ألف. الغدير في الكتاب والسنة والأدب كتاب ديني. علمي. فني. تاريخي. أدبى. أخلاقي مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الأثارة من العلم وغيرهم تأليف الجبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الأكبر الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الجزء الحادي عشر عني بنشره الحاج حسن إيراني صاحب دار الكتاب العربي بيروت لبنان الطبعة الرابعة 1397 ه 1977 م جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
[2]
ب. كتاب كريم تفضل به الشريف العلامة الحجة، حسنة الوقت،
ومفخرة علماء العصر، السيد علي الفاني الأصفهاني، أحد أساتذة النجف الأشرف الفطاحل، دام فضله ومعاليه: بسم الله الرحمن الرحيم شيخنا العلامة المجاهد الكبير الحجة الأميني دام بقاءه وبعد: فإن من أجلى ما تسالمت عليه العقول السليمة، إن لله تعالى حجج بالغة على خلقه في معارفه وأحكامه، كي لا يكون للناس على الله حجة بعدها، وغير خفي على من سبر هذا السفر المبارك الكريم الذي تقله يمناك الغدير من أوضح مصاديق تلكم الحجج، كيف لا ؟ وقدر بيتم في مهد العلم العلوي، ودرستم في مستوى الثقافة الدينية لدى باب مدينة علم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فلم تزل ابن بجدتها وأبا عذرها، من الله على المسلمين عامة وعلى شيعة آل الله خاصة بأن وفقكم للاحتجاج للحق الصراح، وتفنيد ما لفقته الأقلام المستأجرة والمناطق البذية مما تضمنته مدونات القوم بين دفتيها في القرون الماضية. وطويتم الكشح عما وصل إليكم وإلينا من سدنة الوحي، ومعادن أهل بيت النبي الطاهر ومقتفي آثارهم، حرصا على الارشاد الناجع، والحجاج السليم، وتحفظا على الوحدة الإسلامية، وتجنبا على إثارة الضغائن، وخدش العواطف. فسبحان من جللكم بتلك الخلعة الإلهية التي اختصصتم بها بين الأعلام الفطاحل الذين سبقوكم إلى النضال والحجاج دون الحق وبالغوا، وجدوا واجتهدوا، وأتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب، وكافحوا الباطل، وأتموا الحجة وبينوا المحجة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. نعم: لكم يا صاحب (الغدير) الفياض قدم السبق، فهنيئا لمن فاز به، واستقى من منهله، وبوركت لكم هذه الرتبة السامية والمنحة الراقية الخالدة التي تذكر مع الأبد وتشكر.
[3]
ج. أضف إلى ما ذكرنا ذلك الجمع الحافل للشوارد المنتثرة في الخبايا والخفايا، وترصيفها بهذا النسق الرائع، والبيان البديع، والنظم المنضد، والأسلوب المنسجم يعرف بذلك كله ما قاسيتم خلال أعوام متمادية دون الاطلاع على تلكم الدروس الراقية والاستدلال بها بوحدتك وانفرادك من دون أي عدة ولا عدد، متوكلا على الله الفرد الصمد، ومتوسلا بحجزة من عكفتم ببابه، مستمدا من قدسية جنابه (مولانا أمير المؤمنين عليه السلام). نسأل الله أن ينصرك وينتصر بك، ويجعل صنيعك هذا علما باهرا ونورا زاهرا لمناهج الحق ومهيع الصراط المستقيم، أخذ المولى سبحانه بيدك، وشد أزرك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 15 شعبان المعظم 1357 الأحقر السيد علي الفاني الأصفهاني
[4]
د. صحيفة بيضاء تلقيناها من الشريف الأوحد، العلامة الحجة السيد ميرزا محمد علي القاضي الطباطبائي، لا زال مقباسا للعلم والأدب، ونبراسا للفضيلة والحسب. بسم الله خير الأسماء سماحة علامتنا الأكبر، مفخرة الطائفة، حجة الاسلام والمسلمين، آية الله الشيخ
عبد الحسين الأميني المحترم، أدام الله ظله الوارف على رؤس المسلمين. أمامي الجزء العاشر من الأثر الخالد [الغدير] الطبعة الثانية ذلك الكتاب القيم الذي جاءت به يراعة شيخنا العلامة، ولم يؤلف نظيره في الاسلام حتى اليوم وبعد ما لفت نظري إليه وسبرته بنظرة التقدير والاعجاب اندفعت اندفاعا لا يشوبه سوى حب الحق وأهله، وإكبار حماة الدين وذادته، ولا يحدوني إليه إلا أداء الواجب الديني بأن أرفع إلى سماحتكم كلمتي هذه التي تعرب عن مبلغ ابتهاجي به، وعن بعض ما يكنه ضميري، ويطويه مكنوني من إبداء شعوري تجاه هذا الكتاب الكريم، مع اعترافي بعجزي عن أداء قليل من الشكر المحتم، غير أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فعملا بقاعدة الميسور أقدم إلى سماحتكم نزرا مما يعرب عن شعوري تجاه هذا الجهاد الدائب والنضال المتواصل مع علم متدفق، وفكر صائب، ورأي حصيف، وبيان رصين، وأسلوب رائع، ونظام فائق، وحجة قوية، وأدلة قويمة، وآيات واضحة، وحجج دامغة، وبراهين مفحمة، وثقافة عالية، ونزعة دينية بنقد نزيه، وسرد معجز، وتضلع من العلم. وإنما تخط بيمينك عن ولاء خالص لأهل البيت الطاهر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأوجب مودتهم على الناس جمعاء، وجعلها أجر الرسالة الخاتمة تخط وتؤلف مجاهرا بالدليل المقنع، صادعا بالحق الصراع، ولكم قوة الحجة، وجرأة الجنان، وربط الجاش، وسداد القول، ويد ناصعة في دحض الباطل، وإرحاض الشبهات، وإعلاء كلمة الحق.
[5]
ه. لقد أتحفتم الأمة المسلمة، والملا العلمي المذهبي بهذه الصفحات الغراء، والسطور النيرة، والكلم الجامعة مع تأليف الأمة والدعوة إلى توحيد صفوفها
بالتمسك بحبل ولاء العترة، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ولا تؤخذكم في الله لومة لائم. وقد أظهرتم في هذا الجزء الممتع مخازي ابن آكلة الأكباد، عدو الاسلام ومبغضه، الذي عادت الخلافة الإسلامية بيده الأثيمة ملكا عضوضا، وقيصرية وكسروية، وكشفتم الستر عن خبيئة جرائمه، وأبنتم ما في صحيفة تاريخه السوداء من ضلال وبدع وأحداث وجرائر وموبقات، وأيم الله ما فضل الاسلام إلا برياسته، وما راج الجور والعدوان إلا بإمارته، وما ذلت رقاب الأمة الصالحة إلا بسلطته، وما انكفئ الدين إلا بهذا الماجن المهتوك، رجل البدع والأهواء. لقد أوضحتم سفاسف الرجل وبوائقه ونفاقه وتهاونه بأمر الله ونهيه، واحتقاره نواميس الدين وشرائعه وطقوسه وتعاليمه، وخدمتم أي خدمة لأهل بيت النبوة بالدفاع عنهم، والذب عن ناموسهم، وإفضاح عدوهم النابذ كتاب الله وراء ظهره، قاتل جدي الأعلى الإمام الزكي المجتبى ريحانة الرسول وسبطه المفدى، ولكم الحق العظيم على الأمة عامة وعلى البيت الحسني وأنا من أبنائه خاصة، جزاكم الله عن النبي وأهله خيرا. وأنى لنا يا شيخنا الأجل ! أداء حق هذه الموسوعة الكريمة وهي من حسنات جامعة العلم والدين الكبرى النجف الأشرف وقد صدرت بعناية صاحبها الأعظم وحامي حماها مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، ولاغرو إذن أيها العلامة الكبير إني منذ أن تلقيت مجلدات هذا الكتاب القيم، وسبرت صفحاته بتفكير وإمعان، ما عثرت على اشتباه أو سهو طفيف في سر التاريخ والشعر والترجمة والأثر، وهذا أمر لا يستهان به، وقلما يتفق هذا في الكتب الضخمة المشتملة على عدة مجلدات، وليس ذلك إلا بتأييد وعناية خاصة من الله تعالى بكم في هذا العمل البار الناجع، وقد عرفكم من عرفكم بهما، حفظكم الله علما للعلم والدين، وأحيى بكم الاسلام والمسلمين.
15 شعبان 1375 محمد علي القاضي الطباطبائي
[6]
و. خطاب تفضل به فضيلة الأستاذ الكبير علاء الدين خروفة خريج الأزهر بمصر، والحاكم في بعض المحاكم الشرعية في العراق: بسم الله الرحمن الرحيم سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد الحسين الأميني حفظه الله وأطال بقاءه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأسأل الله سبحانه أن يصل إليكم كتابي هذا وأنتم في صحة جيدة وراحة تامة. أيها الأستاذ الأجل ! في غفلة من تحكم سلطان الدروس الأزهرية، وفي وقت لست أدري كيف سمح ؟ وكيف استطعت أن أتغلب عليه ؟ قرأت ستة أجزاء من كتابكم (الغدير) فاعترتني دهشة لم تزل آثارها بادية علي ولن تزال. إذ ما كنت أظن أن عصرنا هذا يجود بمحقق علامة يستطيع أن يجرد همة قعساء، وعزيمة لها مضاء السيف، فيدفع عن مذهبه سهاما مقرية وتهما متتابعة وجهت إليه منذ القدم. أجل: ما كنت أظن أن هذا العصر الذي طفت عليه المادة، واتسم بالسرعة في التأليف، والسطحية في البحث والتنقيب، ينهض فيه رجل كأنه أمة في نفسه، فيأتي بهذا السفر الجليل الذي لا تأتي بمثله عصبة مجتمعة من الأعلام الراسخين في العلم. حقا إن الاعجاب بالمجهود الذي بذلتموه في هذا الكتاب الفريد، وما حوى من
تحقيق علمي رائع، وبحث في بطون الكتب، لا يزال آخذا من نفسي كل مأخذ، وإن هذا الاعجاب نفسه هو الذي يحدوني إلى أن أبدي لسماحتكم بعض الملاحظات، ولن ينقص ذلك من قيمة كتابكم ومن ألف فقد استهدف كما إني لا أريد أن أبخسه حقه، فصوت القرآن الكريم دائما يرن في أذني هاتفا [ولا تبخسوا الناس أشياءهم] ولقد
[7]
ز. سجلت تلك الملاحظات حين كنت أقرأ الكتاب في القاهرة على قصاصة من الورق، غير أني لا أدري أين نسيتها، إلا أنني أبادر فأذكر لكم إنها ليس لها كبير أثر، أو عظيم خطر، ما عدا واحدة لا زالت عالقة في ذهني، وهي: انكم قد عنونتم في الجزء السادس لوقائع كثيرة ب [جهل عمر] والقصص التي رويتموها صحيحة غاية الصحة، وهي مدونة في كتب السنة، وقد مر علينا كثير منها، إلا أنني أرى أن العنوان كان فيه قسوة بالنسبة لشخصية تكون لها ملايين المسلمين احتراما وإجلالا. ولقد كان بي ظمأ شديد، وشغف زائد، وشوق لا يوصف لمعرفة فقه الشيعة وأصول مذهبهم، فلما قرأت تلك الأجزاء الستة من كتابكم ساعدتني على معرفة الحقائق التي كانت محورة في الكتب التي رددتم عليها في الجزء الثالث، وكانت تلك الأجزاء خير عون لي على كتابة مقالات انتصرت فيها للشيعة ورددت فيها على مجلة الأزهر، وقد نشرت في مجلة السعد التي تصدر بالقاهرة، وفي صحيفة الأهرام كبرى الصحف المصرية (1) وقد لقيت بعد نشرها بعض ما يلقاه كل منصف، وكل مدافع عن الحق، أو عامل على وحدة المسلمين. هذا ومنذ كان بودي أن اكتب إليكم من القاهرة مبديا إعجابي وتقديري غير أن زحمة الدروس حالت بيني وبين ذلك ولعل الأيام تسمح لنا بلقائكم والتعرف على شخصكم بعد أن استفدنا من علمكم الغزير. أدامكم الله سبحانه ذخرا للعلم، ووفقكم
لما فيه خير المسلمين أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 13 ربع الأول 1357 المخلص علاء الدين خروفة من علماء الأزهر
(1) تعرف هذه الجمل الملأ العلمي الديني كاتبها علاء الدين بنفسياته الكريمة، وملكاته الفاضلة، وحريته في الرأي، وفكرته الصالحة في الدفاع عن الحق، وسعيه وراء الصالح العام، وراء العلم الناجع، وراء الدعوة إلى التوحيد الصدق والوحدة الحقة، ضد فئة من كتاب محدثين متسرعين. [*]
[8]
ح. مقال أسداه إلينا فضيلة الأستاذ الخطيب البارع الشيخ محمد تيسير الشامي إمام الجماعة بدمشق في جامع سيدتنا رقية سلام الله عليها وعلى أبيها الطاهر. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي من علينا إذ بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويزكينا وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين. وأشكره أن جعلنا من الذين استجابوا الله بالإيمان به، وللرسول بإجابة دعوته واتباع سنته، وجعلنا من أمة نبيه تدور مع الحق حيث ما دار، ووهب لنا من فضله علما ومعرفة واطلاعا لتصح شهادتنا على الناس، وحبانا بالتزكية ليكون الرسول شاهدا علينا. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ومولانا محمد وآله الذي جعله مولاه حريصا علينا، وصيره رؤوفا رحيما بنا، فجزاه الله تعالى بأفضل ما جازى نبيا عن أمته، الذي ترك فينا كتاب الله وعترته وأخبر بنجاة من تمسك بهما من أمته. ورضي
الله تعالى عن الأصحاب والأحباب الذين نالوا شرف رؤيته واقتفاء سيرته، وعلى من اقتدى بهديهم وسار على نهجهم. آمين. وبعد: لما كان العلم خير ما يؤتاه المرء، وجل ما تصبوا إليه النفس، وكان التطلع والارتقاء لعلياه صعبا مضنيا، والاكتراع من مناهله خطرا مغريا، ويحتاج وارده لتوفيق إلهي أولا، وموافقة وأخذا بالأسباب ثانيا، ليميز بين الغث والثمين، والمستقيم والملتوي ويعرف الحق من غيره ليصح الأخذ ويسلم. لذلك كان المحتم على طالبه أن يبحث ويدقق ويميز ويقارن جميع ما وصل إليه، ويتشوق لما لم يصل إليه (منهومان لا يشبعان) ففي يوم من الأيام زارني أحدهم وأجال طرفه بمكتبتي الصغيرة فسئلني: هل يوجد لديك كتاب [الغدير] ؟ فأجبته بالسلب، وقد وقع في نفسي اقتناء هذا الكتاب بعد ما سمعت عنه من الاطناب وهو جدير إلى أن أتحفني المؤلف حفظه الله تعالى بنسخة منه، فنظرت الكتاب وتصفحته
[9]
ط. وسبرت غور ما فيه بقدر ما اتسع ذلك عندي وإذا بي أرى كتابا لا كالكتب، وعقل مؤلفه لا كالعقول، وأيم الله لقد أكبرت فيه كل شيئ: من سعة الاطلاع، وترتيب الأبواب لحسن الانتقاء، وفصل الخطاب. من قول متزن، وقلم سيال للتدقيق، ووضوح في العبارة، وصدق في المقال. من إصابة الكشف عن الحق بأوضح دليل لقوة في رد الخصم وإنارة السبيل. فإذا بي اردد قول الله تعالى: [ما شاء الله لا قوة إلا بالله] ورأيت لولا التيمن والبركة بتسمية الغدير لكان خليقا أن يسمى بالأبحر السبعة وهو جدير، لأني رأيت أن من أتاه يحسبه غديرا فيرغب في وروده فإذا خاضه يجده بحرا زاخرا فيستخرج منه لحما طريا وحلية يتحلى بها، ولكن لا يأمن سالكه على نفسه إلا إذا تمسك بسفينة
النجاة لتقوده لشاطئ السلامة، ألا وهي: آل المصطفى وعترته، وهم أحد الثقلين المنشودين. فهنيئا لك يا من نالتك عناية الله وتوفيقه، فحباك هذا العلم الزاخر لتبز به المعاند والمكابر. وبارك في مجهودك، ونصبك وكلل مسعاك بالأجر والثواب، وجعلني وإياك ومن أحب من خدام سيدنا أبي تراب عليه السلام ونفع الله بغديرك قاريه، وكان الله تعالى لك ولمن آزرك فيه، والحمد لله أولا وآخرا. 20 ربيع الثاني 1375 محمد تيسير المخزومي
[10]
ي. كتاب تلقيناه من الأستاذ البحاثة صاحب التآليف الفخمة الناجعة، المسيحي المفضال يوسف أسعد داغر البيروتي سيدي الأستاذ الفاضل المجتهد الكبير والحبر العلامة الحجة المجاهد عبد الحسين أحمد الأميني المحترم. تحية واحتراما وتجلة، وبعد: إنها لنعمة هبطت علي من علياء يوم جاءتني رسالتكم الكريمة تحدثني بنعمة الله فيكم، وقد كنت أعربت لفريق كريم من الأخوان في النجف الأشرف عما أحمله من تقدير لسيدي الإمام، ومن شوق شديد للتعرف إليه، فإذا بهم يبلغون الرسالة لسيدي الأستاذ وقد حملوها من أوصافهم ومكارم أخلاقهم ما جعل سيدي يتلطف بتوجيه رقيمه الكريم، مضيفا منة جديدة فوق ما له من منن سابغات. ولم يمضي سوى القليل على وصول كتابكم حتى جاء في البريد يحمل إلي ما تكرمتم من رسالة من نمير غديركم الصافي، فوصلني منه الأجزاء الستة الأولى 61 فتقبلتها
بشئ من الاعجاب والاكبار لما يتمثل فيها من علم وجهد وتحقيق وتدقيق، وإني لأرجو أن تتموا عارفتكم هذه بالإيعاز لمن يلزم بإرسال الأجزاء الباقية مما ظهر من هذه الموسوعة التي تمثل أصلا من أصول البحث في تراثنا العلمي وثقافتنا الغالية. لا أستطيع هنا إلا أن أقول كلمة موجزة في هذا السفر العظيم مع إنه لم يتح لي بعد الوقت الكافي للنظر فيه مليا، ويقتضي تصفحه والتمضي فيه أكثر من نظرة عابرة ليخرج منه المرء برأي مركز مؤصل. إن كتابك (الغدير) يا سيدي ! جياش العباب، متلاطم الأمواج، جعلت منه موسوعة تدور حول الشعراء والكتاب الذين ذكروا في قصيدهم ونثرهم (الغدير) و قد استعرضتموهم قرنا فقرنا من قرون الاسلام حتى يومنا هذا، وعقدتم لهم تراجم فيها من شدة الأسر والربط ما لا يستغني عنه باحث أو مؤرخ أو أديب، مؤيدين إيرادكم لهم بالوافر من المصادر، بحيث يقع القارئ منها على ذخيرة قل أن أتيح مثلها لباحث من
[11]
ك. باحثي رجال العصر. وكنت قبل اطلاعي على كتابك هذا، يا سيدي ! وعلى ما فيه من وفرة المصادر وكثرة المراجع والأصول، أعتقد بشئ من الغرور بأنه قل بين المتأخرين من خدمة التاريخ الاسلامي والثقافة العربية من قاربني بكثرة الاستشهاد بمصادرهما، فإذا بي بعد أن وقع نظري على ما في سفينتكم من بحر علمكم أطرق بنظري إلى الأرض جسيا خجلا مأخوذا بما وجدت في (الغدير)) من خصب وغنى وافر. نعم: هي لمحة أجلتها لماحا في (الغدير) ارتسمت معها على صفحات العين ما في غديركم من صفاء ورواء، وما في جنباته من نور ونور، فإذا به بهجة للعين، ومتعة للقلب، وغذاء للروح، يمثل كله في هذا الأثر الطيب الخالد، تتحفون به الثقافة العربية
درة من دررها الغوالي. فوالله لو لم يكن للشيعة في القرن الرابع عشر الهجري غير السيد [الأميني] في [غديره] والمغفور له محسن [الامين] في [أعلامه] والعلامة الكبير الشيخ آغا بزرك في [ذريعته] لكفى من رجال الملة خدمة وهديا لقوم يعقلون. وهذا الكتاب فيما ظهر من أجزائه المتتالية لا يزال ينتظر من صبركم الجميل وبحر علمكم الزاخر ما يمضي به إلى الغاية، فتخرجون بالكتاب على الوجه الذي يرضى عنه موزع الأقدار، وطلاب التاريخ، والعلم الصحيح. فقد جددت في كتابك هذا وراء الحقيقة الناصعة، وبحثت في شعابه عما يكشف النقاب للراغب فيها لتبدو صبيحة الوجه، واضحة المعالم. هي كلمة سقتها على الطبيعة من لمحة خاطفة أجلتها في (الغدير) على أمل أن أتمكن فيما بعد أن أنظر فيه مليا بعد وصول الأجزاء الباقية التي أتوقع وصولها قريبا، وسأبعث لكم اعترافا بالفضل بما تيسر من مؤلفاتي، وهي لا تذكر بالنسبة لهذه المفخرة التي قلدتم بها جيد العربية. هذا وفيما أدعو لكم بالتوفيق ودوام نعمة الله فيكم، اقبلوا سيدي ! مع شكري الجزيل فائق احترامي. يوسف أسعد داغر
[1]
الجزء الحادي عشر فيه بعد البحث عن جملة من مواقف معاوية المخزية ومناقبه المختلقة، ومخاريق أمة أخرى، تراجم جمع من أعلام الطائفة، ورجالات العلم، وصاغة القريض، وصيارفة الأدب، تضمن فوائد تاريخية، وطرائف أدبية، وتحوي من الآثار والمآثر نوادر هي الأوضاح والغرر في جبهة الدهر
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لك يا إله الخلق ! بك أستفتح وبك أستنجح، أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى، واسلك بي الطريقة المثلى، وسيرني في أقرب الطرق للوفود إليك، واجعلني على ولايتك وولاية نبيك نبي الرحمة وعترته الطاهرة المطهرة صلواتك عليهم أجمعين أموت وأحيى، وما توفيقي إلا بك عليك توكلت. الأميني
[3]
يتبع الجزء العاشر مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط عليه السلام إن لابن آكلة الأكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعر منها الجلود، وتقف منها الشعور، وتندى منها جبهة الانسانية، ويلفظها الدين الحفاظ، وينبذها العدل و الاحسان، وينكرها كرم الأرومة وطيب المحتد، ارتكبها معاوية مستسهلا كل ذلك، مستهينا بأمر الدين والمروءة. من هو الحسن عليه السلام ؟ لا أقل من أن يكون هو سلام الله عليه أوحديا من المسلمين، وأحد حملة القرآن، وممن أسلم وجهه لله وهو محسن، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة، ومغازي الكتاب والسنة، والملكات الفاضلة جمعاء، وهو القدوة والأسوة في مكارم الأخلاق، ومعالم
الاسلام المقدس، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه، والوقيعة فيه، وإيذائه، ومحاربته، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم. أضف إلى ذلك: إنه صحابي مبجل ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير، وأعظم فضائله: أنه ليس بين لابتي العالم من يستحق الإمامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذ غيره، لفضله وقرابته. فهو أولى صحابي ثبت له ما أثبتوه لهم من الأحكام، فلا يجوز
[4]
منافرته والصد عنه، والإعراض عن آرائه وأقواله، وارتكاب مخالفته، وما يجلب الأذى إليه من السب له، والهتك لمقامه، واستصغار أمره. زد عليه: أنه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيدة نساء العالمين، لحمه من لحمه، ودمه من دمه. فيجب على معتنقي تلك النبوة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه، والحصول على مرضاته، وهو لا يرضى إلا بالحق الصراح والدين الخالص. وهو عليه السلام قبل هذه كلها أحد أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى، الذين يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. وهو من ذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أوجب الله مودتهم وجعلها أجر الرسالة. وهو أحد من باهل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم. وهو أحد الثقلين اللذين خلفهما النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بين أمته ليقتدى بهم و
قال: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا. وهو من أهل بيت مثلهم في الأمة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وهو من الذين أوجب الله الصلاة عليهم في الفرائض، ومن لم يصل عليهم لا صلاة له. وهو أحد من خاطبهم النبي صلى الله عليه وآله بقوله: أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم. وهو أحد أهل خيمة خيمها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: معشر المسلمين ! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة.
[5]
وهو أحد ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله كان يشمهما ويضمهما إليه. وهو وأخوه الطاهر سيدا شباب أهل الجنة. وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بحبه قائلا: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه. وهو أحد السبطين كان جدهما صلى الله عليه وآله يأخذهما على عاتقه ويقول: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني. وهو أحد اللذين أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدهما فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة. وهو أحد ابني رسول الله كان يقول صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار (1)
هذا هو الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وأما معاوية ابن آكلة الأكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرت عليك في الجزء العاشر ص 178 وأما جنايات معاوية على ذلك الإمام المطهر فقد سارت بها الركبان، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوهة المجلى، مسودة الهندام. فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقه الثابت له بالنص والجدارة، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الإمام عليه السلام له بالصلح حقنا لدماء شيعته، وحرسا على كرامة أهل بيته، وصونا لشرفه الذي هو شرف الدين، وما كان يرمق إليه معاوية ويعلمه الإمام عليه السلام بعلمه الواسع من إن الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه، لكنه يستبقيه ليمن بذلك عليه، ثم يطلق سراحه، و هو بين أنيابه ومخالبه، حق يقابل به ما سبق له ولأسلافه طواغيت قريش يوم الفتح، فملكهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرقاء له، ثم من عليهم وأطلقهم، فسموا الطلقاء وبقي ذلك سبة عليهم إلى آخر الدهر، فراق داهية الأمويين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبة عليهم، لكنه أكدت آماله، وأخفقت ظنونه، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح
(1) هذه الأحاديث تأتي بأسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها إنشاء الله.
[6]
الذي كان من ولائده الإبقاء على شرف البيت الهاشمي، ودرأ العار عنهم، إلى نتايج مهمة، كل منها كان يلزم الإمام عليه السلام بالصلح على كل حال، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه، والكائد الغادر بإله وذمته، فعهد إليه أن لا يسب أباه على منابر المسلمين، وقد سبه وجعله سنة متبعة في الحواضر الإسلامية كلها. وعهد إليه أن لا يتعرض بشيعة أبيه الطاهر بسوء، وقد قتلهم تقتيلا، واستقرأهم في البلاد تحت كل حجر ومدر، فطنب عليهم الخوف في كل النواحي بحيث لو كان يقذف الشيعي باليهودية لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب سلام الله عليه. وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب إليه سلام الله عليه: إن أنت أعرضت
عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس: وإن أحد أسدى إليك أمانة * فأوف بها تدعى إذا مت وافيا ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * ولا تجفه إن كان في المال فانيا ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها (1) ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعد ما قتل الإمام السبط ليصفو له الجو. ولما تصالحا كتب به الحسن كتابا لمعاوية صورته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بن
(1) شرح ابن أبي الحديد 4: 13.
[7]
أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غائلة سرا وجهرا، ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق، أشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيدا (1) فلما استقر له الأمر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال: يا أهل الكوفة ! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة و الحج ؟ وقد علمت إنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم (إلى أن قال): وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين (2)
وقال أبو إسحاق السبيعي: إن معاوية قال في خطبته بالنخيلة: ألا إن كل شئ أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به (3) قال أبو إسحاق: وكان والله غدارا (4). وكان الرجل ألد خصماء ذلك السبط المفدى، وقد خفر ذمته، واستهان بأمره واستصغره، وهو الإمام العظيم، وقطع رحمه، وما راعى فيه جده النبي العظيم، ولا أباه الوصي المقدم، ولا أمه الصديقة الطاهرة، ولا نفسه الكريمة التي اكتنفتها الفضائل والفواضل من شتى نواحيها، ولم ينظر فيه ذمة الاسلام، ولا حرمة الصحابة، ولا مقتضى القرابة، ولا نصوص رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، ولعمر الحق لو كان مأمورا بقطعه وبغضه ومباينته لما وسعه أن يأتي بأكثر مما جاء به، وناء بعبأه، وباء بإثمه، فقد قنت بلعنه في صلواته التي تلعن صاحبها قال أبو الفرج: حدثني أبو عبيد محمد ابن أحمد قال: حدثني الفضل بن الحسن المصري قال: حدثني يحيى بن معين قال: حدثني أبو حفص اللبان عن عبد الرحمن بن شريك عن إسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال: خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين جالسان تحت المنبر فذكر عليا فنال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا ! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية و
(1) الصواعق لابن حجر ص 81. (2) راجع ما مر في الجزء العاشر ص 329. (3) شرح ابن أبي الحديد 4: 16. (4) راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر ص 262.
[8]
أبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة، و جدتي خديجة قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قديما
وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل: قال يحيى بن معين: وأنا أقول: آمين. قال أبو الفرج: قال أبو عبيد قال الفضل: وأنا أقول: آمين، ويقول علي بن الحسين الاصفهاني: آمين. قلت: ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب: آمين (1) قال الأميني: وأنا أقول: آمين. وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دس إليه عليه السلام السم النقيع، فلقي ربه شهيدا مكمودا، وقد قطع السم أحشاؤه. قال ابن سعد في الطبقات: سمه معاوية مرارا، لأنه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين. وقال الواقدي: إنه سقي سما ثم أفلت، ثم سقي فأفلت، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم أمعائه، فقال الحسين: يا أبا محمد ! أخبرني من سقاك ؟ ! قال. ولم يا أخي ؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخي ! إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه. وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما (2). وقال المسعودي: لما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال: لقد سقيت السم عدة مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني اقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي ! من سقاك ؟ قال: وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما أحب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي رضي الله عنه. وذكر: أن امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس إليها إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك
(1) شرح ابن أبي الحديد 4: 16. (2) تاريخ ابن كثير 8: 43. (*)
[9]
بمائة ألف درهم، وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمه، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها: إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه. وذكر: إن الحسن قال عند موته: لقد حاقت شربته، وبلغ أمنيته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال. وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة علي في شعر طويل: جعدة بكيه ولا تسأمي * بعد بكاء المعول الثاكل (1) لم يسبل الستر على مثله * في الأرض من حاف ومن ناعل كان إذا شبت له ناره * يرفعها بالسند الغاتل (2) كيما يراها بائس مرمل * وفرد قوم ليس بالآهل يغلي بنئ اللحم حتى إذا * أنضج لم يغل على آكل أعني الذي أسلمنا هلكه * للزمن المستخرج الماحل (3) قال أبو الفرج الاصبهاني: كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح: أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده، وأن تكون الخلافة له من بعده، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس إليهما سما فماتا منه، أرسل إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني على أن تسم الحسن. وبعث إليها بمائة ألف درهم، فسوغها المال ولم يزوجها منه. مقاتل الطالبيين ص 29. وحكاه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4: 11، 17 من طرق مغيرة و أبي بكر بن حفص. وقال أبو الحسن المدائني: كانت وفاته في سنة 49 وكان مريضا أربعين يوما وكان سنه سبعا وأربعين سنة، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث زوجة
(1) في تاريخ ابن كثير: بكاء حق ليس بالباطل. (2) في تاريخ ابن كثير: يرفعها بالنسب الماثل. (3) مروج الذهب 2: 50.
[10]
الحسن، وقال لها: إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف، وأزوجك يزيد إبني. فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد، وقال: أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله [شرح ابن أبي الحديد 4: 4]. وقال: كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول: والله ما وفى معاوية للحسن بشئ مما أعطاه، قتل حجرا وأصحاب حجر، وبايع لابنه يزيد، وسم الحسن. شرح ابن أبي الحديد 4: 7. وقال أبو عمر في الاستيعاب 1: 141: قال قتادة وأبو بكر بن حفص: سم الحسن بن علي، سمته امرئته بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم. ثم ذكر صدر ما رواه المسعودي. وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 121: قال علماء السير منهم: ابن عبد البر سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقال السدي: دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك. فسمته فلما مات أرسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال: أنا والله ما أرضاك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا ؟ وقال الشعبي: إنما دس إليها معاوية فقال: سمي الحسن وأزوجك يزيد وأعطيك مائة ألف درهم، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب إنجاز الوعد، فبعث إليها بالمال وقال: إني أحب يزيد، وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوجتك إياه. وقال الشعبي: ومصداق هذا القول: إن الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه
ما صنع معاوية: لقد عملت شربته وبلغت أمنيته، والله لا يفي بما وعد، ولا يصدق فيما يقول. ثم حكى عن طبقات ابن سعد: إن معاوية سمه مرارا كما مر. وقال ابن عساكر في تاريخه 4: 229 يقال:: إنه سقي السم مرارا كثيرا فأفلت منه ثم سقي المرة الأخيرة فلم يفلت منها. ويقال: إن معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما فسقاه فأثر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحوا من أربعين مرة. وروى محمد بن المرزبان: إن جعدة بنت الأشعث بن القيس كانت متزوجة بالحسن فدس
[11]
إليها يزيد أن سمي الحسن وأنا أتزوجك ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها: إنا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا ؟ فقال كثير، ويروى إنه للنجاشي: يا جعدة ! ابكي ولا تسأمي * بكاء حق ليس بالباطل لن تستري البيت على مثله * في الناس من حاف ولا ناعل أعني الذي أسلمه أهله * للزمن المستخرج الماحل كان إذا شبت له ناره * يرفعها بالنسب الماثل كيما يراها بائس مرمل * أو وفد قوم ليس بالآهل يغلي بنئ اللحم حتى إذا * أنضج لم يغل على آكل وروى المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال عن أم بكر بنت المسور قالت: سقي الحسن مرارا وفي الآخرة مات فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا. وفيه عن عبد الله بن الحسن: قد سمعت من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما. وقال أبو عوانة عن مغيرة عن أم موسى: إن جعدة بنت الأشعث سقت الحسن السم فاشتكى منه أربعين يوما. وفي (مرئاة العجائب وأحاسن الأخبار الغرائب) (1) قيل: كان سبب موت الحسن
ابن علي من سم سم به يقال: إن زوجته جعدة بنت الأسود بن قيس الكندي سقته إياه، ويذكر والله أعلم بحقيقة أمورهم: إن معاوية دس إليها بذلك على أن يوجه لها مائة ألف درهم ويزوجها من ابنه يزيد، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال: إني أحب حياة يزيد. وذكروا: إن الحسن قال عند موته: لقد حاقت شربته والله لا وفاء لها بما وعد ولا صدق فيما قال. وفي سمه يقول رجل من الشيعة: تعرفكم لك من سلوة * تفرج عنك قليل الحزن بموت النبي وقتل الوصي * وقتل الحسين وسم الحسن وقال الزمخشري في (ربيع الأبرار) في الباب الحادي والثمانين: جعل معاوية
(1) تأليف الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر زين الدين.
[12]
لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف درهم حتى سمته، ومكث شهرين وإنه يرفع من تحته طستا من دم وكان يقول: سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة، لقد لفظت كبدي. وفي (حسن السريرة) (1): لما كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دس معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن علي أن تسقي الحسن السم ويوجه لها مائة ألف ويزوجها من ابنه يزيد. ففعلت ذلك. كان معاوية يرى أمر الإمام السبط عليه السلام حجر عثرة في سبيل أمنيته الخبيثة بيعة يزيد، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين: عهده إليه عليه السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب، وجدارة أبي محمد الزكي ونداء الناس به من ناحية أخرى، فنجى نفسه عن هذه الورطة بسم الإمام عليه السلام، ولما بلغه نعيه غدا مستبشرا، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه. قال ابن قتيبة: لما مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، كتب عامل المدينة
إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت أن لا يمضي يوم بي يمر إلا يأتيني فيه خبره فأفعل. فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله ابن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية: يا ابن عباس هلك الحسن بن علي ؟ فقال ابن عباس: نعم هلك، إنا لله وإنا إليه راجعون. ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس وبكى. الحديث (2).
(1) ألفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن الطبري ابن بنت محب الدين الطبري مؤلف الرياض النضرة. (2) الإمامة والسياسة 1: 144.
[13]
وفي العقد الفريد 2: 298: لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي خر ساجدا لله، ثم أرسل إلى ابن عباس وكان معه في الشام فعزاه، وهو مستبشر. وقال له: ابن كم سنة مات أبو محمد ؟ فقال له: سنه كان يسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال: بلغني إنه ترك أطفالا صغارا، قال: كل ما كان صغيرا يكبر، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير، ثم قال: مالي أراك يا معاوية ! مستبشرا بموت الحسن بن علي ؟ فوالله لا ينسأ في أجلك، ولا يسد حفرتك، وما أقل بقائك وبقائنا بعده ؟ وذكره الراغب في المحاضرات 2: 224. وفي حياة الحيوان 1: 58، وتاريخ الخميس 2: 294، وفي ط: 328: قال ابن خلكان: لما مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه
معاوية: أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية: أقر الله عينك، ما الذي كبرت لأجله ؟ فقال: مات الحسن. فقالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبر ؟ فقال: ما كبرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي (1). ودخل عليه ابن عباس فقال: يا ابن عباس ! هل تدري ما حدث في أهل بيتك ؟ قال: لا أدري ما حدث إلا أني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك، فقال: مات الحسن. فقال ابن عباس: رحم الله أبا محمد. ثلاثا، والله يا معاوية ! لا تسد حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنا أصبنا بالحسن فلقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فجبر الله تلك الصدعة وسكن تلك العبرة، وكان الخلف علينا من بعده. ا ه وكان ابن هند جذلانا مستبشرا بموت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قبل ولده الطاهر السبط، فبلغ الحسن عليه السلام وكتب إليه فيما كتب: قد بلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول: وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى *: تجهز لأخرى مثلها فكأن قد
(1) إلى هاهنا ذكره الزمخشري أيضا في (ربيع الأبرار) في الباب الحادي والثمانين، و البدخشي في (نزل الأبرار).
[14]
وإنا ومن قد مات منا لكالذي * يروح فيمسي في المبيت ليقتدي ولإرضاء معاوية منع ذلك الإمام الزكي عن أن يقوم ؟ أخوه الحسين السبط بإنجاز وصيته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له، وهو أولى إنسان بالدفن فيها، قال ابن كثير في تاريخه 8: 44: فأبى مروان أن يدعه، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية. وقال ابن عساكر 4: 226 قال (مروان): ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله، قد دفن عثمان بالبقيع، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي
معاوية بذلك، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات. ا ه هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله ولعل فيما أنساه التاريخ أضعافها، وهل هناك مسائل ابن حرب عما اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحق من جرائه هذه النكبات والعظائم ؟ وهل يسع ابن آكلة الأكباد أن يعد منه شيئا في الجواب ؟ غير أنه عليه السلام كان سبط محمد صلى الله عليه وآله وقد عطل دين آباء الرجل الذي فارقه كرها ولم يعتنق الاسلام إلا فرقا، وإنه شبل علي خليفة الله في أرضه بعد نبيه صلى الله عليه وآله وهو الذي مسح أسلافه الوثنيين بالسيف، وأثكلت أمهات البيت الأموي بأجريتهم، ولما ينقضي حزن معاوية على أولئك الطغمة حتى تشفى بأنواع الأذى التي صبها على الإمام المجتبى إلى أن اغتاله بالسم النقيع، ولم يملك نفسه حتى استبشر بموته، وسجد شكرا، وأنا لا أدري أللاته سجد أم لله سبحانه ؟ وإن لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد: قد قتلت القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل وإنه بضعة الزهراء فاطمة الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله ومنها نسله الذين ملأوا الدنيا أوضاحا وغررا من الحسب الوضاء، والشرف الباذخ، والدين الحنيف، كل ذلك ورغبات معاوية على الضد منها، وما تغنيه الآيات والنذر. وفي الذكر الحكيم: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق
[15]
، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.
الأعراف: 146
[16]
معاوية وشيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لم يبرح معاوية مستصغرا كل كبيرة في توطيد سلطانه، مستسهلا دونه كل صعب، فكان من الهين عنده في ذلك كل بائقة، ومن ذلك دؤبه على سفك دماء الشيعة - شيعة الإمام الطاهر - في أقطار حكومته، وفي جميع مناطق نفوذه، واستباحة أموالهم وأعراضهم، وقطع أصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم، ولم يستثن النساء، وهم المعنيون بثناء صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله عليهم السابقة أحاديثه في الجزء الثالث ص 78 ط 2. وهب أن هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوة، أو أن روايته لم تبلغ ابن آكلة الأكباد، فهل هم خارجون عن ربقة الاسلام المحرم للنفوس والأموال والحرمات بكتابه وسنة نبيه ؟ وهل اقترفوا إثما لا يغفر أو عثروا عثرة لا تقال غير ولا يتهم لإمام أجمع المسلمون على خلافته وحث النبي صلى الله عليه وآله أمته على اتباعه وولاءه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته ؟ أو أن ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كل تلكم الأحكام الواردة في الكتاب والسنة ؟ أو إنه لا يتحوب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدماء ولوغا ؟ !. بعث بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي، وبعث معه جيشا آخر، وتوجه برجل من عامر ضم إليه جيشا آخر، ووجه الضحاك بن قيس الفهري في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفوا أيدهم عن النساء والصبيان. فمر بسر لذلك على
وجهه حتى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناسا من أصحاب علي عليه السلام وأهل هواه، وهدم بها دورا، ومضى إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه، وأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان الحارثي وابنه، وكانا من
[17]
أصهار بني العباس عامل علي عليه السلام، ثم أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس عامل علي بن أبي طالب وكان غائبا، وقيل: بل هرب لما بلغه خبر بسر فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيين فأخذهما بسر لعنه الله (1) وذبحهما بيده بمدية كانت معه، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية. وفعل مثل ذلك سائر من بعث به، فقصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسان البكري وقتل رجالا ونساء من الشيعة قال أبو صادقة (2) أغارت خيل لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملا لعلي عليه السلام يقال له: حسان بن حسان، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فخرج حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وريب بالصغار، وسيم الخسف، وقد قلت لكم: أغزوهم قبل أن يغزوكم فإنه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، هذا أخو عامر قد جاء الأنبار فقتل عاملها حسان بن حسان وقتل رجالا كثيرا ونساء، والله بلغني إنه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرءا مسلما مات دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما بل كان به جديرا. الحديث. أصاب أم حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله وله على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلا إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس
ابنيها بهذه الأبيات: يا من أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف يا من أحس بابني اللذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف يا من أحس بابني اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مختطف
(1) كذا جاء في غير موضع من لفظ الحديث. (2) أخرجه أبو الفرج مسندا حذفنا إسناده روما للاختصار.
[18]
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا أنحى على ودجي ابني مرهفة * مشحوذة وكذاك الإفك يقترف حتى لقيت رجالا من أرومته * شم الأنوف لهم في قومهم شرف فالآن ألعن بسرا حق لعنته * هذا لعمر أبي بسر هو السرف من دل والهة حرى مولهة * على صبيين ضلا إذ غدا السلف قالوا: ولما بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا، ودعا على بسر لعنه الله فقال: اللهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله. فأصابه ذلك وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم (1). صورة مفصلة لقد أشن الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام سنة 39 وفرق جيوشه في أصقاع حكومته عليه السلام واختار أناسا ممن لا خلاق لهم لقتل أولئك الأبرياء أينما كانوا وحيثما وجدوا، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر. ووجه سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره أن يأتي (هيت) فيقطعها ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى (هيت) ثم أتى الأنبار وطمع في أصحاب علي عليه السلام
لقتلهم فقاتلهم فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية. ووجه عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري (وكان أشد الناس على علي) في ألف وسبعمائة إلى ثيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع، ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك. ووجه الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي عليه السلام من الأعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس
(1) الأغاني 15: 44 - 47، تاريخ ابن عساكر 3: 223، الاستيعاب 1: 65، النزاع والتخاصم ص 13، تهذيب التهذيب 1: 435، 436.
[19]
وأخذ الأموال، ومضى إلى الثعلبية وقتل وأغار على مسلحة علي، وانتهى إلى القطقطانة، فلما بلغ عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه. ووجه عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. ووجه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع. ووجه زهير بن مكحول العامري إلى السماوة، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبد الله الأشجعي ليصدقوا من في طاعته من
كلب وبكر، فوافوا زهيرا فاقتتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله. وبعث سنة 40 بسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد فصعد منبرها فنادى عليه: يا دينار ! ويا نجار ! ويا زريق ! (1) شيخي شيخي عهدي به بالأمس فأين هو ؟ يعني عثمان - ثم قال: يا أهل المدينة ! والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته. فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقال لها: ماذا ترين ؟ إن هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن اقتل. قالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبد الله بن زمعة أن يبايعا، فأتاه جابر فبايعه، وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم سار إلى مكة فخاف أبو موسى أن يقتله فهرب، وكتب أبو موسى إلى اليمن: إن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس، تقتل
(1) هذه بطون من الأنصار.
[20]
من أبى أن يقر بالحكومة. ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي فأتاه بسر فقلته وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما: عبد الرحمن وقثم، وقال بعض: إنه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلما أراد قتلهما قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، قال: أفعل. فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما. فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا ! قتلت الرجال، فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام، والله يا بن أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرحمة، وعقوق الأرحام، لسلطان سوء، وقتل بسر في مسيره
ذلك جماعة من شيعة على باليمن وبلغ عليا الخبر. تاريخ الطبري 6: 77 - 81، كامل ابن الأثير 3: 162 - 167، تاريخ ابن عساكر 3: 222، 459، الاستيعاب 1: 65، 66، تاريخ ابن كثير 7: 319 - 322، وفاء الوفاء 1: 31. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب 1: 65: كان يحيى بن معين يقول: كان بسر بن أرطاة رجل سوء. قال أبو عمر: ذلك لأمور عظام ركبها في الاسلام فيما نقل أهل الأخبار وأهل الحديث أيضا منها: ذبحه ابني عبد الله بن العباس وهما صغيران بين يدي أمهما. وقال الدارقطني: لم تكن له استقامة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العباس. وقال أبو عمرو الشيباني: لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي رضي الله عنه قام إليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي فقال: يا أمير المؤمنين ! نسألك بالله والرحم أن تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل قيسا بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة. فقال معاوية: يا بسر لا إمرة لك على قيس فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم. (قال أبو عمرو): وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر بن أرطاة على همدان
[21]
وسبى نسائهم، فكن أول مسلمات سبين في الاسلام، وقتل أحياء من بني سعد (ثم أخرج أبو عمرو بإسناده من طريق رجلين عن أبي ذر): إنه دعا وتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال: فسئلاه مم تعوذت ؟ وفيم دعوت ؟ قال تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه. فقالا: وما ذاك ؟ فقال: أما يوم البلاء فتلقى فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة فإن نساءا من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم
ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه. فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق. وفي تاريخ ابن عساكر 3: 220 - 224: كان بسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين، وأمره أن يستقرأ من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة وقد ولي البحر لمعاوية. وقتل باليمن ابني عبيد الله بن العباس. وقال الدارقطني: إن بسرا كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم (يعني: أنه كان من أهل الردة). قال: وروى البخاري في التاريخ: إن معاوية بعث بسرا سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة فبايع ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن عباس وفي رواية الزهري: أن معاوية بعثه سنة تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلغ الناس فأحرق دار زرارة (1) بن خيرون أخي بني عمرو بن عوف بالسوق، ودار رفاعة (2) ابن رافع، ودار عبد الله (3) بن سعد من بني الأشهل، ثم استمر إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن بن عبيد، وعمرو (4) بن أم إدراكة الثقفي، وذلك أن معاوية بعثه
(1) صحابي توجد ترجمته في معاجم الصحابة. (2) صحابي مترجم له في المعاجم. (3) صحابي ترجم له أصحاب فهارس الصحابة. (4) صحابي مذكور في عد الصحابة.
[22]
على ما حكاه ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة علي بن أبي طالب فأقام في المدينة شهرا فما قيل له في أحد: إن هذا ممن أعان على عثمان إلا قتله، وقتل قوما من بني كعب على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن.
وقتل من همدان بالجرف من كان مع علي بصفين فقتل أكثر من مأتين، وقتل من الأبناء كثيرا وهذا كله بعد قتل علي بن أبي طالب. قال ابن يونس: كان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه عبد الرحمن وقثم عند رجل من بني كنانة وكانا صغيرين فلما انتهى بسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتد عليهم بسيفه حاسرا وهو يقول: الليث من يمنع حافات الدار * ولا يزال مصلتا دون الدار (1) إلا فتى أروع غير غدار فقال له بسر: ثكلتك أمك والله ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ فقال: اقتل دون جاري فعسى أعذر عند الله وعند الناس. فضرب بسيفه حتى قتل، وقدم بسر الغلامين فذبحهما ذبحا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت قائلة منهن: يا هذا هؤلاء الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا إسلام والله إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الرضع الصغيرة والمدره الكبير، وبرفع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء فقال لها بسر: والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف. فقالت: تالله إنها لأخت التي صنعت، وما أنا بها منك بآمنة. ثم قالت للنساء اللواتي حولها: ويحكن تفرقن. وفي الإصابة 3: 9: عمرو بن عميس قتله بسر بن أرطاة لما أرسله معاوية للغارة على عمال علي فقتل كثيرا من عماله من أهل الحجاز واليمن. صورة مفصلة كان بسر بن أرطاة (2) قاسي القلب، فظا سفاكا للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة
(1) والصحيح: ولا يزال مصلتا دون الجار. (2) ويقال ؟: ابن أبي أرطاة.
[23]
، فأمره معاوية أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاء لهم، وإنك خيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا. وفي راوية إبراهيم الثقفي في (الغارات) في حوادث سنة أربعين: بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف وقال: سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس، واخف به من مررت به، وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن له دخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم إنك تريد أنفسهم، وأخبرهم إنه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم، ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد، وأرحب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة، واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند، فإن لنا بها شيعة وقد جاء في كتابهم. فخرج بسر في ذلك البعث مع جيشه وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها، وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر، فيردون تلك الإبل ويركبون إبل هؤلاء، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة، فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة، وعامل علي عليه السلام عليها أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج عنها هاربا ودخل بسر المدينة، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم يومئذ وتوعدهم وقال: شاهت الوجوه إن الله تعالى ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا. وقد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم أهله كان بلدكم مهاجر النبي صلى الله عليه وآله ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده، فلم تشكروا نعمة ربكم ولم ترعوا حق نبيكم، وقتل خليفة الله بين أظهركم، فكنتم بين قاتل وخاذل ومتربص وشامت، إن كانت للمؤمنين قلتم: ألم نكن معكم ؟ وإن كان للكافرين نصيب، قلتم: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ؟ ثم شتم الأنصار، فقال:
يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبد الأشهل ! أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لأدعنكم
[24]
أحاديث كالأمم السالفة، فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم، ففزعوا إلى حويطب بن عبد العزى، ويقال: إنه زوج أمه فصعد إليه المنبر فناشده وقال: عترتك وأنصار رسول الله وليست بقتلة عثمان، فلم يزل به حتى سكن ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ونزل فأحرق دورا كثيرة منها: دار زرارة بن حرون أحد بني عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الزرقي، ودار أبي أيوب الأنصاري، وفقد جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: مالي لا أرى جابرا يا بني سلمة ؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر. فعاذ جابر بأم سلمة رضي الله عنها، فأرسلت إلى بسر بن أرطاة فقال: لا أو منه حتى يبايع فقالت له أم سلمة: اذهب فبايع، وقالت لابنها عمر: اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه. وروى من طريق وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما خفت بسرا وتواريت عنه قال لقومي: لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني وقالوا: ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك فإنك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا وسبيت ذرارينا، فاستنظرتهم الليل فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر فقالت: يا بني انطلق فبايع احقن دمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع، وإني لأعلم إنها بيعة ضلالة. قال إبراهيم: فأقام بسر بالمدينة أياما ثم قال لهم: إني قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل، ما قوم قتل إمامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا إني لأرجو أن لا تنالكم رحمة الله عز وجل في الآخرة، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم وخلافه. ثم خرج إلى مكة.
وروى الوليد بن هشام قال: أقبل بسر فدخل المدينة فصعد منبر الرسول صلى الله عليه وآله ثم قال: يا أهل المدينة خضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوبا، والله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته. ثم قال لأصحابه: خذوا بأبواب المسجد وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد الله بن الزبير وأبو قيس أحد بني عامر بن لوي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج إلى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس وكان عامل علي عليه السلام
[25]
ودخلها بسر فشتم أهل مكة وأنبهم ثم خرج عنها واستعمل عليها شيبة بن عثمان. وروى عوانة عن الكلبي: إن بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا، وأخذ أموالا، وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها، وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال: أما والله لو تركت ورأيي فيكم لتركتكم وما فيها روح تمشي على الأرض. فقالوا: ننشدك الله في أهلك وعترتك. فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال: الحمد لله الذي أعز دعوتنا، وجمع ألفتنا، وأذل عدونا بالقتل والتشريد، هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك وضيق قد ابتلاه الله بخطيئته، وأسلمه بجريرته، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه، وولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان، فبايعوا، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. فبايعوا وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أياما ثم خطبهم فقال: يا أهل مكة ! إني قد صفحت عنكم فإياكم والخلاف، فوالله إن فعلتم لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل، وتحرب المال، وتخرب الديار، ثم خرج إلى الطائف. قال [إبراهيم الثقفي]: ووجه رجلا من قريش إلى نبالة وبها قوم من شيعة علي عليه السلام وأمره بقتلهم فأخذهم وكلم فيهم وقيل له: هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم فحبسهم وخرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر وهو
بالطائف يستشفع إليه فيهم، فتحمل عليه بقوم من الطائف فكلموه فيهم وسألوه الكتاب بإطلاقهم فوعدهم ومطلهم بالكتاب حتى ظن أنه قد قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم، وأن كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا، ثم كتب لهم فأتى منيع منزله وكان قد نزل على امرأة بالطائف ورحله عندها فلم يجدها في منزلها فوطئ على ناقته بردائه وركب فسار يوم الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة وقد أخرج القوم ليقتلوا واستبطئ كتاب بسر فيهم فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه فقال الشاميون بعضهم لبعض: شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزوها وتبصر منيع الباهلي بريق السيوف، فألمع بثوبه فقال القوم: هذا راكب عنده خبر
[26]
فكفوا وقام به بعيره، فنزل عنه وجاء على رجليه يشد فدفع الكتاب إليهم فأطلقوا، وكان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانكسر السيف أخاه. قال إبراهيم: وروى علي بن مجاهد عن ابن إسحاق: إن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوه وهربوا، فخرج ابنا عبيد الله بن العباس وهما: سليمان. وداود. وأمهما حورية ابنة خالد بن فارط الكنانية وتكنى أم حكيم، وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي، وميمون هذا أخو العلاء بن الحضرمي، وهجم عليهما بسر فأخذهما وذبحهما فقالت أمهما: ها من أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف (1) وقد روي أن اسمهما: قثم وعبد الرحمن، وروي: إنهما ضلا في أخوالهما من بني كنانة، وروي: إن بسرا إنما قتلهما باليمن وإنهما ذبحا على درج صنعاء وروى عبد الملك بن نوفل عن أبيه: إن بسرا لما دخل الطائف وقد كلمه المغيرة قال له: لقد صدقتني ونصحتني فبات بها وخرج منها وشيعه المغيرة ساعة ثم ودعه وانصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس وأمهما فلما انتهى بسر
إليهم طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة، وكان أبوهما أوصاه بهما، فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بسر: ثكلتك أمك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ قال: اقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس. ثم شد على أصحاب بسر بالسيف حاسرا وهو يرتجز: آليت لا يمنع حافات الدار * ولا يموت مصلتا دون الجار إلا فتى أروع غير غدار فضارب بسيفه حتى قتل، ثم قدم الغلامان فقتلا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الرضع الضعيف، والشيخ الكبير ورفع الرحمة، وقطع الأرحام، لسلطان سوء، فقال بسر: والله لهممت أن أضع فيكن
(1) إلى آخر الأبيات التي مرت في صفحة 17، 18.
[27]
السيف، قالت: والله إنه لأحب إلي إن فعلت. قال إبراهيم: وخرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان وابنه مالكا وكان عبد الله هذا صهرا لعبيد الله بن العباس ثم جمعهم وقام فيهم، وقال: يا أهل نجران ! يا معشر النصارى وإخوان القرود ! أما والله إن بلغني عنكم ما أكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل، وتهلك الحرث، وتخرب الديار، وتهددهم طويلا ثم سار حتى دخل أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيع ويقال: إنه سيد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله، وأتى صنعاء قد خرج عنها عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران، وقد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن أراكة الثقفي، فمنع بسرا من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوما، وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد ورجع إلى قومه فقال لهم: أنعي قتلانا، شيوخا وشبانا.
قال إبراهيم: وهذه الأبيات المشهورة لعبد بن أراكة الثقفي يرثي بها ابنه عمرا: لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارسا * بصنعاء كالليث الهزبر أبي الأجر تعز فإن كان البكا رد هالكا * على أحد فاجهد بكاك على عمرو ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة * علي وعباس وآل أبي بكر قال: ثم خرج بسر من صنعاء فأتى أهل حبسان وهم شيعة لعلي عليه السلام فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأن ابني عبيد الله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا، وحرق قوما بالنار، فقال يزيد بن مفرغ: تعلق من أسماء ما قد تعلقا * ومثل الذي لاقى من الشوق أرقا سقى منفخ الأكناف منبعج الكلى * منازلها من مشرقات فشرقا إلى الشرف الأعلى إلى رامهرمز * إلى قربات الشيخ من نهر اربقا إلى دست مارين إلى الشط كله * إلى مجمع السلان من بطن دورقا إلى حيث يرقى من دجيل سفينه * إلى مجمع النهرين حيث تفرقا
[28]
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه * فقتل بسر ما استطاع وحرقا قال: ودعا علي عليه السلام على بسر فقال: أللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا، وانتهك محارمك، وكانت طاعة مخلوق فاجر، آثر عنده مما عندك، أللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله، ولا توجب له رحمتك، ولا ساعة من نهار، أللهم العن بسرا وعمرا ومعاوية، وليحل عليهم غضبك، ولتنزل بهم نقمتك، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيرا حتى وسوس وذهب عقله، فكان يهذي بالسيف ويقول: اعطوني سيفا أقتل به. لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف
من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات (1). وفي شرح ابن أبي الحديد 3: 15: روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيروا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد
(1) شرح أبي الحديد 1: 116 - 121.
[29]
مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا، ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جائكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني،
وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا إلى من أقامت عليه البينة إنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطائه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر إلخ. استخلف زياد على البصرة سمرة بن جندب لما كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة، وسمرة من الذين أسرفوا في القتل على علم من معاوية بل بأمر منه، أخرج الطبري من طريق محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحدا ؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له معاوية: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا ؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت، أو كما قال. قال أبو سوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن. وروى بإسناده عن عوف قال: أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال: ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال: ما هذا
[30]
؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير. قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا (1). أعطى معاوية سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب
في أهل الشام بأن قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. وإن قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. نزل في ابن ملجم أشقى مراد (2). وأخرج الطبري من طريق عمر بن شبه قال: مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا. قال عمر: وبلغني عن جعفر الضبعي قال: أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة: لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا. وروى من طريق سليمان بن مسلم العجلي قال: سمعت أبي يقول: مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلي في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية، فمر أبو بكرة فقال: يقول الله سبحانه: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. قال أبي: فشهدت ذلك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة. قال: وشهدته وأتي بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل: ما دينك ؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإني بري من الحرورية. فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون. تاريخ الطبري 6: 164. وفي مقدم عمال معاوية الحاملين عداء سيد العترة، المهاجمين على شيعة آل الله بكل قوى متيسرة زياد بن سمية، ومن الزائد جدا بحثنا عن جرائمه الوبيلة التي حفظها له التاريخ، واسودت بها صفحات تاريخه، ولا بدع وهو وليد البغاء من الأدعياء المشهورين، ربيب حجر سمية البغي، والاناء إنما يترشح بما فيه، والشوك
(1) تاريخ الطبري 6: 132.
(2) شرح ابن أبي الحديدا: 361.
[31]
لا يثمر العنب، وقد صدق النبي الكريم في قوله صلى الله عليه وآله في السبطين ووالديهما: لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردي المولد. وكان السلف يبور أولادهم بحب علي عليه السلام فمن كان لا يحبه علموا أنه لغير رشدة (1). فلا تعجب من الدعي ومن كتابه القارص إلى الإمام السبط الحسن الزكي عليه السلام قد شفع إليه في رجل من شيعته. قال ابن عساكر: كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه وطلبه زياد فأتي الحسن بن علي فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته وحبسهم وأخذ ماله وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن علي إلى زياد. أما بعد: فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، فإني قد أجرته فشفعني فيه. فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة: أما بعد: فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة كتبت إلي في فاسق لا يؤبه به، وشر من ذلك توليه أباك وإياك، وقد علمت أنك أدنيته إقامة منك على سوء الرأي ورضي منك بذلك، وأيم الله لا تسبقني به، ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك، فإن أحب لحم إلي أن آكل منه اللحم الذي أنت منه، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق، والسلام (2)، ولما بلغ موته ابن عمر قال: يا ابن سمية ! لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك. كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي عليه السلام - وفي
لفظ البيهقي: يحرضهم على البرائة من علي كرم الله وجهه، فملأ منهم المسجد و
(1) * مرت تلكم الأحاديث وستأتي في مسند المناقب ومرسلها. (2) تاريخ ابن عساكر 5: 418، شرح ابن الحديد 4: 7، 72.
[32]
الرحبة - فمن أبي ذلك عرضه على السيف. وعن المنتظم لابن الجوزي: إن زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهم أن يخرب دورهم، ويحمر نخلهم، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البرائة من علي عليه السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم. فذكر عبد الرحمن بن السائب قال: أحضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار، فرأيت شيئا في منامي وأنا جالس في الجماعة وقد خفقت، وهو إني رأيت شيئا طويلا قد أقبل فقلت: ما هذا ؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فانتبهت فزعا فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء، وفي ذلك يقول عبد الله بن السائب: ما كان منتهيا عما أراد بنا * حتى تأتى له النقاد ذو الرقبة فاسقط الشق منه ضربة ثبتت * لما تناول ظلما صاحب الرحبة (1) قال الأميني: هلم معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوة بالمخازي وشية العار، المملوة بالموبقات والبوائق، فننظر هل في الشريعة البيضاء، أو في نواميس البشرية، أو في طقوس العدل مساغ لشئ منها ؟ دع ذلك كله هل تجد في عادات الجاهلية مبررا لشئ من تلكم الهمجية ؟ وهل فعل أولئك الأشقياء الأشداء في أيامهم المظلمة فعلا يربو مخاريق ابن هند ؟ لا. وإنك لا تسمع عن أحد ممن يحمل عاطفة إنسانية ولا أقول ممن يعتنق الدين الحنيف فحسب يستبيح شيئا من ذلك،
أو يحبذ مخزاتا من تلكم المخازي، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. الآية ؟ (2) فهل ترى ابن أبي سفيان خارجا عنهم ؟ فليس هو من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ممن معه، ولا رحيما بهم، أو أن من ناواه وعاداه وسبه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الاسلام ؟
(1) مروج الذهب 2: 69، المحاسن والمساوي للبيهقي 1: 39، قال المسعودي والبيهقي: صاحب الرحبة هو علي بن أبي طالب، شرح ابن أبي الحديد 1: 286 نقلا عن ابن الجوزي. (2) سورة الفتح 29.
[33]
فهو شديد عليهم وهم خيرة أمة محمد المسلمة، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. فالحكم للنصفة لا غيرها. كأن هاهنا نسيت ثارات عثمان وعادت تبعة أولئك المضطهدين محض ولاء علي أمير المؤمنين عليه السلام وقد قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله، وحبهم لمن يحبه الله ورسوله، وطاعتهم لمن فرض الله طاعته، وودهم من جعل الله وده أجر الرسالة. فلم يقصد معاوية وعماله أحدا بسوء إلا هؤلاء، فطفق يرتكب منهم ما لا يرتكب إلا من أهل الردة والمحادة لله ولرسوله. فكان الطريد اللعين ابن الطريد اللعين مروان، وأزني ثقيف مغيرة بن شعبة، وأغيلمة قريش الفسقة في أمن ودعة، وكان يولي لأعماله الزعانفة الفجرة أعداء أهل بيت الوحي: بسر بن أرطاة، ومروان بن الحكم، ومغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبد الله الفزاري، وسفيان بن عوف، والنعمان بن بشير، والضحاك بن قيس، وسمرة بن جندب، ونظرائهم، يستعملهم على عباد الله وهو يعرفهم حق المعرفة ولا يبالي بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله فقد
خان الله ورسوله وجميع المؤمنين (1). فكانوا يقترفون السيئات، ويجترحون المآثم بأمر منه ورغبة، ولم تكن عنده حريجة من الدين تزعه عن تلكم الجرائم، فأمر بالإغارة على مكة المكرمة وقد جعلها الله بلدا آمنا يأمن من حل بها وإن كان كافرا، ولأهلها وطيرها ووحشها ونباتها حرمات عند الله، وهي التي حقنت دم أبي سفيان ومن على شاكلته من حامل ألوية الكفر والالحاد، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرعاها كل الرعاية يوم الفتح وغيره، فما عامل أهلها هو وجيشه الفاتح إلا بكل جميل، وكان صلى الله عليه وآله يقول: إن هذا بلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها (2).
(1) مجمع الزوائد 5: 211. (2) صحيح البخاري: باب لا يحل القتال بمكة 3: 168، صحيح مسلم 4: 109.
[34]
وقال صلى الله عليه وآله وسلم إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله فقولوا له: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب (1). وأمر ابن هند بالاستحواذ على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وإخافة أهلها والوقيعة فيهم واستقراء من يوجد فيها من شيعة علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه وللمدينة المنورة في الاسلام حرمتها الثابتة، ولنبيه صلى الله عليه وآله فيها قوله الصادق: المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا (2) أو آوى حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل (3). وقوله صلى الله عليه وآله: لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء (4). وقوله صلى الله عليه وآله: لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء (5). وقوله صلى الله عليه وآله: أللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف (6). وقوله صلى الله عليه وآله: من أراد أهل هذه البلدة بسوء (يعني المدينة) أذابه الله كما
(1) صحيح البخاري: باب لا يعضد شجر الحرم 3: 167. (2) قال القاضي عياض: معنى قوله: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا. الخ. من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه. (3) صحيح البخاري 3: 179، صحيح مسلم 4: 114، 115، 116، مسند أحمد 1: 81، 126، 151، ج 2: 450، سنن البيهقي 5: 196، سنن أبي داود 1: 318. (4) صحيح البخاري 3: 181. (5) صحيح مسلم 4: 113 (6) صحيح مسلم 4: 117، سنن أبي داود 1: 318، واللفظ لمسلم.
[35]
يذوب الملح في الماء. وفي لفظ سعد: من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله. الخ (1). وقوله صلى الله عليه وآله: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (2). وقوله صلى الله عليه وآله: أيما جبار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء. وفي لفظ: من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء (3).
وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني برجال الصحيح: أللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل. (4) وقوله صلى الله عليه وآله: من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، وغضب عليه، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا (5). وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه النسائي: من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله (6). وفي لفظ ابن النجار: من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقوله صلى الله عليه وآله: من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي. أخرجه أحمد في مسنده 3: 354 بالإسناد عن جابر بن عبد الله: إن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر: لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابناه أو أحدهما: يا أبت ! وكيف أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مات ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخاف. الحديث.
قلت: الأمير المشار إليه هو بسر بن أرطاة كما في وفاء الوفاء للسمهودي 1: 31 وصحح الحديث.
وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني في الكبير: من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل. وفاء الوفاء 1: 32. نعم: إن بسرا لم يلو إلى شيئ من ذلك وإنما أوتمر بما سول له معاوية من هتك الحرمات بقتل الرجال، وسبي النساء، وذبح الأطفال، وهدم الديار، وشتم الأعراض، وما رعي لرسول الله صلى الله عليه وآله إلا ولا ذمة في مجاوري حرم أمنه، وساكني حماه المنيع فخفر ذمته كما هتك حرمته، واستخف بجواره، وآذاه بإباحة حرمه حرم الله تعالى، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (1) وإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة (2) فيالها من جرأة تقحم صاحبها في المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ودينه القويم. كما أن يزيد كان يحذو حذو أبيه في جرائمه الوبيلة وشن الغارة على أهل المدينة المشرفة، وبعث مسلم بن عقبة الهاتك الفاتك إلى هتك ذلك الجوار المقدس بوصية من والده الآثم قال السمهودي في وفاء الوفاء 1: 91. وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بنت أسماء: سمعت أشياخ المدينة يتحدثون: إن معاوية رضي الله عنه لما احتضر دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته. فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه و دعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة. الخ. وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف 5: 43 بلفظ أبسط من لفظ السمهودي.
(1) سورة التوبة: 61. (2) سورة الأحزاب: 57.
[37]
معاوية
وحجر بن عدي وأصحابه إن معاوية استعمل مغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أمره عليها دعاه وقال له: أما بعد: فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا. وقد قال المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح رعيتي، ولست تارك إيصاءك بخصلة: لا تقهم عن شتم علي وذمه. والترحم على عثمان والاستغفار له، و العيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم، والاستماع منهم. فقال المغيرة: قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم. ثم قال: بل نحمد إن شاء الله. فأقام المغيرة عاملا على الكوفة سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذم الله ولعن ثم قام وقال: إن الله عز وجل يقول: كونوا قوامين بالقسط شهداء الله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم. فيقول له المغيرة: يا حجر ! لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ! ويحك اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته. اللهم ارحم عثمان بن عفان، وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله، فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وجمع كلمتنا، وحقن دمائنا، وقتل مظلوما (1)، اللهم فارحم أنصاره وأوليائه ومحبيه والطالبين
(1) هذه كلها تخالف ما هو الثابت المعلوم من سيرة عثمان كما فصلنا القول فيها في الجزء الثامن والتاسع. (*)
[38]
بدمه. ونال من علي بن أبي طالب عليه السلام ولعنه ولعن شيعته، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان ! مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين. فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئا. وأكثروا في مثل هذا القول، فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا: علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة و يجتري عليك في سلطانك هذه الجرأة ؟ فيوهن سلطانك، ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية، وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة، إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا أحب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك و أشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة. ثم هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد (ابن سمية) فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ووجه إلى حجر فجاءه، وكان له قبل ذلك صديقا فقال له: قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومؤدة، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان: حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك،
وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك، وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد. فقال حجر: لن يرى الأمير مني إلا ما يحب وقد نصح وأنا قابل نصيحته. ثم خرج من عنده.
[39]
ولما ولي زياد جمع أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من علي (1) فقام في الناس وخطبهم ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وكان زياد يقيم ستة أشهر في الكوفة وستة أشهر في البصرة فرجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبرائة منه، وإنهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فصعد المنبر وخطب وحذر الناس وقال: أما بعد: فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وامنوني فاجترؤا على الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر ! سقط العشاء بك على سرحان. ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط: اذهب فأتني بحجر فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة فسبوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فقال: يا أشراف أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون بأخرى ؟ أبدانكم عندي وأهواءكم مع هذا الهجاجة المذبوب (2). وفي الكامل: أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق. و الله ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم. فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك. قال: فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه، وقال زياد لصاحب شرطته:
انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به. فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم فقال أبو العمرطة الكندي لحجر: إنه ليس معك رجل معه سيف غيري فما يغني سيفي ؟ قم فألحق بأهلك يمنعك قومك. فقام وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر وغشيهم أصحاب زياد فضرب رجل من
(1) تاريخ ابن عساكره: 421. (2) في لفظ الطبري: الهجهاجة الأحمق المذبوب.
[40]
الحمراء يقال له: بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وحمله رجلان من الأزد وأتيا به دار رجل يقال له: عبيد الله بن موعد الأزدي، وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه، وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة. مضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير ولم يأته من كندة كثير أحد فأرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان إلى جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به، ففعلوا فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا، فأثنى عليهم زياد فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم ؟ لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وما أحب أن تهلكوا، فخرجوا فأدركهم مذحج و همدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال: له سليم بن يزيد، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل فبكى بناته فقال حجر: بئسما أدخلت على بناتك إذا قال: والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي، فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبد الله بن الحرث أخي الأشتر فأحسن لقاءه فبينما هو عنده إذ قيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع.
وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون ؟ فقالوا: حجر بن عدي. فقالت: هو في النخع. فخرج حجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له: والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا. فاستمهله فأمهله ثلاثا واحضر قيس بن يزيد أسيرا فقال له زياد: لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وإنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكني ائتني بأخيك عمير. فاستأمن له منه على ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقال قيس بن يزيد لزياد: ألم تؤمنه ؟ قال: بلى قد أمنته على دمه ولست أهريق له دما، ثم ضمنه وخلى سبيله.
[41]
مكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد فلما رآه قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمن ! حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس. على أهلها تجنى براقش. فقال حجر: ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة وإني لعلى بيعتي. فقال: هيهات هيهات يا حجر ! أتشج بيد وتأسو بأخرى ؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى ؟ كلا والله لأحرصن على قطع خيط رقبتك. فقال: ألم تؤمني حتى أتى معاوية فيرى في رأيه ؟ قال: بلى، إنطلقوا به إلى السجن، فلما مضى به قال: أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه. فأخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال، وزياد ماله غير الطلب لرؤس أصحاب حجر. عمرو بن الحمق
خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق يقال له: عبيد الله بن أبي بلتعة خبرهما فسار إليهما في الخيل فخرجا إليه، فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده امتناع. وأما رفاعة فكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو: أقاتل عنك ؟ قال: وما ينفعني أن تقتل ؟ ! أنج بنفسك. فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فلم يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت ؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر عليكم. فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي فلما رأى عمرا عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية: إنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فأطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان. فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهن أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الاسلام.
[42]
قال الأميني: هذا الصحابي العظيم (عمرو بن الحمق) الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة (1) محكوم عليه عند القوم وغيرهم بالعدالة وكون أقواله وأفعاله حجة لولا أن عدالة الصحابة تمطط إلى أناس معلومين بالخلاعة والمجون كمغيرة بن شعبة، والحكم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن أبي سرح، وزياد بن أبيه، وأغيلمة قريش من الشباب الزائف ممن جرت المخازي إليهم الويلات، وتتقلص عن آخرين أنهكتهم العبادة، وحنكتهم الشريعة، وأبلتهم الطاعة كعمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وزيد وصعصعة ابني صوحان، ولداتهم. أنا لا أدري ما كان المبرر للنيل من عمرو وقتله ؟ وأي جريمة أوجبت أن يطعن
بالطعنات التسع اللاتي أجهزت عليه أولاهن أو ثانيتها ؟ أما واقعة عثمان فكانت الصحابة مجمعين عليها بين سبب ومباشر كما قدمناه لك في الجزء التاسع ص 69 - 169 فلم لم يؤاخذوا عليها واختصت المقاصة أناسا انقطعوا إلى ولاء مولانا أمير المؤمنين ولاء الله وولاء رسوله صلى الله عليه وآله ؟ ولم يجهز معاوية الجيوش ولا بعث البعوث على طلحة والزبير وهما أشد الناس في أمر عثمان وأوغلهم في دمه ؟ ! ومن ذا الذي أودي بعثمان غير معاوية نفسه في تثبطه عن نصره وتربصه به حتى بلغ السيف منه المحز (2) ؟ ولماذا كان يندد ويهدد ويؤاخذ أهل المدينة وغيرهم بأنهم تخاذلوا عن نصرته ولا يفعل شيئا عن ذلك بنفسه المتهاونة عن أمر الرجل ؟ نعم: كانت تلكم الأفاعيل على من يوالي عليا صلوات الله عليه، فهي منكمشة عمن يعاديه ويقدمهم ابن آكلة الأكباد. هل لمعاوية أن يثبت إن هلاك عثمان كان بطعنات عمرو ؟ وهؤلاء المؤرخون ينصون على أن المجهز عليه هو كنانة بن بشر التجيبي، وقد جاء في شعر الوليد بن عقبة: ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وقال هو أو غيره: علاه بالعمود أخو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا (3)
(1) كذا وصفه الإمام السبط الحسين عليه السلام فيما مر من كتاب له إلى معاوية. (2) راجع الجزء التاسع ص 150 - 153. (3) الأنساب للبلاذري 5: 98، تاريخ الطبري 5: 132.
[43]
وأخرج الحاكم في المستدرك 3: 106 بإسناده عن كنانة العدوي قال: كنت فيمن حاصر عثمان قال: قلت: محمد بن أبي بكر قتله ؟ قال: لا، قتله جبلة بن الايهم رجل من أهل مصر. قال: وقيل: قتله كبيرة السكوني فقتل في الوقت. وقيل: قتله كنانة بن بشر التجيبي، ولعلهم اشتركوا في قتله لعنهم الله، وقال الوليد بن عقبة:
ألا إن خير الناس بعد نبيهم * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وفي الاستيعاب 2: 477، 478: كان أول من دخل الدار عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال: دعها يا بن أخي والله لقد كان أبوك يكرمها. فاستحى وخرج، ثم دخل رومان به سرحان رجل أزرق قصير محدود عداده في مراد وهو من ذي أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال: على أي دين أنت يا نعثل ؟ ! فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان ابن عفان وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين قال: كذبت وضربه على صدغه الأيسر فقتله فخر. وقال: اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل: محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص. وقيل بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره، وكان الذي قتله سودان بن حمران وقيل: بل ولي قتله رومان اليمامي. وقيل: بل رومان رجل من بني أسد بن خزيمة. وقيل: بل إن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها وقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له: يا ابن أخي ! أرسل لحيتي فوالله إنك لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني. فيقال: إنه حينئذ تركه وخرج عنه. ويقال: إنه حينئذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه. والله أعلم. وأخرج أيضا ما رويناه عن المستدرك بلفظ: فقال محمد بن طلحة فقلت لكنانة: هل ندى محمد بن أبي بكر بشئ من دمه ؟ قال: معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشئ من دمه. قال: فقلت لكنانة: من قتله ؟ قال: قتله رجل من أهل مصر يقال له: جبلة بن الايهم ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول: أنا قاتل نعثل.
[44]
وذكر المحب الطبري في رياضه 2: 130 ما أخرجه أبو عمر في (الاستيعاب) من
استحياء محمد بن أبي بكر وخروجه من الدار ودخول رومان بن سرحان وقتله عثمان. فقال: وقيل: قتله جبلة بن الايهم. وقيل: الأسود التجيبي وقيل: يسار بن غلياض. وأخرج ابن عساكر في حديث ذكره ابن كثير في تاريخه 7: 175: وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان. وقال غيره: كان أزرق أشقر. وقيل: كان إسمه سودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال: كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا. إلخ. وقال ابن كثير في تاريخه 7: 198: أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصح (1) عن أحد من الصحابة إنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله لكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم. ثم أي مبرر لابن هند في أمره بإتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به ؟ وهل في الشريعة تعبد بأن يفعل بالمقتص منه مثل ما فعله بمن يقتص له ؟ أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل ؟ ولعل عند فقيه بني أمية مسوغا لا نعرفه أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد، وهو أول رأس مطاف به في الاسلام (2). قال النسابة أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب [المحبر] ص 490: ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيا ودير به في السوق. وكان عبد الرحمن بن أم الحكم أخذه بالجزيرة. وقال ابن كثير: فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقي في حجرها. فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيبتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلي قتيلا، فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية.
(1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع فتعرف الصحيح من السقيم وتقف على جلية الحال في القضية. (2) معارف ابن قتيبة 127، الاستيعاب 2: 404، الإصابة 2: 533 وقال: ذكره ابن
حبان بسند جيد، تاريخ ابن كثير 8: 48
[45]
نعم: هذه الأفاعيل إلى أمثالها من نماذج فقه أمه آكلة الأكباد الذي سوغ لها ما فعلت بعم النبي الأعظم سيد الشهداء حمزة سلام الله عليه، واقتص أثر أبيه يزيد بن معاوية فيما ارتكبه من سيد شباب أهل الجنة الحسين السبط صلوات الله عليه، فقتله و آله وصحبه الأكرمين أشنع قتلة وطيف برؤوسهم الكريمة في الأمصار على سمر القنا فأعقبهما خزاية لا يغسلها مر الدهور، وشية قورن ذكرها بالخلود. على إنه لو كان هناك قصاص فهو لأولياء الدم وهم ولد عثمان، وإن لم يكن هناك ولي أو إنه عجز عن تنفيذ الحكم فيقوم به خليفة الوقت فإنه ولي الدم وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو يومئذ وقبله مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام فهو موكول إليه، وكان عمرو ابن الحمق في كنفه يراه ويبصر موقفه وخضوعه له، فلو كان عليه قصاص أجراه عليه و هو الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، وساوى عدله القريب والبعيد، وكانت يده مبسوطة عند ذاك، وعمرو أخضع له من الظل لديه، ومعاوية عندئذ أحد أفراد الأمة - إن صدق إنه أحد أفرادها - لا يحويه عير ولا نفير، ولا يناط به حكم من أحكام الشريعة، غير أنه قحمه في الورطات حب الوقيعة في محبي علي أمير المؤمنين عليه السلام والله من ورائه حسيب. صيفي بن فسيل وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرءا منا يقال له: صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليه فبعث إليه فأتي به فقال له زياد: يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ فقال: ما أعرف أبا تراب. قال: ما أعرفك به ؟ أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال: بلى. قال: فذلك أبو تراب. قال: كلا ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: أيقول لك الامير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا ؟ قال: أفإن كذب الأمير
أردت أن أكذب، وأشهد له بالباطل كما شهد ؟ قال له زياد: وهذا أيضا مع ذنبك، علي بالعصا فأتي بها فقال: ما قولك في علي ؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد الله أقوله في أمير المؤمنين. قال: إضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض. فضرب حتى لصق بالأرض ثم قال: أقلعوا عنه، إيه ما قولك في علي ؟ ! قال: والله لو شرحتني
[46]
بالمواسي والمدي ما قلت إلا ما سمعت مني. قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك. قال: إذا والله تضربها قبل ذلك، فأسعد وتشقى. قال: ادفعوا في رقبته. ثم قال: أوقروه حديدا واطرحوه في السجن، ثم قتل مع من قتل من حجر وأصحابه. قال الأميني: ما أكبرها من جناية على رجل يقول: ربي الله ويدين بالرسالة ويوالي إمام الحق، وليس عليه ما يجلب التنكيل به كما فعله ابن سمية بإيعاز من ابن آكلة الأكباد إلا الخضوع لولاية أمر الكتاب بها والرضوخ لها، وقد أكدته السنة في نصوصها المتواترة. وهل الامتناع عن لعن من أمر الله باتباعه وطهره وقدسه يسوغ الضرب والحبس والقتل ؟ أنا لا أدري. وإن ابن الزانية ومن ركزه على ولاية الأمصار لعليمان بما ارتئاه، لكن احتدام بغضهما لصاحب الولاية الكبرى حداهما إلى أن يلغا دم من أسلم وجهه لله وهو محسن. وإلى الله المنتهى. قبيصة بن ضبيعة بعث زياد إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب شرطته شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة: أنت آمن على دمك و مالك، فلم تقتل نفسك ؟ فقال له أصحابه: قد أومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك ؟ قال: ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو
يقتلني. قالوا: كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد: وحي عسى تعزون على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الأمراء. قال: إني لم آتك إلا على الأمان. قال: فانطلقوا به إلى السجن وقتل مع من قتل من أصحاب حجر. عبد الله بن خليفة بعث زياد بكير بن حمران الأحمري إلى عبد الله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر فبعثه في أناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم
[47]
فأخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس إمتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء أخته: يا معشر طئ ! أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم ؟ فلما سمع الأحمري نداءها خشي أن تجتمع طئ فيهلك فهرب فخرج نسوة من طئ فأدخلنه دارا وانطلق الأحمري حتى أتى زيادا فقال: إن طيئا اجتمعت إلي فلم أطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه وقال: جئني به وقد أخبر عدي بخبر عبد الله، فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟ قال: جئني حتى أن قد قتلوه، فاعتل له وقال: لا أدري أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي فأتوا زيادا فكلموه فيه وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدي إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت، فبعث إليه عدي: والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك. فدعا زياد عديا فقال له: إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى جبلي طئ قال: نعم فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: أخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله. فخرج إلى الجبلين ومات بهما قبل موت زياد.
الشهادة المزورة على حجر جمع زياد من أصحاب حجر بن عدي أثنى عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع وهم: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة. وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان. وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة. وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء الذين معه هم رؤس أصحابه وعلى مثل رأيه. ونظر زياد في شهادة الشهود وقال: ما أظن هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة فدعا الناس ليشهدوا عليه وقال زياد:
[48]
على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس فقال: اكتبوا اسمي فقال زياد: ابدؤا بقريش ثم اكتبوا إسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالصحة والاستقامة (1) فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد: ألقوهم إلا من عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة [وهم أربع وأربعون فيهم: عمر بن سعد بن أبي وقاص. شمر بن ذي الجوشن شبث بن ربعي. زجر بن قيس]. وممن شهد شداد بن المنذر أخو الحضين وكان يدعى: ابن بزيعة. فكتب: شهادة ابن بزيعة. فقال زياد: أما لهذا أب ينسب إليه ؟ ألغوا من الشهود فقيل له: إنه أخو الحضين بن المنذر ؟ فقال: انسبوه إلى أبيه فنسب، فبلغ ذلك شدادا فقال: والهفاه على ابن الزانية أو ليست أمه أعرف من أبيه ؟ فوالله ما ينسب إلا إلى أمه سمية. وكتب في الشهود شريح بن الحرث، وشريح بن هانئ. فأما شريح بن الحرث فقال: سألني عنه فقلت: أما إنه كان صواما قواما. وأما شريح بن هانئ فقال:
بلغني إن شهادتي كتبت فأكذبته ولمته، وكتب كتابا إلى معاوية وبعثه إليه بيد وائل بن حجر وفي الكتاب: بلغني إن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر إنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم. وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله. قال الأميني: هذه شهادة زور لفقها ابن أبيه أو ابن أمه على أصناف من الناس منهم الصلحاء والأخيار الذين أكذبوا ذلك العز والمختلق كشريح بن الحرث وشريح بن هانئ ومن حذا حذوهما، وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة وساحتها، لكن يد الإفك أثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله. ومنهم رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور ويستسوغون من جرائها إراقة
(1) يعني المعروفين بالاستقامة في عداء أمير المؤمنين علي عليه السلام وأهل بيته.
[49]
الدماء ليس لهم من الدين موضع قدم ولا قدم كعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس، فتناعقوا بشهادة باطلة لأجلها وصفهم الدعي بأنهم خيار أهل المصر وأشرافهم، وذوو النهى والدين. وإن معاوية جد عليم بحقيقة الحال لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي حبذت له قبول الشهادة المزورة والتنكيل بحجر وأصحابه الصلحاء الأخيار، فصرم بهم أصول الصلاح وقطع أواصرهم يوم أودى بهم، ولم يكترث لمغبة ما ناء به من عمل غير مبرور فإلى الله المشتكى. تسيير حجر وأصحابه إلى معاوية ومقتلهم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب
وأمرهما أي يسيرا بهم إلى الشام فخرجوا عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير: إئذنا لي فأوصي أهلي. فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال: أسكن فسكتن. فقال: اتقين الله عز وجل واصبرن فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين: إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن. ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية. فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنى عشر رجلا: حجر بن عدي، الأرقم بن عبد الله، شريك بن شداد، صيفي بن فسيل، قبيصة بن ضبيعة، كريم بن عفيف، عاصم بن عوف، ورقاء بن سمي، كدام بن حيان، عبد الرحمن بن حسان، محرز بن شهاب، عبد الله بن حوية. وأتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الأسود فتموا أربعة عشر رجلا فحبسوا بمرج عذراء فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان أما بعد: فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فأدا له من عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه
[50]
، إن طواغيت الترابية الصبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا. فلما قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر
الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون ؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد: فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم، والسلام. فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية التميمي: أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلي. فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء، فقال: يا هؤلاء ! أما والله ما أرى برأتكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما أحببتم مما ترون إنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به. فقال حجر أبلغ معاوية: أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وإنما شهد علينا الأعداء والأظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية وأخبره بقول حجر فقال معاوية. زياد أصدق عندنا من حجر. فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي. ويقال: عثمان بن عمير الثقفي: جذاذها جذاذها. فقال له معاوية: لا تعن أبرا. فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم فقال النعمان: قتل القوم. أقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين بعث بهما زياد ولحقا بحجر وأصحابه فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود فقال: يا عامر ! اسمع مني أبلغ معاوية: إن دماءنا عليه حرام. وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا. فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا. فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهب
[51]
الرجلين وكان جرير بن عبد الله كتب في أمر الرجلين إنهما من قومي من أهل الجماعة و
الرأي الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد وهما ممن لا يحدث حدثا في الاسلام ولا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين. فوهبهما له وليزيد بن أسد. وطلب وائل بن حجر في الأرقم الكندي فتركه. وطلب أبو الأعور في عتبة بن الأخنس فوهبه له. وطلب حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له. وطلب حبيب بن مسلمة في عبد الله بن حوية التميمي فخلى سبيله. فقام مالك بن هبيرة فسأله في حجر فلم يشفعه فغضب وجلس في بيته، فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي من بني سلامان بن سعد والتحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي - في الأغاني: أبا حريف البدري - فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الأعور مقبلا: يقتل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعيد بن نمران: أللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي: أللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد. فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسل معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم هذا تركناكم وإن أبيتم قتلناكم، وإن أمير المؤمنين يزعم إن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير إنه قد عفا عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا: لسنا فاعلين فأمروا بقيودهم فحلت، وبقبورهم فحفرت، وأدنيت أكفانهم، فقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء ! قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق. فقال: أصحاب معاوية أمير المؤمنين كان أعلم بكم، ثم قاموا إليهم وقالوا: تبرؤن من هذا الرجل ؟ قالوا: بل نتولاه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله فوقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك أمن - أي: آمن - فليقتلني غيرك فقال له: برتك رحم
فأخذ الحضرمي فقتله. وقتل القضاعي صاحبه. قال لهم حجر: دعوني أصلي ركعتين، فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين.
[52]
فقالوا له: صل. فصلى ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولولا أن تروا إن ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال: أللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها. فمشى إليه هدبة الأعور بالسيف فأرعدت فصائله فقال: كلا زعمت إنك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فابرأ من صاحبك. فقال: مالي لا أجزع ؟ وأنا أرى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا، وإني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب فقيل له: مد عنقك. فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه، فقدم فضربت عنقه وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة. الخثعمي والعنزي من أصحاب حجر قال عبد الرحمن بن حسان العنزي، وكريم بن عفيف الخثعمي: إبعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فأخبروه فبعث ائتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي: لا تبعد يا حجر ! ولا يبعد مثواك، فنعم أخو الاسلام كنت. وقال الخثعمي نحو ذلك ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا. كفى بشفاة القبر بعدا لهالك * وبالموت قطاعا لحبل القرائن فلما دخل عليه الخثعمي قال له: الله الله يا معاوية ! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ومسئول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا ؟ فقال معاوية: ما تقول في علي ؟ قال أقول فيه قولك، أتتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله
به ؟ فسكت وكره معاوية أن يجيبه فقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه. فقال: هو لك غير إني جالسه شهرا فحبسه فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه، ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة ما دام له سلطان فنزل الموصل فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر فمات قبل معاوية بشهر. ثم أقبل على عبد الرحمن بن حسان فقال له: إيه يا أخا ربيعة ! ما قولك في علي ؟
[53]
قال: دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه. قال: أشهد إنه كان من الذاكرين الله كثيرا، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر (1) والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان ؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم وارتج أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال بل إياك قتلت لا ربيعة بالوادي - يعني إنه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه - فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه: أما بعد: فإن هذا العنزي شر من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شر قتلة. فلما قدم به على زياد بعث به إلي قس الناطف (2) فدفن به حيا. فقتل من أصحاب حجر معه. شريك بن شداد الحضرمي * صيفي بن فسيل الشيباني * قبيصة بن ضبيعة العبسي محرز بن شهاب المنقري * كدام بن حيان العنزي * عبد الرحمن بن حسان العنزي ونجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي * عبد الله بن حوية التميمي * عاصم بن عوف البجلي ورقاء بن سمي البجلي * أرقم بن عبد الله الكندي * عتبة بن الأخنس السعدي سعد بن نمران الهمداني. أخذنا ما في هذا الفصل (3) من الأغاني 16: 2 - 11، عيون الأخبار لابن قتيبة 1: 147 تاريخ الطبري 6: 141 - 156، مستدرك الحاكم 3: 468، تأريخ ابن عساكر 4: 84، ج
6: 459، الكامل لابن الأثير 3: 202 - 208، تاريخ ابن كثير 8: 49 - 55. قال الأميني: من حجر بن عدي ؟ ومن الذين كانوا معه ؟ وما الذي كانت غايتهم في تلكم المواقف الهائلة ؟ وماذا اقترفوه من ذنب حتى قتلوا تقتيلا ؟ ولماذا هتكت حرمانهم، وقطعت أوصال حياتهم وهم فئة مسلمة ! ؟ حجر بن عدي من عدول الصحابة، أو أحد الصحابة العدول، راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله كما قاله الحاكم (4) من أفاضل الصحابة وكبارهم مع صغر سنه مستجاب
(1) في الأغاني: من الأمرين بالحق والقائمين بالقسط. (2) موضع قرب الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي. (3) المذكور تحت عنوان [معاوية وحجر بن عدي وأصحابه] ص 37. (4) مستدرك الحاكم 3: 468.
[54]
الدعوة كما في الاستيعاب (1) وكان ثقة معروفا كما قاله ابن سعد (2) وقال المرزباني: إنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من عباد الله وزهادهم وكان بارا بأمه، وكان كثير الصلاة والصيام (3) وقال أبو معشر: كان عابدا وما أحدث إلا توضأ وما توضأ إلا صلى (4) وكان له صحبة ووفادة وجهاد وعبادة كما في الشذرات (5) وكان صاحب كرامة واستجابة دعاء مع التسليم إلى الله، روى ابن الجنيد في كتاب الأولياء: إن حجر بن عدي أصابته جنابة فقال للموكل به: اعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدا شيئا. فقال: أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية قال: فدعا الله فانسكبت له صحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه، فقال له أصحابه: أدع الله أن يخلصنا. فقال: أللهم خر لنا (6). وقالت عائشة: أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا (7) وقالت لمعاوية: قتلت حجرا وأصحابه، أما والله لقد بلغني أنه سيقتل بعذراء سبعة رجال - وفي لفظ: أناس - يغضب الله وأهل السماء لهم (8).
وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: يا أهل الكوفة ! سيقتل فيكم سبعة نفر هم من خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود. وفي لفظ: حجر بن عدي وأصحابه كأصحاب الأخدود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (9). وفيما كتب (10) الإمام السبط الحسين عليه السلام إلى معاوية: ألست قاتل حجر وأصحابه
(1) ج 1: 135. (2) طبقات ابن سعد، تاريخ ابن عساكر 4: 85، تاريخ ابن كثير 8: 50. (3) تاريخ ابن كثير: 8: 50. (4) تاريخ ابن عساكر 4: 85، 420، ج 5، تاريخ ابن كثير 8: 50. (5) 1: 57. (6) الإصابة 1: 315. (7) الأغاني 16: 11، تاريخ الطبري 6: 156، الكامل 4: 209. (8) تاريخ ابن عساكر 4: 86، تاريخ ابن كثير 8: 55، الإصابة 1: 315. (9) تاريخ ابن عساكر 4: 66، تاريخ ابن كثير 8: 55، شذرات الذهب 1: 57. (10) مر تمام الكتاب في الجزء العاشر ص 160، 161.
[55]
العابدين المخبتين ؟ الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جرأة على الله واستخفافا بعهده ؟ أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من سقف الجبال ؟ أو لست قاتل الحضرمي (1) الذي كتب إليك فيه زياد: إنه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا
ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا، منة عليكم. هذا حجر وأصحابه، وأما غاية ذلك العبد الصالح والتابعين له بإحسان في مواقفهم كلها فهي النهي عن المنكر الموبق من لعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على صهوات المنابر فكانوا يغبرون في وجه من يرتكب تلكم الجريمة من عمال معاوية وزبانيته الأشداء على إمام الحق وأوليائه، ولم ينقم القوم منهم غير ذلك من عيث في المجتمع، أو إفساد على السلطان، أو شق لعصا المسلمين وكان حجر وهو سيد قومه يقول: ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس. ويقول ليزيد بن حجية: أبلغ معاوية إنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وإنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء. ويقول: ما خلعت يدا عن طاعة ولا فارقت جماعة وإني على بيعتي. ولما أدخل على معاوية سلم عليه بإمرة المؤمنين (2). لم يكن صلاح الرجل وأصحابه يخفى على أي أحد حتى على مثل المغيرة الذي كان من زعانف معاوية الخصماء الألداء على شيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام فإنه لما أشير إليه بالتنكيل بحجر وأصحابه قال: لا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل
(1) يعني شريك بن شداد الحضرمي، كان من أصحاب حجر الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حجر. (2) الأغاني 16: 6، تاريخ الطبري 6: 153، الكامل لابن الأثير: 4: 210، مستدرك الحاكم 3: 469، 470، الاستيعاب 1: 357، الإصابة: 1: 315.
[56]
خيارهم وسفك دماءهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة، ورأى أصحاب معاوية منهم آخر ليلة حياتهم بعذراء حسن صلاة ودعاء فأعجبهم نسكهم وأكبروا موقفهم من طاعة الله غير أنهم ألقوا عليهم البراءة من علي
أمير المؤمنين عليه السلام بأمر من معاوية برائة يتبعها الأمان والسلام فلم يفعلوا، فقتلوا في موالاة علي عليه السلام كما قاله الحاكم في المستدرك 3: 470، وسمعت في كلمة الإمام السبط عليه السلام قوله: أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنه على دين علي كرم الله وجهه. فلم يك ذنبهم إلا موالاة من قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله. ونحن لا ندري هل ثبت في الشريعة أن البراءة من إمام الهدى ولعنه مجلبة للأمان على حين أن الرجل مستحق للإعدام ؟ أو أن ذلك نفسه فريضة ثابتة قامت بها الضرورة من الدين فيهدر به دم تاركها، ويكون قتله من أحب ما يكون إلى معاوية كما جاء فيما رواه ابن كثير في تاريخه 8: 54 من أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أقتلت حجر بن الأدبر ؟ فقال معاوية: قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف. نعم: نحن لا ندري، لكن فقه معاوية وشهواته يستسيغان ذلك، فلا يصيخ إلى نصح أي ناصح، فإنه لما استشار أصحابه في أمر حجر وهو في سجن عذراء قال له عبد الله بن زيد بن أسد البجلي: يا أمير المؤمنين ! أنت راعينا ونحن رعيتك، وأنت ركننا ونحن عمادك، إن عاقبت قلنا: أصبت. وإن عفوت قلنا: أحسنت. والعفو أقرب للتقوى، وكل راع مسؤول عن رعيته (1) وما ذنب حجر وأصحابه الصلحاء ومن شاكلهم من أهل الصلاح وحملة الاسلام الصحيح إذ عبسوا على إمارة السفهاء ؟ إمارة الوزع ابن الوزغ، إلى أزنى ثقيف مغيرة، إلى طليق إسته بسر بن أرطاة، إلى ابن أبيه زياد، إلى خليفتهم الغاشم ابن هند. و حجر وأصحابه هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخبتوا إلى ما جاء به نبي الاسلام، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لجابر بن عبد الله: أعاذك الله من إمارة السفهاء. قال: وما إمارة السفهاء ؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا علي
(1) مستدرك الحاكم 3: 469. (*)
[57]
حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، و سيردوا علي حوضي (1) وقال صلى الله عليه وآله: إن هلاك أمتي أو فسادا أمتي رؤس أمراء أغيلمة سفهاء من قريش (2) وعن كعب بن عجرة مرفوعا: سيكون أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة (3) وقال صلى الله عليه وآله: ستكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخروها عن وقتها، فصلوها لوقتها (4) وابن سمية من أولئك الأمراء الذين أخروا الصلاة وأنكره عليه ذلك حجر بن عدي كما مر حديثه في الجزء العاشر ص 120. ولم يكن لمعاوية عذر في قتل أولئك الصفوة إلا التشبث بالتافهات فكان يتلون في الجواب بمثل قوله: إني رأيت في قتلهم صلاحا للأمة، وفي مقامهم فسادا للأمة. وقوله: إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرا من استحيائه في فسادهم (5) وهل صلاح الناس في الالتزام بلعن علي أمير المؤمنين عليه السلام والبرائة منه والتحامل على شيعته، وفسادهم في تركها أو النهي عنها ؟ انظر لعلك تجد له وجها في غير شريعة الاسلام. وبمثل قوله: لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم (6) ولقد عرفت حال تلك الشهادة المزورة، أو إنها من قوم لا خلاق لهم، وكان معاوية أعرف بها وبهم، ومع ذلك استباح دماء القوم، وتترس بقيله عن مراشق العتاب، والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
(1) مسند أحمد 3: 321. (2) مسند أحمد 2: 299، 304، 328، 520.
(3) مسند أحمد 4: 243، تاريخ الخطيب 5: 362. (4) مسند أحمد 5: 315، تاريخ الخطيب 13: 185. (5) تاريخ ابن كثير 8: 55. (6) تاريخ الطبري 6: 156، الاستيعاب 1: 135.
[58]
وبمثل قوله: فما أصنع كتب إلي فيهم زياد يشدد أمرهم ويذكر إنهم سيفتقون علي فتقا لا يرقع (1) وقوله: حملني ابن سمية فاحتملت (2) قبح الله الصلف والوقاحة أكان زياد عاملا له أو هو عامل لزياد ؟ ! حتى يحتمل الموبقات بإشارته. وهل يهدر دماء الصالحين - وبذلك عرفهم المجتمع الديني - بقول فاسق مستهتر ؟ ! والله يقول: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (3) لكن معاوية بعد أن استلحق زيادا بأبي سفيان راقه أن لا ينحرف عن مرضاته وفيها شفاء غلته وإن زحزحته عن زمرة أناس خوطبوا بالآية الشريفة. وبمثل قوله لعائشة لما عاتبته على قتله حجرا وأصحابه: فدعيني وحجرا نلتقي عند ربنا عز وجل. وقوله لها حين قالت له: أين عزب عنه حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه ؟: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي (4) إن هو إلا الهزء بالله و بلقاءه، أو لم يكف من آمن بالله واليوم الآخر نصح القرآن وحده وشرعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه في حرمة دماء المؤمنين الأبرياء ؟ هل يسع معاوية أو يغنيه يوم لقاء الله التمسك بالترهات تجاه قوله تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (5) وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (6) وقوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (7) وقوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هونا
- إلى قوله - ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك
(1) الاستيعاب 1: 134، أسد الغابة 1: 386. (2) الأغاني 16: 11، تاريخ الطبري 6: 156، كامل ابن الأثير 4: 209. (3) سورة الحجرات: 6. (4) الأغاني 16: 11، الاستيعاب 1: 134، أسد الغابة 1: 386، تاريخ ابن كثير 8: 55. (5) سورة الاسراء: 33. (6) سورة النساء: 92، 93. (7) سورة آل عمران: 21.
[59]
يلق أثاما ؟ ! (1). أو لم يكف معاوية ما رواه هو نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ؟ مسند أحمد 4: 96. أو ما كتبه بيده الأثيمة إلى مولانا أمير المؤمنين من كتاب: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبهم الله على مناخرهم في النار ؟. أو ما رواه ابن عمر مرفوعا: لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ؟. أوما جاء به البراء بن عازب مرفوعا: زوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق. رواه ابن ماجة والبيهقي، وزاد فيه الاصبهاني: ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم النار. وفي رواية لبريدة مرفوعا: قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا.
وفي حديث لأبي هريرة مرفوعا: لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار. ومن حديث لابن عباس مرفوعا: لو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء. ومن حديث لأبي بكرة مرفوعا: لو إن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لكبهم الله جميعا على وجوههم في النار. ومن طريق ابن عباس مرفوعا: أبغض الناس إلى الله ملحد في الحرم. ومبتغ في الاسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه، صحيح البخاري، سنن البيهقي 8: 27. ومن طريق أبي هريرة مرفوعا: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله.
(1) سورة الفرقان: 68.
[60]
ومن حديث أبي موسى مرفوعا: أصبح إبليس بث جنوده فيقول: من أخذل اليوم مسلما ألبسه التاج. فيجئ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته. فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجئ هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه. فيقول: يوشك أن يبرهما ويجئ هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك. فيقول: أنت أنت ويجئ هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل فيقول: أنت أنت ويلبسه التاج. ومن حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما. وفي لفظ أحمد: من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله تبارك وتعالى عليه الجنة لم يشم ريحها. إلى أحاديث جمة أخرى أخرجها الحفاظ وأئمة الحديث في الصحاح والمسانيد
وجمع شطرا منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3: 120 - 123. ما أحوج معاوية مع هذه كلها إلى نصح ضرائب عائشة في هذه الموبقة الكبيرة و هي نفسها لم تكترث لسفك دماء آلاف مؤلفة ممن حسبتهم أبنائها على حد قول الشاعر: جاءت مع الأشقين في هودج * تزجي إلى البصرة أجنادها كأنها في فعلها هرة * تريد أن تأكل أولادها نعم: مضى حجر سلام الله عليه إلى ربه سجيح الوجه، وضئ الجبين، حميدا سعيدا مظلوما مهتضما، مضرجا بدمه، مصفدا بقيود الظلم والجور، خاتما حياته الحميدة بالصلاة، قائلا: لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، وادفنوني في ثيابي فإني مخاصم. وفي لفظ: فإنا نلتقي معاوية على الجادة. (1) وأبقت تلك الموبقة على معاوية خزي الأبد، وعد الحسن من أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: قلته حجرا، وقال: ويلا له من حجر و أصحاب حجر (2). ونحن على يقين من أن الله تعالى سيأخذ ابن آكلة الأكباد بما خطته يده
(1) مستدرك الحاكم 3: 469، 470، الاستيعاب 1: 135، كامل ابن الأثير 4: 210، أسد الغابة 1: 386، الإصابة 1: 315. (2) مرح تمام حديث الحسن في ص 225 من الجزء العاشر.
[61]
الأثيمة إلى أهل البصرة من قوله: إن سفك الدماء بغير حلها، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها، هلاك موبق، وخسران مبين، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا (1) الحضرميان وقتلهما على التشيع قال النسابة أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفى 245 في كتابه [المحبر] ص 479: صلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر و عبد الله بن نجي الحضرميين، على أبوابهما
أياما بالكوفة وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية. وقد عدهما الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية في كتابه إليه: (ألست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية أنهما على دين علي ورأيه، فكتبت إليه من كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل به، فقتلهما ومثل بأمرك بهما ؟ ودين علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه أباك - يضربه عليه أبوك - أجلسك مجلسك الذي أنت فيه. ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين (2) اللتين بنا من الله عليك بوضعها عنكم. قال الأميني: هلموا معي يا أهل دين الله ! هل اعتناق دين علي عليه السلام مما يستباح به دم مسلم، وتستحل المثلة والتنكيل المحظورة في الشريعة المطهرة، الممنوع عنها ولو بالكلب العقور ؟ أليس دين علي هو دين محمد صلى الله عليه وآله الذي صدع به عن الله تعالى ؟ نعم هو كذلك لكن معاوية حايد عن الدين القويم ولا يقيم له وزنا ما، ولا يكترث لمغبة هتكه، ولا يتريث عن الوقيعة فيه. مالك الأشتر ومن الصلحاء الذين قتلهم معاوية بغير ذنب أتاه مالك بن الحارث الأشتر النخعي لله در مالك وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا، ولو كان من حجر لكان صلدا، على مثل مالك فليبك البواكي، وهل موجود كمالك ؟ أشد عباد الله بأسا، وأكرمهم حسبا، كان أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، حسام صارم، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، حكيم في السلم، رزين في الحرب ذو رأي أصيل، وصبر جميل.
(1) شرح ابن أبي الحديد 1: 350. (2) كان للقريش في الجاهلية رحلتان كل عام: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام. وكان أبو سفيان يرءس العير التى تردد بين مكة والشام.
[62]
كان ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه
إلى ما البطء عنه أمثل، كان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق، كان فارسا شديد البأس شجاعا رئيسا حليما جوادا فصيحا شاعرا (1). كتب علي عليه السلام إلى مالك وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد: فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد الثغر المخوف، وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للأشياء، فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام. فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله، فإني لم أوصك، اكتفيت برأيك، واستعن بالله على ما أهمك، فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فاحتل له بما قدرت عليه. فخرج الرجل حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فقال: هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج. فتزل عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياها، فلما شربها مات، وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليا وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه. فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنه كانت لعلي يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر، وقطعت
(1) راجع في بيان هذه الجمل كلها إلى ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 ط 1.
[63]
الأخرى اليوم يعني الأشتر (1). وفي لفظ ابن قتيبة في العيون 1: 201: فقال معاوية لما بلغه الخبر: يا بردها على الكبد ! إن لله جنودا منها العسل. وقال علي: لليدين وللفم. وفي لفظ المسعودي في المروج 2: 39: ولى علي الأشتر مصر وأنفذه إليها في جيش فلما بلغ ذلك معاوية دس إلى دهقان وكان بالعريش (2) فأرغبه وقال: أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للأشتر بالسم في طعامه. فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقان: أي الطعام والشراب أحب إليه ؟ قيل: العسل. فأهدى له عسلا وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر وكان الأشتر صائما فتناول منه شربة فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه. وقيل: كان ذلك بالقلزم والأول أثبت. فبلغ ذلك عليا فقال: لليدين وللفم. وبلغ ذلك معاوية فقال: إن لله جندا من العسل. قال الأميني: هاهنا تجد معاوية كيف لا يتحوب من ذلك الحوب الكبير قتل العبد الصالح الممدوح بلسان رسول الله وخليفته مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (3). وإنه وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا، بموت ذلك البطل المجاهد (4) لمحض أنه كان يناصر إمام وقته المنصوص عليه والمجمع على خلافته، ولا غرو فإنه كان يسر ابن هند كل ما ساء ملة الحق وأئمة الهدى وأولياء الصلاح، وما كان يسعه أن يأتي بطامة أكبر من هذه لو لم يكن في الاسلام للنفوس القادسة أي حرمة، وللأئمة عليهم السلام ومناصريهم أي مكانة، حتى لو كان معاوية مستمرا على ما دؤب عليه إلى أخريات عهد النبوة من الكفر المخزي فلم يحده الفرق من بارقة الاسلام إلى الاستسلام، فما جاء زبانيته الكفرة يومئذ بأفظع من هذه وأمثالها يوم قتلوا خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لمناصرتهم
إياه، وحبهم ذوي قرباه، ودفاعهم عن ناموس أهل بيته الأكرمين.
(1) تاريخ الطبري 6: 54، كامل ابن الأثير: 3: 152. (2) هي مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم. (3) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41. (4) تاريخ ابن كثير: 7: 312.
[64]
محمد بن أبي بكر ومن صخايا ملك معاوية العضوض، وذبايح حكومته الغاشمة، وليد حرم أمن الله، وربيب بيت العصمة والقداسة: محمد بن أبي بكر. بعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في ستة آلاف رجل، ومحمد بن أبي بكر عامل أمير المؤمنين عليها، فخرج عمرو وسار حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد: فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فإني لك من الناصحين، والسلام. وبعث إليه عمرو بكتاب كتبه معاوية إليه أيضا وفيه: أما بعد: فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا، ولا أسوأ له عيبا، ولا أشد عليه خلافا منك، سعيت عليه في الساعين، وسفكت دمه في السافكين، ثم أنت تظن أني عنك نائم أو ناس لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري، وجل أهلها أنصاري، يرون رأيي، ويرقبون قولي، ويستصرخوني عليك، وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك تستسقون دمك، ويتقربون
إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبدا أينما كنت والسلام. فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى علي، وكتب إلى معاوية جواب كتابه: أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا اعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقيعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في
[65]
الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، ومن مؤمن قد قتلتم ومثلتم به ؟ وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون، والسلام. وكتب إلى عمرو بن العاص: أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص ! زعمت أنك تكره أن يصيبني منك طفر وأشهد أنك من المبطلين، وتزعم أنك لي نصيح وأقسم أنك عندي ظنين، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري وندموا على اتباعي فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبنا الله رب العالمين، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام. فأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد: معاشر المسلمين والمؤمنين ! فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلالة، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود، عباد الله ! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم
فليجاهدهم في الله، انتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله مع كنانة بن بشر. فانتدب مع كنانة نحو من ألفي رجل وخرج محمد في ألفي رجل، واستقبل عمرو ابن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة شرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقر بها بعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني فأتاه في مثل الدهم (1) فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين، فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله. وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل
(1) الدهم: العدد الكثير. وجيش دهم. أي: كثير.
[66]
كنانة حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهي إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه ؟ فقال أحدهم: لا والله إلا أني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس. فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة. فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه. فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن
أبي بكر ؟ هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ؟ فقال لهم محمد: أسقوني من الماء ؟ قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق. قال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله علي بردا وسلاما كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعني معاوية وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا. قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان. قال له محمد: وما أنت وعثمان ؟ إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله. قال: فغضب
[67]
معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو (1). وفي النجوم الزاهرة 1: 110: وقيل: إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به وهو أول رأس طيف به في الاسلام. صورة أخرى
وجه معاوية عمرو بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن حديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمرا عليها حياته فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر وكان عامل علي عليها بالموضع المعروف بالمسناة فاقتتلوا حتى قتل كنانة بن بشر، وهرب عند ذلك محمد لإسلام أصحابه إياه وتركهم له، فاختبأ عند رجل يقال له: جبلة بن مسروق، فدل عليه، فجاء معاوية بن حديج وأصحابه فأحاطوا به، فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل، فأخذه معاوية بن حديج وعمرو بن العاص فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر يقال له: كوم شريك. وقيل: إنه فعل به ذلك وبه شيئ من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليا قتل محمد وسرور معاوية فقال: جزعنا عليه على قدر سرورهم، فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه، كان لي ربيبا وكنت أعده ولدا، كان بي برا، وكان ابن أخي (2) فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه (3). قدم عبد الرحمن الفزاري على علي عليه السلام من الشام وكان عينه بها وحدثه: إنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد وحتى أذن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين ! قلما رأيت
(1) تاريخ الطبري 6: 58 - 61، الكامل لابن الأثير 3: 154، تاريخ ابن كثير 7: 313، 314، النجوم الزاهرة 1: 110. (2) كان محمد بن أبي بكر أخا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأمه. (3) مروج الذهب 2: 39، تاريخ ابن كثير 7: 314.
[68]
قوما قط أسر، ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر فقال علي: أما إن حزننا عليه قدر سرورهم به بل يزيد أضعافا، وحزن علي على
محمد بن أبي بكر حتى رؤي ذلك في وجهه وتبين فيه، وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن. الخطبة (1) وقال أبو عمر: يقال: إن محمد بن أبي بكر أتي به عمرو بن العاص فقتله صبرا. وروى شعبة وابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال: هل معك عهد ؟ ! هل معك عقد من أحد ؟ ! قال: لا فأمر به فقتل، وكان علي بن أبي طالب يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله لأنه كانت له عبادة واجتهاد (2). وقال ابن حجر: قيل: إنه اختفى في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها، وكان الذي يطلبه معاوية بن حديج، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان آواه وكانت ناقصة العقل فظنت إنهم يطلبون أخاها فقالت: أدلكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي ؟ قالوا: نعم. فدلتهم عليه، فقال: احفظوني لأبي بكر. فقال معاوية: قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك وأنت صاحبه ؟ ! تهذيب التهذيب 9: 80. قال الأميني: إن أمثال هذه الفظايع والفجايع لبمقربة من مغازي ابن العاصي وأذنابه، ومن مرضات ابن آكلة الأكباد الذين لم يبالوا بإراقة الدماء الزاكية منذ بلغوا أشدهم، ولا سيما من لدن مباشرتهم الحرب في صفين إلى أن اصطلوا نار الحطمة فلم يفتأوا والغين في دماء الأخيار الأبرار دون شهواتهم المخزية. وهب أن محمدا نال من عثمان ما حسبوه، فعجيب أن ينهض بثاره مثل معاوية
(1) تاريخ الطبري 6: 62، كامل ابن الأثير 3: 155. (2) الاستيعاب 2: 235، تهذيب التهذيب 9: 81. (*)
[69]
المتثبط عنه يوم استنهضه عثمان حتى قتل، وعمرو بن العاصي القائل المبتهج بقتله بقوله: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع. وقوله: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها. وقوله: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار. وكان يألب عليه حتى الراعي في غنمه في رأس الجبل (1) وهلا ساق معاوية ذلك الحشد اللهام إلى عائشة الرافعة عقيرتها بين جماهير الصحابة: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر. وأمثالها من الكلم القارصة (2) وإلى طلحة والزبير وكانا أشد الناس عليه، وطلحة هو الذي منع عنه الماء في حصاره، ومنع الناس عن تجهيزه، ومنعه أن يدفن إلا في حش كوكب جبانة اليهود. إلى فظايع مر تفصيلها في الجزء التاسع 92 - 111، وقال الشهرستاني في الملل والنحل ص 25: كان أمراء جنوده: معاوية عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن أبي سرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه. نعم: هؤلاء قتلوه لكن معاوية لا يريد المقاصة إلا من أولياء علي عليه السلام فيستأصل شأفتهم تحت كل حجر ومدر، ويستسهل فيهم كل شقوة وقسوة، وليس له مع أضداد علي عليه السلام أي مقصد صحيح، وإلا فأي حرمة لدم أجمعت الصحابة على سفكه ؟ واحتجت عليه بآي الذكر الحكيم كما مر تفصيله في الجزء التاسع ص 164 - 168، 205 لو لم يكن اتباع القوم بالصحابة والاحتجاج بما قالوا وعملوا واعتبارهم فيهم العدالة جميعا تسري مع الميول والشهوات، فيحتجون بدعوى إجماعهم على خلافة أبي بكر (ولم يكن هنالك إجماع) ولا يحتجون به في قتل عثمان (وقد ثبت فيه الإجماع). وهب أن محمد بن أبي بكر هو قاتل عثمان الوحيد من دون أي حجة ولا مبرر
له وهو المحكوم عليه بالقصاص، وفي القصاص حياة، فهل جاء في شريعة الاسلام قصاص
(1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 136 - 140. (2) راجع ما مر في الجزء التاسع ص 78 - 86.
[70]
كهذا بأن يلقى المقتص به في جيفة حمار ثم يحرق بالنار، ويطاف برأسه في البلاد ؟ هل هذا دين الله الذي كان يدين به محمد بن أبي بكر ؟ أو دين هبل إله معاوية وإله آباءه الشجرة المنعوتة في القرآن ؟ نحن نقص عليك نبأهم بالحق، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين.
[71]
نظرة في مناقب ابن هند لعلك إلى هاهنا عرفت معاوية، وأنه أي رجل هو، وأنه كيف كانت نفسياته وملكاته، وأن رجلا كمثله لا يتبوأ مقعده إلا حيث تنيخ شية العار، وفي مستوى السوءة والبوائق، وأن أي فضيلة تلصقه به رواة السوء وتخط عنه الأقلام المستأجرة فهو حديث إفك نمقته الأهواء والشهوات، ولا يقام له في سوق الاعتبار وزن، ولا في مبوأ الحق مقيل، فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر. أليس معاوية هو صاحب تلكم الموبقات والجرءة على الله وعلى الاسلام ونبيه و كتابه وسنته. سنة الله التي لا تبديل لها ؟ ! أليس هو الهاتك حرمات الله والمصغر قدر أوليائه، والمريق دمائهم الزكية، و الدؤوب على الظلم والجور بإزهاق النفوس البريئة من غير جرم ؟ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (1). أليس هو من آذى الله ورسوله في الصالحين من رجالات الأمة وعدول الصحابة
الأولين والتابعين لهم بإحسان، المحرمة دماؤهم وأقدارهم وحرماتهم بزجهم إلى أعماق السجون، وإبعادهم عن عقر دورهم وإخافتهم ؟ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (2). أليس هو من آذى رسول الله في أهل بيته بإثارة الحرب على صنوه ونفسه وخليفته حقا ؟ وكان من واجبه أن يخضع له ويتحرى مرضاته، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (3).
(1) سورة النساء: 96. (2) سورة الأحزاب: 58، 59. (3) سورة التوبة: 63.
[72]
أليس هو الذي لم يراقب حرمة الرسول الأعظم في ذوي قرباه وصغرها بسب أبي ولده، وأمر الملأ الديني بتلك الجريمة الموبقة، واتخذها سنة متبعة، وقذف من طهره الجليل بالأفائك والمفتريات ؟ أليس هو السباق الأول في المآثم الجمة المخزية ؟ أول من باع الخمر وشربها من الخلفاء ؟ والخمر وشاربها وبايعها ومشتريها ملعون ملعون. أول من أشاع الفاحشة في الملأ الاسلامي ؟ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. (سور النور: 20) أول من أحل الربا وأكله ؟ وأحل الله البيع وحرم الربا، والذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وآكل الربا وموكله ملعون بلسان النبي صلى الله عليه وآله
أول من أتم الصلاة في السفر تقديسا لأحدوثة ابن عمه ؟ !. أول من أحدث الأذان في صلاة العيدين ؟ !. أول من رأى الجمع بين الأختين إحياء لما ذهب إليه عثمان ؟ ! أول من غير السنة في الديات وأدخل فيها ما ليس منها ؟ !. أول من ترك التكبير في الصلوات عند كل هوي وانتصاب وهي سنة ثابتة ؟ ! أول من ترك التلبية وأمر به خلافا لعلي أمير المؤمنين عليه السلام العامل بسنة الله و رسوله ؟ ! أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيد لإسماع الناس سب علي عليه السلام ؟ وقد صح عن نبي الاسلام: من سب عليا فقد سبه، ومن سبه فقد سب الله. أول من عصى ربه بترك حدوده وإقامة سنته ؟ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (سورة النساء: 19). أول من نقض حكم العاهر، وأحيى طقوس الجاهلية، وخالف دين محمد صلى الله عليه وآله والولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ !. أول من تختم باليسار ؟ فأخذ المراونة بذلك إلى أن نقله السفاح إلى اليمين
[73]
فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار (1)). أول من سن سب علي عليه السلام وقنت به وجعله سنة جارية في خلفه الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وشوه خطب المنابر بذلك الحادث المخزي ؟ !. أول من بغى على إمام وقته وحاربه وقاتله وقتل أمة كبيرة من صلحاء الصحابة البدريين وأهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ؟ !. أول من أعطى المال لوضع الحديث وتحريف كتاب الله وكلمته الطيبة عن مواضعها ؟ !
أول من اشترط البرائة عن علي عليه السلام على من بايعه في خلافته الغاشمة أو في ملكه العضوض ؟ ! أول من حمل إليه رأس الصحابي العادل عمرو بن الحمق وأدير به في البلاد ؟ ! أول من قتل عدول الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان من عيون الأمة و عبادها ونساكها لمحض ولائهم سيد العترة، وقد جعله الله أجر رسالة نبيه الخاتم صلى الله عليه وآله ؟ ! أول من قتل نساء كل من والى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وذبح صبيانهم، ونهب أموالهم، ومثل قتلاهم وشتت شملهم، وفرق جمعهم، واستأصل شأفتهم، ونفاهم عن عقر دورهم، وأبادهم تحت كل حجر ومدر ؟ ! أول من عبثت به رعيته، وسن العمل بالشهادات المزورة، وسلط رجال الشر والغي والجور على صلحاء أمة محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! أول من هم بنقل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن المدينة المشرفة إلى الشام ؟ ! ولما حرك المنبر خسفت الشمس فترك (2). أول من بدل الخلافة الإسلامية إلى شر ملك وسلطة سوء ؟ ! أول من ملك وتجبر في الاسلام بلبس الحرير والديباج، وشرب في آنية الذهب والفضة، وركب السروج المحلاة بهما ؟ !
(1) ربيع الأبرار للزمخشري باب 75. (2) تاريخ ابن كثير 8: 45.
[74]
أول من سمع الغناء وطرب عليه وأعطى ووصل إليه وهو يرى نفسه أمير المؤمنين ؟ ! أول من هتك دين الله باستخلاف جروه الفاجر المستهتر التارك للصلاة ؟ ! أول من أشن الغارة على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله حرم أمن الله، وأخاف أهليها،
وما رعى حرمة ذلك الجوار المقدس ؟ ! إلى جرائم وبوائق تجد الرجل فيها هو السابق الأول إليها ؟ ! (1) أصحيح أن مثل هذا الطاغية تصدر فيه كلمة إطراء من مصدر النبوة ؟ أو يأتي عن نبي العدل والحق والصدق ما يوهم الثناء عليه ؟ لا. لا يمكن ذلك. بل نبي العظمة أكبر من يبغض هذا الانسان وجرائمه، والرجل أشد أعداؤه صلى الله عليه وآله في جاهليته و إسلامه، ولو كان صلى الله عليه وآله ينطق بشئ من ذلك - وحاشاه - لكان أكبر ترويج للباطل و أهله، وأوضح ترخيص في المعصية، وأبين استهانة بالحق. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن علي ومعاوية ؟ فقال: إعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم لعلي (2) وقال الحاكم: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول: سمعت أبي يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح في فضل معاوية حديث (3) ولما لم يجد البخاري حديثا يصح من مناقب معاوية فقال عند عد مناقب الصحابة من صحيحه: باب ذكر معاوية رضي الله عنه. فقال ابن حجر في فتح الباري 7: 83: أشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما. ا ه. وأما مسلم وابن ماجة فلما لم يريا حديثا يعبأ به في فضائل معاوية ضربا عن اسمه في الصحيح والسنن صفحا عند عد مناقب الصحابة. والترمذي لم يذكر له إلا حديث:
(1) راجع أوائل السيوطي، وتاريخ الخلفاء له، ومحاضرة الأوائل للسكتواري. (2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 133، فتح الباري 7: 83، الصواعق ص 76. (3) اللئالي للسيوطي 1 ص 220، فتح الباري 7: 83. (*)
[75]
أللهم اجعله هاديا مهديا واهد به. فقال: حسن غريب. ونحن أوقفناك على بطلانه في الجزء العاشر ص 373. وذكر حديث: أللهم اهد به وزيفه هو بنفسه لمكان عمرو بن واقد، وعمرو أحد الكذابين ذكرناه في الجزء الخامس ص 249 ط 2 فالصحاح والسنن خالية عما لفقتها رواة السوء في فضل الرجل. ودخل الحافظ النسائي صاحب السنن إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل ؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل فتوفي بمكة مقتولا شهيدا (1) وقال ابن تيمية في منهاجه 2: 207: طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كلها كذب. وقال الفيروز آبادي في خاتمة كتابه (سفر السعادة) والعجلوني في كشف الخفاء ص 420: باب فضائل معاوية ليس فيه حديث صحيح. وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت: قد ورد في فضله يعني معاوية أحاديث كثيرة. قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الاسناد، نص عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما، فلذلك قال يعني البخاري: (باب ذكر معاوية) ولم يقل: فضيلة ولا منقبة. وقال الشوكاني في (الفوائد المجموعة): اتفق الحفاظ على إنه لم يصح في فضل معاوية حديث. نعم: إن الغلو في حب الرجل خلق له فضائل مفتراة تبعد جدا عن ساحة النبي الأقدس صلى الله عليه وآله أن يبوح بشئ منها، وإنما يد الافتعال نسجت له على نول ما نسجته لبقية الخلفاء مناقب تندى منها جبهة الانسانية، وألف محمد بن عبد الواحد أبو عمر غلام ثعلب
جزءا في فضائل هذا الانسان المحشو رداؤه بالرذائل. قال ابن حجر في لسان الميزان 1: 374: إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله السقطي عنه فهو المتهم بها أو شيخه.
(1) تاريخ ابن كثير 11:، 124، سيوافيك تفصيل قصة النسائي.
[76]
فنحن نجمع هاهنا شتات جملة من تلكم الأكاذيب التي خلقتها أو اختلقتها يد الوضع الأثيمة في مناقب الرجل مما مر الايعاز إليه، وما لم نذكره بعد، ونجعلها بين يدي القارئ النابه الحر، وله القضاء بالحق، والله المستعان، ألا وهي: 1 - عن أنس مرفوعا: لا أفتقد أحدا من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان لا أراه ثمانين عاما، فإذا كان بعد ثمانين عاما يقبل إلي على ناقة من المسك الأذفر حشوها من رحمة الله، قوائمها من الزبرجد فأقول: معاوية ؟ فيقول: لبيك يا محمد ! فأقول: أين كنت من ثمانين عاما ؟ فيقول: كنت في روضة تحت عرش ربي يناجيني وأناجيه. ويحييني وأحييه ويقول: هذا عوض مما كنت تشتم في دار الدنيا. راجع الجزء الخامس ص 254 ط 1، 298 ط 2. 2 - عن أنس مرفوعا: هبط علي جبريل ومعه قلم من ذهب إبريز فقال: إن العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك: حبيبي قد أهديت هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية ابن أبي سفيان فأوصله إليه ومره أن يكتب آية الكرسي بخطه بهذا القلم ويشكله و يعجمه ويعرضه عليك، فإني قد كتبت له من الثواب بعدد كل من قرأ آية الكرسي من ساعة يكتبها إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بأبي عبد الرحمن ؟ فقام أبو بكر الصديق ومضى حتى أخذ بيده وجاءا جميعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم السلام ثم قال لمعاوية: ادن مني يا أبا عبد الرحمن ! ادن مني يا أبا عبد الرحمن ! فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع إليه القلم ثم قال له: يا معاوية ؟ هذا قلم أهداه إليك ربك من
فوق العرش لتكتب به آية الكرسي بخطك وتشكله وتعجمه وتعرضه علي فاحمد الله و اشكره على ما أعطاك، فإن الله قد كتب لك من الثواب بعدد من قرأ آية الكرسي من ساعة تكتبها إلى يوم القيامة. فأخذ القلم من يد النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه فوق أذنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أللهم إنك تعلم أني قد أوصلته إليه. ثلاثا. فجثا معاوية بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل يحمد الله على ما أعطاه من الكرامة ويشكره حتى أتى بطرس ومحبرة فأخذ القلم ولم يزل يخط به آية الكرسي أحسن ما يكون من الخط حتى كتبها وشكلها و عرضها على النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاوية ! إن الله قد كتب لك من الثواب بعدد كل من يقرأ آية الكرسي من كتبتها إلى يوم القيامة.
[77]
راجع الجزء الخامس ص 259 ط 1، 304 ط 2. 3 - عن جابر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال: استكتبه فإنه أمين راجع الجزء الخامس ص 260 ط 1، 305 ط 2. 4 - عن عبادة بن الصامت: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: استكتب معاوية فإنه أمين مأمون. راجع الجزء الخامس ص 261 ط 1، 305 ط 2. 5 عن أنس مرفوعا: الأمناء سبعة: اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية. راجع الجزء الخامس ص 262 ط 1، 308 ط 2. 6 - عن أبي هريرة مرفوعا: الأمناء عند الله ثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية. راجع الجزء الخامس ص 261 ط 1، 306 ط 2. 7 - أخبر رجل عن رجل قال: اجتمع عشرة من بني هاشم فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم
فلما قضى الصلاة قالوا: يا رسول الله ! غدونا ليك لنذكر لك بعض أمورنا، إن الله قد تفضل بهذه الرسالة فشرفك، بها وشرفنا لشرفك وهذا معاوية بن أبي سفيان يكتب الوحي فقد رأينا أن غيره من أهل بيتك أولى به لك منه قال: نعم. انظروا في رجل غيره قال: وكان الوحي ينزل في كل أربعة أيام من عند الله إلى محمد فأقام جبريل أربعين يوما لا ينزل، فلما كان يوم أربعين هبط جبريل بصحيفة فيها مكتوب: يا محمد ! ليس لك أن تغير من اختاره الله لكتابة وحيه فأقره فإنه أمين، فأقره. راجع الجزء الخامس ص 262 ط 1، 307 ط 2. 8 - عن واثلة مرفوعا: إن الله ائتمن على وحيه جبريل وأنا ومعاوية، وكاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي، يغفر الله معاوية ذنوبه، ووقاه حسابه، وعلمه كتابه، وجعله هاديا مهديا وهدى به. راجع الجزء الخامس ص 262 ط، 308 1 ط 2. 9 - عن سعد: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لمعاوية: إنه يحشر وعليه حلة من نور
[78]
ظاهرها من الرحمة، وباطنها من الرضا، يفتخر بها في الجمع. لكتابة الوحي. راجع الجزء الخامس ص 276 ط 1، 324 ط 2. 10 - عن عبد الله بن عمر: إن جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله سفرجلا فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال: تلقاني بهن في الجنة. راجع الجزء الخامس ص 281 ط 1، 329 ط 2. قال ابن حبان: موضوع. وقال الخطيب: حديث غير ثابت. وقال ابن عساكر: لا أصل له. راجع اللئالي المصنوعة 1: 422، 423. 11 - عن عبد الله بن عمر مرفوعا: الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع معاوية فقال: أنت يا معاوية ! مني وأنا منك، لتزاحمني على باب الجنة كهاتين
وأشار بإصبعيه. ذكره الذهبي في الميزان 2: 133 وقال: خبر باطل. 12 - أخرج البخاري في تاريخه 4 قسم ص 180 عن إسحاق بن يزيد عن محمد بن مبارك الصوري عن صدقة بن خالد عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال: كان معاوية ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاوية ! ما يليني منك ؟ قال: بطني قال صلى الله عليه وسلم: اللهم املأه علما وحلما. وذكره الذهبي في الميزان 3: 268. قال الأميني: لو كان لهذه الرواية اعتبار ولو قليلا عند البخاري لأخرجه في صحيحه، ولم يجعل باب ذكر معاوية خاليا عن كل فضيلة ومنقبة، وهو يعلم أن معاوية بكله فارغ عن العلم والحلم فكيف يصدقها من يعرف الرجل بالجهل والغضب المرديين ؟ ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على رجل بأن يخلو بطنه من العلم والحلم فهل كان هو غير باطن معاوية ؟ أي عمل الرجل في ورده وصدره ينبأ عن الخلتين ؟ وأي فرق فيهما بين جاهليته الممقوتة وبين إسلامه المظلم ؟ فتلك وهذا سواسية، وهو بينهما رهين جهله المبير وغضبه المهلك، فإذا سألت عبادة بن الصامت (الصحابي العظيم) عن علمه فعلى الخبير سقطت يقول لك: إن أمه هند أعلم منه (1) وإذا سألت شريكا عن حلمه
(1) تاريخ ابن عساكر 7: 210.
[79]
فتسمع منه قوله: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا (1) وتقول أم المؤمنين عائشة (2): أين كان حلمه حين قتل حجرا وأصحابه ؟ ويل له من حجر وأصحابه. وقال شريك حين ذكر معاوية عنده بالحلم: هل كان معاوية إلا معدن السفه ؟ والله لقد أتاه قتل أمير المؤمنين وكان متكيا فاستوى جالسا ثم قال: يا جارية غنيني فاليوم قرت عيني فأنشأت تقول: ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا * وأفضلهم ومن ركب السفينا فرفع معاوية عمودا كان بين يديه فضرب رأسها ونثر دماغها، أين كان حلمه ذلك اليوم ؟ (3) والذي جاء في بطن معاوية من الحديث المتسالم عليه إنما هو إنه صلى الله عليه وآله دعا عليه وقال: لا أشبع الله بطنه. وأما غيره فحديث إفك لا يؤبه به. 13 - عن جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى معاوية سهما وقال: هاك حتى تلقاني به في الجنة. وفي لفظ عن أبي هريرة: حتى توافيني به في الجنة. رواه قاسم بن بهران. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال ابن عدي: إنه كذاب. وقال الذهبي: موضوع (4). 14 - عن خارجة بن زيد عن أبيه مرفوعا: يا أم حبيبة ! لله أشد حبا لمعاوية منك كأني أراه على رفارف الجنة. ميزان الاعتدال 3: 56، قال الذهبي: خبر باطل اتهم بوضعه محمد بن رجاء. قال الأميني: وفي الاسناد: عبد الرحمن بن أبي الزناد قال يحيى بن معين: ليس
(1) تاريخ ابن كثير 8: 130. (2) مر حديثه في هذا الجزء. (3) هذه القضية ذكرها الراغب في محاضراته المخطوطة الموجودة، وهكذا نقلت عنها في تشييد المطاعن في ج 2: 409 غير إن يد الطبع الأمينة ؟ حرفتها من الكتاب مع أحاديث ترجع إلى معاوية راجع ج 2: 214 من المحاضرات وقابلها بالمخطوطة منها. (4) راجع ميزان الاعتدال 2: 38، لسان الميزان 4: 414، 459، ج 6: 219.
[80]
ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشئ، ضعيف. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا. وقال النسائي: لا يحتج
بحديثه، وكان يضعف لروايته عن أبيه. تهذيب التهذيب 6: 170. 15 - قال أبو عمرو الزاهد: أخبرني علي بن محمد ابن الصائغ عن أبيه أنه قال: رأيت الحسين وقد وفد على معاوية زائرا فأتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيبا فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين ! إيذن للحسين يصعد المنبر، فقال له معاوية: ويلك دعني افتخر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله ! أليس أنا ابن بطحاء مكة ؟ فقال: أي والذي بعث جدي بالحق بشيرا، ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله ! أليس أنا خال المؤمنين ؟ فقال: أي والذي بعث جدي نبيا، ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله ! أليس أنا كاتب الوحي ؟ فقال: أي والذي بعث جدي نذيرا. ثم نزل معاوية وصعد الحسين بن علي فحمد الله بمحامد لم يحمده الأولون والآخرون بمثلها ثم قال: حدثني أبي عن جدي عن جبريل عن الله تعالى: إن تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يا شيعة آل محمد ! لا يأتي أحدكم يوم القيامة يقول لا إله إلا الله إلا أدخله الله الجنة فقال له معاوية: سألتك بالله يا أبا عبد الله ! من شيعة آل محمد ؟ فقال: الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان، ولا يشتمون أبي، ولا يشتمونك يا معاوية !. أخرجه ابن عساكر في تاريخه 4:، 312، 313 وقال: هذا حديث منكر ولا أرى إسناده متصلا إلى الحسين. قال الأميني: ألا تعجب من حافظ يروي مثل هذا الحديث ويراه منكرا غير مسند ؟ أليس في إسناده أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد الذي ألف من الأكاذيب جزءا في فضائل معاوية ومنها هذه الأكذوبة الفاحشة ؟ أليس فيه علي بن محمد الصائغ ؟ ي قال الخطيب في تاريخه 3: 222: ضعيف جدا ؟ ألا يقول الحافظ ؟: إن علي بن محمد الصائغ الذي يروي عنه أبو أحمد الجرجاني المتوفى 374 الذي يروي عن مالك المتوفى 179 بواسطة كيف يروي أبوه عن الحسين السبط عليه السلام الشهيد سنة 60 ؟ ! وكيف يعقل
إدراكه معاوية وحضوره في خطبته ؟ !
[81]
وهلا يأبى لفظ الرواية صحتها ؟ هل تجتمع هي مع ما أسلفناه من حديث رسول الله الثابت الصحيح، ومن حديث أمير المؤمنين والحسن السبط ومن حديث الحسين السبط نفسه، ومع ما ثبت عنهم من كتاب أو مقال في الرجل ؟ وهل يساعدها ما كان من سيرة معاوية في علي أمير المؤمنين طيلة حياته ؟ اقرأ واحكم. 16 - مرفوعا: يبعث معاوية عليه رداء من نور. أخرجه ابن حبان من طريق جعفر بن محمد الأنطاكي وقال: خبر باطل (ميزان الاعتدال 1: 193، لسان الميزان 2: 124) أقر الذهبي وابن حجر بطلان الحديث وعدم ثقة الأنطاكي. 17 - أخرج أبو نعيم في الحلية 10: 393 عن عبد الله بن محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد البزاز المدني عن إبراهيم بن عيسى الزاهد عن أحمد الدينوري عن عبد العزيز بن يحيى عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية. قال الذهبي: إنه ليس بصحيح. راجع لسان الميزان 2: 213. قال الأميني: أحمد بن مروان - الدينوري مالكي صاحب المجالسة، صرح الدار قطني في غرائب مالك بأنه يضع الحديث. وذكر حديث: سبقت رحمتي غضبي فقال: لا يصح بهذا الاسناد، والمتهم به أحمد بن مروان، وهو عندي ممن كان يضع الحديث. لسان الميزان 1: 309. وفي الاسناد: عبد العزيز بن يحيى، قال ابن أبي حاتم سمع منه أبي ثم تركه وقال: لا أحدث عنه ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بثقة وذكرته لإبراهيم بن المنذر
فكذبه، وذكرته لأبي مصعب فقلت: يحدث عن سليمان بن بلال، فقال: كذاب أنا أكبر منه وما أدركته. وقال العقيلي: يحدث عن الثقات بالبواطيل، ويدعي من الحديث ما لا يعرف به غيره من المتقدمين عن مالك وغيره. وقال ابن عدي: ضعيف جدا وهو يسرق حديث الناس. ميزان الاعتدال 2: 140، تهذيب التهذيب 6: 363.
[82]
وفيه: إسماعيل بن عياش، قال يحيى بن معين: ليس به في أهل الشام بأس، والعراقيون يكرهون حديثه. وقال الأسدي: إذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شئت وقال الجوزجاني: أروى الناس عن الكذابين وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال ابن المبارك: لا استحلي حديثه، وضعف روايته عن غير الشاميين أيضا النسائي وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي وقال الحاكم: إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين في حديثهم فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الاسناد في الاسناد، وألزق المتن بالمتن وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر خرج عن حد الاحتجاج به ميزان الاعتدال 1: 112، تهذيب التهذيب 1 ص 324 - 326. وفيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم: فيه لين يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عدي: وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. ميزان 2: 109، تهذيب التهذيب 6: 206. 18 - أخرج الذهبي في الميزان وابن كثير في تاريخه 8 ص 121 من طريق نصير عن أبي هلال محمد بن سليم حدثنا جبلة عن رجل عن مسلمة بن مخلد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم علم معاوية الكتاب، ومكن له في البلاد. قال الذهبي: جبلة لا يعرف والخبر منكر بمرة. وقال ابن حجر في اللسان
2: 96: ولعل الآفة في الحديث من الرجل المجهول. قال الأميني: لم لا تكن الآفة من الرجل المعلوم (محمد بن سليم) الكذاب، وقد ترجمه الذهبي في الميزان وابن حجر في لسانه عن يحيى بن معين بأنه كان يكذب في الحديث، راجع الميزان 3: 62 ولسان الميزان 5: 192. 19 - أخرج العقيلي من طريق بشر بن بشار السمسار عن عبد الله بن بكار المقري من ولد أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله على أم حبيبة ورأس معاوية في حجرها فقال لها: أتحبينه ؟ قالت: وما لي لا أحب ؟ أخي، قال: فإن الله ورسوله يحبانه.
[83]
قال العقيلي: عبد الله بن بكار مجهول النسب وروايته غير محفوظة. وقال الذهبي في الميزان: غير صحيح. راجع ميزان الاعتدال 2: 26، لسان الميزان 3: 263. وبشر السمسار ليس في الجهالة والنكارة أقل من نسب ابن بكار. 20 - عن أنس مرفوعا: ائتمن الله على وحيه جبرئيل ومحمدا ومعاوية. زيفه الذهبي لمكان محمد بن أحمد البلخي الضعيف سارق الحديث الذي لم يكن من أهل الحديث. راجع ميزان الاعتدال 3: 15، لسان الميزان 5: 34. 21 - مرفوعا: إن معاوية يبعث نبيا من علمه وائتمانه على كلام ربي. ذكره الذهبي من طريق محمد بن الحسن وقال: روى عنه إسحاق بن محمد السوسي أحاديث مختلقة في فضل معاوية، ولعله النقاش صاحب التفسير فإنه كذاب، أو هو آخر من الدجاجلة. راجع ميزان الاعتدال 3: 43، لسان الميزان 5: 125. وفي اللسان 1: 374: إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله بن محمد بن أحمد السقطي عنه، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون.
22 - أخرج البخاري في تاريخه 4 قسم 1 ص 328 من طريق عمرو بن واقد الدمشقي، عن يونس الدمشقي، عن أبي إدريس الدمشقي، عن عمير بن سعد نزيل دمشق قال: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهده. قال الأميني: عمرو بن واقد الدمشقي كان ممن لا يشك شيوخ الحديث إنه يكذب، وإنه ليس بشئ، وإنه ضعيف منكر الحديث، وإنه يقلب الأسانيد، وإن أحاديثه معضلة منكرة، استحق الترك (1). ألم يك في الحواضر الإسلامية من رجال الحديث من قرع سمعه نبأ هذه الأفيكة ؟ فلماذا خصت بالشام، وسلسلت حلقة إسنادها بالشاميين فحسب ؟ أنت تدري لماذا. 23 - أخرج ابن كثير في تاريخه 8: 120 من طريق المسيب بن واضح عن ابن عباس قال: أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ! اقرأ معاوية السلام واستوص
به خيرا، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الأمين. قال الأميني. قال الدارقطني: المسيب بن واضح ضعيف، قال ابن عدي: قلت لعبدان: أيهما أحب إليك: عبد الوهاب بن الضحاك أو المسيب بن واضح ؟ فقال: كلاهما سواء وعبد الوهاب من الكذابين الوضاعين المعروفين، متروك ضعيف جدا كثير الخطأ والوهم. (1) وأخرجه الطبراني في الأوسط قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن فطر الراملي، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس. وذكره الهيثمي في المجمع 9: 357 وقال: فيه محمد بن فطر ولم أعرفه، وعلي بن
سعيد الرازي فيه لين. وحكاه السيوطي بإسناده في اللئالي المصنوعة 1: 419 وقال: أما مروان والراوي عنه فلم أر من ترجمهما لا في الثقات ولا في الضعفاء. قال الأميني: علي بن سعيد الرازي هو الذي قال الدارقطني لما سئل عنه: ليس في حديثه بذاك وسمعت بمصر: إنه كان والي قرية وكان يطالبهم بالخراج فما يعطونه فيجمع الخنازير في المسجد. فقيل: كيف هو في الحديث ؟ قال: حدث بأحاديث لم يتابع عليها. ثم قال: في نفسي منه، وقد تكلم فيه أصحابنا بمصر، وأشار بيده وقال هو كذا وكذا ونقض بيده يقول: ليس بثقة. لسان الميزان 4: 231. لقد أوقفناك فيما سلف ج 5: 309، على أمانة الرجل على كل ما تحسب إنه أمين عليه، ونزيدك هنا إحفاء السؤال عن معنى الأمانة على كتاب الله ووحيه، أليست هي كلائتهما عن التحريف والعمل بمؤداهما والجري على مفادهما والأخذ بحدودهما، وقطع الأيدي الأثيمة عن التلاعب بهما ؟ وهل كان معاوية إلا ردئا بهذه كلها وقد قلب على الكتاب والوحي ظهر المجن في كل وروده وصدوره، ووجه إليهما نظرته الشزراء في حله ومرتحله ؟ وهل هو إلا عدوهما الألد ؟ وصحائف تاريخه المظلم تطفح بهذه كلها، وإن ما ذكرناه في هذا الكتاب من نماذج ما أثبتته له الحقيقة وخلده الدهر مع ذكره الشائن وحديثه المائن.
(1) راجع الجزء الخامس من الغدير ص 242 ط 2، ولسان الميزان 6: 41.
[85]
24 أخرج الطبراني عن أحمد بن محمد الصيدلاني عن السري عن (1) عاصم عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه (2) هشام بن عروة عن عائشة قالت: لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب داق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظروا من هذا ؟ قالوا: معاوية. قال: ائذنوا له، فدخل وعلى أذنه قلم يخط به فقال: ما هذا القلم على أذنك يا معاوية ؟ ! قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال له: جزاك الله عن نبيك خيرا، والله
ما استكتبتك إلا بوحي من الله، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله، كيف بك لو قمصك الله قميصا ؟ ! - يعني من الخلافة - فقامت أم حبيبة فجلست بين يديه وقالت: يا رسول الله ! وإن الله مقمصه قميصا ؟ قال: نعم. ولكن فيه هنات وهنات فقالت: يا رسول الله ! فادع الله له. فقال اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى. قال الطبراني: تفرد به السري بن عاصم (3) قال الأميني: المتفرد بهذه الأكذوبة الفاحشة على رسول الله صلى الله عليه وآله هو أحد الكذابين الوضاعين، راجع ما أسلفناه في الجزء الخامس ص 231، و ج 8 ص 143. ليت شعري هل بهذا القلم الذي يزعم معاوية إنه أعده لله ولرسوله كان يكتب تلكم القوارص والقذائف إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ؟ ! ويكتب إلى عماله أوامره الباتة بلعن سيد الوصيين صلوات الله عليه ولعن من يمت به من شبليه الإمامين السبطين وعظماء المؤمنين ؟ ! ويكتب إلى أمراءه الجائرين بهدر دماء صلحاء الأمة وشيعة أهل بيت الوحي عليهم السلام ؟ ! وهل كان يكتب به أحكامه الجائرة، وفتاواه النائية عن الحق المبين، وآراءه الشاذة عن الكتاب والسنة، وكلما يلفظه بفم ويخطه بقلم من جرائر وجرائم ؟ ! ثم هل استجيبت هذه الدعوة المعزوة إلى صاحب الرسالة حتى نعتقد في ابن هند اعتناق الهدى، والتجنب عن الردى، والمغفرة في الآخرة والأولى ؟ ! لكن موبقات
(1) الصحيح: السري بن عاصم. (2) كذا والصحيح: عن أبيه عن هشام. (3) تاريخ ابن كثير 8: 120.
[86]
معاوية وإصرارها عليها تنبأنا عن إنها لم تكن، إذ لو كانت لما عداها الاجابة، وكأن
تلك الدعوة المزعومة المختلقة ذهبت أدراج الرياح، وكأنه صلى الله عليه وآله دعا عليه بضد ما هو مذكور واستجيبت دعوته. على أن معاوية لو كان على الهدى متجنبا عن الردى للزم أن يكون صاحب الخلافة الكبرى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على قدسه وطهارته خلوا من ذلك كله، لأنه كان يناوئه ويناجزه القتال، وكذلك حجر وأصحابه وكل صالح صحابي أو تابعي قتل تحت نير ظلم معاوية، هل يسع لمسلم أن يدعي ذلك ؟ غفرانك اللهم وإليك المصير. 25 - أخرج الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح عن نعيم بن حماد عن محمد بن شعيب بن سابور عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الله بن بسر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر في أمر فقال: أشيروا علي. فقالا: الله ورسوله أعلم، فقال: ادعوا معاوية. فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول الله ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش ؟ فقال: ادعوا لي معاوية فدعي له فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضروه أمركم، وأشهدوه أمركم فإنه قوي أمين. وزاد نعيم: وحملوه أمركم (1) رجال إسناده: 1 - يحيى بن عثمان. كان يتشيع وكان صاحب وراقة يحدث من غير كتبه فطعن فيه لأجل ذلك، تهذيب التهذيب 11: 257. 2 - نعيم بن حماد، كذاب وضاع. راجع الجزء الخامس ص 269 ط 2. 3 - محمد بن شعيب. شامي أموي 4 - مروان بن جناح، شامي أموي، قال أبو حاتم: لا يحتج به وبأخيه روح. 5 - يونس بن ميسرة، شامي أعمي. 6 - عبد الله بن بسر، يعد في الشاميين وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.
هلم معي إلى تعمية الجاهلين وتغرير بسطاء الأمة بالتمويه على الحقائق، قال
(1) تاريخ ابن كثير 8: 122، مجمع الزوايد 9: 356.
[87]
ابن كثير في تاريخه بعد ذكر هذا الحديث وعدة مما ذكرناه من الأباطيل في فضائل معاوية: ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات. وقال بعد ذكر الحديث السادس والعشرين الذي تفرد به السري الكذاب الوضاع: وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها ؟ والله الموفق للصواب. ترى ابن كثير ها هنا يتحامل على ابن عساكر رجاء أن ينطلي بذلك للأغرار ما سرده من الأكاذيب الموضوعة ويزيف جملة منها لإثبات بعضها الآخر. ذاهلا عن أن يد التنقيب تكشف عما غطاه دجله غلوا منه في الفضائل. 26 - أخرج ابن عساكر من طريق نعيم بن حماد عن محمد بن حرب عن أبي بكر بن أبي مريم عن محمد بن زياد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مه. إنما أرسلت إليك برسالة لتبلغها، قلت: و من أرسلك ؟ قال: الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه إنه من أهل الجنة. فقلت له: ومن معاوية ؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. (1) في الاسناد: 1 - نعيم بن حماد، مر القول بأنه كذاب وضاع. 2 - محمد بن زياد هو الحمصي، شامي ناصبي من الداء أعداء أمير المؤمنين، وثقه
ابن معين، وقال: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: لا يعتد بروايته إلا ما كان من رواية الثقات عنه. وقال الحاكم: اشتهر عنه النصب كحريز (2) بن عثمان. تهذيب التهذيب 9: 170.
(1) تاريخ ابن كثير 8: 123، مجمع الزوائد 9: 357. (2) كان يلعن عليا كل يوم سبعين مرة، أحد رجال صحيح البخاري.
[88]
3 - أبو بكر بن أبي مريم، شامي عثماني، قال أحمد والنسائي والدارقطني وابن سعد: ضعيف. وضعفه ابن معين. وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث طرقه لصوص فأخذوا متاعه فاختلط. وقال الجوزجاني: ليس بالقوي وقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب 12: 29. قال ابن كثير بعد ذكر الحديث: وفيه ضعف وهذا غريب جدا ولعل الجميع مناما ويكون قوله: إذا انتبهت من نومي مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم. والله أعلم قال الأميني: أنا حائر سادر بين رسالة هذا الأسد الضاري وبشارته معاوية بالجنة، وبين رسالة النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وبشارته معاوية بالنار ولعنه إياه. وكذا بين رسالة الأسد وبين تلكم الصحاح التي جاءت عن الإمام المعصوم أمير المؤمنين وعن عدول الصحابة أو الصحابة العدول في معاوية الخؤن مما أسلفناه في الجزء العاشر. وكذا بين رسالة الأسد وبين ما جاء في الكتاب الكريم من عذاب كل آثم اقترف سيئة وأحاطت به خطيئته، ووعيد من حاد عن حدود الاسلام بالنار، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ولا يستوي الحسنة ولا السيئة ولا المحسن ولا المسيئ. وكذا بين رسالة الأسد وبين ما جاء عن نبي الاسلام في تلكم البوائق الموبقة
التي كان معاوية قد اقترفها وشوه بها صحيفة تاريخه. فماذا الذي خص معاوية برسالة الأسد إليه خاصة في كنيسة يوحنا بعد رسالة محمد صلى الله عليه وآله الخاتمة، بعد تلكم الأنباء الصادقة الواردة في الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، بعد تلكم البشائر السارة الجمة العامة لأهل الصلاح والفلاح ؟ 27 - أخرج أحمد ومسلم والحاكم وغيرهم من طريق ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطى أو خطاتين ثم قال: اذهب فادع لي معاوية قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:: إنه يأكل، فقال: إذهب فادعه،
[89]
فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه قال: فما شبع بعدها (1). هذا الحديث ذكره ابن كثير في عد مناقب معاوية فقال: قد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ويقول: والله ما أشبع وإنما أعياه، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أللهم إنما أنا بشر فإيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة. فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك. 1 ه قال الأميني: هنا يرتج علي القول في مسائلة هذا المدافع عن ابن هند والناحت له فضيلة مركبة من رذيلة ثابتة لمعاوية، وأفيكة مفتراة على قدس صاحب الرسالة، إنه
هل عرف النافع من الضار، فحكم بانتفاع معاوية بالدعوة المذكورة في دنياه وأخراه ؟ وإنه هل عرف حدود الانسانية وكمال النفس ؟ ولا أظنه، وإلا لما حكم بأن الذي كان يرغب فيه معاوية وحسب إنه يرغب فيه الملوك من كثرة الأكل وقوة المعدة إلى ذلك الحد الممقوت المساوق حد البهائم نعمة من نعم الله أتت ابن آكلة الأكباد ببركة دعوة النبي المعصوم صلى الله عليه وآله ولم يعرف من سعادة الحياة إلا أن يملأ أكراشا جوفا وأجربة سغبا، وما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، يحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه (2). ثم إن الذي يتبين من تضاعيف الروايات وخصوصيات المقام إن المورد مورد نقمة لا مورد رحمة، وإنما الدعاء عليه لا له كيفما تمحل ابن كثير، فقد طعن على الرجل
(1) صحيح مسلم 8: 27، تاريخ ابن كثير 8: 119. (2) من قولنا: وما ملأ آدمي إلى آخره حديث أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما في الجامع الصغير.
[90]
أبو ذر الغفاري بقوله: لعنك رسول الله ودعا عليك مرات أن لا تشبع (1) واشتهرت عليه هذه المنقصة حتى جرت مجرى المثل وقيل فيها. وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أحشائه معاويه وحديث مسلم (2) الذي يلوح عليه لوائح الافتعال إنما اختلق لمثل هذه الغاية وتأويل ما إليها مما صدر عن النبي الأقدس صلى الله عليه وآله من طعن ولعن وسب وجلد ودعوة على من يستحق كلها، وللدفاع عن أولياء الشيطان وفي الطليعة منهم ابن أبي سفيان والمنع عن الوقيعة فيهم وغمزهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله لفقوا مكابرات عجيبة في دلالة الألفاظ والنصوص وأن ذلك صدر منه صلى الله عليه وآله لا عن قصد، أو أنه صدر عن نزعات نفسية تقتضيها فطرة البشر، وقد ذهب على المغفلين إنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإنه لعلى خلق عظيم، وإن في كتابه الذي جاء به من ربه قوله تعالى: الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (الأحزاب: 58) وقد صح عنه قوله صلى الله عليه وآله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (3).
(1) راجع الغدير ج 8: 312. (2) اللهم إنما أنا بشر فإيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. أللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة. أللهم إن محمدا بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فإيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة. إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي عز وجل أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا. إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فإيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة. هذه ألفاظ حديث مسلم في صحيحه ج 8: 24 - 27. (3) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي والطبراني وابن حبان وابن داود
[91]
وقاله: صلى الله عليه وآله: المؤمن لا يكون لعانا (1). وقوله صلى الله عليه وآله: سباب المسلم فسوق (2). وقوله صلى الله عليه وآله: إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة (3). وقوله صلى الله عليه وآله: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان (4). وقوله صلى الله عليه وآله: من ذكر امرءا بشئ ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم
حتى يأتي بنفاد ما قال فيه (5) هل هؤلاء القوم يصفون نبيا صح عندهم من حديث مسلم: إنه غضبت عائشة رضي الله عنها مرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: مالك جاءك شيطانك ؟ فقالت: ومالك شيطان ؟ قال: بلى ولكني: دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير (6) وهل يتكلمون عن نبي قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: اكتب عني في الغضب والرضا، فوالذي بعثني بالحق نبيا ما يخرج منه إلا حق. وأشار إلى لسانه (7) وقال عبد الله بن عمرو: أكتب كل شيئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق (8). وكان صلى الله عليه وآله كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم
(1) مستدرك الحاكم 1: 12، 47. (2) متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني والحاكم والدارقطني. (3) صحيح مسلم: 8: 24. (4) عن أحمد والطيالسي. (5) الترغيب والترهيب 3: 197، رواه الطبراني بإسناد جيد. (6) إحياء العلوم 3: 167. (7) إحياء العلوم 3: 167. أخرجه أبو داود. (8) سنن الدارمي 1: 125.
[92]
يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له (1).
وهل يدنسون بهذا العز والمختلق - لتبرير ذيل أمثال ابن هند - ساحة نبي صح عنه صلى الله عليه وآله قوله: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها (2). وهل يشوهون بها سمعة قداسة نبي كان يؤدب أمته بآداب الله وينهى أصحابه عن لعن كل شيئ حتى الدواب والبهائم والديك والبرغوث والريح ؟ وكان يقول: من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه (3) وقال لرجل كان يسير معه فلعن بعيره: يا عبد الله ! لا تسر معنا على بعير ملعون (4) وقال لما لعنت جارية ناقتها: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة. وفي حديث المعمر: أيم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله (5). وكان صلى الله عليه وآله يبالغ في الأمر ويحذر الناس عنه حتى قال سلمة بن الأكوع: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر (6). دع الأباطيل ولا تشطط في القول فمن لعنه صلى الله عليه وآله فهو ملعون، ومن سبه فهو مستأهل لذلك، ومن جلده فإن ذلك من شرعه المبين، ومن دعى عليه أخذته الدعوة، وهل يجد ذو خبرة مصداقا لتلك المزعمة المخزية ويسع له أن يستشهد بسب رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من صلحاء أمته كائنا من كان ممن لا يستحق السب أو بلعنه وجلده إياه ودعوته عليه ؟ حاشا النبي المبعوث لتميم مكارم الأخلاق من هذه الفرية الشاينة. وإن صحت هذه المزعمة لتطرق الوهن في أفعاله وأقواله وفي قضاءه وحدوده، فلا يعلم الانسان إنها بحافز إلهي، أو اندفاع إلى شهوة وإطفاء ثورة الغضب، وأي
(1) أخرجه الترمذي في الشمائل. (2) الترغيب والترهيب 3: 196. (3) الترغيب والترهيب 3: 197 وصححه. (4) الترغيب والترهيب 3: 196 فقال: إسناده جيد.
(5) صحيح مسلم 8: 23. (6) الترغيب والترهيب 3: 195 قال: سند جيد.
[93]
نبي معصوم هذا ؟ وكيف تتبع سنته ؟ ويقتفى أثره عندئذ ؟ وفي أي من حالتيه هو مقتدى البشر وحجة الخلق وقدوة الأمم ؟ وما المائز بينه وبين أمته وكل يستحوذ عليه الغضب، ويقوده الهوى، وكان لأي أحد أسوة برسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول مثل ذلك حين يقع في المسلمين بالسباب وينال منهم باللعن فتنقلب المعصية بتلك الدعوة اللاحقة طاعة وبرا وكفارة وقربة. ومن هنا بلغت القحة والصلف من ابن حجر إلى أن تمسك بذيل حديث مسلم المثبت ما لا يقبله العقل والمنطق وتأباه الأصول الدينية المسلمة، فمنع بذلك عن لعن الحكم لعين رسول الله وطريده وابنه الوزغ ابن الوزغ (1) وللقوم في هذا المقام تصعيدات وتصويبات أو قل: خرافات ومخازي مثل ما حكي عن بعضهم (2) إن ظاهر هذا الحديث يعطينا إباحة تلكم المحظورات للنبي صلى الله عليه وآله فحسب، وعد السيوطي (3) من خصايص رسول الله صلى الله عليه وآله [باب اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز لعن من شاء بغير سبب] وقال القسطلاني في المواهب 1: 395: كان له صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعد الأمان، وأن يلعن من شاء بغير سبب، وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه عليه السلام. ألا يضحك ضاحك على عقلية هذا الأرعن ؟ وإنه كيف يكون ذلك وقد فرض إن مصب هاتيك الطعون مستوجب للرحمة والحنان بالدعوة اللاحقة إياها ؟ فما المجوز لنبي الرحمة هتك ستار أولئك وتفضيحهم بملأ من الاشهاد من غير استحقاق على مر الدهور ؟ وهل الدعاء الأخير يرفع عنهم شية العار الملحقة بهم من الدعوة الأولى ؟ وهل لإباحة تلكم الفواحش التي هي بذاتها فاحشة وقبايح عقلية لا تقبل التخصيص لصاحب الرسالة معنى معقول ؟ وهل هتك حرمات المؤمنين مع حفظ
الوصف لهم والمبدأ فيهم مما يستباح لأحد نبيا كان أو غيره ؟ ! أما أنا فلا أعرفه وأحسب أن من ذهب إلى ذلك أيضا مثلي في الجهل. وهلا كان لرسول الله والحالة هذه أن ينص بعد ما سب من لا يستحق أو لعنه
أو جلده أو دعى عليه، وبعد ما هدأت ثورة غضبه وأطفأ نيران سخطه على أن ذلك وقع في غير محله، حتى لا يدنس ساحة الأبرياء طيلة حياتهم بشية العار ووسمة الشنار، ولا يشوه سمعة أناس نزهين في الملأ الديني أبد الدهر ؟ وهلا كان للصحابة أن يستفهموا رسول الله صلى الله عليه وآله جلية الحال في كل تلكم الموارد ليعرفوا وجه ما أتى به من الهتيكة: هل وقع في أهله ومحله ؟ حتى لا يتخذوا فعله مدركا مطردا في الوقيعة والتحامل، ولا يزري أحد أحدا جهلا منه بالموضوع اقتفاء لأثره صلى الله عليه وآله ؟ ! وهلا كان لمثل أبي سفيان ومعاوية والحكم ومروان وبقية ثمرات الشجرة الملعونة في القرآن ونظرائهم الملعونين بلسان النبي الأقدس أن يحتجوا برواية مسلم على من يعيرهم بلعن رسول الله صلى الله عليه وآله إياهم كعايشة أم المؤمنين وأمير المؤمنين وأبي ذر ووجوه الصحابة غيرهم ؟ وها هنا دقيقة أخرى وهي: أن اللعنات والطعون المتوجهة في القرآن الكريم إلى أناس عناهم الذكر الحكيم ونوه بذلك الصادع الكريم صلى الله عليه وآله هل هي من الله تعالى كما زعموه في النبي الأقدس ومؤولة بمدايح ورحمات وقرب ؟ ! فهي إلى جلالة أولئك القوم وقداستهم أدل من كونهم ملعونين مطرودين من ساحة رحمة الله تعالى،
وهل الله سبحانه أعطى عهدا بذلك وآلى على نفسه أن يجعلها رحمة وزكاة وقربة ؟ أم أنها باقية على مداليلها التي هي ناصة عليها ؟ ! لا أدري ماذا يقول القوم، هل يسلبون الحقايق عن الألفاظ القرآنية كما سلبوها عن الألفاظ النبوية ؟ ! وفي ذلك ارتاج لباب التفاهم وسد لطريق المحاورة، غير أن أحمال الكلام لم تراقب عليها دائرة المكوس، فللمتحذلق أن يقول ما شاء، وللثرثار أن يلهج بما يحبذه الهوى ولا يكترث. نعوذ بالله من التقول بلا تعقل. 28 - عن مسرة بن عبد الله الخادم قال: حدثنا كردوس بن محمد الباقلاني عن يزيد بن محمد المروزي عن أبيه عن جده قال: سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول فذكر خبرا فيه: بينا أنا جالس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء معاوية فأخذ رسول الله
[95]
صلى الله عليه وآله القلم من يدي فدفعه إلى معاوية، فما وجدت في نفسي إذ علمت أن الله أمره بذلك. ذكره ابن حجر في لسان الميزان 6: 20 وعده من موضوعات مسرة بن الخادم فقال: متن باطل وإسناد مختلق. وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق مسرة منقبة لأبي بكر وعمر فقال: هذا الحديث كذب موضوع والرجال المذكورون في إسناده كلهم ثقات أئمة سوى مسرة والحمل عليه فيه، على إنه ذكر سماعه من أبي زرعة بعد موته بأربع سنين. (1) 29 - عن أنس مرفوعا: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومعاوية حلقتها. زيفه صاحب المقاصد، وابن حجر في الفتاوى الحديثية ص 197، والعجلوني في كشف الخفاء 1: 46. 2. وأكبر ظني أن مختلق هذه الخرافات لا يبتغي إلا الاستهزاء بما جاء عن النبي الأعظم من الفضائل في رجال لهم الكفائة لها وحيا من الله العزيز، ولا يذهب على أي جاهل إن
ابن هند لا يقدس ساحة رجاسته ألف تمحل، واختلاق ألف حديث مثل هذه، وهو بعد معاوية، وهو بعد ابن هند، وهو بعد هو هو. 30 - أخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي صلى الله عليه وآله قال لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب. وفي لفظ الترمذي: أللهم اجعله هاديا مهديا واهد به. وبهذا اللفظ أخرجه ابن عساكر في تاريخه 2 ص 106. زيفه ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: لا يثبت. راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر ص 376. 31 - عن عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعا: يكون في بيت المقدس بيعة هدى. أخرجه ابن سعد عن الوليد بن مسلم عن شيخ من أهل دمشق عن يونس بن ميسرة بن جليس عن عبد الرحمن (2)
(1) راجع الجزء الخامس من (الغدير) ص 259 ط 1. (2) الإصابة 2: 414.
[96]
انظر إلى سلسلة الشاميين في إسناد هذه المفتعلة: يروي الوليد مولى بني أمية عالم الشام الذي كان كثير الخطأ، يروي عن الكذابين ثم يدسها عنهم، روى الأوزاعي عن ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطهم الوليد وصيرها من رواية الأوزاعي، و كان رفاعا اختلط عليه ما سمع وما لم يسمع وكانت له منكرات (1) عن شيخ من أهل الشام لا يعرفه إنس ولا جان، عن يونس الأعمى الشامي الذي أدرك معاوية وروى عنه واستمرأ رضائخه، عن عبد الرحمن الذي لا نتبت أحاديثه ولا تصح صحبته كما قاله ابن عبد البر. أفهل يروي مثل هذه الأضحوكة إلا أمثال هؤلاء ؟ وهل تروى إلا بمثل هذا الاسناد
الوعر ؟ وهل تدري أي بيعة غاشمة يراها النبي صلى الله عليه وآله - العياذ بالله - بيعة هدى ؟ هي ذلك الملك العضوض الذي كان ينبأ عنه الصادع الكريم، ويحض أصحابه على قتال صاحبه، بيعة الطليق ابن الطليق التي كانت قوامها البرائة عن ولاية الله الكبرى ولاية أمير المؤمنين التي جاء بها الكتاب الكريم، وأكمل الله بها الدين، وأتم بها النعمة، وقرنها بولايته وولاية رسوله صلى الله عليه وآله، بيعة عمت شؤمها الاسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، و خلطت الحلال بالحرام، وأباحت الأموال والدماء للطلقاء واللعناء، وجرت الويلات على عترة محمد صلى الله عليه وآله وعلى أمته حتى اليوم 32 - أخرج ابن عساكر قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن محمد، أنبأنا أبو بكر محمد بن علي، أنبأنا أبو الحسين أحمد بن عبد الله، أنبأنا أحمد بن أبي طالب، حدثني أبي، حدثني أبو عمرو السعيدي، حدثنا علي بن روح، حدثنا علي بن عبيد العامري، حدثنا جعفر بن محمد وهو الأنطاكي، حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام بن نجيح الأسدي عن عطاء عن ابن عمر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله ورجلان من أصحابه فقال: لو كان عندنا معاوية لشاورناه في بعض أمرنا، فكأنهما دخلهما من ذلك شيئ، فقال: إنه أوحي إلي أن أشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري، والله أعلم (2). قال الأميني: في الاسناد جمع من المجاهيل، وفيه جعفر بن محمد الأنطاكي ليس
بثقة (1) وإسماعيل بن عياش الحمصي وثقه جماعة غير أن الجوزجاني قال: أما إسماعيل فما أشبه حديثه بثياب نيسابور يرقم على الثوب المائة وأقل وشراءه دون عشرة، وكان أروى الناس عن الكذابين. وقال أبو إسحاق الفزاري: لا تكتب عن إسماعيل ما روى عن المعروفين ولا غيرهم
وقال: ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه. وقال ابن المبارك: لا استحلي حديثه. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال الحاكم: هو مع جلالته إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه وقال علي بن حجر: ابن عياش حجة لولا كثرة وهمه. إلى آخر ما مر في هذا الجزء صفحة 82. وفيه: تمام بن نجيح الدمشقي قال أحمد: ما أعرفه. قال حرب: يعني ما أعرف حقيقة حاله. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث ذاهب. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات وهو غير ثقة. وقال ابن حبان: روى أشياء موضوعة عن الثقات كأنه المعتمد لها وقال البزار: ليس بقوي وقال العقيلي: يحدث بمناكير. وقال الآجري عن أبي داود: له أحاديث مناكير (2). 33 - أخرج ابن عساكر بالإسناد قال: أنبأنا أبو الحسن القرضي: حدثنا أبو القاسم بن العلاء: أنبأنا أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عثمان بن خلف: حدثنا أبو زرعة محمد بن أحمد بن أبي عصمة: حدثنا أحمد بن علي: حدثنا علي بن محمد الفقيه: حدثنا محرز بن عون: حدثنا شبابة عن محمد بن راشد عن مكحول قال: دفع النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية سهمين فقال: خذ هاذين السهمين سهمي الاسلام فتلقني بهما في الجنة، فلما مات معاوية جعلا معه في قبره، ولما حلق النبي رأسه بمنى دفع إلى معاوية من شعره فصانه فلما مات معاوية جعل شعر النبي صلى الله عليه وسلم على عينيه والله أعلم (3). قال الأميني: هذا الاسناد باطل مزيف، وهو مع ذلك غير مسند الأخير إذ
مكحول الدمشقي حديثه مرسل والرجل ليس بصحابي، ذكره ابن سعد في الطبقة
الثالثة من تابعي أهل الشام، وهو قدري ضعيف يدلس. وفي الاسناد محمد بن راشد الدمشقي، وهو قدري من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته، وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن خراش: ضعيف الحديث (1). وفيه شبابة الفزاري كان يدعو إلى الارجاء ويقول به، تركه أحمد ولم يكتب عنه وكان يحمل عليه ولا يرضاه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا تحج به. وقال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: كان يدعو إلى الارجاء وحكي عنه قول أخبث من هذه الأقاويل قال: إذا قال فقد عمل بجارحته وهذا قول خبيث ما سمعت أحدا يقوله، قيل له: كيف كتبت عنه ؟ قال: كتبت عنه شيئا يسيرا قبل أن أعلم إنه يقول بهذا. وقبل كل هذا كان الرجل يبغض أهل البيت الطاهر، ومات بإصابة الدعوة عليه فلجأ (2). وفي الاسناد مجاهيل لا يعرفون ولا يوجد لهم ذكر في المعاجم. 34 - أخرج إسحاق بن محمد السوسي من طريق محمد بن الحسن بالإسناد مرفوعا: إن معاوية يبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام ربي. زيفه ابن حجر في لسان الميزان 5: 125 وقال: محمد بن الحسن لعله النقاش صاحب التفسير فإنه كذاب أو هو آخر من الدجاجلة. 35 - قال سعيد بن المسيب: من مات محبا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد العشرة بالجنة، وترحم على معاوية، كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب [تاريخ ابن كثير: 8: 139] قال الأميني: فأول من يناقشه الله الحساب إن صدق هذا الحلم هو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ووصيه أمير المؤمنين عليه السلام للعنهما معاوية كما عرفت حديثه، ويلحقهما في ذلك عيون الصحابة العدول المتقربين إلى الله بالوقيعة في هذا الانسان، بل يحق على الله
أن يناقش الحساب مع كل مؤمن صالح مرضي عنده لنقمتهم على ابن آكلة الأكباد وأفعاله وتروكه، وذكرهم إياه بكل مخزاة وبائقة بكرة وعشيا. وهل على الله أن لا يناقش ابن أبي سفيان الحساب أخذا بهذا الحكم البات التافه ؟ وهل قنوت الرجل بلعن علي أمير المؤمنين وسبه إياه ووقيعته فيه وتحامله عليه ودعوته الناس إلى مقته وعداه وخروجه عليه بالسيف وقتاله إياه، إلى تلكم الفواحش المبثوثة في صحيفة تاريخ الرجل السوداء من بوائقه وموبقاته مع شيعة أمير المؤمنين عليه السلام كانت كلها آية حبه إياه ورمز شهادته له بالجنة ؟ وبذلك استوجب الترحم عليه ؟ وهل كان تقاعسه عن نصرة عثمان، وتثبطه عن الدفاع عنه، وإيصائه بذلك قائد جيوشه عن آيات حبه إياه، وشهادته له بالجنة، وموجبات الترحم عليه ؟ نعوذ بالله من التقول بلا تدبر. 36 - قال سعيد بن يعقوب الطالقاني: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وفي لفظ: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز. تاريخ ابن كثير 8: 139. وسئل أحمد بن حنبل إمام الحنابلة: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله خير من عمر بن عبد العزيز. [شذرات الذهب 1: 65]. قال الأميني: إن الحري بعرفان معاوية ومكانته من الفضيلة هم أولئك الذين عاصروه وشاهدوه من كثب، والذين رأوا بوائقه وتطلعوا على مخازيه بين ثنايا المشاهدة، والذين أدركوا أصله ومحتده وعرفوا نفسياته وملكاته، ولن تجد فيهم رجل صدق
يقيم له وزنا أو يرى له كرامة، ويحق أن تسألهم عنه لا ابني حنبل ومبارك اللذين أوفر حظهما من أخبار معاوية السماع أو ركوب العصبية العمياء، وأنت إذا أمعنت النظرة فيما أسلفناه مما قيل فيه وذكر عنه ظهرت لك جلية الحال وعرفت البون الشاسع بين كلمة الرجلين وبين هاتيك الكلم الجوامع المعربة عن حقيقة الرجل وعجره وبجره. 37 - قال بعض السلف: بينا أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول: من
[100]
أبغض الصديق فذاك زنديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمرا، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية إلى جهنم الحامية يرمى به في الحامية الهاوية. تاريخ ابن كثير 8: 140. عجبا لبيئة دمشق التي لا تربي إلا روح الأموية الممقوتة هي وأهلها وضواحيها وجبالها، ومن يهتف بها من شيطان مريد أو إنسان عنيد، أو مشاغب عن الحق والصلاح بعيد، وبعدا لمن يحتج في أمور الدين بالهاتف المجهول، وطيف الخيال الممجوج، ويضرب عن الحقايق الراهنة صفحا، ويطوي عن البرهنة الصادقة كشحا. 38 - قال بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله ! هذا يتنقصنا فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال: ويلك أو ليس هو من أصحابي ؟ قالها ثلاثا. ثم أخذ رسول الله حربة فناولها معاوية فقال: جاء بها في لبته، فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. تاريخ ابن كثير 8: 140. قال الأميني: عجبا من حفاظ قوم وأئمة مذهب يغرون بسطاء الأمة بالأضغاث الأحلام، ويموهون على الحقايق الراهنة بالترهات، ويسودون صحائف التاريخ
بالتافه الواهي، ويشوهون سمعة الصحابة ويدنسون ساحة قدس صلحائهم بعد ابن هند الخمار الرباء من زمرتهم، وجعله وإياهم عكمي بعير، قاتل الله الجهل. ليتني أدري إن الذي شهده هذا الرجل في طيف الخيال هل هو ذلك النبي الأقدس صلى الله عليه وآله الذي كان ينتقص هو معاوية ويلعنه في يقظته وانتباهته، وقد تطابق في ابن هند لسان حاله والمقال، أم هو غيره ؟ انتظر ها هنا حتى يوافيك الجواب عن صاحب الرؤيا ولا أظن. وليتني عرفت ما مصير عدول الصحابة مناوئي معاوية ومنتقصيه بألسنة حداد، والداعين عليه في صلواتهم جهارا، والمتحاملين عليه في كل ندوة ومجتمع ؟ هل انتهرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وناول معاوية حربة جاء بها في لبتهم ؟ !.
[101]
39 - وجد أبو الفتح يوسف القواس في كتبه جزءا له فيه فضايل معاوية وقد قرضته الفأرة، فدعا الله تعالى على الفأرة التي قرضته، فسقطت من السقف ولم تزل تضطرب حتى ماتت، تاريخ بغداد للخطيب الحافظ 14: 327. هلم واضحك على عقلية هذا الحافظ المعتوه الذي يرى من كرامة معاوية على الله أن أهلك لأجله فأرة قرضت جزءا فيه فضائل معاوية، وقد أصفق أئمة الحديث كما أسلفناه على إنه لا يصح منها شيئ، وهل الفئران كلفت بولاء ابن آكلة الأكباد، والفأرة التي أصابته الدعوة قد شذت وخالفت أمتها وعادت معاوية فحقت عليها كلمة العذاب ؟ وهل المسكينة كانت عارفة بما في ذلك الجزء فأنكرته وسخطت عليه وقرضته وهي على بصيرة من أمرها ؟ وهل كانت لأبي الفتح القواس سابقة معرفة بتلك الفأرة فلما سقطت وماتت عرف أنها هي هي ؟ إني أعظك أن تكون من الجاهلين 40 - قال الكلواذي في قصيدة له: ولابن هند في الفؤاد محبة * مغروسة فليرغمن مفندي
رد عليه العلامة شهاب الدين أحمد الحفظي الشافعي بقوله: قل لابن كلواذي وخيم المورد * أوقعت نفسك في الحضيض الأوهد أفأنت تطمع يا سخيف العقل ! في * إرغام طه والوصي المهتدي ؟ والمسلمين الصادقي إيمانهم * بالله جل وبالنبي محمد ؟ أو لست أنت القائل البيت الذي * تصلى به وهج السعير المؤصد [ولابن هند في الفواد محبة * مغروسة فليرغمن مفندي] أرأيت ويلك ذا يقين لا يفند * ما يفوه به لسان الأبعد ؟ أو هل ترى إلا بقلب منافق * غرست محبة عجلك المتمرد ؟ أو ما علمت بأن من أحببته * رأس البغاة وخصم كل موحد ؟ لعن الوصي وبدل الأحكام وارتكب * الكبائر باللسان وباليد إن المحب مع الحبيب مقره * ولسوف تعلم مستقرك في غد
[102]
فعليكما سخط الإله ومقته * وعلى الذي بك في العقيدة يقتدي (1) توجد جملة ضافية من الآراء والأقوال الساقطة والأحلام الخيالية التافهة في الثناء على ابن هند في تاريخ ابن كثير 8: 139، 140، وتطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان لابن حجر الهيتمي (2) وغيرهما وفي المذكور غنى وكفاية. فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
(1) تقوية الإيمان ص 107. (2) طبع في هامش الصواعق المحرقة له.
[103]
الغلو الفاحش هاهنا ننهي البحث عن المغالاة في مناقب الخلفاء، ويهمنا عندئذ أن نوقف القارئ على شرذمة قليلة من الكثير الوافي مما نسجته يد الغلو من قصص الخرافة، وما لفقته الأهواء والشهوات من فضائل أناس من القوم منذ عهد الصحابة وهلم جرا، ونلمسك باليد الغلو الفاحش: - 1 - زيد بن خارجة يتكلم بعد الموت أخرج البيهقي بإسناده عن سعيد بن المسيب: إن زيد بن خارجة الأنصاري توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق، الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خبر بئر أريس، وما بئر أريس ؟. وفي لفظ آخر من طريق النعمان بن بشير قال: الأوسط أجلد الثلاثة الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم، كان يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان وبقي أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا، فلا نظام وانتجت الأكما، ثم ارعوى المؤمنين وقال: كتاب الله وقدره، أيها الناس: أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون: سلام عليكم، يا عبد الله ابن رواحة ! هل أحسست لي خارجة لأبيه وسعدا اللذين قتلا يوم أحد ؟ كلا إنها
[104]
لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى. ثم خفت صوته. فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا. هذا أحمد رسول الله، سلام عليك يا رسول الله ! ورحمة الله وبركاته. أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه قويا في أمر الله صدق صدق، وكان في الكتاب الأول إلخ وفي لفظ القاضي في الشفا: قال: انصتوا انصتوا. محمد رسول الله النبي الأمي و خاتم النبيين كان ذلك في الكتاب الأول. الخ راجع الاستيعاب 1: 192، تاريخ ابن كثير 6: 156، الشفا للقاضي عياض، الروض الأنف 2: 370، الإصابة 1: 565، ج 2، 24، تهذيب التهذيب 3: 410، الخصائص الكبرى 2: 85، شرح الشفا للخفاجي 3: 108 فقال: هذا مما روته الطبراني وأبو نعيم وابن مندة و رواه ابن أبي الدنيا عن أنس. وحكاه ص 105 عن ابن عبد البر وابن سيد الناس وابن الأثير والذهبي وابن الجوزي وابن أبي الدنيا. قال الأميني: نعمت الدعاية إلى مبادئ اعتنقها القوم ولم يقتنعوا بابتداعها حتى دعموها بأمثال هذه، وللمنقب أن يسهب في القول هاهنا لكنا نحيله إلى روية القارئ ولنا أن نسائل صاحب هذا المهزأة: هل القيامة قد قامت يوم مات فيه ابن خارجة فكلم الله فيه الموتى ؟ أو كان ذلك جوابا عن مسائلة البرزخ قد سمعه الملأ الحضور ؟ أو أن عقيدة الإمامية في مسألة الرجعة قد تحققت فرجع ابن خارجة - ولم يكن رجوعه في الحسبان - لتحقيق الحقايق، غير أن تحقيقه إياها لم يعد التافهات ؟ وهل كان ابن خارجة متأثرا من عدم إشادته بأمر خلافة الخلفاء إبان حياته وكان ذلك حسرة في قلبه حتى تداركه بعد الموت، وكان من كرامته على الله سبحانه أن منحه بما دار في خلده وهو ميت ؟ أو أن الله تعالى كلمه لإقامة الحجة على الأمة وأراه من الكتاب الأول ما لم يره نبيه الرسول الأمين، وأرجأ هذا البلاغ لابن خارجة ومنحه ما لم يمنحه صاحب الرسالة
الخاتمة ؟ وليت شعري لو كان ابن خارجة كشفت له عن الحقايق الراهنة الثابتة في الكتاب الأول، وأذن له ربه أن يبلغ أمة محمد صلى الله عليه وآله ما فيه نجاحها ونجاتها، فلما ذا أخفى عليها اسم رابع الخلفاء الراشدين - أو الخليفة الحق - ولم يذكره ؟ ! أو من الذي أنساه إياه فجاء بلاغا مبتورا ؟ أفتراه لم يأت ذكره في الكتاب الأول وما صدق وما
[105]
صدق، وهو نفس النبي الأعظم في الكتاب الثاني، والمطهر بآية التطهير، وقد قرنت ولايته بولاية الله وولاية رسوله ؟ إن هذا لشئ عجاب. ولعلك لا تعجب من هذه الهضيمة بعد ما علمت أن سلسلة هذه الرواية تنتهي إلى سعيد بن المسيب ونعمان بن بشير وهما هما، وقد أسلفنا البحث عنهما وأنهما في طليعة مناوئي أمير المؤمنين عليه السلام: وهنا مشكلة أخرى لا تنحل ألا وهي: إن ابن خارجة توفي في عهد عثمان و أيام خلافته، فهل الصحابة العدول أو عدول الصحابة رأوا هذه المكرمة من كثب و صدقوها وأذعنوا بنبأ ابن خارجة العظيم، ثم نسوها مع قرب عهدهم بها كما نسوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم في مائة ألف أو يزيدون، وأصفقوا على بكرة أبيهم المهاجر منهم والأنصار على قتل عثمان بعد تلك الحجة البالغة وما شذ منهم محتجا على المتجمهرين عليه بنبأ ابن خارجة، كأن لم يكن شيئا مذكورا ؟ وأنت تعرف مقدار عقلية أولئك الحفاظ ومكانتهم من العلم والدين والثقة بروايتهم أمثال هذه المخازي وعدهم إياها من الصحاح والمسانيد، قاتل الله الحب المعمي والمصم. - 2 - أنصاري يتكلم بعد القتل أخرج البيهقي في عد من تكلم بعد الموت قال: أنا أبو سعيد بن أبي عمر: ثنا
أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا يحيى بن أبي طالب: أنا علي بن عاصم: أنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال: بينما هو يوارون القتلى يوم صفين أو يوم جمل إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى فقال: محمد رسول الله. أبو بكر الصديق عمر الشهيد، عثمان الرحيم. ثم سكت. (1) قال الأميني: في الاسناد يحيى بن أبي طالب، قال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب عني في كلامه (2) وعلي بن عاصم قال خالد الحذاء: كذاب فاحذروه. وعن
(1) تاريخ ابن كثير 6: 158. (2) لسان الميزان 6: 262.
[106]
شعبة أنه قال: لا تكتبوا عنه. وعن يحيى بن معين: كذاب ليس بشئ: وعنه: ليس بشئ ولا يحتج به، ليس ممن يكتب حديثه، وقال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. (1) والنظر في المتن لدة النظر في سابقه فيأتي هاهنا جميع ما ذكر هنالك فليس القتيل الأنصاري عن ابن خارجة ببعيد. - 3 - شيبان يحيي حماره عن الشعبي قال: خرج رجل من النخع يقال له: شيبان في جيش على حمار له في زمن عمر، فوقع الحمار ميتا، فدعاه أصحابه ليحملوه ومتاعه فامتنع، فقام فتوضأ ثم قام عند رأسه فقال: أللهم إني أسلمت لك طائعا، وهاجرت مختارا في سبيلك ابتغاء مرضاتك، وإن حماري كان يعينني ويكفيني عن الناس، فقوني به، وأحيه لي، ولا تجعل لأحد علي منة غيرك. فنفض الحمار رأسه وقام فشد عليه ولحق بأصحابه. وذكر ابن أبي الدنيا من طريق مسلم بن عبد الله النخعي قصة مثل هذه وسمى صاحب
الحمار نباتة بن يزيد. وأخرج الحسن بن عروة قصة حمار عن أبي سبرة النخعي وقال: أقبل رجل من اليمن. الخ. تاريخ ابن كثير 6: 153، 292، الإصابة 2: 169. قال الأميني: ليس عزيز على الله أن يخلق في مجاهيل أمة محمد صلى الله عليه وآله في عسكر عمر من يضاهي روح الله عيسى بن مريم يحيي الموتى بإذنه ولو كان المحيى حمارا، غير إن هذه وأمثالها تخص برجال زمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم بمن يحبهم و يعتنق ولائهم، وإن جاء حديث في كرامة غيرهم فمن الصعب المستصعب قبوله، والعقل والشرع والمنطق والبرهنة تأباه، وهنالك يحق كل جبلة ولغط، ويجري كل ما يتصور من المناقشة في الحساب لماذا هي كلها ؟ أنا لا أدري وإن كان المحاسب يدري. وللقوم قصة حمار عدوها من دلائل النبوة ذكرها ابن كثير بالإسناد المتصل في تاريخه 6: 150 ونحن نذكرها محذوف السند ونحيل البحث عنها إلى أولي الألباب
(1) تهذيب التهذيب 7: 345 - 348.
[107]
من الأمة المسلمة. عن أبي منظور قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج بغال، وأربعة أزواج خفاف، وعشر أواق ذهب وفضة، وحمار أسود ومكتل، قال: فكلم النبي صلى الله عليه وسلم الحمار، فكلمه الحمار فقال له: ما اسمك ؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أعثر به عمدا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سميتك يعفور، يا يعفور ! قال: لبيك. قال: تشتهي الإناث ؟ قال: لا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب
فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كان لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. - 4 - عصا أسيد وعباد عن أنس: كان أسيد بن حضير، وعباد بن بشر عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر. صحيح البخاري 6: 3، إرشاد الساري 6: 154، طرح التثريب 1: 35، أسد الغابة 3: 101، تاريخ ابن كثير 6: 152. قال الأميني: أتصدق إن أحدا لم يكن من علية الصحابة كانت له هذه الكرامة الباهرة في أوليات الاسلام على عهد الصادع الكريم، وتخفى على كل الناس وينحصر علمها بأنس ولم يروها غيره، ولم تشتهر عنه في الملأ الديني ؟ ! ؟ ! أتصدق أن يكون الرجلان لهذه المكانة الرابية من الفضيلة وهما من متأخري المسلمين أسلما بالمدينة، ولم يذكرهما نبي العظمة بتلك الكرامة ولو همسا، ولم
[108]
يعرفهما أمته ولو ركزا، ولم يعرفهما رجال الدين تبلكم المكرمة طيلة حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ لعلك لا يعزب عنك لماذا استحق أسيد هذه المنقبة، وإنها إنما اختلقت بعد رسول الله للرجل لتقدمه على المهاجرين والأنصار يوم السقيفة ببيعة أبي بكر، وهو أول رجل من الأنصار بايع يوم ذاك وشق عصا المسلمين، قال ابن الأثير (1) له في بيعة أبي بكر أثر عظيم. وقال: كان أبو بكر الصديق يكرمه ولا يقدم عليه أحدا. فهو
حري بتلك البيعة أن يشرف بوسام من محبذي ذلك الانتخاب الدستوري الذي لم يكن عن جدارة، كما استحق بها أبو عبيدة الجراح - حفار القبور - أن يقبل رجله عمر بن الخطاب (2) ومن هنا تجد عائشة تثني على أسيد بقولها: كان من أفاضل الناس وقولها: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا بعد رسول الله: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر (3)، تقوله أم المؤمنين وهي تعلم أن من الأنصار بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بقية صالحة بدريون عقمت أم الدهور أن تأتي بمثلها كأبي أيوب الأنصاري، وخزيمة ذي الشهادتين، وجابر بن عبد الله، وقيس بن سعد، إلى أناس آخرين. نعم: هؤلاء لا يروق أم المؤمنين ذكرهم لأنهم علويون في ولائهم، وأما أسيد فهو جدير بهذه المدحة البالغة من أم المؤمنين لنقضه عهد المصطفى في أخيه علم الهدى، وتسرعه إلى بيعة أبيها وتدعيمه خلافته، فهو تيمي المبدأ والمنتهى. وعباد بن بشر لا تقصر خطواته في تلك الخلافة عن أسيد، وقد قتل تحت راية أبي بكر يوم اليمامة، ولعائشة ثناء جميل عليه. - 5 - خمر صارت عسلا بدعاء خالد عن الأعمش عن خيثمة قال: أتى خالد بن وليد برجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا ؟ فقال: عسل. فقال: أللهم اجعله خلا فلما رجع إلى أصحابه قال: جئتكم
(1) أسد الغاية: 1: 92. (2) تاريخ ابن كثير 7: 55. (3) أسد الغابة 3: 100، مجمع الزوايد 9: 310.
[109]
بخمر لم يشرب خمر مثله. ثم فتحه فإذا هو خل. فقال: أصابته والله دعوة خالد رضي الله عنه. وفي لفظ: اللهم اجعله عسلا فصار عسلا. تاريخ ابن كثير 7: 114، الإصابة
1: 414. قال الأميني: إقرأ صحيفة حياة خالد السوداء مما مر في الجزء السابع ص 156 - 168 ط 1 وسل عنه بني جذيمة ومالك بن نويرة وامرأته، وسل عنه عمر الخليفة، حتى تعرفه بعجره وبجره، ثم احكم بما تجد الرجل أهلا له. - 6 - أبو مسلم لا تحرقه النار دعا الأسود العنسي - المتنبي - أبا مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب اليمني التابعي المتوفى 60 / 62 فأجج الأسود نارا عظيمة وألقى فيها أبا مسلم فلم تضره، وأنجاه الله منها، فكان يشبه بإبراهيم الخليل، فوفد على أبي بكر مسلما فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله. وفي لفظ ابن كثير: فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أري في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل وقبله بين عينيه. الاستيعاب 2: 666، صفة الصفوة 4: 181، تاريخ ابن عساكر 7: 318، تذكرة الحفاظ للذهبي 1: 46، تاريخ ابن كثير 8: 146، شذرات الذهب 1: 70، تهذيب التهذيب 12: 236، وذكره السيد محمد أمين ابن عابدين في العقود الدرية 2: 393 عن جده العمادي في رسالته (الروضة الريا فيمن دفن في داريا) نقلا عن أبي نعيم وابن عساكر وابن الزملكاني وابن كثير. - 7 - أبو مسلم يقطع دجلة بدعاءه أتى أبو مسلم الخولاني يوما على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر، ثم
نهر دابته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا.
[110]
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7: 317 - 8 - سبحة أبي مسلم تسبح بيده كان أبو مسلم الخولاني بيده سبحة يسبح بها فنام والسبحة بيده فاستدارت والتفت على ذراعه وجعلت تسبح فالتفت إليها وهي تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات. فقال لزوجته: هلمي يا أم مسلم ! وانظري أعجب الأعاجيب، فجاءت والسبحة تدور تسبح فلما جلست سكتت أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7: 318. - 9 - وفد يسافر بلا زاد ولا مزاد كان أبو مسلم الخولاني أتاه جماعة من قومه فقالوا له: أما تشتاق إلى الحج ؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا فقالوا: نحن أصحابك، فقال: لستم لي بأصحاب أنا أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد قالوا: سبحان الله وكيف يسافر قوم بلا زاد و لا مزاد ؟ فقال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها وهي لا تبيع ولا تشتري ولا تحرث ولا تزرع ؟ قالوا: فإنا نسافر معك فقال لهم: تهيأوا على بركة الله. فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم ! طعام لنا وعلف لد وابنا فقال لهم: نعم فتنحى بعيدا فتسنم أحجارا فصلى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، و إنما خرجت زائرا لك، وقد رأيت البخيل من أولاد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى وإنا أضيافك وزوارك فأطعمنا واسقنا واعلف دوابنا، فأتي بسفرة
فمدت بين أيديهم، وجئ بجفنة من ثريد تنجر، وجئ بقلتين من ماء، وجئ بالعلف لا يدرون من يأتي به، فلم تزل هذه حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا لا يتكلفون زادا ولا مزادا. أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7: 318. قال الأميني: أنا لم أفض في المقام بذأمة، وإنما أوجه نظر الباحث شطر كلمة
[111]
طاش كبرى زادة قال في مفتاح السعادة 3: 345: من يخوض في البراري من غير زاد لتصحيح التوكل ذلك بدعة إذ السلف كانوا يأخذون الزاد ويتوكلون. - 10 - دعاء أبي مسلم لمرأة وعليها كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل داره فكان في وسطها كبر فيدخل فينزع ردائه وحذاءه وتأتيه إمرأته بطعام فيأكل فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه، ثم أتى باب البيت فكبر وسلم وكبر فلم تجبه، وإذا البيت ليس فيه سراج وإذا هي جالسة بيدها ود (كذا) تنكت به الأرض فقال لها: مالك ؟ فقالت: الناس بخير وأنت أبو مسلم لو إنك أتيت معاوية فيأمر لك بخادم ويعطيك شيئا تعيش به ؟ فقال: أللهم من أفسد علي أهلي فاعم بصره. وكانت أتتها امرأة فقالت: أنت امرأة أبي مسلم الخولاني فلو كلمت زوجك يكلم معاوية ليخدمكم ويعطيكم. فبينا هذه المرأة في منزلها إذا أنكرت بصرها فقالت: سراجكم طفئ ؟ فقالوا: لا. فقالت: إنا لله، ذهب بصري، فأتت إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده الله وتطلب إليه حتى دعا الله فرد بصرها ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها. أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7: 317. قال الأميني: ما أقسى صاحب هذه المعاجز حيث أعمى امرأة مسلمة من غير ذنب تستحق لأجله مثل هذه العقوبة ؟ فإن مراجعة معاوية كبقية المسلمين وهو أميرهم فيما
حسبوه - والرجل في الرعيل الأول من شيعته - للتوسيع عليه ليس فيها اقتراف مأثم ولا اجتراح سيئة تستحق المسكينة عليها التنكيل بها، فهلا دعا الله سبحانه أن يهديها وامرأته أن يثبت قلبيهما على الصبر والتقوى إن كان يعلم من نفسه إجابة دعوته ؟ لكنه أبى إلا القسوة، أو أن المغالي في فضله افتعل له ذلك ذاهلا عن إن ما افتعله يمس كرامة الرجل، ونحن نجل ساحة قدس المولى سبحانه عن أن تكون عنده إجابة لمثل هذه الدعوة الصادرة عن الجهل. - 11 - الظبي يحبس بدعاء أبي مسلم أخرج ابن عساكر في تاريخه 7: 317 عن بلال بن كعب قال: ربما قال الصبيان
[112]
لأبي مسلم الخولاني: ادع الله يحبس علينا هذا الظبي فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم. قال الأميني: لقد راق القوم أن لا يدعوا للأنبياء والرسل معجزة أو آية إلا و سحبوها إلى من أحبوه من رجال عاديين، بل راقهم أن يثبتوا لأوليائهم كل شئ أباحه العقل أو أحاله، أنا لا أدري أيريدون بذلك تخفيضا من مقام الرسل ؟ أو ترفيعا لهؤلاء ؟ ! وأياما أرادوا فحسب رواة السوء رواية غير المعقول، وخلط الحابل بالنابل. أتعرف أبا مسلم الخولاني صاحب هذه الخزعبلات ؟ أتدري لماذا استحق الرجل بنسج هذه الكرامات له على نول الافتعال ؟ أتصدق أن يكون تحت راية ابن هند في الفئة الباغية رجل إلهي يؤمن به وبإيمانه، ويصدق زلفاه إلى ربه، فضلا عن أن يكون صاحب حفاوة وكرامة ؟ ! ؟ ! أتزعم أن تربي قاعة الشام في عصر معاوية إنسانا يعرف ربه، ويكون من أمره على بصيرة، ولا تزحزحه عن سبيل الحق والرشاد رضايخ ذلك الملك العضوض ؟ ! نعم إنما نسجت يد الاختلاق هذه المفتعلات كوسام لأبي مسلم
شكرا على تقدمه في ولاء أبناء بيت أمية، وعداءه المحتدم لأهل بيت الوحي، كان الرجل عثمانيا أموي النزعة، خارجا على إمام زمانه تحت راية القاسطين، وهو القائل: يا أهل المدينة ! كنتم بين قاتل وخاذل، فكلا جزى الله شرا، يا أهل المدينة ! لأنتم شر من ثمود إن ثمود قتلوا ناقة الله، وأنتم قتلتم خليفة الله، وخليفة الله أكرم عليه من ناقته. وهو الذي كان سفير معاوية إلى علي في حرب صفين، وقد أتى ببعض كتبه إلى الإمام عليه السلام ولما أقام عليه السلام عليه الحجة وأفحمه فخرج وهو يقول: الآن طاب الضراب وهو الذي كان يرتجز يوم صفين ويقول: ما علتي ما علتي وقد لبست درعتي أموت عند طاعتي ؟ ! (1) أترى من يموت في طاعة ابن هند، ويركض وراء أهوائه وشهواته، ويتخذه إماما متبعا في أفعاله وتروكه، ويحارب إمام زمانه المطهر بلسان الله تعالى ولم يعرفه، ويضرب الصفح عما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حرب علي عليه السلام وسلمه عامة، وفي
(1) صفين نصر بن مزاحم 95 - 98، تاريخ ابن عساكر 7: 319، شرح ابن أبي الحديد 3: 408.
[113]
قتاله يوم صفين خاصة، وتكون له خطوات واسعة وأشواط بعيدة في تلكم البوائق المدلهمة، والمواقف الموبقة، توهب له من المولى سبحانه وتعالى تلك المنزلة الرفيعة من الكرامة التي تضاهي منازل الأنبياء، ويقصر عنها مقام كل ولي صادق ؟ ! لا ها الله، إن هي إلا اختلاق، لا تساعدها البرهنة الصادقة، ولا يسوغها الاسلام ومبانيه ومباديه، ولا يقبلها العقل والمنطق. قاتل الله العصبية العمياء، إلى أي هوة من التعاسة والانحطاط تحدو البشر ؟ تجعل أبا مسلم الشامي الخارجي الباغي المحارب إمام وقته زاهدا عابدا ناسكا ذا كرامات ومقامات، وتعرف سيد غفار أشبه الناس بعيسى بن مريم زهدا وهديا وبرا
ونسكا، الممدوح بلسان النبي الأعظم (1) شيوعيا اشتراكيا يموت في المعتقل غفرانك اللهم وإليك المصير. - 12 - الربيع يتكلم بعد الموت عن ربعي بن خراش (2) العبسي قال: مرض أخي الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال: السلام عليكم، قلنا: وعليك السلام، قدمت ؟ قال: بلى ولكن لقيت بعدكم ربي ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، وإن الأمر كما ترون، فسددوا وقاربوا، وبشروا و لا تنفروا (3). وفي لفظ أبي نعيم: إنه توفي أخي - ربيع بن حراش - فبينا نحن حوله وقد بعثنا من يبتاع له كفنا إذ كشف عن وجهه فقال: السلام عليكم. فقال القوم: وعليك السلام يا أخاه ! عيشا بعد الموت ؟ يعني حياة. قال: نعم إني لقيت ربي بعدكم فلقيت
(1) راجع الجزء الثامن ص 315 - 324 ط 1. (2) كذا بالمعجمة في غير واحد من المصادر والصحيح كما في تهذيب التهذيب: حراش. مهملة الأول. (2) تاريخ ابن كثير 6: 158، الروض الأنف 2: 370، صفة الصفوة 3: 19.
[114]
ربا غير غضبان، واستقبلني بروح وبريحان واستبرق، ألا وإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ينتظر الصلاة علي، فعجلوا بي ولا تؤخروني، ثم كان بمنزلة حصاة رمي بها في الطست (1). وفي لفظ: مات أخي الربيع فسجيته فضحك فقلت: يا أخي ! أحياة بعد الموت ؟ قال: لا، ولكني لقيت ربي فلقيني بروح وريحان ووجه غير غضبان، فقلت: كيف
رأيت الأمر ؟ قال: أيسر مما تظنون، فذكر لعائشة فقالت: صدق ربعي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أمتي من يتكلم بعد الموت (2). قال الأميني: لست أدري لماذا استحال القوم القول بالرجعة، وليست هي إلا رجوع الحياة للميت بعد زهوق النفس، وهم يروون أمثال هذه الرواية وما مر في ص 103 مخبتين إليها من دون أي غمز بها، وإن مغزاها إلا من مصاديق الرجعة. نعم لهم أن يناقشوننا الحساب باقترابها من الموت وبعدها عنه، أو بطول أمدها وقصره، أو بقصر جوازها على تأييد المذهب فحسب، أو بحصر نطاقها بغير العترة الطاهرة فقط، غير إن هذه كلها لا تؤثر في جوهرية الامكان، ولا تصيره محظورا غير سائغ عقلا أو شرعا. وشتان بين قصة ابن حراش هذه وبين ما جاء به ابن سعد في طبقاته 3: 273 عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يريني عمر في النوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبهته فقلت: يا أمير المؤمنين ! ما فعلت ؟ فقال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت. وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 99. وأخرج ابن الجوزي في سيرة عمر ص 205 عن عبد الله بن عمر قال: رأى عمر في المنام فقال: كيف صنعت ؟ قال: خيرا. كاد عرشي يهوى لولا إني لقيت ربا غفورا. فقال: منذ كم فارقتكم ؟ فقلت: منذ اثنتي عشر سنة. فقال: إنما انفلت الآن من الحساب وروى نحوه الحافظ المحب الطبري في الرياض 2: 80. هذا عمر الخليفة وحراجة موقفه في الحساب، لا يستقبله ربه بروح وريحان، ولا يكسوه ثيابا من استبرق أخضر، ولا انتظر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه، وقد انفلت
(1) حلية الأولياء 3: 212. (2) الخصايص الكبرى 2: 149.
[115]
من الحساب بعد اثنتي عشرة سنة، ولولا رحمة ربه لهلك. وذاك ابن حراش (1) وأمره الأمر السريع، فانظر مآل الرجلين واحكم. - 13 - أربعة آلاف تعبر الماء عن أبي هريرة وأنس قالا: جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده إلى السماء، وما نرى في السماء شيئا، قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا، وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم. ثم قال: أجيزوا بسم الله. قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا. وفي لفظ الصفوري: وكان الجيش أربعة آلاف. فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمي في جنازته. قال: فحفرنا له وغسلناه ودفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا ؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرمي فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، وإذا اللحد مد البصر نور يتلألأ، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا (2). قال الأميني: نحن لا ننبس هاهنا ببنت شفة ولا نحوم حول إسناده الباطل، ولا نؤاخذ رواة القصة بقولهم في الحضرمي: هذا خير البشر. وإنه كذب فاحش يخالف
(1) لا يوجد له ذكر في معاجم التراجم. (2) تاريخ ابن كثير 6: 155، نزهة المجالس 2: 191، وأوعز إليها ابنا الأثير وحجر في أسد الغابة 4: 7، والإصابة 2: 498 فقالا: خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها.
[116]
ما أجمعت عليه الأمة، وليس على الله بعزيز أن يجعل أفراد جيش جهزه عمر كلها صاحب كرامة، لكنا لا نعرف معنى قولهم: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، أي أرض هذه ؟ وفي أي قطر هي ؟ وهل هي تعرف بهذه الصفة عند الملأ ؟ وهل هي شاعرة بخاصتها هذه أو لا تشعر ؟ وهل هي باقية عليها إلى يومنا هذا ؟ وكيف شذت عن بقاع الأرض بهذه الخاصة ؟ ولماذا هي ؟ وكيف تخلفت عن ذاتيها في خصوص هذا المقبور ؟ وهل كان الرجل في القبر لما نبشوه مجللا بالأنوار وقد أعشتهم عن رؤيته فحسبوه مفقودا، أو إنه غادر القبر إلى جهة لا تعرف، وترك فيه أنواره ؟ أنا لا أدري، وهل في منة الراوي أو مدرن القصة أو مفتعلها أو من قاصها الجواب عن هذه الأسؤلة ؟ - 14 - جيش تعبر الماء بدعاء سعد أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا إلى مدائن كسرى، فلما بلغوا شاطئ الدجلة لم يجدوا سفينة فقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو أمير السرية، وخالد بن الوليد رضي الله عنه: يا بحر ! إنك تجري بأمر الله، فبحرمة محمد صلى الله عليه وسلم وعدل عمر رضي الله عنه إلا ما خليتنا والعبور. فعبروا هم وخيلهم وجمالهم فلم تبتل حوافرها. (1) قال الأميني: ليس في إمكان حوافر الخيل والجمال أن تبتل بعد دعاء ذلك الرجل الإلهي العظيم - سعد - المتخلف عن بيعة الإمام المعصوم، والخارق لإجماع الأمة وهي لا تجتمع على الخطاء، ولا سيما إذا شفعته بزميله خالد بن الوليد الزاني الفاتك الهاتك صاحب المخازي والمخاريق، وإلى الغاية لم يتضح لنا إن الله تعالى بماذا أبر قسم الرجل
أبمجموع المقسم به من حرمة محمد وعدل عمر ؟ بحيث كان إبرار القسم منبسطا عليهما معا على حد سواء. أم أنه وليد القسم بحرمة محمد صلى الله عليه وآله فحسب ؟ لما نرتأيه من عدم قيام وزن لعدل عمر عند من أمعن النظرة في أفعاله وتروكه، وقد أسلفنا نبذا من ذلك في نوادر الأثر في الجزء السادس.
(1) نزهة المجالس للصفوري 2: 191.
[117]
- 15 - دعاء سعد يؤخر أجله أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 1: 140 من طريق لبيبة قال: دعا سعد فقال: يا رب إن لي بنين صغارا فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة. قال الأميني: ما أكرم أولاد سعد على الله وفيهم عمر بن سعد قاتل الإمام السبط الشهيد ؟ فحقا كان على الله أن يستجيب دعوة سعد ويؤخر أجله حتى يربي من له قدم وأي قدم في قتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبادة أهله. وليتني أدري من الذي أخبر سعدا أو لبيبة أو من روى القصة ومن حفظها بأن سعدا قد أتاه أجله المحتوم الذي إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (1) و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا (2) فأخره الله عنه ببركة دعاءه عشرين عاما مدة معينة ؟ هل تجد مثل هذا العلم عند العاديين من البشر أمثال سعد ولبيبة ؟ وهل لكل ابن أنثى طريق إلى الكشف عن تلكم المغيبات ؟ نعم ليس على الله بمستنكر أن يطلع على غيبه أي إنسان خلق جهولا سعيدا أو شقيا، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. (3) - 16 - سحابة تروي وتنبت
عن الحسن البصري قال: مات هرم بن حيان - في خلافة عثمان - في يوم صائف شديد الحر فلما نفضوا أيديهم عن قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه ولا أقصر فرشته حتى روته ثم انصرفت. وفي لفظ قتادة: أمطر قبر هرم بن حيان من يومه، وأنبت العشب من يومه. (4) نحن لا نستعظم هذه الكرامة لهرم بن حيان في مماته، فإن بقائه في بطن أمه أربع
(1) سورة يونس 49. (2) سورة آل عمران: 145. (3) سورة الجن: 26، 27. (4) حلية الأولياء 2: 122، صفة الصفوة 3: 139، الإصابة 3: 601.
[118]
سنين (1) أعظم وأعجب، سبحان الخالق القادر. - 17 - إبراهيم التيمي يواصل أربعين عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم التيمي المتوفى 92: بلغني إنك تمكث شهرا لا تأكل شيئا. فقال: نعم وشهرين، وما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب ناولنيها أهلي فأكلتها ثم لفظتها في الحال. كذا في طبقات الشعراني 1: 36، وفي إحياء العلوم للغزالي 1: 309: إنه كان يمكث أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب. لعل النطس وعلماء الطب يضحكون على هذه العقلية السخيفة، غير إن قصة الطوي عند القوم مشكلة لا تنحل، يحار دونها العقل، ولا يسمع فيها قضاء الطبيعة، ولا يتخذ فيها الناموس المطرد مما خلق الله عليه البشر، ولا يصححها إلا المغالاة في الفضائل، وهناك فئة تضاهي إبراهيم التيمي في هذه الدعوى المجردة، أو تربو عليه في الفضيلة،
وسيوافيك ذكر بعضها. - 18 - حافظ دعا على رجل فمات روى غيلان بن جرير البصري: إن رجلا كذب على مطرف بن عبد الله الحافظ البصري المتوفى سنة 95 فقال مطرف، اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا (2). قال الأميني: ليس هذا المستجاب دعوته ببعيد في القسوة عن أبي مسلم الخولاني الذي أعمى المرأة من غير ذنب، والكذب وإن كان محرما لكن ليس الجزاء عليه إعدام صاحبه، وليس من السهل السائغ أن تستجاب دعوة كل غير معصوم على من عادى عليه وفيهم من رجال الغضب الثائر مثل أبي مسلم الخولاني ومطرف البصري، وإلا لوجب على الأمة المستجابة دعوتهم أن تدعو على الكذبة، وعلى الله أن يجيبهم بقتل رواة هذه
(1) راجع تفسير روح البيان 4: 347. (2) طبقات الحفاظ الذهبي 1: 60، دول الاسلام 1: 47، الإصابة 3: 479، تهذيب التهذيب 1: 173.
[119]
القصص فتشاد وتعمر بقاع بأجداث كثيرين من الحفاظ وأئمة الحديث ورماة القول على عواهنه، حتى تستريح أمة محمد صلى الله عليه وآله من هذه السفاسف التي لا مقيل لها من الاعتبار، ولا لها نهاية. - 19 - سحابة تظل كرز بن وبرة عن أبي سليمان المكتب: قال صحبت كرز بن وبرة إلى مكة فكان إذا نزل أخرج ثيابه فألقاها في الرحل ثم تنحى للصلاة فإذا سمع رغاء الإبل أقبل، فاحتبس يوما عن الوقت، فانبث أصحابه في طلبه فكنت فيمن طلبه قال: فأصبته في وهدة يصلي في ساعة
حارة وإذا سحابة تظله فلما رآني أقبل نحوي فقال: يا أبا سليمان ! لي إليك حاجة، قال: قلت: وما حاجتك يا أبا عبد الله ؟ ! قال: أحب أن تكتم ما رأيت. قال: قلت ذلك لك يا أبا عبد الله ! فقال: أوثق لي فحلفت ألا أخبر به أحدا حتى يموت. حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم 5: 80، الإصابة 3: 321. - 20 - فقير يجعل الأرض ذهبا عن الحسن البصري رحمة الله عليه قال: كان بعبادان رجل فقير أسود يأوي إلى الخرابات فحصل معي شيئ فطلبته فلما وقعت عينه علي تبسم وأشار بيده إلى الأرض فصارت الأرض كلها ذهبا تلمع ثم قال: هات ما معك. فناولته وهالني أمره فهربت. الروض الفائق ص 126. إقرأ وتعجب. اضحك أو ابك. - 21 - الغطفاني ميت يتبسم عن الحارث الغنوي قال: آلى ربعي بن حراش الغطفاني المتوفى 101 / 4، أن لا يضحك حتى يعلم في الجنة هو أو في النار، فلقد أخبرني غاسله إنه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه. صفة الصفوة لابن الجوزي 3: 19، طبقات الشعراني 1: 37، تاريخ ابن عساكر 5: 298.
[120]
- 22 - عمر بن عبد العزيز في التوراة عن خالد الربعي قال: مكتوب في التوراة: إن السماء والأرض لتبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا.
الروض الفائق للحريفيش ص 255. لعل هذه الخاصة لعمر بن عبد العزيز خاصة بتوراة الربعي فإن توراة موسى عليه السلام ما كانت موجودة في تلكم العصور، فلا يقف عليها الربعي وغيره، وأما التوراة المحرفة فأي حجة لما فيها من أساطير، على إن نسخ التوراة الموجودة الآن على اختلاف طبعاتها خالية عن هذا العز والمختلق. وحسبك في عرفان خطر عمر بن عبد العزيز قول الإمام أحمد بن حنبل لما سئل: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز: فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز (1) وقال عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. و في لفظ: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز. (2) فما خطر رجل يكون تراب منخر ابن هند أو منخر جواده أفضل منه حتى يذكر في التوراة ؟ أو تبكي عليه السماء والأرض أربعين يوما ؟ فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين. - 23 - رعاء الشاة في خلافة عمر بن عبد العزيز قال اليافعي في - روض الرياحين - ص 165: حكي إنه لما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة قال رعاء الشاة في رأس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس ؟ فقيل لهم: وما أعلمكم بذلك ؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كف الذئاب والأسد عن شياهنا.
(1) شذرات الذهب 1: 65. (2) تاريخ ابن كثير 8: 139، الصواعق ص 127.
[121]
قال الأميني ما أعرف السباع المفترسة في القرون الخالية بصالح الخلفاء من طالحهم، حتى كفت عن الفرس والعدوان جريا على الصالح العام ؟ وما أجهل به الانسان الظلوم الجهول حتى حاد عنه وخاصمه وعانده وحاربه وقاتله ؟ ولو كانت هذه السيرة مطردة في السباع في كل أدوار الحياة، ولم يكن هذا الشعور الحي من خاصة سباع عصر عمر بن عبد العزيز ورعاءه ؟ لكانت لها أن تفني شياه الدنيا ولم تبق منها شيئا يوم معاوية ويزيد وهلم جرا، أو ارجع إلى الوراء القهقرى. - 24 - كتاب براءة لعمر بن عبد العزيز كان عمر بن عبد العزيز يأتي المساجد المهجورة في الليل فيصلي فيها ما يسر الله عز وجل، فإذا كان وقت السحر وضع جبهته على الأرض، ومرغ خده على التراب، ولم يزل ييكي إلى طلوع الفجر، فلما كان في بعض الليالي فعل ذلك على العادة، فلما فرغ ورفع رأسه من صلاته وتضرعه وجد رقعة خضراء قد اتصل نورها بالسماء مكتوب فيها: هذه برائة من النار من الملك العزيز لعبده عمر بن عبد العزيز. وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن عبد العزيز بن أبي سلمة: إن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب فقرأوها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، براءة من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه. تاريخ ابن كثير 9: 210، الروض الفائق للحريفيش ص 256. وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. قال الأميني: سوف يتبين الرشد من الغي يوم العرض الأكبر.
- 25 - امرأة تلد بدعاء مالك ابن أربع سنين أخرج البيهقي في السنن الكبرى 7: 443 بإسناده عن هاشم المجاشعي قال: بينما
[122]
مالك بن دينار - المتوفى 123 وقيل غير ذلك - يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى ! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك و أطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء، ثم دعا فقال: أللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجها عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت أسراره. قال الأميني: ليس من المستحيل التلفظ بالمحال، لكن التقوى أو الحياء يزع كل منهما الانسان عن أن يلهج بما هو خارج عن مستوى المعقول. ألا من مسائل هذا الراوي عن إن رحم المرأة هل فيها تمطط فتبلغ من السعة ما يقل ابن أربع سنين وقد استوت أسنانه ونبت شعره ويركب الرقاب ؟ وهب إن فيها تمططا فهل ما يحويها من بنية البدن له مثل ذلك التمطط ؟ فيجب عليه أن يكون في هيئة الحامل إذن تضخما أكثر من النساء العاديات، فهل كانت أم الغلام هكذا ؟ أو إنها بقيت على حالتها وهي كرامة أخرى لأحد من عباد الله ؟ سبحان الذي تولى كلائة هذه المرأة المسكينة عن أن تنكسر عظامها، وتنقطع عروقها، وينفتق جلدها ولحمها، وقد فعل سبحانه ما أراد في الزمن من الماضي. ورحم الله مالك بن دينار لولا دعائه للمرأة المسكينة لكان يبقى جنينها في بطن
أمه أربعين عاما أو إلى ما شاء الله. ثم هل كان المولود في بطن أمه أنثى فأبد له دعاء ابن دينار ذكرا ؟ أو أنه كان ذكرا ولا صلة للدعاء المذكور به، وأن الله هو الذي يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ؟ وإن من المقطوع به إن في تلك الساعة كان قد أفرزت خلقة المولود وصور مثاله فلم يبق فيه بعد مجال للتغير والتأثر وإنه إما ذكر أو أنثى، فلا محل من الإعراب لدعاء ابن دينار: [وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما] غير أنه دعا، وهل كانت له هذه
[123]
الدعوة المستجابة بعد الولادة أخذا بقوله: إنك تمحو ما تشاء وتثبت ؟ لعلها له وليس على الله بعزيز، ولا يسئل عما يفعل، وهو على كل شئ قدير. - 26 - ناصبي مستجاب الدعوة قال الجريري سعيد بن إياس المتوفى 144: كان عبد الله بن شقيق العقيلي أبو عبد الرحمن البصري مجاب الدعوة كانت تمر به السحابة فيقول: أللهم لا تجوز كذا و كذا حتى تمطر. فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر. حكاه ابن أبي خيثمة في تاريخه [تهذيب التهذيب 5: 254]. قال الأميني: لعلك لا تستبعد إجابة دعوة ولي من أولياء الله وتراها غير عزيز على المولى سبحانه كرامة لصالحي عباده، بيد إن هذه النسبة تبعد من العقيلي بعد المشرقين بعد ما عرفه الملأ ممن نصب العداء لسيد العترة قال ابن خراش: كان عثمانيا يبغض عليا، وقال أحمد بن حنبل: كان يحمل على علي (1) فأي كرامة لابن أنثى لا يوالي سيد العرب أمير المؤمنين فضلا عن أن يعاديه بعد ما ثبت عن النبي الأقدس من الدعوة المستجابة بقوله في علي عليه السلام: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، (2) وبعد عهد النبي صلى الله عليه وآله إليه سلام الله عليه إنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق (3) وبعد قوله صلى الله عليه وآله: يا علي لا يبغضك
مؤمن ولا يحبك منافق (4) وبعد قوله صلى الله عليه وآله: لا يحب عليا المنافق، ولا يبغضه مؤمن (5) وبعد قوله صلى الله عليه وآله: لولاك يا علي ! ما عرف المؤمنون بعدي (6) وبعد قوله صلى الله عليه وآله: والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان (7) وبعد قوله صلى الله عليه وآله:
(1) تهذيب التهذيب 5: 254. (2) راجع حديث الغدير في الجزء الأول من كتابنا هذا. (3) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث ص 161. (4) راجع ما مر في الجزء الثالث 162. (5) راجع ص 163 من الجزء الثالث. (6) راجع ص 164 من الجزء الثالث. (7) يأتي في مسند المناقب بمصادره.
[124]
يا علي أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي. (1) وبعد قوله صلى الله عليه وآله: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (2) وبعد قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني (3) إلى أحاديث جمة. فكيف يسع لمسلم يصدق رسول الله صلى الله عليه وآله في أقواله هذه أن يذعن بكرامة ابن شقيق مبغض علي عليه السلام والمتحامل عليه بالوقيعة فيه، ويراه مستجاب الدعوة، نافذ المشيئة في السحاب. نعم يسوغه الغلو في الفضائل لا عن دراية وأما الجريري راوي هذه المهزأة فقد عرفت في ما مر في هذا الجزء: إنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، وهذه الرواية من آيات اختلاطه. - 27 - السختياني ينبع الماء
أخرج أبو نعيم في (حلية الأولياء) 3: 5 بالإسناد عن عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوب السختياني (4) على حراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي فقال. ما الذي أرى بك ؟ قلت: العطش، وقد خفت على نفسي، قال: تستر علي ؟ قلت: نعم. قال: فاستحلفني فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام حيا، قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي من الماء قال: فما حدثت به أحدا حتى مات. وفي [الروض الفائق] ص 126: كان جماعة مع أيوب السختياني في سفر فأعياهم طلب الماء فقال أيوب: أتسترون علي ما عشت ؟ فقالوا: نعم. فدور دائرة فنبع الماء قال: فشربنا فلما قدموا البصرة أخبر به حماد بن زيد. قال عبد الواحد بن زيد: شهدت معه ذلك اليوم.
(1) مستدرك الحاكم 3 ص 128 وصححه ووثق الذهبي رواته. (2) مستدرك الحاكم 3 ص 135 وصححه. (3) مستدرك الحاكم 3 ص 142 صححه الحاكم والذهبي. (4) توفي سنة 121 توجد ترجمته في حلية الأولياء 3: 3 - 14
[125]
- 28 - شيخ يبيع القصر في الجنة أتى رجل من أهل خراسان حبيب بن محمد العجمي البصري يريد مكة وقال له: يا شيخ ! اشتر لي دارا ودفع إليه مالا وخرج إلى مكة فأخذ حبيب المال فتصدق به فلما قدم الرجل قال له: إذهب بي إلى الدار التي اشتريتها فأرنيها فقال له: إنك لا تراها اليوم ولكن إذا مت تراها فقال له الخراساني: اكتب إلي عهدتها حتى أذهب بها إلى خراسان فكتب له حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى حبيب قصرا في الجنة
كذا وكذا، وارتفاعه كذا كذا في الجنة. ثم ختم الكتاب ودفعه إليه فأخذه الرجل فذهب به إلى خراسان إلى أهله فقالوا له: أنت مجنون لولا إنك ضيعت مالك لذهب بك إلى الدار، ولكن هذا شأن مجنون، فبقي الرجل ما شاء الله، فلما حضره النزع قال لأهله: إجعلوا هذا الكتاب في كفني، فلما مات وضعوه في أكفانه وحملوه إلى القبر فأصبح حبيب بالبصرة وإذا الكتاب عنده في بيته وفي ذيله: يا أبا محمد ! إن الله قد سلم إليه القصر الذي اشتريته له فذهب إلى أهل الرجل وقال لهم: إن الله قد سلم إلى أبيكم القصر، وهذه العهدة فبصروا بها فإذا هي الكتاب الذي وضعوه معه في القبر. أخرجه ابن عساكر في تاريخه 4: 32 وقال مهذبه: قد روى الحافظ هذه القصة بإسناده من طريقين مطول ومختصر والمعنى واحد، وهذه القصة كانت لحبيب، وأرجو أن ؟ لا يحوم حولها المدعون فيجعلونها سلما لأكل مال الناس بالباطل، فإن أحوال أمثال حبيب لا يقاس عليها ولا تكون قاعدة للعمل. - 29 - حضور غائب بدعاء معروف ذكر الإمام أبو محمد ضياء الدين الشيخ أحمد الوتري الشافعي المتوفى بمصر في عشر الثمانين والتسعمائة في كتابه (روضة الناظرين) ص 8 نقلا عن خليل بن محمد الصياد إنه قال: غاب أبي فتألمت فجئت إلى معروف - الكرخي المتوفى 200 / 1 / 4 - فقلت: غاب أبي فقال: ما تريد ؟ قلت: رجوعه. قال: أللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك وما بينهما لك ائت بمحمد، فأتيت باب الشام فإذا هو واقف فقلت: أين كنت ؟
[126]
قال: كنت الساعة بالأنبار (1) ولا أعلم ما صار. عجبا العقول تسوغ مثل هذا لكل معروف ومنكر، ولا تسوغه في أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه يوم حضر تغسيل سلمان بالمدائن وكان سلام الله عليه بالمدينة. راجع
الجزء الخامس ص 15 - 21 ط 2. - 30 - رجل متربع في الهواء أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 4: 245 عن حذيفة بن قتادة المرعشي المتوفى 207 قال: قال: كنت في المركب فكسر بنا فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة أيام فقالت المرأة: أنا عطشى. فسألت الله تعالى أن يسقينا فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء فشربت، فرفعت رأسي أنظر إلى السلسلة فرأيت رجلا في الهواء متربعا فقلت: من أنت ؟ قال: من الإنس. قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة ؟ قال: أثرت مراد الله عز وجل على هواي فأجلسني كما تراني. وإن تعجب فعجب من أقوام يقبلون هذا ويبهظهم حديث البساط لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام - 31 - جنية تكلم الخزاعي أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 2: 205 عن أحمد بن نصر الخزاعي (2) أحد أئمة السنة الإمام الشهير المتوفى 231، قال: رأيت مصابا قد وقع فقرأت في أذنه فكلمتني الجنية من جوفه: يا أبا عبد الله ! بالله دعني أخنقه، فإنه يقول: القرآن مخلوق. ما ألطفها من دعاية إلى المبدأ الباطل ؟ ولله در الجنية العالمة التي بلغ من علمها إنها قالت بعدم خلق القرآن. ونحن نشكر الله سبحانه على إبطال هذه السخافة القديمة على ممر الأيام فلم تجد اليوم جانحا إليها ولا محبذا إياها.
(1) الأنبار، مدينة قرب بلخ. ومدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ. (2) قتل في خلافة الواثق لامتناعه عن القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فعلقت على أذنه رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون
وهو الواثق بالله أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره.
[127]
- 32 - رأس أحمد الخزاعي يتكلم ذكر الخطيب وابن الجوزي بالإسناد عن إبراهيم بن إسماعيل بن خلف قال: كان أحمد بن نصر خلي، فلما قتل في المحنة وصلب رأسه أخبرت: أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عليه، وكان عنده رجالة وفرسان يحفظونه، فلما هدئت العيون سمعت الرأس تقرأ: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون فاقشعر جلدي. وعن أحمد بن كامل القاضي عن أبيه أنه قال: وكل برأس أحمد من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر، وإن الموكل به ذكر: إنه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق، وإنه لما أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب. وعن خلف بن سالم أنه قال: عندما قتل أحمد بن نصر وقيل له: ألا تسمع ما الناس فيه يا أبا محمد ؟ قال: وما ذلك ؟ قال: يقولون إن رأس أحمد بن نصر يقرأ القرآن، قال: كان رأس يحيى بن زكريا يقرأ (1). لا تبهظ الخطيب وابن الجوزي هذه الأضحوكة، ولا أحسب إنهما يصدقانها ولكن لما كان يبهظهما وأمثالهما ما يؤثر (2) من أن رأس مولانا أبي عبد الله السبط الشهيد صلوات الله عليه كان يقرأ القرآن الكريم على عامل السنان، ولقد كانت هذه الأكرومة متسالما عليها في العصور الخالية، فنحتوا هذه الأفائك تجاهها تخفيفا لتلك المنزلة الكريمة الخاصة ببضعة المصطفى صلى الله عليه وآله.
- 33 - النبي يفتخر بأبي حنيفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن سائر الأنبياء تفتخر بي، وأنا افتخر بأبي حنيفة
(1) تاريخ بغداد 5: 179، صفة الصفوة 2: 205. (2) سيوافيك حديثه في مسند المناقب ومرسلها إنشاء الله تعالى.
[128]
، وهو رجل تقي عند ربي، وكأنه جبل من العلم، وكأنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني. وعنه صلى الله عليه وآله: إن آدم افتخر بي، وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه نعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي. أسلفنا الروايتين مع جملة مما اختلقته يد الغلو في الفضائل لأبي حنيفة في الجزء الخامس ص 239 - 241 وذكرنا هنالك إن أمة من الحنفية بلغت مغالاتها فيه حدا ذهبت إلى أعلميته من رسول الله صلى الله عليه وآله في القضاء. وذكر الحريفيش في الروض الفائق ص 215: إن من ورع أبي حنيفة رضي الله عنه إن شاة سرقت في عهده فلم يأكل لحم شاة مدة تعيش الشاة فيها. لا أدري لأي خرافة أضحك ؟ الفخر النبي صلى الله عليه وآله برجل استتيب من الكفر مرتين (1) والنبي مفخرة العالمين جميعا صلى الله عليه وآله وفي أمته من باهى به الله كمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ليلة مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله (2) ؟ أم لكون الرجل أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقضاء ؟ أنا لا أدري من أين جاء أبو حنيفة بهذا العلم والفقه ؟ أهو فقه إسلامي والنبي صلى الله عليه وآله مستقاه ومنبثق أنواره ؟ أم هو مما اتخذه من غير المسلمين من رجال كابل أو بابل أو ترمذ (3) فأحر به أن يضرب عرض الجدار، وأي حاجة للمسلمين إلى فقه غيرهم وقد أنعم الله عليهم بقضاء الاسلام
وفقهه ؟ وفيهما القول الحاسم وفصل الخطاب. أم لورع الرجل الموصول بفقهه الناجع في قصة الشاة المسروقة الذي لا يصافقه عليه فيه أي فقيه متورع، وقد أباح الاسلام أكل لحم الشياه في جميع الأحيان، وفي كلها أفراد منها مسروقة في الحواضر الإسلامية وأوساطها، لكن هذا الفقيه لا يعرف
(1) راجع الجزء الخامس ص 280 ط 2. (2) أسلفنا حديثه في الجزء الثاني 48 ط 2. (3) إيعاز إلى محتد أبي حنيفة،، قال الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره: أصله من كابل. وقال أبو عبد الرحمن المقري: إنه من أهل بابل وقال الحارث بن إدريس: أصله من ترمذ.
[129]
عدم تنجز الحكم في الشبهات إذا كانت غير محصورة خارجا أكثر أطرافها من محل الابتلاء، ولعله كان يعلم ذلك لكن عمله هذا من حيله التي هو أخبر بها عن نفسه، قال أبو عاصم النبيل: رأيت أبا حنيفة في المسجد الحرام يفتي، وقد اجتمع الناس عليه وآذوه، فقال: ما هاهنا أحد يأتينا بشرطي ؟ فقلت: يا أبا حنيفة ! تريد شرطيا ؟ قال: نعم. فقلت: اقرأ علي هذه الأحاديث التي معي، فقرأها فقمت عنه ووقفت بحذاءه فقال لي: أين الشرطي ؟ فقلت له: إنما قلت: تريد. لم أقل لك: أجئ به فقال: انظروا أنا أحتال للناس منذ كذا وكذا وقد احتال علي هذا الصبي (1). أراد الإمام الأعظم بالقصة التظاهر بالورع ونصبها فخا لاصطياد الدهماء كقصته الأخرى المحرابية التي حكاها حفص بن عبد الرحمن قال: صليت خلفه فلما صلى وجلس في المحراب فقال له رجل: أيحل أن تصلي وفيه تصاوير ؟ قال: أصلي فيه منذ خمس وأربعين سنة فما علمت إن فيه تصاوير، ثم أمر بالصور فطمست. وقال له رجل: ما أحسن سقف هذا المسجد ؟ قال: ما رأيته وأنا فيه أكثر من أربعين سنة (2). ولعل رأيه في الشاة مما يوقف القارئ على سر عدم دخول آرائه مدينة
الرسول صلى الله عليه وآله قال محمد بن مسلمة المديني وقيل له: إن رأي أبي حنيفة دخل هذه الأمصار كلها ولم يدخل المدينة. قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: على كل ثقب من أثقابها ملك يمنع الدجال من دخولها. وكلام هذا من كلام الدجالين، فمن ثم لم يدخلها (3). وفي فقه أبي حنيفة شذوذ تقصر عنها قصة الشاة، قد خالف فيها السنة الثابتة حتى قال وكيع بن الجراح (4): وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) غير أن عبد الله بن داود الحريبي المغالى في حب إمامه يقول: ينبغي للناس
(1) أخبار الظراف لابن الجوزي ص 103. (2) مناقب أبي حنيفة تأليف الحافظ الكردري 1: 251. (3) أخبار الظراف لابن الجوزي ص 35. (4) أبو سفيان الكوفي الحافظ كان ثقة حافظا متقنا مأمونا عاليا رفيع القدر كثير الحديث وكان يفتي، توفي سنة مائة وست وتسعين. (5) الانتقاء لابن عبد البر صاحب الاستيعاب ص 150.
[130]
أن يدعو في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنن عليهم. (1) وقال صاحب [مفتاح السعادة] 2: 70: سمعت من أثق به يروي عن بعض الكتب إن ثابتا - والد أبي حنيفة - توفي وتزوج أم الإمام أبي حنيفة رحمه الله الإمام جعفر الصادق، وكان أبو حنيفة رحمه الله صغيرا، وتربى في حجر جعفر الصادق، وأخذ علومه منه، وهذه إن ثبتت فمنقبة عظيمة لأبي حنيفة. عقبه الحسن النعماني في تعليق (المفتاح) فقال: كيف يتجه إن الإمام كان صغيرا و تربى في حجر الإمام الصادق لأن جعفر الصادق توفي سنة ثمان وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة، والإمام أبو حنيفة توفي سنة خمسين ومائة وولد على قول الأكثر (2)
سنة ثمانين، فتكون سنة ولادتهما واحدة، وبين وفاتيهما سنتان، فثبت إنهما من الاقران لا إن الإمام صغير، والإمام جعفر الصادق كبير. وفي غضون ما الفه الموفق بن أحمد، والحافظ الكردري في مناقب أبي حنيفة، وما ذكره بعض الحنفية في معاجم التراجم لدى ترجمته حرافات وسفاسف جمة تشوه سمعة الاسلام المقدس، ولا يسوغه العقل والمنطق إن لم يشفعهما الغلو في الفضائل، ومن أعجب ما رأيت ما ذكره الإمام أبو الحسين الهمداني في آخر [خزانة المفتين] من إن الإمام أبو حنيفة لما حج حجة الوداع أعطى بسدنة الكعبة مالا عظيما حتى أخلوا له البيت، فدخل وشرع للصلاة، وافتتح القرائة كما هو دأبه على رجله اليمنى حتى قرأ نصف القرآن، ثم ركع، وقام في الثانية على رجله اليسرى حتى ختم القرآن ثم قال: إلهي عرفتك حق المعرفة لكن ما قمت بكمال الطاعة، فهب نقصان الخدمة بكمال المعرفة، فنودي من زاوية البيت: عرفت فأحسنت المعرفة، وخدمت فأخلصت الخدمة، غفرنا لك ولمن اتبعك، ولمن كان على مذهبك إلى قيام الساعة (3) قال الأميني: ليت شعر أي كمية من الزمن استوعبها الإمام حتى ختم الكتاب العزيز في ركعتيه، وقد أخلي له البيت في يوم من أيام الموسم والناس عندئذ مزدلفون
(1) تاريخ ابن كثير 10: 107. (2) وقال بعض: إنه ولد سنة إحدى وستين. (3) مفتاح السعادة 2: 82.
[131]
حول البيت، يتحرون التبرك بالدخول فيه ؟ ! وكيف وسع السدنة منع أولئك الجماهير عن قصدهم، وكبح رغباتهم الأكيدة طيلة تلك البرهة الطويلة ؟ ! ثم ما هذا الدؤب من الإمام على قرائة نصف القرآن الأول على رجله اليمنى، ونصفه الآخر على رجله اليسرى ؟ أهو حكم متخذ من الكتاب ؟ أم سنة متبعة صدع بها النبي
الأعظم ؟ أم بدعة لم نسمعها من غير الإمام ؟ وهل في الألعاب الرياضية المجعولة لحفظ الصحة والابقاء على قوة البدن ونشاطه مثل ذلك ؟ أنا لا أدري. ثم كيف وسعت الإمام تلك الدعوى الباهظة العظيمة أمام رب العالمين سبحانه، وهو الواقف على السرائر والضمائر ؟ وما أجرأه على دعوى لم يدعها نبي من الأنبياء حتى خاتمهم صلى الله عليه وآله وعليهم على سعة معرفتهم ؟ ولا شك إن معرفته صلى الله عليه وآله أوسع، وقد أغرق فيها نزعا، ومع ذلك لم يؤثر عنه صلى الله عليه وآله تقحم الإمام في مناجات أو دعاء، ولا يصدر مثل هذا إلا عن إنسان معجب بنفسه، مغتر بعلمه، غير عارف بالله حق المعرفة. والمغفل صاحب الرواية يحسب إن الإمام ادعاها في عالم الشهود فصدقه عليها هاتف عالم الغيب، وليس هذا الهتاف المنسوج بيد الاختلاق الأثيمة إلا دعاية على الإمام وعلى مذهبه الذي هو أتفه المذاهب الاسلامية فقها، ولو كانت الأمة تصدق هذه البشارة لمعتنقي ذلك المذهب، ويراها من رب البيت لا من الأساطير المزورة لوجب عليها أن يكونوا حنفيين جمعاء، غير إن الأمة لا تصافق على صحتها، رضي بذلك الإمام أم لم يرض. وأعجب من هذا ما ذكره العلامة البرزنجي قال: ذهب بعض الحنفية إلى أن كلا من عيسى والمهدي يقلدان مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وذكره بعض مشايخ الطريقة ببلاد الهند في تصنيف له بالفارسية شاع في تلك الديار، وكان بعض من يتوسم بالعلم من الحنفية، ويتصدر للتدريس يشهر هذا القول ويفتخر به ويقرره في مجلس درسه بالروضة النبوية. وحكى الشيخ علي القاري عن بعضهم أنه قال: إعلم أن الله قد خص أبا حنيفة بالشريعة والكرامة، ومن كراماته: إن الخضر عليه السلام كان يجئ إليه كل يوم وقت الصبح ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين، فلما توفي أبو حنيفة ناجى الخضر ربه
[132]
قال: إلهي إن كان لي عندك منزلة فائذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أعلم شرع محمد صلى الله عليه وسلم على الكمال ليحصل لي الطريقة والحقيقة، فنودي: أن اذهب إلى قبره وتعلم منه ما شئت فجاء الخضر وتعلم منه ما شاء كذلك إلى خمس وعشرين سنة أخرى حتى أتم الدلائل والأقاويل، ثم ناجى الخضر ربه وقال: يا إلهي ماذا أصنع فنودي: أن اذهب إلى صعالك واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك أمري إلى أن قال له: اذهب إلى البقعة الفلانية وعلم فلانا علم الشريعة ففعل الخضر عليه السلام ما أمر، ثم بعد مدة ظهر في مدينة ما وراء النهر شاب وكان اسمه أبا القاسم القشيري وكان يخدم أمه ويحترمها إلى أن قال: فأمر الله الخضر أن اذهب إلى القشيري وعلمه ما تعلمت من أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه أرضى أمه فجاء الخضر إلى أبي القاسم وقال: أنت أردت السفر لأجل طلب العلم وقد تركته لرضا أمك وقد أمرني الله تعالى أن أجئ إليك كل يوم على الدوام وأعلمك فكل يوم يجئ إليه الخضر حتى ثلاث سنين و علمه العلوم التي تعلم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة، حتى علمه علم الحقايق والدقايق ودلائل العلم وصار مشهور دهره وفريد عصره حتى صنف ألف كتاب وصار صاحب كرامة وكثر مريدوه وتلاميذه، فكان له مريد كبير متدين لا يفارق الشيخ فعد له الشيخ ألف كتاب من مصنفاته ووضعه في الصندوق وأعطى لذلك المريد وقال: قد بدا لي أمر فاذهب وارم هذا الصندوق في جيحون، فحمل المريد الصندوق وخرج من عند الشيخ وقال في نفسه: كيف أرى مصنفات الشيخ في الماء ؟ لكن أذهب وأحفظ الكتب و أقول للشيخ: رميتها. وحفظ الكتب وجاء وقال للشيخ: رميت الصندوق في الماء: قال الشيخ: وما رأيت في تلك الساعة من العلامات ؟ قال: ما رأيت شيئا قال الشيخ: اذهب وارم الصندوق. فذهب المريد إلى الصندوق وأراد أن يرميه فلم يهن عليه ورجع إلى الشيخ مثل الأول وقال: رميته ؟ قال: نعم قال: وما رأيت ؟ قال: لم أر شيئا. قال الشيخ: ما رميته فاذهب وارمه فإن لي فيها سرا مع الله ولا ترد أمري. فذهب المريد ورمى
الصندوق فخرج من الماء يد وأخذ الصندوق قال المريد له من أنت ؟ فنادى في الماء: إني وكلت أن أحفظ أمانة الشيخ، فرجع المريد وجاء إلى الشيخ فقال: رميت ؟ قال: نعم.
[133]
قال: وما رأيت ؟ قال: رأيت الماء قد انشق وخرج منه يد وأخذ الصندوق وقد صرت متحيرا وما السر في ذلك ؟ قال الشيخ: السر في ذلك إنه إذا قربت القيامة وخرج الدجال ونزل عيسى ببيت المقدس فيضع الانجيل بجنبه ويقول: أين الكتاب المحمدي ؟ أو قد أمرني الله أن أحكم بينكم بكتابه ولا أحكم بالإنجيل فيطلبون الدنيا ويطوفون البلاد فلم يوجد كتاب من كتب الشرع المحمدي فيتحير عيسى ويقول: إلهي: بماذا أحكم بين عبادك ولم يوجد غير الانجيل فينزل جبريل ويقول: قد أمر الله أن تذهب إلى نهر جيحون وتصلي ركعتين بجنبه وتنادي: يا أمين صندوق أبي القاسم القشيري ! سلم إلي الصندوق وأنا عيسى بن مريم وقد قتلت الدجال فيذهب عيسى إلى جيحون ويصلي ركعتين ويقول مثل ما أمره جبريل، فيشق الماء ويخرج الصندوق ويأخذه ويفتحه ويجد فيه ختمه وألف كتاب فيحيي الشرع بذلك الكتاب، ثم سأل عيسى جبريل: بم نال أبو القاسم هذه المرتبة ؟ فقال: برضاء والدته. نقل من كتاب أنيس الجلساء. (1) وقد أطنب الشيخ علي القاري في رد هذه الأسطورة بعدة صحائف إلى أن قال في ص 230: ثم إن مثل هؤلاء لفرط تعصبهم وعنادهم ليس مطمح نظرهم إلا تفضيل أبي حنيفة ولو بما لا أصل له، ولو بما يؤدي إلى الكفر وليس عندهم علم بفضائله الجمة التي ألفت فيها الكتب (2) فيرضون بالأكاذيب والافترائات التي لا يرضاها الله ورسوله ولا أبو حنيفة نفسه، ولو سمعها أبو حنيفة رضي الله عنه لأفتى بكفر قائلها وفي فضائل أبي حنيفة المقررة المحررة كفاية لمحبيه ولا يحتاج في إثبات فضله إلى الأقوال الكاذبة المفتراة المؤدية إلى تنقيص الأنبياء، ومن العجائب إنه وقع للقهستاني مع فضله وجلالته شئ من ذلك فقال في شرح خطبة النقابة: إن عيسى إذا نزل عمل بمذهب أبي
حنيفة كما ذكره في الفصول الستة. وليت شعري ما الفصول الستة ؟ وما الدليل على هذا القول ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. الخ.
(1) الاشاعة في أشراط الساعة تأليف السيد محمد البرزنجي المدني 221 - 225. (2) الكتب المؤلفة في فضائل أبي حنيفة حوت بين دفتيها لدة هذه الترهات والأكاذيب المزخرفة وما أكثرها ؟ ولو لم يكن الباطل الذي لا أصل له مأخوذا به فيها إذا لم تلق منها باقية.
[134]
وفي مفتاح السعادة 1: 275، و ج 2: 82: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى رأى كأنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وآله ويجمع عظامه إلى صدره فهالته الرؤيا فقال ابن سيرين: هذه رؤيا أبي حنيفة فقال: أنا أبو حنيفة فقال ابن سيرين: اكشف عن ظهرك فكشف فرأى خالا بين كتفيه فقال: أنت الذي قال عليه الصلاة والسلام: يخرج في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة بين كتفيه خال يحيي الله تعالى ديني على يديه، ثم قال ابن سيرين: لا تخف إنه صلى الله عليه وآله مدينة العلم وأنت تصل إليها فكان كما قال. إقرأ وابك على أمة محمد المرحومة بأي أناس بليت، وبأي خلق منيت ؟ ! ما حيلة الجاهل الغر وما ينجيه عن هذه السخائف والأساطير ؟ ! - 34 - أبو زرعة يجعل الحصاة تبرا روى الذهبي في تذكرة الحفاظ 1: 174 عن خالد بن الفزر قال: كان حياة بن شريح - أبو زرعة المصري شيخ الديار المصرية المتوفى 158 - من البكائين: وكان ضيق الحال جدا، فجلست وهو متخل يدعو فقلت: لو دعوت أن يوسع الله عليك فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فأخذ حصاة فرمى إلي بها فإذا هي تبرة ما رأيت أحسن منها. وقال: ما خير في الدنيا إلا للآخرة، ثم قال: هو أعلم بما يصلح عباده فقلت: وما أصنع بهذا ؟ قال: استنفقها. فهبته والله أن أرده.
- 35 - وضوء إبراهيم الخراساني ذكر اليافعي في (رياض الرياحين) عن إبراهيم الخراساني المتوفى 163 قال: قال: احتجت يوما إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة ألين من الخز فاستكت وتوضأت وتركتها وانصرفت، قال: وبقيت في بعض سياحاتي أياما لم أر فيها أحدا من الناس ولا طيرا ولا ذا روح، وإذا بشخص لا أدري من أين خرج فقال لي: قل لهذه الشجرة تحمل دنانير. فقلت: احملي دنانير. فلم تحمل، ثم قال لها: احملي وإذا بشماريخ الشجرة دنانير معلقة، فاشتغلت انظر إليها، ثم التفت فلم أر الشخص وذهبت الدنانير من الشجرة.
[135]
قال الأميني: إقرأ وابك على الاسلام وعلى تاريخه، وانظر كيف شوهت صفحاته. - 36 - الماجشون يموت ويحيى أخرج الحافظ يعقوب بن أبي شيبة في ترجمة أبي يوسف يعقوب بن أبي سلمة القرشي الشهير بالماجشون المتوفى 164 بالاسناد عن ابن الماجشون قال: قال عرج بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل فدخل غاسل إليه يغسله فرأى عرقا يتحرك في أسفل قدمه، فأقبل علينا وقال: أرى عرقا يتحرك ولا أرى أن اعجل عليه فاعتللنا على الناس بالأمر الذي رأيناه، وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله فاعتذرنا إلى الناس، فمكث ثلاثا على حاله والناس يترددون إليه ليصلوا عليه ثم استوى جالسا وقال: ايتوني بسويق فأتي به فشربه فقلنا له: خبرنا ما رأيت ؟ فقال: نعم عرج بروحي فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح ففتح له، ثم عرج هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة فقيل له: من معك ؟ قال: الماجشون.
فقيل له: لم يأن له بعد بقي من عمره كذا وكذا سنة، وكذا وكذا شهرا، وكذا وكذا يوما، وكذا وكذا ساعة، ثم حبط بي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الذي معي: من هذا ؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قلت: إنه لقريب من رسول الله فقال: إنه عمل بالحق في زمن الجور وأنهما عملا بالحق في زمن الحق. وأخرجه ابن عساكر في تاريخ الشام، وذكره ابن خلكان في تاريخه 2: 461، واليافعي في مرآة الجنان 1: 351، وابن حجر في تهذيب التهذيب 11: 389، وأبو الفلاح الحنبلي في شذرات الذهب 1: 259. قال الأميني: ما كنت أحسب أن يوجد في الأمة الإسلامية من يتهم الملك الموكل بقبض الأرواح بالجهل بآونة الوفيات، وقد وكل به من عند العزيز العليم فقال سبحانه: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم (1) أو من يقذفه بالاستبداد في نزع روح أحد قبل إرادة المولى سبحانه وتعالى وفي الكتاب المنزل قوله: الله يتوفى الأنفس حين
(1) سورة السجدة: 11.
[136]
موتها (1) وهو الذي يحيي ويميت (2) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا (3) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (4) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى (5) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (6) ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى (7) ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى (8) فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى إلى أجل (9) إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (10). فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (11). كما إني ما كنت أشعر إمكان حركة جارحة من جوارح الميت بعد نزع روحه،
فلم أدر بأي صلة بالروح المقبوضة كان يتحرك العرق الماجشوني خلال ثلاثة أيام، والي أي مركز حساس كانت صلة ذلك العرق النابض وما كنت أدري إن السموات العلى لها أبواب مغلقة يقف عندها ملك الموت في كل عروجه بروح من الأرواح فيستفتح فتفتح له. وليتني أدري هل هذا السير البطئ - ثلاثة أيام - لملك الموت في استصحابه روح الماجشون يخص بالماجشون فحسب أو هو الشأن المطرد في عامة الأرواح ؟ نعم كل هذه تسوغها الدعاية إلى السلطات الأموية الغاشمة التي كانت تحكم
(1) سورة الزمر: 42. (2) سورة المؤمنون: 80. (3) سورة آل عمران: 145. (4) سورة الدخان: 8. (5) سورة الأنعام: 3. (6) سورة الأعراف: 34. (7) سورة النحل: 61. (8) سورة فاطر: 45. (9) سورة الزمر: 42. (10) سورة نوح: 54. (11) سورة فاطر: 45.
[137]
على الأمة في تلكم الأيام. - 47 - رقعة من الله إلى أحمد إمام الحنابلة
مرض بشر بن الحارث وعادته آمنة الرملية فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد ابن حنبل يعوده كذلك فنظر إلى آمنة فقال لبشر: فاسألها تدعو لنا فقال لها بشر: ادعي الله لنا، فقالت: أللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: فلما كان من الليل طرحت إلى رقعة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم قد فعلنا ذلك ولدينا مزيد. أخرجه ابن عساكر في تاريخه 2: 48، وابن الجوزي في صفة الصفوة 4: 278. - 38 - رسول الياس وملك إلى أحمد ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 143 بالإسناد عن أبي حفص القاضي قال: قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل من بحر الهند فقال: إني رجل من بحر الهند خرجت أريد الصين فأصيب مركن فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر فقال لي أحدهما: أتحب أن يخلصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل منا السلام ؟ قلت: ومن أحمد ؟ ومن أنتما يرحمكما الله ؟ قال: أنا إلياس وهذا الملك الموكل بجزاير البحر، وأحمد بن حنبل بالعراق. قلت: نعم. فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل الأبلة فقد جئتك أبلغك منهما السلام. - 39 - النخلة تحمل بقلم أحمد قال أبو طالب علي بن أحمد: دخلت يوما على أبي عبد الله وهو يملي وأنا أكتب فاندق قلمي فأخذ قلما فأعطانيه فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه فقال لغلامه: خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل. فوضعه فيها فحملت. مختصر طبقات الحنابلة ص 11.
[138]
- 40 - تكة سراويل أحمد قال ابن كثير في تاريخه 10: 335: يروى أنه لما أقيم - أحمد بن حنبل - ليضرب - لما ضربه المعتصم - إنقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا الله فعاد سراويله كما كان، ويروى أنه قال: يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. - 41 - الحريق والغريق وكرامة أحمد روى ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 297 بإسناده عن فاطمة بنت أحمد قالت: وقع الحريق في أخي صالح وكان قد تزوج إلى قوم مياسير فحملوا إليه جهازا شبيها بأربعة آلاف دينار فأكلته النار فجعل صالح يقول: ما غمني ما ذهب مني إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه قالت: فطفى الحريق ودخلوا فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حواليه والثوب سليم. قال ابن الجوزي: قلت: وهكذا بلغني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي إنه وقع الحريق في دارهم فاحترق ما فيها إلا كتابا كان فيه شيئ بخط أحمد. وقال: قلت: ولما وقع الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمسمأة وغرقت كتبي سلم لي مجلد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد. وقال الذهبي في ذيل العبر عند ذكر ما وقع سنة 725، واليافعي في المرآة: ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع ووقف بإذن الله وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صح هذا عندنا، وجر السيل أخشابا كبارا وحيات غريبة الشكل. مرآت الجنان 4: 273، شذرات الذهب 6: 66، صلح الإخوان للخالدي
ص 98. قال الأميني: وكفى شاهدا على صدق هذه الكرامة عدم وجود أي أثر من ذلك
[139]
المرقد المعظم اليوم، وقد جرفته السيول، وعفت رسمه، كأن لم يكن، وغدا حديث أمس الدابر. - 42 - الله يزور أحمد كل عام روى ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 454 قال: حدثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخا صالحا قال: كان قد جاء في بعض السنين مطر كثير جدا قبل دخول رمضان بأيام فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف (1) أو سافين فقلت: إنما تم هذا على قبر الإمام أحمد بن كثرة الغيث فسمعته من القبر وهو يقول: لا بل هذا من هيبة الحق عز وجل لأنه عز وجل قد زارني، فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل: يا أحمد ! لأنك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. فأقبلت على لحده اقبله ثم قلت: يا سيدي ما السر في إنه لا يقبل قبر إلا قبرك ؟ فقال لي: يا بني ليس هذا كرامة لي، ولكن هذا كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن معي شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم ألا ومن يحبني يزورني في شهر رمضان قال ذلك مرتين. مرت في زيارة إمام الحنابلة أحمد في الجزء الخامس ص 175 - 178 لدة هذه من آيات الغلو. فراجع ويا حبذا لو صدقت الأحلام. - 43 - أحمد والملكان النكيران
ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 454 عن عبد الله بن أحمد يقول: رأيت أبي في المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي. قلت: جاءك منكر ونكير ؟ قال: نعم، قالا لي: من ربك ؟ قلت: سبحان الله أما تستحيان مني ؟ فقالا لي: يا أبا عبد الله ! أعذرنا بهذا أمرنا. قال الأميني: ما أجرأ الإمام على الملكين الكريمين في ذلك المأزق الحرج ؟
(1) الساف والسافة: الصف من الطين أو اللين ج آسف وسافات.
[140]
وما أجهله بالناموس المطرد من سؤال القبر وإنه بأمر من الله العلي العزيز ؟ حتى جابه الملكين بذلك القول الخشن، ما أحمد وما خطره ؟ وقد جاء في الرواية: إن عمر ارتعد منهما لما دخلا عليه (1) وكان عمر بمحل من المهابة على حد قول عكرمة: إنه دعا حجاما فتنحنح عمرو كان مهيبا فأحدث الحجام، فأعطاه عمر أربعين درهما (2). وعلى الملكين أن يشكرا الله سبحانه على أن كف الإمام عن أن يصفعهما فيفقأ عينهما كما فعل موسى بملك الموت في مزعمة أبي هريرة (3) فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه. كما في سنن النسائي 4: 118. وفي لفظ الطبري في تاريخه 1: 224: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه قال: فرجع فقال: يا رب ! إن عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه. فقال: ائت عبدي موسى فقل له: فليضع كفه على متن ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة، وخيره بين ذلك وبين أن يموت الآن. قال: فأتاه فخيره فقال له موسى: فما بعد ذلك ؟ قال: الموت. قال: فالآن إذا. قال: فشمه شمة قبض روحه، قال: فجاء بعد ذلك إلى الناس خفيا. وأخرج الحكيم الترمذي مرفوعا: إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى جاء موسى فلطمه ففقأ عينه فصار يأتي الناس بعد ذلك خفية. ذكره الشعراني في مختصر
تذكرة القرطبي ص 29.
(1) قال السيد الجرداني في مصباح الظلام ج 2 ص 56: إن الله تعالى أعطى عليا علم البرزخ فلما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلس علي على قبره ليسمع قوله للملكين، فلما دخلا عليه ارتعد منهما ثم أجاب فقالا له: نم. فقال: كيف أنام وقد أصابني منكما هذه الرعدة ؟ وقد صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أشهد عليكما الله وملائكته أن لا تدخلا على مؤمن إلا في أحسن صورة ففعلا. فقال له علي بن أبي طالب: نم يا ابن الخطاب ! فجزاك الله من المسلمين خيرا لقد نفعت الناس في حياتك ومماتك. اقرأ واضحك. (2) طبقات ابن سعد 3: 206، تاريخ بغداد 14: 215، تاريخ عمر لابن الجوزي ص 99، كنز العمال 6: 331.. (3) راجع صحيح البخاري 1: 158 في أبواب الجنائز، و ج 2: 163 باب وفاة موسى، صحيح مسلم 2: 309 باب فضائل موسى، مسند أحمد 1: 315، العرائس للثعلبي ص 139.
[141]
ما أعيى هذا الملك [المأخوذ فيه البأس والشدة من الله شديد البطش] حتى تمكن منه إنسان فصفعه وفقأ عينه ؟ ثم لم يزل الخوف مزيج نفسيته حتى تخفى عن الذين هم في قبضته، ورهن تصرفه، حيث وكل بهم وبقبض أرواحهم، ولا كرامة لهم على الله ككرامة موسى النبي عليه السلام فيحاذر الصفعة منهم. وإن تعجب فعجب إن مرسل ملك الموت وهو الله سبحانه لم لم يعطه بأسا يفوق كل بأس وهو يعلم من خلق، وإن فيهم من يجرأ على رسوله فيصفعه فيفقأ عينه، وفيهم من يخافه الرسول فيخفي نفسه عنه ؟ أكان ذلك غفلة ؟ أم أن خزانة القدرة قد نفدت ؟ أم لم يكن يعلم ما يقع - وهو علام الغيوب - حتى وقعت الواقعة ؟ أم لم يكن في صفوف الموظفين بعالم الملكوت أي تدريب حتى يتمكنوا مقابلة الشدايد إلى عهد موسى، ثم اطرد التدريب بإخفاء الموظف نفسه عند تنفيذ وظيفته ؟ ! تعالى الله عما
يقول الظالمون علوا كبيرا. وهلم معي إلى النبي المعصوم موسى على نبينا وآله وعليه السلام ونراه كيف يتجرأ على ملك الموت، وهو يعلم إنه رسول من الله العظيم، وإنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وإنه لا تجديه الصفعة والفقأة، وعلى فرض أن يهرب عنه هذا الرسول أو ينسحب عنه بانتظام فإنه يأتيه غيره أشد منه بأسا، لأن الله سبحانه مميته لا محالة، ولا مرد لمجري قضائه، وهب إنه تخلص من بأس هذا الملك فهل يتخلص من بأس مرسله المنتقم القهار، وقد أثار غضبه بمجابهة ممثله ؟ أبعد الله الإفك والزور عليه سبحانه وعلى رسوله وملائكته، وانتقم من كل أفاك أثيم. أضف إلى ذلك كله ما قاله سيدنا الحجة شرف الدين العاملي في كتاب أبي هريرة ص 86 مما لفظه: ونحن لم برئنا من أصحاب الرس وفرعون موسى وأبي جهل وأمثالهم ولعناهم بكرة وأصيلا ؟ أليس ذلك لأنهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره ؟ فكيف نجوز مثل فعلهم على أنبياء الله وصفوته من عباده ؟ حاشا لله إن هذا لبهتان عظيم. ثم إن من المعلوم إن قوة البشر بأسرهم، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها
[142]
الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت أمام قوة ملك الموت فكيف (والحال هذه) تمكن موسى عليه السلام من الوقيعة فيه ؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه، مع قدرته على إزهاق روحه، وكونه مأمورا من الله تعالى بذلك ؟ ومتى كان للملك عين يجوز أن تفقأ ؟ ! ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه ولطمته هدرا إذ لم يؤمر الملك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها: إن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن والجروح قصاص (1) ولم
يعاتب الله موسى على فعله هذا بل أكرمه إذ خيره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور. وما أدري ما الحكمة في ذكر شعر الثور بالخصوص ؟ ! الخ. هذه جملة مما وجدنا من كرامات الإمام أحمد، وكم وكم لها من نظير ؟ وأنت حدث العاقل بما لا تقبله عقله فإن صافقك عليه فهو معتوه، لكن القوم عقلاء وقبلوها، ونحن إذا عزونا ما هو أخف وأخف وطئة من هذه مما يساعده العقل والمنطق والاعتبار إلى أئمة أهل بيت الوحي عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فهنالك الجلبة واللغط، والتركاض والصخب، وهتاف من شتى الجوانب: هذا لا يكون، هذا غير معقول، حديث واه، هذا قول غلاة الشيعة، هذا قول الرافضة، هذا لا يصح وإن صح إسناده، إسناده صحيح غير إن في قلبي منه شيئا، هذا لا يصح وإن جاء بألف طريق. إلى أمثال هذه التهجمات الفارغة. - 44 - إمام المالكية يرى النبي صلى الله عليه وآله كل ليلة ذكر الحريفيش في (الروض الفائق) ص 270 قال: قال المثنى بن سعيد القصير:
(1) إشارة إلى الآية 45 من سورة المائدة وقد وجدنا في الفقرة ال 23 من الأصحاح 21 من اصحاحات الخروج من التوراة الموجودة في أيدي اليهود والنصارى في هذه الأيام ما هذا لفظه: إن حصلت أذية تعطى نفسا بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل، وكيا بكي، وجرحا بجرح، ورضا برض.
[143]
سمعت مالكا - إمام المالكية - يقول: ما بت ليلة إلا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها. قال الأميني: هل يكذب الإمام في دعواه الذي لا يعلم إلا من قبله ؟ أو يرمى ابن سعيد بالإفك وإن كان قصيرا ؟ أو يعاتب الحريفيش في نقله وإن كان مصغرا ؟
وللإمام مالك موقف خطر مع الملكين العظيمين: منكر ونكير، لا يقل عن موقف الإمام أحمد معهما ذكره الشعراني في الميزان 1: 46 قال: لما مات شيخنا شيخ الاسلام الشيخ ناصر الدين اللقاني رآه بعض الصالحين في المنام فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: لما أجلسني الملكان في القبر ليسألاني أتاهم الإمام مالك فقال: مثل هذا يحتاج إلى سؤال في إيمانه بالله ورسوله ؟ تنحيا عنه، فتنحيا عني. قال الأميني: ألا من معبر يعبر هذه الأحلام ؟ ولعل كل فرد من المعبرين يقول: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وإن اتخذها الحفاظ كأصل مسلم استندوا إليها عند المغالاة في الفضائل. كأن الملكين لم يكن عندهما عرفان بمن يحتاج إلى سؤال في إيمانه، ولم يكن هنالك ناموس مطرد من المولى سبحانه يتبعانه، أعوذ بالله من ضئولة العقل. - 45 - الملكان وأبو العلاء الهمداني قال ابن الجوزي في المنتظم 10: 248: رأى شخص إن يدين خرجتا من محراب مسجد فقال: ما هذه اليدان ؟ فقيل: هذه يد آدم بسطها ليعانق أبا العلاء الحافظ - الحسن بن أحمد المتوفى 569 - وإذا بأبي العلاء قد أقبل، قال: فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: يا فلان ! رأيت ابني أحمد حين قام على قبري يلقنني ؟ أما سمعت صوتي حين صبحت ؟ على الملكين ؟ فما قدرا أن يقولا شيئا فرجعا. نظرا إلى هذه المزعمة يجب أن يكون أبو العلاء أشجع من عمر الذي خاف النكيرين وارتعد منهما، ثم لما قالا له: نم. قال: كيف أنام وقد أصابني منكما هذه الرعدة وقد صحبت النبي صلى الله عليه وآله (1) ولعلهما قبلا وصية عمر لما أنشدهما أن لا يأتيا مؤمنا إلا بصورة جميلة ففعلا، فلم يهبهما أبو العلاء فصاح عليهما، وخاشنهما الإمام
(1) مر تمام القصة في ص 140 من هذا الجزء. (*)
[144]
أحمد، وطردهما مالك عن ناصر الدين اللقاني، أو أنهما أتى عليهما الشيخوخة والهرم منذ عهد الخليفة إلى هذه العصور المتأخرة، وبلغ منهما الضعف فأخفق بسالتهما، فلم يهب جانبهما، وإلى الغاية لم ينكشف لنا سر تسليط المولى سبحانه هؤلاء الأعلام على الملكين الكريمين، وفيه اختلال النظام المقرر المطرد الإلهي، نعوذ بالله من هذه المزاعم التافهة كلها. - 46 - غمامة تظل على جنازة قال الحافظ الجزري في طبقات القراء 2: 271: توفي ابن الأخرم محمد بن النضر الدمشقي سنة 241 / 2 بدمشق قال عبد الباقي: وصليت عليه في المصلى بعد صلاة الظهر وكان يوما صائفا وصعدت غمامة على جنازة من المصلى إلى قبره فكانت شبه الآية. قال الأميني: وفي كل شيئ له آية * تدل على إنه واحد. - 47 - شاب ينظر الإذن من ربه ذكر الحريفيش في الروض الفائق ص 126 عن ذي النون المصري أنه قال: رأيت شابا عند الكعبة يكثر الركوع والسجود فدنوت منه وقلت له: إنك لتكثر الصلاة، فقال: أنتظر الإذن من ربي في الانصراف، قال: فرأيت رقعة سقطت فيها مكتوب: من العزيز الغفور إلى عبدي الصادق: إنصرف مغفورا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال الأميني: لقد جنى من نزلت إليهم هذه الرقاع (1) حيث لم يوصوا بالتحفظ
عليها لتستفيد بها الأمة وتتبرك بها في أجيالها المتأخرة وتتخذها معتبرا عوضا عن أن تكون خبرا، وتزدان بها متاحف الآثار، لكن لهم عذرا وهو إنهم لم يشاهدوها فلم يوصوا بها، وإنما هي شباك طنبت لاقتناص الأغرار من أمة محمد صلى الله عليه وآله.
(1) وما أكثرها وألطفها ؟ راجع ما مر في هذا الجزء ص 121، 125، 137، وما يأتي.
[145]
- 48 - شجرة أم غيلان تثمر رطبا قال بكر بن عبد الرحمن رحمه الله: كنا مع ذي النون المصري - المتوفى 245 - في البادية فنزلنا تحت شجرة أم غيلان فقلنا: ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب ؟ فتبسم ذو النون وقال: تشتهون رطبا ؟ وحرك الشجرة وقال: أقسمت عليك بالذي أنبتك وخلقك شجرة إلا ما نثرت علينا رطبا جنيا، ثم حركها فنثرت رطبا فأكلنا وشبعنا، ثم نمنا وانتبهنا وحركنا الشجرة فنثرت علينا شوكا. الروض الفائق ص 126، مرآت الجنان لليافعي 2: 151 وقال: ذكره خلائق من الصالحين، ورواه عنهم كثير من العلماء العاملين. قال الأميني: إلى المولى سبحانه نبتهل في أن يهب لأولئك الصالحين والعلماء العاملين عقلا وافيا يزعهم عن الخضوع للخرافات. - 49 - ابن أبي الجواري في التنور روى ابنا عساكر وكثير: إن أحمد بن أبي الحواري (1) كان قد عاهد أبا سليمان الداراني ألا يغضبه ولا يخالفه فجاءه يوما وهو يحدث الناس فقال: يا سيدي ! هذا قد سجروا التنور، فماذا تأمر ؟ فلم يرد عليه أبو سليمان لشغله بالناس، ثم أعادها أحمد ثانية وقال له في الثالثة: إذهب فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان في حديث الناس، ثم استفاق
فقال لمن حضره: إني قلت لأحمد: إذهب فاقعد في التنور وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه فذهبوا فوجدوه جالسا في التنور ولم يحترق منه شئ ولا شعرة واحدة. تاريخ ابن كثير 10: 348. ألا تعجب من ابن كثير يسجل أمثال هذه الأسطورة كحقايق ثابتة ثم لما يبلغ به السير والبحث إلى فضيلة معقولة من فضائل أهل بيت الوحي عليهم السلام أربد وجهه، وأزبد فمه، وعاد صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، وأطلق لسانه البذي على من جاء بذلك الذكر الشذي ؟ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون
(1) أحد الأعلام يروي عنه أبو داود وابن ماجة وأبو حاتم توفي 246.
[146]
- 50 - كتاب من الله إلى ابن الموفق عن أبي الحسن علي بن الموفق المتوفى 265 قال: خرجت يوما لاؤذن فأصبت قرطاسا فأخذته ووضعته في كمي فأذنت وأقمت وصليت فلما صليت قرأته فإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن الموفق ! تخاف الفقر وأنا ربك ؟. تاريخ الخطيب البغدادي 12: 112، صفة الصفوة لابن الجوزي 2: 218. كان حقا على الحافظين الخطيب وابن الجوزي أن يذكرا شطرا من حياة هذا الرجل بعد الكتاب المذكور المغمورة باليسار والنعمة لتكون تصديقا للخبر وشاهدا على صحة المزعمة، لكنهما أغفلا عن ذلك فلم يقم لنا شاهد ولا حجة. - 51 - الحوراء تكلم أبا يحيى قال أبو يحيى زكريا بن يحيى الناقد (1): إشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك فها
أنا التي قد اشتريتني. تاريخ بغداد للخطيب 8: 462، المنتظم لابن الجوزي 6: 8، مناقب أحمد لابن الجوزي ص 510. ليس لك أن تناقش في المدة التي ختم أبو يحيى فيها الأربعة آلاف ختمة، فإن من الممكن عند القوم أن يختمها في بضع دقايق فإن أبا مدين المغربي كان يختم في اليوم والليلة سبعين ألف ختمة. راجع الجزء الخامس ص 35. - 52 - دعاوى سهل بن عبد الله التستري ذكر الشعراني في طبقات الأخيار 1: 158 نقلا عن كتاب (الجواهر) لسهل بن عبد الله التستري المتوفى 283 أنه قال: أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا
(1) أحد الأعلام المجتهدين وأئمة الحديث من تلمذة أحمد بن حنبل إمام الحنابلة توفي سنة 285.
[147]
ابن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني حرفا معجما حار فيه الجن والإنس ففهمته، وحمدت الله على معرفته، وحركت ما سكن وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة. قال الأميني: ليت شعري متى ما أشهد الله ما في العلى نبيه الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة ؟ ومتى ما نظر صلى الله عليه وآله في اللوح المحفوظ وفك طلسم السماء ؟ وهل رأى ذلك الحرف المعجم الذي حار فيه الجن والإنس وفهمه، وهل حرك وسكن بإذن الله ؟ أيم الله إن هذه الأساطير المشمرجة لا يبوح بها إلا من يتخبطه الشيطان من المس وإن هي إلا سم ناقع على روح الاسلام، تمس كرامة الأولياء، وتشوه سمعة الأمة
المسلمة، وتسود صحيفة تاريخها عند الأمم، وتضحك الملأ على عقلية أولئك المؤلفين الذين جمعت بيراعهم أشتات التاريخ الاسلامي. - 53 - سهل وجبل قاف عن سهل بن عبد الله قال: صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحة فوقه. و قيل لأبي يزيد رضي الله عنه: هل بلغت جبل قاف ؟ فقال: جبل قاف أمره قريب بل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهي محيطة بالأرض حول كل أرض جبل بمنزلة حائطها، وجبل قاف بهذه الأرض وهي أصغر الأرضين، وهو أيضا أصغر الجبال، وهو جبل من زمردة خضراء وقيل: إن خضرة السماء من خضرته. وروي: إن الدنيا كلها خطوة للولي. وحكي: إن وليا من أولياء الله تعالى احتاج إلى النار فرفع يده إلى القمر فاقتبس منه جذوة في خرقة كانت معه. (1) قال الأميني: حقا قيل: الجنون فنون: وأيم الله يميت القلب ويجلب الهم ضياع التاريخ الاسلامي بيد هؤلاء المعشوذين الذين شوهوا صحائفه بأمثال هذه الترهات التي لم يخلق مثلها في أساطير الأولين.
(1) روض الرياحين لليافعي 172.
[148]
- 54 - وحشي أتي بماء الوضوء قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه: أول ما رأيت من العجائب والكرامات إني خرجت يوما إلى موضع خال فطاب لي المقام فيه فوجدت من قلبي قربا إلى الله تعالى وحضرت الصلاة وأردت الوضوء وكانت عادتي من صباي تجديد الوضوء لكل صلاة، فكأني اغتممت لفقد الماء، فبينما أنا كذلك وإذا دب يمشي على رجليه كأنه إنسان معه جرة خضراء قد أمسك بيديه عليها، فلما رأيته من بعيد توهمت إنه آدمي
حتى دنا مني وسلم علي ووضع الجرة بين يدي، فجاءني اعتراض العلم فقلت: هذه الجرة والماء من أين هو ؟ فنطق الدب وقال: يا سهل ! إنا قوم من الوحوش قد انقطعنا إلى الله تعالى بعزم المحبة والتوكل، فبينما نحن نتكلم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا: ألا إن سهلا يريد ماء ليجدد الوضوء. فوضعت هذه الجرة بيدي وإذا بجنبي ملكان فدنوت منهما فصبا فيها الماء من الهواء وأنا أسمع خرير الماء. إلى آخر القصة. روض الرياحين ص 104، 105. قال الأميني: سل عن هذه العجائب الدب الطلق الذلق صاحب الجرة الخضراء، أو بقية الوحوش المنقطعة إلى الله بعزم المحبة والتوكل، أو سل الملكين إن سهل لك السبيل إليهما، وإن لم تجدهما فسل عقلك واتخذه حكما، واستعذ بالله من هذه الأوهام المخزية. - 55 - قصة فيها كرامتان قال عبد الله بن حنيف رحمه الله: دخلت بغداد قاصدا الحج ولم آكل الخبز أربعين يوما ولم أدخل على الجنيد وكنت على طهارة فرأيت ظبيا على رأس البئر وهو يشرب وكنت عطشانا، فلما دنوت إلى البئر ولى الظبي فإذا الماء في أسفل البئر فمشيت وقلت: يا سيدي مالي محل هذا الظبي ؟ فنوديت من خلفي: جربناك فلم تصبر فارجع وخذ فرجعت فإذا البئر ملآنة ماء فملأت ركوتي فكنت أشرب منه وأتطهر إلى المدينة ولم أنفد، ولما استقيت سمعت هاتفا يقول: إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل، وأنت
[149]
جئت معك الركوة. فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد علي قال: لو صبرت ولو ساعة لنبع الماء من تحت رجليك. الروض الفائق ص 127. قال الأميني: أوهام متراكمة بعضها فوق بعض، وهل ترك الجنيد للأنبياء
والرسل علما بالمغيب لم يبح به، وهل أتي البئر العميقة ولي من الأولياء بلا ركوة ولا حبل كالظباء اللاتي يفقدنهما ولا يسعهن التأهب بأمثالهما، وأما الانسان العادي فليس له وهو سار في عالم الأسباب إلا أن يحمل معه أدوات حاجته، هكذا خلق الله البشر، وهو ظاهر كثير من الأحاديث الشريفة. وحسبك سيرة النبي الأعظم والمرسلين من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وكلهم لله أولياء، وجميعهم أفضل من ابن حنيف. - 56 - حلق اللحية لله أخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 10: 370 قال: سمعت أبا نصر يقول: سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي (1) ابن كان اسمه غالبا، فجزت أمه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع، فقيل له: يا أستاذ ! ما حملك على هذا ؟ فقال: جزت هذه شعرها على مفقود، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود ؟ قال الأميني: أهلا بالناسك الفقيه، ومرحبا بالأولياء أمثال هذا المتخلع الجاهل بحكم الشريعة، وزه بمدون أخبارهم، ومنتفي آثار الأوحديين منهم كأبي نعيم، كيف خفي على هذا الفقيه البارع في مذهب مالك فتوى مالك وحرمة حلق اللحية، وإصفاق بقية الأئمة معه على ذلك ؟ كيف خفي عليه الحكم ؟ وهو ذلك الفقيه المتضلع الذي أجاب في دم الحيض المشتبه بدم الاستحاضة بثمانية عشر جوابا للعلماء، وقد جالس الفقهاء عشرين سنة (2) ؟ وهلا وقف وهو مدرس الحديث عشرين عاما على المأثورات النبوية الدالة على حرمة حلق اللحية المروية من عدة طرق ؟ منها: 1 - عن عائشة مرفوعا: عشر من الفطرة فذكر منها: إعفاء اللحية. وجاء من
(1) أبو بكر دلف بن جحدر فقيه عالم محدث توفي 334 / 5. (2) راجع تهذيب التهذيب. (*)
[150]
طريق أبي هريرة أيضا. صحيح مسلم 1: 153، سنن البيهقي: 149، سنن أبي داود 1: 9، 10، صحيح الترمذي 10: 216، مشكل الآثار 1: 297، المعتصر من المختصر 2: 220، طرح التثريب 1: 73، نيل الأوطار 1: 135 عن أحمد ومسلم والنسائي والترمذي. 2 - عن ابن عمر مرفوعا: اعفوا اللحى، واحفوا الشوارب، خالفوا المشركين. صحيح مسلم 1: 153، سنن النسائي 1: 16، جامع الترمذي 10: 221 بلفظ: احفوا الشوارب واعفوا اللحى، سنن البيهقي 1: 149 عن الصحيحين، المحلى لابن حزم 2: 222، تاريخ الخطيب 4: 345. 3 - عن ابن عمر مرفوعا: خالفوا المشركين، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب. أخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم في الصحيح 1: 153 بلفظ: خالفوا المشركين، وحفوا الشوارب وأوقوا اللحى. سنن البيهقي 1: 150، نيل الأوطار 1: 141 قال: متفق عليه. 4 - عن أبي هريرة مرفوعا: جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس صحيح مسلم 1: 153، سنن البيهقي 1: 150، تاريخ الخطيب 5: 317 بلفظ: أحفوا الشوارب واعفوا اللحى، زاد المعاد لابن القيم 1: 63 بلفظ: قصوا الشوارب. وفي ص 64 بلفظ: جزوا الشوارب. نيل الأوطار 1: 141 عن أحمد ومسلم. 5 - عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى. صحيح مسلم 1: 153، صحيح الترمذي 10: 221، سنن أبي داود 2: 195، سنن البيهقي 1: 151. 6 - عن أبي أمامة قال: قلنا: يا رسول الله ! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم (1) ويوفرون سبالهم فقال: قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب. أخرجه أحمد في المسند 5: 264. 7 - من حديث ابن عمر في المجوس: إنهم يوفرون سبالهم، ويحلقون لحاهم،
فخالفوهم. أخرجه ابن حبان في صحيحه كما ذكره العراقي في تخريج الإحياء للغزالي المطبوع في ذيله ج 1 ص 146. 8 - عن أنس: أحفوا الشوارب، واعفوا اللحى، ولا تشبهوا باليهود. أخرجه الطحاوي كما في شرح راموز الحديث: 1: 141. 9 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته
(1) جمع العثنون: اللحية.
[151]
من عرضها وطولها. صحيح الترمذي 10: 220. وكيف عزب عن الشبلي ما ذهب إليه القوم من أن حلق اللحية من تغيير خلق الله الوارد في قوله تعالى: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله (1). وقد أفرط جمع في الأخذ به فقال بحرمة حلق اللحية والشارب للمرأة أيضا. قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيئ من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل، أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك، والرجل في هذا الأخير كالمرأة (2). وقال القرطبي في تفسيره 5: 393 في تفسير الآية: لا يجوز لها [للمرأة] حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لأن كل ذلك تغيير خلق الله.
وكيف خفي على الشبلي ما انتهى إلى ابن حزم الظاهري من الإجماع الذي نقله في كتابه [مراتب الإجماع] ص 157 على إن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز، ولا سيما للخليفة، والفاضل، والعالم، وعد في ص 52 ناتف اللحية ممن لا تقبل شهادته. وهلم إلى كلمات أعلام الفقه: 1 - قال الحافظ العراقي في طرح التثريب 1: 83: من خصال الفطرة إعفاء اللحية، وهو توفير شعرها وتكثيره، وإنه لا يؤخذ منه كالشارب. من عفا الشيئ إذا كثر وزاد. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر الأمر بذلك (اعفوا اللحى) وفي رواية: أوفوا. وفي رواية: وفروا. وفي رواية: ارخوا وهي بالخاء المعجمة على المشهور وقيل بالجيم. من الترك والتأخير، وأصله الهمزة فحذف تخفيفا كقوله: ترجي من تشاء منهن.
(1) سورة النساء: 119. (2) فتح الباري 10: 310.
[152]
واستدل به الجمهور على أن الأولى ترك اللحية على حالها، وأن لا يقطع منها شيئ وهو قول الشافعي وأصحابه، وقال القاضي عياض: يكره حلقها وقصها وتحريقها. وقال القرطبي في المفهم: لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها قال القاضي عياض: وأما الأخذ من طولها فحسن. قال: وتكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في قصها، وجزها قال: وقد اختلف السلف هل لذلك حد: فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. 2 - قال الغزالي في الإحياء 1: 146: قوله صلى الله عليه وسلم: اعفوا اللحى. أي كثروها وفي الخبر: إن اليهود يعفون شواربهم، ويقصون لحاهم، فخالفوهم وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة. وقال في ص 148: وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل: إن
قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها عافية أحب لقوله صلى الله عليه وسلم: اعفوا اللحى. والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية. 3 - قال ابن حجر في فتح الباري 10: 288 عند ذكر حديث نافع: كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالاعفاء على غير الحالة التي تشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه، فقد قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيئ من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر إنه فعل ذلك، وإلى عمر إنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة إنه فعله، وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة. وقوله: نعفي. بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر
[153]
إلى أنهم يقصرون منها في النسك ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حد أم لا ؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري: إنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها، قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه
لمن يسخر به، واستدل بحدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، وهذا أخرجه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا، وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة. وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتجذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال: وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها قال: والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره. وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نقص على استحبابه فيه. وقال في ص 289: أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال: ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته، قال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس إنهم كانوا يقصونها. وقال النووي: يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنه يستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة. 4 - قال المناوي في [فيض القدير] 1: 198: اعفوا اللحى وفروها، فلا يجوز حلقها ولا نتفها، ولا قص الكثير منها، كذا في التنقيح، ثم زاد الأمر تأكيدا مشيرا إلى العلة بقوله: ولا تشبهوا باليهود في زيهم الذي هو عكس ذلك، وفي خبر ابن حبان بدل اليهود: المجوس. وفي آخر: المشركين. وفي آخر: آل كسرى. قال الحافظ العراقي:
[154]
والمشهور أنه من فعل المجوس فيكره الأخذ من اللحية، واختلف السلف فيما طال منها فقيل: لا بأس أن يقبص عليها ويقص ما تحت القبضة كما فعله ابن عمر، ثم جمع من
التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، والأصح كراهة أخذ ما لم يتشعث ويخرج عن السمت مطلقا. 5 - قال السيد علي القاري في شرح الشفا للقاضي (1): حلق اللحية منهي عنه، وأما إذا طالت زيادة على القبضة فله أخذها. 6 - في شرح الخفاجي على الشفا 1: 343: وتقصير اللحية حسن كما مر، و هيئته تحصل بقص ما زاد على القبضة، ويؤخذ من طولها أيضا، وأما حلقها فمهني عنه لأنه عادة المشركين. 7 - قال الشوكاني في [نيل الأوطار] 1: 136: إعفاء اللحية توفيرها كما في القاموس، وفي رواية للبخاري: وفروا اللحى. وفي رواية أخرى لمسلم: أوفوا اللحى. وهو بمعناه، وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك وأمر بإعفائها. قال القاضي عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحريقها، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن. ثم نقل الأقوال في حد ما زاد. وقال في ص 142: قد حصل من مجموع الأحاديث خمس روايات: اعفوا. وأوقوا. وأرخوا. وارجوا. ووفروا. ومعناها كلها تركها على حالها. قوله: خالفوا المجوس. قد سبق إنه كان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك. 8 - في شرح راموز الحديث 1: 141: أشار إلى العلة في خبر ابن حبان: المجوس بدل اليهود، وفي آخر: المشركين. وفي أخرى: كسرى. قال العراقي: المشهور: إنه فعل المجوس، فكره الأخذ من اللحية، واختلف السلف فيما طال. ثم نقل الأقوال التي ذكرناها. 9 - أحسن كلمة تجمع شتات الفتاوى وآراء أئمة المذاهب في المسألة ما أفاده الأستاذ محفوظ في [الابداع في مضار الابتداع] (2) ص 405 قال: ومن أقبح العادات ما اعتاده
(1) هامش شرح الخفاجي 1: 343.
(2) تأليف الأستاذ الكبير الشيخ علي محفوظ أحد مدرسي الأزهر الشريف (الطبعة الرابعة)
[155]
الناس اليوم من حلق اللحية وتوقير الشارب، وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وآله فعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه. رواه البخاري وروى مسلم عن ابن عمر أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أحفوا الشوارب واعفوا اللحى [إلى أن قال بعد ذكر عدة من أحاديث الباب]: والأحاديث في ذلك كثيرة وكلها نص في وجوب توقير اللحية وحرمة حلقها والأخذ منها على ما سيأتي. ولا يخفى أن قوله: خالفوا المشركين وقوله: خالفوا المجوس. يؤيدان الحرمة فقد أخرج أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تشبه بقوم فهو منهم. وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو هيأة، وفي ذلك خلاف العلماء منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث. ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب. فهذان الحديثان بعد كونهما أمرين دالان على أن هذا الصنع من هيآت الكفار الخاصة بهم إذ النهي إنما يكون عما يختصون به. فقد نهانا صلى الله عليه وآله عن التشبه بهم عاما في قوله: من تشبه. ومن افراد هذا العام حلق اللحية. وخاصا في قوله: وفروا اللحى خالفوا المجوس، خالفوا المشركين. ثم ما تقدم من الأحاديث ليس على إطلاقه فقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. وروى أبو داود والنسائي: إن ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف. وفي لفظ: ثم
يقص ما تحت القبضة. وذكره البخاري تعليقا. فهذه الأحاديث تقيد ما رويناه آنفا. فيحمل الاعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها. وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه. الأول: مذهب الحنفية قال في [الدر المختار]: ويحرم على الرجل قطع لحيته
[156]
وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة (بالضم) وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد. وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم ا ه وقوله: وما وراء ذلك يجب قطعه. هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها، كما رواه الإمام الترمذي في جامعه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية. الثاني: مذهب السادة المالكية حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة. وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف الأولى أو مكروه كما يؤخذ من شرح الرسالة لأبي الحسن وحاشيته للعلامة العدوي رحمهم الله. الثالث: مذهب السادة الشافعية، قال في شرح العباب: فائدة قال الشيخان: يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعي رضي الله عنه نص في الأم على التحريم. وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها. ا ه ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور. الرابع: مذهب السادة الحنابلة نص في تحريم حلق اللحية. فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها. ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافا كصاحب الانصاف، كما يعلم ذلك بالوقوف على شرح المنتهى وشرح منظومة الآداب وغيرهما. ومما تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يشرع
لخلقه سواه، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة، أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ا ه نعم: لم يكن الشبلي ولا الحافظ الذي يثني عليه بحلق لحيته في حب الله، ولا الحفاظ الآخرون الذين أطنبوا القول حول لحية أبي بكر الصديق محتاجين إلى اللحية، بل كانوا يفتقرون إلى عقل تام كما جاء فيما ذكره السمعاني في الأنساب في [الرستمي] عن مطين بن أحمد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له: يا نبي الله ! أشتهي لحية كبيرة. فقال: لحيتك جيدة وأنت محتاج إلى عقل تام.
[157]
- 57 - عمود نور من السماء إلى قبر الحنبلي ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3: 46 في ترجمة أبي بكر عبد العزيز بن جعفر الحنبلي المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة 363 قال: حكى أبو العباس ابن أبي عمرو الشرابي قال: كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لأجلها، ثم إني خرجت منها نوبة الناس وتوجهت إلى داري بباب الأزج، فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى جوف المقبرة فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفا أن يغيب عني إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبد العزيز فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر: فبقيت متحيرا ومضيت وهو على حاله. قال الأميني: أبو بكر الحنبلي هذا هو شيخ الحنابلة وعالمهم في عصره صاحب التصانيف وهو الراوي عن الخلال عن الحمصي عن إمام الحنابلة أحمد: إنه سئل عن التفضيل فقال: من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشورى والمهاجرين والأنصار.
وليت مثقال ذرة من ذلك النور الخيالي الممتد من قبر الرجل سطع على مكمن بصيرته أبان حياته، فلا يخضع لكلمة شيخه التافهة هذه التي تخالف الكتاب والسنة وإن مقدار الرجل ينبو عن التدخل في هذا الشأن العظيم الذي ليس هو من رجاله لكن (حن قدح ليس منها) أنى يقع قوله في التفضيل مع آيتي المباهلة والتطهير ؟ ومقتضى الأولى اتحاد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع صنوه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله فيما يمكن اتحاد شخصين فيه، وليست هي إلا الفضائل والفواضل والمكارم والمآثر ما خلا النبوة فما ظنك برجل يوازنه صلى الله عليه وآله فيما ذكرناه من الفضل ؟ أليس من السخف أن يقال: من قدم عليا. إلخ ؟ ومقتضى الثانية عصمته صلوات الله عليه عن جميع الذنوب والمعاصي، وهل يوازي المعصوم من يجترح السيئات ويقترف الآثام ؟ لكن صاحب النور يروي: من قدم عليا. إلخ. ولا يبالي بما يروي. فمقتضى المقام أن يقال: من قدم أحدا على مولانا أمير المؤمنين فقد طعن على
[158]
الكتاب الكريم ومن صدع به صلى الله عليه وآله ومن أنزله جلت عظمته. وأنى يقع قول صاحب النور المروي عن إمامه أحمد أمام السنة المتواترة الواردة من شتى النواحي في فضل الإمام صلوات الله عليه المتقدمة في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب (1) ؟ فمن قدمه سلام الله عليه على أبي بكر وصاحبيه فقد جاء بالحجة البالغة، والنور الساطع، وأخذ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. - 58 - تمر ينقلب رطبا لابن سمعون أخرج الخطيب في تاريخه 1: 275 قال: حدثنا أبو بكر محمد بن محمد الطاهري قال: سمعت أبا الحسين ابن سمعون (2) يذكر أنه خرج من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قاصدا بيت المقدس، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا، فلما وصل إلى بيت المقدس
ترك التمر مع غيره من الطعام في الموضع الذي كان يأوي إليه، ثم طالبته نفسه بأكل الرطب فأقبل عليها باللائمة وقال: من أين لنا في هذا الموضع رطب ؟ فلما كان وقت الإفطار عمد إلى التمر ليأكل منه فوجده رطبا صيحانيا ! فلم يأكل منه شيئا، ثم عاد إليه من الغد عشية فوجده تمرا على حالته الأولى فأكل منه. وذكره ابن العماد في الشذرات 3: 126. - 59 - ابن سمعون يخبر عما يراه النائم أخرج ابن الجوزي في المنتظم 7: 199 من طريق أبي بكر الخطيب البغدادي عن أبي طاهر محمد بن علي بن العلاف قال: حضرت أبا الحسين ابن سمعون يوما في مجلس الوعظ وهو جالس على كرسيه يتكلم، وكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة حتى استيقظ
(1) وسيوافيك قول أحمد وجمع آخرين من أئمة الحديث: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في حق علي بن أبي طالب. وقول حبر الأمة ابن عباس: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي. (2) الواعظ الشهير الإمام القدوة الناطق بالحكمة كما في المنتظم والشذرات توفي 387.
[159]
أبو الفتح ورفع رأسه فقال له أبو الحسين: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك ؟ قال: نعم، فقال أبو الحسين: لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه. - 60 - ابن سمعون وصبية الرصاص قال ابن الجوزي في المنتظم 7: 198: حكي أن الرصاص الزاهد كان يقبل رجل ابن سمعون دائما فلا يمنعه فقيل له في ذلك فقال: كان في داري صبية خرج
في رجلها الشوكة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: قل لابن سمعون: يضع رجله عليها فإنها تبرأ، فلما كان من الغد بكرت إليه فرأيته قد لبس ثيابه فسلمت عليه فقال: بسم الله فقلت: لعل له حاجة أمضي معه وأعرض عليه في الطريق حديث الصبية فجاء إلى داري فقال: بسم الله. فدخلت وأخرجت الصبية إليه وقد طرحت عليها شيئا فترك رجله عليها، وانصرف وقامت الجارية معافاة فأنا أقبل رجله أبدا. - 61 - ملك ينزل لأبي المعالي كان أبو المعالي البغدادي المتوفى 496 من الصلحاء الزهاد، ذكر إنه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان فعزم على الذهاب إلى بعض الأصحاب ليستقرض منه شيئا قال: فبينما أنا أريده إذا بطائر قد سقط على كتفي وقال: يا أبا المعالي ! أنا الملك الفلاني لا تمض إليه نحن نأتيك به. قال: فبكر إلي الرجل. رواه ابن الجوزي في المنتظم 9: 136، وابن كثير في تاريخه 12: 163. ألا تعجب من ابن الجوزي لا يمر على منقبة من مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله إلا وحكم عليها بالوضع أو الضعف أو الوهن، لكنه يرسل هذه الخزعبلات إرسال المسلم، ولا ينبس في إسنادها ببنت شفة، ولا في متونها بما يقتضيه المقام من التنفيذ والاحالة ؟ كل ذلك لأنه غال فيمن يحبهم، وقال لمن يشنأهم. - 62 - الله يكلم أبا حامد الغزالي قال صاحب مفتاح السعادة 2: 194: قال - أبو حامد الغزالي (1) - في بعض
(1) أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الشافعي حجة الاسلام الغزالي صاحب كتاب (إحياء العلوم) ولد بطوس 450 وتوفي 505.
[160]
مؤلفاته: كنت في بدايتي منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام فقال لي يا أبا حامد ! قلت: أو الشيطان يكلمني ؟ قال: لا. بل أنا الله المحيط بجهاتك الست ثم قال: يا أبا حامد ! ذر أساطيرك وعليك بصحبة أقوام جعلتهم في أرضي محل نظري، وهم أقوام باعوا الدارين بحبي. فقلت: بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم. فقال: قد فعلت ذلك والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا، فاخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا، فقد أمضيت عليك نورا من أنوار قدسي، فقم وقل. قال: فاستيقظت فرحا مسرورا وجئت إلى شيخي يوسف النساج فقصصت عليه المنام فتبسم وقال: يا أبا حامد ! هذا ألواحنا في البداية فمحوناها، بلى إن صحبتني سأكحل بصر بصيرتك بأثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الأبصار، فتصفو من كدر طبيعتك، وترتقى على طور عقلك، وتسمع الخطاب من الله تعالى - كما كان لموسى عليه السلام -: أنا الله رب العالمين. قال الأميني: مادح نفسه يقرءك السلام. ليت شعري هل كان يضيق فم الشيطان عن أن يقول: أنا الله المحيط بجهاتك الست، كما لم تضق أفواه المدعين للربوبية في سالف الدهر ؟ فمن أين عرف الغزالي بصرف الدعوى إنه هو الله ؟ ولماذا لم يحتمل بعد إنه هو الشيطان ؟ وإن كان قد صدق الرؤيا وأذعن بأن الله هو الذي خاطبه فلماذا لم يدع الأساطير وقد خوطب ب: ذر الأساطير. ولم ينسج على نول النساج شيخه إلا التافهات ؟ وليته كان يوجد في صيدلية النساج كحل آخر تحد بصر الغزالي وبصيرته حتى لا يبوء بإثم كبير مما في إحيائه من رياضيات غير مشروعة محبذة من قبله كقصة لص الحمام وغيرها، وحديث منعه عن لعن يزيد اللعين في باب آفات اللسان إلى أمثاله الكثير الباطل. وما أحد أثمد النساج الذي يترك من اكتحل به لا يرضى بعد رؤيته العرش ومن
حوله، حتى يشاهد ما لا تدركه الأبصار، ويسمع الخطاب - كما سمعه موسى -: أنا الله رب العالمين ؟ وأنا إلى الغاية لا أدري إن موسى عليه السلام المشارك له في السماع هل
[161]
شاركه في الرؤية ؟ ولعل صاحب الهذيان يجد نفسه مربية على نبي الله موسى الذي هو من أولي العزم من الرسل، وخوطب بقول الله العزيز: لن تراني يا موسى ! هكذا فليكن السالك المجاهد الغزال. - 63 - يد الغزالي في يد سيد المرسلين قال الشيخ الإمام الزاهد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد الجلالي النسائي الشافعي: رأيت في بعض تصانيف الشيخ الإمام مسعود الطرازي: إن الإمام أبا حامد الغزالي رحمه الله كان قد أوصى أن يلحده الشيخ أبو بكر النساج الطوسي تلميذ الشيخ الإمام أبي القاسم الكرساني قال: فلما ألحده وخرج من اللحد خرج متغيرا منتقع اللون فقيل له في ذلك فلم يخبر بشئ، فأقسموا عليه بالله إلا ما أخبرتهم فقال: إني لما وضعته في اللحد شاهدت يدا يمنى قد خرجت من تجاه القبلة وسمعت هاتفا يقول: ضع يد محمد الغزالي في يد سيد المرسلين محمد المصطفى العربي صلى الله عليه وآله فوضعتها فيها ثم خرجت كما ترون أو كما قال قدس الله روحه العزيز (1). لقد علم الغزالي أن للنساج عليه يدا واجبة بتكحيله بأثمده المتقدم ذكره، فكان منه بدء هدايته، فأحب أن يكون هو المجهز له في الغاية، وعرف إن الرجل نسيج وحده في وشي الخرافات، فأوصى إليه ما أوصى، وأحسب إن يد الغزالي التي وضعها في يد النبي محمد صلى الله عليه وآله غير التي حمل القلم الذي خط به كتاب (الإحياء) المشحون بالأباطيل والأضاليل أو غيره من كتبه التي تحوي أمثال قصة الرؤية والاثمد. - 64 -
إحياء العلوم للغزالي عن الإمام أبي الحسن المعروف بابن حرازم - ويقال: ابن حرزم - وكان مطاعا في بلاد المغرب إنه لما وقف على [إحياء العلوم] للغزالي أمر بإحراقه. وقال: هذا بدعة مخالف للسنة، فأمر بإحضار ما في تلك البلاد من نسخ الإحياء، فجمعوا وأجمعوا على إحراقها يوم الجمعة، وكان إجماعهم يوم الخميس، فلما كان ليلة الجمعة رأى
(1) مفتاح السعادة 2: 207.
[162]
أبو الحسن في المنام كأنه دخل من باب الجامع، ورأى في ركن المسجد نورا وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر جلوس والإمام الغزالي قائم وبيده (الإحياء) وقال: يا رسول الله ! هذا خصمي ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وآله فناوله (كتاب الإحياء) وقال: يا رسول الله ! انظر فيه فإن كان فيه بدعة مخالفة لسنتك كما زعم تبت إلى الله، وإن كان شيئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي، فنظر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ورقة ورقة إلى آخره ثم قال: والله إن هذا شيئ حسن، ثم ناوله أبا بكر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق يا رسول الله ! إنه لحسن. ثم ناوله عمر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك ثم قال كما قال أبو بكر رضي الله عنه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتجريد أبي الحسن وضربه حد المفتري فجرد وضرب ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط وقال: يا رسول الله ! إنما فعل ذلك اجتهادا في سنتك وتعظيما. فعفا عنه أبو حامد عند ذلك، فلما استيقظ (أبو الحسن) من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب ثم سكن عنه الألم ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره وصار ينظر كتاب (الإحياء) ويعظمه وينتحله أصلا أصيلا. وفي لفظ اليافعي: وبقيت متوجعا لذلك خمسا وعشرين ليلة، ثم رأيت النبي
صلى الله عليه وآله جاء ومسح علي وتوبني فشفيت ونظرت في (الإحياء) ففهمته غير الفهم الأول. و ذكره السبكي في طبقاته 4: 132 وقال: هذه حكاية صحيحة حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي الله سيدي ياقوت الشاذلي، عن شيخنا السيد الكبير ولي الله أبي العباس المرسي، عن شيخه الشيخ الكبير ولي الله أبي الحسن الشاذلي قدس الله تعالى أسرارهم (1) وذكره المولى أحمد طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة 2: 209، واليافعي في مرآت الجنان 3: 322: وقال السبكي في طبقاته: 4: 113: كان في زماننا شخص يكره الغزالي ويذمه
(1) كذا حكى عن السبكي والمطبوع من طبقاته يخالفه في بعض الألفاظ.
[163]
ويستعيبه في الديار المصرية فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه والغزالي جالس بين يديه وهو يقول: يا رسول الله ! هذا يتكلم في، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هاتوا السياط، وأمر به فضرب لأجل الغزالي، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره، ولم يزل كان يبكي ويحكيه للناس. وسنحكي منام أبي الحسن ابن حرزم المغربي المتعلق بكتاب (الإحياء) وهو نظير هذا. قال الأميني: نعما هي لو صدقت الأحلام ؟ إنا نحن نربأ صاحب الرسالة عن الاصفاق على تصديق مثل هذا الكتاب الذي هو في كثير من مواضيعه على الطرف النقيض لما صدع به من شريعته المقدسة، وليست أباطيل الغزالي بألغاز لا يحلها إلا الفني فيها، وإنما هي سرد متعارف يعرفها كل من وقف عليها من أهل العلم، وليس فهمها قصرا على قوم دون آخرين، فهي فتق لا يرتق، وصدع لا يرأب. قال ابن الجوزي في المنتظم 9: 169: أخذ في تصنيف كتاب (الإحياء) في القدس ثم أتمه بدمشق إلا أنه وضعه على مذهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه مثل إنه
ذكر في محو الجاه ومجاهدة النفس: إن رجلا أراد محو جاهه فدخل الحمام فلبس ثياب غيره، ثم لبس ثيابه فوقها، ثم خرج يمشي على محل حتى لحقوه فأخذوها منه وسمي سارق الحمام، وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح، لأن الفقه يحكم بقبح هذا فإنه متى كان للحمام حافظ وسرق سارق قطع، ثم لا يحل لمسلم أن يتعرض بأمر يأثم الناس به في حقه. وذكر أن رجلا اشترى لحما فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته فعلقه في عنقه ومشى، وهذا في غاية القبح، ومثله كثير ليس هذا موضعه، وقد جمعت أغلاط الكتاب وسميته [إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء] وأشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمى [بتلبيس إبليس] مثل ما ذكر في كتاب النكاح: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت الذي تزعم إنك رسول الله. وهذا محال. إلى أن قال: وذكر في كتاب (الإحياء) من الأحاديث الموضوعة وما لا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الأحاديث على من يعرف، وإنما نقل نقل حاطب ليل. وكان قد صنف للمستظهر كتابا في الرد على الباطنية، وذكر في آخر
[164]
مواعظ الخلفاء فقال: روي أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم: ابعث إلي من إفطارك. فبعث إليه نخالة مقلوة فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر عليها وجامع زوجته، فجاءت بعبد العزيز، فلما بلغ ولد له عمر بن عبد العزيز. وهذا من أقبح الأشياء لأن عمر ابن عم سليمان وهو الذي ولاه، فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا. الخ. وقال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) ص 352: قد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب (الإحياء) قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع. قال: وعالج بعضهم حب المال بأن
باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل. قال: وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعود نفسه الحلم. قال: وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا. ثم قال: قال المصنف رحمه الله: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها ؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم ؟ وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير، وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه. وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك. وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان. وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزم الصوم، وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا. فقال: قلت: وإني لا تعجب من (أبي حامد) كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة ؟ وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا ؟ وكيف يحل رمي المال في البحر ؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. وهل يحل سب مسلم بلا سبب ؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك
[165]
وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه ؟ وذاك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج، وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف ؟. وقال: وحكى أبو حامد: إن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة. فقال: قلت: وهذا فوق الجنون
بدرجات. هذه جملة من كلمات ابن الجوزي حول [إحياء العلوم] ومن أمعن النظر في أبحاث هذا الكتاب يجده أشنع مما قاله ابن الجوزي، وحسبك ما جاء به من حلية الغناء والملاهي وسماع صوت المغنية الأجنبية والرقص واللعب بالدرق والحراب، ونسبة كل ذلك إلى نبي القداسة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (1) بعد سرد جملة من الموضوعات تدعيما لرأيه السخيف: فيدل هذا على إن صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير، بل إنما يحرم عند خوف الفتنة، فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء، والرقص، والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشية والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فإنه وقت سرور، وفي معناه يوم العرس، والوليمة، والعقيقة، والختان، ويوم القدوم من السفر، وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا، ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضا مظنة السماع. ثم ذكر سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس. وفصل القول في ذلك بما لا طائل تحته، وخلط الحابل بالنابل، وجمع فيه بين الفقه المزيف وبين السلوك بلا فقاهة. ومن طامات كتاب (الإحياء) أو من شواهد جهل مؤلفه المبير ومبلغه من الدين والورع رأيه الساقط في اللعن قال في ج 3: 121: وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب، ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلا فضلا عن غيره، فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو أمره به ؟ قلنا: هذا لم يثبت أصلا، فلا يجوز
(1) راجع إحياء العلوم 2: 276.
[166]
أن يقال: إنه قتله، أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة، لأنه لا تجوز نسبة مسلم
إلى كبيرة من غير تحقيق ثم ذكر أحاديث في النهي عن لعن الأموات فقال: فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: قاتل الحسين لعنه الله، أو الآمر بقتله لعنه الله ؟ قلنا: الصواب أن يقال: قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة، فإن وحشيا قاتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله وهو كافر، ثم تاب عن الكفر والقتل جميعا، ولا يجوز أن يلعن والقتل كبيرة، ولا تنتهي إلى رتبة الكفر، فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر، وليس في السكوت خطر فهو أولى. ا ه. فهلم معي أيها القارئ الكريم إلى هذه التافهات المودوعة في غضون [إحياء العلوم] هل يراها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله شيئا حسنا، وحلف بذلك ؟ وهل سره دفاع الرجل عن إبليس اللعين أو عن جروه يزيد الطاغية الذي أبكى عيون آل الله وعيون صلحاء أمة محمد صلى الله عليه وآله في ريحانته إلى الأبد ؟ ! وهل يحق لمسلم صحيح ينزه عن النزعة الأموية الممقوتة، ويطلع على فقه الاسلام وطقوسه، ويعلم تاريخ الأمة، ويعرف نفسيات أبناء بيت أمية الساقط، ولا يجهل أو لا يتجاهل بما أتت به يد يزيد الطاغية الأثيمة، وما نطق به ذلك الفاحش المتفحش وما أحدثه في الاسلام من الفحشاء والمنكر، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه، وما صدر عنه من بوائق وجرائم وجرائر، أن يدافع عنه بمثل ما أتى به هذا المتصوف الثرثار البعيد عن العلوم الدينية وحياتها ؟ وهو لا يبالي بما يقول، ولا يكترث لمغبة ما خطته يمناه الخاطئة، والله من وراءه حسيب، وهو نعم الحكم العدل، والنبي الأعظم، ووصيه الصديق، والشهيد السبط المفدى هم خصماء الرجل يوم يحشر للحساب مع يزيد الخمور والفجور - ومن أحب حجرا حشره الله معه - وسيذوق وبال مقاله ويرى جزاء محاماته. ولست أدري إلى الغاية إن حد المفتري الذي أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي
الحسن ابن حرازم إن كان بحق - ولا بد أن يكون ما يفعله النبي حقا - فلماذا درأته عنه شفاعة الشيخ أبي بكر ؟ ولا شفاعة في الحدود. وإن لم يكن أبو الحسن مستحقا
[167]
له فبماذا أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا أرجأ الشيخ رأيه في اجتهاد ابن حرازم إلى أن جرد وضرب خمسة أسواط ؟ وكيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدرأ به الحد من شبهة الاجتهاد ؟ ومن سنته الثابتة درأ الحدود بالشبهات. وهل تقام الحدود في عالم الطيف ؟ - 65 - اللامشي يسجد على أرض النهر قال السمعاني: سمعت أبا بكر الزاهد السمرقندي يقول: بت ليلة مع الإمام اللامشي - الحسين بن علي أبي علي الحنفي المتوفى 522 - في بعض بساتينه فخرج من باب البستان نصف الليل ومر على وجهه فقمت أنا وتبعته من حيث لا يعلم، فوصل إلى نهر كبير عميق، وخلع ثيابه، واتزر بميرز وغاض في الماء، وبقي زمانا لا يرفع رأسه فظننت أنه غرق فصحت وقلت: يا مسلمون ! غرق الشيخ فإذا بعد ساعة قد ظهر وقال: يا بني لا نغرق. فقلت: يا سيدي ! ظننت أنك غرقت، فقال: ما غرقت ولكن أردت أن أسجد لله سجدة على أرض النهر فإن هذه أرض أظن أن أحدا ما سجد لله عليها سجدة [الجواهر المضية في طبقات الحنفية] 1: 215. مرحى بالسخافة وزه بمستسخف الناس الذين يخضعون لأمثال هذه السفاسف، وحيا الله هذه النفس التي لم يأخذ بخناقها انقطاع النفس طيلة تلك المدة تحت الماء، وليس ذلك من خرافة القصاصين بعجيب، ولا عجب فإن المغالاة في الحب يستسهل وقوع ما يحيله العقل.
- 66 - الطلحي يستر سوأته بعد موته أخرج ابن الجوزي وابن كثير بالإسناد عن أحمد الاسواري وكان ثقة وهو تولى غسل إسماعيل بن محمد الحافظ (1) أنه قال: أراد أن ينحي الخرقة عن سوأته وقت الغسل
(1) أبو القاسم الطلحي الشافعي من أهل أصبهان قال ابن الجوزي: إمام في الحديث والتفسير و اللغة حافظ متقن دين ولد 459 وتوفي باصبهان سنة 535.
[168]
فجذبها الشيخ إسماعيل من يده وغطى فرجه، فقال الغاسل: أحياة بعد الموت ؟ المنتظم 10: 90، تاريخ ابن كثير 12: 217. قال الأميني: لا حياة بعد الموت لأمثال الطلحي، إلى يوم الوقت المعلوم، لكن الغلو في الحب يحيي ويميت ويميت ويحيي. - 67 - طاعة الحيوانات والجمادات للمنبجي قال الإمام أبو محمد ضياء الدين الوتري في (روضة الناظرين) ص 36: قال الشيخ عقيل بن شهاب الدين أحمد المنبجي العمري أحد أحفاد عمر بن الخطاب، وكان يلقب بالغواص: أعطاني الله الكلمة النافذة في كل شئ، ثم داخله وجد فقام: وقال: يا هوام ! يا حجارة ! يا شجر ! صدقوني، فإني ما ادعيت باطلا، فوفدت الوحوش من الجبل وقد ملأ زئيرها وصراخها البقاع ودارت به، ورقصت الحجارة، فهذه صاعدة وهذه نازلة، واشتبكت الأغصان بعضها ببعضها، ثم حضر فسكت وعاد كل لما كان عليه. وقال الوتري: كان يلقب بالغواص، وذلك لأنه مر بجماعة من تلامذة شيخه السروجي بالفرات، ففرش سجادته على الماء وجلس عليها وغاص بالماء إلى الجانب
الآخر، ثم ظهر من الماء، ولا بلل بثيابه، فذكر ذلك إخوانه لشيخه مسلمة السروجي فقال: عقيل غواص. فاشتهر بذلك (1) قال الأميني: حقا إن تأثير هذا الرجل في المواليد الثلاث أقوى من تأثير الله سبحانه في تصديقها إياه إن حققت المزاعم والتافهات، فقد جاء في الذكر الحكيم: و إن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. (2) وسبح لله ما في السموات والأرض (5) ولله يسجد ما في السموات والأرض (4) والنجم والشجر يسجدان (5)
(1) روضة الناظرين ص 35. (2) سورة الاسراء: 47. (3) سورة الصف: 2. (4) سورة النحل: 52. (5) سورة الرحمن: 7.
[169]
ألم تر إن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس (1) ومع ذلك لم يسمع أحد للوحوش والدواب نعيقا، وللشجر هفيفا، وللأحجار صعودا وهبوطا، بعنوان السجدة و التسبيح، فهو لا محالة إما بلسان ملكوتي، أو بعنوان جعل الاستعداد، أو الشهادة التكوينية التي لا تفارق كل موجود على حد قول القائل: وفي كل شئ له آية * تدل على إنه واحد وعليه ينزل قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو. أي خلق ما يشهد له بأحد الوجوه المذكورة، وإلا فهي دعوى لا شهادة لها إن أريد بها ظاهرها. أو إن للموجودات في تسبيحها وسجودها لغة وأطوارا لا يحسها البشر، إلا من اصطفاه الله من عباده المنتجبين، وعلمه منطق الطير، وعرفه لغة الحجر والشجر والهوام،
لكن الشيخ الغواص أعطاء الله الكلمة النافذة في كل شئ حتى زارت وصرخت له الوحوش، ورقصت الحجارة، واشتبكت أغصان الأشجار، فحظيت بسماعها ورؤيتها آذان أولئك الغالين في فضائله ومقلهم، فحيى الله منحة المولى سبحانه لعبده أكثر مما عنده، ولك إمعان النظر وتدقيق البحث حول السجادة والغوص، وهذه كلها سهلة غير مستصعب على الشيخ مهما كان حفيد عمر الخلفية، وقد سمعت كراماته الظاهرة في العناصر الأربعة في الجزء الثامن ص 83 - 87 ط 1، هكذا يخلق أو يختلق الغلو الفضائل، وافقت العقل أم لم توافق. - 68 - كرامة لابن مسافر الأموي قال عمر بن محمد: خدمت الشيخ عدي - ابن مسافر الشامي الأموي المتوفى 557 / 8 - سبع سنين شهدت له فيها خارقات أحدها: أني صببت على يديه ماء فقال لي: ما تريد ؟ قلت أريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الاخلاص، فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كله في وقتي، وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله. [شذرات الذهب] لابن العماد الحنبلي 4: 180،
(1) سورة الحج: 19.
[170]
قال الأميني: ليت هذا الأموي أدرك عهد الخليفة الثاني فيضرب بيده في صدره فلا يتجشم بمقاساة الشدة لحفظ سورة البقرة في أثني عشر عاما. لكنه لم يدرك. وليت شعري هل كان يرضخ راوي هذه الأسطورة لها لو كان صاحبها علويا ؟ أو إن رضوخه قصر على الأموي فحسب ؟ وذكر ابن العماد أيضا في شذرات ذهبه نقلا عن اليونيني - الآتي ذكره. قال قال لي عدي بن مسافر يوما: إذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا
فادخله ترى فيه شيخا فقل له: يقول لك الشيخ عدي بن مسافر: إحذر الاعتراض و لا تختر لنفسك أمرا ليست لك فيه إرادة. فقلت: يا سيدي ! وأنى لي بالبحر المحيط ؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها وثم مسجد فدخلته فرأيت شيخا مهيبا يفكر فسلمت عليه وبلغته الرسالة فبكى وقال: جزاه الله خيرا، فقلت: يا سيدي ! ما الخبر ؟ فقال: إعلم أن أحد السبعة الخواص في النزع وطمحت نفسي و إرادتي أن أكون مكانه، ولم تكمل خطرتي حتى أتيتني فقلت: يا سيدى ! وأنى لي بالوصول إلى جبل هكار ؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي فقال لي: هو من العشرة الخواص. قال الأميني: الجنون فنون، وأرقها جنون الحب والمغالاة في الفضائل. - 69 - عبد القادر يحيي دجاجة قال اليافعي في مرآة الجنان 3: 356: روى الشيخ الإمام الفقيه العالم المقري أبو الحسن علي بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعي اللخمي في مناقب الشيخ عبد القادر (1) بسنده من خمس طرق، وعن جماعة من الشيوخ الجلة أعلام الهدى العارفين المقتنين للاقتداء، قالوا: جاءت امرأة بولدها إلى الشيخ عبد القادر فقالت له: يا سيدي ! إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله
(1) الشيخ السيد عبد القادر بن أبي صالح موسى الحسني الجيلاني، مؤسس الطريقة القادرية. من كبار المتصوفين، ولد في 491 بجيلان [وراء طبرستان] وانتقل إلى بغداد شابا، وتوفي سنة 561 ودفن ببغداد وقبره مشهور يزار.
[171]
عز وجل ولك، فقبله الشيخ وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت أمه عليه يوما فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصا من الشعير
فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت: يا سيدي ! تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير ؟ فوضع يده على تلك العظام وقال: قومي بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي رميم. فقامت الدجاجة سوية وصاحت، فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. وذكرها الشيخ عبد القادر القادري في [تفريح الخاطر] ص 32. قال الأميني: إن خاصة الأنبياء وفي الطليعة منها إحياء الموتى هل تتأتى لكل مرتاض، فلا يبقى بينه وبين النبي المرسل أي مائز ؟ وهب إن الباحث تصور لصدورها من الأولياء اعتبارا آخر فتكون كرامة للولي ومعجزة للنبي الذي ينتحل شرعته، إلا أنه اعتبار اهتدى إليه الفكر بعد روية طويلة، لكنه لا خارج له تصل إليه العامة، فاطرادها بل وظهورها من غير اطراد يحط عندها من مقام النبوة لمحض المشاكلة الصورية، وكلما كان كذلك لا يمكن وقوعه. ثم هل لأكل خبز الشعير وما جشب من الطعام بمحضه أن يوصل السالك إلى مرتبة يحيي فيها الموتى، وإن كان المولى سبحانه يعلم إنه متى بلغ إلى هذه المرتبة ألهاه أكل الدجاجة المسلوقة أكلا لما ؟ ! وهل الرياضة شرط في حدوث القوة في النفس والملكات الفاضلة وليست شرطا في بقائها ؟ ! أو ليس التلهي باللذايذ مزيحة لتلكم الأحوال النفسية كما كانت الرياضة مجتذبة لها ؟ فاحف القول السؤال عن هذه المشكلات، فإن أجابوك فأخبرني. - 70 - عبد القادر يحتلم في ليلة أربعين مرة ذكر الشعراني في الطبقات الكبرى 1: 110 قال: كان الشيخ عبد القادر (الجيلاني) رضي الله عنه يقول: أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجردا
سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني، يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان أعلمهم
[172]
الطريق إلى الله عز وجل، ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي العراق، وما كنت عرفته وشرط أن لا أخالفه وقال لي: اقعد هنا. فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين، يأتيني كل سنة مرة ويقول لي: مكانك حتى آتيك. قال: ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ، وسنة لا أكل ولا أشرب ولا أنام، ونمت مرة بايوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشط واغتسلت، ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط واغتسلت فوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة وأنا أغتسل، ثم صعدت إلى الايوان خوف النوم. قال الأميني: اقرأه مع إمعان وتبصر في شأن هذا العارف معلم طوائف من رجال الغيب والجان الذي اتخذوه الطريق إلى الله، وكان رفيق الخضر عليه السلام، وأعجب من إنسان لم يأكل سنة، ولم يشرب أخرى، ويتركهما ثالثة، ولم تخر قواه حتى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرة، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجم وهو فان في الله ولو كان اتفق له ذلك خلال تلكم الأيام التي كان يأكل فيها الدجاجة المسلوقة ويحيي عظامها كما مر لكان يعد بعيدا عن الطبيعة البشرية. وما أطول تلك الليلة حتى وسعت أربعين نومة ذات احتلام، وأغسالا بعدها على عدد الأحلام المتخللة بالذهاب إلى الشط والإياب إلى مقره ومنامه، وبعد ذلك كله تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الايوان خوفا من النوم، ولعله لو نام بعد نومته المتممة للأربعين لبلغ العدد الأربعمائة أو أكثر، ولم يكن الشيطان يفارق ذلك الهيكل القدسي واللعب به مهما امتدت ليلته، وليس إحيائه عظام الدجاجة بأعظم من هذه الكرامة، وإن هي إلا أحلام نائم نسجتها أيدي العرونة غلوا في الفضائل.
- 71 - قدم النبي صلى الله عليه وآله على رقبة عبد القادر قال الشيخ السيد عبد القادر الكيلاني: لما عرج بجدي صلى الله عليه وسلم ليلة المرصاد، وبلغ سدرة المنتهى بقي جبريل الأمين عليه السلام متخلفا وقال: يا محمد ! لو دنوت أنملة لاحترقت فأرسل الله تعالى روحي إليه في ذلك المقام، لاستفادتي من سيد الأنام عليه وعلى آله
[173]
الصلاة والسلام، فتشرفت به، واستصحلت على النعمة العظمى والوراثة والخلافة الكبرى، وحضرت وأوجدت بمنزلة البراق حتى ركب علي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعناني بيده حتى وصل، فكان قاب قوسين أو أدنى وقال لي: يا ولدي وحدقة عيني ! قدمي هذه على رقبتك، وقدماك على رقاب كل أولياء الله تعالى. وقال رضي الله عنه: وصلت إلى العرش المجيد بحضرتي * فلاحت لي الأنوار والحق أعطاني نظرت لعرش الله قبل تخلقي * فلاحت لي الأملاك والله سماني وتوجني تاج الوصال بنظرة * ومن خلقه التشريف والقرب أكساني - 72 - عبد القادر وملك الموت عن السيد الشيخ الكبير أبي العباس أحمد الرفاعي قال: توفي أحد خدام الشيخ عبد القادر الكيلاني وجاءت زوجته إليه فتضرعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها فتوجه الشيخ إلى المراقبة فرأى في عالم الباطن إن ملك الموت عليه السلام يصعد إلى السماء ومعه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم فقال: يا ملك الموت ! قف واعطني روح خادمي فلان، وسماه باسمه، فقال ملك الموت: إني أقبض الأرواح بأمر إلهي وأوديها إلى باب عظمته، كيف يمكنني أن أعطيك روح الذي قبضته بأمر ربي ؟ فكرر الشيخ عليه إعطاء روح خادمه إليه، فامتنع من إعطائه، وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الأرواح
المقبوضة في ذلك اليوم، فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده، فتفرقت الأرواح ورجعت إلى أبدانها، فناجى ملك الموت عليه السلام ربه وقال: يا رب ! أنت أعلم بما جرى بيني و بين محبوبك ووليك عبد القادر، فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ما قبضته من الأرواح في هذا اليوم فخاطبه الحق جل جلاله: يا ملك الموت ! إن الغوث الأعظم محبوبي ومطلوبي لم لا أعطيته روح خادمه ؟ وقد راحت الأرواح الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحد، فتندم هذا الوقت (2).
(1) نفس المصدر الآتي في الخرافة التالية. (2) تفريح الخاطر في ترجمة عبد القادر ص 5، 12 ط مصر مطبعة عيسى البابي الحلبي و شركاؤه سنة 1339.
[174]
- 73 - وفاة الشيخ عبد القادر ذكروا: إنه لما قربت وفاة الشيخ عبد القادر الجيلاني جاء سيدنا عزرائيل عليه السلام بمكتوب ملفوف من الرب الجليل في وقت غروب الشمس وأعطاه ولده الشيخ عبد الوهاب وكان مكتوب، على ظهره: يصل هذا المكتوب من المحب إلى المحبوب. فلما رآه ولده بكى وتحسر ودخل بالمكتوب مع سيدنا عزرائيل عليه السلام على حضرة الشيخ، وقبل هذا بسبعة أيام كان معلوما لدى الشيخ انتقاله إلى العالم العلوي، وكان مسرورا ودعا الله لمحبيه ومخلصيه بالمغفرة، وتعهد أن يكون لهم شفيعا يوم القيامة، وسجد لله تعالى وجاء النداء: يا أيتها النفس المطمأنة ! ارجعي إلى ربك راضية مرضية. وضج عالم الناسوت بالبكاء، وابتهج عالم الملكوت باللقاء (1). هذه نماذج من أوهام جاء بها الغلو في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني، ونحن لو ذهبنا لنجمع ما عزوه إلى الشيخ من الكرامات وإن شئت قلت: من الخرافات.
مما لا يوافقه العقل، ولا يصافق عليه المنطق، ولا يساعده الشرع الاسلامي الأقدس، ولا يدعم بحجة، ولا تصدقه البرهنة لأريناك موسوعة ضخمة تبعثك إلى الضحك تارة وإلى البكاء أخرى. - 74 - الرفاعي يقبل يد النبي صلى الله عليه وآله قال أبو محمد ضياء الدين الوتري في [روضة الناظر] ص 54: وفي هذه السنة [يعني 555] حج السيد أحمد الرفاعي (1) رضي الله عنه بإشارة معنوية، وزار قبر جده عليه الصلاة والسلام، وأنشد تجاه القبر الطاهر. في حالة البعد روحي كنت أرسلها * تقبل الأرض عني وهي نائبتي
(1) تفريح الخاطر ص 38. (2) ولد 512 بقرية حسن من أعمال واسط وتوفي 578 توجد ترجمته في غير واحد من معاجم التراجم وأفرد فيها أحمد عزت پاشا العمري الموصلي كتابا أسماه [العقود الجوهرية في مدائح الحضرة الرفاعية] طبع بمصر في المطبعة البهية سنة 1306 في 139 صفحة.
[175]
وهذه دولة الأشباح قد حضرت * فامدد يمينك كي يحظى بها شفتي (1) فظهرت له يد جده عليه الصلاة والسلام فقبلها والناس ينظرون. وهذه القصة تواتر خبرها، وعلا ذكرها، وصحت أسانيدها، وكتبها الحفاظ والمحدثون، وكثير من أهل الطبقات والمؤرخين، لا ينكرها إلا جاهل قليل الرواية، حاسد لسلطان النبوة، وظهور المعجزة المحمدية، أو معذور من غير هذه الأمة الأحمدية، على إن ظهور هذه المعجزة النبوية في تلك الأعصار التي ظهرت بها البدع، وكثرت بها الفتن، وتفرقت بها الأهواء، وذهب بها أهل الباطل إلى مذاهب كثيرة كالإلحاد والزندقة وغير ذلك مما سلكه الفرق الضالة من طرق الضلالة ما كان إلا لإعلاء كلمة الحق
والشريعة والدين على يد هذا السيد الجليل الذي اختصه الله ورسوله بهذه النعمة وأبرزه لهذه الخدمة، لعدم وجود من يماثله أو يشاكله في ذلك القرن من الأولياء والسادات وصالحي الوقت نفعنا الله بهم. وقال في ص 62: إذا عدت كرامات الرجال كفاه [يعني السيد أحمد الرفاعي] فخرا وشرفا تقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم بين جم غفير من المسلمين حتى سارت بها الركبان، وتواتر خبرها في البلدان، وقصر عندها باع أكابر الإنس والجان، وغبطه عليها الملأ الأعلى، كما قال ذلك في شأنه الشيخ عبد القادر الجيلي عليه الرحمة والرضوان. وفي العقود الجوهرية ص 5 عن العبد الصالح العارف بالله عبد الملك بن حماد إنه قال: قدر الله لي الحج سنة خمسمائة وخمسة وخمسين، وجئت إلى المدينة وتشرفت بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك الأسبوع جاء لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام شيخنا سيد العارفين إمام الأمة السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وقد دخل البلدة بقافلة عظيمة من الزوار فلما دخل الحرم الشريف النبوي وقف تجاه القبر الأفضل، والوقت بعد العصر وقد غص الحرم المبارك بالناس وأنشد غائبا عن نفسه حاضرا بمحبوبه: في حالة البعد روحي كنت أرسلها * تقبل الأرض عني وهي نائبتي
(1) نسبهما والقصة برمتها صاحب [تفريح الخاطر] إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولا ضير في كل عز ومختلق مهما كانت الغاية تفريح الخاطر غلوا في الفضائل، بعد الغض عن حكم العقل والشرع والمنطق.
[176]
وهذه دولة الأشباح قد حضرت * فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي فظهرت له يد النبي عليه الصلاة والسلام تتلمع بيضاء سوية كأنها زند البرق، فقبلها والناس ينظرونه، وقد من الله تعالى تفضلا علي فرأيتها ورأيت كيف استلمها، وإني أعد هذا الشهود الباهر ذخيرة المعاد، وزاد القدوم على الله تعالى.
ثم قال: وكان في القافلة المذكورة الشيخ أحمد الزعفراني، والشيخ عدي بن مسافر الأموي، والسيد عبد الرزاق الحسيني الواسطي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ أحمد الزاهد، والشيخ حيوة بن قيس الحراني، والشيخ عقيل المنبجي العمري، و جماعة من مشاهير أولياء العصر وقد تشرفت الكل برؤيا اليد النبوية الطاهرة الزكية واندرجوا تحت بيعة مشيخته رضي الله عنه وعنهم أجمعين، وخبر هذه القصة متواتر مشهور، وقد ساقه كثير من أعيان الرجال بوجه التفصيل فليراجع. قال الشيخ تقي الدين الفقيه النهروندي المتوفى 594 في قصيدة أولها: أي سر جاءت به الأنبياء * وحديث رواته الأولياء ؟ سلسلته السادات أهل المعالي * وحكته الأئمة الأتقياء فروى نشره الصديرين ريا * وأضاءت بنوره البطحاء مد طه يمينه للرفاعي * فانجلت عندها له الأشياء إلى أن قال: لا تقل كيف تم هذا ؟ وأيقن * يفعل الله ربنا ما يشاء واهجر المارقين واعذر إذا ما * أنكر الشمس مقلة عمياء أيكون النبي ميتا ؟ وفي القرآن * أحياء ربها الشهداء وبمد اليمين لابن الرفاعي * حجة في مقامها سمحاء شهدتها المساء آلاف قوم * ورآها الاقران والأكفاء صار ذاك المساء صبحا فما أعجب * يوما فيه الصباح مساء ؟ وقال صاحب العقود الجوهرية يمدحه في قصيدة له: ذاك الرفاعي الذي فعله * يعز في النقد على الناقد كم ركب الليث ؟ وكم راكب * ذلل من صولة مستأسد ؟
[177]
كف رسول الله في لثمها * حاز بها الفخر على الجاحد قد مدها من قبره نحوه * لاحت إلى الحاضر والشاهد وقال الحافظ الحاج ملا عثمان الموصلي في قصيدة يمدح بها السيد الرفاعي: له الأفاعي وأسد الغاب طائعة * والجن تبصر من آياته العجبا ألا ترى إن من ينمى إليه فلا * يخشى من النار مهما أوقدت لهبا ؟ كفاه تقبيل يمنى الهاشمي أبي * الزهراء فخرا وعنها الغير قد حجبا وقال السيد محمد أبو الهدى الرفاعي في تخميس قصيدة سراج الدين المخزومي: أكرمت من طه بكف جنابه * بين القفول مذ التجأت ببابه فلثمته وعرفت في أحبابه * نورا أراد الله أن تحيى به رغما لمن فتكت به الظلمات وقال من قصيدة يمدحه بها: كفى شرفا تكليم خير الورى له * وامداده إذ مد جهرا له اليدا وليس عجيبا حين صح انتسابه * إليه إذا أبدى إليه توددا كرامة حق وهي ثابتة له * ومعجزة للمصطفى خير من هدى وقال بهاء الدين السيد محمد الرواس في قصيدة له يمدحه بها. كفاه إن رسول الله مد له * يد القبول وزهر العصر نضار وقال من جده خير الورى خلقا * له انطوى فيه إعزاز وإظهار وقال عبد الحميد أفندي الطرابلسي في قصيدة له يمدحه بها: هو الحجة الكبرى على كل قائم * لذاك يد المختار مدت له جهرا ومن هذه والله حجة فضله * أجل غيره في القوم حجته صغرى وقال السيد عبد الغفار الأخرس في قصيدة يمدحه بها: تولد من رسول الله شبل * به دانت له كل السباع
وقبل كف والده جهارا * غدت بالنور بادية الشعاع وشاهدها الثقات وكل فرد * رآها بانفراد واجتماع فتلك مزية لم يحظ فيها * سواه من مطيع أو مطاع
[178]
وقال أبو الفرج السيد أحمد شاكر الآلوسي من قصيدة يمدحه بها: هو قطب الوجود غوث البرايا * غيثها المرتجى على الإطلاق كم له من مناقب سائرات * كمسير البدور في الآفاق ؟ حاز من جده الرسول مقاما * لم يزل ذكره مدى الدهر باقي حيثما زاره وقبل كفا * منه قد آذنت له بالتلاقي وقال الفقيه يحيى بن عبد الله الواسطي في قصيدة يمدحه بها: مدت له يد طه ثم قبلها * يهنيه مجدا نأى أن يقبل الشركا والمصطفى بكتاب العتق أكرمه * والله أحيا له لما دعا السمكا وقال صفي الدين يحيى بن المظفر البغدادي الحنبلي في قصيدة يمدحه بها: وله إمام الرسل مد يدا لها * فتحت كنوز حقائق القرآن وقوافل الحجاج سكرى عندها * ما بين مبهوت وذي أشجان وقال السيد عبد الحي الحسيني مفتي [غزة هاشم] من قصيدة يمدحه بها: علم الشرق أحمد من إليه * مد طه يمينه إجلالا مد راحا إلى النبي بها كل * محال لو رامه ما استحالا يالراح قد صافحتها المعالي * وشفاة لقد لثمن الهلالا وقال السيد إبراهيم الراوي الرفاعي الشافعي من قصيدة يمدحه بها: وهو باب النبي لاثم يمناه * جهارا وقد تجلى تعالى حين أبدى محمد معجزات * معجزات لأحمد إجلالا
كيف ؟ وهو شبله وكذا الآباء * تعلو إن أنجبت أشبالا وقال السيد سراج الدين المخزومي في كتابه [صحاح الأخبار] من قصيدة يمدح بها الرفاعي: يا ابن من كان في الثبوت نبيا * قبل كون القوالب الطينيه لك جمع في مشهد الوجد بانت * منه للقوم حكمة الفرقيه لك قرب أقام في حالة البعد * منارا في الروضة الحرميه
[179]
حين مدت يد الرسول جهارا * لك يا حسن خلعة علنيه شاهدتها الألوف من كل أرض * فروى نشرها البقاع القصيه وبآذاننا تواتر هذا المجد * أقراط فخره جوهريه وذكر القصة القاضي الخفاجي الحنفي في شرح الشفا 3: 489، والعدوي الحمزاوي في كنز المطالب ص 188 وفيه: فمد يده الشريفة من الشباك فقبلها. وابن درويش الحوت في أسنى المطالب ص 299 وقال: إذا أكرم الله عبدا برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة يمثل له نوره الشريف بصورة جسمه الكريم وربما ظنه الرائي إنه الجسم الشريف لغلبة الحال، ومن ذلك ما وقع لسيدنا الرفاعي رضي الله عنه. الخ. قال الأميني: لا تهمنا رؤية السيد الرفاعي يد النبي الشريفة وتقبيله إياها وقد جاء القوم بأعظم وأعظم منها، هذا الشيخ عبد القادر الجيلاني استصحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج (1) وهذا جلال الدين السيوطي وقد رأى نفس النبي الأقدس في اليقظة بضعا وسبعين مرة، وروى آخر عنه صلى الله عليه وآله أحاديث، وكان آخر يشاوره في أموره قال الشيخ حسن العدوي الحمزاوي في مشارق الأنوار، وكنز المطالب ص 197 نقلا عن [بهجة النفوس والأسماع] للشعراني عند نقله لمزايا الكمال: منها شدة قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل وقت فلا يكاد يحجب عنهم في ليل أو نهار حتى أن بعضهم صحح
عنده أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم قال بعض الحفاظ بضعفها من طريق النقل الظاهر فتقوت بذلك عنده. قال: وقد أدركت جماعة ممن لهم هذا المقام منهم سيدي علي الخواص (2) والسيد علي المرصفي وأخي أفضل الدين، والشيخ جلال الدين السيوطي، والشيخ نور الدين الشوتي، والشيخ محمد الصوفي ببلاد الفيوم رضي الله عنهم أجمعين. قال: وكان الشيخ نور الدين الشوتي يشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموره، وهي ومن جملة ما شاوره فيه حفر البئر التي في زاويتنا فإننا حفرنا ثلاثة آبار وهي تطلع
(1) راجع كتاب تفريح الخاطر في ترجمته. (2) ترجمه الشعراني في طبقاته الكبرى 135 2 - 153 وبدء ترجمته بقوله: كان رضي الله عنه يتكلم عن معاني القرآن العظيم والسنة الشريفة كلاما نفيسا تحير فيه العلماء وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والاثبات. وقد أكثر في تلكم الصفحات من هذه المخاريق فراجع.
[180]
فاسدة وماؤها منتن. فقال له صلى الله عليه وسلم: قال لهم: يحفروا في باب الحوش ففعلنا فطلعت بئرا عظيمة وماؤها حلو، فالحمد لله رب العالمين. إقرأ واسأل العقل السليم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده. - 75 - الغزلاني يكشف عما في الخواطر قال أبو محمد ضياء الدين الوتري في روضة الناظرين ص 133 في ترجمة الشيخ محمد الغزالي الموصلي الشهير بالغزلاني (1) المتوفى 605 نقلا عن الشيخ محمد أبي عبد الله بن تاج ابن القاضي يونس الموصلي أنه قال: كنا مع جماعة من ثقات علماء الموصليين بزيارة الشيخ محمد الغزلاني قدس الله سره وكان الوقت وقت المغرب، وقد أظلم الغار الذي هو فيه فثقل ذلك على الجماعة فكشف ما في خواطرهم وتبسم وقال: ما عندنا زيت ولا لنا سراج، ثم أشار إلى شجرة أمام الغار، فلمعت أغصانها نورا أضاء منه الجبل، فوالله
ما بتنا ليلة أبهج وأكثر أنسا عندنا من تلك الليلة. قال الأميني:: إقرأ وتعقل واحكم - 76 - الشاطبي يعلم جنابة الجنب قال الجزري: أخبرني بعض شيوخنا الثقات عن شيوخهم: إن الشاطبي القاسم بن فيرة الضرير (2) كان يصلي الصبح بالفاضلية بغلس ثم يجلس للأقراء فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلا، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولا فليقرأ: ثم يأخذ على الأسبق فأسبق، فاتفق أن قال يوما: من جاء ثانيا فليقرأ وبقي الأول وكان من أصحابه لا يدري ما الذنب الذي أوجب حرمانه ففطن إنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك، فبادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل ورجع قبل فراغ الثاني والشيخ
(1) وذلك لأن الغزلان لا زالت كانت تزوره وتأنس به. روضة الناظرين 133. (2) أبو محمد الضرير المقرئ صاحب القصيدة التي أسماها - حرز الأماني ووجه التهاني - في القرءات عدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولد سنة 538، وتوفي سنة 590 ودفن بالقرافة وقبره مشهور مزور. شذرات الذهب 4: 302.
[181]
قاعد أعمى، فلما فرغ الثاني قال الشيخ: من جاء أولا فليقرأ. وهذا من أحسن ما وقع لشيوخ هذه الطائفة بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا. مفتاح السعادة 1: 388. قال الأميني: ليس الأمر كما حسبه الجزري من أن هذه الحالة من خاصة الشاطبي وما وقع مثلها في الدنيا، وقد أسلفنا ذكر جماعة حسبوا إنهم كانوا يخبرون عن الضمائر ويعلمون المغيب، وكأن القوم اتخذوا المغيبات العوبة يطل عليها كل أعمى أو بصير أو إن الغلو في الفضائل أسف بهم إلى هذه الهوة. - 77 -
الحشرات تنحدر في الوادي قال عمر بن علي السرخسي: كنت مراهقا وقت موت الوخشي (1) الحافظ أبي علي الحسن بن علي البلخي فحضرته فلما وضع في القبر سمعنا صيحة فقيل: خرجت الحشرات من المقبرة وكان في طرقها وإذا انحدرت إليه وأبصرت العقارب والخنافس وهي منحدرة في الوادي والناس ما يتعرضون لها. ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ 3: 344. قال الأميني: دع الحشرات تنحدر، وانظر إلى عقل هذا الحافظ راوي هذه المهزأة فإنه يخبت إلى مثل هذه الأسطورة ويراها مدحا لرجال قومه، فما بال العقارب و الخنافس لم تغادر مقبرة المدينة الطيبة وبقيعها الغرقد ومسجدها الأعظم ولم تنحدر إلى الوادي وكأنها أنست بها، غير إن حشرات مقبرة الوخشي تفر عنه ؟ ! هذا عقل الذهبي وروايته وتراه لما يقف على منقبة من مناقب مولانا أمير المؤمنين ولم ترقه ولا يجد في سندها ومتنها غمزا يتخلص منها بقوله: إن في نفسي منها شيئا. راجع تلخيص المستدرك. - 78 - اليونيني يمشي في الهواء قال الحافظ ابن كثير في تاريخه 13: 94: ذكروا إن - الشيخ عبد الله اليونيني المتوفى 617 - كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا لطائفة كبيرة من
(1) نسبة إلى وخش: قرية من أعمال بلخ.
[182]
الزهاد وصالحي العباد، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء، وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي، وكان من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من الصالحين رحمهم الله أجمعين.
قال الأميني: ليس بعجيب من ابن كثير أن يخبت إلى أمثال هذه الأعاجيب، و يشوه بها صحيفة تاريخه، ويرتفع صخبه متى وقف على منقبة من مناقب أهل البيت عليم السلام هي أدنى من هذه الموهومات التي يمجها الاعتبار، ويحيلها العقل، لكن الحب والبغض يعميان كما إنهما يصمان. - 79 - الحضرمي يعلم النحو بالاجازة قال ابن العلماء الحنبلي في شذرات الذهب 5: 361: للشيخ إسماعيل الحضرمي المتوفى 678 كرامات، قال المطري: كادت تبلغ التواتر منها. إن ابن المعطي قيل له في النوم: إذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النحو فلما انتبه تعجب لكون الحضرمي لا يحسنه ثم قال: لا بد من الامتثال فدخل عليه وعنده جمع يقرؤن الفقه فبمجرد رؤياه قال: أجزتك بكتب النحو فصار لا يطالع فيه شيئا إلا عرفه بغير شيخ. قال الأميني: خذ العلم من أفواه الرجال أو من إجازاتهم، ما أكثر ما سمعنا التعلم بالدراسة، ولكن هل سمعت أذناك تعلما بإجازة أو تزريقا للعلم بكلمة واحدة ؟ وهل سمعت أكرومة مثلها عن أحد من الرسل ؟ أو أنها فضيلة اختص بها الحضرمي ؟ ولم يتح مثله لأي أحد حتى إن النبي الأعظم لم يعلم عمر بن الخطاب الكلالة بالاجازة وكان يقول: أراك لم تعلمها. ويقول لبنته حفصة: أرى أباك لم يعلمها. إلى مئات من مجهولات الخليفة التي لم يتوفق لاستكناهها باشراق، أو إجازة، أو دراسة، مع حاجته الماسة إليها يوم تسنم عرش الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان غير عازب عن علمه صلى الله عليه وآله وحاجة الأمة إليها، ولم تكن تلكم المجهولات كعلم النحو الذي لا تقوم به دعامة الاسلام و القضاء والفتيا، أضف إليه أخاه يوم المؤاخاة الخليفة الأول، وما أكثر مجهولاته وما خفي عليه من معالم الدين وأحكام الشريعة ؟ وليت باب التعليم بالاجازة كان مفتوحا منذ
[183]
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ويعلم صلى الله عليه وآله وسلم ثالث الخلفاء الراشدين عثمان معالم دينه، ولم تك تشوه صفحات الفقه الاسلامي بآراءه الشاذة عن الكتاب والسنة. - 80 - الحضرمي وأصحاب القبور ذكر السبكي في طبقاته 5: 51، واليافعي في رياضه ص 96 عن إسماعيل الحضرمي المذكور: إنه مر على بعض المقابر في بلاد اليمن فبكى بكاءا شديدا، وعلاه حزن وترح، ثم ضحك ضحكا حميدا، وعلاه في الحال سرور وفرح، فتعجب الناس الحاضرون هنالك وسألوه عن ذلك فقال رضي الله عنه: كشف لي عن أهل هذه المقبرة فرأيتهم يعذبون فحزنت وبكيت لذلك، ثم تضرعت إلى الله سبحانه وتعالى فيهم فقيل لي: قد شفعناك فيهم فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه إسماعيل ! أنا فلانة المغنية. فضحكت وقلت: و أنت معهم. ثم إنه أرسل إلى الحفار وقال: من في هذا القبر القريب العهد ؟ قال: فلانة المغنية التي تشفع لها الشيخ نفع الله تعالى بها. قال الأميني: أنا لا أدري بأيها أعجب ؟ أبدعوى الحضرمي إطلاعه على عالم البرزخ وقبول شفاعته في أهل تلك الجبانة حتى في المغنية ؟ أم باطلاع الحفار على ذلك السر المصون ؟ أم بوقوف المغنية على تلك الشفاعة والتشفع في الحين، ومفاوضتها مع الفقيه في أمرها وهي في قبرها، من دون أي سابقة تعارف بينهما ؟ وإذا كان الكل لم يقع فلا تمايز بين الإعدام، وإنما العجب من بخوع الأعلام بمثل هذه الأوهام. - 81 - رد الشمس لإسماعيل الحضرمي أسلفنا في الجزء الخامس صفحة 21 وقوف الشمس لإسماعيل الحضرمي يوم قال لخادمه وهو في سفر: قل للشمس تقف حتى نصل إلى المنزل. فوقفت حتى بلغ مقصده
ثم قال للخادم: أما تطلق ذلك المحبوس ؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال. ذكرها كما مر السبكي في طبقاته 5: 51، واليافعي في مرآته 4: 178، وابن
[184]
العماد في شذراته 5، 362، وابن حجر في الفتاوي الحديثية ص 232. لعل شرع الهوى يسوغ للانسان زخرف القول، وأن يفوه بما شاء وأراد، وأن ينسلب عن عقله ويكيل كيل المعتوهين، أعوذ بالله من الغلو في الفضائل. 82 الدلاوي يرضع طفلا قال اليافعي في مرآت الجنان 4 ص 265: كان عند السيد أبي محمد عبد الله الدلاوي المتوفى 721 - طفل غابت أمه عفه فبكى فدر ثديه باللبن فأرضع ذلك الطفل حتى سكت. لست أدري ما قيمة أمثال هذه الكتب التاريخية المشحونة بأمثال هذه الأضحوكة، وهي السائرة الدائرة في الملأ العلمي يعول عليها ويؤخذ منها. - 83 - شمس الدين الكردي يواصل أسبوعا قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 7: 893: كان شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الكردي القدسي نزيل القاهرة الشافعي المتوفى 811 يواصل الأسبوع كاملا، وذكر إن السبب فيه أن تعشى مع أبويه قديما فأصبح لا يشتهي أكلا، فتمادى على ذلك ثلاثة أيام، فلما رأى أنه له قدرة على الطي تمادى فيه أربعينا، ثم اقتصر على سبع، وكان فقيها، وكان يذكر أنه يقيم أربعة أيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء. قال الأميني: الطبع البشري لا يطيق المثابرة على الجوع أربعين يوما ولا أسبوعا، كما إنه لا يطيق على السهر أربعا، ولعل الفقيه الكردي كانت له نظرية خاصة في
مبطلات الوضوء، أو المغالاة في الفضائل كانت تخلق له هذه كلها. - 84 - الشاوي يستمهل للميت ذكر المناوي في طبقاته قال: كان أحمد بن يحيى الشاوي اليمني المتوفى 841 كبير القدر سريا، رفيع الذكر سنيا، صاحب أحوال وكرامات منها: إنه قصده جمع من الزيدية ممن لا يثبت الكرامات، وقصدوا امتحانه وكان عنده جب فيه ماء، فجعل
[185]
يغرف منه تارة لبنا، وتارة سمنا، وأخرى عسلا، وغير ذلك بحسب ما اقترحوا عليه. ودخل على القاضي عثمان بن محمد الناشري وقد أرجف بموته، ثم خرج وعاد إليه وقال لأهله: قد استمهلت له ثلاث سنين، فأقام القاضي بعدها ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. شذرات الذهب 7: 240. قال الأميني: أنا لا أدري إن الشاوي هل رد أجلا جاءكما هو ظاهر قوله: وقد أرجف بموته. وفي الذكر الحكيم: إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون ؟ أو أنه موه على آل القاضي بازوف أجله وأنه استمهل له إلى منتهى ثلاثة أعوام ؟ وحسبه الإفك الشائن عندئذ، ومن ذا أعلمه إنه يرجأ إلى منصرم سنين الثلاث ؟ و لعل علمه بذلك كان مدخرا في الجب الذي كان يغرف منه العسل طورا، واللبن تارة، والسمن مرة، والماء أخرى، وهذه المخازي خامسة، ولا بأس عليه فإن البئر بئره والماء ماءه، يغترف منها ما يشاء. فإن الماء ماء أبي وجدي * وبئري ذو حفرت وذو طويت. - 85 - إمام يعلم حوائج زائريه وهو في قبره قال ابن العماد في شذرات الذهب 7: 292: توفي أبو القاسم محمد بن إبراهيم
من بيت بني جمعمان سنة 857 وكان إماما مجتهدا وانتهت إليه الرياسة في العلم والصلاح في اليمن وله كرامات منها: إنه كان يخاطبه الفقيه أحمد بن موسى عجيل من قبره، وإذا قصده أحد في حاجة توجه إلى قبره فيقرأ عنده ما تيسر من القرآن ثم يعلمه فيجيبه. قال الأميني: زلة العالم يضرب بها الطبل، وزلة الجاهل يخفيها الجهل. - 86 - حكي إن السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشرواني الحنفي المتوفى 768 كان لم يأكل طعاما في آخر عمره مقدار ستة أشهر. (1)
(1) شذرات الذهب: 7: 309.
[186]
قال الأميني: حبذا لو قبلته الطبيعة البشرية، وخضع له العقل السليم، لكنك تعلم.. - 87 - شيخ يأكل بقرة قال المناوي في طبقاته في ترجمة إبراهيم بن عبد ربه المتوفى 878: أخذ عن الشيخ محمد الغمري، والشيخ مدين، قال: دخل مرة بيت الشيخ مدين في مولده فأكل طعام المولد كله. وأكل مرة لحم بقرة كاملة ثم طوى بعدها سنة، و من كراماته ما حكاه الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري إنه قال له: بعدك نسائل في مهماتنا من ؟ قال: من بينه وبين أخيه ذراع من تراب، فاسألني أجيبك، فمرضت بنته فالتمسوا لها بطيخة فما وجدت فجاء إلى قبره وقال: الوعد ثم رجع بعد العشاء فوجد في سلم بيته بطيخة لم يعلم من أين جاءت. شذرات الذهب 7: 323. قال الأميني:
وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أحشاءه معاويه أنا في حيرة بين محالات ثلاث: أكل الشيخ البقرة كاملة، وانطوائه على الجوع سنة، وإعطائه البطيخ وهو تحت أطباق الثرى، ولعله كان بينه وبين ابن أبي سفيان آصرة رحم فأتاه ناموس الوراثة عند أكل البقرة من هنالك، ولكني لا أدري من أين أتته الوراثة في الصبر على الطوي سنة، ولم يكن يطيقه معاوية، ولا يطيقه أي إنسان و إن أكل عشرات من البقرة، فإنه يهلك قبل عشر من معشار هذه المدة، ولعلك تقول: إن من المحتمل إنه كان مصابا بدعوتين له وعليه فاجيبتا، وأكل الشيخ وصبر، لكن حديث البطيخة أنا لا أعرف منشأه ومبتداه كما أني أجهل خبره. - 88 - خمر بلدة صارت خلا نشأ داود بن بدر الحسيني المتوفى 881 بشرافات من أعمال الفدس، وكان أهلها كلهم نصارى ليس فيهم مسلم إلا الشيخ وأهل بيته، وكانت حرفة أهل القرية عصر العنب وبيعه فشق ذلك عليه، فتوجه بسببهم فصار كل شئ عملوه خلا وماء وعجزوا
[187]
فارتحلوا منها، ولم يبق فيها إلا الشيخ وجماعته. (1) قال الأميني: ما ظنك ببيئة لم تكن فيها حرفة إلا عصر العنب وبيعه ؟ وكيف كانت تغني هذه الحرفة أهل تلك القرية عن ساير المكاسب ؟ وهل تنحصر حرفة النصارى بعصر العنب وبيعه، ولا يوجد منهم ذو حرفة آخرى ؟ وهل كان الشيخ وأهل بيته يديرون كل تلكم المكاسب والمهن التي تحتاج إليها كل جامعة بشرية ؟ - 89 - أبو المعالي يحيي ويميت قال الإمام أبو محمد ضياء الدين الوتري في [روضة الناظرين] ص 112 في ترجمة
السيد محمد أبي المعالي سراج الدين الرفاعي المتوفى 885: إنه مس بيده المباركة ظهر رجل أحدب فقوم الله تعالى إحديدابه، وصار على أحسن تقويم كأن لم يكن به إحديداب قبل ذلك أبدا. وقال: مر في الشام بغلام ذباح ذبح شاة ووضع السكين في فيه وكان الغلام على طائفة من الحسن والجمال فلما رآه وقف عنده والشاة تختبط مذبوحة وقد قرب خروج روحها فقال للذباح: يا واضع السكين بعد ذبيحه * في فيه يسقيها رحيق لهاته ضعها بجرح الذبح ثاني مرة * وأنا الضمين له برد حياته فأشار إلى الذباح أتباع سيدنا السيد السراج قدس سره بإعادة السكين إلى الجرح، فأعادها، فانتفضت الشاة سليمة لا جراحة فيها ولا ذبح بإذن الله. وقال: ومما حدثنا به الجم الغفير من الثقات أن رجلا ممن ينتمي إلى السيادة ببلدة هيت اسمه كبش اشتهرت به في هيت خرقة الطريقة القادرية، وكان من الأدب مع أهل الله بمعزل، فكان كثيرا ما يسئ فقراء الطرق السائرة وبالخاصة الأحمدية (2) فعاتبه بالواسطة سيدنا السيد سراج الدين ونصحه فأغلظ الجواب فكتب له السيد السراج كتابا وأرسله مع جماعة من أهل هيت كتب فيه مصرحا بغوثية عصره ما هو بحروفه:
(1) شذرات الذهب ج 7. (2) أراد بها الرفاعية أتباع السيد أحمد الرفاعي.
[188]
لله في هذا الورى خاتم * تجري المقادير على نقشه في نوعه من سره حالة * تستنزل الجبار عن عرشه يفيض من فيض إله الورى * وبطشه يظهر من بطشه وإن طغا بالكبش لحم الكلا * يدخل رأس الكبش في كرشه
فلما وصله الكتاب ضحك وقرأه لأصحابه علنا فلما قرأ البيت الأخير وأتمه سقط في الحال ميتا. قال الأميني: كلام شعري حسن، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ؟ إنهم يقولون ما لا يفعلون، كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا. - 90 - تطور أبي علي ليلا ونهارا قال المناوي في طبقاته في ترجمة أبي علي حسين الصوفي المتوفى 861: كان كثير التطور يدخل عليه إنسان فيجده سبعا، ثم يدخل عليه آخر فيجده جنديا، ثم يدخل عليه آخر فيجده فلاحا، أو فيلا وهكذا. وقال آخرون: كان التطور دأبه ليلا ونهارا حتى في صورة السباع والبهائم، ودخل عليه أعداؤه ليقتلوه فقتلوه فقطعوه بالسيوف ليلا، ورموه على كوم بعيد، فأصبحوا فوجدوه قائما يصلي بزاويته، ومكث بخلوة في غيط خارج باب البحر أربعين سنة لا يأكل ولا يشرب. شذرات الذهب 7: 250. قال الأميني: من لي بمعتوه يصدق هذه الأفائك ؟ متى سمعت بإنسان يتطور بصور الكواسر والبهائم كالشياطين التي تتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير ؟ أو رجل حي بعد ما قطع بالسيوف إربا إربا ؟ أو بشر عاش على الطوي أربعين عاما ؟ هذه هي الحقيقة الراهنة لكن علماء الأمة قالوا قولا في أوليائها ولا سبيل إلى رده، لأنه قول عالم في ولي. - 91 - السيوطي رأى النبي صلى الله عليه وآله يقظة قال ابن العماد في شذرات الذهب 8: 54: ذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في
[189]
كتاب ترجمته: أن جلال الدين السيوطي كان يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فقال لي: يا شيخ الحديث ! فقلت له: يا رسول الله ! أمن أهل الجنة أنا ؟ قال: نعم. فقلت: من غير عذاب يسبق ؟ فقال: لك ذلك. وقال الشيخ عبد القادر: قلت له: كم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ؟ فقال: بضعا وسبعين مرة. قال الأميني: لا يحل هذه المشكلة إلا راء آخر له صلى الله عليه وآله يقظة كما رآه السيوطي فيسأله عن هذه الدعوى، فيخبره إن السيوطي كذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم بضعا وسبعين كذبة. أو يوافي رجلا من المتنعمين في الجنة فيسأل عن مبوء السيوطي منها فيقول: أنا قط ما رأيته. وأما إذ لم يتأتيا فإنا نحيل الحكم في هذه القصة إلى العقل السليم لا إلى الغلاة في الفضائل، هذه رؤية القوم النبي يقظة، وأما رؤيتهم في المنام فتربو على المئات، قال أبو عبد الله بن خفيف: سألت أبا جعفر الكتاني كم مرة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ؟ فقال: كثيرا. فقلت: يكون ألف مرة ؟ فقال: لا. فقلت: فتسعمائة ؟ فقال لا. قلت: فثمانمائة مرة ؟ فقال: لا ؟ قلت: فسبعمائة ؟ مرة ؟ فقال: بيده هكذا أي قريبا منه [حلية الأولياء 10: 343]. وجمع محمد بن محمد الزواوي البجائي مناماته في جزء وفيها أزيد من مائتي رؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفيها عجائب وغرائب [نيل الابتهاج ص 322] وإن تعجب فعجب ما جاء به الزواوي في مناقب مالك ص 17 قال قال المثنى بن سعيد القصيري: سمعت مالكا يقول: ما بت ليلة إلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. - 92 - السيوطي وطي الأرض ذكر محمد بن علي الحباك خادم الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى 911: إن الشيخ قال له يوما وقت القيلولة: وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر
بالقرافة: أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك علي حتى أموت ؟ قال: فقلت: نعم. قال: فأخذ بيدي وقال: غمض عينيك فغمضها فرحل بي نحو سبع وعشرين خطوة ثم قال لي: افتح عينيك فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمنا خديجة، والفضل
[190]
بن عياض، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من ماء زمزم ثم قال لي: يا فلان ! ليس العجب من طي الأرض لنا، وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي، وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج ؟ قال: فقلت: أذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي: غمض عينيك فغمضتها فهرول بي سبع خطوات ثم قال لي: افتح: عينيك فإذا نحن بالقرب من الجيوشي، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض. أسلفنا هذه القصة وجملة من لداتها في الجزء الخامس ص 17 - 21 وفصلنا القول هنالك تفصيلا. - 93 - أبو بكر باعلوي يحيي الميت لما رجع أبو بكر بن عبد الله باعلوي المتوفى 914 من الحج دخل زيلع وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق فاتفق إنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها فكاد عقله يذهب لموتها، فدخل عليه السيد - باعلوي - لما بلغه عنه من شدة الجزع ليعزيه ويأمره بالصبر وهي مسجاة بين يديه بثوب فعزاه وصبره فلم يفد فيه ذلك، وأكب على قدمي الشيخ يقبلهما وقال: لا سيدي ! إن لم يحي الله هذه مت أنا أيضا، ولم يبق لي عقيدة في أحد، فكشف السيد عن وجهها وناداها باسمها فأجابته: لبيك ورد الله روحها، وخرج الحاضرون ولم يخرج السيد حتى أكلت مع سيدها الهريسة
وعاشت مدة طويلة. شذرات الذهب 8: 63، النور السافر ص 84. قال الأميني: فليذهب مسيح بن مريم بخاصته من إحياء الموتى بإذن الله حيث شاء، فقد جاء باعلوي ونظراءه أمة كبيرة يشاركونه في المعجز، نعم: الفاصل بين المسيح وهؤلاء أربعة أصابع (1) وإنا وإن لم نر معجز المسيح عليه السلام لكن أخذنا خبره مما هو
(1) إشارة إلى الحديث المعروف المروي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: بين الحق و الباطل أربعة أصابع. الفاصلة بين العين والأذن.
[191]
أثبت من الرؤية ألا وهو القرآن الكريم، على حين إنه معتضد بالاعتبار والبرهنة الصادقة من لزوم نوع المعجز لمثل المسيح من الأنبياء والحجج من الذين عصمهم الله من كل هوى سائد وطهرهم تطهيرا. ونحن إلى الغاية لم نعرف سر إحياء السيد باعلوي أم ولد الحاكم، هل كان للتحفظ على حياة الرجل وقد قال: إن لم يحي الله هذه مت أنا أيضا ؟. والرائد لا يكذب. وكان المجتمع في حاجة ماسة إلى حياته، أو كان لإبقائه في عقيدته. وكان في نزوعه عنها خسارة أمة محمد صلى الله عليه وآله ؟ أو كان لكلا الأمرين مزدوجا ؟ وهل يعمان هما كل من يدعيهما في موت من يحبه ؟ أو يخصان بالحاكم ؟ أو يقصران على من شاء السيد باعلوي إحياءه ؟ مشكلات لا تنحل. - 94 - أبو بكر باعلوي ينجي المستغيث ذكر شمس الدين العيدروسي في (النور السافر) ص 84 عن الأمير مرجان أنه قال: كنت في نفر من أصحاب لي في محطة صنعاء الأولى فحمل علينا العدو فتفرق عني أصحابي وسقط بي فرسي لكثرة ما أثخن من الجراحات فدار بي العدو حينئذ من
كل جانب فهتفت بالصالحين، ثم ذكرت الشيخ أبا بكر رضي الله عنه، وهتفت به فإذا هو قائم، فوالله العظيم لقد رأيته نهارا، وعاينته جهارا، أخذ بناصيتي وناصية فرسي، وشالني من بينهم حتى أوصلني المحطة، فحينئذ مات الفرس ونجوت أنا ببركته رضي الله عنه ونفع به. - 95 - السروي يطير ويرسم للفأر قال ابن العماد في شذرات الذهب 8: 187: توفي شمس الدين محمد السروي الشهير بابن الحمائل سنة 932، وكان كثير الطيران من بلد لآخر، وكان يغلب عليه الحال ليلا، فيتكلم بألسنة غير عربية من عجم وهند ونوبة وغيرها. إلى أن قال: ومن كراماته: إنه شكى له أهل بلد كبير الفأر في مقات البطيخ فقال لرجل: ناد في الغيط: رسم لكم محمد بن أبي الحمائل أن ترحلوا، فلم يبق فيها فأر، فسأله أهل
[192]
بلد آخر في ذلك فقال: الأصل الإذن ولم يفعل. قال الأميني: تصك الآذان مكرمة الطيران من بلد إلى آخر، ولم تجدها في الأمم السالفة حتى في معاجز الأنبياء، مرحبا بأمة محمد صلى الله عليه وآله يوجد فيها من يطير بلا جناح موهوب لجعفر بن أبي طالب عليهما السلام الذي يطير به في الجنة، أو يتجول به في ذلك العالم اللطيف، ولا بدع إذ الأمة للرقي والتقدم، ويوم جعفر غير يوم أبي الحمائل، واكتشافات القرن العشرين غير القرون الأولى وعصور الأمم الغابرة. ومن غلبة الحال على أهل الحال ليلا يتأتى التوسع في اللغات، ويمكن للرجل التكلم بأي لغة، إذا الليل له شأن من الشأن، ولغاتها غير لغات النهار، وهناك جزر ومد، ولف ونشر على قسميه: مرتبا ومشوشا، نعوذ بالله من هذيان الليل، وسفه النهار.
ولو كان في تلك البلدة لفيف من الهر لاحتمل تصديق هجرة الفئران، ولأغنوا الناس عن معجزة السروي، لكن كفيت الهررة القتال بابن الحمائل، فمرحبا به وبرسمه. - 96 - ذويب يمشي على الماء قال في شذرات الذهب 8 ص 269: توفي الشيخ علي ذويب سنة 947 وكان يمشي كثيرا على الماء فإذا أبصره أحد اختفى، وكان يرى كل سنة بعرفة ويختفي من الناس إذا عرفوه. - 97 - فتح الحجرة الشريفة للعبادي كان سراج الدين عمر العبادي المصري الشافعي الإمام صاحب شرح قواعد الزركشي في مجلدين المتوفى سنة 947 لما حج وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحت له الحجرة الشريفة والناس نيام من غير فاتح فدخلها وزار ثم خرج فعادت الأقفال كما كانت رحمه الله تعالى. (1)
(1) شذرات الذهب 8: 269.
[193]
- 98 - زيادة النيل بأمر الصديقي توفي الشيخ محمد بن أبي الحسن محمد - حفيد أبي بكر الصديق البكري الصديقي الشافعي المصري سنة 993، ومؤلفاته تنيف على أربعمائة تأليف، ومن كراماته إنه لما نقص بحر النيل في بعض السنين قال لعبده الحبشي مندل: إنزل يا مندل ! قل للبحر يقول لك الشيخ أبو الحسن البكري: زد. أو نحو هذه العبارة، فقال العبد كما أمره، فما مضت ساعة يسيرة إلا وقد ظهر فيه زيادة كثيرة. (1)
مرت لدة هذه الكرامة في بحر النيل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، راجع الجزء السابع ص 83، 84 ط 1. - 99 - كرامات وخوارق قال صاحب (النور السافر) ص 313: كان الشيخ علوي بن الشيخ محمد بن علي من آيات الله الكبرى وهو من أمثال الشيخ، ومن مناقبه: إنه كان يعرف الشقي من السعيد، ويحيي ويميت بإذن الله تعالى، ويقول للشئ: كن، فيكون بإذن الله. إلى غير ذلك من الكرامات العظيمة والخوارق العجيبة التي لا يشاركه فيها غيره. - 100 - عجائب وغرائب قال العيدروسي في (النور السافر) ص 85: إعلم أن كرامات الأولياء حق. والدليل على وقوعها موجود من المنقول والمعقول. أما المنقول فهو ما ثبت في القرآن العزيز فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة مريم وجريح وغيرهم الذين ليسوا أنبياء ووقعت على أيديهم. وما روي عن الصديق رضي الله عنه وكان أخبر عند موته امرأته تلد بنتا، وكانت إذا ذاك حاملا. وعن الفاروق رضي الله عنه في قصة سارية المشهورة.
(1) النور السافر ص 429.
[194]
وعن ذي النورين رضي الله عنه في الرجل الذي دخل عليه وقد نظر إلى امرأة أجنبية فكاشفه بذلك. وعن المرتضى رضي الله عنه في الأسود الذي قطع يده ثم ردها مكانها فعادت كما
كانت. وأما ما نقل من ذلك عن أولياء الله تعالى فكثير جدا، من ذلك ما وقع لبعض الأولياء وهو على جبل فقال: إن من أولياء الله من إذا قال لهذا الجبل: تحرك، لتحرك. فتحرك الجبل من قوله، فقال له: أسكن إنما ضربت بك مثلا. وكما قال ذو النون المصري للسرير: طف بالبيت. فطاف ثم عاد إلى مكانه و كان هناك شاب فصاح الشاب حتى مات. الكلام هذه مائة كرامة أو أسطورة أو أكذوبة أو قصص خرافة إلى مئات لداتها من الخوارق والقصص المبثوتة في حلية الأولياء لأبي نعيم، وتاريخ بغداد للخطيب، و صفة الصفوة لابن الجوزي، والمنتظم له، ومناقب أحمد بن حنبل له، وتاريخ الشام لابن عساكر، وتاريخ ابن خلكان، والبداية والنهاية لابن كثير، وطبقات الشافعية للسبكي، ومناقب أبي حنيفة للخوارزمي، ومناقب أبي حنيفة للكردري، وشذرات الذهب، ومرآة الجنان، وروض الرياحين، والكواكب الدرية، والروض الفائق، والطبقات الكبرى للشعراني، وتنبيه المغترين له، والفتح الرباني والفيض الرحماني، وأنيس الجليس للسيوطي، وشرح الصدور له، ولطائف المنن والأخلاق، وبهجة الأسرار للشيخ نور الدين الشافعي، وقلائد الجواهر للشيخ محمد الحنبلي، ومشارق الأنوار، والنور السافر، وتفريح الخاطر، وعمدة التحقيق. إلى تآليف كثيرة من كتب التاريخ ومعاجم التراجم المشحونة بالمخاريق والطامات.
[195]
خاتمة البحث فذلكة المقام والقول الحاسم بعد هذه الأبحاث المطنبة المفصلة في غضون الجزء السادس وهلم جرا إلى هذه الصحيفة، في ذكريات الخلفاء الثلاثة، ومن بعدهم رابعهم: معاوية بن أبي سفيان، ومن اقتص أثرهم من الصحابة ومن بعدهم من الذين سموهم
بالأولياء والأئمة والعلماء، من شتى نواحيها، إن الغاية الوحيدة هو تعريف الملأ الديني بالغلاة في الفضائل، ومن ذا الذي يحق له هذا الاسم (الغالي) ؟ هل هو في أولئك الذين تمسكوا بحجزة أهل بيت الوحي الرافلين في حلل الفضائل والفواضل، الممدوحين بلسان الوحي، ومنطق الذكر الحكيم، ونصوص نبي الاسلام عند فرق المسلمين جمعاء، ولقد طأطأت لهم المفارق، وخضعت لهم الرقاب، ولم يبقوا في مستوى المآثر و المفاخر مرتقى إلا وتسنموه، ولا مبوأ كرامة إلا وحلوا فيه ؟ ! أو هل تجد الغالي في هؤلاء الذين ذكرناهم أم في المقتصين أثر قوم ليس لهم نصيب من الفضل إلا أحاديث مفتعلة، وفخفخات كاذبة، وتمحلات باردة، وأساطير مسطرة، ولهم تاريخ حشوه المخازي تمضي معه الهفوات أينما سلك ؟ !. ومن هوان الدهر إن المربي بهؤلاء عن حدودهم، والمثبت لهم ما لا يثبته لهم العقل والمنطق، وما هو خارج عن طورهم، ومبائن لنفسياتهم لا يعد غاليا، ولكنما الغلاة هم المتحيزون إلى فئة الوحي، وأسرة النبوة، ومنبسق أنوار الهدى، الذين لا يطيش سهمك في أي مأثرة من مآثرهم ؟ ولا يخفق ظنك في أي من تقدمهم ورقيهم ونبوغهم، وهم المخولون من المولى سبحانه بأكثر من ذلك النزر اليسير الذي ذكرته لهم الرواة، ولهجت به أئمة الحديث، وحفاظ الأثر في المستفيض والمتواتر من الصحاح والمسانيد. وإنما عقدنا هذه الأبحاث الضافية لتنوير البصائر وتنبيه الأفكار، حتى يميز القارئ الغالي من القالي، وما دعمته البرهنة الصحيحة الصادقة، مما أثبتته التافهات، ونسجته يد الافتعال والاختلاق. ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآبائكم، ما نزل الله بها من سلطان، فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
[196]
فهرست شعراء الغدير في هذا الجزء
[197]
بقية الشعراء في القرن التاسع - 75 - ضياء الدين الهادي المولود 758 المتوفى 822 الحمد لله باري الروح والنسم * وخالق الخلق والمختص بالقدم ثم الصلاة على أعلى الورى شرفا * وأكرم الناس من عرب ومن عجم محمد المصطفى المختار من مضر * وخاتم الرسل والمحمود في الشيم دع ما يقول النصارى في نبيهم * من الغلو وقل ما شئت واحتكم وبعد: فالعلم منجاة لصاحبه * فاشدد بعروته كفيك واعتصم وأفضل العلم عند العارفين به * علم الكلام لما فيه من الحكم علم أناف على كل العلوم له * فضل التقدم فارغب فيه واغتنم عليك بالنظر الفكري فهو طريق * العلم بالله فانظر ثم واستقم ومن هنا استرسل شاعرنا الهادي في مباحث علم الكلام، وأدلى ما عنده من الحجج في مسائل، ومما أفاضه في باب الإمامة قوله: هذا ومذهبنا إن الإمام عقيب * المصطفى حيدر الأبطال والبهم أعني عليا أمير المؤمنين ومن * بالعطف خص من الرحمان ذي القسم الله أنزل آيات مباركة * في فضله عدها لي غير منتظم وقال فيه رسول الله سيدنا * يوم (الغدير) بخم يوم حجهم: من كنت مولاه أي أولى به فعلي * أولى به وهو مولاهم بكلهم
[198]
قام النبي خطيبا في معسكره * بهذه الخطبة الغرا لجمعهم وشال ضبعا كريما من أبي حسن * في يوم حر شديد اللفح مضطرم كي لا يقال: بأن النص مكتتم * ما كان إلا صريحا غير مكتتم فهو الخليفة بعد المصطفى وله * فضل التقدم لم يسجد إلى صنم وكان سابقهم في كل مكرمة * وكان في كل حرب ثابت القدم وكان أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالقرآن والحكم وكان أقربهم قربى وأفضلهم * رغبى وأضربهم بالسيف في القمم وكان أشرفهم هما وأرفعهم * في همه فهو عالي الهم والهمم وكان أعبدهم ليلا وأكثرهم * صوما إذا الفاجر المسكين لم يصم وكان أفصحهم قولا وأبلغهم * نطقا وأعدلهم حكما لمحتكم وكان أحسنهم وجها وأوسعهم * صدرا وأطهرهم كفا لمسلتم وكان أغزرهم جودا وأدونهم * مالا فطال على الأطواد والأدم فكيف تقدمه من لا يماثله * في العلم والحلم والأخلاق والشيم وفي الشجاعة والفضل العظيم وفي * التدبير والورع المشهور والكرم * (ما يتبع الشعر) * وقفنا على نسخة مخطوطة من هذه المنظومة في طهران عاصمة البلاد الفارسية ومعقد لوائها الملكي، وهي تحتوي على سبعة ومأتين بيتا نظم بها الخلاصة، للشيخ حسن الرصاص، كتبت في 25 صفر عام ألف واثنين وستين، وعليها خط العلامة السيد محمد بن إسماعيل اليماني الصنعاني الحسيني المتوفى 1182، وهو أحد شعراء الغدير يأتي ذكره إنشاء الله تعالى.
[199]
* (الشاعر) * السيد جمال ضياء الدين الهادي بن إبراهيم بن علي المتوفى 784، ابن المرتضى المتوفى 785، ابن الهادي بن يحيى بن الحسين بن القسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (1) اليمني الصنعاني الزيدي. أحد رجالات اليمن وأعلامها المتضلعين من فنون العلم والأدب، ترجمه صاحب (2) (مطلع البدور) قال: قال العلامة ابن الوزير في تاريخهم: إنه لم تسمح بمثله الأعصار في أولاد الإمام الهادي، كان جامع شتات العلوم، وشاطرها في المنثور والمنظوم، ولد في (شظب) ولما قرأ القرآن أخذه والده مع ابن عمه محمد بن أحمد المرتضى إلى (صعدة) وكان يحملهما قليلا متى تعيا من السير لصغرهما حتى وصلوا (صعدة) فقرء مدة في أنواع العلوم العربية وغيرها على عميه: المرتضى بن علي وأحمد بن علي، وقرأ التفسير على الشيخ العلامة ترجمان أهل عصره إسماعيل بن إبراهيم بن عطية البحراني، وعلوم الأدب على الفقيه العلامة محمد بن علي بن ناجي العالم المشهور، قرأ عليه ديوان المتنبي وغيره. والأصولين، والفروع على القاضي العلامة ملك العلماء عبد الله بن الحسن الدواري، وعلى عمه المرتضى بن علي الذي كان إماما في علم الكلام، وكذا على عمه أحمد بن علي، وحصلت له إجازات وطرق سماعية، منها: سماعه لجامع الأصول بمكة المشرفة على قاضي الحرم محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي المخزومي في سنة حجه، ولد رسائل ومسائل وأشعار ومنظومات لا تحصى، حتى قال شيخه الفقيه محمد بن علي بن ناجي: إنه المراد بقول النبي صلى الله عليه وآله يكون رجل من ولد الحسن ينفث بالشعر كما ينفث الأفعى بالسم. ومن تصانيفه: كفاية القانع في معرفة الصانع، نظم الخلاصة (3) شرحها، الطرازين المعلمين في المفاخرة بين الحرمين، التفصيل في التفضيل، الرد على ابن
(1) كذا سرد نسبه شمس الدين السخاوي في [الضوء اللامع] 6 ص 272 في ترجمة
أخيه محمد. (2) أحمد بن صالح بن محمد بن أبي الرحال اليمني المتوفى بصنعاء سنة 1092. (3) تأليف العلامة الشيخ حسن الرصاص.
[200]
العربي، هداية الراغبين إلى مذهب أهل البيت الطاهرين، الرد على الفقيه علي بن سليمان في العارضة والناقضة، وكلها موجودة ومن أحسنها: كاشفة الغمة عن حسن سيرة إمام الأمة، وكريمة العناصر في الذب عن سيرة الإمام الناصر، والسيوف المرهفات على من ألحد في الصفات، ونهاية التنويه في إزهاق التمويه في الرد على نشوان، ومن شعره قصيدته (المنسك) أولها: بعث الهوى شوقي إلى أم القرى وله مراجعات ومراسلات ومشاعرات بينه وبين علماء اليمن الأسفل كإسماعيل المقري، والنظاري، وابن الخياط، الذي استجاز منه، وبين أهل تهامة مثل بني الناشري، والنفيس العلوي الحنفي المذهب، العتكي النسب، بين علماء المخاليف والحواز مثل الفقيه محمد بن الحسن بن سود العابد المشهور أحد الواصلين في علم الطريقة وغيرهم، وكان منتشر الذكر عند جميع الأكابر في جميع البلاد حتى في مصر مع غلظة أهلها، وقد ذكره وذكر أخاه محمد الحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني المصري في تاريخه وأثنى عليهما. توفي بذمار تاسع عشر ذي حجة سنة 822 ومولده يوم الجمعة السابع والعشرين من المحرم سنة 758 وموته كان عظيما على أهل البيت حيث منعوا بعده عما كان معتاد أهل الأموال في المدائن والأمصار، ورثاه عدة من الناس وأحسن مراثيه ما رثاه الفقيه الأديب عبد الله بن عتيق المعروف بالمزاح المروعي. إنتهى ما في [مطلع البدور] ملخصا. وذكره شمس الدين السخاوي في [الضوء اللامع] ج 10 ص 206 وقال: ذكره
شيخنا في أنبائه فقال: عني بالأدب ففاق فيه، ومدح المنصور صاحب صنعاء، مات يوم عرفة سنة اثنتين وعشرين، وذكره ابن فهد في معجمه فقال: إنه حدث سمع منه الفضلاء قال: وله مؤلفات منها: الطرازين المعلمين في فضائل الحرمين، والقصيدة البديعية في الكعبة اليمنية الثمينة أولها: سرى طيف ليلي فابتهجت به وجدا * وتوح قلبي من لطائفه مجدا (1)
(1) مر ذكر بديعيته في الجزء السادس ص 45 ط 2 عن إيضاح المكنون.
[201]
وترجم السخاوي لأخي المترجم له محمد بن إبراهيم بن علي وقال: ولد تقريبا سنة 765، وتعاني النظم فبرع فيه، وصنف في الرد علي الزيدية (العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم) واختصره في [الروض الباسم عن سنة أبي القاسم] و غيره، ذكره التقي بن فهد في معجمه وله قوله ؟ العلم ميراث النبي كذا أتى * في النص والعلماء هم وراثه فإذا أردت حقيقة تدري لمن * وراثه فكيف ما ميراثه ؟ ما ورث المختار غير حديثه * فينا وذاك متاعه وأثاثه قلنا: الحديث وراثه نبوية * ولكل محدث بدعة أحداثه مات بصنعاء في المحرم سنة 840 وأرخه بعضهم في التي قبلها (1)
(1) الضوء اللامع 6: 272.
[202]
القرن التاسع - 76 - الحسن آل أبي عبد الكريم فروع قريضي في البديع أصول * بها في المعاني والبيان أصول
وصارم فكري لا يفل غراره * ومن دونه العضب الصقيل كليل سجية نفسي إنها لسخية * تميل إلى العلياء حيث تميل ويقتادني صدق الولاء ولي هوى * قبول له القلب السليم قبول انظم درا في سلوك من العلى * بحسن سلوك هذبته فصول فشيدت من فكري مباني غريزة * مثابي لها عند الجليل جليل مراثي محب لأمراء وإنها * نصول بها في الملحدين نصول بضائع ليس المدح فيها بضائع * لعلمي بها أن الجزاء جزيل أحل بها أوج السعود فإن أحل * سيبقى بها ذكري وليس يحول وأحيي بها ليلي وأجني ثمارها * لعل إلى نيل المراد وصول أقول لنفسي مسعفا ومسددا * وأنشد قلبي مرشدا وأفول فلا تعدلي يا نفس ! عن طلب العلى * ويا قلب ! لا يثنيك عنه عذول ففي ذروة العلياء فخر وسؤدد * وعز ومجد في الأنام وصول خليلي ظهر المجد صعب ركوبه * ولكنه للعارفين ذلول جميل صفات المرء زهد وعفة * وأجمل منها أن يقال: فضيل فلا رتبة إلا وللفضل فوقها * مقام منيف في الفخار أثيل فلله عمر ينقضي وقرينه * علوم وذكر في الزمان جميل زول بنو الدنيا وإن طال مكثها * وحسن ثناء الذكر ليس يزول فيا راقدا في صفو عيش ولذة * عن القدر الجاري عليه غفول إذا خالط الشيب الشباب وأقبلت * عساكره في العارضين تجول * عليك بزاد المتقين لأنه * أتاك بشير منذر ورسول
[203]
فلا تذمم الدنيا إذا هي أدبرت * وإن أقبلت فالحالتان تزول
ولا تتركن النفس تتبع الهوى * تميل وعن سبل الرشاد تميل وبالصبر مرها ثم عظها فإنها * لأمارة بالسوء وهي عجول وخذ من يد الدنيا الكفاف وصاحب * العفاف فلا مثل العفاف خليل وأقلل من الحرص الذميم تعففا * بصبر جميل فالمقام قليل ؟ ألم تر إن الدائرات دوائر * وليس إلى سبل النجاة سبيل ؟ وللدهر سلب ساء بعد مسرة * وللخلق إن طال الزمان رحيل دع القدر المحتوم يجري بما قضى * به الله والصبر الجميل جميل وخل عنان الهم إن كنت عاقلا * فليس يفيد الثاكلات عويل فكم أفنت الأيام ملكا ومالكا * فزال ؟ وملك الله ليس يزول لمن وفت الدنيا ؟ وما زال خطبها * علينا بخيل الحادثات تجول ومن بات منها سالما من مصابها * وما كف منه الكف وهو طويل ؟ مفرقة الأخيار بعد اجتماعهم * وإن طاب منها العيش فهي ملول بها النفع ضر والصفاء مكدر * بها الحلو مر والعزيز ذليل لهاجرها منها الهنا وهو آهل * ويهلك مهتم بها وأهيل جعلت فدا من لا رضوا بنعيمها * ولا دنست فيها لهن ذيول ولا علقت كف لهم بحبالها * ولا غرهم فيها خنا ووغول لقد صحبوا فيها كفافا وعفة * وزهدا وتقوى والجزاء جزيل فهم أهل بيت شرف الله قدرهم * على الخلق طرا ماجد ورذيل (1) هم الصابرون المؤثرون بقوتهم * هم في الندا قبل النداء سيول هم الحامدون الشاكرون لربهم * هم للورى يوم النجاة سبيل هم العالمون العاملون بلا مرا * علومهم في العالمين أصول هم الراكعون الساجدون إذا بدا * ظلام وليل العابدين يطول
هم التائبون العابدون أولو النهى * هم لقلوب العارفين عقول
(1) بيان للخلق طرا، فهم بين ما جد ورذيل.
[204]
هم الزاهدون الخاشعون ولم يكن * لهم في جميع العالمين مثيل هم العترة الأطهار آل محمد * نبي لسان الوحي عنه يقول بشير نذير طاهر علم سما * حبيب نجيب شاهد ورسول ومدثر مزمل متوكل * على الله لا يثنيه عنه عذول سراج منير فاضل فاصل أتى * بدين له الذكر المبين دليل له معجزات أعجزت كل واصف * بها دحض الاشراك وهو مهول وأشرق منها الكون واتضح الهدى * وعز بها الاسلام وهو ذليل فيا خير مبعوث لأعظم ملة * وأكرم منعوت نمته أصول ! تقاصر عنه المدح عن كل مادح * فماذا عسى فيما أقول أقول لقد قال فيك الله جل جلاله * من الحمد مدحا لم ينله رسول لأنت على خلق عظيم كفى بها * فماذا عسى بعد الإله نقول ؟ مدينة علم بابها الصنو حيدر (1) * ومن غير ذاك الباب ليس دخول إمام برى زند الضلال وقد روى * زناد الهدى والمشركون ذهول ومولى له من فوق غارب أحمد (2) * صعود له للحاسدين نزول تصدق بالقرص الشعير لسائل (3) ورد عليه القرص وهو أفول (4) وبايعه في يوم أحد وخيبر * لها في حدود الحادثات فلول وبيعة (خم) والنبي خطيبها * لها في قلوب المشركين نصول وأحمد من فوق الحدائج راقع * يمين علي المرتضى ويقول: ألا فاسمعوا ثم ارشدوا كل غائب * ويصغي عزيز منكم وذليل
فمن كنت مولاه فمولاه حيدر * علي وعن رب السماء أقول علي أمير المؤمنين ومن دعا * سواه بهذا مبطل وجهول
(1) تقدم ذكر هذه المأثرة في الجزء السادس صفحة 61 - 81 ط 2. (2) مر حديث هذه الفضيلة في الجزء السابع ص 9 - 13 ط 1. (3) مر حديثه في الجزء الثالث صفحة 106 - 111 ط 2. (4) أسلفنا حديث رد الشمس عليه صلوات الله عليه في الجزء الثالث صفحة 126 - 144 ط 2.
[205]
فقالوا جميعا: يا علي بخ بخ * وللقوم داء في القلوب دخيل فمن مثل مولانا علي الذي له * محمد خير المرسلين خليل فيا رافع الاسلام من بعد خفضه * وناصب دين الله حيت يميل ! ويا أسد الله الذي مر بأسه * لأعدائه مر المذاق وبيل ! ويا من له قلب الحوادث خافق * ويا من له صعب الأمور ذلول ! نعزيك بالسبط الشهيد فرزؤه * عظيم على أهل السماء جليل دعته إلى كوفان شر عصابة * عصاة وعن نهج الصواب عدول فلما أتاهم واثقا بعهودهم * فمالوا وطبع الغادرين يميل وأحقاد بدر أظهروا ثم أشهروا * كتائب غدر بالطفوف تجول أحاطوا وحطوا بالفرات فلم يكن * لآل رسول الله منه نهول فلما رأى المولى الحسين ضلالهم * وقد حان حال لا يكاد يحول فقام إلى أصحابه الغر في الدجا * يخاطبهم رفقا بهم ويقول ألا فاذهبوا فالليل قد مد سجفه * ومدت له فوق البسيط ذيول كفيتم ووقيتم بأن تردوا الردى * فما قصدهم إلا إلي يؤل فقام إليه كل ليث غضنفر * كريم جواد بالوفاء فعول
فضجوا جميعا ثم قالوا: نفوسنا * فداك وبذل النفس فيك قليل إذا نحن أسلمناك فردا إلى العدى * وأنت لنا يوم النجاة سبيل فما عذرنا عند النبي وصنوه * علي ؟ وماذا للبتول نقول ؟ فقال: جزيتم كل خير وإنني * غدا لكم عند الإله وسيل فبادر أصحاب الحسين كأنهم * جبال ولكن في العطاء سيول أسود الوغى غاباتهم أجم الفنا * لهم في متون الصافنات مقيل كرام لهم بذل النفوس مواهب * سهام لهم زرق الرماح نصول ليوث لها بيض الصفاح مخالب * غيوث لها حمر الدماء سيول ثقال على الأعداء في حومة الوغى * إذا جل خطب في الزمان ثقيل فجالوا جلوا كرب الحسين وجاهدوا * بعزم له فوق السماك حلول
[206]
وسمر القنا في الدارعين شوارع * وللبيض في بيض الكماة صليل وجادوا فجد الضرب والطعن في العدى * بفتك له شم الجبال تزول للبيض شكل في الشواكل مشكل * وللسمر نفذ في الصدور مهول كأن غمام النقع غيم وبرقه * بريق المواضي والدماء سيول وأنصار مولاي الحسين كأنهم * أسود لهم دون العرين شبول يجودون بالأرواح وهي عزيزة * وكل بخيل بالحياة ذليل جنوا ثمر العلياء من دوحة المنى * فتم لهم قصد بذاك وسؤل وفازوا وحازوا سبق كل فضيلة * وفضل منيل لم ينله منيل رأوا الحور كشفا أيقنوا إن وصلهم * بدون المنايا ما إليه وصول فجادوا بأرواح لها الموت راحة * وظل عليها في الجنان ظليل قضوا إذ قضوا حق الحسين عليهم * وفاء وإخوان الوفاء قليل
فلهفي لهم صرعى أمام إمامهم * تجر عليهم للرياح ذيول وأكفانهم نسج العجاج وغسلهم * دم النحر عن ماء الفرات بديل ولم يبق إلا السبط فردا ورهطه * لديه وزين العابدين عليل ومنجدل من حوله وهو عافر * ومن جدل القوم اللئام ملول وصال عليهم صولة حيدرية * لهيبتها شم الجبال تزول بأدهم من صوب الدماء مجلل * له قمم الشوش الكماة نعول وسابغة تحكي الغدير وأبيض * يباريه مرهوب السنان طويل فجدل من فوق الجياد جيادها * فخيل وقوم جفل وقتيل فكم جافل في ظهره صدر ذابل * وكم قاتل بالمشرفي قتيل ؟ فجاشت جيوش المشركين وفوقت * إليهم نصول ما لهن نصول ويممهم يمنى ويسرى وقلبه * صبور وللخطب الجليل حمول وكر وفر القوم خيفة بأسه * كأن عليا في الصفوف يجول فلما تناهى الأمر واقترب الردى * وذل عزيز واستعز ذليل
[207]
فمال عليه الجيش حملة واحد * فبيض وسمر ذبل ونصول ففرقهم حتى تولت جموعهم * كسرب قطاة غار فيه صليل رموه بسهم من سهام كثيرة * فلم يبق إلا من قواه قليل فخر صريعا ظاميا عن جواده * فأضحت ربوع الخصب وهي محول وراح إلى نحو الخيام جواده * خليا من الندب الجواد يجول برزن إليه الطاهرات حواسرا * لهن على المولى الحسين عويل فلهفي وقد جاءت إليه سكينة * تقبل منه النحر وهي تقول: أبي كنت بدرا يرشد الناس نوره * فوافاه في بدر الكمال أفول
وكنت منارا للهدى غاله الردى * فلم يبق للدين الحنيف كفيل أبي أنت نور الله أطفئ نوره * ولكن إلى الله الأمور تؤل فيا دوحة المجد الذي عندما ذوت * تصوح نبت العز وهو محيل يعز على الاسلام رزؤك سيدي * وذلك رزؤ في الأنام جليل ووافت إليه زينب وهي حاسر * ودمعتها فوق الخدود تسيل فلاقته من فوق الرمال مرملا * سليب الردى تسفى عليه رمول فقبلت الوجه التريب وأنشدت * ومن حولها للطاهرات عويل: أخي ! ضيعت فينا وصايا محمد * وأرداك بغضا للنبي جهول أخي ! ظفرت فينا علوج أمية * وسادت علينا أعبد ونغول فلو كان حيا أحمد ووصيه * فأي يد كانت عليك تطول ؟ فدافعها الشمر اللعين وقد جثا * بقلب قسى والكفر فيه أصيل وحز وريدا ظاميا دون ورده * فحزت فروع للعلى واصول وحل عرى الاسلام وانهدم الهدى * وطرف المعالي والفخار كليل وناحت له الأملاك والجن والملا * وكادت له السبع الشداد تميل وزلزلت الأرض البسيط لفقده * ومالت جبال فوقها وسهول ومزقت الدنيا جلابيب عزها * عليه وقلب الكائنات ملول فلهفي له بالطف ملقى ورأسه * سنان به فوق السنان يجول
[208]
فلله أمر فادح شمل الورى * ورزؤ على الاسلام منه خمول وخطب جليل جل في الأرض وقعه * عظيم على أهل السماء ثقيل بنو الوحي في أرض الطفوف حواسر * وأبناء حرب في القصور نزول ويصبح في تخت الخلافة جالسا * يزيد وفي الطف الحسين قتيل
ويقتل ظلما ظاميا سبط أحمد * إمام لخير الأنبياء سليل حبيب النبي المصطفى وابن فاطم * وأين لذين الوالدين مثيل ؟ لقد صدق الشيخ السعيد أخو العلى * علي وحاز الفضل حيث يقول [: فما كل جد في الرجال محمد * ولا كل أم في النساء بتول] (1) كفى السبط فخرا والداه وجده * وهم لمعالي والفخار أصول أمولاي ! دمعي لا يجف مسيله * وحزني مقيم لا يخف ثقيل فلا مدمعي يا بن الوصي مبرد * عليلا ولا حزني المقيم يزول جميل بنا الصبر الجميل وإنما * عليك جميل الصبر ليس جميل أعزي بك الاسلام والمجد والعلى * وحزنهم باق عليك طويل قفوا يا حداة العيس بالطف في حمى * الحسين وطوفوا بالطفوف وقولوا: أريحانة الهادي النبي محمد * ومن لعلي والبتول سليل ! عليك سلام الله يا سيد الورى ! * ويا خير من سارت إليه قفول ! لئن جهلت يوما عليك أمية * فقدر كم عند الإله جليل وإن حال منك الحال في دار غربة * فإنك في دار الفخار أهيل وإن بت مسلوب الرداء ففي غد * من السندس العالي رداك جميل وإن مسكم حر الهجير فإنما * لكم في جنان العاليات مقيل وإن منعت ماء الفرات نفوسكم * لها من رحيق السلسبيل نهول أمولاي ! آمالي تؤمل نصركم * وقلبي اليكم بالولاء يميل وقد طال دور الصبر في أخذ ثاركم * أما آن للظلم المقيم رحيل ؟
(1) هذا البيت من لامية الشيخ علاء الدين علي الحلى المترجم له في الجزء السادس وقد أسلفنا القصيدة هنالك برمتها ص 395 - 401 ط 2.
[209]
متى ينطفي حر الغليل ويشتفي * فؤاد بآلام المصاب عليل ؟ ويجبر هذا الكسر في ظل دولة * لها النصر جند والأمان دليل ؟ وينشر للمهدي عدل وينطوي * به الظلم حتما والعناد يزول ؟ هنالك يضحى دين آل محمد * عزيزا ويمسي الكفر وهو ذليل ويطوى بساط الحزن بعد كآبة * وينشر نشر للهنا وذيول فيا آل طه الطاهرين رجوتكم * ليوم به فصل الخطاب طويل أقيلوا عثاري يوم فقري وفاقتي * فظهري بأعباء الذنوب ثقيل مدحتكم أرجو النجاة بمدحكم * لعلمي بكم أن الجزاء جزيل وقد قيل في المعروف: أما مذاقه * فحلو وأما وجهه فجميل فدونكم من عبدكم ووليكم * عروسا ولكن في الزفاف ثكول أتت فوق أعواد المنابر باديا * لها أنة محزونة وعويل لسبع سنين بعد سبعين قد خلت * وعامين إيضاح لها ودليل لها حسن المخزوم عبدكم أب * لآل أبي عبد الكريم سليل بها منكم نال القبول ولم يقل *: [عسى موعد إن صح منك قبول] (1) عليكم سلام الله ما ذكر اسمكم * وذاك مدى الأيام ليس يزول * (الشاعر) * الشيخ حسن آل أبي عبد الكريم المخزومي، أحد شعراء الشيعة في القرن الثامن جارى بقصيدته المذكورة معاصره العلامة الشيخ علي الشفهيني السالف ذكره في لاميته التي أسلفناها وأشار إليها بقوله: له النسب الوضاح كالشمس في الضحى * ومجد على هام السماء يطول لقد صدق الشيخ السعيد أبو علي * علي ونال الفخر حيث يقول: [فما كل جد في الرجال محمد * ولا كل أم في النساء بتول]
وهذه المجاراة تنم عن شهرة الرجل في القريض، وجريه في مضمار الشعر،
(1) هذا الشطر من مطلع قصيدة الشيخ علاء الدين الحلي راجع الجزء السادس ص 395 ط 2.
[210]
وتركاضه في حلبة السباق، وقد رأى الشيخ السماوي في الطليعة إنه هو الشيخ الحسن بن راشد الحلي العلامة المتضلع من العلوم، صاحب التآليف القيمة، والأراجيز الممتعة، وحسب سيدنا الأمين العاملي في الأعيان إنه غيره، وله هناك نظرات لا يخلو بعضها عن النظر، فعلى الباحث الوقوف على الجزء الحادي والعشرين منه (أعيان الشيعة) ص 256 - 278، والجزء الثاني والعشرين ص 89. وعمدة ما يستأنس منه الاتحاد إن اللامية هذه مذكورة في غير واحد من المجاميع في خلال قصائد الشيخ حسن بن راشد الحلي منسوبة إليه مع بعد شاسع في خطة النظم، وتفاوت في النفس، بحيث يكاد بمفرده أن يميزها عن شعر ابن راشد الحلي الفحل، فإنه عال الطبقة، باد السلاسة، ظاهر الانسجام، متحل بالقوة، واللامية دونه في كل ذلك. وعلى أي فناظمها من شعراء القرن الثامن نظمها في سنة سبعمائة واثنتين وسبعين كما نص عليه في أخريات القصيدة، ولما لم يعلم تاريخ وفاته واحتملنا الاتحاد بينه وبين ابن راشد المتوفى في القرن التاسع بعد سنة 830 أرجأنا ترجمته إلى القرن التاسع، والله العالم.
[211]
شعراء الغدير في القرن العاشر الشيخ الكفعمي المتوفى 905
هنيئا هنيئا ليوم الغدير * ويوم الحبور ويوم السرور ويوم الكمال لدين الإله * وإتمام نعمة رب غفور ويوم الفلاح ويوم النجاح * ويوم الصلاح لكل الأمور ويوم الإمارة للمرتضى * أبي الحسنين الإمام الأمير ويوم الخطابة من جبرئيل * بتقدير رب عليم قدير ويوم السلام على المصطفى * وعترته الأطهرين البدور ويوم اشتراط ولاء الوصي * على المؤمنين بيوم الغدير ويوم الولاية في عرضها * على كل خلق السميع البصير علي الوصي وصي النبي * وغوث الولي وحتف الكفور وغيث المحول وزوج البتول * وصنو الرسول السراج المنير أمان البلاد وساقي العباد * بيوم المعاد بعذب نمير همام الصفوف ومقري الضيوف * وعند الزحوف كليث هصور ومن قد هوى النجم في داره * ومن قاتل الجن في قعر بئر وسل عنه بدرا واحدا ترى * له سطوات شجاع جسور وسل عنه عمروا وسل مرحبا * وفي يوم صفين ليل الهرير وكم نصر الدين في معرك * بسيف صقيل وعزم مرير وستا وعشرين حربا رأى * مع الهاشمي البشير النذير أمير السرايا بأمر النبي * وليس عليه بها من أمير
[212]
* (ما يتبع الشعر) * اقتطفنا هذه الأبيات من قصيدة (الكفعمي) المذكورة في كتابه (المصباح) المطبوع السائر الدائر ص 701 تناهز 190 بيتا يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام ويصف يوم
الغدير ويذكر أسمائه، نظمها في الحاير المقدس كربلاء المشرفة، وكان يوم ذلك شيخا قد بلغ من الكبر عتيا، وأشار إلى ذلك كله فيها بقوله: وشيخ كبير له لمة * كساها التعمر ثوب القتير (1) أتاه النذير فأضحى يقول: * أعيذ نذيري بسبط النذير أتيت الإمام الحسين الشهيد * بقلب حزين ودمع غزير أتيت ضريحا شريفا به * يعود الضرير كمثل البصير أتيت إمام الهدى سيدي * إلى الحاير الجار للمستجير أرجي الممات ودفن العظام * بأرض الطفوف بتلك القبور لعلي أفوز بسكنى الجنان * وحور محجلة في القصور أتيت إلى صاحب المعجزات * قتيل الطغاة ودامي النحور وله أرجوزة تنوف على 120 بيتا يذكر فيها ما يستحب صومه من الأيام، توجد في مصباحه أولها: الحمد لله الذي هداني * إلى طريق الرشد والإيمان ثم صلاة الله ذي الجلال * على النبي المصطفى والآل ومنها: وبعده التاسع من ذي الحجه * فصمه والزم بعده المحجه إلا مع الضعف عن الدعاء * أو أن يشك في الحلال الرائي ومنها: وبعده يوم غدير خم * ثامن عشر منه فاتبع نظمي فيه أتى النص عن النبي * على الإمام المرتضى علي حقا وفيه كمل الاسلام * وفصله لم تحصه الأقلام
(1) القتير: الشيب. (*)
[213]
فصومه يعدل صوم الدهر * فهذه السبعة صم عن أمر * (الشاعر) * الشيخ تقي الدين إبراهيم بن الشيخ زين الدين علي بن الشيخ بدر الدين حسن بن الشيخ محمد بن الشيخ صالح بن الشيخ إسماعيل الحارثي الهمداني الخارفي العاملي الكفعمي اللويزي الجبعي. أحد أعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والأدب، الناشرين لألوية الحديث والمستخرجين كنوز الفوايد والنوادر، وقد استفاد الناس بمؤلفاته الجمة، وأحاديثه المخرجة، وفضله الكثير، كل ذلك مشفوع منه بورع موصوف، وتقوى في ذات الله، إلى ملكات فاضلة، ونفسيات كريمة، حلى جيد زمنه بقلائدها الذهبية، وزين معصمه بأسورتها، وجلل هيكله بأبرادها القشيبة، وقبل ذلك كله نسبه الزاهي بأنوار الولاية المنتهي (1) إلى التابعي العظيم: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ذلك العلوي المذهب، العلي شأنه، الجلي برهانه، الذي هو من فقهاء الشيعة، سيوافيك ذكره في ترجمة أحد أحفاد أخي المترجم له الشيخ حسين والد شيخنا البهائي قدس أسرارهم. وقد توافقت المعاجم على سرد ألفاظ الثناء البالغ على المترجم له (الكفعمي) تجد ترجمته في أمل الآمل. رياض العلماء. نفح الطيب 4: 395 وأكثر من ذكر بدايعه وطرفه وخطبه وأشعاره. رياض الجنة في الروضة الرابعة. روضات الجنات ص 6. تكملة أمل الآمل لسيدنا أبي محمد الحسن الصدر الكاظمي أعيان الشيعة ج 5: 336 - 358 الكنى والألقاب 3: 95. سفينة البحار 1: 77 الفوائد الرضوية 1: 7. المشيخة لشيخنا الرازي ص 42. * (تآليفه القيمة) * 1 - المصباح المؤلف 2 895 - البلد الأمين. 3 - شرح الصحيفة. 4 - المقصد
(1) نص صاحب (الرياض) بانتهاء نسب المترجم له إلى الحارث الهمداني في ترجمة والده الشيخ زين الدين على. وفي (تكملة الأمل) لسيدنا الحجة صدر الدين: إنه ذكر في آخر كتاب (الدروس) الذي عندي بخطه: إنه الكفعمي مولدا، اللوذي محتدا، الجبعي أبا، الحارثي نسبا، التقي لقبا.
[214]
الأسنى في شرح الأسماء الحسنى 5 - رسالة في محاسبة النفس. 6 - كفاية الأدب (1) في أمثال العرب في مجلدين. 7 - قراضة النضير في التفسير (2) 8 - صفوة الصفات في شرح دعاء السمات. 9 - فروق اللغة 10 - المنتقى في العوذ والرقى. 11 - الحديقة الناضرة. 12 - نور حدقة البديع في شرح بعض القصائد المشهورة. 13 - النحلة (3) 14 - فرج الكرب. 15 - الرسالة الواضحة في شرح سورة الفاتحة. 16 - العين المبصرة 17 - الكوكب الدري. 18 - زهر الربيع في شواهد البديع 19 - حياة الأرواح في اللطايف والأخبار والآثار فرغ منه سنة 843. 20 - التلخيص في الفقه 21 - أرجوزة في مقتل الحسين عليه السلام وأصحابه. 22 - مقاليد الكنوز في أقفال اللغوز. 23 - رسالة في وفيات العلماء. 24 - ملحقات الدروع الواقية. 25 - مجموع الغرائب. 26 - اللفظ الوجيز في قرائة الكتاب العزيز. 27 - مجموعة كبيرة مشتملة على رسائل وكتابات. 28 - مختصر نزهة الألباء في طبقات الأدباء 29 - اختصار لسان الحاضر والنديم. إلى تآليف أخرى أنهاها السيد صاحب (الأعيان) إلى 49. يروي شيخنا الكفعمي عن والده المقدس الشيخ زين الدين علي. والسيد حسين بن مساعد الحسيني الحايري صاحب (تحفة الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار). والسيد علي بن عبد الحسين الموسوي صاحب (رفع الملامة عن علي عليه السلام في ترك الإمامة).
والشيخ علي بن يونس زين الدين النباطي البياضي صاحب (الصراط المستقيم). ووالد المترجم له الشيخ زين الدين علي جد جد شيخنا البهائي، أحد أعلام الطائفة وفقهائها البارعين، يروي عنه ولده المترجم له، ويعبر عنه بالفقيه الأعظم الورع، وأثنى عليه الشيخ علي بن محمد بن علي بن محلى شيخ أخي المترجم له شمس الدين محمد في إجازته: بالشيخ العلامة، زين الدنيا والدين، وشرف الاسلام
(1) في تكملة السيد الصدر: نهاية الأدب. (2) تلخيص من مجمع البيان للطبرسي. (3) في التكملة: النخبة.
[215]
والمسلمين (1) توفي قدس سره سنة 861. وخلف الشيخ زين الدين علي خمس بنين وهم: 1 - تقي الدين إبراهيم شيخنا الكفعمي المترجم له. 2 - رضي الدين 3 - شرف الدين. 4 - جمال الدين أحمد صاحب [زبدة البيان] في عمل شهر رمضان ينقل عنه أخوه شاعرنا في تآليفه. 5 - شمس الدين محمد جد والد شيخنا البهائي، كان في الرعيل الأول من أعلام الأمة يعبر عنه شيخنا الشهيد الثاني بالشيخ الإمام. في إجازته لحفيده الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي (2) ويصفه المحقق الكركي بقدوة الأجلاء في العالمين. في إجازته لحفيده الشيخ علي بن عبد الصمد بن شمس الدين محمد المذكورة في (رياض العلماء). وذكره بالإمامة السيد حيدر البيروي في إجازته للسيد حسين الكركي. وأثنى عليه العلامة المجلسي في إجازاته بقوله: صاحب الكرامات. قرأ شمس الدين كثيرا على الشيخ عز الدين الحسن بن أحمد بن يوسف بن
العشرة العاملي المتوفى بكرك نوح سنة 862، وله إجازة من الشيخ علي بن محمد بن علي بن المحلى المتوفى سنة 855، تذكر في إجازات البحار ص 44، ولد رحمه الله سنة 822 وتوفي سنة 886. توفي شيخنا الكفعمي شاعرنا العظيم في كربلاء المشرفة سنة 905 كما في كشف الظنون (3) وكان يوصي أهله بدفنه في الحائر المقدس بأرض تسمى (عقيرا) ومن ذلك قوله: سألتكم بالله أن تدفنونني * إذا مت في قبر بأرض عقير (4)
(1) راجع إجازات البحار ص 45. (2) راجع إجازات البحار ص 85. (3) راجع ج 2: 617 وفي طبع ص 1982. (4) لعل العقر اسم لبعض نواحي كربلاء المشرفة كالغاضرية وشاطي الفرات ولذا لما سئل سيدنا الحسين السبط سلام الله عليه عن اسم المحل كان من جواب القوم له إنه يسمى (العقر) فقال عليه السلام: أعوذ بالله من العقر أو إن التسمية مأخوذة مما جاء في اللغة من إن (العقير): الشريف القتيل.
[216]
فإني به جار الشهيد بكربلا * سليل رسول الله خير مجير فإني به في حفرتي غير خائف * بلا مرية من منكر ونكير أمنت به في موقفي وقيامتي * إذ الناس خافوا من لظى وسعير فإني رأيت العرب يحمى نزيلها * ويمنعه من أن ينال بضير فكيف بسبط المصطفى أن يذود من * بحائره ثاو بغير نصير ؟ [وعار على حامي الحمى وهو في الحمى * إذا ضل في البيدا عقال بعير] لفت نظر: ذكر السيد الأمين صاحب (الأعيان) في ص 336 ج 5: إن المترجم له ولد
سنة 840 مستفيدا من أرجوزة له في علم البديع وهذا التاريخ بعيد عن الصواب جدا، وذهول عما ذكره السيد نفسه من أمور تفنده وتضاده، قال في ص 340: وجد بخطه كتاب (دروس) الشهيد فرغ من كتابته سنة 850 وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالة على فضله. وعد من تآليفه ص 343 [حياة الأرواح] فقال: فرغ من تأليفه سنة 843. وذكر له مجموعة كبيرة فقال: قال صاحب الرياض: رأيته بخطه في بلدة إيروان من بلاد آذربيجان، وكان تاريخ إتمام كتابة بعضها سنة 848، وبعضها سنة 849، وبعضها 852. وقال في ص 336: تاريخ وفاته مجهول، وفي بعض المواضع: إنه توفي سنة 900 ولم يذكر مأخذه، فهو إلى الحدس أقرب منه إلى الحس لكنه كان حيا سنة 895 فإنه فرغ من تأليف (المصباح) في ذلك التاريخ، وليس في تواريخ مؤلفاته ما هو أزيد من هذا. فعلى ما استفاده سيد الأعيان من تاريخ ولادته 840 يكون عند تأليفه (المصباح) ابن خمس وخمسين سنة، وله في رائيته في (المصباح) قوله: بشيخ كبير له لمة * كساها التعمر ثوب القتير فمجموع ما ذكرناه يعطينا خبرا بأن شاعرنا المترجم له ولد في أوليات القرن التاسع، وإنه كان في سنة 843 مؤلفا صاحب رأي ونظر، يثني على تآليفه الأساتذة الفطاحل، وكان حينما ألف (المصباح) سنة 894 شيخا هرما كبيرا. * * * شجرة نسب شيخنا الكفعمي وحفيد أخيه الشيخ حسين والد شيخنا البهائي * * *
[217]
القرن العاشر - 78 - عز الدين العاملي
المولود 918 المتوفى 984 إلى م ألام وأمري شهير * وأشفق من كل نذل حقير وحبي النبي وآل النبي * وقولي بالعدل نعم الخفير ولي رحم تقتضي حرمة * ولي نسبة بولائي الخطير فلي في المعاد عماد بهم * ولي في القيام مقام نضير لأني أنادي لدى النائبات * والخوف من أن ذنبي كبير أخا المصطفى وأبا السيدين * وزوج البتول ونجل الظهير ومحبوب رب حميد مجيد * وخير نبي بشير نذير ونور الظلام وكافي العظام * ومولى الأنام بنص الغدير مجلي الكروب عليم الغيوب * نقي الجيوب بقول الخبير وأقضى الأنام وأقصى المرام * وسيف السلام السميع البصير (القصيدة 45 بيتا) * (ما يتبع الشعر) * هذه الأبيات مستهل قصيدة للشيخ الحسين بن عبد الصمد العاملي والد شيخنا (البهائي) وشرحها بعد مدة من نظمها بشرح كبير، وأثبت كلما ذكر فيها من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بطريق الجمهور وقال فيه: قولي (ومولى الأنام بنص الغدير) إشارة إلى خبر غدير خم.
[218]
وقال بعد ذكر حديث الغدير ما ملخصه: رواه أحمد بن حنبل بست عشر طريقا والثعلبي بأربع طرق في تفسير قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ورواه ابن المغازلي بثلث طرق، ورواه في الجمع بين الصحاح الست، قال ابن المغازلي:
وقد روى حديث غدير خم عن رسول الله صلى الله عليه وآله نحو من مائة نفس، وذكر محمد بن جرير الطبري المؤرخ لحديث الغدير خمسا وسبعين طريقا، وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاية وذكر الحافظ أبو العباس أحمد بن عقدة له خمسا ومائة طريقا، وأفرد له كتابا، فهذا قد تجاوز حد التواتر، ومن العجب تأويل هذا الحديث وهو نص في الإمامة ووجوب الطاعة، ويشهد العقل السليم بفساد ذلك التأويل كما يأباه الحال والمقام، وقوله صلى الله عليه وآله: ألست أولى منكم بأنفسكم. بعد نزول قوله تعالى: يا أيها الرسول. وأمثال ذلك فغفل أصحاب التأويل من معنى قول أبي الطيب: وهبني قلت: هذا الصبح ليل * أيغشى العالمون عن الضياء ؟ * (الشاعر) * عز الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد بن شمس الدين محمد بن زين الدين علي بن بدر الدين حسن بن صالح بن إسماعيل الحارثي الهمداني العاملي الجبعي. هو من بيت عرق فيه المجد والشرف بولاء العترة الطاهرة منذ العهد العلوي، فمن هنا بشر أمير المؤمنين عليه السلام جده الأعلى الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي (1) عند وفاته بنتيجة عقيدته الصحيحة به، وولائه الخالص له، والمترجم له صرح بانتسابه إلى هذا لموالي العلوي (الهمداني) في كتاب كتبه إلى السلطان شاه طهماسب في سنة 968 رأيته بخطه، وذكره في إجازته لتلميذه الشيخ رشيد الدين ابن الشيخ إبراهيم الاصبهاني تاريخها تاسع عشر جمادى الأولى سنة 971، وفي إجازته لملك علي كما في مستدرك الإجازات (2) لشخينا الحجة ميرزا محمد الرازي نزيل سامراء المشرفة.
(1) الخارفي بكسر الراء نسبة إلى (خارف) بطن من همدان نزل الكوفة. ويقال: الحوتي بضم الحاء نسبة إلى (الحوت) بطن من همدان أيضا. (2) أحد أجزاء (مستدرك البحار) لشيخنا الأجل الرازي: كتاب كريم قيم ضخم فخم استدرك به.
[219]
ونص بهذه النسبة ولده شيخنا البهائي في إجازته سنة 1015 للمولى صفي الدين محمد القمي، وقال في كشكوله ص 279 طبع مصر سنة 1305: من (نهج البلاغة) من كتاب كتبه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحارث الهمداني جد جامع الكتاب. وصرح بها لفيف من أساطين الطائفة ومشايخ الأمة ممن عاصر المترجم له أو من قارب عصره، وإليك أسماء جمع منهم غير المعاجم التي ذكرت فيها ترجمة المترجم له أو ولده البهائي. 1 - شيخنا الشهيد الثاني في إجازته للمترجم له سنة 941. 2 - الشيخ حسن صاحب (المعالم) في استجازته من المترجم له سنة 983 كما في المستدرك. 3 - الشيخ أبو محمد ابن عناية الله الشهير ببا يزيد البسطامي الثاني في إجازته للسيد حسين الكركي سنة 1004. 4 - السيد ماجد بن هاشم البحراني في إجازته للسيد أمير فضل الله دست غيب سنة 1023. 5 - المولى حسن علي بن المولى عبد الله التستري في إجازته للمولى محمد تقي المجلسي سنة 1534. 6 - الأمير شرف الدين علي الشولستاني النجفي في إجازته للمولى محمد تقي المجلسي سنة 1036. 7 - السيد نور الدين العاملي أخ السيد محمد صاحب (المدارك) في إجازته سنة 1051 للمولى محمد محسن بن محمد مؤمن.
* ما فات مولانا العلامة المجلسي قدس سره، أتى في عدة مجلدات، تربو صحائف مستدرك إجازاته فحسب على ألفي صحيفة، وقس عليها غيرها من أجزاء البحار، ومن سرح النظر في هذا السفر الحافل يجد العلم طافحا من جوانبه، وتترائى له الفضيلة المتدفقة في طياته، ويشاهد همة قعساء يقصر دونها
البيان، وتفشل عن إدراكها الهمم، ولا تبلغ مداها جمل الاطراء والثناء أبقى له ذكرا خالدا مع الأبد يذكر ويشكر، قدس الله روحه وطيب رمسه:
[220]
8 - الأمير السيد أحمد العاملي صهر سيدنا الأمير محمد باقر داماد الراوي عنه في صورة طرق روايته. 9 - المولى محمد تقي المجلسي في طرق روايته [الصحيفة السجادية] في مواضع ثلاثة توجد في إجازات البحار ص 145، 146، 149، وفي إجازته للميرزا إبراهيم ابن المولى كاشف الدين محمد اليزدي سنة 1063، وفي إجازته للمولى محمد صادق الكرباسي الاصفهاني الهمداني سنة 1068، وفي إجازته لبعض تلاميذه، وفي إجازته لولده العلامة المجلسي. 10 - آقا حسين بن اقا جمال الخونساري في إجازته للأمير ذي الفقار سنة 1064. 11 - المحقق السبزواري المولى محمد باقر في إجازته للمولى محمد الكيلاني سنة 1081 وفي إجازته للمولى محمد شفيع سنة 1 85. 12 - الشيخ قاسم بن محمد الكاظمي في إجازته للشيخ نور الدين محمد بن شاه مرتضى الكاشاني سنة 1095 كما في مستدرك الإجازات. 13 - العلامة المجلسي في موضعين من فائدة أوردها في إجازات البحار ص 134 وفي غير واحد من إجازاته لتلامذته. 14 - الشيخ حسام الدين بن جمال الدين الطريحي في إجازته للشيخ محمد جواد الكاظمي سنة نيف وتسعين وألف. 15 - السيد الأمير حيدر بن السيد علاء الدين الحسيني البيروني في موضعين من إجازته للسيد حسين المجتهد ابن السيد حيدر الكركي. 16 - بعض تلمذة البهائي في بيان روايته عنه، قال العلامة المجلسي: لعله السيد
حسين بن حيدر الكركي. 17 - الشيخ محمد حسين الميسي العاملي في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف العاملي سنة 1100. 18 - الشيخ عبد الواحد بن محمد البوراني في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف الفتوني العاملي سنة 1103. 19 - الأمير محمد صالح بن عبد الواسع في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف
[221]
الفتوني سنة 1107. 20 - الشيخ صفي الدين بن فخر الدين الطريحي في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف الفتوني سنة 1111 وفي غير واحد من إجازاته. وأشار إلى هذا النسب الذهبي الشيخ جعفر الخطي البحراني (1) المتوفى سنة 1028 في قصيدته التي جارا بها رائية شيخنا البهائي ومدحه فيها، وكتب الشيخ تقريضا عليها، يقول فيها: فيا بن الأولى أثنى الوصي عليهم * بما ليس تثني وجهه يد إنكار بصفين إذ لم يلف من أوليائه * وقد عض ناب للوغى غير فرار وأبصر منهم جند حرب تهافتوا * على الموت إسراع الفراش على النار سراعا إلى داعي الحروب يرونها * على شربها الاعمار مورد أعمار أطاروا غمود البيض واتكلوا على * مفارق قوم فارقوا الحق فجار وأرسوا وقد لاثوا على الركب الحبا * بروكا كهدي أبركوه لجزار فقال وقد طابت هنالك نفسه * رضى وأقروا عينه أي إقرار: فلو كنت بوابا على باب جنة * كما أفصحت عنه صحيحات آثار أشار إلى ما كان عليه قبيلة همدان يوم صفين وكان فيهم البطل المجاهد جد
المترجم له (الحارث) فأثنى عليهم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا معشر همدان ! أنتم درعي و رمحي ما نصرتم إلا الله وما أجبتم غيره. دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئام فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغا من شاكر وشبام بكل رديني وعضب تخاله * إذا اختلف الأقوام شعل ضرام لهمدان أخلاق ودين يزينهم * وبأس إذا لاقوا وجد خصام وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير أثام متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم زحام
(1) توجد ترجمته في (سلافة العصر) و (أنوار البدرين).
[222]
فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان: ادخلي بسلام (1) ومؤسس شرف هذا البيت الرفيع (الحارث الهمداني) كان صاحب أمير المؤمنين عليه السلام والمتفاني في ولائه، والفقيه الأكبر في شيعته، وأحد أعلام العالم، أثنى عليه جمع من رجال العامة (2) ذكره السمعاني في (الخارفي) من (الأنساب) وقال: كان غاليا في التشيع. وعده ابن قتيبة في المعارف ص 306 من الشيعة في عداد صعصعة بن صوحان وأصبغ بن نباتة وأمثالهما، وترجم له الذهبي في (ميزان الاعتدال) ج 1 ص 202 وقال: من كبار علماء التابعين. ونقل هو ابن حجر في تهذيب التهذيب ص 145 عن أبي بكر ابن أبي داود أنه قال: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي عليه السلام. وفي (خلاصة تهذيب الكمال) ص 58: إنه أحد كبار الشيعة. وروى الكشي في رجاله ص 59 بإسناده عن أبي عمير البزاز عن الشعبي قال: سمعت الحرث الأعور وهو يقول: أتيت أمير المؤمنين عليا عليه السلام ذات ليلة فقال: يا أعور !
ما جاء بك ؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين ! جاء بي والله حبك. قال: فقال: أما إني سأحدثك لتشكرها، أما إنه لا يموت عبد يحبني فيخرج نفسه حتى يراني حيث يحب، ولا يموت عبد يبغضني فخرج نفسه حتى يراني حيث يكره. قال: ثم قال لي الشعبي بعد: أما إن حبه لا ينفعك وبغضه لا يضرك (3) وحدث الشيخ أبو علي ابن شيخ الطايفة أبو جعفر الطوسي في أماليه ص 42 بإسناده عن جميل بن صالح عن أبي خالد الكاملي (4) عن الأصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من الشيعة وكنت
(1) كتاب صفين لابن مزاحم ص 310، 496 ط مصر، شرح ابن أبي الحديد 1: 492، ج 2: 294. (2) خلا أناس منهم حناق على العترة الطاهرة، يتحرون الوقيعة في شيعتهم، فخلقوا له إفكا، و نبزوه بالسفاسف مما لا يقام له عند المنقب وزن. (3) قول الشعبي هذا مناقض لما جاء به النبي الأعظم في حب أمير المؤمنين عليه السلام وبغضه من الكثير الطيب، راجع ما مر في أجزاء كتابنا هذا وما يأتي. (4) كذا والصحيح: الكابلي.
[223]
فيهم فجعل يعني الحارث يتأود في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه وكان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السلام وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث ؟ ! قال: نال الدهر مني يا أمير المؤمنين ! وزادني أوارا وغليلا اختصام أصحابك ببائك قال: و فيهم خصومتهم ؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط غال، ومقتصد قال، ومن متردد مرتاب، لا يدري أيقدم أو يحجم. قال: فحسبك يا أخا همدان ؟ ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي قال: لو كشفت فداك أبي وأمي الرين عن قلوبنا وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا، قال: قدك فإنك
امرؤ ملبوس عليك، إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله، يا حار ! إن الحق أحسن الحديث والصادع به مجاهد، وبالحق أخبرك فأعرني سمعك ثم خبر به من كانت له حصانة من أصحابك ألا إني عبد الله وأخو رسوله وصديقه الأول، قد صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إني صديقه الأول في أمتكم حقا، فنحن الأولون ونحن الآخرون، ألا وأنا خاصته يا حار ! وخالصته و صنوه ووصيه ووليه صاحب نجواه وسره، أوتيت فيهم الكتاب وفصل الخطاب و علم القرون والأسباب، واستودعت ألف مفتاح يفتح كل مفتاح ألف باب يفضي كل باب إلى ألف ألف عهد وأيدت. أو قال: أمددت بليلة القدر نفلا، وإن ذلك ليجري لي ومن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأبشرك يا حارث ! ليعرفني والذي فلق الحبة وبرء النسمة وليي وعدوي في مواطن شتى، ليعرفني عند الممات وعند الصراط وعند المقاسمة قال: وما المقاسمة يا مولاي ؟ ! قال: مقاسمة النار أقاسمها قسمة صحاحا أقول: هذا وليي وهذا عدوي. ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث وقال: يا حارث ! أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدي فقال لي واشتكيت إليه حسدة قريش والمنافقين لي: إنه إذا كان يوم القيمة أخذت بحبل أو بحجزة يعني عصمة من ذي العرش تعالى وأخذت يا علي ! بحجزتي وأخذ ذريتك بحجزتك وأخذ شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيه ؟ وما يصنع نبيه بوصيه ؟ خذها إليك يا حارث ! قصيرة من طويلة أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت، أو قال: ما اكتسبت. قالها ثلثا فقال الحارث وقام يجر ردائه جذلا: ما أبالي ربي
[224]
بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني. قال جميل بن صالح فأنشدني السيد بن محمد في كتابه: قول (علي) لحارث عجب * كم ثم أعجوبة له حملا ؟: يا حار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه وأعرفه * بنعته واسمه وما فعلا وأنت عند الصراط تعرفني * فلا تخف عثرة ولا زللا أسقيك من بارد على ظمأ * تخاله في الحلاوة العسلا أقول للنار حين تعرض للعرض *: دعيه لا تقبلي الرجلا دعيه لا تقربيه إن له * حبلا بحبل الوصي متصلا توفي الحارث الهمداني سنة 65 كما ذكره الذهبي في [ميزان الاعتدال]، وابن حجر نقلا عن ابن حبان في [تهذيب التهذيب] ج 2 ص 147، والمؤرخ عبد الحي في [شذرات الذهب] ج 1 ص 73، فما في [خلاصة تذهيب الكمال] ص 58 من أنها سنة 165 ليس بصحيح. والمترجم له شيخنا (الحسين) أحد أعلام الطايفة، وفقهائها البارعين في الفقه و أصوله والكلام والفنون الرياضية والأدب، وكان إحدى حسنات هذا القرن، والألق المتبلج في جبهته، والعبق المتأرج بين أعطافه، أذعن بتقدمه في العلوم علماء عصره ومن بعدهم، قال شيخه الشهيد الثاني في إجازته له المؤرخة ب 941 المذكورة في كشكول شيخنا البحراني صاحب (الحدائق): ثم إن الأخ في الله المصطفى في الأخوة المختار في الدين، المرتقى عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين، الشيخ الإمام العالم الأوحد، ذا النفس الطاهرة الزكية، والهمة الباهرة العلية، والأخلاق الزاهرة الإنسية، عضد الاسلام والمسلمين، عز الدنيا والدين حسين بن الشيخ الصالح العالم العامل المتقن المتفنن خلاصة الأخيار الشيخ عبد الصمد بن الشيخ الإمام شمس الدين محمد الشهير بالجبعي أسعد الله جده، وجدد سعده، وكبت عدوه وضده، ممن انقطع بكليته إلى طلب المعالي، ووصل يقظة الأيام بإحياء الليالي، حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه، وحصل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه، وصرف برهة من
[225]
زمانه في تحصيل هذا العلم، وحصل منه على أكمل نصيب وأوفر سهم فقرأ على هذا الضعيف. إلخ. وأثنى عليه معاصره السيد الأمير حيدر بن السيد علاء الدين الحسيني البيروي في إجازته للسيد حسين المجتهد الكركي بقوله: الشيخ الإمام الزاهد العابد العامل العالم، زبدة فضلاء الأنام، وخلاصة الفقهاء العظام، فقيه أهل البيت عليهم السلام، عضد الاسلام، والمسلمين، عز الدنيا والدين حسين بن الشيخ العالم. إلخ. وفي [رياض العلماء]: كان فاضلا عالما جليلا أصوليا متكلما فقيها محدثا شاعرا ماهرا في صنعة اللغز وله ألغاز مشهورة خاطب بها ولده البهائي فأجابه هو بأحسن منها وهما مشهوران وفي المجاميع مسطوران. وقال المولى مظفر علي أحد تلاميذ ولده البهائي في رسالة له في أحوال شيخه: وكان والد هذا الشيخ في زمانه من مشاهير فحول العلماء الأعلام والفقهاء الكرام، وكان في تحصيل العلوم والمعارف وتحقيق مطالب الأصول والفروع مشاركا ومعاصرا للشهيد الثاني، بل لم يكن له قدس الله سره في علم الحديث والتفسير والفقه والرياضي عديل في عصره وله فيها مصنفات. 1 ه وقال المولى نظام الدين محمد تلميذ ولده البهائي في (نظام الأقوال في أحوال الرجال): الحسين بن عبد الصمد بن محمد الجبعي الحارثي الهمداني الشيخ العالم الأوحد، صاحب النفس الطاهرة الزكية، والهمة الباهرة العلية، والد شيخنا واستاذنا ومن إليه في العلوم استنادنا أدام الله ظله البهي من أجلة مشايخنا قدس الله روحه الشريفة، كان عالما فاضلا مطلعا على التواريخ ماهرا في اللغات، مستحضرا للنوادر والأمثال، وكان ممن جدد قراءة كتب الأحاديث، ببلاد العجم، له مؤلفات جليلة، ورسالات جميلة. 1 ه. وفي (أمل الآمل): كان عالما ماهرا محققا مدققا متبحرا جامعا أديبا منشئا
شاعرا عظيم الشأن، جليل القدر، ثقة من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني. الخ. إلى كلمات أخرى مبثوثة في الإجازات ومعاجم التراجم. وعرف فضله عاهل ايران بوقته السلطان شاه طهماسب الصفوي، فسامه تقديرا وتبجيلا، وقلده شيخوخة
[226]
الاسلام بقزوين، ثم بخراسان المقدسة ثم بهراة، وفوض إليه أمر التدريس والافادة، وكان يقدمه على كثير من معاصريه بعد أستاده المحقق الكركي، فنهض المترجم له بعبء العلم والدين ونشر أعلامهما بما لا مزيد عليه، فخلد له التاريخ بذلك كله ذكرا جميلا تضيئ به صحايفه، وتزدهي سطوره، ومما خصه المولى سبحانه به وفضله بذلك على كثير من عباده، وحري بأن يعد من أكبر فضايله الجمة، وأفضل أعماله المشكورة مع الدهر، إنه نشر ألوية التشيع في هرات ومناحيها، وأدرك خلق كثير بإرشاده الناجع سعادة الرشد، وسبيل السداد، واتبعوا الصراط السوي المستقيم. * (مشايخه والرواة عنه) * يروي شيخنا المترجم له عن لفيف من أعلام الطايفة وأساتذة العلم. منهم: 1 - شيخنا الأكبر زين الدين الشهيد الثاني وأخذ منه العلم. 2 - السيد بدر الدين الحسن بن السيد جعفر الأعرجي الكركي العاملي. 3 - الشيخ حسن صاحب (المعالم) ابن الشهيد الثاني. 4 - السيد حسن بن علي بن شدقم الحسيني المدني. ويروي عنه. 1 - السيد الأمير محمد باقر الاسترابادي الشهير (داماد). 2 - الشيخ رشيد الدين بن إبراهيم الاصفهاني بالاجازة المؤرخة بسنة 971. 3 - السيد شمس الدين محمد بن علي الحسيني الشهير بابن أبي الحسن، كما في إجازة العلامة المجلسي للسيد نعمة الله الجزائري المؤرخة بسنة 1075.
4 - السيد حيدر بن علاء الدين البيروي كما في إجازته للسيد حسين الكركي. 5 - الشيخ أبو محمد بن عناية الله البسطامي كما في إجازته للسيد حسين الكركي. 6 - المولى معاني التبريزي كما في إجازات البحار ص 134، 135. 7 - الميرزا تاج الدين حسين الصاعدي كما في الإجازات ص 135. 8 - الشيخ حسن صاحب (المعالم) كما في إجازة الأمير شرف الدين الشولستاني للمولي محمد تقي المجلسي.
[227]
9 - وملك علي يروي عنه بالاجازة المذكورة في [أعيان الشيعة] 26 ص 260. 10، 11 - ولداه العلمان: شيخنا البهائي وأبو تراب الشيخ عبد الصمد. وقرأ عليه السيد علاء الدين محمد بن هداية الله الحسني الخيروي سنة 967. * (آثاره أو مآثره) * ومن آثاره أو مآثره تآليف قيمة منها: شرح على القواعد، شرحان على ألفية الشهيد، الرسالة الطهماسية في الفقه. الرسالة الوسواسية، رسالة في وجوب الجمعة، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار. الرسالة الرضاعية، حاشية على الارشاد، رسالة مناظرة مع علماء حلب (1). رسالة في الرحلة (2)، رسالة في العقايد، رسالة الطهارة الظاهرية والقلبية. رسالة في المواريث، كتاب الغرر والدرر، رسالة في تقديم الشياع على اليد. رسالة في الواجبات، تعليقات على الصحيفة، رسالة في القبلة ديوان شعره دراية الحديث، كتاب الأربعين، تعليقة على خلاصة العلامة رسالة في جواز استرقاق الحربي البالغ حال الغيبة. رسالة تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان. رسالة في وجوب صرف مال الإمام عليه السلام في أيام الغيبة.
جواب عما أورد على حديث نبوي (3)، رسالة في عدم طهر البواري بالشمس. * (ولادته ووفاته) * ولد شيخنا المترجم له أول محرم الحرام سنة 918، وتوفي سنة 984 في ثامن ربيع الأول في قرية المصلى من أرباض (هجر) من بلاد البحرين وكان عمره ستا وستين سنة وشهرين وسبعة أيام ورثاه ولده الأكبر شيخنا البهائي بقوله:
(1) للمترجم له رحلات فيها خطوات محمودة ومواقف تذكر وتشكر وراء صالح الأمة والسعي دون مناهج الدين والمذهب، ورسالته هذه تجمع شتات تلكم المساعي، راجع أعيان الشيعة لسيدنا الأمين. (2) رسالة قيمة في الإمامة تجد جملة ضافية في أعيان الشيعة 26: 248. (3) من قوله صلى الله عليه وآله: إني أحب من دنياكم ثلاثا: النساء. والطيب. وقرة عيني الصلاة.
[228]
قف بالطلول وسلها أين سلماها ؟ * ورو من جرع الأجفان جرعاها وردد الطرف في أطراف ساحتها * وروح الروح من أرواح أرجاها وإن يفتك من الأطلال مخبرها * فلا يفوتك مرآها ورياها ربوع فضل تباهي التبر تربتها * ودار أنس يحاكي الدر حصباها عدا علي جيرة حلوا بساحتها * صرف الزمان فأبلاهم وأبلاها بدور تم غمام الموت جللها * شموس فضل سحاب الترب غشاها فالمجد يبكي عليها جازعا أسفا * والدين يندبها والفضل ينعاها يا حبذا أزمن في ظلهم سلفت * ما كان أقصرها عمرا وأحلاها ؟ أوقات أنس قضيناها فما ذكرت * إلا وقطع قلب الصب ذكراها يا سادة هجروا واستوطنوا هجرا * واها لقبلي المعنى بعدكم واها رعيا لليلات وصل بالحمى سلفت * سقيا لأيامنا بالخيف سقناها
لفقدكم شق جيب المجد وانصدعت * أركانه وبكم ما كان أقواها وخر من شامخات العلم أرفعها * وانهد من باذخات الحلم أرساها يا ثاويا بالمصلى من قرى حجر * كسيت من حلل الرضوان أرضاها أقمت يا بحر ! بالبحرين فاجتمعت * ثلاثة كن أمثالا وأشباها ثلاثة أنت أنداها وأغزرها * جودا وأعذبها طعما وأحلاها حويت من درر العلياء ما حويا * لكن درك أعلاها وأغلاها يا أخمصا وطأت هام السهى شرفا (1) * سقاك ؟ من ديم الوسمي أسماها ويا ضريحا علا فوق السماك علا * عليك من صلوات الله أزكاها فيك انطوى من شموس الفضل أزهرها * ومن معالم دين الله أسناها ومن شوامخ أطواد الفتوة أرسا * ها وأرفعها قدرا وأبهاها فاسحب على الفلك الأعلى ذيول علا * فقد حويت من العلياء أعلاها
(1) أخمص القدم: ما لا يصيب الأرض من باطنها، ويراد به القدم كلها. السهى: كوكب خفى من بنات نعش الصغرى. ومنه المثل: أريها السهى وتريني القمر. يضرب للذي يسأل عن شئ فيجيب جوابا بعيدا.
[229]
عليك مني سلام الله ما صدحت * على غصون إراك الدوح ورقاها قال صاحب (رياض العلماء): ورثاه جماعة من الشعراء. وللمترجم له قصيدة جارى بها البردة للبوصيري يمدح بها الرسول الأعظم و خليفته الصديق الأكبر أولها: ألؤلؤ نظم ثغر منك مبتسم ؟ * أم نرجس ؟ أم أقاح في صفى بشم ؟ ! والقصيدة طويلة تناهز 129 بيتا وقد وقف سيد الأعيان منها على 69 بيتا فحسب أنها تمام القصيدة فقال: تبلغ 69 بيتا ثم ذكر جملة منها، ومن شعر المترجم له
قوله: ما شممت الورد إلا * زادني شوقا إليك وإذا ما مال غصن * خلته يحنو عليك لست تدري ما الذي قد * حل بي من مقلتيك إن يكن جسمي تناءى * فالحشى باق لديك كل حسن في البرايا * فهو منسوب إليك رشق القلب بسهم * قوسه من حاجبيك إن ذاتي وذواتي * يا منايا في يديك آه لو أسقى لأشفى * خمرة من شفتيك وله قوله وهو المخترع لهذا الروي: فاح عرف الصبا وصاح الديك * وانثنى البان يشتكي التحريك قم بنا نجتلى مشعشعة * تاه من وجده بها النسيك لو رآها المجوس عاكفة * وحدوها وجانبوا التشريك إن تسر نحونا نسر وإن * مت في السير دوننا نحييك وذكر شيخنا البهائي في كشكوله ص 65 لوالده على هذا الروي ثمانية عشر بيتا أولها: فاح ريح الصبا وصاح الديك * فانتبه وانف عنك ما ينفيك وعارضها ولده الشيخ بهاء الدين بقصيدة كافية مطلعها:
[230]
يا نديمي بمهجتي أفديك * قم وهات الكؤس من هاتيك خمرة إن ضللت ساحتها * فسنا نور كأسها يهديك يا كليم الفؤاد ! داو بها * قلبك المبتلى لكي تشفيك
هي نار الكليم فاجتلها * واخلع النعل واترك التشكيك صاح ناهيك بالمدام فدم * في احتساها مخالفا ناهيك (1) وخلف المترجم على علمه الجم وفضله المتدفق ولداه العلمان: شيخ الطايفة بهاء الملة والدين الآتي ذكره وهو أكبر ولديه ولد سنة 953، والشيخ أبو تراب عبد الصمد بن الحسين المولود بقزوين ليلة الأحد وقد بقي من الليل نحو ساعة ثالث شهر صفر سنة 966 كما في (الرياض) نقلا عن خط والده المترجم له (الشيخ حسين) وصرح والدهما المترجم له في إجازته لهما إن البهائي أكبر ولديه، وللشيخ عبد الصمد حاشية على أربعين أخيه شيخنا البهائي وفوائده على الفرائض النصيرية، وكتب الشيخ البهائي باسمه فوائده الصمدية، يروي بالاجازة عن والده المقدس الشيخ حسين، ويروي عنه العلامة السيد حسين بن حيدر بن قمر الكركي توفي سنة 1020، ترجمه صاحبا (الأمل) و (الرياض) وغيرهما، وورثه على علمه الغزير ولداه العالمان: الشيخ أحمد بن عبد الصمد نزيل هرات، يروي عنه بالاجازة السيد حسين بن حيدر بن قمر الكركي الراوي عن والده أيضا. وأخوه الشيخ حسين بن عبد الصمد كان قاضي هرات، قال صاحب [رياض العلماء]: كان شاعرا ماهرا في العلوم الرياضية له منظومة بالفارسية في الجبر والمقابلة. ا ه. يروي عن عمه شيخنا البهائي بالاجازة توجد بعض تعاليقه على بعض الكتب مؤرخا بسنة 1060. وأما سائر رجالات هذه الأسرة الكريمة فوالد المترجم له الشيخ عبد الصمد من نوابع الطايفة، وعلمائها البارعين، وصفه شيخ الطايفة الشهيد الثاني في إجازته لولد المترجم له بالشيخ الصالح العامل العالم المتقن، وأثنى عليه السيد حيدر البيروي في
(1) إلى آخر الأبيات المذكورة في [خلاصة الأثر] 3: 449، وريحانة الألباء للخفاجي، و كشكول ناظمها ص 65. (*)
[231]
إجازته للسيد حسين المجتهد الكركي، بالشيخ العالم العامل، خلاصة الأخيار، وزين الأبرار الشيخ عبد الصمد، ولد سنة 855 في 21 محرم وتوفي سنة 935 في منتصف ربيع الثاني ترجمه صاحبا (الرياض) و (أمل الآمل) وغيرهما. وأخو المترجم الأكبر الشيخ نور الدين أبو القاسم علي بن عبد الصمد الحارثي المولود سنة 898 من تلمذة الشهيد الثاني قال صاحب (رياض العلماء): فاضل عالم جليل فقيه شاعر له منظومة في ألفية الشهيد تسمى بالدرة الصفية في نظم الألفية، يروي عن المحقق الكركي بالاجازة سنة 935 وقرء عليه جملة من كتب الفقه. وأخوه: الشيخ محمد بن عبد الصمد ولد سنة 903 وتوفي سنة 952. وأخوه الثالث: الحاج زين العابدين المولود سنة 909 والمتوفى سنة 965. وأوعزنا في ترجمة عم والد المترجم له الشيخ إبراهيم الكفعمي ص 215 إلى ترجمة جد المترجم الشيخ شمس الدين محمد، وجد والده الشيخ زين الدين علي. توجد ترجمة شيخنا عز الدين الحسين، وسرد جمل الثناء عليه في كشكول الشيخ يوسف البحراني، لؤلؤة البحرين ص 18، رياض العلماء، أمل الآمل ص 13، نظام الأقوال في أحوال الرجال (1) تاريخ عالم آراي عباسي، روضات الجنات ص 193، مستدرك الوسائل 3: 421، تنقيح المقال 1: 332، الأعلام للزركلي 1: 250، أعيان الشيعة 26: 226 - 270 وفيها فوائد جمة، سفينة البحار 1: 174، الكنى والألقاب 2: 91، الفوائد الرضوية 1: 138، منن الرحمان 1 ص 8.
(1) تأليف المولى نظام الدين محمد القرشي تلميذ شيخنا البهائي ولد المترجم له.
[232]
شعراء الغدير في
القرن الحادي عشر - 79 - ابن أبي شافين البحراني المتوفى بعد 1001 أجل مصابي في الحياة وأكبر * مصاب له كل المصائب تصغر مصاب به الآفاق أظلم نورها * ووجه التقى والدين أشعث أغبر مصاب به أطواد علم تدكدكت * وأصبح نور الدين وهو مغبر إلى أن قال فيها: وسار النبي الطهر من أرض مكة * وقد ضاق ذرعا بالذي فيه أضمروا ولما أتى نحو (الغدير) برحله * تلقاه جبريل الأمين يبشر بنصب (علي) واليا وخليفة * فذلك وحي الله لا يتأخر فرد من القوم الذين تقدموا * وحط أناس رحلهم قد تأخروا ولم يك تلك الأرض منزل راكب * بحر هجير ناره تتسعر رقى منبر الأكوار طهر مطهر * ويصدع بالأمر العظيم وينذر فأثنى على الله الكريم مقدسا * وثنى بمدح المرتضى وهو مخبر: بأن جاءني فيه من الله عزمة * وإن أنا لم أصدع فإني مقصر وإني على اسم الله قمت مبلغا * رسالته والله للحق ينصر علي أخي في أمتي وخليفتي * وناصر دين الله والحق ينصر وطاعته فرض على كل مؤمن * وعصيانه الذنب الذي ليس يغفر
[233]
ألا فاسمعوا قولي وكونوا لأمره * مطيعين في جنب الإله فتوجروا ألست بأولى منكم بنفوسكم ؟ * فقالوا: نعم نص من الله يذكر
فقال: ألا من كنت مولاه منكم * فمولاه بعدي والخليفة حيدر إلتقطنا هذه الأبيات من قصيدة كبيرة لشاعرنا (ابن أبي شافين) تبلغ خمسمائة وثمانين بيتا توجد في المجاميع المخطوطة العتيقة. * (الشاعر) * الشيخ داود بن محمد بن أبي طالب الشهير بابن أبي شافين الجد حفصي البحراني، من حسنات القرن العاشر، ومن مآثر ذلك العصر المحلى بالمفاخر، شعره مبثوث في مدونات الأدب، والموسوعات العربية، ومجاميع الشعر، إن ذكر العلم فهو أبو عذره أو حدث عن القريض فهو ابن بجدته، ذكره السيد علي خان في (السلافة) ص 529 و أطراه بقوله: البحر العجاج إلا أنه العذب لا الاجاج، والبدر الوهاج إلا أنه الأسد المهاج، رتبته في الاباءة شهيرة، ورفعته أسمى من شمس الظهيرة، ولم يكن في مصره وعصره من يدانيه في مده وقصره، وهو في العلم فاضل لا يسامى، وفي الأدب فاصل لم يكل الدهر له حساما، إن شهر طبق، وإن نشر عبق، وشعره أبهي من شف البرود، وأشهى من رشف الثغر البرود، وموشحاته الوشاح المفصل، بل التي فرع حسنها و أصل، ومن شعره قوله: أنا والله المعاني * بالهوى شوقي أعرب كل آن مر حالي * في الهوى يا صاح أغرب كل ما غنى الهوى لي * أرقص القلب وأطرب وغدا يسقيه كاسات * صبابات فيشرب فالذي يطمع في سلب * هوى قلبي أشعب قلت للمحبوب: حتام * الهوى للقلب ينهب ؟ وبميدان الصبا واللهو * ساه أنت تلعب ؟ قال: ما ذنبي إذا شاهدت * نار الخد تلهب ؟
[234]
فهوى قلبك فيها * ذاهبا في كل مذهب قلت: هب إن الهوى * هب فألقاه بهب هب أفلا تنقذ من يهواك * من نار تلهب ؟ ثم ذكر له لامية وموشحة دالية تناهز 42 بيتا مطلعها: قل لأهل العذل: لو وجدوا * من رسيس الحب ما نجد أوقدوا في كل جارحة * زفرة في القلب تتقد فاسعد الهايم ايها اللايم * فالهوى حاكم. إن عصى أحد وذكره المحبي في خلاصة الأثر 2: 88 وقال: من العلماء الأجلاء الأدباء، أستاد السيد أبي محمد الحسين بن الحسن بن أحمد بن سليمان الحسيني الغريفي البحراني ولما توفي تلميذه السيد العلامة الغريفي في سنة 1001 وبلغ نعيه إلى شيخه الشيخ داود ابن أبي شافين البحراني استرجع الشيخ وأنشد بديهة. هلك القصر يا همام فغني * طربا منك في أعالي الغصون (1) وأثنى عليه الشيخ سليمان الماحوزي في رسالته في علماء البحرين بقوله: واحد عصره في الفنون كلها، وشعره في غاية الجزالة، وكان جدليا حاذقا في علم المناظرة و آداب البحث، ما ناظر أحدا إلا وأفحمه. إلخ. وقال الشيخ صاحب (أنوار البدرين): كان هذا الشيخ من أكابر العلماء وأساطين الحكماء. وذكره العلامة المجلسي في [إجازات البحار] ص 129 وأطراه بما مر عن سلافة العصر، وجمل الثناء عليه منضدة في (أنوار البدرين) و (وفيات الأعلام) لشيخنا الرازي، و (الطليعة) للمرحوم السماوي، وتتميم أمل الآمل للسيد ابن أبي شبانة البحراني.
لشاعرنا [ابن أبي شافين] رسائل منها رسالة في علم المنطق، وشرح على الفصول النصيرية في التوحيد. وشعره مبثوث في مجاميع الأدب ذكر له شيخنا الطريحي في المنتخب 1: 127 قصيدة يرثي بها الإمام السبط عليه السلام تناهز 37 بيتا مستهلها:
(1) وذكره السيد صاحب (السلافة) ص 504.
[235]
هلموا نبك أصحاب العباء * ونرثي سبط خير الأنبياء هلموا نبك مقتولا بكته * ملائكة الإله من السماء وذكر له العلامة السيد أحمد العطار في الجزء الثاني من موسوعه (الرائق) قوله في رثاء الإمام السبط سلام الله عليه: يا واقفا بطفوف الغاضريات * دعني أمسح الدموع العندميات من أعين بسيوف الحزن قاتلة * طيب الكرى لقتيل السمهريات وسادة جاوزوا بيد الفلات بها * وقادة قددوا بالمشرفيات القصيدة تناهز 62 بيتا يقول في آخرها: لا يبتغي بن أبي شافين من عوض * إلا نجاة وإسكانا بجنات وذكر السيد قدس سره في (الرائق) أيضا له قوله في رثاء الإمام الشهيد صلوات الله عليه: مصائب يوم الطف أدهى المصائب * وأعظم من ضرب السيوف القواضب تذوب لها صم الجلاميد حسرة * وتنهد منها شامخات الشناخب بها لبس الدين الحنيف ملابسا * غرابيب سودا مثل لون الغياهب القصيدة 50 بيتا وفي آخرها قوله: ودونكم غراء كالبدر في الدجى * من بن أبي شافين ذات غرائب. وذكر الشيخ لطف الله بن علي بن لطف الله الجد حفصي البحراني في مجموعته (1)
الشعرية له قصيدة تبلغ 71 بيتا في رثاء الإمام السبط الطاهر عليه السلام أولها: قفا بالرسوم الخاليات الدواثر * تنوح على فقد البدور الزواهر بدور لآل المصطفى قد تجللت * بعارض جون فاختفت بدياجر ففي كل قصر منهم قمر ثوى * وجلل من غيم الغموم بساتر
(1) هذه المجموعة تتضمن على ما قاله أربع وعشرون شاعرا من فحول الشعراء في رثاء الإمام السبط عليه السلام أولهم سيدنا الشريف الرضي، وقفت منها بخط جامعها على عدة نسخ في النجف الأشرف والكاظمية المشرفة، وطهران عاصمة ايران.
[236]
وفي تلك المجموعة له في رثاء الإمام السبط عليه السلام تناهز 42 بيتا مطلعها: قف بالطفوف بتذكار وتزفار * وذب من الحزن ذوب التبر في النار واسحب ذيول الأسى فيها ونح أسفا * نوح القماري على فقدان أقمار وانثر على ذهب الخدين من درر * الدمع الهتون وياقوت الدم الجاري ونح هناك بليعات الأسى جزعا * فما على الواله المحزون من عار وعز نفسك عن أثواب سلوتها * على القتيل الذبيح المفرد العاري لهفي وقد مات عطشانا بغصته * يسقى النجيع ببتار وخطار كأنما مهره في جريه فلك * ووجهه قمر في أفقه ساري وله قصيدة يمدح بها النبي الأعظم ووصيه الطاهر وآلهما صلوات الله عليهم أولها: بدا يختال في ثوب الحرير * فعم الكون من شر العبير فقلنا: نور فجر مستطير * جبينك ؟ أم سنا القمر المنير ؟ وقد مائل أم غصن بان * تثنى ؟ أم قضيب خيزراني ؟ عليه بدر تم شعشعاني * بنور في الدياجي مستطير ؟
ألا يا يوسفي الحسن كم كم * فؤادي من لهيب الشوق يضرم ؟ وكم يا فتنة العشاق اظلم * وما لي في البرايا من نصير ؟ يقول فيها: فإن ضيعت شيئا من ودادي * فحسبي حب أحمد خير هادي ومبعوث إلى كل العباد * شفيع الخلق والهادي البشير وهل أصلى لظى نار توقد * وعندي حب خير الخلق أحمد وحب المرتضى الطهر المسدد * وحب الآل باق في ضميري ؟
[237]
به داود يجزي في المعاد * نجاة من لظى ذات اتقاد وينجو كل عبد ذي وداد * بحب الآل والهادي البشير ابن أبي شافين قد وقع الخلاف في ضبط كنية شاعرنا هذه، ففي (سلوة الغريب) للسيد علي خان المدني: ابن أبي شافيز، وكذلك ضبطها سيد الأعيان. وفي (سلافة العصر) للسيد المدني أيضا: ابن أبي شافير. بالراء المهملة تارة وبالنون أخرى. وفي (خلاصة الأثر) للمحبي: ابن أبي شاقين: بالقاف والنون. وفي (البحار) ابن أبي شافير مهملة الآخر. والذي نجده في شعره بلا خلاف فيه: ابن أبي شافين. بالفاء والنون.
[238]
القرن الحادي عشر - 80 - زين الدين الحميدي المتوفى 1005 صاح ! عرج على قباب قباء * وارتقب خلوة عن الرقباء
لا تكن لاهيا بسعدى وسلمى * لا ولا معجبا بجر قباء وتدلل لسادة في فؤادي * لهم مسكن حصين البناء وتلطف وارو حديثا قديما * عن غرام نام حشا أحشائي وتعطف وانشر لهم طي وجدي * وهيامي بهم وطول بكائي قل: تركنا صباصبا في هواكم * وتباريح الهجر في برحائي قد وهى في الهوى تجلده والنوم * كالصبر عنه قاص ونائي بين واش وشى بافتراء * وعذول يعزى إلى العواء وجنان عن التسلي جبان * ودموع ممزوجة بدماء وزفير لولا المدامع تهمى * لشواه قد صار خلف عناء شاقه نشق طيب مأوى الفخر * والمجد والعلى والهناء مهبط الوحي منزل العز مثوى * الفضل دار الثنا محل البهاء تربة تربها على التبر يسمو * وضياها يفوق ضوء ذكاء بقعة فضلت على العرش والكرسي * فضلا عن سائر البطحاء موطن حل فيه خير نبي * متحل بأشرف الأسماء أحمد الحامدين محمود فعل * خص بالحوض واللوا والولاء حسن محسن رؤف رحيم * خاتم الرسل صفوة الأصفياء أعبد العابدين بر كريم * منه كانت مكارم الكرماء
[239]
رحمة الله للخلائق طرا * فبه منه رحمة الرحماء أعذب الخلق منطقا أصدق * الناس مقالا ما فاه بالفحشاء أعرف العارفين أخوف خلق * الله منه في جهره والخفاء كل ما في الوجود من أجله * أوجد لا تفتقر إلى استثناء
أكمل الكاملين كل كمال * منه فضلا سرى إلى الفضلاء فبه آدم تعلم ما لم * يدره غيره من الأسماء وبه في السفين نجي نوح * ونجا يونس من الغماء حر نار الخليل قد صار بردا * إذ به كان حالة الالقاء أي حر يقوى بمن كانت * السحب له في الهجير أقوى وقاء كشف الضر منه عن جسم أيوب * وأوتي ضعفا من الآلاء وبه قد علا لإدريس شأن * والذبيحان أنقذا بالفداء منه سر سرى لعيسى فأحيا * دارسا مذ دعاه بعد البلاء وكذا أكمها وأبرص أبرا * فشفا ذا وذاك أوفى شفاء هو من قبل كل خلق نبي * لا تقف عند حد طين وماء كان نور الإله إذ ذاك * فاستودع ضمنا بمبدأ الآباء فتلقاه من شريف شريف * من لدن آدم ومن حواء مودع في كرائم من كرام * عن سفاح تنزهوا وخناء فأتى الفخر منه آمنة إذ * كان منها له أجل وعاء حملته فلم تجد منه ثقلا * حال حمل كما يرى بالنساء فهنيئا به لها إذ بخير * الخلق جاءت وسيد الأنبياء وضعته فكان في الوضع رفع * وارتفاع للحق والأهواء أبرزته شمسا محا غيهب الشرك * ومنها استضاء كل ضياء وبميلاده بدت معجزات * فرأى المشركون هول المرائي أطفئت نارهم ليعلم أن قد * جاء من كفرهم به في انطفاء أي نار ترى وبالنور لاحت * دور بصرى لمن بمكة رائي ؟
[240]
وبكسر الايوان قد آن جبر * وانكسار للدين والأعداء وأكبت أوثانهم فأحسوا * بمبادي الوبال والأوباء وعيون سيلت بساوة ساوت * حيث غيصت مقعرا الغبراء يا لها ليلة لنا أسفرت عن * بدر تم محا دجى الظلماء ليلة شرفت على كل يوم * إذ هبطنا مشرف الشرفاء إلى أن قال فيها: وبصديقك الصدوق الذي حاز * بسبق التصديق فضل ابتداء (1) الرفيق الرفيق بالغار والواقيك * فيه من حية رقطاء (2) المواسيك بالذي ملكت يمناه * صدر الأئمة الخلفاء (3) الإمام الذي حمى بيضة الدين * بإحياء سنة بيضاء (4) قام بالرفق في الخليفة من بعدك * رفق الآباء بالأبناء (5) وبفاروقك المفرق بالبأس * جموع الاضلال والاغواء (6) السديد الشديد بالمسخط الله * الرحيم الشفيق بالأتقياء (7)
(1) مر في الجزء الثاني ص 312 إن الصديق حقا هو سيدنا أمير المؤمنين بتلقيب من النبي الأعظم وحيا من الله تعالى. وبينا في الجزء الثالث ص 240 إن أبا بكر لم يحز فضل السبق إلى الإيمان. (2) أسلفنا في الجزء الثامن ص 41 - 46 ط 1: إن حديث الحية مكذوب مفترى وإن حياة الفضائل لا تثبت بالحيات. (3) سبق منا القول الفصل حول ما ملكت يمنى أبي بكر وما أنفقه في سبيل الدعوة الإسلامية راجع الجزء الثامن ص 50 - 60 ط 1. (4) عرفت في الجزء السابع ص 108 - 120 ط 1 مبلغا من عرفانه السنة، وكيف كان يحيى ما لا يعرف وفي لسانه قوله: لئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها ؟
(5) سل العترة النبوية الطاهرة عن رفق الخليفة وخص بالسؤال الصديقة بضعة النبي الأقدس. (6) أنى وأين كان هذا البأس المزعوم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وحروبه ؟ ولعله يريد يوما فر عن الزحف وولى الدبر. (7) استحف السؤال عن الشطر الاول أم جميل الزانية أو المغيرة الزاني، وسل عن الرحيم الشفيق بضعة المصطفى الصديقة وبعلها الصديق.
[241]
عمر فاتح الفتوح الذي مهد * طرق الهدى بحسن ولاء سالب الفرس ملكهم وكذا الروم * ومبدي الصلاة بعد الخفاء الأمير الذي برحمته مار * عفاة الأرامل الضعفاء (1) فرقا فر من مهابته الشيطان * عن فجه فرار فراء (2) وبتاليهما ابن عفان من جهز * لله الجيش في اللأواء الموفى في يوم بدر وقد خلف * الإذن أوفر الانصباء جامع الذكر في المصاحف ذي النورين * شيخ الاحسان كهف الحياء فاسح المسجد المؤسس بالتقوى * وملقى الأملاك باستحياء (3) وبباب العلوم صنوك مردي * في الردى كل مبطل بالرداء أسد الله في الحروب مجلي * أزمان الكروب والغماء جعل الباب معجز القوم نقلا * ترسه يوم خيبر بنجاء لم يمله عن التقى زخرف اللهو * ولا مال قط للأهواء بت زهدا طلاق دنياه * ما غر بام الغرور بالاغراء الحسيب النسيب أول لاق * من ثنيات نسبة الأقرباء الوزير المشير بالصوب في الحرب * الذي قد علا على الجوزاء (4) وكفاه حديث من كنت مولاه * فخارا ناهيك ذا من ثناء
أخذنا هذه الأبيات من قصيدة شاعرنا (الحميدي) البالغة 337 بيتا يمدح بها النبي الأقدس صلى الله عليه وآله أسماها (الدر المنظم في مدح النبي الأعظم) طبع ببولاق سنة 1313 ضمن ديوانه في 149 صحيفة توجد من ص 5 - 22.