمن معه " صاعد " غلامه وأخذ الطريق على " القطقطانة " وكان عالما بالنجوم مهتديا بها فلما صار سحيرا صاح بنا هوموا (1) يا فتيان فهو منا وقام فصلى، قال المستهل: فرأينا شخصا فتضعضعت له فقال: مالك ؟ قلت: أرى شخصا مقبلا فنظر إليه فقال: هذا ذئب قد جاء يستطعمكم فجاء الذئب فربض ناحية فأطعمناه يد جزور فتعرقها ثم أهوينا
له بإناء فيه ماء فشرب منه فارتحلنا وجعل الذئب يعوي، فقال الكميت: ماله ويله ألم نطعمه ونسقه ؟ ؟ وما أعرفني بما يريد هو يدلنا إنا لسنا على الطريق تيامنوا يا فتيان ؟ فتيامنا فسكن عواءه فلم نزل نسير حتى جئنا الشام فتوارى في بني أسد وبني تميم. وهذا جانب عظيم من نواحي مكرمات الكميت وفضايله لو أضيف إلى ما يظهر من كلماته المعربة عن نفسياته، ومواقفه الكاشفة عن خلايقه الكريمة، وما قيل فيه وفي مآثره الجمة يمثله بين يدي القارئ بمظاهر روحياته، ونصب عينيه مجالي نفسياته، وأمثلة مكارم أخلاقه وما كان يحمله بين جنبيه من العلم، والفقه، والأدب، والإباء، والشمم، والحماسة، والهمة، واللباقة، والفصاحة، والبلاغة، والخلق الكامل، وقوة القلب، والدين الخالص، والتشيع الصحيح، والصلاح المحض، والرشد والسداد، إلى فضايل تكسبه فوز النشأتين لا تحصى. الكميت وهشام بن عبد الملك كان خالد بن عبد الله القسري قد أنشد قصيدة الكميت التي يهجو فيها اليمن و هي التي أولها. ألا حييت عنا يا مدينا * وهل ناس تقول مسلمينا فقال: والله لأقتلنه ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن وتخيرهن نهاية في الحسن والكمال والأدب فرواهن (الهاشميات) ودسهن مع " نخاس " إلى هشام بن
(1) هموم تهويما: نام قليلا.
[205]
عبد الملك فاشتراهن جميعا فلما أنس به واستنطقهن رأى منهن فصاحة وأدبا فاستقرأهن القرآن فقرأن واستنشدهن الشعر فأنشدن قصائد الكميت (الهاشميات) فقال هشام: ويلكن من قائل هذا الشعر ؟ قلن: الكميت بن زيد الأسدي. قال: في أي
بلد هو ؟ قلن بالعراق ثم بالكوفة فكتب إلى خالد عامله في العراق إبعث إلي برأس الكميت بن زيد. فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره فأخذ وحبس في الحبس وكان أبان بن الوليد عاملا على واسط وكان الكميت صديقه فبعث إليه بغلام على بغل وقال: له أنت حر إن لحقته والبغل لك. وكتب له: أما بعد. فقد بلغني ما صرت إليه وهو القتل إلا أن يدفع الله عز وجل، وأرى لك أن تبعث إلي حبي - يعني زوجة الكميت وكانت ممن تتشيع أيضا - فإذا دخلت عليك تنقبت نقابها ولبثت ثيابها وخرجت فإني أرجو الأوبة لك. قال: فركب الغلام البغل وسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكرا وأخبر الكميت بالقصة فبعث إلى امرأته وقص عليها القصة وقال لها: أي ابنة عم ؟ إن الوالي لا يقدم عليك ولا يسلمك قومك ولو خفت عليك ما عرضتك له. فألبسته ثيابها وإزارها وخمرته وقالت له: أقبل وأدبر ففعل فقالت: ما أنكر منك شيئا إلا يبسا في كتفيك، فاخرج على اسم الله تعالى. و أخرجت معه جاريتين لها فخرج وعلى باب السجن أبو الوضاح حبيب بن بدير ومعه فتيان من أسد فلم يؤبه له، ومشى الفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناس فمر بمجلس من مجالس بني تميم فقال بعضهم: رجل ورب الكعبة وأمر غلامه فأتبعه فصاح به أبو الوضاح يا كذا وكذا ؟ أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم، وأومى إليه بنعله فولى العبد مدبرا وأدخله أبو الوضاح منزله، ولما طال على السجان الأمر نادى الكميت فلم يجبه، فدخل ليعرف خبره، فصاحت به المرأة: وراءك لا أم لك. فشق ثوبه ومضى صارخا إلى باب خالد فأخبر الخبر فأحضر المرأة فقال لها: يا عدوة الله ؟ احتلت على أمير المؤمنين وأخرجت عدو أمير المؤمنين لأنكلن بك ولأصنعن ولأفعلن. فاجتمعت بنو أسد عليه وقالوا له: ما سبيلك على امرأة منا خدعت. فخافهم فخلى سبيلها وسقط غراب على الحايط ونعب فقال الكميت لأبي الوضاح: إني لمأخوذ وإن حائطك لساقط. فقال: سبحان الله هذا ما لا يكون إنشاء الله تعالى، وكان الكميت خبيرا بالزجر
[206]
(الكهانة) فقال له: لا بد أن تحولني. فخرج به إلى بني علقمة وكانوا يتشيعون فأقام فيهم، ولم يصبح حتى سقط الحايط الذي سقط عليه الغراب. قال المستهل: وأقام الكميت مدة متواريا حتى إذا أيقن أن الطلب خف عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد وبني تميم وأرسل إلى أشرف قريش وكان سيدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض وأتوا عنبسة فقالوا: يا أبا خالد هذه مكرمة أتاك بها الله تعالى، هذا: الكميت بن زيد لسان مضر، وكان أمير المؤمنين قد كتب في قتله فنجا حتى تخلص إليك وإلينا. قال: فمروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير حنيناء. فمضى الكميت فضرب فسطاطه عند قبره، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام فقال: يا أبا شاكر ؟ مكرمة أتيتك بها تبلغ الثريا إن اعتقدتها فإن علمت أنك تفي بها وإلا كتمتها. قال: وما هي ؟ فأخبره الخبر وقال: إنه قد مدحكم عامة وإياك خاصة بما لم يسمع بمثله. فقال: علي خلاصه فدخل على أبيه هشام وهو عند أمه في غير وقت دخول فقال له هشام: أجئت لحاجة ؟ قال: نعم. قال: هي مقضية إلا أن تكون الكميت. فقال: ما أحب أن تستثني علي في حاجتي وما أنا والكميت. فقالت أمه: والله لتقضين حاجته كائنة ما كانت قال: قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها. قال: يا أمير المؤمنين ؟ وهو آمن بأمان الله عز وجل أماني وهو شاعر مضر وقد قال فينا قولا لم يقل مثله. قال: قد أمنته وأجزت أمانك له، فأجلس له مجلسا ينشدك فيه ما قال فينا. فعقد مجلسا وعنده الأبرش الكلبي فتكلم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قط، وامتدحه بقصيدته الرائية ويقال: إنه قالها ارتجالا وهي قوله: قف بالديار وقوف زائر..... فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله:
ماذا عليك من الوقوف * بها إنك غير صاغر ؟ درجت عليك الغاديات * الرابحات من الأعاصر ويقول فيها: فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصائر
[207]
فجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده فيقول: اسمع اسمع. ثم استأذنه في مرثية ابنه معاوية فأذن له فيها فأنشده قوله: سأبكيك للدنيا وللدين إنني * رأيت يد المعروف بعدك شلت أدامت عليكم بالسلام تحية * ملائكة الله الكرام وصلت فبكى هشام بكاء شديدا فوثب الحاجب فسكته، ثم جاء الكميت إلى منزله آمنا فحشدت له المضرية بالهدايا، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم، وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أهل بيته وإنه لا سلطان له عليهم. قال: وجمعت له بنو أمية فيما بينها مالا كثيرا، ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذ إلا ما حفظه الناس منها فألف وسئل عنها فقال: ما أحفظ منها شيئا إنما هو كلام ارتجلته. وفي رواية: إنه لما أجاره مسلمة بن هشام وبلغ بذلك هشاما دعا به وقال له: أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره ؟ فقال: كلا ولكنني انتظرت سكون غضبه. قال: أحضرنيه الساعة فإنه لا جوار لك. فقال مسلمة للكميت: يا أبا المستهل ؟ إن أمير المؤمنين قد أمرني بإحضارك. قال أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال: كلا ولكني أحتال لك. ثم قال له: إن معاوية بن هشام مات قريبا وقد جزع عليه جزعا شديدا فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق، فإذا دعا بك تقدمت عليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ويقولون: هذا استجار بقبر أبينا ونحن أحق بإجارته. فأصبح هشام على عادته متطلعا من قصره إلى القبر فقال: ما هذا ؟ فقالوا:
لعله مستجير بالقبر. فقال: يجار من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له. فقيل: فإنه الكميت. فقال: يحضر أعنف إحضار. فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه، فلما نظر هشام إليهم إغرورقت عيناه واستعبر وهم يقولون: يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا وقد مات وما حظه من الدنيا فاجعله هبة له ولنا ولا تفضحنا في من استجار به. فبكى هشام حتى انتحب ثم أقبل على الكميت فقال له: يا كميت ؟ أنت القائل: وإلا فقولوا غيرها تتعرفوا * نواصيها تروى بنا وهي شزب (1)
(1) تروى: أي ترمى. تشازب القوم على الأمر. أي كان لكل واحد منهم حظ ينتظره يقال: هم متشازبون.
[208]
فقال: لا والله أتان من أتن الحجاز وحشية. فقال الكميت: الحمد لله. قال هشام: نعم الحمد لله. ما هذا ؟ قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، الذي خص بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنته، أحمد حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا، وأشهد له بما شهد به لنفسه، قائما بالقسط وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده العربي، ورسوله الأمي، أرسله و الناس في هفوات حيرة، ومدلهمات ظلمة، عند استمرار أبهة الضلال، فبلغ عن الله ما أمر به، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم. ثم تكلم واعتذر عن هجاؤه بني أمية وأنشد أبياتا من رائيته في مدحهم فقال له هشام: ويلك يا كميت من زين لك الغواية ودلاك في العماية ؟ قال: الذي أخرج أبانا من الجنة وأنساه العهد فلم يجد له عزما. فقال له: إيه يا كميت ؟ ألست القائل ؟: فيا موقدا نارا لغيرك ضوءها * ويا حاطبا في غير حبلك تحطب فقال: بل أنا القائل: إلى آل بيت أبي مالك * مناخ هو الأرحب الأسهل
نمت بأرحامنا الداخلات * من حيث لا ينكر المدخل بمرة والنضر والمالكين * رهط هم الأنبل الأنبل وجدنا قريشا قريش البطاح * على ما بنى الأول الأول بهم صلح الله بعد الفساد * وحيص من الفتق ما رعبلوا (1) قال له: وأنت القائل: لا كعبد المليك أو كوليد * أو سليمان بعد أو كهشام من يمت لا يمت فقيدا ومن يحيى * فلا ذو إل ولا ذو ذمام ويلك يا كميت جعلتنا ممن لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة. فقال: بل أنا القائل يا أمير المؤمنين ؟: فالآن صرت إلى أمية والأمور إلى المصائر والآن صرت بها إلى المصيب كمهتد بالأمس حائر
(1) حاص حيصا: عدل وحاد. رعبلوا: مزقوا.
[209]
فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهند والقطيعا أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا بمرضي السياسة هاشمي * يكون حيا لأمته ربيعا فقال: لا تثريب يا أمير المؤمنين ؟ إن رأيت أن تمحو عني قولي الكاذب. قال: بما ذا قال بقولي الصادق: أورثته الحصان أم هشام * حسبا ثاقبا ووجها نضيرا وتعاطى به ابن عايشة البدر * فأمسى له رقيبا نظيرا وكساه أبو الخلايف مروان * سناء المكارم المأثورا لم تجهم (1) له البطاح ولكن * وجدتها له معانا (2) ودورا
وكان هشام متكئا فاستوى جالسا وقال: هكذا فليكن الشعر. يقولها لسالم ابن عبد الله بن عمر وكان إلى جانبه ثم قال: قد رضيت عنك يا كميت ؟. فقبل يده و قال: يا أمير المؤمنين ؟ إن رأيت أن تزيد في تشريفي فلا تجعل لخالد علي إمارة. قال: قد فعلت. وكتب بذلك وأمر له بأربعين ألف درهم وثلاثين ثوبا هشامية وكتب إلى خالد: أن يخلي سبيل امرأته ويعطيها عشرين ألف درهم وثلاثين ثوبا. ففعل ذلك. الأغاني 15 ص 115 - 119، العقد الفريد 1 ص 189. كان هشام بن عبد الملك مشغوفا بجارية له يقال: لها (صدوف) مدنية اشتريت له بمال جزيل عتب عليها ذات يوم في شيئ وهجرها وحلف أن لا يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك فقال: مالي أراك مغموما يا أمير المؤمنين ؟ لا غمك الله. فأخبره هشام بالقصة فأطرق الكميت ساعة ثم أنشأ يقول: أعتبت أم عتبت عليك (صدوف) * وعتاب مثلك مثلها تشريف لا تعقدن تلوم نفسك دائبا * فيها وأنت بحبها مشغوف إن الصريمة لا يقوم بثقلها * إلا القوي بها وأنت ضعيف فقال هشام: صدقت والله ونهض من مجلسه فدخل إليها ونهضت إليه فاعتنقته،
(1) تجهم له: استقبله بوجه عبوس كريه. (2) المعان بفتح الميم: المنزل. يقال: هم منك بمعان. أي: بحيث تراهم بعينك.
[210]
وانصرف الكميت فبعث إليه هشام بألف دينار وبعثت إليه بمثلها. [الأغاني 15 ص 122] الكميت ويزيد بن عبد الملك حدث حبيش بن الكميت قال: وفد الكميت على يزيد بن عبد الملك فدخل عليه يوما وقد اشتريت له سلامة القس فأدخلت إليه والكميت حاضر فقال له: يا أبا
المستهل ؟ هذه جارية تباع أفترى أن نبتاعها ؟ أي والله يا أمير المؤمنين ؟ وما أرى أن لها مثيلا فلا تفوتنك. قال فصفها لي في شعر حتى أقبل رأيك. فقال الكميت: هي شمس النهار في الحسن إلا * أنها فضلت بفتك الطراف غضة بضة رخيم لعوب * وعثة المتن ثخنة الأطراف (1) زانها دلها وثغر نقي * وحديث مرتل غير جاف خلقت فوق منية المتمني * فاقبل النصح يا بن عبد مناف قال: فضحك يزيد وقال: قد قبلنا نصحك يا أبا المستهل. فأمر له بجائزة سنية. [الأغاني 15 ص 122] * (وللكميت مع خالد) * بن عبد الله القسري أخبار عند قدومه الكوفة منها: إنه مر يوما وقد تحدث الناس بعزله عن العراق فلما جاز تمثل الكميت وقال: أراها وإن كانت تحب كأنها * سحابة صيف عن قليل يقشع فسمعه خالد فرجع وقال: أما والله لا تنقشع حتى يغشاك منها شؤبوب برد، ثم أمر به فجرد وضرب مائة سوط، ثم خلى عنه ومضى (رواه ابن حبيب) [الأغاني 15 ص 119] * (ومن ملح الكميت) *: إن الفرزدق مر به وهو ينشد والكميت يومئذ صبي فقال له الفرزدق أيسرك أني أبوك فقال: لا، ولكن يسرني أن تكون أمي فحصر الفرزدق فأقبل على جلسائه وقال. ما مر بي مثل هذا قط. [الأغاني 15 ص 123]
م (1) الغض: الطري الناعم. يقال: شباب غض. أي: ناضر. البضة: رقيق الجلد ناعمة في اليمن. الرخيم من رخمت الجارية: صارت سهلة المنطق فهي رخيمة ورخيم. الوعث: الهزال. ثخن: غلظ.
[211]
ولادته وشهادته
ولد الكميت في سنة الستين عام شهادة الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه وعاش عيشة مرضية سعيدا في دنياه، باذلا كله في سبيل ما اختاره له ربه، داعيا إلى سنن الهدى حتى أتيحت له الشهادة ببركة دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام له بها، وبعين الله ما هريق من دمه الطاهر وذلك بالكوفة في خلافة مروان بن محمد سنة 126. وكان سبب موته ما حكاه حجر بن عبد الجبار قال: خرجت الجعفرية (1) على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم فخرجوا في التبابين ينادون: لبيك جعفر، لبيك جعفر، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب فدهش بهم فلم يعلم ما يقول فزعا فقال: أطعموني ماء ثم خرج الناس إليهم فأخذوا فجعل يجيئ بهم إلى المسجد و يؤخذ طن قصب فيطلى بالنفط ويقال للرجل منهم: احتضنه. ويضرب حتى يفعل ثم يحرق فحرقهم جميعا، فلما عزل خالد عن العراق ووليه يوسف بن عمر دخل عليه الكميت وقد مدحه بعد قتله زيد بن علي فأنشده قوله فيه: خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن * كمن حصنه فيه الرتاج المضبب وما خالد يستطعم الماء فاغرا * بعدلك والداعي إلى الموت ينعب قال والجند قيام على رأس يوسف بن عمر وهم ثمانية فتعصبوا لخالد فوضعوا نعال سيوفهم في بطن الكميت فوجؤوه بها وقالوا: أتنشد الأمير ولم تستأمره ؟ فلم يزل ينزف الدم حتى مات. [الأغاني 15 ص 121.] وحدث المستهل (2) بن الكميت قال حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه وأغمي عليه ثم أفاق ففتح عينيه ثم قال: أللهم آل محمد، أللهم آل محمد، أللهم آل محمد. ثلاثا ثم قال: يا بني وددت أني لم أكن هجوت نساء بني كلب بهذا البيت وهو:
(1) هم المغيرة بن سعيد وبيان وأصحابهما الست وكانوا يسمون: الوصفاء.
(2) كان المستهل من الشعراء المعروفين وله ديوان كما في فهرست ابن النديم ص 233.
[212]
مع العضروط والعسفاء ألقوا * برادعهن غير محصنينا فعممتهن قذفا بالفجور، والله ما خرجت ليلا قط إلا خشيت أن أرمى بنجوم السماء بذلك. ثم قال: يا بني إنه بلغني في الروايات: إنه يحفر بظهر الكوفة خندق، ويخرج فيه الموتى من قبورهم، وينبشون منها فيحولون إلى قبور غير قبورهم. فلا تدفني في الظهر ولكن إذا مت فامض بي إلى موضع يقال له: " مكران " فادفني فيه. فدفن في ذلك الموضع وكان أول من دفن فيه وهو مقبرة بني أسد إلى الساعة. " الأغاني " 15 ص 130، " المعاهد " 2 ص 131.
[213]
7 - السيد الحميري المتوفى 173 1. يا بايع الدين بدنياه * ليس بهذا أمر الله من أين أبغضت علي الوصي * ؟ وأحمد قد كان يرضاه من الذي أحمد في بينهم * يوم " غدير الخم " ناداه ؟ أقامه من بين أصحابه * وهم حواليه فسماه: هذا علي بن أبي طالب * مولى لمن قد كنت مولاه فوال من والاه يا ذا العلا * وعاد من قد كان عاداه 2. هلا وقفت على المكان المعشب * بين الطويلع فاللوى من كبكب. ويقول فيها:
وبخم إذ قال الإله بعزمه: * قم يا محمد في البرية فاخطب وانصب أبا حسن لقومك إنه * هاد وما بلغت إن لم تنصب فدعاه ثم دعاهم فأقامه * لهم فبين مصدق ومكذب جعل الولاية بعده لمهذب * ما كان يجعلها لغير مهذب وله مناقب لا ترام متى يرد * ساع تناول بعضها بتذبذب إنا ندين بحب آل محمد * دينا ومن يحبهم يستوجب منا المودة والولاء ومن يرد * بدلا بآل محمد لا يحبب ومتى يمت يرد الجحيم ولا يرد * حوض الرسول وإن يرده يضرب ضرب المحاذر أن تعر ركابه * بالسوط سالفة البعير الأجرب وكأن قلبي حين يذكر أحمدا * ووصي أحمد نيط من ذي مخلب
[214]
بذرى القوادم من جناح مصعد * في الجو أو بذرى جناح مصوب حتى يكاد من النزاع إليهما * يفري الحجاب عن الضلوع القلب هبة وما يهب الإله لعبده * يزدد ومهما لا يهب لا يوهب يمحو ويثبت ما يشاء وعنده * علم الكتاب وعلم ما لم يكتب هذه القصيدة ذات 112 بيتا تسمى بالمذهبة شرحها سيد الطائفة الشريف المرتضى علم الهدى وطبع بمصر 1313 وقال في شرح قوله: وانصب أبا حسن لقومك إنه * هاد وما بلغت إن لم تنصب: هذا اللفظ يعني (النصب) لا يليق إلا بالإمامة والخلافة دون المحبة والنصرة، وقوله: جعل الولاية بعده لمهذب. صريح في الإمامة لأن الإمامة هي التي جعلت له بعده والمحبة والنصرة حاصلتان في الحال وغير مختصين بعد الوفاة. وشرحها أيضا الحافظ النسابة الأشرف بن الأغر المعروف بتاج العلى الحسيني
المتوفى 610. 3. خف يا محمد فالق الإصباح * وأزل فساد الدين بالإصلاح أتسب صنو محمد ووصيه ؟ * ترجو بذاك الفوز بالإنجاح هيهات قد بعدا عليك وقربا * منك العذاب وقابض الأرواح أوصى النبي له بخير وصية * يوم " الغدير " بأبين الإفصاح: من كنت مولاه فهذا واعلموا * مولاه قول إشاعة وصراح قاضي الديون ومرشد لكم كما * قد كنت أرشد من هدى وفلاح أغويت أمي وهي جد ضعيفة * فجرت بقاع الغي جري جماع بالشتم للعلم الإمام ومن له * إرث النبي بأوكد الايضاح إني أخاف عليكما سخط الذي * أرسى الجبال بسبسب صحصاح أبوي فاتقيا الإله وأذعنا * للحق (1)
(1) هكذا وجدناه بياضا في الأصل.
[215]
هذه الأبيات رواها المرزباني، كتبها السيد إلى والديه يدعوها إلى التشيع وولاء أمير المؤمنين وينهاهما عن سبه وكانا أباضيين 4. إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد * ولا عهده يوم " الغدير " مؤكدا فإني كمن يشري الضلالة بالهدى * تنصر من بعد الهدى أو تهودا وما لي وتيما أو عديا وإنما * أولو نعمتي في الله من آل أحمدا تتم صلاتي بالصلاة عليهم * وليست صلاتي بعد أن أتشهدا بكاملة إن لم أصل عليهم * وأدعو لهم ربا كريما ممجدا
بذلت لهم ودي ونصحي ونصرتي * مدى الدهر ما سميت يا صاح سيدا وإن امرأ يلحى على صدق ودهم * أحق وأولى فيهم أن يفندا فإن شئت فاختر عاجل الغم ظلة * وإلا فامسك كي تصان وتحمدا هذه القصيدة توجد منها 25 بيتا. روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 262: إن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة وكان أبو الخلال شيخ العشيرة وكبيرها فقال له: أيها الأمير ؟ أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر ؟ فقال له عقبة: ما علمت ذاك ولا أعطيته إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقهم ورعايتهم. فقال له أبو الخلان: فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض. فقال: قد سمعك فإن شاء فعل. فقال السيد: إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد إلى آخر الأبيات ثم نهض مغضبا. فقام أبو الخلال إلى عقبة فقال: أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الأمير ؟ قال: قد فعلت على أن لا تعرض له بعدها. 5. قد أطلتم في العذل والتنقيد * بهوى السيد الإمام السديد يقول فيها:
[216]
يوما قام النبي في ظل دوح * والورى في وديقة صيخود (1) رافعا كفه بيمني يديه * بايحا باسمه بصوت مديد: أيها المسلمون هذا خليلي * ووزيري ووارثي وعقيدي وابن عمي ألا فمن كنت مولاه * فهذا مولاه فارعوا عهودي وعلي مني بمنزلة هارون * بن عمران من أخيه الودود
6. أجد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهل غزير يقول فيها: لقد سمعوا مقالته بخم * غداة يضمهم وهو الغدير: فمن أولى بكم منكم فقالوا * مقالة واحد وهم الكثير جميعا: أنت مولانا وأولى * بنا منا وأنت لنا نذير: فإن وليكم بعدي علي * ومولاكم هو الهادي الوزير وزيري في الحياة وعند موتي * ومن بعدي الخليفة والأمير فوال الله من والاه منكم * وقابله لدى الموت السرور وعاد الله من عاده منكم * وحل به لدى الموت النشور 7. ألا الحمد لله حمدا كثيرا * ولي المحامد ربا غفورا هداني إليه فوحدته * وأخلصت توحيده المستنيرا ويقول فيها: لذلك ما اختاره ربه * لخير الأنام وصيا ظهيرا فقام بخم بحيث " الغدير " * وحط الرحال وعاف المسيرا وقم له الدوح ثم ارتقى * على منبر كان رحلا وكورا ونادى ضحى باجتماع الحجيج * فجاؤا إليه صغيرا كبير
(1) الوديقة: شدة الحر. والصيخود: شديد الحر. يقال: يوم صيخود وصخدان.
[217]
فقال وفي كفه حيدر * يليح إليه مبينا مشيرا: ألا إن من أنا مولى له * فمولاه هذا قضا لن يجورا
فهل أنا بلغت ؟ قالوا: نعم * فقال: اشهدوا غيبا أو حضورا يبلغ حاضركم غائبا * وأشهد ربي السميع البصيرا فقوموا بأمر مليك السما * يبايعه كل عليه أميرا فقاموا: لبيعته صافقين * أكفا فأوجس منهم نكيرا فقال: إلهي وال الولي * وعاد العدو له والكفورا وكن خاذلا للأولى يخذلون * وكن للأولى ينصرون نصيرا فكيف ترى دعوة المصطفى * مجابا بها أو هباءا نثيرا ؟ ؟ ! ! أحبك يا ثاني المصطفى * ومن أشهد الناس فيه الغديرا وأشهد أن النبي الأمين * بلغ فيك نداء جهيرا وإن الذين تعادوا عليك * يصلون نارا وساءت مصيرا 8. قف بالديار وحيهن ديارا * واسق الرسوم المدمع المدرارا كانت تحل بها النوار وزينب * فرعى إلهي زينبا ونوارا قل للذي عادى وصي محمد * وأبان لي عن لفظه إنكارا يقول فيها: من خاصف نعل النبي محمد * يرضي بذاك الواحد الغفارا فيقول فيه معلنا خير الوري * جهرا وما ناجى به إسرارا: هذا وصيي فيكم وخليفتي * لا تجهلوه فترجعوا كفارا وله بيوم " الدوح " أعظم خطبة * أدى بها وحي الإله جهارا 9. بلغ سوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة قول شاعرنا السيد الحميري في حديث الطائر المشوي المتفق عليه:
[218]
لما أتى بالخبر الأنبل * في طائر أهدي إلى المرسل في خبر جاء أبان به * عن أنس في الزمن الأول هذا وقيس الحبر يرويه عن * سفينة ذي القلب الخول سفينة يمكن من رشده * وأنس خان ولم يعدل في رده سيد كل الورى * مولاهم في المحكم المنزل فصده ذو العرش عن رشده * وشأنه بالبرص الأنكل فقال سوار: ما يدع هذا أحدا من الصحابة إلا رماه بشعر يظهر عواره. وأمر بحبسه فاجتمع بنو هاشم والشيعة وقالوا له: والله لئن لم تخرجه وإلا كسرنا الحبس وأخرجناه أيمتدحك شاعر فتثيبه، ويمتدح أهل البيت شاعر فتحبسه ؟ ؟ ! ! فأطلقه على مضض فقال يهجوه: قولا لسوار أبي شملة *: يا واحدا في النوك والعار ما قلت في الطير خلاف الذي * رويته أنت بآثار وخبر المسجد إذ خصه * محللا من عرصة الدار إن جنبا كان وإن طاهرا * في كل إعلان وإسرار وأخرج الباقين منه معا * بالوحي من إنزال جبار حبا عليا وحسينا معا * والحسن الطهر لأطهار وفاطما أهل الكساء الأولى * خصوا بإكرام وإيثار فمبغض الله يرى بغضهم * يصير للخزي وللنار عليه من ذي العرش في فعله * وسم يراه العائب الزاري وأنت يا سوار رأس لهم * في كل خزي طالب الثار تعيب من آخاه خير الورى * من بين أطهار وأخيار
وقال في " خم " له معلنا * ما لم يلقوه بإنكار: من كنت مولاه فهذا له * مولى فكونوا غير كفار فعولوا بعدي عليه ولا * تبغوا سراب المهمة الجاري وقال يهجو سوار القاضي بعد موته:
[219]
يا من غدا حاملا جثمان سوار * من داره ظاعنا منها إلى النار لا قدس الله روحا كان هيكلها * لقد مضت بعظيم الخزي والعار حتى هوت قعر بيروت معذبة * وجسمه في كنيف بين أقذار لقد رأيت من الرحمن معجبة * فيه وأحكامه تجري بمقدار فاذهب عليك من الرحمن بهلته * يا شرحي يراه الواحد الباري يا مبغضا لأمير المؤمنين وقد * قال النبي له من دون إنكار يوم الغدير وكل الناس قد حضروا *: من كنت مولاه في سر وإجهار هذا أخي ووصيي في الأمور ومن * يقوم فيكم مقامي عند تذكاري يا رب عاد الذي عاداه من بشر * وأصله في جحيم ذات إسعار وأنت لا شك عاديت الإله به * فيا جحيم ألا هبي لسوار 10. لأم عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامها بلقع تروع عنها الطير وحشية * والوحش من خيفته تفزع رقش يخاف الموت من نقشها * والسم في أنيابها منقع برسم دار ما بها مؤنس * إلا صلال في الثرى وقع لما وقفت العيس في رسمها * والعين من عرفانه تدمع ذكرت من قد كنت ألهو به * فبت والقلب شج موجع
كأن بالنار لما شفني * من حب أروى كبدي لدع عجبت من قوم أتوا أحمدا * بخطة ليس لها موضع قالوا له: لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع إذا توفيت وفارقتنا * وفيهم في الملك من يطمع فقال: لو أعلمتكم مفزعا * كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا صنيع أهل العجل إذ فارقوا * هارون فالترك له أوسع وفي الذي قال بيان لمن * كان إذا يعقل أو يسمع ثم أتته بعد ذا عزمة * من ربه ليس لها مدفع
[220]
بلغ وإلا لم تكن مبلغا * والله منهم عاصم يمنع فعندها قام النبي الذي * كان بما يأمر به يصدع يخطب مأمورا وفي كفه * كف علي ظاهر تلمع رافعها أكرم بكف الذي * يرفع والكف الذي ترفع يقول والأملاك من حوله * والله فيهم شاهد يسمع: من كنت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقنع فاتهموه وحنت فيهم * على خلاف الصادق الأضلع وضل قوم غاضهم فعله * كأنما آنافهم تجدع حتى إذا واروه في لحده * وانصرفوا عن دفنه ضيعوا ما قال بالأمس وأوصي به * واشتروا الضر بما ينفع القصيدة 54 بيتا * (ما يتبع الشعر) * عن فضيل الرسان قال: دخلت على جعفر بن محمد عليه السلام أعزيه عن عمه
زيد ثم قلت: ألا أنشدك شعر السيد ؟ فقال: أنشد. فأنشدته قصيدة يقول فيها: فالناس يوم البعث راياتهم * خمس فمنها هالك أربع قائدها العجل وفرعونهم * وسامري الأمة المفظع ومارق من دينه مخرج * أسود عبد لكع أوكع وراية قائدها وجهه * كأنه الشمس إذا تطلع فسمعت نحيبا من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر ؟ فقلت: السيد. فقال: رحمه الله. فقلت: جعلت فداك إني رأيته يشرب الخمر. فقال: رحمه الله فما ذنب على الله أن يغفره لآل علي، إن محب علي لا تزل له قدم إلا ثبتت له أخرى. الأغاني 7 ص 251. ورواه أيضا في الأغاني 7 ص 241 وفيه: فسألني لمن هي ؟ فأخبرته أنها للسيد وسألني عنه فعرفته وفاته (1) فقال: رحمه الله. قلت: إني رأيته يشرب النبيذ في
(1) هذه الكلمة دخيلة لا تتم إذ الحميري توفي بعد وفاة الصادق عليه السلام بسنتين ؟. ولا توجد هي في رواية المرزباني والكشي.
[221]
الرستاق قال: أتعني الخمر ؟ قلت: نعم. قال: وما خطر ذنب عند الله أن يغفره لمحب علي عليه السلام ؟ !. وروى الحافظ المرزباني في " أخبار السيد " عن فضيل قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام بعد قتل زيد فجعل يبكي ويقول: رحم الله زيدا إنه للعالم الصدوق، ولو ملك أمرا لعرف أين يضعه. فقلت: أنشدك شعر السيد ؟ فقال: أمهل قليلا. وأمر بستور فسدلت وفتحت أبواب غير الأولى ثم قال: هات ما عندك. فأنشدته: لأم عمرو باللوى مربع وذكر 13 بيتا فسمعت نحيبا من وراء الستور ونساء تبكين فجعل يقول: شكرا لك يا إسماعيل قولك.
فقلت له: يا مولاي إنه يشرب نبيذ الرساتيق. فقال: يلحق مثله التوبة ولا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا. ورواه الكشي في رجاله ص 184 بتغيير يسير في بعض ألفاظه. وروى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 251 عن زيد بن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم وقدامه رجل جالس عليه ثياب بيض فنظرت عليه فلم أعرفه إذ التفت إليه رسول الله فقال: يا سيد ؟ أنشدني قولك لأم عمرو باللوى مربع..... فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا فحفظتها عنه كلها في النوم، قال أبو إسماعيل: وكان زيد بن موسى لحانة ردئ الانشاد فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن. وهذا الحديث رواه الحافظ المرزباني في أخبار السيد. وفي " الأغاني " 7 ص 279 عن أبي داود المسترق عن السيد أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فاستنشده فأنشد قوله: لأم عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامها بلقع حتى انتهى إلى قوله: قالوا له: لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع فقال: حسبك. ثم نفض يده وقال: قد والله أعلمتهم. وقال الشريف الرضي في [خصايص الأئمة]: حكي أن زيد بن موسى بن جعفر
[222]
ابن محمد عليهم السلام رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام في موضع عال شبيه بالمسناة وعليها مراق فإذ منشد ينشد قصيدة السيد ابن محمد الحميري هذه وأولها: لأم عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامها بلقع
حتى انتهى إلى قوله: قالوا له: لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وتبسم وقال: أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ أو لم أعلمهم ؟ ثم قال لزيد: إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة. قال: فعددت المراقي وكان نيفا وتسعين مرقاة، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة، وهو الملقب بزيد النار. قال العلامة المجلسي في " بحار الأنوار " 11 ص 150: وجدت في بعض تأليفات أصحابنا أنه روى بإسناده عن سهل بن ذبيان قال: دخلت على الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في بعض الأيام قبل أن يدخل عليه أحد من الناس فقال لي: مرحبا بك يا بن ذبيان ؟ الساعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا. فقلت: لماذا ؟ يا بن رسول الله ؟ فقال: لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأرقني. فقلت: خيرا يكون إنشاء الله تعالى. فقال: يا بن ذبيان ؟ رأيت كأني قد نصب لي سلم فيه مائة مرقاة فصعدت إلى أعلاه. فقلت: يا مولاي ؟ أهنيك بطول العمر وربما تعيش مائة سنة. فقال عليه السلام ما شاء الله كان. ثم قال: يا بن ذبيان ؟ فلما صعدت إلى أعلا السلم رأيت كأني دخلت في قبة خضراء يرى ظاهرها من باطنها ورأيت جدي رسول الله جالسا وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يشرق النور من وجههما، ورأيت امرأة بهية الخلقة، ورأيت بين يديه شخصا بهي الخلقة جالسا عنده، ورأيت رجلا واقفا بين يديه وهو يقرأ: لأم عمرو باللوى مربع....... فلما رآني النبي قال لي: مرحبا بك يا ولدي يا علي بن موسى الرضا ؟ سلم علي أبيك علي. فسلمت عليه، ثم قال لي: سلم على أمك فاطمة الزهراء عليها السلام. فسلمت عليها، فقال لي: فسلم على أبويك الحسن والحسين. فسلمت عليهما، ثم قال
[223]
لي: وسلم على شاعرنا ومادحنا في دار الدنيا السيد إسماعيل الحميري. فسلمت عليه و جلست فالتفت النبي السيد إسماعيل وقال له. عد إلى ما كنا فيه من إنشاد القصيدة فأنشد يقول. لأم عمرو باللوى مربع...... فبكى النبي صلى الله عليه وآله فلما بلغ إلى قوله: ووجهه كالشمس إذ تطلع بكى النبي وفاطمة ومن معه، ولما بلغ إلى قوله: قالوا له: لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع رفع النبي صلى الله عليه وآله يديه وقال: إلهي أنت الشاهد علي وعليهم إني أعلمتهم: أن الغاية والمفزع علي بن أبي طالب. وأشار بيده إليه وهو جالس بين يديه، قال علي بن موسى الرضا: فلما فرغ السيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة إلتفت النبي إلي وقال لي: يا علي بن موسى ؟ إحفظ هذه القصيدة ومر شيعتنا بحفظها وأعلمهم: إن من حفظها وأدمن قرائتها ضمنت له الجنة على الله تعالى. قال الرضا: ولم يزل يكررها علي حتى حفظتها منه والقصيدة هذه ثم ذكرها برمتها. * (قال الأميني) *: هذا المنام ذكره القاضي الشهيد المرعشي في " مجالس المؤمنين " ص 436 نقلا عن رجال الكشي ولم يوجد في المطبوع منه، ولعل القاضي وقف على أصل النسخة الكاملة ووجده فيه، ونقله الشيخ أبو علي في رجاله (منتهى المقال) ص 143 " عن عيون الأخبار " لشيخنا الصدوق، وتبعه الشيخ المعاصر في " تنقيح المقال " 1 ص 59، والسيد الأمين في " أعيان الشيعة " 13 ص 170، ولم نجده في نسخ العيون المخطوطة والمطبوعة. ورواه شيخنا المولى محمد قاسم الهزار جريبي في شرح القصيدة، والسيد الزنوزي في الروضة الأولى في كتابه الضخم الفخم " رياض الجنة ". والسيد محمد مهدي في آخر كتابه " رياض المصائب ".
شروح القصيدة شرح هذه العينية جمع من أعلام الطايفة منهم:
[224]
1 - الشيخ حسين بن جمال الدين الخوانساري المتوفى 1099. 2 - ميرزا علي خان الگلپايگاني تلميذ العلامة المجلسي. 3 - المولى محمد قاسم الهزار جريبي المتوفى بعد سنة 1112 وقد صنف فيها كتابه (التحفة الأحمدية) يوجد هذا الشرح في النجف الأشرف. 4 - بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الاصبهاني الشهير بالفاضل الهندي المولود 1062 والمتوفى 1135. 5 - الحاج المولى محمد حسين القزويني المتوفى في القرن الثاني عشر. 6 - الحاج المولى صالح بن محمد البرغاني. 7 - الحاج ميرزا محمد رضا القراجة داغي التبريزي فرغ منه سنة 1289 وطبع في تبريز سنة 1301. 8 السيد محمد عباس بن السيد على أكبر الموسوي المتوفى 1306، أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر يأتي هناك شعره وترجمته. 9 - الحاج المولى حسن بن الحاج محمد إبراهيم بن الحاج محتشم الأردكاني المتوفى 1315. 10 - الشيخ بخشعلي اليزدي الحايري المتوفى 1320. 11 - ميرزا فضعلي بن المولى عبد الكريم الأرواني التبريزي المتوفى سنة نيف و 1330 مؤلف " حدائق العارفين ". 12 - الشيخ علي بن علي رضا الخوئي المتوفى 1350. 13 - السيد أنور حسين الهندي المتوفى 1350.
14 - السيد علي أكبر بن السيد رضي الرضوي القمي المولود سنة 1317. 15 - الحاج المولى علي التبريزي مؤلف (وقايع الأيام) المطبوع (1). وخمسها جمع من العلماء والأدباء منهم: شيخنا الحر العاملي صاحب " الوسايل " وحفيده الشيخ عبد الغني العاملي نزيل البصرة والمتوفى بها ومطلع تخميسه: جوابه كأس الأسى أجرع * صرفا وأجفاني حيا تدمع
(1) هذه الشروح وقفت على بعضها ونقلت جملة منها عن " الذريعة " لشيخنا الرازي.
[225]
فاسمع حديثا بالأسى مسمع * لأم عمرو باللوى مربع ومنهم: الشيخ حسن بن مجلي الخطي وأول تخميسه: لا تنكروا إن جيرتي أزمعوا * هجرا وحبل الوصل قد قطعوا كم دمنة خاوية تجزع * لأم عمرو..... كانت بأهل الود إنسية * تزهو بزهر الروض موشية فأصبحت بالرغم منسية * تروع عنها....... ومنهم: سيدنا السيد علي النقي النقوي الهندي الآتي شعره وترجمته في القرن الرابع عشر ومستهل تخميسه: أتنطوي فوق الأسى الأضلع * صبرا وترقى مني الأدمع ؟ ؟ ! ! وذاك حيث الظعن قد أزمعوا * لأم عمرو... قد ذاكرته السحب وسمية * ولا عبته الريح شرقية لأرسم أصبحن منسية * تروع عنها...... * (ومن غديريات السيد الحميري) * 11. هب علي بالملام والعذل * وقال: كم تذكر بالشعر الأول ؟ !
كف عن الشر فقلت: لا تقل * ولا تخل أكف عن خير العمل إني أحب حيدرا مناصحا * لمن قفا مواثبا لمن نكل أحب من آمن بالله ولم * يشرك به طرفة عين في الأزل ومن غدا نفس الرسول المصطفى * صلى الله عليه عند المبتهل وثاني النبي في يوم الكسا * إذ طهر الله به من اشتمل وقال: خلفت لكم كتابه * وعترتي وكل هذين ثقل فليت شعري كيف تخلفونني * في ذا وذا إذا أردت المرتحل ؟ وجاء من مكة والحجيج قد * صاحبه من كل سهل وجبل حتى إذا صار بخم جاءه * جبريل بالتبليغ فيهم فنزل وقم ذاك الدوح فاستوى على * رحل ونادى بعلي فارتحل
[226]
وقال: هذا فيكم خليفتي * ومن عليه في الأمور المتكل نحن كهاتين وأوما باصبع * من كفه عن إصبع لم تنفصل لا تبتغوا بالطهر عنه بدلا * فليس فيكم لعلي من بدل ثم أدار كفه لكفه * يرفعها منه إلى أعلا محل فقال: بايعوا له وسلموا الأمر * إليه واسلموا من الزلل ألست مولاكم ؟ فذا مولى لكم * والله شاهد بذا عز وجل يا رب وال من يوالي حيدرا * وعاد من عاداه واخذل من خذل يا شاهدي بلغت ما أنزله * إلي جبريل وعنه لم أحل فبايعوا وهنئوا وبخبخوا * والصدر مطوي له على دغل فقل لمن ينقم منه: ما رأى ؟ ! * وقل لمن يعدل عنه: لم عدل ؟ ! 12.
أعلماني أي برهان جلي * فتقولان بتفضيل علي ؟ بعد ما قام خطيبا معلنا * يوم " خم " باجتماع المحفل أحمد الخير وناد جاهرا * بمقال منه لم يفتعل قال: إن الله قد أخبرني * في معاريض الكتاب المنزل: إنه أكمل دينا قيما * بعلي بعد أن لم يكمل وهو مولاكم فويل للذي * يتولى غير مولاه الولي وهو سيفي ولساني ويدي * ونصيري أبدا لم يزل وهو صنوي وصفيي والذي * حبه في الحشر خير العمل نوره نوري ونوري نوره * وهو بي متصل لم يفصل وهو فيكم من مقامي بدل * ويل من بدل عهد البدل قوله قولي فمن يأمره * فليطعه فيه وليمتثل إنما مولاكم بعدي إذا * حان موتي ودنا مرتحلي ابن عمي ووصيي وأخي * ومجيبي في الرعيل الأول وهو باب لعلومي فسقوا * ماء صبر بنفيع الحنظل
[227]
فطبوا في وجهه وائتمروا * بينهم فيه بأمر معضل 13. أشهد بالله وآلاءه * والمرء عما قاله يسأل: أن علي بن أبي طالب * خليفة الله الذي يعدل وإنه قد كان من أحمد * كمثل هارون ولا مرسل لكن وصي خازن عنده * علم من الله به يعمل قد قام يوم " الدوح " خير الورى * بوجهه للناس يستقبل
وقال: من قد كنت مولى له * فذا له مولى لكم موئل لكن تواصوا بعلي الهدى * أن لا يوالوه وأن يخذلوا 14. قام النبي يوم خم خاطبا * بجانب الدوحات أو حيالها فقال: من كنت له مولى فذا * مولاه ربي اشهد مرارا قالها قالوا: سمعنا وأطعنا كلنا * وأسرعوا بالألسن اشتغالها وجاءهم مشيخة يقدمهم * شيخ يهني حيدرا مثالها قال له: بخ بخ من مثلكا * أصحبت مولى المؤمنين يا لها يا عجبا وللزمان عجب * تلقى ذوو الفكر به ضلالها إن رجالا بايعته إنما * بايعت الله، فما بدا لها ؟ ! وكيف لم تشهد رجال عندما * استشهد في خطبته رجالها ؟ ! وناشد الشيخ فقال: إنني * كبرت حتى لم أجد أمثالها فقال: والكاذب يرمى بالتي * ليس تواري عمة تنالها أشار في الأبيات الأخيرة إلى ما مر ج 1 ص 166 - 185 و 191 - 195 من حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة بحديث الغدير لما نوزع في خلافته وكتمان أنس بن مالك شهادته له وإصابة دعوته عليه السلام عليه. 15. لمن طلل كالوشم لم يتكلم * ونؤي وآثار كترقيش معجم ؟ ؟
[228]
ألا أيها العاني الذي ليس في الأذى * ولا اللوم عندي في علي بمحجم ستأتيك مني في علي مقالة * تسوؤك فاستأخر لها أو تقدم علي له عندي على من يعيبه * من الناس نصر باليدين وبالفم
متى ما يرد عندي معاديه عيبه * يجد ناصرا من دونه غير مفحم علي أحب الناس إلا محمدا * إلي فدعني من ملامك أولم علي وصي المصطفى وابن عمه * وأول من صلى ووحد فاعلم علي هو الهادي الإمام الذي به * أنار لنا من ديننا كل مظلم علي ولي الحوض والذائد الذي * يذبب عن أرجاءه كل مجرم علي قسيم النار من قوله لها: * ذري ذا وهذا فاشربي منه واطعمي خذي بالشوى ممن يصيبك منهم ولا تقربي من كان حزبي فتظلمي علي غدا يدعا فيكسوه ربه * ويدنيه حقا من رفيق مكرم فإن كنت منه يوم يدنيه راغما * وتبدي الرضا عنه من الآن فارغم فإنك تلقاه لدى الحوض قائما * مع المصطفى الهادي النبي المعظم يجيزان من والاهما في حياته * إلى الروح والظل الضليل المكمم علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم لأن رسول الله أوصى بحقه * وأشركه في كل فيئ ومغنم وزوجته صديقة لم يكن لها * مقارنة غير البتول مريم وكان كهارون بن عمران عنده * من المصطفى موسى النجيب المكلم وأوجب يوما بالغدير ولاءه * على كل بر من فصيح وأعجم لدى دوح " خم " آخذا بيمينه * ينادي مبينا باسمه لم يجمجم أما والذي يهوي إلى ركن بيته * بشعث النواصي كل وجناء عيهم يوافين بالركبان من كل بلدة * لقد ضل يوم " الدوح " من لم يسلم وأوصى إليه يوم ولى بأمره * وميراث علم من عرى الدين محكم * (القصيدة توجد منها 42 بيتا) * قال الحافظ المرزباني في " أخبار السيد ": إن السيد الحميري كتب بهذه القصيدة
[229]
إلى عبد الله بن أباض رأس الأباضية لما بلغه أنه يعيب على علي عليه السلام ويتهدد السيد بذكره عند المنصور بما يوجب قتله، فلما وصلت إلى ابن أباض امتعض منها جدا وأجلب في أصحابه وسعى به إلى الفقهاء والقرآن فاجتمعوا وصاروا إلى المنصور وهو بدجلة البصرة فرفعوا قصته فأحضرهم وأحضر السيد فسألهم عن دعواهم، فقالوا: إنه يشتم السلف، ويقول بالرجعة، ولا يرى لك ولا لأهلك إمامة. فقال لهم: دعوني أنا واقصدوا لما في أنفسكم. ثم أقبل على السيد فقال: ما تقول فيما تقولون ؟ فقال: ما أشتم أحدا وإني لا ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ابن أباض قل له: يترحم على علي وعثمان وطلحة والزبير. فقال له: ترحم على هؤلاء. فتلوى (تثاقل) ساعة فحذفه المنصور بعود كان بين يديه وأمر بحبسه فمات في الحبس وأمر بمن كان معه فضربوا بالمقارع وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم. 16. يالقومي للنبي المصطفى * ولما قد نال من خير الأمم جحدوا ما قاله في صنوه * يوم خم بين دوح منتظم: أيها الناس فمن كنت له * واليا يوجب حقي في القدم فعلي هو مولاه لمن * كنت مولاه قضاء قد حتم أفلا ينفذ فيهم حكمه ؟ * عجبا يولع في القلب الضرم 17. ألا إن الوصية دون شك * لخير الخلق من سام وحام وقال محمد بغدير خم * عن الرحمن ينطق باعتزام يصيح وقد أشار إليه فيكم * إشارة غير مصغ للكلام: ألا من كنت مولاه فهذا * أخي مولاه فاستمعوا كلامي
فقال الشيخ يقدمهم إليه * وقد حصدت بداه من الزحام ينادي: أنت مولاي ومولى الأنام. * فلم عصى مولى الأنام ؟ ! وقد ورث النبي رداه يوما * وبردته ولائكة اللجام
[230]
18. على آل الرسول وأقربيه * سلام كلما سجع الحمام أليسو في السماء وهم نجوم * وهم أعلام عز لا يرام ؟ ؟ ! ! فيا من قد تحير في ضلال * أمير المؤمنين هو الإمام رسول الله يوم " غدير خم " * أناف به وقد حضر الأنام تأتي القصيدة بتمامها في ترجمته. قال المعتز في طبقاته ص 8: حكوا عن بعضهم أنه قال: رأيت حمالا عليه حمل ثقيل وقد جهده، فقلت: ما هذا ؟ فقال: ميميات السيد. 19. نفسي فداء رسول الله يوم أتى * جبريل يأمر بالتبليغ إعلانا: إن لم تبلغ فما بلغت فانتصب * النبي ممتثلا أمرا لمن دانا وقال للناس: من مولاكم قبلا * يوم الغدير ؟ فقالوا: أنت مولانا أنت الرسول ونحن الشاهدون على * أن قد نصحت وقد بينت تبيانا: هذا وليكم بعدي أمرت به * حتما فكونوا له حزبا وأعوانا هذا أبركم برا وأكثركم * علما وأولكم بالله إيمانا هذا له قربة مني ومنزلة * كانت لهارون من موسى بن عمرانا 20. أتى جبرئيل والنبي بضحوة * فقال: أقم والناس في الوخد تمحن وبلغ وإلا لم تبلغ رسالة * فحط وحط الناس ثم ووطنوا
على شجرات في الغدير تقادمت * فقام على رحل ينادي ويعلن وقال: ألا من كنت مولاه منكم * فمولاه من بعدي علي فأذعنوا فقال شقي منهم لقرينه * وكم من شقي يستزل ويفتن: يمد بضبعيه عليا وإنه * لما بالذي لم يؤته لمزين كأن لم يكن في قلبه ثقة به * فيا عجبا أنى ومن أين يؤمن ؟ ؟ ! ! 21. منحت الهوى المحض مني الوصيا * ولا أمنح الود إلا عليا
[231]
دعاني النبي عليه السلام * إلى حبه فأجبت النبيا فعاديت فيه وواليته * وكنت لمولاه فيه وليا أقام بخم بحيث الغدير * فقال فأسمع صوتا نديا: ألا ذا إذا مت مولاكم * فأفهمه العرب والأعجميا 22. به وصى النبي غداة " خم " * جميع الناس لو حفظوا النبيا وناداهم: ألست لكم بمولى ؟ * عباد الله فاستمعوا إليا فقالوا: أنت مولانا وأولى * بنا منا فضم له عليا وقال لهم بصوت جهوري * وأسمع صوته من كان حيا: فمن أنا كنت مولاه فإني * جعلت له أبا حسن وليا فعاد الله من عاداه منكم * وكان بمن تولاه حفيا 23. وقام محمد بغدير خم * فنادى معلنا صوتا نديا لمن وافاه من عرب وعجم * وحفوا حول دوحته حنيا
: ألا من كنت مولاه فهذا * له مولى وكان به حفيا إلهي عاد من عادى عليا * وكن لوليه ربي وليا * (الشاعر) * أبو هاشم وأبو عامر إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد " نسبه " ذكر أبو الفرج الاصبهاني وكثير من المؤرخين: إنه حفيد يزيد بن ربيعة مفرغ أو ابن مفرغ الحميري الشاعر المشهور الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب، وحبسه عبد الله بن زياد لذلك وعذبه ثم أطلقه معاوية، لكن المرزباني نسبه إلى يزيد بن وداع وقال في كتاب " أخبار الحميري ": أمه من حدان (1) تزوج بها
(1) حدان بضم المهملة إحدى محال البصرة القديمة يقال لها: بنو حدان. سميت باسم قبيلة أبوها حدان بن شمس بن عمرو من الأزد.
[232]
أبوه لأنه كان نازلا فيهم، وأم هذه المرأة بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر المعروف، وليس ليزيد بن مفرغ عقب من ولد ذكر، ولقد غلط الأصمعي في نسبة السيد إلى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه لأنه جده من جهة أمه. ا ه. وذكر المرزباني له في " معجم الشعراء ": إني امرؤ حميري حين تنسبني * جدي رعين وأخوالي ذوو يزن ثم الولاء الذي أرجو النجاة به * يوم القيامة للهادي أبي الحسن (1) يكنى بأبي هاشم وقال شيخ الطايفة: بأبي عامر، وكان بلقب منذ صغر سنه بالسيد قال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 186: روي أن أبا عبد الله عليه السلام لقي السيد بن محمد الحميري وقال: سمتك أمك سيدا، وفقت في ذلك، وأنت سيد الشعراء. ثم أنشد السيد في ذلك: ولقد عجبت لقائل لي مرة * علامة فهم من الفقهاء سماك قومك سيدا صدقوا به * أنت الموفق سيد الشعراء
ما أنت حين تخص آل محمد * بالمدح منك وشاعر بسواء مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم * والمدح منك لهم بغير عطاء فأبشر فإنك فايز في حبهم * لو قد وردت عليهم بجزاء ما يعدل الدنيا جميعا كلها * من حوض أحمد شربة من ماء * (أبواه وقصته معهما) * روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 230 بإسناده عن سليمان بن أبي شيخ: إن أبوي السيد كانا إباضيين (2) وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة، وكان السيد يقول: طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيع عن أين وقع له ؟ قال: غاصت علي الرحمة غوصا، وروي عن السيد: أن أبويه لما علما بمذهبه
(1) البيتان من أبيات له تأتي قصتها. (2) الإباضية بكسر الهمزة أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد وهم قوم من الحرورية زعموا أن مخالفهم كافر، وكفروا عليا أمير المؤمنين عليه السلام و أكثر الصحابة.
[233]
هما بقتله فأتى عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلا وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما. وروى المرزباني في [أخبار السيد] بإسناده عن إسماعيل بن الساحر رواية السيد قال: كنت أتغدا مع السيد في منزله فقال لي: طال الله ما شتم أمير المؤمنين عليه السلام ولعن في هذا البيت. قلت: ومن فعل ذلك ؟ قال: أبواي كانا إباضيين. قلت: فكيف صرت شيعيا ؟ قال غاصت علي الرحمة فاستنقذتني. روى المرزباني أيضا عن حودان الحفار ابن أبي حودان عن أبيه وكان أصدق الناس أنه قال: شكى إلي السيد: إن أمه توقظه بالليل وتقول إني أخاف أن تموت على
مذهبك فتدخل النار، فقد لهجت بعلي وولده فلا دنيا ولا آخرة. ولقد نغصت علي مطعمي ومشربي، وقد تركت الدخول إليها وقلت أنشد قصيدة منها: إلى أهل بيت ما لمن كان مؤمنا * من الناس عنهم في الولاية مذهب وكم من شقيق لامني في هواهم * وعاذلة هبت بليل تؤنب تقول ولم تقصد وتعتب ضلة * وآفة أخلاق النساء التعتب وفارقت جيرانا وأهل مودة * ومن أنت من حين تدعى وتنسب فأنت غريب فيهم متباعد * كأنك مما يتقونك أجرب تعيبهم في دينهم وهم بما * تدين به أزرى عليك وأعيب فقلت: دعيني لن احبر مدحة * لغيرهم ما حج لله أركب أتنهينني عن حب آل محمد ؟ ! * وحبهم مما به أتقرب وحبهم مثل الصلاة وإنه * على الناس من بعد الصلاة لأوجب (1) وقال المرزباني أخبرني محمد بن عبيد الله البصري عن محمد بن زكريا العلائي، قال: حدثتني (العباسة) بنت السيد قالت: قال لي أبي: كنت وأنا صبي أسمع أبوي يثلبان أمير المؤمنين عليه السلام فأخرج عنهما وأبقى جايعا وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جايعا لحبي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثم خرجت، فلما كبرت قليلا وعقلت وبدأت أقول الشعر قلت لأبوي: إن
(1) في بعض النسخ: من بعض الصلاة لأوجب * وحق المقام أن يقول: من قبل الصلاة.
[234]
لي عليكما حقا يصغر عند حقكما علي فجنباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام بسوء، فإن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما، فتماديا في غيهما فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعرا وهو: خف يا محمد فالق الإصباح - وأزل فساد الدين بالإصلاح
أتسب صنو محمد ووصيه - ترجو بذلك فوزة الإنجاح ؟ ؟ ! ! هيهات قد بعدا عليك وقربا - منك العذاب وقابض الأرواح أوصى النبي له بخير وصية - يوم " الغدير " بأبين الافصاح إلى آخر الأبيات المذكورة في غديرياته. فتواعدني بالقتل فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي: لا تقربهما وأعد لي منزلا أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى علي جراية تفضل على مؤونتي. وقال: كان أبواه يبغضان عليا عليه السلام فسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال: لعن الله والدي جميعا * ثم أصلاهما عذاب الجحيم حكما غدوة كما صليا الفجر * بلعن الوصي باب العلوم لعنا خير من مشى ظهر الأرض * أو طاف محرما بالحطيم كفرا عند شتم آل رسول الله * نسل المهذب المعصوم والوصي الذي به تثبت الأرض * ولولاه دكدكت كالرميم وكذا آله أولو العلم والفهم * هداة إلى الصراط القويم خلفاء الإله في الخلق بالعدل * وبالقسط عند ظلم الظلوم صلوات الإله تترى عليهم * مقرنات بالرحب والتسليم ورواها ابن شاكر في " الفوات " 1 ص 19 عظمته والمؤلفون في أخباره لم تفتء الشيعة تبجل كل متهالك في ولاء أئمة أهل البيت، وتقدر له مكانة عظيمة، وتكبر منه ما أكبره الله سبحانه ورسوله من منصة العظمة، أضف إلى ذلك ما كان بمرأى منهم ومسمع في حق السيد خاصة من تكريم أئمة الحق صلوات الله عليهم مثواه، وتقريبهم لمحله منهم، وإزلافهم إياه، وتقديرهم لسعيه المشكور في
[235]
الإشادة بذكرهم والذب عنهم، والبث لفضائلهم، وتظاهره بموالاتهم، وإكثاره من مدائحهم مع رده الصلاة تجاه هاتيك العقود الذهبية لأن ما كان يصدر منه من تلكم المظاهر لم تكن إلا تزلفا منه إلى المولى سبحانه، وأداءا لأجر الرسالة، وصلة للصادع بها صلى الله عليه وآله، ولقد كاشف في ذلك كله أبويه الناصبيين الخارجيين، فكان معجزة وقته في التلفع بهذه المآثر كلها، والتظاهر بهذا المظهر الطاهر، ومنبته ذلك المنبت الخبيث، فما كان الشيعي يوم ذاك وهلم جرا يجد من واجبه الديني إلا إكباره وخفض الجناح عند عظمته. قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 ص 289: السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة، وفي حديث شيخ الطايفة الآتي: قال جعفر بن عفان الطائي للسيد: يا أبا هاشم ؟ أنت الرأس ونحن الأذناب. وليس ذلك ببدع من الشيعة بعد ما أزلفه الإمام الصادق عليه السلام وأراه من دلايل الإمامة ما أبقى له مكرمة خالدة حفظها له التاريخ كحديث إنقلاب الخمر لبنا. والقبر وإطلاق لسانه في مرضه وغيرهما، واستفاض الحديث بترحمه عليه السلام إياه والدعاء له والشكر لمساعيه، وبلغهم قوله عليه السلام لعذاله فيه: لو زلت له قدم فقد ثبتت الأخرى، وقد أخبره بالجنة. وكان يستنشد الإمام عليه السلام شعره ويحتفل به وقد أنشده إياه فضيل الرسان، وأبو هارون المكفوف، والسيد نفسه، روى أبو الفرج عن علي بن إسماعيل التميمي عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام إذا استأذن آذنه السيد فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس فاستنشده فأنشد قوله: أمرر على جدث الحسين * فقل لأعظمه الزكيه يا أعظما لا زلت من * وطفاء (1) ساكبة رويه فإذا مررت بقبره * فأطل به وقف المطيه وابك المطهر للمطهر * والمطهرة النقية
كبكاء معولة أتت * يوما لواحدها المنيه (2)
(1) وطف المطر: انهمر. يقال: سحابة وطفاء. أي مسترخية لكثرة مائها. (2) يوجد من القصيدة 23 بيتا.
[236]
قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالامساك فأمسك قال: فحدثت أبي بذلك لما انصرفت فقال لي: ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول: فإذا مررت بقبره * فأطل به وقف المطيه فقلت: يا أبت ؟ وما يصنع ؟ قال: أو لا ينحر ؟ ! أو لا يقتل نفسه ؟ ! فثكلته أمه. [الأغاني 7 ص 240] وهذه القصيدة أنشدها أبو هارون المكفوف الإمام الصادق عليه السلام، روى شيخنا ابن قولويه في " الكامل " ص 33 و 44 عن أبي هارون قال: قال أبو عبد الله عليه السلام يا أبا هارون ؟ أنشدني في الحسين عليه السلام قال: فأنشدته فبكى فقال: أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة قال: فأنشدته: أمرر على جدث الحسين * فقل لأعظمه الزكيه ثم قال: زدني. قال: فأنشدته القصيدة الأخرى. وفي لفظه الآخر: فأنشدته: يا مريم قومي فاندبي مولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر. الحديث. ورواه شيخنا الصدوق في " ثواب الأعمال ". وهناك منامات صادقة تنم عن تزلف السيد عند النبي الأعظم صلى الله عليه وآله مرت جملة منها ص 221 - 224، وروى أبو الفرج عن إبراهيم بن هاشم العبدي إنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد: أجد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير
حتى أنشده إياها على آخرها وهو يسمع: قال: فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا فقال لي: والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وبين يديه رجل ينشد: أجد بآل فاطمة البكور إلى آخرها فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده. [الأغاني 7 ص 246] هذه مكرمة للسيد تشف عن عظمة محله، وحسن عقيدته، وخلوص نيته،
[237]
وسلامة مذهبه، وطهارة ضميره، وصدق موقفه. ومهما عرف أعلام الأمة مسيس حاجة المجتمع إلى سرد تأريخ مثل السيد من رجالات الفضيلة سلفا وخلفا، أفرد جمع منهم تآليف في أخبار السيد وشعره فمنهم: 1 - أبو أحمد عبد العزيز الجلودي الأزدي البصري المتوفى 302. 2 - الشيخ صالح بن محمد الصراي شيخ أبي الحسن الجندي. 3 - أبو بكر محمد بن يحيى الكاتب الصولي المتوفى 335. 4 - أبو بشر أحمد بن إبراهيم العمي البصري، ذكر له شيخ الطايفة في فهرسته ص 30: كتاب أخبار السيد وشعره، وفي معجم الأدباء 2 ص 226: كتاب أخبار السيد، ويظهر من رجال النجاشي ص 70 ومعالم العلماء أنه ألف كتابا في أخباره وكتابا في شعره 5 - أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون شيخ النجاشي. 6 - أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 378، له كتاب " أخبار السيد " وقفنا على بعض أجزاءه وهو جزء من كتابه " أخبار الشعراء " المشهورين المكثرين في عشرة آلاف ورقة كما في فهرست ابن النديم. 7 - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عياش الجوهري المتوفى 401.
8 - إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي. 9 - المستشرق الفرنسوي [بربيه دي مينار] جمع أخباره في مائة صحيفة طبعت في پاريس فهرست النجاشي ص 53، 63، 64، 70، 141، 171، فهرست ابن النديم ص 215، فهرست شيخ الطائفة ص 30، معالم العلماء ص 16، الأعلام 1 ص 112. * (الثناء على أدبه وشعره) * كان السيد في مقدمي المكثرين المجيدين وأحد الشعراء الثلاثة الذين عدوا أكثر الناس شعرا في الجاهلية والاسلام وهم: السيد. وبشار. وأبو العتاهية. قال أبو الفرج: لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع. وقال المرزباني: لم يسمع أن أحدا عمل شعرا جيدا وأكثر غبر السيد، وروى عن عبد الله بن إسحاق الهاشمي قال: جمعت للسيد ألفي قصيدة وظننت إنه ما بقي علي شئ فكنت لا أزال
[238]
أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت ثم نركت. وقال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين ؟ قال: السيد وبشار. ونقل عن الحسين بن الضحاك أنه قال: ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موته وأنا أحفظ الناس بشعر بشار والسيد فأنشدته قصيدته المذهبة التي أولها: (1) أين التطرب بالولاء وبالهوى * أإلى الكواذب من بروق الخلب ؟ ؟ ! ! أإلى أمية أم إلى شيع التي * جاءت على الجمل الخدب الشوقب ؟ ! حتى أتى على آخرها، فقال لي مروان: ما سمعت قط شعرا أكثر معاني وألخص منه وعدد ما فيه من الفصاحة. وكان يقول لكل بيت منها: سبحان الله، ما أعجب هذا الكلام ؟. وروى عن التوزي أنه قال: لو أن شعرا يستحق أن لا ينشد إلا في المساجد لحسنه لكان هذا، ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لأتى حسنا
ولحاز أجرا. وقال أبو الفرج: كان شاعرا متقدما مطبوعا، وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه. وروي عن ليطة بن الفرزدق قال: تذاكرنا الشعراء عند أبي فقال: إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شئ. فسألناه من هما ؟ فقال: السيد الحميري، وعمران بن حطان السدوسي، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه. الأغاني 7 ص 231. وعن التوزي قال: رأى الأصمعي جزءا فيه من شعر السيد فقال لمن هذا ؟ فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم علي أن أخبره فأخبرته فقال: أنشدني قصيدة منه فأنشدته قصيدة ثم أخرى وهو يستزيدني ثم قال: قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته. وفي لفظه الآخر: لما تقدمه من طبقته أحد. وعن أبي عبيدة أنه قال: أشعر المحدثين: السيد الحميري وبشار (الأغاني 7 ص 232، 236). وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر فأقبل عليه وقال: أيها المادح العباد ليعطى * إن لله ما بأيدي العباد
(1) مر أول القصيدة ص 213 والبيتان هما البيت الخامس عشر والسادس عشر منها.
[239]
فأسئل الله ما طلبت إليهم * وارج نفع المنزل العواد لا تقل في الجواد ما ليس فيه * وتسمي البخيل باسم الجواد قال بشار. من هذا ؟ فعرفه. فقال: لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا (الأغاني 7 ص 237) وعن غانم الوراق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن نعيم فجلسوا إلي فأنشدتهم للسيد.
أتعرف رسما بالثويين قد دثر ؟ * عفته أهاضيب السحائب والمطر وجرت به الأذيال ريحان خلفه * صبا ودبور بالعشيات والبكر منازل قد كانت تكون بجوها * هضيم الحشاريا الشوى سحرها النظر قطوف الخطا خمصانة بخترية * كأن محياها سنا دارة القمر رمتني ببعد بعد قرب بها النوى * فبانت ولما أقض من عندها الوطر ولما رأتني خشية البين موجعا * أكفكف مني أدمعا بيضها درر أشارت بأطراف إلي ودمعها * كنظم جمان خانه السلك فانتثر وقد كنت مما أحدث البين حاذرا * فلم يغن عني منه خوفي والحذر قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون وقالوا: لمن هذا ؟ فأعلمتهم. فقالوا: هو والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله (الأغاني 7 ص 238) عن الزبير بن بكار قال: سمعت عمي يقول: لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها: إن يوم التطهير يوم عظيم * خص بالفضل فيه أهل الكساء قرأت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عبناه، وروي عن الحسين بن ثابت قال: قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشئ من شعره فأنشد في معناه للسيد حتى أكثرت فقال لي: ويحك من هذا: هو والله أشعر من صاحبنا (الأغاني 7 ص 239). ويروى عن إسحاق بن محمد قال: سمعت العتبي (1) يقول: ليس في عصرنا هذا
(1) أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله الأموي الشاعر البصري المتوفى 228 ينسب إلى جده عتبة ابن أبي سفيان.
[240]
أحسن مذهبا في شعره، ولا أنقى ألفاظا من السيد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم فأنشده قوله:
هل عند من أحببت تنويل * أم لا ؟ فإن اللوم تضليل أم في الحشى منك جوى باطن * ؟ ! ليس تداويه الأباطيل علقت يا مغرور خداعة * بالوعد منها لك تخييل ريا رداح النوم خمصانة * كأنها إدماء عطبول يشفيك منها حين تخلو بها * ضم إلي النحر وتقبيل وذوق ريق طيب طعمه * كأنه بالمسك معلول في نسوة مثل المها خرد * تضيق عنهن الخلاخيل يقول فيها: أقسم بالله وآلائه * والمرء عما قال مسئول إن علي بن أبي طالب * على التقى والبر مجبول (1) فقال العتبي: أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب [الأغاني 7 ص 247]. وقبل هذه كلها حسبه ثناءا عليه قول الإمام الصادق عليه السلام: أنت سيد الشعراء. فينم عن مكانته الرفيعة في الأدب، يقصر الوصف عن استكناهها، ولا يدرك البيان مداها. فكان يعد من شعراءه عليه السلام وولده الطاهر الكاظم كما في " نور الأبصار " للشبلنجي. إكثاره في آل الله كان السيد بعيد المنزعة، ولعا بإعادة السهم إلى النزعة، وقد أشف وفاق كثيرين من الشعراء بالجد والاجتهاد في الدعاية إلى مبدءه القويم، والاكثار في مدح العترة الطاهرة، وساد الشعراء ببذل النفس والنفيس في تقوية روح الإيمان في المجتمع و إحياء ميت القلوب ببث فضايل آل الله، ونشر مثالب مناوئيهم ومساوي أعداءهم قائلا: أيا رب إني لم أرد بالذي به * مدحت عليا غير وجهك فارحم
(1) تأتي بقية القصيدة في ذكر أخبار المترجم له وملحه.
[241]
وصدق بشعره رؤياه التي رواها عنه أبو الفرج والمرزباني في أخباره أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شئ فقال: أتدري لمن هذا النخل ؟ ! قلت: لا يا رسول الله ؟ قال: لامرئ القيس بن حجر فاقلعها واغرسها في هذه الأرض. ففعلت. وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه. فقال: أتقول الشعر ؟ قلت: لا. قال: أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرئ القيس إلا أنك تقول في قوم بررة أطهار. وكان كما قال أبو الفرج لا يخلو شعره من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم. وروى عن الموصلي عن عمه قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة فسمعني أنشد شيئا من شعره فأنشدني به ثلاث قصايد لم تكن عندي فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجبا فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله. الأغاني 7 ص 236، 237. قال أبو الفرج كان السيد يأتي الأعمش سليمان بن مهران - الكوفي المتوفى 148 - فيكتب عنه فضايل علي أمير المؤمنين سلام الله عليه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة قد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيين ؟ من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي. فجعلوا يحدثونه و ينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى
الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وإنساب فدخل جحرا فلبس علي عليه السلام الخف. قال: ولم يكن قال في ذلك شيئا ففكر هنيهة ثم قال: ألا يا قوم للعجب العجاب * لخف أبي الحسين وللحباب م عدو من عداة الجن وغد * بعيد في المرادة من صواب
[242]
أتى خفا له وانساب فيه * لينهش رجله منه بناب م لينهش خير من ركب المطايا * أمير المؤمنين أبا تراب فخر من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب فطار به فحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب م فصك بخفه وانساب منه * وولى هاربا حذر الحصاب إلى جحر له فانساب فيه * بعيد القعر لم يرتج بباب كريه الوجه أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب م يهل له الجري إذا رآه * حثيث الشد محذور الوثاب م تأخر حينه ولقد رماه * فأخطاه بأحجار صلاب ودوفع عن أبي حسن علي * نقيع سمامه بعد انسياب (1) قال المرزبناني: ثم حرك فرسه وثناها وأعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر وقال: إني لم أكن قلت في هذا شيئا. وذكر المرزباني عن تشبيبها أحد عشر بيتا لم يرو أبو الفرج إلا مستهلها: صبوت إلى سليمى والرباب * وما لأخي المشيب وللتصابي قال أبو الفرج: أما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: حدثني جعفر بن علي بن نجيح
قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزغل المرادي قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله. وقال ابن المعتز في طبقاته ص 7: كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر، وكان يمله الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمد صلوات الله عليهم، و لم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم روى أبو الفرج عن الحسن بن علي بن حرب بن أبي
(1) الأغاني 7 ص 257 غير أن الأبيات المرموزة أخذناها عن أخبار السيد للمرزباني.
[243]
الأسود الدؤلي قال: كنا جلوسا عند أبي عمرو ابن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم مم القيام ؟ فقال: إني لأكره أن أطيل بمجلس * لا ذكر فيه لفضل آل محمد لا ذكر فيه لأحمد ووصيه * وبنيه ذلك مجلس نطف ردي (1) إن الذي ينساهم في مجلس * حتى يفارقه لغير مسدد وكان إذا استشهد شيئا من شعره لم يبدأ بشئ إلا بقوله: أجد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير الأغاني 7 ص 246 - 266 رواة شعره وحفاظه 1 - أبو داود سليمان بن سفيان المسترق الكوفي المنشد المتوفى سنة 230 عن 70 عاما، كان راوية شعره كما في " الأغاني " و " فهرست " الكشي ص 205. 2 - إسماعيل بن الساحر كان راويته كما في " الأغاني " في غير موضع.
3 - أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 111، كان يروي شعره كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437. 4 - السدري كان راويته كما في طبقات ابن المعتز ص 7. 5 - محمد بن زكريا الغلابي الجوهري البصري المتوفى 298، كان يحفظ شعر السيد ويقرأه على العباسة بنت السيد ويصححه عليها كما في " أخبار السيد " للمرزباني. 6 - جعفر بن سليمان الضبعي البصري المتوفى 178، كان ينشد شعر السيد كثيرا فمن أنكره عليه لم يحدثه كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437. 7 - يزيد بن محمد بن عمر بن مذعور التميمي كان يروي للسيد ويعاشره كما في " أخبار السيد " للمرزباني وقال أبو الفرج: كان يحفظ شعر السيد وينشده لأبي بجير الأسدي. 8 - فضيل بن الزبير الرسان الكوفي، كان ينشد شعر السيد وقد أنشده للإمام الصادق عليه السلام وقد مر بعض حديثه.
(1) النطف: النجس.
[244]
9 - الحسين بن الضحاك قال المرزباني: كان أحفظ الناس بشعره. 10 - الحسين بن ثابت كان يروي كثيرا من شعره. 11 - العباسة بنت السيد، كانت حافظة لشعر أبيها وكانت الرواة يقرأون عليها شعر السيد وتصححه لهم كما ذكره المرزباني في " أخبار السيد ". وكانت للسيد كريمتان أخرى تحفظان شعره وفي بعض المعاجم كانت كل واحدة تحفظ ثلثمائة قصيدة وقال ابن المعتز في " طبقات الشعراء " ص 8: حكي عن السدري أنه قال: كان له أربع بنات وإنه كان حفظ كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره 12 - عبد الله بن إسحاق الهاشمي، جمع شعره كما مر عن المرزباني.
13 - عم الموصلي جمع شعره في بني هاشم كما مر عن الأغاني. 14 - الحافظ أبو الحسن الدار قطني علي بن عمر المتوفى 385 كان يحفظ ديوان السيد كما في تاريخي الخطيب البغدادي 2 ص 35، وابن خلكان 1 ص 359، وتذكرة الحفاظ 3 ص 200. مذهبه وكلمات الأعلام حوله عاش السيد ردحا من الزمن على الكيسانية (1) يقول بإمامة محمد بن الحنفية وغيبته وله في ذلك شعر ثم أدركته سعادة ببركة الإمام الصادق صلوات الله عليه وشاهد منه حججه القوية وعرف الحق ونبذ ما كان عليه من سفاسف الكيسانية عندما نزل الإمام عليه السلام الكوفة عند منصرفه من عند المنصور أو ملاقاته إياه في الحج. ولعبد الله بن المعتز المتوفى 296، وشيخ الأمة الصدوق المتوفى 381، والحافظ المرزباني المتوفى 384، وشيخنا المفيد المتوفى 412، وأبي عمرو الكشي، والسروي المتوفى 588، والأربلي المتوفى 692 وغيرهم حول مذهبه كلمات ضافية يكتفى بواحدة منها في إثبات الحق فضلا عن جميعها. فإليك نصوصها.
(1) هم أصحاب مختار بن أبي عبيد يقال في تسميتهم بذلك: إن المختار كان يلقب بكيسان مأخوذا مما رواه الكشي في رجاله ص 84 من قول أمير المؤمنين عليه السلام له: يا كيس يا كيس وقيل: إن كيسان اسم صاحب شرطته ويكنى بأبي عمرة كما في رجال الكشي والفصل لابن حزم. وقيل: إن كيسان هو مولى أمير المؤمنين وهو الذي حمل المختار على الطلب بدم الحسين السبط عليه السلام ودل على قتلته وكان صاحب سره والغالب على أمره كما ذكره الكشي.
[245]
1 - كلمة المعتز: قال في " طبقات الشعراء " ص 7: حدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيد كان السيد أول زمانه كيسانيا يقول برجعة محمد بن الحنفية وأنشدني في ذلك:
حتى متى ؟ وإلى متى ؟ ومتى المدى * يا بن الوصي وأنت حي ترزق ؟ ! والقصيدة مشهورة. وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري: ما زال السيد يقول بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام بمكة أيام الحج فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق: تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر 2 - كلمة الصدوق: قال في " كمال الدين " ص 20: فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية فسأله عن الغيبة فذكر له أنها حق و لكنها تقع بالثاني عشر من الأئمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وإن أباه محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام شاهد دفنه فرجع السيد عن مقالته، و استغفر من اعتقاده، ورجع إلى الحق عند اتضاحه له ودان بالإمامة. حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال: سمعت السيد ابن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية قد ظللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها (1) منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه، وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته، وأوجب الاقتداء به فقلت له: يا بن رسول الله قد روى لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام: إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله
(1) ستقف على بعض تلكم الدلائل. (*)
[246]
صلى الله عليه وآله، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت جورا وظلما. قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أولها: ولما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا وناديت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت داينا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت: فهبني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر وإني إلى الرحمن من ذاك تائب * وإني قد أسلمت والله أكبر فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا حي برضوى محمد (1) * وإن عاب جهال مقالي فاكثروا ولكنه مما مضى لسبيله * على أفضل الحالات يقفى ويخبر مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم * من المصطفى فرع زكي وعنصر إلى آخر القصيدة وهي طويلة وقلت بعد ذلك قصيدة أخرى: أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بها كل سبب (2) إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب: ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي إليك من الأمر الذي كنت مطنبا * أحارب فيه جاهدا كل معرب وما كان قولي في ابن خولة مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن ولي الأمر يفقد لا يرى * ستيرا (3) كفعل الخائف المترقب فيقسم أموال الفقيد كأنما * تعيبه بين الصفيح المنصب
(1) في لفظ ابن شهر آشوب: ولا قائلا قولا بكيسان بعدها. (2) الجسرة: العظيمة من الإبل. والعذافرة: الشديدة منها. (3) في لفظ المرزباني والمفيد: سنين.
[247]
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * كنبعة جدي من الأفق كوكب (1) يسير بنصر الله من بيت ربه * على سودد منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب فلما روي أن ابن خولة غايب * صرفنا إليه قولنا لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب (2) فإن قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت فحتم غير ما معتصب وأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب بأن ولي الأمر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لا بد من أن يغيبها * فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه * فيملأ عدلا كل شرق ومغرب بذاك أمين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية، ورواه الأربلي في كشف الغمة. 3 - كلمة المرزباني: قال في أخبار السيد: كان السيد ابن محمد رحمه الله بلا شك كيسانيا يذهب أن محمد بن الحنفية رضي الله عنه هو القائم المهدي وإنه مقيم في جبال رضوى وشعره في ذلك يدل على أنه كان كما ذكرنا كيسانيا فمن قوله:
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة أولق (3) حتى متى ؟ وإلي متى ؟ وكم المدى * يا بن الوصي وأنت حي ترزق ؟ إني لآمل أن أراك وإنني * من أن أموت ولا أراك لأفرق غير أنه رحمه الله رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق عليه السلام وقال: تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ومن زعم إن السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه، وطاعن فيه
(1) وفي رواية المرزباني: ويمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل إشراق كوكب. (2) في رواية الحافظ المرزباني: يعيش بجدوى عدله كل مجدب. م (3) الأولق: الجنون أو مس منه).
[248]
ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك دعاء الصادق له عليه السلام وثناؤه عليه فمن ذلك ما أخبرنا به محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو العينا قال: حدثني علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام وذكر عنده السيد: بأنه ينال من الشراب. فقال عليه السلام: إن كان السيد زلت به قدم فقد ثبتت له أخرى. (وبإسناده) عن عباد بن صهيب قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر السيد فدعا له فقال له: يا بن رسول الله أتدعو له وهو يشرب الخمر، ويشتم أبا بكر وعمر، ويوقن بالرجعة ؟ ! فقال: حدثني أبي عن أبيه علي بن الحسين أن محبي آل محمد صلى الله عليه وآله لا يموتون إلا تائبين. وإنه قد تاب ثم رفع رأسه وأخرج من مصلى عليه كتابا من السيد يتوب فيه مما كان عليه (1) وفي آخر الكتاب يا راكبا نحو المدينة جسرة * (إلى آخر الأبيات كما مرت)
و (روى بإسناده) عن خلف الحادي قال: قدم السيد من الأهواز بمال ورقيق وكراع فجئته مهنئا له فقال: إن أبا بجير (2) إمامي وكان يعيرني بمذهبي ويأمل مني تحولا إلى مذهبه فكتبت أقول له: قد انتقلت إليه، وقلت: أيا راكبا نحو المدينة جسرة * وذكر الأبيات إلى آخرها كما مرت ثم قال: فقال له أبو بجير يوما: لو كان مذهبك الإمامة لقلت فيها شعرا. فأنشدته هذه القصيدة فسجد وقال: الحمد لله الذي لم يذهب حبي لك باطلا. ثم أمر لي بما ترى. وروى بإسناده عن خلف الحادي قال: قلت للسيد: ما معنى قولك ؟ عجبت لكر صروف الزمان * وأمر أبي خالد ذي البيان ومن رده الأمر لا ينثني * إلى الطيب الطهر نور الجنان علي وما كان من عمه * برد الإمامة عطف العنان وتحكيمه حجرا أسودا * وما كان من نطقه المستبان بتسليم عم بغير امتراء * إلى ابن أخ منطقا باللسان شهدت بذلك صدقا كما * شهدت بتصديق آي القرآن
(1) في الأغاني 7 ص 277: أخرج كتابا من السيد يعرفه فيه: إنه قد تاب ويسأله الدعاء له. (2) هو أبو بجير عبد الله بن النجاشي الأسدي والي الأهواز للمنصور.
[249]
علي إمامي لا أمتري * وخليت قولي بكان وكان قال لي: كان حدثني علي بن شجرة عن أبي بجير عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام: إن أبا خالد الكابلي كان يقول بإمامة ابن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين فيقول: يا سيدي فقال أبو خالد: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله ؟ فقال: إنه حاكمني إلى الحجر الأسود وزعم أنه ينطقه فصرت معه إليه فسمعت الحجر يقول: يا محمد ؟ سلم الأمر إلى ابن أخيك فإنه أحق
منك. فقلت شعري هذا، قال: وصار أبو خالد الكابلي إماميا. قال: فسألت بعض الإمامية عن هذا، فقال لي: ليس بإمامي من لا يعرف هذا. فقلت: للسيد: فأنت على هذا المذهب أو على ما أعرف ؟ ! ؟ ! فأنشدني بيت عقيل بن علفة. خذا جنب هرشى (1) أوقفاه فإنه * كلا جانبي هرشى لهن طريق ومما رواه المرزباني له في مذهبه قوله: صح قولي بالإمامه * وتعجلت السلامه وأزال الله عني * إذ تجعفرت الملامة قلت من بعد حسين * بعلي ذي العلامه أصبح السجاد للإسلام * والدين دعامه قد أراني الله أمرا * أسأل الله تمامه كي الاقيه به في * وقت أهوال القيامة 4 - كلمة المفيد: قال في " الفصول المختارة " ص 93: وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وتبرأ منه ودان بالحق، لأن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذهب الكيسانية قوله: ألا حي مقيم شعب رضوى * وأهد له بمنزله السلاما
(1) ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة وله طريقان يفضيان إلى موضع واحد.
[250]
إلى أن قال: وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية: تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت داينا * [إلى آخر ما مر باختلاف يسير] وقال في " الارشاد ": فصل وفيه (يعني الإمام الصادق) يقول السيد إسماعيل ابن محمد الحميري رحمه الله وقد رجع عن قوله بمذهب الكيسانية لما بلغه إنكار أبي عبد الله عليه السلام مقاله ودعاؤه له إلي القول بنظام الإمامة: أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بهاكل سبسب وذكر منها 13 بيتا ثم قال: وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيد عن مذهب الكيسانية وقوله بإمامة الصادق عليه السلام ووجوه الدعوة ظاهرة من الشيعة في أيام أبي عبد الله إلى إمامته والقول بغيبة صاحب الزمان وإنها إحدى علاماته، وهو صريح قول الإمامية الاثنى عشرية. 5 - كلمة ابن شهر آشوب: روى في " المناقب " 2 ص 323 عن داود الرقي قال: بلغ السيد الحميري: إنه ذكر عند الصادق عليه السلام فقال: السيد كافر. فأتاه وسأل يا سيدي ؟ أنا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي الناس فيكم ؟ قال: وما ينفعك ذاك وأنت كافر بحجة الدهر والزمان ؟ ! ثم أخذ بيده وأدخله بيتا فإذا في البيت قبر فصلى ركعتين ثم ضرب بيده على القبر فصار القبر قطعا فخرج شخص من قبره ينفض التراب عن رأسه ولحيته، فقال له الصادق: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية. فقال: فمن أنا ؟ فقال جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان (1) فخرج السيد يقول: تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا.... وفي (أخبار السيد): إنه ناظر معه مؤمن الطاق في ابن الحنفية فغلبه عليه فقال: تركت ابن خولة لاعن قلى * وإني لكالكلف الوامق وإني له حافظ في المغيب * أدين بما دان في الصادق هو الحبر حبر بني هاشم * ونور من الملك الرازق
(1) هذه من علامات الإمامة التي مر الايعاز إليها في كلمة الصدوق.
[251]
به ينعش الله جمع العباد * ويجري البلاغة في الناطق أتاني برهانه معلنا * فدنت ولم أك كالمائق كمن صد بعد بيان الهدى * إلى حبتر وأبي حامق فقال الطائي: أحسنت الآن أتيت رشدك. وبلغت أشدك. وتبوأت من الخير موضعا ومن الجنة مقعدا. وأنشأ السيد يقول: تجعفرت باسم الله والله أكبر...... ذكر منها خمسة أبيات ثم ذكر من بائيته المذكورة ستة أبيات فقال: وأنشد فيه (يعني الصادق عليه السلام): أمدح أبا عبد الإله * فتى البرية في احتماله سبط النبي محمد * حبل تفرع من حباله تغشى العيون الناظرات * إذا سمون إلى جلاله عذب الموارد بحسره * يروي الخلايق من سجاله بحر أطل على البحور * يمدهن ندى بلاله (1) سقت العباد يمينه * وسقى البلاد ندى شماله يحكي السحاب يمينه * والودق يخرج من خلاله الأرض ميراث له * والناس طرا في عياله يا حجة الله الجليل * وعينه وزعيم آله وابن الوصي المصطفى * وشبيه أحمد في كماله أنت ابن بنت محمد * حذوا خلقت على مثاله فضياء نورك نوره * وظلال روحك من ظلاله
فيك الخلاص عن الردى * وبك الهداية من ضلاله أئني ولست ببالغ * عشر الفريدة من خصاله 6 - كلمة الأربلي: قال في " كشف الغمة " ص 124: السيد الحميري رحمه الله كان كيسانيا يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرفه الإمام جعفر بن محمد