تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي للامام الحافظ أبي العلاء محمد عبد الرحمن ابن عبد الرحيم المباركفوري 1283 - 1353 ه . طبعة جديدة مقارنة مع الطبعتين الهندية والمصرية ، مع ملحق خاص بالاحاديث المستدركة من جامع الترمذي الجزء الخامس تتمة أبواب الحدود - أبواب العيد - أبواب الاضاحي - أبواب النذور والايمان - أبواب السير - أبواب فضائل الجهاد - أبواب الجهاد - أبواب اللباس - أبواب الاطعمة - أبواب الاشربة . دار الكتب العلمية بيروت . لبنان
[ 2 ]
الطبعة الاولى 1410 ه . 1990 م .
[ 3 ]
(باب ما جاء في كم يقطع السارق) قوله : (كان يقطع) أي يد السارق والسارقة كان يأمر بالقطع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه (في ربع دينار فصاعدا) قال صاحب المحكم يختص هذا بالفاء ويجوز ثم بدلها ولا تجوز الواو وقال ابن جني هو منصوب على الحال أي ولو زاد ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدا وقد وقع في رواية عند مسلم فما فوقه بدل فصاعدا وهو بمعناه قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة (وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمرة عن عائشة موقوفا) أخرجه الطحاوي من طريق مالك عن
عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفا وأخرجه مسلم عن طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا قال الحافظ في الفتح وحاول الطحاوي تعليل رواية أبي بكر المرفوعة برواية ولده الموقوفة وأبو بكر أتقن وأعلم من ولده على أن الموقوف في مثل هذا لا يخالف المرفوع لأن الموقوف محمول على الفتوى والعجب أن الطحاوي ضعف عبد الله بن أبي بكر في وضع آخر ورام هنا تضعيف الرواية القوية بروايته انتهى .
[ 4 ]
قوله : (قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون هو النرس لأنه يوارى حامله قيمته ثلاثة دراهم هذه الرواية لا تخالف رواية ربع دينار المتقدمة لأن ربع الدينار كان يومئذ ثلاثة دراهم ففي رواية عائشة عند أحمد قال إقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهما وقال الشافعي وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم وذلك أن الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر درهما بدينار وكان كذلك بعده وقد ثبت أن عمر فرض الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل الذهب ألف دينار قوله : (وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وأيمن) أما حديث أبي سعد فأخرجه الطحاوي وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطحاوي وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه الشيخان وأما حديث أيمن فأخرجه الطحاوي قوله (حديث ابن عمر حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (منهم أبو بكر الصديق قطع في خمسة دراهم) وأخرج ابن المنذر عن عمر أنه قال لا تقطع الخمس إلا في خمس (وروي عن عثمان وعلي أنهما قطعا في ربع دينار) أخرج ابن المنذر أنه أتي عثمان بسارق سرق أترجة فقومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع وأخرج
أيضا والبيهقي من طريق جعفر عن أبيه أمير المؤمنين عليا رضي الله تعالى عنه قطع في ربع دينار وكانت قيمته درهمين ونصفا وأخرج البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه القطع في ربع دينار فصاعدا وأخرج أيضا من طريقه عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه أنه قطع يد السارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثقات ولكنه منقطع .
[ 5 ]
(وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا تقطع اليد في خمسة دراهم) وروى عنهما القطع في أربعة دراهم قال الشوكاني في النيل المذهب الخامس أربعة دراهم نقله ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد وكذلك حكاه عنهما في البحر انتهى (والعمل على هذا عند بعض فقهاء التابعين) وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق (رأوا القطع في ربع دينار فصاعدا) قد ذهب إلى ما تقتضيه أحاديث الباب من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة واختلفوا في ما يقوم به ما كان من غير الذهب والفضة فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفا وقال الشافعي الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع انتهى قال مالك وكل واحد من الذهب والفضة معتبر في نفسه لا يقوم بالاخر وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبا في نقود أهل البلد (وقدر وى عن ابن مسعود أنه قال لا قطع إلا في دينار أو عشر دراهم وهو حديث مرسل رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود والقاسم لم يسمع من ابن مسعود) أخرج قول ابن مسعود هذا الطحاوي في شرح الاثار قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا عثمان بن عمر عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عبد الله بن مسعود فذكره . (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة
قالوا لا قطع في أقل من عشرة دراهم) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسائر فقهاء العراق واحتجوا بقول ابن مسعود المذكور وقد عرفت أنه منقطع واحتجوا أيضا بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث محمد بن اسحاق عن أيوب ابن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم عشرة دراهم وأخرج نحو ذلك النسائي عنه وأخرج
[ 6 ]
عنه أبو داود أن ثمنه كان دينارا أو عشرة دراهم وأخرج البيهقي عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم وأخرج النسائي عن عطاء مرسلا أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن قال وثمنه عشرة دراهم قالوا هذه الروايات في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات الأولى وإن كانت أكثر وأصح ولكن هذه أحوط والحدود تدفع بالشبهات فهذه الروايات كأنها شبهة في العمل بما دونها وروى نحو هذا عن ابن العربي قال وإليه ذهب سفيان مع جلالته ويجاب بأن الروايات المروية عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص في إسنادها جميعا محمد بن إسحاق وقد عنعن ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة وقد تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب ثم بين الإضطراب بما يفيد بطلان قوله وقد استوفى صاحب الفتح الرد عليه كذا في النيل قلت الأمر كما قال الشوكاني قد أجاب الحافظ عما أورد الطحاوي على حديث عائشة المذكور جوابا حسنا شافيا وقد أجاب أيضا عن الروايات التي تدل على أن ثمن المجن كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا أو عشرة دراهم وأجاد فيه وأصاب ثم مقال الحافظ ولو ثبتت لم تكن مخالفة لرواية الزهري بل بجمع بينهما بأنه كان أولا لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر وأما سائر الروايات فليس فيها إلا الاخبار عن فعل وقع في عهده صلى الله عليه وسلم وليس فيه تحديد النصاب فلا ينافي رواية ابن عمر يعني
المذكور في هذا الباب أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وهو مع كونه حكاية فعل فلا يخالف حديث عائشة من رواية الزهري فإن ربع دينار صرف ثلاثة دراهم (باب ما جاء في تعليق يد السارق) قوله : (حدثنا الحجاج) هو ابن أرطأة (سمعت فضالة) بفتح الفاء (بن عبيد) بالتصغير (أتى) بصيغة المجهول (فعلقت) بتشديد اللام مجهولا (في عنقه) أي ليكون عبرة ونكالا . قال ابن
[ 7 ]
الهمام المنقول عن الشافعي وأحمد أنه يسن تعليق يده في عنقه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر به وعندنا ذلك مطلق للإمام إن رآه ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام في كل قطعه ليكون سنة انتهى وقال في النيل في هذا الحديث دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه لأن في ذلك من الزجر مالا مزيد عليه فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وما جر إليه ذلك الأمر من الخسارة بمفارقة ذلك العضو النفيس وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة ما تنقطع به وساوسه الرديئة وأخرج البيهقي أن عليا رضي الله عنه قطع سارقا فمروا به ويده معلقة انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب) قال في المنتقى أخرجه الخمسة إلا أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف انتهى (لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن أرطأة) قال الحافظ في التخليص وهما مدلسان وقال النسائي الحجاج بن أرطاأة ضعيف ولا يحتج بخبره قال هذا بعد أن أخرجه بطريقة انتهى . (باب في الخائن والمختلس والمنتهب) الخائن من يأخذ المال خفية ويظهر النصح للمالك والمختلس الذي يسلب المال على طريقة الخلسة وقال في النهاية هو من يأخذه سلبا ومكابرة والمنتهب هو من ينتهب المال على جهة القهر والغلبة . قوله : (ليس على خائن) قال ابن الهمام اسم فاعل من الخيانة وهو أن يؤتمن على شئ بطريق العارية والوديعة فيأخذه ويدعي ضياعه أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية وعلله
صاحب الهداية بقصور الحرز لأنه قد كان في يد الخائن وحرزه لاحرز المالك على الخلوص وذلك لان حرزه وإن كان حرز المالك إنه أحرزه بإيداعه عنده لكنه حرز مأذون للسارق في دخوله (ولا منتهب) لأنه مجاهر بفعله لا مختف فلا سرقة ولا قطع (ولا مختلس) لأنه المختطف للشئ من البيت
[ 8 ]
ويذهب أو من يد المالك في المغرب الاختلاس أخذ الشئ من ظاهر بسرعة (قطع) اسم ليس قال النووي في شرح مسلم قال القاضي عياض شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غيرها كالإختلاس والإنتهاب والغصب لأن ذلك قليل بانسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينه عليه بخلافها فيعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الخمسة كذا في المنتقى وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجة بنحو حديث الباب وعن إنس عند ابن ماجة أيضا والطبراني في الأوسط وعن ابن عباس عند ابن الجوزي في العلل وضعفه وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا ولا سيما بعد تصحيح الترمذي وابن حبان لحديث الباب قاله الشوكاني قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم) كذا قال الترمذي ولم يذكر اختلاف الأئمة في هذه المسألة قال الشوكاني في النيل قد ذهب إلى أنه لا يقطع المختلس والمنتهب والخائن العترة والشافعية والحنفية وذهب أحمد وإسحاق وزفر والخوارج إلى أنه يقطع وذلك لعدم اعتبارهم الحرز انتهى قلت والراجح هو قول الشافعية والحنيفة لأحاديث الباب وهي بمجموعها صالحة للاحتجاج . (باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر) قوله (لا يقطع في ثمر ولا كثر) يفتح الكاف والثاء المثلثة وهو الجمار قال في القاموس :
[ 9 ]
والكثر ويحرك جمار النخل أو طلعها وقال الجمار كرمان شحم النخل وقال في المجمع الكثر بفتحتين جمار النخل وهو شحمه الذي في وسط النخلة وهو شئ أبيض وسط النخل يؤكل الكثر الطلع أول ما يؤكل انتهى قلت المراد بالكثر هو الجمار كما وقع في رواية النسائي قال في شرح السنة ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شئ من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والخبوز وأوجب الاخرون القطع في جميعها إذا كان محرزا وهو قول مالك والشافعي وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة وقال نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها والدليل عليه حديث عمر وبن شعيب وفيه دليل على أن ما كان منها محرزا يجب القطع بسرقته انتهى قلت حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه النسائي وأبو داود عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال من أصاب منه يفيه من ذي حاجة غير متخذ خبثه فلا شئ عليه ومن خرج بشئ فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرن فبلغ ثمن المجن فعليه القطع وأخرجه أيضا الحاكم وصححه وأخرجه أيضا الترمذي مختصرا في باب الرخصة في أكل الثمرة للمار بها وحسنه وحديث رافع بن خديج المذكور في الباب أخرجه الخمسة وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وصححه البيهقي وابن حبان واختلف في وصله وإرساله وقال الطحاوي هذا الحديث تلفت العلماء متنه بالقبول . (باب ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو) قوله وعن عياش بن عباس الأول بفتح العين المهملة والياء التحتية المشددة والثاني
[ 10 ]
بالموحدة المشددة وبالسين المهملة قال الحافظ ثقة (عن شييم) بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها (بن بيتان) بلفظ تثنية بيت القتباني المصري ثقة من الثالثة قاله الحافظ وفي المغنى
شييم بكسر معجمه ويقال بضمها وفتح تحتية أولى وسكون ثانية (عن جنادة) بضم الجيم وفتح النون الخفيفة (بن أبي أمية) بضم الهمزة مصغرا الأزدي الشامي ومن ثقات التابعين (عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (أرطأة) بفتح الهمزة وسكون الراء ويقال ابن أبي أرطأة من صغار الصحابة قوله (لا تقطع الأيدي في الغزو) روى أحمد وأبو داود والنسائي عن بسر بن أرطأة أنه وجد رجلا يسرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده وقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القطع في الغزو قال صاحب المنتقى وللترمذي منه المرفوع انتهى وفي الباب عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم وأقيموا الحدود في الحضر والسفر رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وسيأتي الجمع بين هذين الحديثين قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وغيره كما عرفت آنفا (وقد رواه غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا) رواه أبو داود في سنته قال حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عياش بن عباس بإسناد الترمذي قال الشوكاني رجال إسناد أبي داود ثقات الى بسر قال وفي إسناد النسائي بقية ابن الوليد قال المنذري واختلف في صحبة بسر بن أرطأة فقيل له صحبة وقيل لا وأن مولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وله أخبار مشهورة وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له وغمزه الدارقطني انتهى كلام المنذري ونقل في الخلاصة عن ابن معين أنه قال لا صحبة له وأنه رجل سوء ولي اليمن وله بها آثار قبيحة انتهى (وقال) وفي بعض النسخ يقال وهو الظاهر (بسر بن أبي أوطأة) أي بزيادة لفظ أبي بين يسر وأرطأة
[ 11 ]
قوله (كذلك قال الأوزاعي) قال العزيزي في شرح الجامع الصغير والجمهور على خلاف ما قال به الأوزاعي انتهى وقال التوربشتي ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن
يلحق بدار الحرب أو رأى أنه أذا قطعت يده الأمير متوجه إلى الغزو ولم يتمكن من الدفع ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش قال القاضي ولعله عليه الصلاة والسلام أراد به المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم انتهى قال الشوكاني ولا معارضة بين الحديثين يعني حديث بسر بن أرطأة وحديث عبادة بن الصامت المذكورين لأن حديث بسر أخص مطلقا من حديث عبادة فيبني العام على الخاص وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقا من الغزو المذكور في حديث بسر لأن المسافر قد يكون غازيا وقد لا يكون وأيضا حديث يسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد انتهى (باب ما جاء في الرجل يقع على جارية امرأته) قوله (وأيوب بن مسكين) بكسر ميم وكاف قال في تهذيب التهذيب أيوب ابن أبي مسكين ويقال مسكين التميمي أبو العلاء القصاب الواسطي روى عن قتادة وسعيد المقبري وأبي سفيان وغيرهم قال أحمد لا بأس به وقال مرة رجل صالح ثقة انتهى وقال في التقريب صدوق له أوهام من السابعة (عن حبيب ابن سالم) الأنصاري مولى النعمان بن بشير وكاتبه لا بأس به من الثالثة (رفع إلى النعمان بن بشير) الأنصاري الخزرجي له ولأبويه صحبه ثم سكن الشام ثم ولى إمرة الكوفة ثم قتل بحمص (لأقضين فيها) أي في هذه القضية وفي رواية أبي داود فيك مكان فيها والخطاب للرجل (لئن كانت أحلتها له) أي إن كانت امرأته جعلت جاريتها حلالا وأذنت له فيها (لأجلدنه مائة) وفي رواية أبي داود جلدتك مائة قال ابن العربي يعني أدبته تعزيرا
[ 12 ]
أو أبلغ به الحد تنكيلا لا إنه رأى حده بالجلد حدا له قال السندي بعد ذكر كلام ابن العربي هذا لأن المحصن حده الرجم لا الجلد ولعل سبب ذلك أن المرأة إذا أحلت جاريتها لزوجها فهو إعارة الفروج فلا يصح لكن العارية تصير شبهة ضعيفة فيعزر صاحبها انتهى قوله (وفي الباب عن سلمة بن المحبق نحوه) يضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة ومن أهل اللغة من يكسرها وأخرج حديثه أبو داود والنسائي أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها قال النسائي لا تصح هذه الأحاديث وقال البيهقي قبيصة ابن حربث يعني الذي روى هذا الحديث عن سلمة بن المحبق غير معروف وروينا عن أبي داود أنه قال سمعت أحمد بن حنبل يقول رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف لا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث وقال البخاري في التاريخ قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر وقال ابن المنذر لا يثبت خبر سلمة بن المحبق وقال الخطابي هذا حديث منكر وقبيصة بن حديث منكر وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع وقال بعضهم هذا كان قبل الحدود كذا في النيل قوله (حديث النعمان في إسناده اضطراب الخ) أخرجه الخمسة كذا في المنتقى وقال المنذري وقال النسائي أحاديث النعمان كلها مضطربة وقال الخطابي هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه انتهى (إنما رواه عن خالد بن عرفطة) بضم العين وسكون الراء المهملتين وضم الفاء وبعدها طاء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث قال في التقريب مقبول من السادسة قوله (وذهب أحمد وإسحاق إلى ما روى النعمان بن بشير الخ) قال الشوكاني وهذا هو
[ 13 ]
الراجح لأن الحديث وإن كان فيه المقال المقدم فأقل أحواله أن يكون شبهة يدرأ بها الحد انتهى (باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا) قوله (حدثنا معمر) بوزن محمد قال في التقريب معمر في التشديد ابن سليمان النخعي أبو عبد الله الكوفي ثقة فاضل أخطأ الأزدي في تليينه وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له من التاسعة قوله (استكرهت امرأة) بصيغة المجهول أي جامعها رجل بالإكراه (فدرأ) أي دفع (وأقامه) أي الحد (على الذى أصابها) أي جامعها (ولم يذكر) أي الراوي قال القاري في المرقاة وفي نسخة يعني من المشكاة بصيغة المجهول أي ولم يذكر في الحديث (أنه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (جعل لها
مهرا) أي على مجامعها قال المظهر وكذا ابن الملك لا يذل هذا على عدم وجوب المهر لأنه ثبت وجوبه لها إيجابه صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى قوله (هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل) لأن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه (وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه) أي من غير هذا الإسناد وقد رواه الترمذي فيما بعد فقال حدثنا محمد بن يحيى الخ (سمعت محمدا) هو الإمام البخاري (عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه) هذا صحيح (ولا أدركه يقال إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر) هذا ليس بصحيح بل الصواب أنه ولد في حياة أبيه روى أبو داود في سننه قال حدثنا عبيد الله بن
[ 14 ]
عمر بن ميسرة حدثنا عبد الوارث بن سعيد أخبرنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كبر رفع يديه الحديث فقول عبد الجبار كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي نص صريح في أن عبد الجبار قد ولد في حياة ابيه قال الحافظ في تهذيب التهذيب وهذا القول ضعيف جدا فإنه قد صح أنه قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول انتهى فإن قلت قال الحافظ في تهذيب التهذيب نص أبو بكر البزار على أن القائل كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار قلت : قول أبي بكر البزار هذا ضعيف جدا فإنه لو كان قائل كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي هو علقمة لم يقل فحدثني علقمة بن وائل قوله (تريد الصلاة) حال أو استئناف تعليل (فتلقاها رجل) أي قابلها (فتجللها) أي فغشيها بثوبه فصار كالجل عليها (فقضى حاجته منها) قال القاضي أي غشيها وجامعها كنى به عن الوطء كما كنى عنه بالغشيان (فانطلق) أي الرجل الذي جامعها (ومر بها رجل) أي آخر غير الذي
جللها (فقالت إن ذلك الرجل) أي المار الذي بما يجللها (فعل بي كذا وكذا) أي التجليل وقضاء الحاجة منها والحال أن ذلك الرجل المار ما كان فعل بها (ومرت عصابة) بكسر العين أي جماعة وفي رواية أبي داود ومرت عصابة (فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها) وكان ظنها غلطا (أنا صاحبها) أي أن الذي جللتها وقضيت حاجتي منها لا الذي أخذوه وأتوا به عندك (فقال لها
[ 15 ]
اذهبي فقد غفر الله لك) لكونها مكرهة (وقال للرجل) زاد في رواية أبي داود يعني الرجل المأخوذ (قولا حسنا) لأنه كان مأخوذا من غير ذنب (وقال للرجل الذي وقع عليها ارجموه) لأنه كان معترفا بما قالت المرأة وكان محصنا (وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل) أما كون علقمه أكبر من عبد الجبار فيدل عليه رواية أبي داود المذكورة وأما سماع علقمه من أبيه فيدل عليه روايات عديدة منها ما اخرجه مسلم في صحيحه من حديث القصاص من طريق سماك بن حرب عن علقمه بن وائل حدثه أن أباه حدثه الحديث ومنها ما اخرجه النسائي في باب رفع اليدين عند الرفع من الركوع أخبرنا سويد ابن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن قيس بن سليم العنبري حدثني علقمة بن وائل حدثني أبي فذكر الحديث وأخرجه البخاري في جزء رفع اليدين حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين أنبأنا قيس بن سليم العنبري قال سمعت علقمة بن وائل بن حجر حدثني أبي فذكر الحديث فقوله إن أباه حدثه في رواية مسلم وكذا قوله حدثني أبي في رواية النسائي والبخاري دليل صريح على سماع علقمة من أبيه فالحق أن علقمة سمع من أبيه وأنه أكبر من أخيه عبد الجبار فإن قيل قال الحافظ في التقريب علقمة بن وائل بن حجر صدوق إلا أنه لم يسمع من أبيه انتهى وقد قال في أوائل التقريب إني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه وأعدل ما وصف به انتهى فظهر أن أعدل الأقوال وأصحها أن علقمة لم يسمع من أبيه قلت : قول الحافظ في التقريب بأن علقمة لم يسمع من أبيه معارض بقوله في بلوغ المرام في
صفة الصلاة بعد ذكر حديث من طريق علقمة بن وائل عن أبيه رواه أبو داود بإسناد صحيح فقول الحافظ رواه أبو داود بإسناد صحيح يدل على أن علقمة سمع من أبيه والظاهر أن يقال إن الحافظ كان قائلا أولا بعدم سماع علقمة من أبيه ثم تحقق عنده سماعه منه فرجع من قوله الأول والله تعالى أعلم وإن لم يقل هذا فلا شك أن في قوله في التقريب بأن علقمة لم يسمع من أبيه يرده رواية أبي داود المذكورة والله تعالى أعلم
[ 16 ]
(باب ما جاء فيمن يقع على البهيمة) قوله (عن عمرو بن أبي عمرو) في التقريب عمرو بن أبي عمرو ميسرة مولى المطلب المدني أبو عثمان ثقة ربما وهم من الخامسة (فاقتلوه) قال القاري أي فاضربوه ضربا شديدا أو أراد به وعيدا أو تهديدا (واقتلوا البهيمة) قيل لئلا يتولد منها حيوان على صورة إنسان وقيل كراهة أن يلحق صاحبها الخزي في الدنيا بقائها وفي شرح المظهر قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأبو حنيفة وأحمد إنه يعزر وقال إسحاق يقتل إن عمل ذلك مع العلم بالنهي والبهيمة قيل إن كانت مأكولة تقتل وإلا فوجهان القتل لظاهر الحديث وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأهله (فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة) أي لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل (فقال ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا) أي من العلل والحكم (ولكن أرى) بضم الهمزة أي أظن (أو ينتفع) بها أي بلبنها وشعرها وتوليدها وغير ذلك (وقد عمل بها ذاك العمل) أي المكروه قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو الخ) أخرجه الخمسة ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا كذا في بلوغ المرام ويأتي باقي الكلام على هذا الحديث فيما بعد (وروى سفيان الثوري عن عاصم) هو ابن أبي النجود (عن أبي رزين) هو مسعود بن مالك الاسدي الكوفي ثقة فاضل من الثانية (من أتى بهيمة فلا حد عليه) هذا قول ابن عباس رضي الله عنه زاد أبو داود وكذا قال عطاء وقال الحكم أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد وقال الحسن هو
بمنزلة الزاني قال أبو داود حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو انتهى
[ 17 ]
قلت عطاء تابعي جليل مشهور والحكم هذا هو ابن عتيبة الكوفي أحد الأئمة الفقهاء والحسن هذا هو الحسن البصري قال الخطابي يريد (أي أبو داود بقوله حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو) أن ابن عباس لو كان عنده في هذا الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخالفه انتهى (وهذا) أي حديث عاصم الموقوف على ابن عباس (أصح من الحديث الأول) يعني حديث عمرو بن أبي عمرو المذكور أولا وحديث عاصم هذا أخرجه أيضا أبو داود والنسائي قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم) أي عملهم على حديث عاصم الموقوف يعني أنهم قالوا بأنه لا حد على من أتى البهيمة (وهو قول أحمد وإسحاق) قال الخطابي وأكثر الفقهاء على أنه يعزر وكذلك قال عطاء والنخعي وبه قال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي انتهى (باب ما جاء في حد اللوطي قوله (من وجدتموه) أي علمتموه (يعمل عمل قوم لوط) أي بعمل قوم لوط اللواطة (فاقتلوا الفاعل والمفعول به) قال في شرح السنة اختلفوا في حد اللوطي فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا أي إن كان محصنا يرجم وإن لم يكن محصنا يجلد مائة وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلا كان أو امرأة محصنا أو غير محصن لأن التمكين في الدبر لا يحصنها فلا يحصنها حد المحصنات وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصنا كان أو غير محصن وبه قال مالك وأحمد والقول الاخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث وقد قيل في كيفية قتلهما هدم بناء عليهما وقيل رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد انتهى
[ 18 ]
قوله (وفي الباب عن جابر وأبي هريرة) أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجة والحاكم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا وأسناده ضعيف وذكره الترمذي معلقا (فقال وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن عمر الخ) قال الحافظ وحديث أبي هريرة لا يصح وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه وعاصم متروك قوله (واختلف أهل العلم في حد اللوطي فرأى بعضهم أن عليه الرجم أحصن أو لم يحصن وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق) أخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطيا قال الشافعي وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصنا كان أو غير محصن وروى ابن ماجة من طريق عاصم بن عمر العمري عن أبي هريرة بلفظ فارجموا الأعلى والأسفل وقد عرفت أن عاصما هذا متروك وأما رجم علي رضي الله عنه لوطيا فهو فعله (وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين منهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم قالوا حد اللوطي حد الزاني وهو قول الثوري وأهل الكوفة) وهو قول الشافعي فيجلد عند هؤلاء الأئمة البكر ويغرب ويرجم المحصن واحتجوا بأن التلوط نوع من أنواع الزنا لأنه أيلاج فرج في فرج فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر ويؤيد ذلك
[ 19 ]
حديث أذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان أخرجه البيهقي من حديث أبي موسى وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم وقال البيهقي لا أعرفه والحديث منكر بهذا الإسناد انتهى ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه وعلى فرض عدم شمول الأدلة المذكورة لهما فهما لاحقان بالزاني بالقياس ويجاب عن ذلك بأن الأدلة الواردة بقال الفاعل والمفعول به مطلقا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها اللوطي ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول
وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له إلى أنه يعزر اللوطي فقط ولا يخفي ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي والأدلة الواردة في الزاني على العموم وأما الاستدلال لهذا بحديث لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة فمردود بأن ذلك أنما هو مع التباس والنزاع ليس هو في ذلك قوله (إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط) أخوف ليدل أفعل تفصيل بمعنى المفعول قال الطيبي أضاف أفعل إلى ما وهي نكرة موصوفة ليدل على أنه أذا استقصي الأشياء المخوف منها شيئا بعد شئ لم يوجد أخوف من فعل قوم لوط قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجة
[ 20 ]
(باب ما جاء في المرتد) أي في حكم الذي ارتد عن الإسلام قوله : (إن عليا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام) روى الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال صدق الله ورسوله وزعم أبو المظفر الإسفرايني في الملل والنحل أن الذين أحرقهم على طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة كذا قال الحافظ في الفتح ذكر بإسناده رواية تؤيد ما زعمه الإسفرايني في الملل والنحل (فبلغ ذلك ابن عباس) وكان ابن عباس حينئذ أميرا على البصرة من قبل علي رضي الله عنه (لو كنت أنا) أنا تأكيد للضمير المتصل والخبر محذوف أي لو كنت أنا بدله (من بدل دينه فاقتلوه) قال الحافظ قوله من عام يخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فأنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر مع الإكراه (لا تعذبوا بعذاب الله) أي بالقتل بالنار (فبلغ ذلك عليا فقال صدق ابن عباس) قال
الحافظ وفي رواية ابن علية فبلغ عليا فقال ويح أم ابن عباس كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه وهذا بناء على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد مطلقا فأنكر ويحتمل أن يكون قالها رضا بما قال وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية انتهى قلت لفظ الترمذي فبلغ ذلك عليا فقال صدق يدل على أن المراد بقوله ويح أم ابن عباس المدح والتعجب
[ 21 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري قوله : (وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الجمهور وهو الأصح الموافق لحديث الباب فإن لفظ (من) في قوله من بدل دينه عام شامل للرجل والمرأة (وقالت طائفة منهم تحبس ولا تقتل) أي المرأة المرتدة (وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل الكوفة) وهو قول الحنفية قال الحافظ في الفتح استدل بقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه على قتل المرتدة كالمرتد وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء واحتجوا أيضا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث وتعقب بأن ابن عباس راوي الخبر قد قال تقتل المرتدة وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن وأخرج مثله مرفوعا في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف وقد وقع في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها فأن عادت وإلا فاضرب عنقها وسنده حسن وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك
الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف ومن صور الزنا رجم المحصن فاستثنى ذلك من النهي عن قتل النساء فكذلك يستثنى قتل المرتدة انتهى . (باب ما جاء فيمن شهر السلاح) قال في القاموس شهر سيفه كمنع وشهره انتضاه فرفعه على الناس وقال في الصراح شهر
[ 22 ]
شمشير بركشيدن ازنيام والسلاح بالكسر آلة الحر ب وحديدتها ويؤنث والسيف والقوس بلا وتر والعصا قوله (من حمل علينا السلاح) وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم من سل علينا السيف ومعنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك تخويفهم وأدخال الرعب عليهم وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة قال ابن دقيق العيد يحتمل أن يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به ويحتمل أن يراد بحمل حمله لإرادة القتال لقرينه قوله علينا ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه قال الحافظ جاء الحديث بلفظ من شهر علينا السلاح أخرج البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف وفي سند كل منها لين لكنها يعضد بعضها بعضا وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ من رمانا بالنبل فليس مناوهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ الليل بدل النبل وعند البزار من حديث بريدة مثله (فليس منا) أي ليس على طريقتنا أو ليس متعبا لطريقتنا لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره من غشنا فليس منا وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب وهذا في حق من لا يستحل ذلك فأما من يستحله فإنه يكفر بأستحلال المحرم بشرطه لا بمجرد حمل السلاح والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر وكان سفيان بن عينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول معناه ليس على طريقتنا ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما
ذكرناه والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما انتهى قوله : (وفي الباب عن ابن عمر وابي هريرة وسلمة بن الأكوع) أما حديث ابن عمر وأبي هريرة فأخرجه الشيخان بلفظ حديث الباب وأما حديث ابن الزبير فلينظر من أخرجه وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه مسلم قوله : (حديث أبي موسى حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري
[ 23 ]
(باب ما جاء في حد الساحر) قوله : (حد الساحر ضربة بالسيف) قال في مجمع يروى بالتاء وبالهاء وعدل عن القتل إلى هذا كي لا يتجاوز منه إلى أمر آخر واستدل به من قال إن حد الساحر القتل لكن الحديث ضعيف قوله : (هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه) وأخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه) قال في القريب إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيها ضعيف الحديث من الخامسة (وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع هو ثقة ويروي عن الحسن أيضا) أي كما يروي عنه أسماعيل بن مسلم المكي قال في التقريب أسماعيل بن مسلم العبدي أبو محمد البصري القاضي ثقة من السادسة قوله (وهو قول مالك بن انس الخ) قال النووي في شرح مسلم عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع قال وقد يكون كفرا وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر وإلا فلا وأما تعلمه وتعليمه فحرام قال ولا يقتل عندنا يعني الساحر فإن تاب قبلت توبته وقال مالك الساحر كافر بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا
وعندنا ليس بكافر وعندما تقبل توبة المنافق والزنديق قال القاضي عياض وبقول مالك قال
[ 24 ]
أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين قال أصحابنا إذا قتل الساحر بسحره إنسانا أو اعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص وإن مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة وتكون الدية في ماله لا على عاقلته لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني قال أصحابنا ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة وإنما يتصور باعتراف الساحر والله تعالى أعلم انتهى كلام النووي (باب ما جاء في الغال ما يصنع به) قوله : من وجدتموه غل في سبيل الله أي سرق من مال الغنيمة والغلول هو الخيانة في المغنم (فاحرقوا متاعه) قد استدل بهذا الحديث من قال بحرق متاع الغال قوله : (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي قوله (وهو قول الاوزاعي و أحمد وإسحاق) وهو قول مكحول وعن الحسن ويحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف وقال الطحاوي لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال انتهى قوله : (وهو منكر الحديث) قال المنذري صالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من
[ 25 ]
الائمة وقد قيل إنه تفرد به وقال البخاري عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهو باطل ليس بشئ وقال الدارقطني أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد قال وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحفوظ أن سالما أمر بذلك وصحح أبو داود وقفه (وقال محمد وقد روى في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه) الحرق يفتح الحاء المهملة والراء وقد تسكن الراء كما النهاية مصدر حرق بفتح الحاء وكسر
الراء وهذا لفظ رواية الترمذي عن البخاري رحمه الله ولفظ البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد في باب القليل من الغلول ولم يذكر عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرق متاعه يعني في حديثه الذي ساقه في ذلك الباب وهو حديث عبد الله بن عمر قال كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها ثم قال البخاري وهذا أصح قال في الفتح أشار إلى تضعيف حديث عبد الله بن عمر في الامر بحرق رحل الغال انتهى (باب ما جاء فيمن يقول للاخر يا مخنث) بفتح النون المشددة ويكسر هو من يتشبه بالنساء سمي به لانكسار كلامه وقيل قياسه الكسر والمشهور فتحه والتشبه قد يكون طبيعيا وقد يكون تكليفا ومن الثاني حديث لعن المخنثين كذا في مجمع البحار قوله (إذا قال الرجل للرجل) أي المسلم (يا يهودي) قال القاري وفي معناه يا نصراني ويا كافر (فاضربوه عشرين) أي سوطا (وإذا قال يا مخنث فاضربوه عشرين) قال الطبي قوله يا يهودي فيه تورية وإيهام لأنه يحتمل أن يراد به الكفر والذلة لأن اليهود مثل في الصغار والحمل على الثاني أرجح للدرء في الحدود وعلى هذا المخنث انتهى (ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه) أي
[ 26 ]
من وقع بالجماع متعمدا وفيه دليل لمن قال أن من وقع على ذات محرم يقتل قال المظهر حكم أحمد بظاهر الحديث وقال غيره هذا زجر وإلا حكمه حكم سائر الزناة يرجم أن كان محصنا ويجلد إن كان غير محصن كذا في المرقاة قلت والظاهر ما قال الإمام أحمد ولا حاجة لحمل الحديث على الزجر قوله : (وإبراهيم بن إسماعيل يضعف في الحديث) قال في التقريب ابراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني ضعيف من السابعة قوله : (وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه رواه البراء بن عازب وقرة بن إياس المزني أن
رجلا الخ) تقدم حديث البراء وحديث قرة في باب من تزوج امرأة أبيه قوله : (قالوا من أتى ذات محرم) أي جامعها (وهو يعلم) جملة حالية أي والحال أنه يعلم بتحريمها (فعليه القتل) أي فعليه أن يقتل يعني يجب قتله وهو الظاهر وعليه تدل أحاديث الباب وأما الذين قالوا إن عليه حد الزنا فأحاديث الباب حجة عليهم والله تعالى أعلم (باب ما جاء في التعزير) قال في المغرب التعزير تأديب دون الحد وأصله من العزر بمعنى الرد والردع قال ابن الهمام وهو مشروع بالكتاب قال تعالى فاضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا غليهن سبيلا أمر بضرب الزوجات تأديبا وتهذيبا كذا في المرقاة القاري وقال فيه بعد ذكر أحاديث في ثبوت التعزير ما لفظه وأقوى هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام فاضربوهم على تركها بعشر
[ 27 ]
في الصبيان . فهذا دليل شرعية التعزير وأجمع عليه الصحابة انتهى كلامه وقال الحافظ التعزير مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع واستعمل في الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره ومنه (وآمنتم برسلي وعزرتموهم) وكدفعة عن إتيان القبيح منه عزره القاضي شأن أدبه لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول وبالفعل يحسب ما يليق به انتهى قوله : (لا يجلد) بضم أوله بصيغة النفي وروى بصيغة النهي مجزوما (فوق عشر جلدات) وفي رواية فوق عشرة أسواط وفي رواية فوق عشر ضربات (إلا في حد من حدود الله) المراد به ما ورد عن الشرع مقدرا بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما وقيل المراد بالحد هنا عقوبة المعصية مطلقا لا الأشياء المخصوصة فإن ذلك التخصيص إنما اصطلاح الفقهاء وعرف الشرع أطلاق الحد على كل عقوبة لمعصية من المعاصي كبيرة أو صغيرة ونسب ابن دقيق العيد هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له وإليها ذهب ابن القيم وقال المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة ويؤكد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف أن أخف الحدود ثمانون
ذكره الشوكاني ملخصا من كلام الحافظ قلت وقول عبد الرحمن بن عوف هذا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين قال وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر قوله : (وهذا حديث غريب الخ) أخرجه الجماعة إلا النسائي قوله : (وقد اختلف أهل العلم في التعزير الخ) قال الحافظ قد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث فأخذ بظاهره الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة تجوز الزيادة على العشر ثم اختلفوا فقال الشافعي لا يبلغ أدنى
[ 28 ]
الحدود وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد قولان وفي قول أو وجه يستنبط كل تعزير من جسم حده ولا يجاوزه وهو مقتضى قول الأوزاعي لا يبلغ به الحد ولم يفصل وقال الباقون هو إلى رأي الإمام بالغا ما بلغ وهو اختبار أبي ثور وعن عمر أنه كتب إلى أبي موسى لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين وعن عثمان ثلاثين وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء لا يعزر إلا من تكرر منه ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين وأجابوا عن الحديث بأجوبة ذكرها الحافظ مع الكلام عليها وقال الشوكاتي في النيل والحق العمل بما دل عليه الحديث الصحيح المذكور في الباب يعني حديث أبي بردة وليس لمن خالفه متمسك يصلح للمعارضة وقد نقل القرطبي عن الجمهور أنهم قالوا بما دل عليه حديث الباب وخالفه النووي فنقل عن الجمهور عدم القول به ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فلا ينبغي لمنصف التعويل على قول أحد عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا كل قول عند قول
محمد فما امن في دينه كمخاطر
[ 29 ]
(أبواب الصيد) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصيد في الاصل مصدر صاد بصيد صييدا وعومل معاملة الاسماء فأوقع على الحيوان المصاد ، والاصطياد بحل في غير الحرم لغير المحرم ، والصيد بحل إن كان مأكولا لقوله تعالى : (وإذا حللتم فاصطادوا) وقوله تعلى : (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) والامر للاستحباب . (باب ما جاء ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل) قوله (إنا نرسل كلابا لنا معلمة) المراد بالمعلمة التي إذا أغراها صاحبها على الصيد طلبته وإذا زجرها انزجرت وإذا أخذ الصيد حبسته على صاحبها وهذا الثالث مختلف في اشتراطه واختلف متى يعلم ذلك منها فقال البغوي في التهذيب أقله ثلاث مرات وعن أبي حنيفة وأحمد يكفي مرتين وقال الرافعي لم يقدره المعظم لاضطراب العرف واختلاف طباع الجوارح فصار المرجع إلى العرف كذا في الفتح (كل ما أمسكن عليك) وفي رواية للبخاري إذا أرسلت كلبك وسميت فكل قلت فإن أكل قال فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه وفي رواية أخرى له إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن
[ 30 ]
إلا أن يأكل الكلب فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه قال الحافظ وفيه تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب منه ولو كان الكلب معلما وقد علل في الحديث بالخوف من أمه إنما أمسك على نفسه وهذا قول الجمهور وهو الراجح من قولي الشافعي وقال في القديم وهو قول مالك ونقل عن بعض الصحابة يحل واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها قال
كل مما أمسكن عليك قال وإن أكل منه قال وإن أكل منه أخرجه أبو داود ولا بأس بسنده وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقا منها للقائلين بالتحريم حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه ومنها الترجيح فرواية عدي في الصحيحين متفق على صحتها ورواية أبي ثعلبه المذكورة في غير الصحيحين مختلف في تضعيفها وأيضا فرواية عدى صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الامساك على نفسه متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا الى الأصل وظاهر القران أيضا وهو قوله تعالى (فكلوا مما أمسكن عليكم) فإن مقتضاها أن الذي يمسكه من غير إرسال لا يباح ويتقوى أيضا بالشاهد من حديث ابن عباس عند أحمد إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسك على صاحبه وأخرجه البزار من وجه اخر عن ابن عباس وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع نحوه بمعناه ومنها للقائلين بالإباحة حمل حديث عدى على كراهة التنزيه وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز انتهى (وإن قتلن ما لم يشركها كلب من غيرها) وفي رواية للبخاري قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا اخر قال لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الاخر وفيه أنه لا يحل أ كل ما شاركه فيه كلب اخر في اصطياده قال الحافظ محله إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الزكاة فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الزكاة حل ثم ينظر فإن أرسلاهما معا فهو لهما وإلا فللأول ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فإنه يفهم منه أن المرسل لو سمي على الكلب لحل (إنا نرمي بالمعراض) بكسر الميم وسكون العين المهملة واخره معجمة قال الخليل وتبعه جماعة سهم لا ريش له ولا نصل وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده سهم طويل له أربع قذذ رقاق فإذا رمى به اعترض وقال الخطابي المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة وقيل عود رقيق الطرفين غليظ الوسط وهو المسمى بالخذافة وقيل خشبة ثقيلة اخرها عصا
[ 31 ]
محدد رأسها وقد لا يحدد وقوى هذا الأخير النووي تبعا لعياض وقال القرطبي إنه المشهور
وقال ابن التين المعراض عصا في طرفها حديد يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل وما أصاب بغير حده فهو وقيذ كذا في الفتح (ما خزق) بفتح الخاء المعجمة والزاى بعدها قاف أي نفذ يقال سهم خازق أي نافذ (وما أصاب بعرضه) بفتح العين أي بغير طرفه المحدد وهو حجة للجمهور في التفصيل المذكور وعن الأوزاعي من فقهاء الشام حل ذلك قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) أصله في الصحيحين قوله : (ما ردت عليك قوسك) أي ما صدت بسهمك (فان لم تجدوا غيرها فاغسلوا بالماء ثم كلوا فيها واشربوا) قال البرماوي ظاهره أنه لا يستعمل آنيتهم بعد الغسل إذا وجد غيرها وقد قال الفقهاء يجوز استعمال انيتهم بعد الغسل بلا كراهية سواء وجد غيرها أو لا فتحمل الكراهة في الحديث على أن المراد الانية التى كانوا يطبخون فيها لحوم الخنزير ويشربون فيها الخمر وإنما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة النجاسة ومراد الفقهاء الأواني التي ليست مستعملة في النجاسات غالبا وذكره أبو داود في سنته صريحا قال النووي ذكر هذا الحديث البخاري ومسلم مطلقا وذكره أبو داود مقيدا قال إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها الحديث ثم ذكر مثل ما تقدم في كلام البرماوي وقال فالنهي بعد الغسل للاستقذار كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة كذا في المرقاة
[ 32 ]
قوله : (وفي الباب عن عدي بن حاتم) أراد الترمذي به غير حديث المذكور وله في الباب أحاديث عديدة قوله : (وهذا حديث حسن) أصله في الصحيحين (وعائذ الله أبو إدريس الخولانى) ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وسمع من كبار الصحابة مات سنة ثمانين (باب ما جاء في صيد كلب المجوسي) (عن سلمان اليشكري) بفتح التحتانية بعدها معجمة ساكنة وبكاف مضمومة هو ابن قيس
البصري ثقة من الثالثة (نهينا) بصيغة المجهول (عن صيد كلب المجوس) فيه دليل على أن من لا تحل ذبيحته من الكفرة لا يحل صيد جارحة أرسلها هو في شرح السنة يحل ما اصطاد المسلم بكلب المجوس ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب المسلم إلا أن يدركه المسلم حيا فيذبحه وإن اشترك مسلم ومجوسي في إرسال كلب أو سهم على صيد فأصابه وقتله فهو حرام انتهى وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب الى مجوس هجر يعرض عليهم الاسلام فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضرب عليهم الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم قال القاري وقد قال علماؤنا شرط كون الذابح مسلما لقوله تعالى (إلا ما ذكيتم) وكتابيا ولو كان الكتابي حربيا لقوله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) والمراد به مذكاتهم لأن مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر كان ويشترط أن لا يذكر الكتابي غير الله عند الذبح حتى لو ذبح بذكر المسيح أو عزير لا تحل ذبيحته لقول تعالى (وما أهل لغير الله به) لا من لا كتاب له مجوسيا لما سبق أو وثنيا لأنه مثل المجوسي في عدم التوحيد انتهى قوله : (هذا الحديث غريب الخ) في إسناده شريك وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي
[ 33 ]
وحجاج وهو ابن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس (والقاسم بن أبي بزة هو القاسم بن نافع المكي) قال في تهذيب التهذيب القاسم بن أبي بزة واسمه نافع ويقال يسار ويقال نافع بن يسار المكي أبو عبد الله ويقال أبو عاصم القارى المخزومي مولاهم روى عن سليمان بن قيس وغيره وعنه حجاج بن أرطأة وغيره قال ابن معين والعجلي والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ولم يسمع التفسير من مجاهد أحد غير القاسم وكل من يروي عن مجاهد التفسير فإنما أخذه من كتاب القاسم انتهى (باب في صيد البزاة)
بضم الموحدة جمع البازي قال في القاموس البازي ضرب من الصقور وقال فيه الصقر كل شئ يصيد من البزاة والشواهين قال الدميري في حياة الحيوان البازي أفصح لغاته مخففة الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاهما ابن سيده وهو مذكر لا اختلاف فيه ويقال في التثنية بازيان وفي الجمع بزاة كفاضيان وقضاة ويقال للبزاه والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور وهو أشد الحيوان تكبرا وأضيقها خلقا انتهى قوله : (ما أمسك عليك فكل) وفي رواية أبي داود ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما امسك عليك قلت وإن قتل قال إذا قتل ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك قوله : (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشعبي) قال المنذري واخرجه الترمذي مختصرا وقال بعد ذكر كلام الترمذي هذا ومجالد هذا هو ابن سعيد وفيه مقال انتهى قال في التقريب مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني بسكون الميم أبو
[ 34 ]
عمرو الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في اخر عمره من صغار السادسة انتهى قلت أخرج هذا الحديث أيضا البيهقي وقال تفرد مجالد يذكر الباز فيه وخالف الحفاظ انتهى قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بصيد البزاز والصقور بأسا) قال الحافظ وفي معنى الباز الصقر والعقاب والباشق والشاهين (وقال مجاهد البزاة والطير الذي يصاد به) من الجوارح التي قال الله تعالى (وما علمتم من الجوارح) فسر الكلاب والطير الذي يصاد به) قال الحافظ وقد فسر مجاهد الجوارح في الاية بالكلاب والطيور وهو قول الجمهور إلا ما روى عن عمر وابن عباس من الفرقة بين صيد الكلب والطير وقد رخص بعض أهل العلم صيد البازي وإن أكل منه وقالوا إنما تعليمه إجابته قال أبو داود في سنته بعد رواية حديث الباب الباز إذا أكل فلا بأس به والكلب إذا أكل كره وإن شرب الدم فلا بأس انتهى (والفقهاء أكثرهم قالوا يأكل وإن أكل منه) الظاهر أن قولهم هذا مبني على تعليم البازي إنما هو
إجابته والله تعالى أعلم (باب ما جاء في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه) قوله : (فأجد فيه من الغد سهمي) أي في بعض زمن الاستقبال فمن للتبعيض كقوله تعالى (منهم من كلم الله) أو بمعنى في كقوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) وهو الاظهر وقال الطيبي من فيه زائدة كما في قوله تعالى (لله الأمر من قبل ومن بعد) كذا في المرقاة (إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل) قال ابن الملك وإن رأيت فيه أثر سبع فلا تأكل لأنه لا يعلم سبب قتله يقينا
[ 35 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي قوله : (وفي الباب عن أبي ثعلبة الخشني) أخرجه أبو داود وفيه قال يا رسول الله أفتني في قوسي قال كل ما ردت عليك قوسك قال ذكيا وغير ذكى قال وإن تغيب عني قال وإن تغيب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثرا غير سهمك وقوله ما لم يصل بتشديد اللام أي ما لم ينتن ويتغير ريحه يقال صل اللحم وأصل لغتان (باب ما جاء فيمن يرمي الصيد فيجده ميتا في الماء) قوله (إلا أن تجده قد وقع في ماء فلا تأكل) وجهه أنه يحصل حينئذ التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم حل أكله قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم الخ) ليس في هذا الحديث ذكر وجدان الصيد ميتا في الماء فلا مناسبة بينه وبين الباب إلا أن يقال أن في هذا الحديث ذكر مسألة ما إذا خالطت الكلاب المعلمة كلابا أخرى ويستنبط من ذلك مسألة ما إذا وجد الصيد ميتا في الماء فتفكر
[ 36 ]
قوله (قال سفيان كره له أكله) يعني المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم أنما ذكرت اسم الله على كلبك الخ أنه كره أكل صيد الكلب المعلم إذا خالطه كلب آخر (وقال بعضهم في الذبيحة إذا قطع الحلقوم فوقع قي الماء فمات فيه فإنه يؤكل) قال النووي في شرح مسلم إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالإتفاق انتهى وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح فإن انتهى إليها لقطع الحلقوم مثلا فقد تمت ذكاته كذا في النيل (وقد اختلف أهل العلم في الكلب إذا أكل من الصيد فقال أكثر أهل العلم إذا أكل الكلب منه فلا يأكل الخ) وهو القول الراجح كما عرفت فيما تقدم (باب ما جاء في صيد المعراض) بكسر الميم وسكون العين المهملة تقدم تفسيره في باب ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل
[ 37 ]
قوله (ما أصبت بحده) أي بطرفه المحدد وفي رواية كل ما خرق وما أصبت بعرضه بفتح العين وسكون الراء أي بغير طرفه المحدد فهو وقيذ زاد في رواية للبخاري فلا تأكل ووقيذ بالذال المعجمة بوزن عظيم فعيل بمعنى مفعول وهو ما قتل بعصا أو بحجر أو ما لا حد له وحاصل الحديث أن السهم وما في معناه إذا أصاب الصيد بحده حل وكانت تلك زكاته وإذا أصاب بعرضه لم يحل لأنه في معنى الخشبة الثقيلة والحجر ونحو ذلك من المثقل قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (والعمل عند أهل العلم) أي على التفصيل المذكور في الحديث (باب ما جاء في الذبح بالمروة) بفتح الميم وسكون الراء المهملة هي الحجارة البيضاء وبه سميت مروة مكة وفي المغرب المروة حجر أبيض دقيق وقال في القاموس المروة حجارة بيض براقة توري النار أو
أصلب الحجارة وقال في المجمع هي حجر أبيض ويجعل منه كالسكين قوله (صاد أرنبا) بوزن جعفر يقال بالفارسية خركوش (أو اثنتين) شك من الراوي (فتعلقهما) أي علقهما قال في القاموس علقه تعليقا جعله معلقا كتعلقة (فأمره بأكلهما) فيه دليل على أنه يجوز الذبح بالمروة وعلى أن الأرنب حلال قوله (وفي الباب عن محمد بن صفوان ورافع وعدى بن حاتم) وأما حديث محمد بن
[ 38 ]
صفوان فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأما حديث رافع وهو ابن خديج فأخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأما حديث عدى بن حاتم فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة قوله : (وهو قول أكثر أهل العلم) وهو الحق يدل عليه حديث الباب وحديث أنس قال أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم فغلبوا فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحه فذبحها فبعث بوركيها أو قال بفخذيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها قال الحاقظ في الفتح في الحديث جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء واحتج بحديث خزيمة بن جزء قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب قال لا اكله ولا أحرمه قلت فإني اكل ما لا تحرمه ولم يا رسول الله قال نبئت أنها تدمي وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة وله شاهد عن عبد الله بن عمر بلفظ جئ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها زعم أنها تحيض أخرجه أبو داود وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في مسنده وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة انتهى (وقد كره بعضهم أكل الأرنب) وقد عرفت أسمائهم وما احتجوا به قوله (وروى عاصم الأحول عن الشعبي عن صفوان) بن محمد أو محمد بن صفوان أي رواه بالشك ورواية عاصم هذه أخرجها أبو داود (ومحمد بن صفوان أصح) وقال الطبراني
محمد بن صفوان هو الصواب وقال ابن عبد البر صفوان بن محمد أكثر كذا في تهذيب التهذيب (ويحتمل أن يكون الشعبى روى عنهما جميعا) أي عن محمد بن صفوان وجابر بن عبد الله كليهما
[ 39 ]
(باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة) أي التي تحبس وترمى بالنبل حتى تموت قوله : (عن أكل المجثمة) بتشديد المثلثة المفتوحة وضبطه الشمني بكسرها قال في النهاية هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنه يكثر في الطير والأرنب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها (وهي التي تصبر) أي تحبس ويرمي إاليها (بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة أي بالسهم حتى تموت وهذا تفسير من أحد الرواة والنهي لأن هذا القتل ليس بذبح قوله (وفي الباب عن عرباض بن سارية وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر وابي هريرة) أما حديث العرباض فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ولفظه نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث جابر وأبي هريرة فلينظر من أخرجه قوله : (عن كل ذي ناب) أي عن أكله (من السباع) أي سباع البهائم كالأسد والنمر والفهد والدب والقردة والخنزير (وعن كل ذي مخلب) بكسر الميم وفتح اللام (من الطير) أي عن أكل سباعه في شرح السنة اراد بكل ذي ناب ما يعدو بنابه على الناس واموالهم كالذئب والأسد والكلب ونحوها وأراد بذي مخلب ما يقطع ويشق بمخلبه كالنسر والصقر والبازي وغيرها (وعن
[ 40 ]
لحوم الحمر) بضمتين جمع حمار (الأهلية) أي الانسية ضد الوحشية (وعن المجثمة) سبق ذكرها وسيأتى أيضا (وعن الخليسة) أي المأخوذة من السباع فتموت قبل أن تذكى وسميت بذلك لكونها مخلوسة من السبع أي مسلوبة من خلس الشئ إذا سلبه (وأن توطأ) أي عن أن تجامع
(الحبالى) بفتح الحاء جمع الحبلى (وحتى يضعن ما في بطونهن) يعني إذا حصلت لشخص جارية حبلى لا يجوز وطؤها حتى تضع حملها قال القاري وكذا إذا تزوج حبلى من الزنا ذكره بعض علمائها يعني الحنيفة وقال المظهر إذا حصلت جارية لرجل من السبي لا يجوز له أن يجامعها حتى تضع حملها إذا كانت حاملا وحتى تحيض وينقطع دمها إن لم تكن حاملا (قال محمد بن يحيى) شيخ الترمذي وهو القطعي بضم القاف وفتح الطاء المهملة وهي جملة معترضة وضمير هو راجع إلى محمد بن يحيى وقائلها هو الترمذي (باب ما جاء في ذكاة الجنين) أي في ذبحه والجنين هو الولد ما دام في بطن أمه قال في النهاية التذكية الذبح والنحر يقال ذكيت الشاة تذكية والاسم الذكاة والمذبوح ذكي قوله (عن أبي الوداك) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة ويأتي ترجمته في اخر الباب
[ 41 ]
قوله (ذكاة الجنين ذكاة أمه) مرفوعان بالابتداء والخبر والمراد الاخبار عن ذكاة الجنين بأنها ذكاة أمه فيحل بها كما تحل الأم بها ولا يحتاج إلى تذكية قوله : (وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة) وفي الباب أحاديث أخرى وستعرف تخريجها قوله : (وهذا حديث حسن) وأخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وصححه وضعفه عبد الحق وقال لا يحتج بأسانيده كلها وذلك لأن في بعضها مجالدا ولكن أقل أحوال الحديث أن يكون حسنا لغيره لكثرة طرقه ومجالد ليس إلا في الطريق التي أخرجها الترمذي وأبو داود منها وقد أخرجه أحمد من طريق ليس فيها ضعيف والحاكم أخرجه من طريق فيها عطية عن أبي سعيد وعطية فيه لين وقد صححه مع ابن حبان ابن دقيق العيد كذا في النيل قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قال الحافظ في التلخيص قال ابن المنذر إنه لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل الا
بأستئناف الذكاة الا ما روي عن أبي حنيفة انتهى (وهو قول سفيان) هو الثوري (وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) وإليه ذهب صاحبا أبي حنيفة وإليه ذهب أيضا ما لك واشترط أن يكون قد أشعر وقال أبو حنيفة بتحريم الجنين إذا خرج ميتا وإنها لا تغني تذكية الأم عن تذكية قال الامام محمد في الموطأ أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن عبد الله ابن عمر كان يقول إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره فإذا خرج من بطنها ذبح حتى يخرج الدم من جوفه وروى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ذكاة ما كان في بطن الذبيحة ذكاة أمه إذا كان قد نبت شعره وتم خلقه ثم قال محمد وبهذا نأخذ إذا تم خلقه فذكاته في ذكاة أمه فلا بأس بأكله فأما أبو حنيفة فكان يكره أكله حتى يخرج حيا فيذكى وكان يروى عن حماد عن إبراهيم أنه قال لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين انتهى قلت استدلال الامام أبي حنيفة بقولي إبراهيم النخعي هذا على كراهة أكل الجنين ليس بصحيح قال صاحب التعليق الممجد هذا استبعاد بمجرد الرأي فلا عبرة به بمقابلة النصوص
[ 42 ]
ولعلها لم تبلغه أو حملها على غير معناها وقال قوله إذا تم يعني إذا خرج من بطن الذبيحة جنين ميت فإن كان تام الخلق نابت الشعر يؤكل وإن لم يكن تام الخلق فهو مضغة لا تؤكل وبه قال مالك والليث وأبو ثور وقال أحمد والشافعي بحله مطلقا وقال أبو حنيفة لا يؤكل مطلقا وبه قال زفر والحسن بن زياد فإن خرج حيا ذبح اتفاقا ودليل من قال بالحل مطلقا أو مقيدا بتمام الخلقة حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحد عشر نفسا من الصحابة الأول أبو سعيد الخدري أخرج حديثه اللفظ المذكور أبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه وابن حبان وأحمد الثاني جابر أخرج حديثه أبو داود وابو يعلى . الثالث أبو هريرة وأخرج حديثه الحاكم وقال صحيح الاسناد ، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري متفق والدارقطني وفي سنده عمرو ابن قيس ضعيف الرابع ابن عمر أخرج حديثه راجع الأصل وسنده ضعيف الخامس أبو أيوب أخرج حديثه الحاكم السادس ابن مسعود أخرج حديثه الدارقطني ورجاله رجال
الصحيح السابع ابن عباس أخرجه الدارقطني الثامن كعب بن مالك حديثه عند الطبراني التاسع والعاشر أبو أمامة وأبو الدرداء حديثهما عند البزار والطبراني الحادي عشر علي حديثه عند الدارقطني قال وأجاب في المبسوط بأن حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه لا يصح وفيه نظر فإن الحديث صحيح وضعف بعض طرقه غير مضر وذكر في الأسرار أن هذا الحديث لعله لم يبلغ أبا حنيفة فإنه لا تأويل له ولو بلغه لما خالفه وهذا حسن وذكر صاحب العناية وغيرها أنه روى ذكاة الجنين ذكاة أمه بالنصب فهو على التشبيه أي كذكاة أمه كما يقال لسان الوزير لسان الامير وفيه نظر فإن المحفوظ عن أئمة الشأن الرفع صرح به المنذري ويوضحه ما ورد في بعض طرق أبي سعيد الخدري قال السائل يا رسول الله إنا ننحر الابل والناقة ونذبح البقر فنجد في بطنها الجنين أفنلقيه أم نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وبالجملة فقول من قال بموافقة الحديث أقوى هذا ملخص ما ذكره العيني في البناية انتهى ما في التعليق الممجد قلت : قد بسط الحافظ في التلخيص الكلام على أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمن شاء الوقوف عليه فليرجع إليه فإن قلت حديث الباب ليس بنص في أن ذكاة الجنين في ذكاة أمه وأن ذكاة الأم تغني عن ذكاته ففي النهاية للجزري يروي هذا الحديث بالرفع والنصب فمن رفعه جعله خبرا للمبتدأ الذي هو ذكاة الجنين فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف ومن نصب كان التقدير ذكاة الجنين كذكاة أمه فلما حذف الجار نصب أو على تقدير يذكي تذكية مثل ذكاة أمه
[ 43 ]
فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيا ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين أي ذكاة الجنين ذكاة أمه انتهى قلت : نعم يروى هذا الحديث بالرفع والنصب لكن المحفوظ عند أئمة الحديث هو الرفع قال الحافظ المنذري في تلخيص السنن والمحفوظ عن أئمة هذا الشأن في تفسير هذا الحديث
الرفع فيها وقال بعضهم في قوله فإن ذكاته ذكاة أمه ما يبطل هذا التأويل ويدحضه فإنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة انتهى قلت : روى أبو داود حديث الباب بلفظ قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه قال الخطابي في هذا الحديث بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه وإن لم تجدد للجنين ذكاة وتأوله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى أن الجنين يذكى كما تذكى أمه فكأنه قال ذكاة الجنين كذكاة أمه وهذه القصة (يعني المذكورة في رواية أبي داود هذه) تبطل هذا التأويل وتدحضه لأن قوله فإن ذكاته ذكاة أمه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية فثبت أنه على معنى النيابة عنها انتهى كلام الخطابي قلت : الأمر كما قال الخطابي وقال الشوكاني في النيل اعتذروا عن الحديث بما لا يغني شيئا فقالوا المراد ذكاة الجنين كذكاة أمه ورد بأنه لو كان المعنى على ذلك لكان منصوبا بنزع الخافض والرواية بالرفع ويؤيده أنه روى بلفظ ذكاة الجنين في ذكاة أمه وروى ذكاة الجنين بذكاة أمه انتهى واستدل للإمام أبي حنيفة بعموم قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة) وأجيب بأن الجنين إذا خرج ميتا فهو مذكى بذكاة أمه لأحاديث الباب فهو ليس بميتة داخلة تحت هذه الاية أعلم أن من اشترط أن يكون الجنين قد أشعر أحتج بما في بعض روايات الحديث عن ابن عمر بلفظ إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وقد تفرد به أحمد ابن عصام والصحيح أنه موقوف وأيضا قد روى عن ابن أبي ليلى مرفوعا ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر وفيه ضعف وأيضا قد روى من طريق ابن عمر نفسه مرفوعا أو موقوفا كما رواه البيهقي أنه قال أشعر أو لم يشعر كذا في النيل وقال صاحب التعليق الممجد ولتعارضها لم يأخذ بهما الشافعية فقالوا ذكاة الجنين ذكاة أمه مطلقا ومالك ألغى الثاني لضعفه وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف فقيد به حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه انتهى
[ 44 ]
قوله (وأبو الوداك اسمه جبر) يفتح الجيم وسكون الموحدة وبالراء (بن نوف) بفتح النون وسكون الواو وبالفاء الهمداني البكالي كوفي صدوق يهم من الرابعة (باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب) الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب قال ابن سينا لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معا وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ما له ناب يتقوى به ويصطاد قال في النهاية هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها انتهى والمخلب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام قال أهل اللغة المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان قوله : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع) جمع السبع قال في القاموس السبع بضم الباء الموحدة وفتحها المفترس من الحيوان وفي الحديث دليل على تحريم كل ذي ناب من السباع وهو قول الجمهور وهو الحق قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري وأبا داود قوله : (الحمر الانسية) تقدم الكلام عليه (ولحوم البغال) فيه دليل على تحريم البغال وبه قال الأكثر وهو الحق وخالف في ذلك الحسن البصري كما نقله الشوكاني عن البحر
[ 45 ]
قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة وعرباض بن سارية وابن عباس) أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث عرباض فأخرجه الترمذي في باب كراهية أكل المصبورة وأما حديث ابن عباس فأخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي ولفظه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل مخلب من الطير قوله : (حديث جابر حديث حسن غريب) قال في النيل حديث جابر أصله في الصحيحين وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به كما قاله الحافظ في الفتح انتهى
قوله : (هذا حديث حسن) قال في التلخيص حديث أبي هريرة كل ذي ناب من السباع فأكله حرام أخرجه مسلم بهذا قال ابن عبد البر مجمع على صحته انتهى قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم الخ) وهو الحق وأما من قال بأباحة كل ذي ناب وكل ذي مخلب واحتج بقوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي) الاية ففيه أن هذه الاية مكية وأحاديث التحريم بعد الهجرة (وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة وأما مالك فقال ابن العربي المشهور عنه الكراهة قال ابن رسلان مشهور مذهبه على إباحة ذلك وكذا قال القرطبي (باب ما جاء ما قطع من الحي فهو ميت) قوله (وهم يجبون) بضم الجيم وتشديد الموحدة أي يقطعون (أسنمة الابل) بكسر النون
[ 46 ]
جمع سنام (ويقطعون أليات الغنم) بفتح الهمزة وسكون اللام جمع ألية بفتح الهمزة طرف الشاة (ما يقطع) ما موصول (من البهيمة) من بيانية (وهي حية) جملة حالية (فهو) أي ما يقطع والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط (ميتة) أي حرام كالميتة لا يجوز أكله قال ابن الملك أي كل عضو قطع فذلك العضو حرام لأنه ميت بزوال الحياة عنه وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة فنهوا عنه قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود قال المنذري في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله دينار المديني قال يحيى بن معين في حديثه ضعف وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به وذكر أبو أحمد هذا الحديث وقال لا أعلم يرويه عن زيد بن أسلم غير عبد الرحمن بن عبد الله هذا آخر كلامه وقد أخرجه ابن ماجة في سنته من حديث زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر إسناده يعقوب بن حميد بن كاسب وفيه مقال (باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة) بفتح اللام وتشديد الموحدة قال في النهاية هي الهزمة التي فوق الصدر وفيها تنحر الابل
انتهى قيل وهي آخر الحلق وقال في الصراح لبة سر سينة قوله : (عن أبي العشراء) بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالمد اسمه أسامة بن مالك الدارمي تابعي روي عن أبيه وعنه حماد بن سلمة يعد في البصريين وفي اسمه اختلاف كثير وهذا أشهر ما قيل فيه قاله صاحب المشكاة قال الحافظ وهو أعرابي مجهول من الرابعة (عن أبيه) قد ذكر الترمذي الاختلاف في اسمه في اخر الباب
[ 47 ]
قوله (أما تكون) الهمزة للاستفهام وما نافية والمراد التقرير أي أما تحصل (الذكاة) بالذال المعجمة أي الذبح الشرعي (في الحلق واللبة) هي المنحر من البهائم لو طعنت في فخذها بفتح فكسر ويجوز الكسر فالسكون أي في فخذ المذكاة المفهومة من الذكاة (لأجزأ عنك) أي لكفي فخذها عن ذبحك إياها (قال أحمد بن منيع قال يزيد بن هارون هذا في الضرورة) أي هذا الحديث أو قوله لو طعنت في حال الضرورة قال أهل العلم بالحديث هذا عند الضرورة كالتردي في البئر وأشباهه وقال أبو داود بعد إخراجه هذا لا يصح إلا في المتردية والنافرة والمتوحشة قوله : (وفي الباب عن رافع بن خديج) أخرجه الترمذي في آخر أبواب الصيد قوله : (هذا حديث غريب) قال الخطابي وضعفوا هذا الحديث لأن رواته مجهولون وأبو العشراء لا يدري من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة قال في التلخيص وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه يعني أبا العشراء على الصحيح وهو لا يعرف حاله وقال في تهذيب التهذيب قال الميموني سألت أحمد عن حديث أبي العشراء في الذكاة قال هو عندي غلط ولا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة وقال البخاري في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر وذكره ابن حبان في الثقات (ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث) روى أبو داود في غير السنن عن أبي العشراء عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة فحسنها قال أبو داود في موضع اخر سمعه من أحمد بن حنبل رحمه الله فاستحسنه جدا كذا في تهذيب التهذيب
(فقال بعضهم اسمه أسامة بن قهطم) في القاموس : القهطم كزبرج اللئيم ذو الصخب وعلم (ويقال يسار بن برز) بفتح الموحدة وسكون اللام وبالزاي
[ 48 ]
(باب ما جاء في قتل الوزغ) قال في مجمع البحار الوزغ بفتح واو وزاي وبمعجمة دابة لها قوائم تعدو في اصول الحشيش وقيل إنها تأخذ ضرع الناقة فتشرب لبنها انتهى قلت يقال لها في لساننا الهندية كركب وقال في الصراح وزغ جانوري جون كربشه انتهى وقال في القراح كربشه بروزن اقمشه كربسه كه بمعنى جلباسه هندي جهيكلى انتهى قوله : (من قتل وزغة بالضربة الأولى كان له كذا وكذا حسنة الخ) وفي رواية عند مسلم من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائه حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك قال النووي سبب تكثير الثواب في قتله أول ضربة الحث على المبادرة بقتله والاعتناء به والحرص عليه فإنه لو فاته ربما انفلت وفات قتله والمقصود انتهاز الفرصة بالظفر على قتله انتهى قوله (وفي الباب عن ابن مسعود وسعد وعائشة وأم شريك) أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وابن حبان عنه مرفوعا من قتل حية فله سبع حسنات ومن قتل وزغة فله حسنة وأما حديث سعد فأخرجه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا وأما حديث عائشة فأخرجه الطبراني عنها مرفوعا من قتل وزغا كفر الله عنه سبع خطيئات وأما حديث أم شريك فأخرجه عنها الشيخان بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على إبراهيم قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم
[ 49 ]
(باب ما جاء في قتل الحيات)
جمع حية قوله (اقتلوا الحيات) أي كلها عموما (واقتلوا) أي خصوصا (ذا الطفيتين) بضم الطاء المهملة وسكون الفاء أي صاحبهما وهي حية خبيثة على ظهرها خطان أسودان كالطفيتين الطفيه بالضم على ما في القاموس خوصة المقل والخوص بالضم ورق النخل الواحدة بهاء والمقل بالضم صمغ شجرة وفي النهاية الطفية خوصة المقل شبه به الخطان اللذان على ظهر الحية في قوله ذا الطفيتين (والأبتر) بالنصب عطفا على ذا قيل هو الذي يشبه المقطوع الذنب لقصر ذنبه وهو من أخبث ما يكون من الحيات (فإنهما يلتمسان البصر) أي يطلبانه وفي رواية الشيخين يطمسان البصر بفتح الياء وكسر الميم أي ويعميان البصر بمجرد النظر إليهما لخاصية السمية في بصرهما (ويسقطان) من الاسقاط (الحبل) بفتحتين أي الجنين عند النظر إليهما بالخاصة السمية قال القاضي وغيره جعل ما يفعلان بالخاصة كالذي يفعل بقصد وطلب وفي خواص الحيوان عجائب لا تنكر وقد ذكر في خواص الأفعى أن الحبل يسقط عند موافقة النظرين وفي خواص بعض الحيات أن رؤيتها تعمي ومن الحيات نوع يسمى الناظور متى وقع نظره على إنسان مات من ساعته ونوع آخر إذا سمع الانسان صوته مات قوله : (وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وسهل بن سعد) أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة وله حديث آخر عند أبي داود والنسائي والطبراني وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه مرفوعا بلفظ ما سالمناهن منذ حاربناهن يعني الحيات ومن ترك قتل شئ منهن فليس منا وله أحاديث أخرى في هذا الباب ذكرها المنذري في الترغيب وأما حديث سهل فلينظر من أخرجه
[ 50 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (وقد روى عن ابن عمر عن أبي لبابة) بضم اللام صحابي مشهور (نهى بعد ذلك عن قتل جنان البيوت) بكسر الجيم جمع جان الحية الدقيقة وفي رواية الشيخين نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت أي صواحبها لملازمتها (وهي)
أي جنان البيوت (العوامر) أي البيوت حيث تسكنها ولا تفارقها واحدتها عامرة وقيل سميت بها لطول عمرها كذا في النهاية وقال التوربشتي عمار البيوت وعوامرها سكانها من الجن وأخرج هذه الرواية الشيخان في حديث ابن عمر المذكور ولفظهما قال عبد الله فبينا أنا أطارد حية اقتلها ناداني أبو لبابة لا تقتلها فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات فقال إنه نهي بعد ذلك عن ذوات البيوت وهن العوامر قوله : (ويروى عن ابن عمر عن زيد بن الخطاب أيضا) زيد بن الخطاب هذا هو أخو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وكان زيد أسن من سن عمرو أسلم قبله وكان طويلا بائن الطول وشهد بدرا والمشاهد له في الكتب حديث واحد في النهي عن قتل ذوات البيوت كذا في تهذيب التهذيب قلت حديث زيد بن الخطاب أخرجه مسلم وأبو داود قوله (إن لبيوتكم عمارا) أي سواكن (فخرجوا عليهن ثلاثا) بتشديد الراء المكسورة أي ضيقوا أي قولوا لها أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل كذا في النهاية وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض روى ابن الحبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول أنشدتكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان بن داود عليهما السلام أن لا تؤذونا ولا تظهروا لنا ونحوه عن مالك (فإن بدا) أي ظهر (بعد ذلك) أي بعد التحريج (فاقتلوه)
[ 51 ]
وفي رواية لمسلم فاقتلوه فإنه كافر وفي رواية أخرى له فاقتلوه فإنه شيطان قال القاري في المرقاة أي فليس بجني مسلم بل هو إما جني كافر وإما حية وإما ولد من أولاد إبليس أو سماه شيطانا لتمرده وعدم ذهابه بالإيذان وكل متمرد من الجن والإنس والدابة يسمى شيطانا وفي شرح مسلم للنووي قال العلماء إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة له فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا إلى الاضرار بكم قوله (وروى مالك بن أنس هذا الحديث) رواه في اخر الموطأ (وفي الحديث قصة) رواه
مسلم بقصته قوله (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) أنصارى ولد لست سنين من خلافة عمر وقتل بدجيل وقيل غرق بنهر البصرة وقيل فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الاشعث حديثه في الكوفيين سمع أباه وخلفا كثيرا من الصحابة ومنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين وخلق وهو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين ذكره صاحب المشكاة في حرف العين وقال في حرف اللام ابن أبي ليلى اسمه عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري ولد الخ ثم قال وقد يقال ابن أبي ليلى أيضا لولده محمد وهو قاضي الكوفة إمام مشهور في الفقه صاحب مذهب وقول وإذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى فإنما يعنون أباه وإذا أطلق الفقهاء ابن أبي ليلى فإنما يعنون محمدا وولد محمد هذا سنة أربع وسبعين ومات سنة ثمان وأربعين ومائة (قال قال أبو ليلى) الأنصاري صحابي والد عبد الرحمن شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى خلافه علي قوله (إنا نسألك بعهد نوح) ولعل العهد كان حين إدخالها في السفينة (أن لا تؤذينا) هذه الياء ياء الضمير لا ياء الكلمة فإنها سقطت لاجتماع الساكنين فتكون ساكنة سواء قلنا إن أن
[ 52 ]
مصدرية ولا نافية والتقدير نطلب منك عدم الايذاء أو مفسرة ولا ناهية لأن في السؤال معنى القول أي لا تؤذينا قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود اعلم أنه ورد في قتل الحيات أحاديث مختلفة ولأجل ذلك اختلف أهل العلم فذهب طائفة منهم إلى قتل الحيات أجمع في الصحاري والبيوت بالمدينة وغير المدينة ولم يستثنوا نوعا وجنسا ولا موضعا واحتجوا في ذلك بأحاديث جاءت عامة وقالت تقتل الحيات أجمع إلا سواكن البيوت بالمدينة وغيرها فإنهن لا يقتلن لما جاء في حديث أبي لبابة وزيد بن الخطاب من النهي عن قتلهن بعد الأمر بقتل جميع الحيات وقالت طائفة تنذر سواكن البيوت في المدينة وغيرها فإن بدين بعد الانذار قتلن وما وجد منهن في غير البيوت يقتل من غير إنذار وقال مالك يقتل ما
وجد منها في المساجد واستدل هؤلاء بقوله صلى الله عليه وسلم إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه وقالت طائفة لا تنذر إلا حيات المدينة فقط وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت فتقتل من غير إنذار وقالت طائفة يقتل الأبتر وذو الطفيتين من غير إنذار سواكن بالمدينة وغيرها ولكل من هذه الأقوال وجه قوي ودليل ظاهر كذا في الترغيب للمنذري (باب ما جاء في قتل الكلاب) قوله (لولا أن الكلاب أمة من الأمم) يأتي شرح هذا الحديث في الباب الذي يليه قوله (وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي رافع وأبي أيوب) أما حديث ابن عمر
[ 53 ]
فأخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان وأما حديث أبي رافع فأخرجه أحمد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أبا رافع اقتل كل كلب بالمدينة الحديث وأما حديث أبي أيوب فلينظر من أخرجه قوله : (حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والدارمي وأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه بزيادة (ويروي في بعض الحديث أن الكلب الأسود البهيم شيطان) وهو حديث جابر الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه قال القاضي أبو ليلى فإن قيل ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الكلب الأسود إنه شيطان ومعلوم أنه مولود من الكلب وكذلك قوله في الابل إنها جن وهي مولودة من النوق فالجواب أنه إنما قال ذلك على طريق التشبيه لهما بالشيطان والجن لأن الكلب الأسود شر الكلاب وأقلها نفعا وبل شبه الجن في صعوبتها وصولتها وفي شرح السنة قيل في تخصيص كلاب المدينة بالقتل من حيث أن المدينة كانت مهبط الملائكة بالوحي وهم لا يدخلون بيتا فيه كلب وجعل الكلب الأسود
البهيم شيطانا لخبثه فإنه أضر الكلاب وأعقرها والكلب أسرع إليه منه إلى جميعها وهي مع هذا أقلها نفعا وأسوأها حراسة وأبعدها من الصيد وأكثرها نعاسا وحكى عن أحمد وإسحاق أنهما قالا لا يحل صيد الكلب الأسود وقال النووي أجمعوا على قتل العقور واختلفوا فيما لا ضرر فيه قال إمام الحرمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها كلها ثم نسخ ذلك إلا الأسود البهيم ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم انتهى (باب من أمسك كلبا ما ينقص من أجره) قوله (من اقتنى كلبا) يقال اقتنى الشئ إذا اتخذه للإدخار أي حبس وأمسك (أو اتخذ
[ 54 ]
كلبا) شك من الراوي (ليس بضار) بتخفيف الراء المكسورة المنونة أي ليس بمعلم قال التوربشي الضاري من الكلاب ما يهيج بالصيد يقال ضرا الكلب بالصيد ضراوة أي تعوده انتهى وقال الحافظ ضرا الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه بالصيد (ولا كلب ماشية) هو ما يتخذ من الكلاب لحفظ الماشية عند رعيها (نقص) بصيغة المجهول قال القاري وفي نسخة يعني المشكاة بالمعلوم وهو يتعدى ولا يتعدى والمراد به هنا اللزوم أي انتقص (كل يوم) بالنصب على الظريفة (قيراطان) فاعل أو نائبه قال القاري أي من أجر عمله الماضي فيكون الحديث محمولا على التهديد لأن حبط الحسنة بالسيئة ليس مذهب أهل السنة والجماعة وقيل أي من ثواب عمله المتقبل حين يوجد وهذا أقرب لأنه تعالى إذا نقص من ثواب عمله ولا يكتب له كما يكتب لغيره من كمال فضله لا يكون حبطا لعمله وذلك لأنه اقتنى النجاسة مع وجوب التجنب عنها من غير ضرورة وحاجة وجعلها وسيلة لرد السائل والضعيف قال النووي واختلفوا في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب فقيل لامتناع الملائكة من دخول بيته وقيل لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم وقيل إن ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهي عن اتخاذه وعصيانهم في ذلك وقيل لما يبتلي به ولوغه في الأواني عند غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب
قوله (وفي الباب عن عبد الله بن مغفل وأبي هريرة) أخرج حديثهما الترمذي في هذا الباب (وسفيان بن أبي زهير) أخرج حديثه الشيخان عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط قوله (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي قوله (وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أو كلب زرع) رواه أبو هريرة وعبد الله بن مغفل وسفيان بن أبي زهير
[ 55 ]
قوله (فقال إن أبا هريرة له زرع) أراد ابن عمر بذلك أن سبب حفظ أبي هريرة لهذه الزيادة أنه صاحب زرع دونه ومن كان مشتغلا بشئ احتاج إلى تعرف أحكامه وهذا هو الذي ينبغي حمل الكلام عليه وفي صحيح مسلم قال سالم وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع عبد الله بن مغفل كما أخرجه الترمذي في هذا الباب وسفيان بن أبي زهير كما أخرجه الشيخان قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع) أو للتنويع لا للترديد (انتقص من أجره كل يوم قيراط) وفي رواية ابن عمر المتقدمة قيراطان واختلفوا في اختلاف هاتين الروايتين المختلفتين فقيل الحكم للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الاخر أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد والتنفير من ذلك فسمع الراوي الثاني وقيل ينزل على حالين فنقص القراطين باعتبار كثرة الاضرار بأتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها وقيل غير ذلك واختلف في القيراطين المذكورين هنا هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها فقيل بالتسوية وقيل اللذان في الجنازة من باب الفضل اللذان هنا من باب العقوبة وباب الفضل أوسع من غيره
قوله : (هذا حديث صحيح) أخرجه الجماعة قوله : (أنه رخص في إمساك الكلب وإن كان للرجل شاة واحدة) إذا أمسكه لحفظ الشاة الواحدة فإنه كلب ماشية قال ابن عبد البر في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية وكذلك للزرع لأنها زيادة حافظ وكراهة اتخاذها لغير ذلك إلا أنه يدخل في معنى
[ 56 ]
الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه وقد استدل بهذا على جواز اتخاذها لغير ما ذكر وأنه ليس بمحرم لأن ما كان اتخاذه محرما امتنع اتخاذه على كل حال سواء نقص الأجر أم لا فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام كذا في النيل قوله (لولا أن الكلاب) أي جنسها (أمة) أي جماعة (من الأمم) لقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (فاقتلوا منها كل أسود بهيم) أي خالص السواد قال الخطابي معنى هذا الكلام أنه صلى الله عليه وسلم كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة يقول إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن فاقتلوا شرارهن وهي السود البهم وابقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة قال الطيبي قوله أمة من الأمم إشارة إلى قوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) أي أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة له قال تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) أي يسبح بلسان القال أو الحال حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عما لا يجوز عليه فبالنظر إلى هذا المعنى لا يجوز التعرض لها بالقتل والافناء ولكن إذا كان لدفع مضرة كقتل الفواسق الخمس أو جلب منفعة كذبح الحيوانات المأكولة جاز ذلك قوله : (هذا حديث حسن) قال في الملتقى رواه الخمسة وصححه الترمذي انتهى
[ 57 ]
(باب ما جاء في الذكاة بالقصب وغيره) قال في القاموس القصب محركة كل نبات ذي أنابيب قوله : (إنا نلقي العدو غدا) لعله عرف ذلك بخير أو بقرينة وليست معنا مدى بضم الميم مخفف مقصور جمع مدية بسكون الدال بعدها تحتانية وهي السكين سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره والرابط بين قوله تلتقي العدو وليست معنا مدى يحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو وصاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه ويحتمل أن يكون مراد أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتقووا به على العدو إذا لقوه (ما أنهر الدم) أي أساله وصبه بكثرة شبهه يجري الماء في النهر قال عياض هذا هو المشهور في الروايات بالراء وذكره أبو ذر بالزاي وقال النهز بمعنى الدفع وهو غريب وما موصلة في موضع الرفع بالإبتداء وخبرها فكلوا والتقدير ما أنهر الدم فهو حلال فكلوا ويحتمل أن تكون شرطية (وذكر اسم الله عليه) بصيغة المجهول وفيه دليل على اشتراط التسمية لإنه علق الاذن بمجموع الأمرين وهما الانهار والتسمية والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا بإجتماعهما وينتفي بانتفاء أحدهما (ما لم يكن سن أو ظفر) كذا في النسخ بالرفع وكذلك في بعض نسخ أبي داود وفي بعضها سنا أو ظفرا بالنصب وهو الظاهر (وسأحدثكم عن ذلك) اختلف في هذا هل هو من جملة المرفوع أو مدرج (أما السن فعظم) قال البيضاوي هو قياس حذفت منه المقدمة الثانية لشهرتها عندهم والتقدير أما السن فعظم وكل عظم لا يحل الذبح به وطوى النتيجة لدلالة الاستثناء عليها وقال ابن ابي الصلاح في مشكل الوسيط هذا يدل على أنه عليه السلام كان قد قرر كونه الذكاة لا تحصل بالعظم فذلك اقتصر على قوله فعظم قال ولم أر بعد البحث من نقل المنع من الذبح بالعظم معنى يعقل وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام وقال النووي معنى الحديث لا تذبحوا بالعظم فإنها تنجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيسها لأنها زاد إخوانكم من الجن وقال ابن الجوزي في المشكل هذا
[ 58 ]
يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودا عنهم إنه لا يجزى وقررهم الشارع على ذلك (وأما الظفر فمدى الحبشة) أي وهم كفار وقد نهيتم عن التشبيه بهم قاله ابن الصلاح وتبعه النووي وقيل نهى عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان ولا يقطع به غالبا إلا الخنق الذي هو على صورة الذبح واعترض على الأول بأنه لو كان كذلك لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل وأما ما يلحق بهما فهو الذي يعتبر فيه التشبه ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وروي عن الشافعي أنه قال ألسن إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة فإما وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة يعني فدل على عدم جواز التذكية بالسن المنتزعة بخلاف ما نقل عن الحنيفة من جوازه بالسن المنفصلة قال وإما الظفر فلو كان المراد به ظفر الانسان لقال فيه ما قال في السن لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طيب من بلاد الحبشة وهو لا يقوى فيكون في معنى الخنق كذا في النيل قلت : هو جسم صلب كالصدف أحد طرفيه رقيق محدد يقال له أظفار الطيب قال في بحر الجواهر أظفار الطيب أقطاع صدفية في مقدار طيب الرائحة يستعمل في العطر انتهى قلت : ويكون أكبر من مقدار الظفر أيضا قوله (لم يذكر) أي والد سفيان (فيه) أي في حديثه (عن عباية عن أبيه) بل ذكر عن رافع وترك ذكر أبيه والحديث أخرجه الجماعة (باب) قوله (عن عباية) بفتح العين المهملة والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية خفيفة الأنصاري الزرقي المدني ثقة من الثالثة (ابن رفاعة) بكسر راء وخفة فاء وبعين مهملة ثقة (بن
[ 59 ]
رافع بن خديج) الأنصاري صحابي جليل أول مشاهده أحد ثم الخندق (فند بعير) أي هرب وهو بفتح النون وتشديد الدال (ولم يكن معهم خيل) أي ولأجل ذلك لم يقدروا على أخذه (فحبسه الله) أي أصابه السهم فوقف (أن لهذه البهائم) وفي رواية البخاري أن لهذه الابل (أو ابد كأوابد
الوحش) قال الجزري في النهاية الأوابد جمع ابدة وهي التي قد تأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس انتهى والمراد أن لها توحشا وقال التوربشتي اللام بمعنى من (فما فعل منها هذا) أي فأي بهيمة من هذه البهائم تهرب وتنفر (فافعلوا به هكذا) أي فارموه بسهم ونحوه والمعنى ما نفر من الحيوان الاهلي من الابل والبقر والغنم والدجاج كالصيد الوحشي في حكم الذبح فإن ذكاته اضطرارية فجميع أجزائه محل الذبح قال في شرح السنة فيه دليل على أن الحيوان الانسي إذا توحش ونفر فلم يقدر على قطع مذبحه يصير جميع بدنه في حكم المذبح كالصيد الذي لا يقدر عليه وكذلك لو وقع بعير في بئر منكوسا فلم يقدر على قطع حلقومه فطعن في موضع من بدنه فمات كان حلالا انتهى قوله (وهذا أصح) والحديث أخرجه الجماعة قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم) قال الحافظ في الفتح قد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور وخالفهم مالك والليث ونقل أيضا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا لا يحل أكل الانسي أو الوحش إلا بتذكيته في حلقة أو لبته وحجة الجمهور حديث رافع انتهى قلت ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب وحجتهم حديث الباب وروى البيهقي من طريق أبي العميس عن غضيان عن يزيد البجلي عن ابيه قال أعرس رجل من الحي فاشترى جذورا فندت فعرقبها وذكر اسم الله فأمر عبد الله يعني ابن مسعود أن يأكلوا فما طابت انفسهم حتى جعلوا له منها بضعة ثم أتوه بها فأكل وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس قال إذا وقع البعير في البئر فاطعنه من قبل خاصرته واذكر اسم الله وكل وأخرج ابن ابي
[ 60 ]
شيبة من طريق ابي راشد السلمان قال كنت أرعى منائح لأهلي بظهر الكوفة فتردى منها بعير فخشيت أن يسبقني بذكاته فأخذت حديدة فوجأت بها في جنبه أو سنامه ثم قطعته أعضاء وفرقته على أهلي فأبوا أن يأكلوه فأتيت عليا فقمت على باب قصره فقلت يا أمير
المؤمنين يا أمير المؤمنين فقال يا لبيكاه يا لبيكاه فأخبرته خبره فقال كل وأطعمني وأخرج ابن ابي شيبة عن عباية بلفظ تردى بعبير في ركية فنزل رجل لينحره فقال لا أقدر على نحره فقال له ابن عمر اذكر اسم الله ثم اقتل شاكلته يعني خاصرته ففعل فأخرج مقطعا فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين أو أربعة قوله (وهكذا رواه شعبة عن سعيد بن مسروق من رواية سفيان) كذا في بعض النسخ بلفظ من رواية سفيان وفي بعض النسخ مثل رواية سفيان وهو الصواب ويؤيده أنه وقع في بعض النسخ نحو رواية سفيان والمعنى أنه كما روى سفيان عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن جده رافع كذلك روى شعبة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعية عن جده رافع ولم يذكره بين عباية ورفاعة واسطة والد عباية ولذلك قال الترمذي وهذا أصح
[ 61 ]
(أبواب الأضاحي) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الأضحية (باب ما جاء في فضل الأضحية) قال النووي في الأضحية أربع لغات وهي اسم للمذبوح يوم النحر الأولى والثانية أضحية وإضحية بضم الهمزة وكسرها وجمعها أضاحي بالتشديد والتخفيف والثالثة ضحية وجمعها ضحايا والرابعة أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحى كأرطاة وأرطى وبها سمي يوم الأضحى قوله (حدثنا أبو عمرو ومسلم بن عمرو بن مسلم الحذاء المديني) روى عن عبد الله ابن نافع الصائغ وعنه ت س وقال صدوق (حدثني عبد لله بن نافع الصائغ) المخزومي مولاهم المدني ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين قاله الحافظ في القريب وقال الخزرجي في الخلاصة وثقة ابن معين والنسائي (عن أبي المثنى) اسمه سليمان بن يزيد المدني عن سالم وسعيد المقبري وعنه ابن ابي فديك وابن وهب حسن الترمذي حديثه ووثقه ابن حبان وقال أبو حاتم منكر الحديث كذا في الخلاصة وقال في التقريب ضعيف
قوله (ما عمل ادمى) وفي رواية أبو ماجة ابن ادم (من عمل) من زائدة لتأكيد الاستغراق أي عملا (يوم النحر بالنصب على الظرفية أحب) بالنصب صفة عمل وقيل بالرفع وتقديره هو أحب قاله القاري (من إهراق الدم) أي صبه (وأنه) الضمير راجع إلى ما دل عليه إهراق الدم
[ 62 ]
قاله الطيبي (بقرونها) جمع قرن (وأشعارها) جمع شعر (وأظلافها) جمع ظلف وضمير التأنيث باعتبار أن المهراق دمه أضحية قال القاري قال زين العرب يعني أفضل العبادات يوم العيد إراقة دم القربات وأنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير نقصان شئ منه ليكون بكل عضو منه أجر ويصير مركبه على الصراط انتهى (وأن الدم ليقع من الله) أي من رضاه (بمكان) أي موضع قبول (قبل أن يقع من الأرض) وفي رواية ابن ماجة قبل أن يقع على الأرض بحذف من أي يقبله تعالى عند قصد الذبح قبل أن يقع دمه على الأرض (فطيبوا بها) أي بالأضحية (نفسا) تميز عن النسبة قال ابن الملك الفاء جواب شرط مقدر أي إذا علمتم أنه تعالى يقبله ويجزيكم بها ثوابا كثيرا فلتكن أنفسكم بالتضحية طيبة غير كارهة لها قوله : (وفي الباب عن عمران بن حصين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله إلى قوله من المسلمين أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عمران بن حصين قال الذهبي في المستدرك أبو حمزة الثمالي ضعيف جدا انتهى وقال البيهقي في إسناده مقال ورواه إسحاق ابن راهوية في مسنده أخبرنا يحيى بن ادم وأبو بكر ابن عياش عن ثابت عن ابي إسحاق عن عمران بن حصين فذكره كذا في نصب الراية ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري وفيه عطية وقد قال ابن ابي حاتم في العلل عن ابيه إنه حديث منكر ورواه الحاكم أيضا والبيهقي من حديث علي وفيه عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك كذا في التلخيص (وزيد بن أرقم) قال قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما هذه الأضحى قال سنة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام قالوا فما لنا فيها يا رسول الله
قال بكل شعرة حسنة قالوا فالصوف يا رسول الله قال بكل شعرة من الصوف حسنة رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وقال صحيح الاسناد قلت في سنده عائذ الله المجاشعي قال البخاري لا يصح حديثه ووثقه ابن حبان كذا في الخلاصة قوله (وهذا حديث حسن غريب) ورواه الحاكم وقال صحيح الاسناد
[ 63 ]
تنبيه قال ابن العربي في شرح الترمذي ليس في فضل الأضحية حديث صحيح انتهى قلت الأمر كما قال ابن العربي وأما حديث الباب فالظاهر أنه حسن وليس بصحيح والله تعالى أعلم قوله : (ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأضحية ألخ) قال المنذري في الترغيب وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي رواه ابن ماجة والحاكم وغيرها كلهم عن عائد الله عن أبي داود عن زيد بن أرقم قال قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما هذه الأضاحي الخ وقد ذكرنا لفظه انفا (باب في الأضحية بكبشين) الكبش : فحل الضأن في أي سن كان ، واختلف في ابتدائه ، فقيل أذا أثنى ، وقيل أذا أربع قاله الحافظ قوله (بكبشين) استدل به على اختيار العدد في الأضحية ومن ثم قال الشافعية إن الأضحية بسبع شياه أفضل من البعير لأن الدم المراق فيها أكثر والثواب يزيد بحسبه وإن من أراد أن يضحي بأكثر من واحد يجعله وحكى الروياني من الشافعية استحباب التفريق على أيام النحر قال النووي هذا أرفق بالمساكين لكنه خلاف السنة وفيه أن الذكر فيه أفضل من الأنثى (أملحين) الأملح بالحاء المهملة قال ابن الأثير في النهاية هو الذي بياضه أكثر من سواده وقيل هو النقي البياض انتهى وقال في القاموس الملحة بياض يخالطه سواد كالملح محركة كبش أملح ونعجة ملحاة انتهى وقال الحافظ في الفتح هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر ويقال هو
الأغبر وهو قول الأصمعي وزاد الخطابي هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود ويقال الأبيض الخالص وقيل الذي يعلوه حمرة انتهى (ذبحها بيده) وهو المستحب لمن يعرف آداب
[ 64 ]
الذبح ويقدر عليه وإلا فليحضر عند الذبح لحديث عمران بن حصين المذكور قال الحافظ في الفتح وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر لكن عند المالكية رواية بعدم الاجزاء مع القدرة وعند أكثرهم يكره لكن يستحب أن يشهدها انتهى قال البخاري في صحيحه أمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن انتهى قال الحافظ وصله الحاكم في المستدرك ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح قال ابن التين فيه جواز ذبيحة المرأة ونقل محمد عن مالك كراهته وعن الشافعية الأولى للمرأة أن تؤكل في ذبح أضحيتها ولا تباشر الذبح بنفسها انتهى كلام الحافظ (وسمى وكبر) أي قال بسم الله والله أكبر والواو الاولى لمطلق الجمع فإن التسمية قبل الذبح (ووضع رجله على صفاحهما) جمع صفح بالفتح وسكون الفاء وهو الجنب وقيل جمع صفحة وهو عرض الوجه وقيل نواحي عنقها وفي النهاية صفح كل شئ جهته وناحيته قال الحافظ وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن واتفقوا على أن ضجاعها يكون على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار انتهى قوله : (وفي الباب عن علي) أخرجه الحاكم وصححه على ما في المرقاة بلفظ أنه كان يضحي بكبشين عن النبي صلى الله عليه وسلم وبكبشين عن نفسه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أضحي عنه أبدا فأنا أضحي عنه أبدا (وعائشة وأبي هريرة) أخرجه ابن ماجة وغيره من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين الحديث قال الحافظ في الفتح ابن عقيل المذكور في سنده مختلف انتهى (وجابر) أخرجه أبو داود وابن ماجة بلفظ قال ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم
الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين الحديث (وأبي أيوب) لينظر من أخرج حديثه (وأبي الدرداء) قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين جذعين موجئين أخرجه أحمد من مسنده (وأبي رافع) أخرجه أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما والطبراني في معجمه من طريق شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن علي بن حسين عنه قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين موجئين خصبين الحديث (وابن عمر) لينظر من أخرجه (وأبي بكرة) أخرجه الترمذي
[ 65 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (حدثنا شريك) هو ابن عبد الله النخعي الكوفي (عن أبي الحسناء) قال في الخلاصة أبو الحسناء عن الحكم وعنه شريك اسمه الحسن أو الحسين انتهى وقال في الميزان حدث عنه شريك لا يعرف له عن الحكم بن عتيبة انتهى وقال الحافظ في التقريب مجهول انتهى (عن الحكم) هو ابن عتيبة ثقة ثبت (عن حنش) قال القاري بفتح الحاء المهملة وبالنون المفتوحة والشين المعجمة هو ابن عبد الله السبائي قيل إنه كان مع علي بالكوفة وقدم مصر بعد قتل علي انتهى قلت حنش هذا ليس ابن عبد الله السبي بل هو حنش بن المعتمر الكناتي أبو المعتمر الكوفي كما صرح به المنذري قوله (أنه كان يضحي بكبشين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وآخر عن نفسه) وفي رواية أبي داود قال رأيت عليا رضي الله عنه يضحي بكبشين فقلت له ما هذا فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه وفي رواية صححها الحاكم على ما في المرقاة أنه كان يضحي بكبشين عن النبي صلى الله عليه وسلم وبكبشين عن نفسه وقال إن رسول الله أمرني أن أضحي عنه أبدا فأنا أضحي عنه أبدا فرواية الحاكم هذه مخالفة لرواية الترمذي ويمكن الجمع بأن يقال إنه صلى الله عليه وسلم أمر عليا وأوصاه أن يضحي عنه من غير تقييد بكبش أو بكبشين فعلي قد يضحي عنه وعن نفسه بكبش كبش وقد يضحي بكبشين كبشين والله تعالى أعلم (أمرني به يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدعه) بفتح الدال المهملة أي لا أتركه
قوله (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك) قال المنذري حنش هو أبو المعتمر الكناني الصنعاني وتكلم فيه غير واحد وقال ابن حبان البستي وكان كثير الوهم في الأخبار ينفرد عن علي بأشياء لا يشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج به وشريك هو ابن عبد الله القاضي فيه مقال وقد أخرج له مسلم في المتابعات انتهى قلت وأبو الحسناء شيخ عبد الله مجهول كما عرفت فالحديث ضعيف
[ 66 ]
قوله (وقد رخص بعض أهل العلم أن يضحي عن الميت ولم ير بعضهم أن يضحي عنه) أي عن الميت واستدل من رخص بحديث الباب لكنه ضعيف (وقال عبد الله بن المبارك أحب إلي أن يتصدق عنه ولا يضحي وإن ضحى فلا يأكل منها شيئا ويتصدق بها كلها) وكذلك حكى الامام البغوي في شرح السنة عن ابن المبارك قال في غنية الألمعي ما محصله إن قول من رخص في التضحية عن الميت مطابق للأدلة ولا دليل لمن منعها وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي كبشين أحدهما عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له بالبلاغ والاخر عن نفسه وأهل بيته ومعلوم أن كثيرا منهم قد كانوا ماتوا في عهده صلى الله عليه وسلم فدخل في أضحيته صلى الله عليه وسلم الأحياء والأموات كلهم والكبش الواحد الذي يضحي به عن أمته كما كان للأحياء من أمته كذلك كان للأموات من أمته بلا تفرقة ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصدق بذلك الكبش كله ولا يأكل منه بل قال أبو رافع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعمهما جميعا المساكين ويأكل هو وأهله منهما رواه أحمد وكان دأبه صلى الله عليه وسلم أنه يأكل من الأضحية هو وأهله ويطعم منها المساكين وأمر بذلك أمته ولم يحفظ عنه خلافه فإذا ضحى الرجل عن نفسه وعن بعض أمواته أو عن نفسه وعن أهله وعن بعض أمواته فيجوز أن يأكل هو وأهله من تلك الأضحية وليس عليه أن يتصدق بها كلها نعم أن تخص الأضحية للأموات من دون شركة الأحياء فيها فهي حق المساكين كما قال عبد الله بن المبارك انتهى ما في غنية الألمعي محصلا قلت : لم أجد في التضحية عن الميت منفردا حديثا مرفوعا صحيحا وأما حديث علي
المذكور في الباب فضعيف كما عرفت فإذا ضحى الرجل عن الميت منفردا فالاحتياط أن يتصدق بها كلها والله تعالى أعلم (باب ما يستحب من الأضاحي) قوله (بكبش أقرن فحيل) قال في القاموس فحل فحيل كريم منجب في ضرابه انتهى
[ 67 ]
وكذلك في نهاية الجزري وقال الخطابي هو كريم المختار للفحلة وأما الفحل فهو عام في الذكورة منها وقالوا ذكورة في النخل فحال فرقا بينه وبين سائر الفحول من الحيوان انتهى وقال في النيل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالفحيل كما ضحى بالمخصي انتهى وقال ابن العربي حديث أبي سعيد يعني حديث الباب بلفظ ضحى بكبش فحل أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه يرد رواية موجوئين قال الحافظ في الفتح وتعقب باحتمال أن يكون وقع ذلك في وقتين انتهى قوله : (يأكل في سواد) أي فمه أسود (ويمشي في سواد) أي قوائمه سود مع بياض سائره (وينظر في سواد) أي حوالي عينيه سواد قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وهو على شرط مسلم قاله صاحب الاقتراح كذا في النيل وأخرج مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأتى به ليضحئ به فقال يا عائشة هلمي المدية ثم قال أشحذيها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه الحديث (باب ما لا يجوز من الأضاحي) قوله : (عن عبيد بن فيروز) بفتح الفاء وسكون التحتية وعبيد بالتصغير ثقة من الثالثة (رفعه) أي رواه مرفوعا (قال لا يضحي بالعرجاء بين ظلعها) بفتح الظاء وسكون اللام ويفتح أي عرجها وهو أن يمنعها المشي (بين عورها) بفتحتين أي عماها في عين واحدة وبالأولى في العينين (ولا بالمريضة بين مرضها) وهي التي لا تعتلف قاله القاري (ولا بالعجفاء) أي المهزولة
[ 68 ]
(التي لا تنقى) من الانقاء أي التي لا نقي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ قال التوربشتي هي المهزولة التي لا نقي لعظامها يعني لا مخ من العجف يقال أنقت الناقة أي صار فيها نقي أي سمنت ووقع في عظامها المخ قوله : (نحوه بمعناه) يعني نحو الحديث المذكور بمعناه لا بلفظه وروى أبو داود أو من هذا الطريق أعني من طريق شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز عن البراء بلفظ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله لا تجوز في الأضاحي العوراء بين عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ظلعها والكسير التي لا تنقى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وسكت عنه أبو داود والمنذري قوله : (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم) قال النووي وأجمعوا أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه انتهى (باب ما يكره من الأضاحي) قوله : (أن نستشرف العين والأذن) بضم الذال ويسكن أي ننظر إليهما ونتأمل في سلامتهما من آفة تكون بهما كالعور والجدع قيل والاستشراف إمعان النظر والأصل فيه وضع يدك على حاجبك كيلا تمنعك الشمس من النظر مأخوذ من الشرف وهو المكان المرتفع فإن من أراد أن
[ 69 ]
يطلع على شئ أشرف عليه وقال ابن الملك الاستشراف الاستكشاف قال الطيبي وقيل هو من الشرفة وهي خيار المال أي أمرنا أن نتخذهما أي نختار ذات العين والأذن الكاملتين (وأن لا نضحي بمقابلة) بفتح الباء أي التي قطع من قبل أذنها شئ ثم ترك معلقا من مقدمها (ولا مدابرة) وهي التي قطع من دبرها وترك معلقا من مؤخرها (ولا شرقاء) بالمد أي مشقوقة الأذن طولا من الشرق وهو الشق ومنه أيام التشريق فإن فيها تشرق لحوم القرابين (ولا خرقاء) بالمد أي مثقوبة
الأذن ثقبا مستديرا وقيل الشرقاء ما قطع أذنها طولا والخرقاء ما قطع أذنها عرضا قوله (المقابلة ما قطع طرف أذنها) أي من قدام قال في القاموس هي شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلفة ومثله في النهاية إلا أنه لم يقيد بقدام (والمدابرة ما قطع من جانب الأذن) أي من مؤخرها قال في النهاية المدابرة أن قطع من مؤخر أذن الشاة شئ ثم يترك معلقا كأنه زنمة انتهى (والشرقاء المشقوقة) أي المشقوقة الأذن قال في النهاية الشرقاء هي المشقوقة الأذن باثنتين شرق أذنها يشرق إذا شقها انتهى وقال في القاموس شرق الشاة شرقا شق أذنها وشرقت الشاة كفرح انشقت أذنها طولا فهي شرقاء انتهى (والخرقاء المثقوبة) أي المثقوبة الأذن قال في النهاية الخرقاء في أذنها ثقب مستدير والخرق الشق انتهى وفي القاموس الخرقاء من الغنم التي في أذنها خرق انتهى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ في بلوغ المرام أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم انتهى
[ 70 ]
باب في الجذع من الضأن في الأضاحي) قال في القاموس الضأن خلاف الماعز من الغنم جمع ضأن ويحرك وكأمير وهي ضائنة جمع ضوائن انتهى . ومثل ذلك في النهاية ، وقال في الصراح : ضائن ميش نر خلاف معز ، والجمع ضأن مثل راكب وركب وضأن بالتحريك أيضا مثل حارس وحرس انتهى والجذع محركة قبل الثني وهي بهاء اسم له في زمن وليس بسن تنبت أو تسقط والشاب الحدث جمع جذاع وجذعان كذا في القاموس وقال الجزري في النهاية وأصل الجذع من أسنان الدواب وهو ما كان منها شابا فتيا فهو من الابل ما دخل في السنة الخامسة ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية وقيل البقر في الثالثة ومن الضأن ما تمت له سنة وقيل أقل منها ومنهم من يخالف بعض هذا التقدير انتهى وقال الحافظ في الفتح هو وصف لسن معين من بهيمة الأنعام فمن الضأن ما أكمل السنة وهو قول الجمهور وقيل دونها ثم اختلف في تقديره فقيل ابن ستة أشهر وقيل ثمانية وقيل عشرة وحكى الترمذي عن وكيع أنه ابن ستة أشهر أو سبعة أشهر وعن ابن الأعرابي أن
ابن الشابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة وابن الهرمين يجذع لثمانية إلى عشرة قال والضأن أسرع إجذاعا من المعز وأما الجذع فهو من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية ومن البقر ما أكمل الثالثة ومن الابل ما دخل في الخامسة انتهى قوله : (عن كدام) قال في التقريب كدام بالكسر والتخفيف ابن عبد الرحمن السلمي مجهول من السادسة انتهى (عن أبي كباش) قال في التقريب بصيغة الجمع السلمي أو العيشي وقيل هو أبو عياش أبو كباش لقب مجهول من الثالثة قوله : (جلبت غنما) أي للتجارة (فكسدت) أي الغنم (علي) أي لعدم رغبة الناس فيها ظنا منهم أنها لا تجوز في الأضاحي (نعم أو نعمت) شك من الراوي (فانتهبه الناس) كناية عن المبالغة في الشراء
[ 71 ]
قوله (وفي الباب عن ابن عباس) لينظر من أخرجه (وأم بلال بنت هلال عن أبيها) أخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ يجوز الجذع من الضأن أضحية (وجابر) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم مرفوعا لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن (وعقبة بن عامر) أخرجه النسائي قال الحافظ في الفتح بسند قوي بلفظ ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجذع من الضأن (ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) أخرج أبو داود وابن ماجه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له مجاشع من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الجذع يوفى بما يوفي منه الثني وأخرجه النسائي من وجه اخر لكنه لم يسم الصحابي بل وقع عنده أنه رجل من مزينة قوله : (وحديث أبي هريرة حديث غريب) قال الحافظ في الفتح في سنده ضعف (وقد روى هذا عن أبي هريرة موقوفا) قال الترمذي في علله الكبير سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال رواه عثمان بن واقد فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورواه غيره فوقفه على أبي هريرة وسألته عن
اسم أبي كباش فلم يرفعه انتهى قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الجذع من الضأن يجزئ في الأضحية) قال الحافظ في الفتح لكن حكى غيره عن أبي عمر والزهري أن الجذع لا يجزئ مطلقا سواء كان من الضأن أو غيره وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعة من السلف وأطنب في الرد على من أجازه انتهى قلت وذهب الجمهور إلى الجواز وهو الحق يدل عليه أحاديث الباب وأما حديث جابر المذكور لا تذبحوا إلا مسنة الخ فنقل النووي عن الجمهور أنهم حملوه على الأفضل والتقدير لا يستحب لكم إلا مسنة فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن قال وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضأن وأنها لا تجزئ قوله : (أعطاه غنما) هو أعم من الضأن والمعز (يقسمها في أصحابه) يحتمل أن يكون
[ 72 ]
الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون لعقبة قاله الحافظ (ضحايا) حال أي يقسمها حال كونها ضحايا (فبقي عتود) بفتح المهملة وضم المثناة الخفيفة وهو من أولاد المعز ما قوي ورعى وأتى عليه حول والجمع أعتدة وعتدان وتدغم التاء في الدال فيقال عدان وقال ابن بطال العتود الجذع من المعز ابن خمسة أشهر (أو جدي) أو للشك والجدي من أولاد المعز ذكرها جمعه أجد وجداء وجديان بكسرهما كذا في القاموس (باب في الاشتراك في الأضحية) قوله : (فحضر الأضحى) أي يوم عيده (فاشتركنا في البقرة سبعة) أي سبعة أشخاص بالنصب على تقدير أعني بيانا الجمع قاله الطيبي وقيل نصب على الحال وقيل مرفوع بدلا من ضمير اشتركنا والظاهر عندي أنه منصوب على الحال (وفي البعير عشرة) فيه دليل على أنه يجوز اشتراك عشرة أشخاص في البعير وبه قال إسحاق بن راهويه وسيأتي الكلام في هذه المسألة
[ 73 ]
قوله (وفي الباب عن أبي الأشد الأسلمي عن أبيه عن جده وأبي أيوب) لينظر من أخرج حديثهما قوله : (حديث ابن عباس حديث حسن غريب الخ) أخرجه الخمسة إلا أبا داود قال الشوكاني ويشهد له ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير قوله : (نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة) قال في النهاية البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي الابل أشبه وفي القاموس البدنة محركة من الابل والبقر وفي الفتح أصل البدن من الابل وألحقت بها البقرة شرعا قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم الخ) أي على جواز اشتراك السبعة في البعير والبقرة في الهدي والأضحية (وقال إسحاق يجزئ أيضا البعير عن عشرة واحتج بحديث ابن عباس) أي المذكور في هذا الباب قال الشوكاني في النيل وقد اختلفوا في البدنة فقالت الشافعية والحنيفة والجمهور إنها تجزئ عن سبعة وقالت العترة وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة عن عشرة وهذا هو الحق هنا يعني في الأضحية لحديث ابن عباس يعني المذكور في الباب والأول هو الحق في الهدي للأحاديث المتقدمة يعني بها حديث جابر المذكور في هذا الباب وما في معناه وأما البقرة فتجزئ عن سبعة فقط اتفاقا في الهدي والأضحية انتهى قوله : (عن حجية) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم مصغرا قال في التقريب صدوق
[ 74 ]
يخطئ من الثالثة وقال في تهذيب التهذيب قال أبو حاتم شيخ لا يحتج بحديثه شبيه بالمجهول وقال ابن سعد كان معروفا وليس بذلك وقال العجلي تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات انتهى (فالعرجاء) أي ما حكمها هل يجوز التضحية بها أم لا (قال أذا بلغت المنسك) بكسر السين أي المذبح وهو المصلى أي فيجوز التضحية بها إذا بلغت المنسك (فمكسورة القرن قال لا بأس)
أي بالتضحية بها وفي رواية الطحاوي عن حجية بن عدي قال أتى رجل فسأله عن المكسورة القرن قال لا يضرك الحديث وظاهره يدل على أنه يجوز عند علي رضي الله عنه تضحية المكسورة القرن مطلقا من غير تقييد بالنصف أو أقل منه أو أكثر ولكن حديثه المرفوع الاتي يخالفه كما ستقف عليه (أمرنا) بصيغة المجهول أو أمرنا بصيغة المعلوم وأو للشك (أن نستشرف العينين والأذنين) قال في النهاية وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشئ وأصله من الشرف العلو كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع فيكون أكثر لإدراكه ومنه حديث أمرنا أن نستشرف العين والأذن أي نتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما وقيل هو من الشرفة وهي خيار المال أي أمرنا أن تتخيرها انتهى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الخمسة كذا في المتنقى وقال في التلخيص رواه أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم والبيهقي وأعله الدارقطني وقال في بلوغ المرام صححه الترمذي ابن حبان والحاكم قوله : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحي بأعضب القرن والأذن) أي مكسورة القرن ومقطوع الأذن قاله ابن الملك فيكون من باب علفتها تبنا وماء بارد وقبل مقطوع القرن والأذن والعضب القطع كذا في المرقاة (قال قتادة فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب) وفي
[ 75 ]
رواية أبي داود قلت يعني لسعيد بن المسيب ما الأعضب (فقال العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك) قال الشوكاني في الحديث دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن وهو ما ذهب نصف قرنه أو أذنه وذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسورة القرن مطلقا وكرهه مالك إذا كان يدمي وجعله عيبا وقال في القاموس إن العضباء الشاة المكسورة القرن الداخل فالظاهر أن المكسورة لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارا يسيرا بحيث لا يقال لها عضباء لأجله أو يكون دون النصف إن صح التقدير بالنصف المروي عن سعيد بن المسيب لغوي
أو شرعي كذلك لا تجزئ التضحية بأعضب الأذن وهو ما صدق عليه اسم العضب لغة أو شرعا انتهى قلت : قال في الفائق العضب في القرن في داخل الانكسار ويقال ل نكسار في الخارج القصم وكذلك في القاموس كما عرفت وقال فيه القصماء المعز المكسورة القرن الخارج انتهى فالظاهر عندي أن المكسورة القرن الخارج تجوز التضحية بها وأما المكسورة القرن الداخل فكما قال الشوكاني من أنها لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن الداخل مقدارا يسيرا الخ والله تعالى أعلم (باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت) قوله (كان الرجل يضحي بالشاة) أي الواحدة (عنه) أي عن نفسه (وعن أهل بيته) وفي رواية مالك في الموطأ نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته (فيأكلون ويطعمون) من الاطعام (حتى تباهي الناس) أي تفاخروا وفي رواية مالك ثم تباهى الناس بعد وفي رواية في موطأه ثم تباهى الناس بعد ذلك (فصارت) أي الضحايا (كما ترى) وفي رواية مالك فصارت مباهاة
[ 76 ]
قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في الموطأ وابن ماجه قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول مالك والليث والأوزاعي قال العيني في البناية بعد ما ذكر حديث عبد الله بن هشام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي الشاة الواحدة عن جميع أهله وحديث أنه ذبح كبشا عن أمته وبهذه الأخبار ذهب مالك وأحمد والليث والأوزاعي إلى جواز الشاة عن أكثر من واحد كذا في التعليق الممجد وقال مالك في الموطأ أحسن ما سمعت في البدنة والبقرة والشاة الواحدة أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته البدنة ويذبح البقرة والشاة الواحدة هو يملكها ويذبحها عنهم ويشركهم فيها انتهى واحتج هؤلاء الأئمة بحديث أبي أيوب المذكور في
هذا الباب وهو نص صريح في أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته وإن كانوا كثيرين وهو الحق قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم كما قال عطاء بن يسار سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون قال الترمذي حديث حسن صحيح واستدلوا أيضا بحديث أبي سريحة قال أحملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والان يبخلنا جيراننا رواه ابن ماجه قال الشوكاني في النيل وحديث أبي سريحة إسناد في سنن ابن ماجه إسناده صحيح وقال والحق أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة انتهى واستدلوا أيضا بما أخرج الحاكم عن أبي عقيل زهرة ابن معبد عن جده عبد الله بن
[ 77 ]
هشام وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير فمسح رأسه ودعا له قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله وقال الحاكم صحيح الاسناد وهو خلاف من يقول إنها لا تجزئ إلا عن واحدة انتهى كذا في تخريج الهداية للزيلعي وقال الزيلعي قبل هذا ويشكل على المذهب يعني مذهب الحنيفة أيضا في منعهم الشاة لأكثر من واحد بالأحاديث المتقدمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش عنه وعن أمته وأخرج الحاكم عن أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام الخ واستدلوا أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتى به ليضحي به قال يا عائشة هلمي المدية ثم قال أشحذيها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله
اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به ، رواه مسلم قال الخطابي في العالم : قوله : تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهله وأن كثروا . وروي عن أبي أبي هريرة وابن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه انتهى فإن قلت هذه الأحاديث منسوخة أو مخصوصة لا يجوز العمل بها كما قال الطحاوي في شرح الاثار قلت : تضحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمته وإشراكهم في أضحيته مخصوص به صلى الله عليه وسلم وأما تضحيته عن نفسه وآله فليس بمخصوص به صلى الله عليه وسلم ولا منسوخا والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يضحون الشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته كما عرفت ولم يثبت عن أحد من الصحابة التضحية عن الأمة وإشراكهم في أضحيته البتة وأما ما ادعاه الطحاوي فليس عليه دليل فإن قلت : حديث أبي أيوب المذكور محمول على ما إذا كان الرجل محتاجا إلى اللحم أو فقيرا لا يجب عليه الأضحية فيذبح الشاة الواحدة عن نفسه ويطعم اللحم أهل بيته أو يشركهم في الثواب فذلك جائز وأما الاشتراك في الشاة الواحدة في الأضحية الواجبة فلا فإن الاشتراك خلاف القياس وإنما جوز في البقر والإبل لورود النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الابل والبقرة ولا نص في الشاة كذا في التعليق الممجد نقلا عن البناية للعيني قلت : كما ورد النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الابل والبقرة كذلك
[ 78 ]
ورد النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشاة الواحدة إلا أنه قد ثبت الاشتراك في الابل والبقرة من أهل أبيات شتى وثبت الاشتراك في الشاة من أهل بيت واحد كما عرفت فالقول بأن الاشتراك في الشاة خلاف القياس وأنه لا نص فيه باطل جدا وأما
حملهم حديث أبي أيوب المذكور على ما إذا كان الرجل محتاجا إلى اللحم أو فقيرا لا يجب عليه الأضحية فلا دليل عليه ولم يثبت أن من كان من الصحابة يجد سعة يضحي الشاة عن نفسه فقط ولا يشرك أهله فيها ومن كان منهم لا يجد سعة يضحي الشاة الواحدة عن نفسه وعن أهله ويشركهم فيها ولما لم يثبت هذا التفريق بطل حمل الحديث عليه والظاهر أن أبا سريحة كان ذا سعة ولم يكن فقيرا ومع هذا كان يضحي الشاة الواحدة عن أهل بيته فإنه لو كان فقيرا لم يحمله أهله على الجفاء ولم يبخله جيرانه (باب) قوله : (عن جبلة بن سحيم) بمهملتين مصغرا كوفي ثقة من الثالثة مات سنة خمس وعشرين ومائة قوله : (فأعادها) أي فأعاد الرجل تلك المقالة أي الأضحية أواجبة هي (عليه) أي على لابن عمر رضي الله عنه (فقال) أي ابن عمر (العقل) أي أتقنهم (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون) الظاهر أنه لم يثبت عند ابن عمر وجوب الأضحية فلذا لم يقل في جواب السائل نعم وقال البخاري في صحيحه قال ابن عمر رضي الله عنه سنة ومعروف قال الحافظ في الفتح وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد إلى ابن عمر قوله : (هذا حديث حسن) ذكر الحافظ هذا الحديث وتحسين الترمذي في الفتح وسكت عنه لكن في سنده الحجاج والظاهر أنه ابن أرطأة وهو مدلس ورواه عن جبلة بلفظ عن
[ 79 ]
قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة) قال الحافظ في الفتح كأن الترمذي فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب نعم أنه لا يقوله بالوجوب فإن الفعل المجرد لا يدل على ذلك وكأنه أشار بقوله والمسلمون إلى أنها ليست من الخصائص وكان ابن عمر حريصا على اتباع افعال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك لم يصرح بعدم
الوجوب انتهى قوله : (وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك) قال الشيخ عبد الحق في اللمعات اختلفوا في أن الأضحية واجبة أو سنة فذهب أبو حنيفة وصاحباه وزفر إلى أنها واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر وعند الشافعي وفي رواية عن أبي يوسف سنة مؤكدة وهو المشهور المختار في مذهب أحمد وفي رواية عنه أنه واجب على الغني وسنة على الفقير وفي رسالة ابن أبي زيد في مذهب مالك أنه سنة واجبة على من استطاعها ودليل الوجوب ما روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن مخنف بن سليم فذكر حديثه وفيه على كل أهل بيت في كل عام أضحية قال الشيخ وهذا صفة الوجوب وقال صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا ومثل هذا الوعيد لا يليق إلا بترك الواجب انتهى كلام الشيخ قلت قال الحافظ في الفتح قد احتج من قال بالوجوب بما ورد في حديث مخنف بن سليم رفعه على كل أهل بيت أضحية أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية انتهى كلام الحافظ وأما حديث من وجد سعة فلا يقربن مصلانا فأخرجه ابن ماجة وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحا في الايجاب قاله الحافظ واستدلوا أيضا بقوله (فصل لربك وانحر) والامر للوجوب وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له لا للأصنام فالأمر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر على أنه قد روى أن المراد بالنحر وضع اليدين حال الصلاة على الصدر ولهم دلائل أخرى لكن لا يخلو واحد منها عن كلام
[ 80 ]
واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عباس مرفوعا ثلاث هن على فرائض
ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الضحى أخرجه البزار وابن عدي والحاكم وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه واستدلوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة وكذلك أخرج عن ابن عباس وبلال وأبي مسعود وابن عمر وأجيب بأن هذه آثار الصحابة رضي الله عنهم قال الشوكاني بعد ذكرها ألا حجة في شئ من ذلك انتهى ولهم دلائل أخرى لا يخلو واحد منها عن كلام فنقول كما قال ابن عمر رضي الله عنه ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحى المسلمون والله تعالى علم قوله : (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي) أي كل سنة قال القاري في المرقاة فمواظبته دليل الوجوب انتهى قلت : مجرد مواظبته صلى الله عليه وسلم على فعل ليس دليل الوجوب كما لا يخفي قوله : (هذا حديث حسن في إسناده حجاج بن أرطأة وهو كثير الخطأ والتدليس) ورواه عن نافع بالعنعنة (باب في الذبح بعد الصلاة) قوله : (فقام خالي) اسمه أبو بردة بن نيار (هذا يوم اللحم فيه مكروه) يعني بسبب كثرة اللحم وكثرة النظر إليه يتشبع الطبع ويتنفر عنه وفي أول اليوم لا يكثر اللحم فلذا أني
[ 81 ]
عجلت الخ كذا قال بعض العلماء وقد وقع في رواية لمسلم هكذا هذا يوم اللحم فيه مكروه ووقع في رواية أخرى له مقروم ومعناه يشتهي فيه اللحم يقال قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته فهذه الرواية موافقة للرواية الأخرى أن هذا يوم يشتهي فيه اللحم ولذلك صوب بعض أهل العلم هذه الرواية قلت : لا منافاة بين الروايتين وكلتاهما صواب قال الحافظ في الفتح ووقع في رواية
منصور عن الشعبي كما مضى في العيدين وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي ويظهر لي أن بهذه الرواية يحصل الجمع بين الروايتين وأن وصفه اللحم بكونه مشتهى وبكونه مكروها لا تناقض فيه وإنما هو باعتبارين فمن حيث أن العادة جرت فيه بالذبائح فالنفس تتشوق له يكون مشتهى ومن حيث توارد الجميع عليه حتى يكثر مملولا فانطلقت عليه الكراهة لذلك فحيث وصفه بكونه مشتهى أراد ابتداء حاله وحيث وصفه بكونه مكروها أراد انتهاءه ومن ثم استعجل بالذبح ليفوز بتحصيل الصفة الأولى عند أهله وجيرانه انتهى كلام الحافظ (نسيكتي) أي ذبيحتي (عندي عناق لبن) بفتح العين وتخفيف النون الأنثى من ولد المعز عند أهل اللغة قال ابن التين معنى عناق لبن أنها صغيرة سن ترضع أمها كذا في فتح الباري (هي خير من شاتي لحم) المعنى أنها أطيب لحما وأنفع للاكلين لسمنها ونفاستها (ولا تجزئ جذعه بعدك) أي جذعة من المعز قوله : (وفي الباب عن جابر) أخرجه أحمد ومسلم (وجندب) وهو ابن سفيان البجلي أخرج حديثه الشيخان (وأنس) أخرجه الشيخان (وعويمر بن أشقر) لينظر من أخرجه (وابن عمر رضي الله عنه) أخرجه البخاري قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 82 ]
قوله : (وقد رخص قوم من أهل العلم لأهل القرى في الذبح إذا طلع الفجر وهو قول ابن المبارك) وهو قول ابي حنيفة وأحاديث الباب حجة على هؤلاء (باب في كراهية أكل الأضحية فوق ثلاثة أيام) قوله : (لا يأكل أحدكم من لحم أضحية فوق ثلاثة أيام) قال القاضي عياض يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم النحر ويحتمل أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه قال وهذا أظهر ورجح ابن القيم الأول وهذا الخلاف لا يتعلق به
فائدة إلا باعتبار الاحتجاج بذلك على أن يوم الرابع ليس من أيام الذبح كذا في النيل قوله : (وفي الباب عن عائشة وأنس) أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وأما حديث أنس فلينظر من أخرجه (باب في الرخصة في أكلها بعد ثلاث) قوله : (ليتسع ذوو الطول) أي أصحاب الطول وذوو جمع ذو والطول بفتح الطاء
[ 83 ]
وسكون الواو القدرة والعنى والسعة (فكلوا ما بدا لكم) فيه دليل على عدم تقدير الأكل بمقدار وأن للرجل أن يأكل من أضحيته ما شاء وإن كثر ما لم يستغرق بقرينة قوله : وأطعموا (وادخروا) بتشديد الدال المهملة وكأن أصله إذ تخروا فأبدلت تاء الافتعال بالدال المهملة وأبدلت الذال المعجمة أيضا بها ثم أدغمت الأولى في الثانية أي اجعلوها ذخيرة قوله : (وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة ونبيشة وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأنس وأم سلمة) أما حديث ابن مسعود فلينظر من أخرجه وأما حديث عائشة فقد تقدم تخريجه في الباب المتقدم وأما حديث نبيشة فأخرجه أحمد وأبو داود وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم وأما حديث قتادة بن النعمان وغيره فلينظر من أخرجه قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم) أحاديث الباب تدل صراحة على نسخ تحريم أكل لحوم الأضاحي بعد الثلاث وادخارها وإليه ذهب الجماهير من علماء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وحكى النووي عن علي وابن عمر أنهما يحرمان الامساك
[ 84 ]
(باب في الفرع والعتيرة قال في النهاية قوله (لا فرع ولا عتيرة) هكذا جاء بلفظ النفي والمراد به النهي وقد ورد بلفظ النهي في رواية النسائي والإسماعيلي بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وقع في رواية لأحمد
لا فرع ولا عتيرة في الاسلام (والفرع أول النتاج) هكذا وقع في هذا الكتاب هذا التفسير موصولا بالحديث وكذا وقع في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر ولأبي داود من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال الفرع أول النتاج الحديث جعله موقوفا على سعيد بن المسيب وقال الخطابي أحسب التفسير فيه من قول الزهري قال الحافظ قد أخرج أبو قرة في السنن الحديث عن عبد المجيد بن أبي داود عن معمر وصرح في روايته أن تفسير الفرع والعتيرة من قول الزهري وقوله أول النتاج بكسر النون بعدها مثناة خفيفة وآخره جيم (كان ينتج لهم) بضم أوله وفتح ثالثه يقال نتجت بضم النون وكسر المثناة إذا ولدت ولا يستعمل هذا الفعل إلا هكذا وإن كان مبنيا للفاعل قاله الحافظ (فيذبحونه) وفي رواية البخاري كانوا يذبحونه لطواغيتهم قال الحافظ زاد أبو داود عن بعضهم ثم يأكلون ويلقى جلده على الشجر قال فيه إشارة إلى علة النهي واستنبط الشافعي منه الجواز إذا كان الذبح لله جمعا بينه وبين حديث الفرع حق وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من رواية داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر وكذا في رواية الحاكم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرع قال الفرع حق وإن تتركه حتى يكون بنت مخاض أو ابن لبون فتحمل عليه في سبيل الله أو تعطيه أرملة خير من أن تذبحه يلصق لحمه بوبر وقوله ناقتك قال الشافعي فيما نقله البيهقي من طريق المزني عنه الفرع شئ كان أهل الجاهلية يذبحون يطلبون به البركة في أموالهم فكان يذبح بكر ناقته أو شاته رجاء البركة فيما يأتي بعده فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها فاعلم أنه لا كراهيه عليهم فيه وأمرهم استحبابا أن يتركوه حتى يحمل عليه في سبيل الله وقوله حق أي ليس بباطل وهو كلام خرج على جواب السائل ولا مخالفة بينه وبين حديث لا فرع ولا عتيرة فإن
[ 85 ]
معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة وقال غيره معنى قوله لا فرع ولا عتيرة أي ليس في تأكد الاستحباب كالأضحية والأول أولى
قال النووي نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان ويؤيده حديث نبيشة فذكره ثم قال ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يبطل الفرع والعتيرة من أصلهما وإنما أبطل صفة من كل منهما فمن الفرع كونه يذبح أول ما يولد ومن العتيرة خصوص الذبح في شهر رجب هذا تلخيص ما في الفتح وذكر الحافظ فيه وقد أخرج أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من طريق وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله إنا كنا نذبح ذبائح في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا فقال لا بأس به قال وكيع بن عدس فلا أدعه وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تستحب وفي هذا تعقب على من قال إن ابن سيرين تفرد بذلك ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله ومال ابن المنذر إلى هذا وقال كانت العرب تفعلهما وفعلهما بعض أهل الاسلام بالإذن ثم نهى عنهما والنهي لا يكون إلا عن شئ كان يفعل وما قال أحد أنه نهى عنهما ثم أذن في فعلهما ثم نقل عن العلماء تركهما إلا ابن سيرين وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ وبه جزم الحازمي وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم وقد أخرج أبو داود والحاكم والبيهقي واللفظ له بسند صحيح عن عائشة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة في كل خمسين واحدة انتهى قوله : (وفي الباب عن نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة مصغرا وأخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وابن المنذر ولفظه قال نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال اذبحوا لله في أي شهر كان قال إنا كنا نفرع في الجاهلية قال في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استعمل ذبحته فتصدقت بلحمه فإن ذلك خير وفي رواية أبي داود عن أبي قلابة قال خالد قلت لأبي قلابة كم السائمة قال مائة (ومخنف بن سليم) تقدم حديثه وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في المنتقى وفتح الباري قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 86 ]
(باب ما جاء في العقيقة)
بفتح العين المهملة وهو اسم لما يذبح عن المولود واختلف في اشتقاقها فقال أبو عبيد والأصمعي أصلها الشعر الذي يخرج على رأس المولود وتبعه الزمخشري وغيره وسميت الشاة التي تذبح عنه في تلك الحالة عقيقة لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح وعن أحمد أنها مأخوذة من العق وهو الشق والقطع ورجحه ابن عبد البر وطائفة قال الخطابي العقيقة اسم الشاة المذبوحة عن الولد سميت بذلك لأنها تعق مذابحها أي تشق وتقطع قال وقيل هي الشعر الذي يحلق وقال ابن فارس الشاة التي تذبح والشعر كل منهما يسمى عقيقة يقال عق يعق إذا حلق عن ابنه عقيقته وذبح للمساكين شاة قال الحافظ في الفتح ومما ورد في تسمية الشاة عقيقة ما أخرجه البزار من طريق عطاء عن ابن عباس رفعه للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة وقال لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الاسناد انتهى قال الحافظ ووقع في عدة أحاديث عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة انتهى قوله : (حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم) بضم الخاء المعجمة وبالمثلثة مصغرا (عن يوسف بن ماهك) بفتح الهاء وبالكاف ترك صرفه كذا في المغني قال في التقريب يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسي المكي ثقة من الثالثة قوله : (شاتان مكافئتان) ووقع عند النسائي في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده شاتان مكافئتان ووقع في آخر الحديث قال يعني ابن قيس الراوي عن عمرو بن شعيب سألت زيد بن أسلم عن المكافئتان قال الشاتان المشبهتان تذبحان جميعا انتهى قال الحافظ أي لا يؤخر ذبح إحداهما عن الاخر وحكى أبو داود عن أحمد المكافئتان المتقاربتان قال الخطابي أي في السنن وقال الزمخشري معناه متعادلتان لما يجزئ في الزكاة وفي الأضحية وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سعيد بن منصور في حديث أم كرز في وجه آخر عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ شاتان مثلان ووقع عند الطبراني في حديث آخر قيل ما المكافئتان قال المثلان وما أشار إليه
[ 87 ]
زيد بن أسلم من ذبح إحداهما عقب الأخرى حسن ويحتمل الحمل على المعنيين معا انتهى
(وعن الجارية شاة) قال الحافظ في الفتح فيه حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية وعن مالك هما سواء فيعق عن كل واحد منهما شاة واحتج له بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا أخرجه أبو داود ولا حجة فيه فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه اخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ كبشين كبشين وأخرج أيضا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار وهو كذلك فإن العدد ليس شرطا بل مستحب واستدل بإطلاق الشاة والشاتين على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية وفيه وجهان للشافعية وأصحهما يشترط وهو بالقياس لا بالخبر وبذكر الشاة والكبش على أنه يتعين الغنم للعقيقة وبه ترجم أبو الشيخ الأصبهاني ونقله ابن المنذر عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وقال البندينجي من الشافعية لا نص للشافعي في ذلك وعندي أنه لا يجزئ غيرها والجمهور على إجزاء الابل والبقر أيضا وفيه حديث عند الطبراني وأبي الشيخ عن أنس رفعه يعق عنه من الابل والبقر والغنم ونص أحمد على اشتراط كاملة وذكر الرافعي بحثا أنها تتأدى بالسبع كما في الأضحية والله أعلم انتهى كلام الحافظ قلت : سند حديث أبي داود المذكور هكذا حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال أخبرنا عبد الوارث قال أخبرنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن الحديث والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وأما سند حديث أبي الشيخ بلفظ كبشين كبشين فلم أقف عليه وكذلك لم أقف على سند ما أخرجه هو من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله وأما حديث أنس يعق عنه من الابل والبقر والغنم فليس مما يحتج به فإن في سنده مسعدة بن اليسع الباهلي قال الحافظ الذهبي في الميزان مسعدة بن اليسع الباهلي سمع من متأخري التابعين هالك كذبه أبو داود وقال أحمد بن حنبل خرقنا حديثه منذ دهر انتهى وقال
الطبراني في معجمه الصغير بعد روايته لم يرده عن حديث إلا مسعدة تفرد به عبد الملك بن معروف انتهى قوله : (وفي الباب عن علي) أخرجه الترمذي وسيأتي (وأم كرز) بضم الكاف وسكون الراء
[ 88 ]
وبالزاي وأخرج حديثها أصحاب السنن الأربعة وأخرجه الترمذي في هذا الباب (وبريدة) أخرجه أبو داود قال كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الاسلام كنا نذبح الشاة يوم السابع ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران والحديث سكت عنه أبو داود وقال المنذري في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال انتهى (وسمرة) أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وسيأتي (وأبي هريرة) أخرجه البزار وأبو الشيخ مرفوعا أن اليهود تعق عن الغلام كبشا ولا تعق عن الجارية فعقوا عن الغلام كبشين وعن الجارية كبشا كذا في فتح الباري (وعبد الله بن عمرو) أخرجه أبو داود والنسائي وفيه من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري (وأنس) أخرجه الطبراني وأبو الشيخ وقد تقدم (وسلمان بن عامر) أخرجه البخاري مرفوعا بلفظ مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى (وابن عباس) أخرجه البزار وقد تقدم لفظه في أول الباب وأخرج عنه أبو داود حديثا آخر وتقدم هو أيضا قوله : (مع الغلام عقيقة) تمسك بمفهومه الحسن وقتادة فقالا يعق عن الصبي ولا يعق عن الجارية وخالفهم الجمهور فقالوا يعق عن الجارية أيضا وهو الحق وحجتهم الأحاديث المصرحة بذكر الجارية فلو ولد اثنان في بطن استحب عن كل واحد عقيقة ذكره ابن عبد البر عن الليث وقال لا أعلم عن أحد من العلماء خلافه (فأهريقوا عنه دما) كذا أبهم ما يهراق في هذا الحديث وفسر ذلك في حديث عائشة المذكور في الباب بلفظ : عن الغلام شاتان وعن الجارية
[ 89 ]
شاة وغير ذلك من الأحاديث المتقدمة (وأميطوا) أي أزيلوا وزنا ومعنى (الأذى) قال ابن سيرين إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو رواه أبو داود وأخرج الطبراني عنه قال لم أجد من
يخبرني عن تفسير الأذى انتهى وقد جزم الأصمعي بأنه حلق الرأس وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن كذلك ووقع في حديث عائشة عند الحاكم وأمر أن يماط عن رؤسهما الأذى ولكن لا يتعين ذلك في حلق الرأس فقد وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني ويماط عنه الأذى ويحلق رأسه فعطفه عليه فالأولى حمل الأذى على ما هو أعم من حلق الرأس ويؤيد ذلك أن في بعض طرق حديث عمرو بن شعيب ويماط عنه أقذاره رواه أبو الشيخ كذا في فتح الباري قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه (باب الأذان في أذن المولود) قوله : (عن عاصم بن عبيد الله) قال في التقريب عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ضعيف من الرابعة قوله : (أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة) أي أذن باذان الصلاة وفيه دليل على سنية الأذان في أذن المولود قال القاري وفي شرح السنة روى عن عمر بن عبد العزيز كان يؤذن في اليمنى ويقيم في اليسرى إذا ولد الصبي قال وقد جاء في مسند أبي يعلى الموصلي عن الحسين مرفوعا من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان كذا في الجامع الصغير للسيوطي انتهى كلام القاري .
[ 90 ]
قلت قال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده ضعيف انتهى وقال الحافظ في التلخيص حديث عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ولد له ولد أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم أره عنه مسندا وقد ذكره ابن المنذر عنه وقد روى مرفوعا أخرجه ابن السني من حديث الحسين بن علي بلفظ من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان وأم الصبيان هي التابعة من الجن انتهى قوله : (هذا حديث صحيح) قال المنذر في تلخيص السنن بعد نقل قول الترمذي هذا وفي
إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد غمزه الامام مالك وقال ابن معين ضعيف لا يحتج بحديثه وتكلم فيه غيرهما وانتقد عليه أبو حاتم محمد بن حبان البستي رواية هذا الحديث وغيره انتهى كلام المنذري قلت : وقال العجلي لا بأس به وقال ابن عدي هو مع ضعفه يكتب حديثه وقال ابن خزيمة لا أحتج به لسوء حفظه كذا في ميزان الاعتدال قوله : (والعمل عليه) أي على حديث أبي رافع في التأذين في أذن المولود عقيب الولادة فإن قلت كيف العمل عليه وهو ضعيف لأن في سنده عاصم بن عبيد الله كما عرفت قلت : نعم هو ضعيف لكنه يعتضد بحديث الحسين بن علي رضي الله عنهما الذي رواه أبو يعلي الموصلي وابن السني قوله : (وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة من غير وجه عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) وإليه ذهب الجمهور (وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنه عق عن الحسن بن علي بشاة) رواه الترمذي وهو ضعيف وسيأتي (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث) وهو قول مالك كما عرفت فيما تقدم وقد عرفت ما فيه
[ 91 ]
(باب) قولة : عن عفير بالتصغير ابن معدان الحمصي المؤذن ضعيف من السابعة عن سليم بالتصغير قوله : (خير الأضحية الكبش) رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت بلفظ خير الأضحية الكبش الأقرن قال الطيبي ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه في الغالب انتهى (وخير الكفن الحلة) أي الازار والرداء قال في النهاية الحلة واحد الحلل وهي برود اليمن ولا يسمي حلة حتى يكون ثوبين من جنس واحد انتهى قال في اللمعات والمقصود والله أعلم أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد والثوبان خير منه وإن أريد السنة
والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور انتهى وهي نوع مخطط من ثياب القطن على ما قاله بعضهم قال المطهر اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن بهذا الحديث والأصح أن الأبيض أفضل لحديث عائشة كفن في السحولية وحديث ابن عباس كفنوا فيها موتاكم انتهى قال القاري وفيه أن الحلة على ما في القاموس إزار ورداء أو غيره فمع هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال وقال ابن الملك الأكثرون على اختيار البيض وإنما قال ذلك في الحلة لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم قوله : (هذا حديث غريب وعفير بن معدان يضعف في الحديث) ورواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت بسند اخر ليس فيه عفير وسكت عنه هو والمنذري (باب) قوله : (عن مخنف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة كمنبر (بن سليم) بالتصغير
[ 92 ]
قوله : (كنا وقوفا) أي واقفين (مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات) يعني في حجة الوداع (على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة) أي واجب عليهم (هي التي تسمونها الرجبية) أي الذبيحة المنسوبة إلى رجب لوقوعها فيه وتقديم بيان العتيرة وقد احتج بهذا الحديث من قال بوجوب الأضحية قال الحافظ في الفتح ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في الفتح أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي انتهى وقال في بحث الفرع والعتيرة من الفتح بعد ذكر هذا الحديث ضعفه الخطابي لكن حسنه الترمذي وجاء من وجه آخر عن عبد الرزاق عن مخنف بن سليم قلت : قال الزيلعي في نصب الراية قال عبد الحق إسناده ضعيف قال ابن القطان وعلته الجهل بحال أبي رملة واسمه عامر فإنه لا يعرف إلا بهذا عن ابن عون انتهى وقال الحافظ في التقريب عامر أبو رملة شيخ لابن عون لا يعرف من الثالثة (باب)
قوله : (عن محمد بن علي بن الحسين) هو أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثقة فاضل من الرابعة (وتصدق بزنة شعره فضة) وفيه دليل على التصدق بزنة شعر المولود فضة
[ 93 ]
قوله (هذا حديث حسن غريب وإسناده ليس بمتصل) فإن قلت كيف حسن الترمذي هذا الحديث مع الحكم عليه بأن إسناده ليس بمتصل قلت الظاهر أنه حسنه بتعدد طرقه قال الحافظ في التلخيص حديث أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزنه فضة رواه مالك وأبو داود في المراسيل والبيهقي من حديث جعفر بن محمد زاد البيهقي عن أبيه عن جده به ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي فذكر الحافظ حديث الباب قال وروى البيهقي من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين عن أبي رافع قال لما ولدت فاطمة حسنا قالت يا رسول الله ألا أعق عن ابني بدم قال لا ولكن أحلقي شعره وتصدقي بوزنه من الورق على الأوفاض يعني أهل الصفة قال البيهقي وتفرد به ابن عقيل وروى الحاكم من حديث علي قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة وأعطي القابلة رجل العقيقة ورواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا قال وفي الأحمدين من معجم الطبراني الأوسط في ترجمة أحمد بن القاسم من حديث عطاء عن ابن عباس قال سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى ويثقب أذنه ويعق عنه وتحلق رأسه وتلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهبا أو فضة فيه رواد بن الجراح وهو ضعيف وقد تعقبه بعضهم فقال كيف تقول يماط عنه الأذى مع قوله تلطخ رأسه بدم عقيقته قال ولا إشكال فيه فلعل إماطة الأذى تقع بعد اللطخ والواو لا تستلزم الترتيب وأما زنة شعر أم كلثوم وزينب فلم أره انتهى كلام الحافظ
(باب) قوله : (خطب ثم نزل) فيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم خطب على شئ مرتفع وفي حديث جابر
[ 94 ]
لآتي نزل عن منبره (نزل عن منبره) فيه ثبوت وجود المنبر في المصلى وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب عليه قوله : (أن يقول الرجل إذا ذبح بسم الله والله أكبر) أي بالواو قوله : (هذا حديث غريب من هذا الوجه) وأخرجه أبو داود بإسناد الترمذي وسكت عنه قوله : (والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لا يسمع من جابر) قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا وقال أبو حاتم الرازي يشبه أن يكون أدركه انتهى (باب) قوله : (الغلام مرتهن بعقيقته) اختلف في معناه قال الخطابي اختلف الناس في هذا وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال هذا في الشفاعة يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات
[ 95 ]
طفلا لم يشفع في أبويه وقيل معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن وهذا يقوي قول من قال بالوجوب وقيل المعنى أنه مرهون بأذى شعره ولذلك فأميطوا عنه الأذى انتهى والذي نقل عن أحمد قاله عطاء الخرساني أسنده عنه البيهقي وأخرج ابن حزم عن بريدة الأسلمي قال إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس وهذا لو ثبت لكان قولا آخر يتمسك به من قال بوجوب العقيقة قال ابن حزم ومثله عن فاطمة بنت الحسين انتهى (يذبح عنه يوم السابع) أي من يوم الولادة وهل يحسب يوم الولادة قال ابن عبد البر نص مالك على أن أول السبعة اليوم الذي يلي يوم الولادة إلا إن ولد قبل طلوع الفجر وكذا نقله البويطي عن الشافعي ونقل الرافعي وجهين ورجح الحسبان واختلف ترجيح النووي كذا في فتح الباري
قلت : الظاهر هو أن يحسب يوم الولادة والله تعالى أعلم وقوله : يذبح على البناء للمجهول قال الحافظ فيه إنه لا يتعين الذابح وعند الشافعية يتعين من تلزمه نفقة المولود وعن الحنابلة يتعين الأب إلا أن تعذر بموت أو امتناع قال الرافعي وكأن الحديث أنه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين مؤول قال النووي يحتمل أن يكون أبواه حينئذ كانا معسرين أو تبرع بإذن الأب أو قوله عق أي أمر أو من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما يضحي عمن لم يضح عن أمته وقد عده بعضهم من خصائصه ونص مالك على أنه يعق عن اليتيم من ماله ومنعه الشافعية (ويسمى) بصيغة المجهول وفيه دليل على سنيه تسمية المولود يوم السابع وقد ورد فيه غير هذا الحديث ففي البزار وصحيحي ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين يوم السابع وسماهما وفي معجم الطبراني الأوسط عن ابن عمر مرفوعا إذا كان اليوم السابع للمولود فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى وسموه وسنده صحيح وقد ثبت تسمية المولود يوم يولد ففي صحيح البخاري عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم فحنكه بتمرة الحديث وفيه عن أبي أسيد أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابنه حين ولد فسماه المنذر وفي صحيح مسلم عن أنس رفعه قال ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم الحديث (يحلق رأسه) أي جميعه لثبوت النهي عن القزع قوله : (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري وقال غير واحد من الأئمة إن حديث
[ 96 ]
الحسن عن سمرة كتاب إلا حديث العقيقة وتصحيح الترمذي له يدل على ذلك وقد حكى البخاري في الصحيح ما يدل على سماع الحسن من سمرة حديث العقيقة انتهى قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشرة فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين) قال الحافظ في الفتح بعد نقل قول الترمذي هذا ما لفظه لم أر هذا صريحا إلا عن أبي عبد الله البوشنجي ونقله صالح بن أحمد عن أبيه وورد فيه حديث أخرجه الطبراني من رواية
إسماعيل بن مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وإسماعيل ضعيف وذكر الطبراني أنه تفرد به انتهى كلام الحافظ قلت : قال الحافظ في التقريب إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيها وكان ضعيف الحديث انتهى قوله : (وقالوا لا يجزئ في العقيقة من الشاة إلا ما يجزئ في الأضحية) قد ورد في أحاديث العقيقة لفظ الشاة والشاتين مطلقا من غير تقييد فإطلاق لفظ الشاة والشاتين يدل على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية وفيه وجهان للشافعية وأصحهما يشترط قال الحافظ وهو بالقياس لا بالخبر انتهى قلت : لم يثبت الاشتراط بحديث صحيح أصلا بل ولا بحديث ضعيف فالذين قالوا بالاشتراط ليس لهم دليل غير القياس قال الشوكاني في النيل هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية وفيه وجهان للشافعية وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق لكن لا لهذا الاطلاق بل لعدم ورود ما يدل ههنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية وهي أحكام شرعية لا تثبت بدون دليل انتهى كلام الشوكاني فائدة قال القسطلاني في شرح البخاري وسن طبخها كسائر الولائم إلا رجلها فتعطى نيئة للقابلة لحديث الحاكم انتهى قلت : قال الحافظ في التلخيص روى الحاكم من حديث علي قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 97 ]
فاطمة فقال زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة وأعطي القابلة رجل العقيقة ورواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا انتهى فائدة : قد اشتهر أنه لا يكسر عظام العقيقة وقد ورد فيه حديث لكنه مرسل قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ذكر أبو داود في المراسيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما أن ابعثوا إلى بيت القابلة
برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما انتهى فائدة : قد اشتهر أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه وقد ورد فيه حديث لكنه ليس بصحيح قال الحافظ في فتح الباري أخرج البزار من رواية عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة قال البزار تفرد به عبد الله وهو ضعيف انتهى وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين أحدهما من رواية إسماعيل بن مسلم عن قتادة وإسماعيل ضعيف أيضا وقد قال عبد الرزاق إنهم تركوا حديث عبد الله بن محرر من أجل هذا الحديث فلعل إسماعيل سرقه منه ثانيهما من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل وداود بن محبر قالا حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس وداود ضعيف لكن الهيثم ثقة عبد الله من رجال البخاري فالحديث قوي الاسناد ثم قال فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال لكان هذا الحديث صحيحا وذكر ما فيه من الجرح والتعديل ثم قال فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة ويحتمل أو يقال إن صح هذا الخبر كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته انتهى فائدة : قال الشوكاني اختلف في مبدأ وقت ذبح العقيقة فقيل وقتها وقت الضحايا أو من وقت الضحى أو غير ذلك وقيل إنها تجزئ في الليل وقيل لا على حسب الخلاف في الأضحية وقيل تجزئ في كل وقت وهو الظاهر لما عرفت من عدم الدليل على أنه يعتبر فيها ما يعتبر في الأضحية انتهى فائدة : إذا ما ت المولود قبل يوم السابع هل يعق عنه أم لا فقيل لا يعق عنه وهو قول مالك قال الحافظ في الفتح قوله صلى الله عليه وسلم يذبح عنه يوم السابع تمسك به من قال إن العقيقة مؤقتة باليوم السابع وأن من ذبح قبله لم يقع الموقع وأنها تفوت بعده وهو قول مالك وقال أيضا إن مات قبل السابع سقطت العقيقة وفي رواية ابن وهب عن مالك أن من لم يعق عنه في السابع الأول عق عنه في السابع الثاني قال ابن وهب ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث انتهى كلام الحافظ
[ 98 ]
قلت والظاهر أن العقيقة مؤقتة باليوم السابع فقول مالك هو الظاهر والله تعالى أعلم وأما رواية السابع الثاني والسابع الثالث فضعيفة كما عرفت فيما مر (باب) قوله (عن عمرو) بالواو أو (عمر بن مسلم) أي بغير الواو وأو للشك وصحح الترمذي فيما بعد أنه هو عمرو بن مسلم بالواو (فلا يأخذن) بنون التأكيد (من شعره ولا من أظفاره) وفي رواية لمسلم إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحي فلا يمسن من شعره وبشره شيئا وفي رواية له أخرى فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (والصحيح هو عمرو بن مسلم) أي بالواو قال أبو داود في سننه واختلفوا على مالك وعلى محمد بن عمرو في عمرو بن مسلم فقال بعضهم عمر وأكثرهم قال عمرو قال أبو داود وهو عمرو بن مسلم بن أكيمة الليثي الجندعي انتهى قال في التقريب عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة بالتصغير الليثي المدني وقيل اسمه عمر صدوق من السادسة (وقد روى) بصيغة المجهول (هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه نحو هذا) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما (وبه كان يقول سعيد بن المسيب) رواه عنه مسلم في صحيحه (وإلى هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق) قال النووي في شرح مسلم اختلف أهل العلم في ذلك فقال سعيد بن
[ 99 ]
المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إنه يحرم عليه أخذ شئ من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وقال الشافعي وأصحابه هو مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام وقال أبو حنيفة لا يكره وقال مالك في رواية لا يكره وفي رواية يكره وفي رواية يحرم في التطوع دون الواجب واحتج من حرم بهذه الأحاديث واحتج الشافعي وآخرون بحديث عائشة قال كنت أقتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شئ
أحله الله حتى ينحر هديه رواه البخاري ومسلم وقال البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية فدل على أنه لا يحرم ذلك وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه انتهى كلام النووي (ورخص بعض أهل العلم في ذلك فقالوا لا بأس أن يأخذ من شعره وأظفاره وهو قول الشافعي) وحكى النووي أن الشافعي وأصحابه قالوا إن ذلك مكروه كراهة التنزيه كما عرفت فالظاهر أن المراد بقوله لا بأس أن يأخذ الخ أي جائز مع الكراهة (واحتج) أي الشافعي (بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعث) الخ أخرجه الجماعة وحمل النهي في حديث أم سلمة المذكور في الباب على كراهية التنزيه جمعا بين هذين الحديثين المختلفين وأجاب الطحاوي عن حديث أم سلمة بأنه موقوف قال في شرح الاثار بعد رواية حديث أم سلمة موقوفا ما لفظه فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها انتهى قلت لا شك في أن بعض الرواة روى حديث أم سلمة موقوفا لكن أكثرهم رووه بأسانيد صحيحة مرفوعا فمنها ما رواه الطحاوي في شرح الاثار من طريق شعبة عن مالك بن أنس عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى منكم هلال ذي الحجة الحديث ومنها ما رواه الطحاوي أيضا من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمرو بن مسلم أنه قال أخبرني سعيد بن المسيب أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلت العشر الحديث قيل لسفيان قال بعضهم لا يرفعه فقال لكني أرفعه
[ 100 ]
ومنها ما رواه مسلم من طريق محمد بن عمرو الليثي عن عمر بن مسلم عن عمار بن أكيمة الليثي قال سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له ذبح الحديث وقد أخرج مسلم أيضا في صحيحه من الطريقين
الذين ذكرناهما عن شرح الاثار وهذه الطرق المرفوعة كلها صحيحة فكيف يصح القول بأن حديث أم سلمة الموقوف هو أصل الحديث بل الظاهر أن أصل الحديث هو المرفوع وقد أفتت أم سلمة على وفق حديثها المرفوع فروى بعضهم عنها موقوفا عليها من قولها والحاصل أن حديث أم سلمة وحديث عائشة كليهما مرفوعان صحيحان ولحديث أم سلمة ترجيح لأنه قولي أو يقال كما قال الشافعي رحمه الله من أن حديثها محمول على كراهة التنزيه والله تعالى أعلم
[ 101 ]
(أبواب النذور والأيمان الخ) النذور جمع نذر وأصله الانذار بمعنى التخويف وعرفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر والأيمان بفتح الهمزة جمع يمين وأصل اليمين في اللغة اليد وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل يمين صاحبه وقيل لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشئ فسمى الحلف بذلك الحفظ المحلوف عليه وسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها ويجمع اليمين أيضا على أيمن كرغيف وأرغف وعرفت شرعا بأنها توكيد الشئ بذكر اسم أو صفة لله وهذا أخصر التعاريف وأقربها (باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نذر في معصية) قوله : (لا نذر في معصية) قال الطيبي أي لا وفاة في نذر معصية إنما قدر الوفاء لأن لا لنفي الجنس تقتضي نفي الماهية فإذا نفيت ينتفي ما يتعلق بها وهو غير صحيح لقوله بعده وكفارته كفارة اليمين فإذا يتعين تقديره الوفاء ويؤيد قوله في حديث عمران بن حصين ومن كان نذر في معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفر ما يكفر اليمين انتهى (وكفارته كفارة يمين) استدل به من قال بوجوب الكفارة في نذر المعصية
[ 102 ]
قوله : (وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعمران بن حصين) أما حديث ابن عمر فلينظر من
أخرجه وأما حديث جابر فأخرجه أحمد بلفظ : لا وفاء لنذر في معصية الله وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائي مرفوعا بلفظ النذر نذران فمن كان نذر في طاعة فذلك لله فيه الوفاء ومن كان نذر في معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين وهذا الحديث ضعيف صرح به الحافظ في التلخيص قوله : (وهذا حديث لا يصح لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة) قال الحافظ في التلخيص رواه أحمد وأصحاب السنن وهو منقطع لم يسمعه الزهري من أبي سلمة (وهذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال النسائي سليمان بن أرقم متروك وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير يعني فرووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران انتهى قلت ولهذا الحديث طرق أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص مع الكلام عليها وقال
[ 103 ]
النووي في الروضة حديث لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين ضعيف باتفاق المحدثين قال الحافظ قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن فأين الاتفاق انتهى قوله : (وهو قول أحمد وإسحاق) قد اختلف فيمن وقع منه النذر في المعصية هل يجب فيه كفارة فقال الجمهور لا وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم واتفقوا على تحريم النذر في المعصية واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة واحتج من أوجبها بأحاديث الباب (وهو قول مالك والشافعي) وهو قول الجمهور وأجابوا عن أحاديث ضعيفة قلت : والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم قوله : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) الطاعة أعم من أن تكون في واجب أو مستحب يتصور النذر في فعل الواجب بأن يؤقت كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها فيجب عليه ذلك بقدر طاقته وأما المستحب من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجبا ويتقيد بما قيده به الناذر والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة وفي النهي عن ترك الوفاء به
إذا كان في معصية (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه) قال في شرح السنة فيه دليل على أن من نذر معصية لا يجوز الوفاء به ولا يلزمه الكفارة إذا لو كانت فيه الكفارة لبينه صلى الله عليه وسلم قال القاري لا دلالة في الحديث على نفي الكفارة ولا على إثباتها قلت الأمر كما قال القاري
[ 104 ]
قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله : (قالوا لا يعصي الله) هذا مجمع عليه ليس فيه اختلاف (وليس فيه كفارة الخ) فيه اختلاف كما عرفت آنفا (باب لا نذر في ما لا يملك ابن ادم) قوله : (ليس على العبد نذر فيما لا يملك) أي لا يصح النذر ولا ينعقد في شئ لا يملكه حين النذر حتى لو ملكه بعده لم يلزمه الوفاء به ولا الكفارة عليه قوله : (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين) أم حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود وأما حديث عمران فأخرجه مسلم قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود (باب في في كفارة النذر إذا لم يسم) قوله : (حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة) محمد هذا هو ابن يزيد بن أبي زياد الثقفي
[ 105 ]
قال الذهبي في الميزان مجهول قال وصحح له الترمذي (وقال حدثني كعب بن علقمة) بن كعب المصري التنوخي أبو عبد الحميد صدوق من الخامسة (عن أبي الخير) اسمه مرثد بن عبد الله اليزني المصري ثقة فقيه من الثالثة قوله : (كفارة النذر إذا لم يسم) أي لم يعينه الناذر بأن قال إني نذرت نذرا أو على نذر ولم يعين أنه صوم أو غيره (كفارة يمين) فيه دليل على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير
مسمى قال النووي اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث يعني حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم بلفظ كفارة النذر كفارة اليمين فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله علي نذر وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر وقالوا هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين انتهى قال الشوكاني والظاهر اختصاص الحديث يعني حديث مسلم المذكور بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلق على المقيد واجب وأما النذور المسماة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد ولا يلزم فيها الكفارة وإن كانت مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الأمر بها في الأحاديث في قصة الناذرة بالمشي إلى بيت الله وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم ومن نذر نذرا لم يطقه هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة انتهى قوله : (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم بدون زيادة إذا لم يسم وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه وفي الباب عن ابن عباس مرفوعا بلفظ من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين أخرجه أبو داود وابن ماجه قال الحافظ في بلوغ المرام إسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه
[ 106 ]
(باب فيمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها) قوله : (لا تسأل) بصيغة النهي (الإمارة) بكسر الهمزة أي الحكومة (فإنك إن أتتك) ألا حصلت لك الامارة (عن مسألة) أي بعد سؤالك إياها (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف مخففة أي خليت وتركت معها من غير إعانة فيها (أعنت عليها) بصيغة المجهول من الاعانة أي أعانك الله على تلك الامارة (فأت الذي هو خير ولتكفر عن يمينك) وفي رواية فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير قوله (وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي الدرداء وأنس وعائشة وعبد الله بن عمرو وأبي
هريرة وأم سلمة وأبي موسى) أما حديث عدي بن حاتم فأخرجه مسلم وأما حديث أبي الدرداء وأنس فلينظر من أخرجه وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطبراني وأما حديث أبي موسى فأخرجه الشيخان قوله : (حديث عبد الرحمن بن سمرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 107 ]
(باب في الكفارة قبل الحنث) قوله : (فليكفر عن يمينه وليفعل) استدل به من جوز له الكفارة قبل الحنث وفيه أن الواو لمطلق الجمع نعم وقع في حديث أم سلمة الذي أشار إليه الترمذي لفظ ثم ولفظه فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير أخرجه الطبراني وكذلك وقع لفظ ثم في حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أبي داود ولفظه فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير قال الحافظ في بلوغ المرام إسناد هذه الرواية صحيح قال الشوكاني وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه وأخرج الحاكم عن عائشة نحوها انتهى فهذه الروايات تدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث قوله : (وفي الباب عن أم سلمة) أخرجه الطبراني كما تقدم آنفا قوله : (حديث أبي هريرة حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم قوله : (وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزئ إلا بعد الحنث وقال أهل الرأي تجزئ لا الكفارة قبل الحنث وعن مالك روايتان ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالفه ابن حزم واحتج الأولون بالروايات التي وقع فيها تقديم الكفارة على الحنث وبالروايات التي وقع فيها لفظ ثم وقد ذكرناه فيما تقدم واحتج الطحاوي لما ذهب إليه أهل الرأي بقوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم
[ 108 ]
ورده مخالفوه بل التقدير فأردتم الحنث قال الحافظ وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك فليس أحد التقديرين بأولى من الاخر انتهى واحتجوا أيضا بأن ظاهر الاية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع فلا يقدم التطوع مقام المفروض وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزئ كما في تقديم الزكاة وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشرة صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم ولولا الاجماع على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب قال المازري للكفارة ثلاث حالات أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقا ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف وأحاديث الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير وفي حديث عمرو بن شعيب ما يدل على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو الكفارة وقال أبو داود إنه ما ورد من ذلك إلا ما لا يعبأ به قال الحافظ كأنه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة يرفعه من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته ويحيى ضعيف جدا وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك فإنه أخرجه عنه بلفظ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد انتهى (باب في الاستثناء في اليمين
قوله : (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى فلا حنث عليه) فيه دليل على أن التقييد بمشيئة
[ 109 ]
الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى عليه ابن العربي الاجماع قال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال ولو جاز منفصلا كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة قال واختلفوا في الاتصال فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكون بينهما ولا يضر سكتة النفس عن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم وقال عطاء قدر حلبة ناقة وقال سعيد بن جبير يصح بعد أربعة أشهر وعن ابن عباس له الاستثناء أبدا ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد وإلى ذلك ذهب الجمهور وبعضهم فصل واستثنى أحمد العتاق قال لحديث إذا قال أنت طالق إن شاء الله لم تطلق وإن قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر وقد تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول كما قال البيهقي كذا في النيل قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب (حديث بن عمر حديث حسن) قال في المنتقى رواه الخمسة إلا أبا داود انتهى قال في النيل حديث ابن عمر رجاله رجال الصحيح وله طرق كما ذكره صاحب الأطراف وهو أيضا في سنن أبي داود في الأيمان والنذور لا كما قال المصنف يعني صاحب المنتقى قوله : (وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي الخ) وهو القول الراجح المعول عليه
[ 110 ]
قوله : (لأطوفن) اللام جواب القسم وهو محذوف أي والله لأطوفن ويؤيده قوله في اخره لم يحنث كما في رواية لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم والقسم لا بد له من مقسم به (على سبعين امرأة) قد وقع في روايات هذا الحديث اختلاف كثير في العدد ذكرها الحافظ في الفتح وقال بعد
ذكرها ما لفظه فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسع وتسعون ومائة والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سرارى أو بالعكس وأما السبعون فللمبالغة وأما تسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين فمن قال تسعون ألقى الكسر ومن قال مائة جبره وأما قول بعض الشراح ليس في ذكر القليل نفي الكثير وهو ومن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور فليس بكاف في هذا المقام وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين وقد حكى وهب بن منبه في المبتدأ أنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاث مائة مهيرة وسبع مائة سرية ونحو ما أخرج الحاكم في المستدرك من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال إنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير فيها ثلاث مائة صريحة وسبع مائة سرية انتهى (وتلد كل امرأة غلاما) وفي رواية للبخاري تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله (فطاف عليهن) أي جامعهن قوله (إلا امرأة نصف غلام) وفي رواية البخاري إلا واحدة ساقطا أحد شقيه (لو قال إن شاء الله لكان كما قال) وفي رواية للبخاري لو قال إن شاء الله لم يحنث وفي هذه الرواية لأطوفن هذه الليلة بتسعين امرأة كل تلد غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه قال سفيان يعني الملك قل إن شاء الله فنسي الحديث قال في الفتح قوله لو قال إن شاء الله لم يحنث قيل هو خاص بسليمان عليه السلام وأنه لو قال في هذه الواقعة إن شاء الله حصل مقصوده وليس المراد أن كل من قالها وقع ما أراد ويؤيد ذلك أن موسى عليه السلام قالها عند ما وعد الخضر أنه يصبر عما يراه منه ولا يسأله عنه ومع ذلك فلم يصبر كما أشار إلى ذلك في الحديث الصحيح لوددنا لو صبر حتى يقص الله عليه من
[ 111 ]
أمرهما وقد قالها الذبيح فوقع في قوله عليه السلام (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فصبر حتى فداه الله بالذبح قوله : (لأطوفن الليلة على مائة امرأة) رواه أحمد وأبو عوانة كما في الفتح (باب في كراهية الحلف بغير الله) قوله : (وهو يقول وأبي وأبي) الواو للقسم يعني يقسم بأبيه ويقول وأبي وأبي (فقال
ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بابائكم) قال العلماء السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بشئ يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات وكأن المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها وهل المنع للتحريم قولان عند المالكية كذا قال ابن دقيق العيد والمشهور عندهم الكراهة والخلاف أيضا عند الحنابلة لكن المشهور عندهم التحريم وبه جزم الظاهرية وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه كذا في (ذاكرا ولا آثرا) بالمد وكسر المثلثة أي حاكيا عن الغير أي ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري ويدل عليه ما وقع في رواية عقيل عن ابن شهاب عند مسلم ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ولا تكلمت بها وقد استشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت والحاكي عن غيره لا يسمى حالفا وأجيب باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفا أي ولا ذكرتها اثرا عن غيري أو يكون ضمن حلفت معنى تكلمت ويقويه رواية عقيل
[ 112 ]
قوله : (وفي الباب عن ثابت بن الضحاك وابن عباس وأبي هريرة وقتيلة وعبد الرحمن بن سمرة) أما حديث ثابت بن الضحاك فأخرجه الشيخان وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي مرفوعا لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون وأما حديث قتيلة وهي قتيلة بالمثناة والتصغير بنت صيفي الأنصارية أو الجهنية صحابية من المهاجرات فأخرجه أحمد والنسائي عنها أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقول أحدهم ما شاء الله ثم شئت قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (قال أبو عبيد) هو إمام مشهور له تصانيف نافعة منها غريب الحديث قاله الحافظ
اسمه القاسم بن سلام البغدادي الامام المشهور ثقة فاضل مصنف من العاشرة ولم أر له في الكتب حديثا مستندا بل من أقواله في شرح الغريب يقول (لا آثره عن غيره) أي لا أنقله عن غيري قال في القاموس الصراح الأثر نقل كردن سخن ومنه حديث مأثور أي ينقله خلف عن سلف قوله : (أدرك عمر وهو في ركب) وفي رواية البخاري وهو يسير في ركب وفي مسند يعقوب بن شيبة من طريق ابن عباس عن عمر بينما أنا راكب أسير في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو يحلف بأبيه) زاد في رواية وكان قريش تحلف بآبائها (ليحلف حالف بالله أو ليسكت) في هذا الحديث من الفوائد الزجر عن الحلف بغير الله وإنما خص في حديث عمر بآباء لوروده على سببه المذكور أو خص لكونه كان غالبا عليه لقوله في الرواية الأخرى وكانت قريش تحلف بآبائها ويدل على النعيم قوله من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان
[ 113 ]
أحدهما أن فيه حذفا والتقدير ورب الشمس ونحوه الثاني أن ذلك يختص بالله فإذا أراد تعظيم شئ من مخلوقاته أقسم به وليس لغيره ذلك وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله عليه السلام للأعرابي أفلح وأبيه أن صدق فأجيب عنه بأن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم عقري حلقي وما أشبه ذلك أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال ورب أبيه وقيل هو خاص ويحتاج إلى دليل وحكى السهيلي عن بعض مشائخه أنه قال هو تصحيف وإنما كان والله قصرت اللامان واستنكر القرطبي هذا وقال إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة وأقوى الأجوبة الأولان قاله الحافظ في الفتح وقد بسط الكلام فيه وأحاديث الباب تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه وإليه ذهب الجمهور وقال بعض الحنابلة إن الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفارة قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
(باب) قوله : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) كذا وقع في بعض النسخ بلفظ أو وكذا ذكره الحافظ في الفتح نقلا عن جامع الترمذي بلفظ أو وقع في بعضها وأشرك بالواو وكذا ذكره الحافظ في التلخيص نقلا عن الترمذي بالواو وقال الحافظ في الفتح والتعبير بقوله فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك قوله : (هذا حديث حسن) قال الحافظ في الفتح وصححه الحاكم وقال في التلخيص قال البيهقي لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر قال الحافظ قد رواه شعبة عن منصور عنه
[ 114 ]
قال كنت عند ابن عمر ورواه الأعمش عن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر انتهى (من قال في حلفه باللات والعزى) صنمان معروفان في الجاهلية (فليقل لا إله إلا الله) قال الحافظ وإنما أمر الحالف بذلك بقول لا إله إلا الله لكونه تعاطي صورة تعظيم الصنم حيث حلف به قال جمهور العلماء من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أي قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو برئ من الاسلام أو من النبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه وعليه أن يستغفر الله ولا كفارة عليه ويستحب أن يقول لا إله إلا الله وعن الحنفية تجب الكفارة إلا في مثل قوله أنا مبتدع أو برئ من النبي صلى الله عليه وسلم واحتج بإيجاب الكفارة على المظاهر مع أن الظهار منكر من القول وزور كما قال الله تعالى والحلف بهذه الأشياء منكر وتعقب بهذا الخبر لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله ولم يذكر فيه كفارة والأصل عدمها حتى يقام الدليل وأما القياس على الظهار فلا يصلح لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة إصلاح مع أنه منكر من القول انتهى وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان (الرياء شرك) روى ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل أن يسير الرياء شرك الحديث وقد فسر بعض أهل العلم هذه الاية (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) الاية تمامها (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) قال لا يرائي يعني أن المراد من الشرك في هذه الرياء وأطلق على الرياء تغليظا ومبالغة في الزجر
عنه
[ 115 ]
(باب في من يحلف بالمشي ولا يستطيع) قوله (عن عمران القطان) هو عمران بن داود بفتح الواو بعدها راء أبو العوام البصري صدوق بهم ورمى برأي الخوارج قوله : (مروها فلتركب) فيه دليل على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله وفيه تعذيبه نفسه فعليه أن يترك المشي ويركب وأما قوله وفي تعذيبه نفسه فيدل عليه حديث أنس الاتي قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة وعقبة بن عامر وابن عباس) أما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الشيخان وغيرهما وأخرجه الترمذي أيضا فيما يأتي وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها والحديث هذا سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح قوله : (وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب) وأخرج الشيخان معناه قوله : (يهادي) بصيغة المجهول (بين ابنيه) أي يمشي بين ابنيه معتمدا عليهما من ضعفه (فقال ما بال هذا) أي ما حال هذا الشيخ (قالوا نذر يا رسول الله أن يمشي) وللنسائي في رواية
[ 116 ]
نذر أن يمشي إلى بيت الله (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه) هذا فاعل المصدر ونفسه مفعوله (فأمره أن يركب) أي لعجزه عن المشي قوله : (هذا حديث صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وقالوا إذا نذرت المرأة أن تمشي فلتركب ولتهد شاة) قد وقع في حديث عكرمة عن ابن عباس في قصة أخت عقبة بن عامر عند أحمد
فلتركب ولتهد بدنة وفي لفظ عند أبي داود فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا وقد بسط الكلام ههنا الشوكاني في النيل من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى النيل (باب في كراهية النذور قوله : (لا تنذروا) بضم الذال وكسرها (فإن النذر لا يغني) أي لا يدفع أو لا ينفع (من القدر) بفتحتين أي من القضاء السماوي (شيئا) فإن المقدر لا يتغير (وإنما يستخرج به) أي يسبب النذر (من البخيل) لأن غير البخيل يعطى باختياره بلا واسطة النذر قال القاضي عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شئ من يده إلا في مقابلة عوض يستوفى أو لا فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له ويعلقه على جلب نفع أو دفع ضر وذلك لا يغني عن القدر شيئا أي نذر لا يسوق إليه خيرا لم يقدر له ولا يرد شرا قضى عليه ولكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل مالا لم يكن يريد أن يخرجه وقال
[ 117 ]
الخطابي معنى نهيه عن النذر إنما هو التأكد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه ولو كان معناه الزجر عنه حتى يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذ صار معصية وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد شيئا قضاه الله تعالى فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدر الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم وإذا فعلتم ذلك فأخرجه عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم قال الطيبي : تحريره أنه علل النهي بقوله فإن النذر لا يغني من القدر ونبه به على أن النذر المنهي عنه هو النذر المقيد الذي يعتقد أنه يغني عن القدر بنفسه كما زعموا وكم نرى في عهدنا جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا من غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر وأما إذا نذر واعتقد أن الله تعالى هو الذي يسهل الأمور وهو الضار والنافع والنذور كالذارئع والوسائل فيكون الوفاء
بالنذر طاعة ولا يكون منهيا عنه كيف وقد مدح الله تعالى جل شأنه الخيرة من عباده بقوله (يوفون بالنذر) و (إني نذرت لك ما في بطني محررا) وأما معنى وإنما يستخرج به من البخيل فإن الله تعالى يحب البذل والإنفاق فمن سمحت أريحته فذلك وإلا فشرع النذور ليستخرج به من مال البخيل انتهى قوله : (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الجماعة إلا الترمذي ولفظه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل قوله : (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا أبا داود قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوا النذر) قال الخطابي هذا باب من العلم غريب وهو أن ينهى عن فعل شئ حتى إذا فعل كان واجبا وقد ذهب أكثر الشافعية ونقل عن نص الشافعي أن النذر مكروه وكذا عن المالكية وجزم الحنابلة بالكراهة وقال النووي إنه مستحب صرح بذلك في شرح المهذب وروى ذلك عن القاضي
[ 118 ]
حسين والتولي والغزالي وجزم القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال هذا النهي أن يقول مثلا إن شفى الله مريضي فعلي صدقة ووجهه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعارضة ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله وإنما يستخرج به من البخيل قال وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر وإليهما الاشارة في الحديث بقوله فإنه لا يرد شيئا والحالة الأولى تقارب الكفر والثانية خطأ صريح قال الحافظ بل تقرب من الكفر ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي في الخبر على الكراهة قال والذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من
يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرما والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك قال الحافظ وهو تفصيل حسن ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة انتهى (باب وفاء النذر) قوله (أوف بنذرك) زاد البخاري في رواية فاعتكف ليلة قوله : (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عباس) أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه قوله : (وحديث عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث) قال الشوكاني في حديث عمر رضي
[ 119 ]
الله عنه دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي وعند الجمهور لا ينعقد نذر الكافر وحديث عمر حجة عليهم وقد أجابوا عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف بأن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له لأن الاعتكاف طاعة ولا يخفى ما في هذا الجواب من المخالفة للصواب وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوفاء استحبابا لا وجوبا ، ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد انتهى . واستدل تقوله فاعتكف ليلة على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس بوقت صوم وقد أمره صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها وتعقب بأن في رواية لمسلم يوما بدل ليلة وقد جمع ابن حبان وغيره بأن نذر اعتكاف يوم وليلة فمن أطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يوما أراد بليلته وقد ورد الأمر بالصوم في رواية أبي داود النسائي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له اعتكف وصم أخرجه أبي داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار قال في الفتح ورواية من روى يوما شاذة وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري فاعتكف ليلة فدل أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه
لا يشترط له حد معين (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لا اعتكاف إلا بصوم) وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي واستدلوا على ذلك بحديث عائشة قالت السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا الحديث وفيه ولا اعتكاف إلا بصوم أخرجه أبو داود وفي الحديث كلام (وقال آخرون من أهل العلم ليس على المعتكف صوم الخ) وأجابوا عن حديث عائشة المذكور بما فيه من الكلام قال الشوكاني وهذا هو الحق لا كما قال ابن القيم إن الراجح عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف وقد روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه ويدل على ذلك حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه رواه الدارقطني وقال رفعه أبو بكر السوسي وغيره لا يرفعه وأخرجه الحاكم مرفوعا وقال صحيح الاسناد
[ 120 ]
(باب كيف كان يمين النبي صلى الله عليه وسلم) قوله : (لا ومقلب القلوب لا لنفي الكلام السابق ومقلب القلوب هو الضم المقسم به والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا تقليب ذواتها وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به قال القاضي أبو بكر ابن العربي في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصف بها ولم يذكر اسمه تعالى وفرق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا إن من حلف بقدرة الله تعالى انعقدت يمينه وإن حلف بعلم الله تعالى لم تنعقد لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله تعالى هل عندكم من علم فتخرجوه لنا والجواب أنه هنا مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم والكلام إنما هو في الحقيقة قال الراغب تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي قال ويعبر عن القلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلما (باب في ثواب من أعتق رقبة) ذكر الترمذي في هذا الباب حديث أبي هريرة في ثواب العتق ثم عقد فيما بعد بابا اخر
بلفظ باب ما جاء في فضل من أعتق وذكر فيه حديث أبي أمامة رضي الله عنه في فضل العتق والظاهر أن في هذا تكرار بلا فائدة ولو عقد واحدا من هذين البابين وأورد فيه هذين الحديثين كما فعل صاحب المنتقى لكان أحسن قوله : (عن عمر بن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني صدوق فاضل
[ 121 ]
(عن سعيد بن مرجانة) هو ابن عبد الله على الصحيح ومرجانة أمه حجازي وزعم الذهلي أنه ابن يسار ثقة فاضل من الثالثة قوله : (من أعتق رقبة مؤمنة) هذا مقيد لباقي الروايات المطلقة فلا يستحق الثواب المذكور إلا من أعتق رقبة مؤمنة (أعتق الله) من باب المشاكلة والمراد أنجاه الله (منه) أي من العتق بالكسر (بكل عضو منه) أي من المعتق بالفتح والمعنى أنجى الله تعالى بكل عضو من المعتق بالفتح عضوا من المعتق بالكسر من النار (حتى يعتق) أي الله سبحانه وتعالى (فرجه) بالنصب أي فرج المعتق بالكسر (بفرجه) أي بفرج المعتق بالفتح واستشكله ابن العربي فقال الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب النار إلا الزنا فإن حمل على ما يتعاطى من الصغائر كالمفاخذة لم يشك عتقه من النار بالعتق وإلا فالزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة قال فيحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجح عند المؤازاة بحيث يكون مرجحا لحسنات المعتق ترجيحا يوازي سيئة الزنا انتهى قال الحافظ ولا اختصاص لذلك بالفرج بل يأتي في غيره من الأعضاء كاليد في الغصب مثلا انتهى قوله (وفي الباب عن عائشة وعمرو بن عبسة وابن عباس وواثلة بن الأسقع وأبي أمامة وكعب بن مرة وعقبة بن عامر) وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث عمرو بن عبسة بفتح العين المهملة والموحدة والسين المهملة فأخرجه أبو داود وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه وأما حديث واثلة فأخرجه الحاكم وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي وسيأتي وأما حديث كعب بن مرة فأخرجه أحمد وأبو داود وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه
الحاكم قوله : (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه) وأخرجه البخاري ومسلم
[ 122 ]
قوله (وهو مديني ثقة) قال الحافظ ثقة مكثر (باب في الرجل يلطم خادمه) في القاموس اللطم ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة لطمة يلطمه وفي الصراح لطم طابنجة زدن من باب ضرب يضرب (ما لنا خادم إلا واحدة) لفظ الخادم يطلق على الغلام والجارية قال في القاموس خدمه يخدمه ويخدمه خدمة فهو خادم وخادمة (فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعتقها) فيه حث على الرفق بالمماليك وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس بواجب وإنما هو مندوب كفارة ذنبه فيه وإزالة إثم ظلمه قاله الطيبي قوله : (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه مسلم عنه مرفوعا من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم من طرق
[ 123 ]
(باب) وفي بعض النسخ باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الاسلام وفي بعضها باب ما جاء فيمن حلف بملة غير ملة الاسلام قوله : (عن ثابت بن الضحاك) هو أبو زيد الأنصاري الخزرجي كان ممن بايع تحت الشجرة في بيعة الرضوان وهو صغير ومات في فتنة ابن الزبير قوله : (من حلف بملة) بكسر الميم وتشديد اللام الدين والشريعة وهي نكرة في سياق الشرط فتعمه جميع الملل كاليهودية والنصرانية والدهرية ونحوها (غير الاسلام) بالجر صفة ملة
(كاذبا) أي في حلفه (فهو كما قال) قال في الفتح يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأن قال فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال ونظيره من ترك الصلاة فقد كفر أي استوجب عقوبة من كفر وقال ابن المنذري ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك الجهة وقال اختلف فيمن قال الكفر بالله ونحوه إن فعلت ثم فعل فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار لا كفارة عليه ولا يكون كافرا إلا إن أضمر ذلك بقلبه قال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق هو يمين وعليه الكفارة قال ابن المنذر والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم يذكر كفارة زاد غيره وكذا قال من حلف بملة سوى الاسلام فهو كما قال فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه قال ابن دقيق العيد الحلف بالشئ حقيقة هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله والله وقد يطلق على التعليق بالشئ يمين كقولهم من حلف بالطلاق فالمراد بتعليق الطلاق وأطلق عليه الحلف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع وإذا تقرر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذبا والكذب يدخل القضية الاخبارية التي يقع مقتضاها تارة ولا يقع أخرى وهذا بخلاف قولنا والله وما أشبهه فليس الاخبار بها عن أمر خارجي بل هي لإنشاء القسم فتكون صورة الحلف هنا على وجهين أحدهما أن تتعلق بالمستقبل كقوله إن فعل كذا فهو يهودي والثاني تتعلق بالماضي كقوله إن كان
[ 124 ]
كاذبا فهو يهودي وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة لكونه لم يذكر فيه كفارة بل جعل المرتب على كذبه قوله فهو كما قال قال ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم وفيه خلاف عند الحنفية لكونه تنجيزا معنى فصار كما قول قال هو يهودي ومنهم من قال إذا كان لا يعلم أنه يمين لم يكفر وإن كان يعلم أن يكفر بالحنث به كفر لكونه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل وقال بعض الشافعية ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبا والتحقيق التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر وإن قصد حقيقة التعليق فينظر فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك
كفر لأن إرادة الكفر كفر وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها الثاني هو المشهور كذا في النيل قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا أبا داود (باب) قوله : (عن عبيد الله بن زحر) بفتح الزاي وسكون المهملة الضمرى مولاهم الافريقي صدوق يخطئ من السادسة (عن أبي سعيد الرعيني) براء مضمومة وعين مهملة مصغرا اسمه جعثل بضم الجيم والمثلثة بينهما مهملة ساكنة ابن هاعان بتقديم الهاء القتباني بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة المصري صدوق فقيه من الرابعة (عن عبد الله بن مالك اليحصبي) بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة بعدها موحدة مصري صدوق من الثالثة
[ 125 ]
قوله (إلى البيت) أي إلى بيت الله (حافية) أي غير منتعلة (إن الله لا يصنع بشقاء أختك) بفتح الشين أي بتعبها ومشقتها (شيئا) أي من الصنع فإنه منزه من رفع الضرر وجلب النفع (فلتركب ولتختمر) وفي رواية الشيخين لتمش ولتركب قال الحافظ في الفتح وإنما أمر الناذر في حديث أنس أن تركب جزما وأمر أخت عقبة أن تمشي وأن تركب لأن الناذر في حديث أنس كان شيخا ظاهر العجز وأخت عقبة لم توصف بالعجز فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت وتركب إن عجزت انتهى قلت : حديث أنس الذي أشار إليه الحافظ قد مر في باب من يحلف بالمشي ولا يستطيع
[ 126 ]
(باب قضاء النذر عن الميت) قوله : (اقض عنها) فيه دليل على قضاء الحقوق الواجبة عن الميت وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر مالي فإنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقا قال القاضي
عياض اختلفوا في نذر أم سعد هذا فقيل كان نذرا مطلقا وقيل كان صوما وقيل عتقا وقيل صدقة واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قضية أم سعد والأظهر أنه كان نذرا في المال أو نذرا مبهما ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي وإذا كان ماليا ككفارة أو نذر أو زكاة ولم يخلف تركة لا يلزمه لكن يستحب له ذلك وقال أهل الظاهر يلزمه لهذا الحديث وعند الجمهور الحديث محمول على التبرع قاله الطيبي قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أصله في الصحيحين (باب في فضل من أعتق) قوله : (حدثنا عمران بن عيينة) الكوفي صدوق له أوهام (عن حصين بالتصغير) هو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة تغير حفظه في الاخر قوله : (أيما امرئ مسلم) فيه دليل على أن هذا الأجر مختص بمن كان من المعتقين مسلما
[ 127 ]
فلا أجر للكافر في عتقه إلا إذا انتهى أمره إلى الاسلام (أعتق امرأمسلما) فيه دليل على أن هذا الاجر مختص بمن أعتق أمرأ مسلما ولا خلاف في أن معتق الرقبة الكافرة مثاب على العتق ولكنه ليس كثواب الرقبة المسلمة (كان فكاكه) بفتح الفاء وكسرها لغة أي خلاصة (يجزئ) بالهمزة من الاجزاء كذا في النسخ الحاضرة وذكر صاحب المنتقى هذا الحديث وعزاه إلى الترمذي بلفظ يجزي بغير الهمزة قال الشوكاني في شرح المنتقى قوله يجزي بضم الياء وفتح الزاي غير مهموز فالظاهر أن نسخ الترمذي مختلفة في هذا اللفظ والحديث دليل على أن العتق من القرب الموجبة للسلامة من النار وأن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى وقد ذهب البعض إلى تفضيل عتق الأنثى على الذكر واستدل على ذلك بأن عتقها يستلزم حرية ولدها سواء تزوجها حر أم عبد ومجرد هذه المناسبة لا يصلح لمعارضة ما وقع التصريح به في الأحاديث من فكاك المعتق إما رجلا أو امرأتين وأيضا عتق الأنثى ربما أفضى في الغالب إلى صياغها لعدم قدرتها على التكسب بخلاف الذكر قال في الفتح وفي قوله أعتق الله بكل عضو عضوا منه إشارة إلى أنه ينبغي ألا يكون في الرقبة نقصان لتحصيل الاستيعاب
قوله : (هذا حديث حسن صحيح غريب) ولأحمد ولأبي داود معناه من رواية كعب بن مرة أو مرة بن كعب السلمي وزاد فيه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها
[ 128 ]
(أبواب السير) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السير بكسر المهملة وفتح التحتانية جمع سيرة وأطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنها متلقاة من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته (باب ما جاء في الدعوة قبل القتال) قوله : (عن أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة اسمه سعيد بن منصور بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فيه تشيع قليل كثير الارسال من الثالثة (ألا ننهد إليهم) أي لا ننهض إليهم (قال دعوني) أي اتركوني (أدعوهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم) أي إلى الاسلام فإن أبوا فإلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون فإن أبوا فإلى القتال (فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا) أي من الغنيمة والفئ (وعليكم مثل الذي علينا) أي من أحكام المسلمين من الحدود ونحوها (وأعطونا الجزية عن يد) حال من الضمير أي عن يد مواتية بمعنى منقادين أو عن يدكم بمعنى مسلمين بأيديكم غير باعثين بأيدي غيركم أو عن غنى
[ 129 ]
ولذلك لا تؤخذ من الفقير أو حال من الجزية بمعنى نقدا مسلمة عن يد إلى يد أو عن إنعام عليكم فإن إبقاءكم بالجزية نعمة عظيمة (وأنتم صاغرون) حال ثان من الضمير أي ذليلون (ورطن إليهم بالفارسية) أي تكلم فيها (وإن أبيتم نابذناكم على سواء) قال الجزري في النهاية أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستو في العلم بالمنابذة منا ومنكم بأن نظهر لهم العزم على قتالهم ونخبرهم به إخبارا مكشوفا والنبذ يكون بالفعل والقول في الأجسام والمعاني ومنه نبذ العهد إذا أنقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه انتهى
قوله : (وفي الباب عن بريدة الخ) أما حديث بريدة فأخرجه مسلم وأما حديث النعمان فلينظر من أخرجه وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد عنه قال ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم وأخرجه الحاكم أيضا قال في مجمع الزوائد أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجاله رجال الصحيح قوله : (وحديث سلمان حديث حسن) وأخرجه أحمد قوله : (ورأوا أن يدعوا) بصيغة المجهول أي العدو (وهو قول إسحاق بن إبراهيم) يعني إسحاق بن راهويه (وأن تقدم) بصيغة المجهول من التقدم (وقال بعض أهل العلم لا دعوة اليوم
[ 130 ]
الخ) قال الحافظ في الفتح ذهب طائفة منهم عمر ابن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الاسلام قبل القتال وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الاسلام فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعي نصل عليه الشافعي وقال مالك من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الاسلام ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال كنا ندعو وندع قال الحافظ وهو منزل على الحالين المتقدمين انتهى (باب) قوله (إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا) أي إذا حققتم علامة فعلية أو قولية من شعائر الاسلام (فلا تقتلوا أحدا) أي حتى تميزوا المؤمن من الكافر قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود (باب في البيات والغارات) جمع الغارة قال في مجمع البحار تبييت العدو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ
[ 131 ]
بغتة وهو البيات انتهى وقال فيه أغار أي هجم عليهم من غير علم والغارة اسم من
الاغارة قوله : (وكان إذا جاء بقوم ليلا لم يغر عليهم) من الاغارة (حتى يصبح) ليعرف بالأذان أنه بلاد الاسلام فيمسك أو أنه من بلاد الكفار فيغير (خرجت يهود بمساحيهم) جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد وميمه زائدة من السحو بمعنى الكشف والإزالة لما يكشف به الطين عن وجه الأرض (ومكاتلهم) جمع مكتل بكسر الميم وهو الزنبيل الكبير (قالوا محمد) أي هذا محمد أو جاء محمد (وافق والله محمد الخميس) بالنصب والمعنى جاء محمد مع الخميس وهو الجيش سمي به لأنه مقسم خمسة المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب (خربت خيبر) خبرا أو دعاء (إنا) أي معشر الاسلام أو معاشر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وإذا نزلنا بساحة قوم) قال الطيبي جملة مستأنفة بيان لموجب خراب خيبر وقوله الله أكبر فيه معنى التعجب من أنه تعالى قدر نزوله بساحتهم بعد ما أنذروا أثم أصبحهم وهم غافلون عن ذلك وفي شرح مسلم الساحة الفضاء وأصلها الفضاء بين المنازل (فساء صباح المنذرين) بفتح الذال المعجمة أي الكفار واللام للعهد أي بئس صباحهم لنزول عذاب الله بالقتل والإغارة عليهم إن لم يؤمنوا وفيه اقتباس من قوله تعالى أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين قوله : (كان إذا ظهر على قوم) أي غلب عليهم (أقام بعرصتهم) العرصة بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها (ثلاثا) وفي رواية البخاري ثلاث ليال قال المهلب حكمة الاقامة لإراحة الظهر والأنفس ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو طارق والإقتصار على ثلاث يؤخذ منه أن الأربعة إقامة وقال ابن الجوزي إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال فكأنه يقول من كانت فيه قوة منكم فليرجع
[ 132 ]
إلينا وقال ابن المنير يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثا لأن الضيافة ثلاثة
قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (وحديث حميد عن أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب في التحريق والتخريب) قوله : (حرق) بتشديد الراء (نخل بني النضير وقطع) أي أمر بتحريق نخلهم وقطعها وهم طائفة من اليهود وقصتهم مشهورة مذكورة في كتب السير كالمواهب وفي تفسير سورة الحشر كالبغوي (وهي البويرة) بضم الموحدة وفتح الواو موضع نخل لبني النضير (ما قطعتم من لينة) أي أي شئ قطعتم من نخله (أو تركتموها) الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة (قائمة على أصولها) أي لم يقطعوها (فبإذن الله) أي فبأمره وحكمه المقتضى للمصلحة والحكمة (وليخزي الفاسقين) أي وفعتلم أو أذن لكم في القطع بهم ليجزيهم على فسقهم واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم قال النووي اللينة المذكورة في القران هي أنواع التمر كلها إلا العجوة وقيل كرام النخل وقيل كل النخل وقيل كل الأشجار وقيل إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعا
[ 133 ]
قوله (وفي الباب عن ابن عباس) لينظر من أخرجه قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا الخ) قال القاري وفي هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال الجمهور وقيل لا يجوز قال ابن الهمام يجوز ذلك لأن المقصود كبت أعداء الله وكسر شوكتهم وبذلك هذا يحصل ذلك فيفعلون ما يمكنهم من التحريق وقطع الأشجار وإفساد الزرع لكن إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها انتهى قوله : (وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي قال الأوزاعي ونهى أبو بكر الصديق أن يقطع شجرا مثمرا أو يخرب عامرا وعمل بذلك المسلمون بعده) قال الحافظ في الفتح
ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه ألا يفعلوا أشياء من ذلك وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان وبهذا قال أكثر أهل العلم ونحو ذلك القتل بالتغريق وقال غيره إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها على المسلمين انتهى قوله : (وقال أحمد وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بدا) المعنى أن الجيوش قد يحتاجون إلى التحريق والتخريب ولا يكون لهم بد من ذلك فحينئذ يجوز (فأما بالبعث) أي من غير ضرورة وحاجة (فلا تحرق) وكذا لا تخرب (إذا كان أنكى فيهم) أنكى أفعل التفضيل من النكاية قال في
[ 134 ]
القاموس نكى العدو وفي نكاية قتل وجرح وقال في الصراح نكاية جراحت كردن وبد سكاليدن وكشتن دشمن رامن باب ضرب يضرب (باب ما جاء في الغنيمة) قوله : (عن سيار) بمهملة بعدها تحتانية مشددة وآخره راء قوله : (أو قال أمتي على الأمم) أو للشك أي إما قال فضلني على الأنبياء أو قال فضل أمتي على الأمم (وأحل لنا الغنائم) قال الخطابي كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا أشياء لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته وقيل المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء والأول أصوب وهو إن مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا قاله الحافظ قوله : (وفي الباب عن علي وأبي ذر وعبد الله بن عمرو وأبي موسى وابن عباس) أما حديث علي فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي ذر وغيره فأخرجه أحمد في مسنده بأسانيد حسان قاله الحافظ في الفتح في كتاب التيمم تحت حديث جابر بن عبد الله بمعنى حديث الباب
قوله : (حديث أبي أمامة حديث حسن صحيح) تفرد به الترمذي وأخرج البخاري وغيره معناه من حديث جابر بن عبد الله (وسيار هذا يقال له سيار مولى بني معاوية الخ) قال الحافظ في الفتح تابعي شامي أخرج له الترمذي وذكره ابن حبان في الثقات انتهى وقال في التقريب سيار الأموي مولاهم الدمشقي قدم بالبصرة صدوق من الثالثة قيل اسم أبيه عبد الله
[ 135 ]
قوله : (فضلت) بصيغة المجهول من التفضيل (على الأنبياء بست) أي بست خصال (أعطيت جوامع الكلم) قال الحافظ جوامع الكلم القرآن فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك انتهى وقال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم ما لفظه جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان أحدهما ما هو في القران كقوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) قال الحسن لم تترك هذه الاية خيرا إلا أمرت به ولا شرا إلا نهت عنه والثاني ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم انتهى (ونصرت بالرعب) زاد أبي أمامة يقذف في قلوب أعدائي أخرجه أحمد وفي حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه نصرت بالرعب مسيرة شهر قال الحافظ مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها أما ما دونها فلا لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر فالظاهر اختصاصه به مطلقا وإنما جعل الغاية منها شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه وهذه الخصوصية حاصلة له على الاطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال انتهى (وأحلت لي الغنائم) زاد في حديث جابر رضي الله عنه ولم تحل لأحد قبلي (وجعلت لي الأرض مسجدا) أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة وهو من مجاز التشبيه لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك قال ابن التيمي قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا
وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا لأن عيسى كان يسبح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة وسبقه إلى ذلك الداؤدي وقيل إنما أبيح لهم في موضع تيقنوا طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته قال الحافظ والأظهر ما قاله الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب وفيه ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه (وطهورا) استدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره لأن
[ 136 ]
الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية والحديث إنما سبق ثباتها وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه مرفوعا جعلت لي كل الأرض طيبة مسجدا وطهورا ومعنى طيبة طاهرة فلو كان معنى طهورا طاهرا للزم تحصيل الحاصل (وأرسلت إلى الخلق كافة) وفي حديث جابر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . قال الحافظ ولا يعترض بأن نوحا عليه السلام كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع هو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشافعية أنت أول رسول إلى أهل الأرض فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية إرساله وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم (وختم بي النبيون) فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب في سهم الخيل) قوله : (قسم في النفل) أي الغنيمة قال في النهاية النفل بالتحريك الغنيمة وجمعه
أنفال (وللرجل بسهم) المراد من الرجل صاحب الفرس والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه يدل عليه رواية أحمد وأبي داود بلفظ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وفي لفظ أسهم للفرس سهمين وللرجل سهما متفق عليه
[ 137 ]
قوله : (وفي الباب عن مجمع بن جارية وابن عباس وابن أبي عمرة عن أبيه) أما حديث مجمع وهو بضم الميم الأولى وفتح الجيم وكسر الميم الثانية المشددة فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال : قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثة مائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما وقال أبو داود إن حديث ابن عمر أصح قال وأتى الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاث مائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس وأما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم لمائتي فرس بخيبر سهمين سهمين وأما حديث ابن أبي عمرة عن أبيه فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين واسم هذا الصحابي عمرو بن محسن كذا في المنتقى قوله : (وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وله ألفاظ في الصحيحين وغيره قوله : (قالوا للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم) وهو قول أبي يوسف ومحمد صحابي أبي حنيفة وهو القول الراجح واحتجوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب وما في معناه وقال أبو حنيفة رحمه الله للفارس سهمان وللراجل سهم واستدل له بما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فيما أخرجه الدارقطني بلفظ أسهم للفارس سهمين
وأجاب الحافظ في الفتح عن ذلك بأنه لا حجة فيه لأن المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الاسناد فقال للفرس وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن أبي شيبة وكأن الرمادي رواه بالمعنى وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معا بلفظ أسهم للفرس وعلى هذا التأويل
[ 138 ]
أيضا يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي أخرجه الدارقطني وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن ابن المبارك بلفظ أسهم للفرس واستدل له أيضا بحديث مجمع بن جارية الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه وفيه فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما وأجاب عنه الحافظ بأن في إسناده ضعفا ولو ثبت يحمل على ما تقدم لأنه يحتمل الأمرين والجمع بين الروايتين أولى ولا سيما والأسانيد الأولى أثبت ومع رواتها زيادة علم وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهما فكان للفارس ثلاثة أسهم وللنسائي من حديث الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته وقد استدل لأبي حنيفة بدلائل أخرى لا يخلو واحد منها عن كلام قادح للاستدلال (باب ما جاء في السرايا) جمع السرية وهي قطعة من الجيش قال في النهاية السرية هي طائفة من لجيش يبلغ أقصاها أربع مائة تبعث إلى العدو وجمعها السرايا سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشئ السري النفيس قوله : (خير الصحابة) بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة غير هذا كذا في النهاية (أربعة) أي ما زاد عن ثلاثة قال أبو حامد المسافر لا يخلو عن رحل يحتاج إلى حفظه وعن
حاجة يحتاج إلى التردد فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد واحدا فيبقى بلا رفيق فلا يخلو عن خطر وضيق قلب لفقد الأنيس ولو تردد اثنان كان الحافظ وحده قال المظهر : يعني الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا ثلاثة لأنهم إذا كانوا ثلاثة ومرض أحدهم ، وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصى نفسه لم يكن هناك من يشهد بإمضائه إلا واحد فلا يكفي ولو كانوا أربعة كفى شهادة اثنين ولأن الجمع إذا كانوا أكثر يكون معاونة بعضهم بعضا أتم وفضل صلاة الجماعة أيضا
[ 139 ]
أكثر فخمسة خير من أربعة وكذا كل جماعة خير ممن هو أقل منهم لا ممن فوقهم (وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة الاف ولا يغلب) بصيغة المجهول أي لا يصير مغلوبا (اثنا عشر ألفا) قال الطيبي جميع قرائن الحديث دائرة على الأربع واثنا عشر ضعفا أربع ولعل الاشارة بذلك إلى الشدة والقوة واشتداد ظهرانيهم تشبيها بأركان البناء وقوله من قلة معناه أنهم صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر اخر سواها وإنما لم يكونوا قليلين ، والاعداء مما لا يعد ولا يحصى لان كل واحد من هذه الا ثلاث جيش قوبل بالميمنة أو الميسرة أو القلب فليكفها ولأن الجيش الكثير المقاتل منهم بعضهم وهؤلاء كلهم مقاتلون ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين وكانوا اثني عشر ألفا لن نغلب اليوم من قلة وإنما غلبوا من إعجاب منهم قال تعالى (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) وكان عشرة الاف من أهل المدينة وألفان من مسلمي فتح مكة قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود والدارمي والحاكم وسكت عنه أبو داود واقتصر المنذري في مختصر السنن على نقل كلام الترمذي وقال الحاكم هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين قوله : (وقد رواه حبان بن علي العتري) بفتح العين والنون ثم زاي أبو علي الكوفي ضعيف من الثامنة . (باب من يعطي الفئ) قال في النهاية الفئ هو ما حصل المسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد
وأصل الفئ الرجوع كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم انتهى
[ 140 ]
والظاهر أن المراد من الفئ هنا مال الغنيمة قوله : (عن يزيد بن هرمز) المدني مولى بني ليث وهو غير يزيد الفارسي على الصحيح وهو والد عبد الله ثقة من الثالثة (أن نجدة) بفتح النون وسكون الجيم بعدها دال مهملة (الحروري) نسبة إلى قرية حروراء بفتح حاء مهملة وضم راء أولى مخففة وكسر ثانية وبينهما واو ساكنة وبالمد وهي قرية بالكوفة ونجدة هذا هو ابن عامر الحنفي الخارجي وأصحابه يقال لهم النجدان محركة قوله : (يحذين) بصيغة المجهول من الحذو بالحاء المهملة والذال المعجمة أي يعطين قال في القاموس الحذوة بالكسر العطية (وأما يسهم بصيغة المعلوم من الاسهام) والحديث دليل على أن النساء إذا حضرت القتال مع الرجال لا يسهم لهن بل يعطين شيئا من الغنيمة قوله : (وفي الباب عن أنس وأم عطية) لينظر من أخرج حديثهما قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ) وهو الأقوى دليلا (وقال بعضهم يسهم للمرأة والصبي وهو قول الأوزاعي) قال الخطابي إن الأوزاعي قال يسهم لهن قال وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث يعني حديث حشرج بن زياد وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة انتهى وحديث حشرج أخرجه أحمد وأبو داود عنه عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر سادس ست نسوة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه لغضب فقال مع من خرجتن وبإذن من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق قال قمن فانصرفن حتى إذا فتح الله عليه
[ 141 ]
خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال قال فقلت لها يا جدة وما كان ذلك قالت تمرا قال الشوكاني في النيل وأخرجه أيضا النسائي وسكت عنه أبو داود وفي إسناده رجل مجهول وهو
حشرج وقال الخطابي إسناده ضعيف لا تقوم به حجة انتهى (قال الأوزاعي وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بخيبر الخ) هذا مرسل والمرسل لا تقوم به حجة على القول الراجح (يقول يرضخ لهن) بصيغة المجهول من الرضخ قال في القاموس رضخ له أعطاه عطاء غير كثير (باب هل يسهم للعبد) قوله : (عن عمير) بالتصغير قال في التقريب عمير مولى ابي اللحم الغفاري صحابي شهد خيبر (مولى ابي اللحم) هو اسم فاعل من أبى يأبى قال أبو داود قال أبو عبيدة كان حرم اللحم على نفسه فسمى ابي اللحم (مع سادتي) جمع سيد (فكلموا في) بتشديد الياء (فكلموه أني مملوك) قال الطيبي عطف على قوله فكلموا في أي كلموا في حقي وشأني أولا بما هو مدح لي ثم أتبعوه بقولهم إني مملوك انتهى (فقلدت السيف) بصيغة المجهول من التقليد قال في المجمع أي أمرني أن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة فإذا أنا أجره أي أجر السيف على الأرض من قصر قامتي لصغر سني (فأمرني بشئ من خرثي المتاع) بالخاء المعجمة المضمومة وسكون الراء المهملة بعدها مثلثة وهو سقطة في النهاية هو أثاث البيت قال
[ 142 ]
في القاموس الخرثي بالضم أثاث البيت أو أردأ المتاع والغنائم (وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها) أي بإسقاط بعض كلماتها التي تخالف القرآن والسنة وإبقاء بعضها التي ليست كذلك وفيه دليل على جواز الرقية من غير القران والسنة بشرط أن تكون خالية عن كلمات شركية وعما منعت عنه الشريعة قوله : (وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنه) أخرجه أحمد قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أن لا يسهم للمملوك الخ) وهو القول الراجح المعول عليه
(باب ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم قوله : (حتى إذا كان بحرة الوبر) الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء والوبر بفتح الواو والباء الموحدة بعدها راء وبسكون الموحدة أيضا موضع على أربعة أميال من المدينة (يذكر منه جرأة ونجدة) بفتح النون وسكن الجيم أي شجاعة
[ 143 ]
قوله : (وفي الحديث كلام أكثر من هذا) أي روي هذا الحديث مطولا رواه أحمد ومسلم بطوله . ففي المنتقى عن عائشة قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه جرأة ونجدة ففرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال جئت لأتبعك فأصيب معك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله قال لا قال فارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى حتى إذا بلغ كان بالشجرة أدركه الرجل فقال هل كما قال أول مرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أو مرة فقال لا قال فارجع فلن أستعين بمشرك قال فرجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال له أول مرة تؤمن بالله ورسوله قال نعم فقال له فانطلق قوله : (هذا حديث حسن غريب) أخرج أحمد ومسلم مطولا كما عرفت الان قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا لا يسهم لأهل الذمة وإن قاتلوا مع المسلمين العدو) وهو القول الراجح (ويروى عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه) هذا مرسل وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل ومراسيل الزهري ضعيفة واستدل به من قال إن أهل الذمة يسهم لهم إذا شهدوا القتال مع المسلمين قال الشوكاني في النيل والظاهر أنه لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد والذميين وما ورد من الأحاديث مما فيه إشعار بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ وهو العطية القليلة جمعا بين الأحاديث وقد صرح حديث ابن عباس يعني المذكور في باب من يرضخ له من الغنيمة بما يرشد إلى هذا الجمع فإنه نفى أن يكون للنساء والعبيد سهم معلوم وأثبت الحذية وهكذا حديثه الاخر فإنه
[ 144 ]
صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المرأة والمملوك دون ما يصيب الجيش وهكذا حديث عمير المذكور فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رضخ له بشئ من الأثاث ولم يسهم له فيحمل ما وقع في حديث حشرج من أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء بخيبر على مجرد العطية من الغنيمة وهكذا يحمل ما وقع في مرسل الزهري المذكور من الاسلام لقوم من اليهود وما وقع في مرسل الأوزاعي المذكور أيضا من الاسهام للصبيان كما لمح إلى ذلك المصنف انتهى كلام الشوكاني قلت : أراد بالمصنف صاحب المنتقى فإنه قال بعد ذكر مرسل الأوزاعي وغيره ما لفظه ويحمل الاسهام فيه وفيما قبله على الرضخ انتهى قوله : (قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) ذكر الترمذي هذا الحديث مختصرا وذكره الشيخان مطولا (فأسهم لنا مع الذين افتتحوها) أستدل به من قال إنه يسهم لمن حضر بعد الفتح قبل قسمة الغنيمة قال ابن التين يحتمل أن يكون إنما أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد حوزها وهو أحد الأقوال للشافعي قال ابن بطال لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم في غير من شهد الوقعة إلا في خيبر فهي مستثناة من ذلك فلا تجعل أصلا يقاس عليه فإنه قسم لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم وكذلك أعطى الأنصار عوض ما كانوا أعطوا المهاجرين عند قدومهم عليهم وقال الطحاوي يحتمل أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم ومما يؤيد أنه لا نصيب لمن جاء بعد الفراغ من القتال ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح وابن أبي شيبة عن عمر قال الغنيمة لمن شهد الوقعة وأخرجه الطبراني والبيهقي مرفوعا وموقوفا وقال الصحيح موقوف وأخرجه ابن عدي من طريق أخرى عن علي موقوفا ورواه الشافعي من قول أبي بكر وفيه انقطاع كذا في النيل قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم الخ) وفي بعض النسخ عند بعض أهل العلم وهو الظاهر
[ 145 ]
(باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين قوله : (عن أبي ثعلبة) بفتح المثلثة بعدها عين مهملة ساكنة فلام مفتوحة فموحدة (الخشني) بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون نسبة إلى خشين ابن نمرة في قضاعة اسمه جرهم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان وضرب له بسهم يوم خيبر وأرسله إلى قومه فأسلموا نزل بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين قوله : (عن قدور المجوس) أي عن الطبخ فيها والقدور جمع القدر بكسر القاف وسكون الدال (انقوها) من الانقاء (غسلا) تمييز (واطبخوا فيها) أي بعد الإنقاء بالغسل قال الحافظ في الفتح بعد ذكر رواية الترمذي هذه وفي لفظه من وجه اخر عن أبي ثعلبة قلت إنما نمر بهذا اليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم الحديث انتهى وروى الشيخان عن أبي ثعلبة الخشني قال قالت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم قال لا تأكلوا فيها إلا إن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها قال في سبل السلام استدل به على نجاسة انية أهل الكتاب وهل هو لنجاسة رطوبتهم أو لجواز أكلهم الخنزير وشربهم الخمر أو للكراهة ذهب إلى الأول القائلون بنجاسة رطوبة الكفار واستدلوا أيضا بظاهر قوله تعالى إنما المشركون نجس والكتابي يسمى مشركا إذ قد قالوا (المسيح ابن الله) (وعزير ابن الله) وذهب الشافعي وغيره إلى طهارة رطوبتهم وهو الحق لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولأنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة ولحديث جابر عند أحمد وأبي داود كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم ولا يعيب ذلك علينا وأجيب بأن هذا كان بعد الاستيلاء ولا كلام فيه قلنا في غيره من الأدلة غنية عنه فمنها ما
[ 146 ]
أخرجه أحمد من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم دعاه يهودي إلى خبز شعير واهالة سنخة فأكل منها قال في البحر لو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين الصحابة نقل توقيهم لقلة المسلمين حينئذ مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوسا ومطعوما والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة قال
وحديث أبي ثعلبة إما محمول على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها نجسة إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطا بعدم وجدان غيرها إذ الاناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء ولسد ذريعة المحرم أو لأنها نجسة لما يطبخ فيها لا لرطوبتهم كما تفيده رواية أبي داود وأحمد بلفظ : إنا نجاوز أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدتم غيرها لحديث وحديثه الأول مطلق وهذا مقيد بانية يطبخ فيها ما ذكر ويشرب فيحمل المطلق على المقيد وأما الاية فالنجس لغة المستقذر فهو أعم من المعنى الشرعي وقيل معناه ذو نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم وبهذا يتم الجمع بين هذا وبين آية المائدة والأحاديث الموافقة حكمها وآية المائدة أصرح في المراد انتهى ما في السبل وقال صاحب المنتقى ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهرا فيه بأكل لحم الخنزير متمكنا فيه أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعا بذلك بين الأحاديث واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن ابن علي قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا ريبك رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه انتهى وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في الباب الأول من أبواب الصيد (ونهى عن كل سبع ذي ناب) تقدم شرحه في كتاب الصيد قوله : (عائذ الله بن عبيد الله) كذا وقع في النسخة الأحمدية عبيد الله مصغرا وهو غلط والصواب عائذ بن عبد الله مكبرا ووقع في الباب الأول من أبواب الصيد عائذ بن عبد الله مكبرا وهو الصواب
[ 147 ]
قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب في النفل)
قال في المجمع النفل بفتح الفاء وقد تسكن زيادة يخص بها بعض الغزاة وهو أيضا الغنيمة انتهى قلت المراد هنا المعنى الأول قوله : (عن أبي سلام) بفتح السين وتشديد اللام المفتوحة اسمه ممطور الأسود الحبشي ثقة يرسل من الثالثة قوله : (كان ينفل) من التنفيل (في البدأة) بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة (الربع) أي ربع الغنيمة (وفي القفول) أي الرجوع (الثلث) أي ثلث الغنيمة وفي رواية أحمد كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث قال الخطابي البدأة ابتداء السفر للغزو وإذا نهضت سرية من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفل أشق لكون العدو على حذر وحزم انتهى ورواية أحمد المذكورة تدل على أن تنفيل الثلث لأجل ما لحق الجيش من الكلال وعدم الرغبة في القتال لا لكون العدو قد أخذ حذره منهم قوله : (وفي الباب عن ابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع) أما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه وأما حديث حبيب بن مسلمة فأخرجه أحمد وأبو داود عنه مرفوعا بلفظ نفل الرابع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته
[ 148 ]
وأما حديث معن بن يزيد فأخرجه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي ولفظه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نفل إلا بعد الخمس وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود قوله : (حديث عباده حديث حسن وأخرجه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان قوله : (تنفل سيفه) أي أخذه زيادة عن السهم (ذا الفقار) بفتح الفاء والعامة يكسرونها كذا في المنتقى وهو بدل من سفيه (وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد) قال التوربشتي والرؤيا
التي رأى فيه أنه رأى في منامه يوم أحد أنه هز ذا الفقار فانقطع من وسطه ثم هزه هزة أخرى فعاد أحسن مما كان وقيل الرؤيا هي ما قال فيه : رأيت في ذباب سيفي ثلثا فأولته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة الحديث قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه قوله : (فقال يخرج الخمس ثم ينفل مما بقي الخ) قال الشوكاني اختلف العلماء هل هو من
[ 149 ]
أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال ثم بسط الكلام فيه هذا الباب (باب ما جاء في من قتل قتيلا فله سلبه) قوله (عن عمر بن كثير بن أفلح) المدني مولى أبي أيوب ثقة من الرابعة (عن أبي محمد مولى أبي قتادة) اسمه نافع قال في التقريب نافع بن عباس بموحدة ومهملة أو تحتانية ومعجمة أبو محمد الأقرع المدني مولى أبي قتادة قيل له ذلك للزومه وكان مولى عقيلة العقارية ثقة من الثالثة قوله : (من قتل قتيلا) وفي رواية من قتل كافرا أي لمن قتل (عليه) أي على قتل القتيل (فله) أي لمن قتل (سلبه) بالتحريك هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور وعن أحمد لا تدخل الدابة وعن الشافعي يختص بأداة الحرب قوله : (وفي الحديث قصة) رواها الشيخان في صحيحهما قوله : (وفي الباب عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد وأنس وسمرة) أما حديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد فأخرجه مسلم ففيه عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى وعن عوف وخالد أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب رواه أحمد وأبو داود رضي الله عنهما وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وأبو داود وأما حديث سمرة فلينظر من أخرجه قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 150 ]
قوله (وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد) ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أم لا واستدلوا على ذلك بحديث أبي قتادة هذا وهو الظاهر (وقال بعض أهل العلم للإمام أن يخرج من السلب الخمس) روى عن مالك أنه يخير الامام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه واختاره القاضي إسماعيل قاله في النيل (وقال الثوري النفل أن يقول الامام من أصاب شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه) قال الشوكاني وذهب العترة والحنفية والمالكية إلى أنه لا يستحقه القاتل إلا أن شرط له الامام ذلك (وقال إسحاق السلب للقاتل إلا أن يكون شيئا كثيرا فرأى الامام أن يخرج منه الخمس كما فعل عمر بن الخطاب) احتج القائلون بتخميس السلب لعموم قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) الاية فإنه لم يستثن شيئا واستدل من قال إنه لا خمس فيه لحديث عوف بن مالك وخالد المذكور وجعلوه مخصصا لعموم الاية (باب في كراهية بيع المغانم حتى يقسم قوله (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء المغانم حتى تقسم) أي عن بيعها واشترائها حتى تقسم قال القاري قال القاضي المقتضى للنهي عدم الملك عند من يرى أن الملك يتوقف على القسمة وعند من يرى الملك قبل القسمة المقتضى له الجهل بعين المبيع وصفته إذا كان في المغنم أجناس مختلفة انتهى وتبعه ابن الملك وغيره من علمائنا يعني الحنفية قال المظهر يعني لو باع أحد من
[ 151 ]
المجاهدين نصيبه من الغنيمة لا يجوز لأن نصيبه مجهول ولأنه ملك ضعيف يسقط بالأعراض والملك المستقر لا يسقط بالأعراض انتهى قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة) لينظر من أخرجه
قوله : (وهذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه والحديث ضعيف فإن في سنده محمد بن إبراهيم الباهلي البصري قال أبو حاتم مجهول وأيضا في سنده محمد بن زيد العبدي قال في التقريب لعله ابن أبي القموس وإلا فمجهول (باب ما جاء في كراهية وطئ الحبالى من السبايا) الحبالى بفتح الحاء المهملة جمع الحبلى والسبايا جمع سبية قوله : (حدثتني أم حبيبة بنت عرباض بن سارية) قال في التقريب مقبولة من الثالثة (نهى أن توطأ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن) فيه دليل على أن يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبيه إذا كانت حاملا حتى تضع حملها وروى أبو داود وأحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبيه إذا كانت حاملا حتى تستبرئ بحيضة وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية والثوري والنخعي ومالك وظاهر قوله ولا غير حامل أنه يجب الاستبراء للبكر ويؤيده القياس على العدة فإنها تجب مع العلم براءة الرحم وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء إنما يجب في حق من لم تعلم براءة رحمها وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو في صحيح البخاري عنه ثم ذكر الشوكاني مؤيدات لهذا القول ثم قال ومن القائلين بأن الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا يجب وحيث لا يعلم ولا يظن يجب
[ 152 ]
أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية وابن القيم ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال والمقبلي والمغربي والأمير وهو الحق لأن العلة معقولة فإذا لم توجد مئنة كالحمل ولا مظنة كالمرأة المزوجة فلا وجه يجاب الاستبراء والقول بأن الاستبراء تعبدي وأنه يجب في حق الصغيرة وكذا في حق البكر والايسة ليس عليه دليل انتهى كلام الشوكاني قوله : (وفي الباب عن رويفع) بالتصغير وأخرج حديثه أحمد والترمذي وأبو داود عنه
مرفوعا من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يسقى ماءه ولد غيره وزاد أبو داود من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها وفي لفظ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض رواه أحمد قوله : (وحديث عرباض حديث غريب) وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث علي بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة وفي إسناده ضعف وانقطاع قوله : (قال حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي سكن الشام روى عن الأوزاعي وخلق وعنه علي بن خشرم وخلق قال في حاشية الأحمدية وفي نسخة صحيحة علي بن يونس قلت هذا غلط والصواب عيسى بن يونس (باب ما جاء في في طعام المشركين) قوله : (سمعت قبيصة بن هلب) بضم الهاء وسكون اللام (قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن طعام
[ 153 ]
النصارى) وفي رواية سأله رجل فقال إن من الطعام طعاما أتحرج منه كذا في المشكاة (لا يتخلجن في صدرك طعام) وفي رواية شئ مكان طعام ويتخلجن بالخاء المعجمة قال التوربشتي يروى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة فمعناه بالمهملة لا يدخلن قلبك منه شئ فإنه مباح نظيف وبالمعجمة لا يتحركن الشك في قلبك انتهى وقال في المجمع أصل الاختلاج الحركة والاضطراب (ضارعت فيه النصرانية) أي شابهت لأجله أهل الملة النصرانية من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم إنه حرام أو مكروه وهذا في المعنى تعليل النهي والمعنى لا تتحرج فإنك إن فعلت ذلك ضارعت فيه النصرانية فإنه من دأب النصارى وترهيبهم وقال الطيبي هو جواب شرط محذوف والجملة الشرطية مستأنفة لبيان الموجب أي لا يدخلن في قلبك ضيق وحرج لأنك على الحنيفية السهلة السمحة فإنك إذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية فإن ذلك دأبهم وعادتهم قال تعالى (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها
عليهم) الاية قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود (قال محمود) هو ابن غيلان (عن مري) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة (قطري) بفتح القاف والطاء قال في التقريب مري بلفظ النسب ابن قطري بفتحتين وكسر الراء مخففا الكوفي مقبول من الثالثة انتهى قلت ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي لا يعرف تفرد عنه سماك قوله : (والعمل على هذا عند أهل العلم من الرخصة في طعام أهل الكتاب) قد ذكر الترمذي في الباب لفظ طعام المشركين وليس في الحديث ذكر المشركين فالظاهر أنه حمل المشركين على أهل الكتاب في هذا الباب والله تعالى أعلم
[ 154 ]
(باب في كراهية التفريق بين السبي) قوله : (أخبرني حيي) بضم أوله ويائين من تحت الأول مفتوحة ابن عبد الله بن شريح المعافري المصري صدوق يهم من الثالثة قوله : (من فرق بين والدة وولدها) أي بما يزيل الملك (فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) قال المناوي التفريق بين أمة وولدها بنحو بيع حرام قبل التمييز عند الشافعي وقبل البلوغ عند أبي حنيفة قوله (وفي الباب عن علي) أخرجه الترمذي في باب كراهية أن يفرق بين الأخوين من كتاب البيوع قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك وقال صحيح وتعقب قاله المناوي وتقدم هذا الحديث بهذا الاسناد في الباب المذكور وتقدم الكلام في هذه المسألة هناك . (باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء) قوله (هبط عليه) أي نزل عليه (فقال) أي جبريل (له) أي للنبي صلى الله عليه وسلم (خيرهم) بصيغة
[ 155 ]
الأمر من التخيير (يعني أصحابك) أي يريد بالضمير أصحابك وهذا التفسير إما من علي أو ممن بعده من الرواة والمعنى قل لهم أنتم في أسارى بدر (القتل أو الفداء) بالنصب فيهما أي فاختاروا القتل أو الفداء والمعنى أنكم مخيرون بين أن تقتلوا أسارى ولا يلحقكم ضرر من العدو وبين أن تأخذوا منهم الفداء (على أن يقتل منهم) أي من الصحابة (قابل) كذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها قبل بالتنوين وهو الظاهر (مثلهم) يعني بعدد من يطلقون منهم يكون الظفر للكفار فيها وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون (قالوا) أي الصحابة (الفداء) أي اخترنا الفداء (ويقتل منا) بالنصب بإضمار أن بعد الواو العاطفة على الفداء أي وأن يقتل منا في العام المقبل مثلهم قال القاري وفي نسخة يعني من المشكاة بالرفع فيهما أي اختيارنا فداءهم وقتل بعضنا بقتل من المسلمين يوم أحد مثل ما اقتدى المسلمون منهم يوم بدر وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون قال تعالى (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) وإنما اختاروا ذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة القابلة وشفقة منهم على الأسارى بمكان قرابتهم منهم قال التوربشتي هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل على ظاهر التنزيل ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا عليه ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه وقد قال الله تعالى (ما كان لنبي أن تكون له أسرى) إلى قوله (لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى (وأما لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي رضي الله تعالى عنه فلعل عليا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الاية وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة ومما جرأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره والسمع قد يخطئ والنسيان كثيرا يطرأ على الانسان ثم إن الحديث يروى عنه متصلا وروى عن غيره مرسلا فكان ذلك مما
يمنع القول لظاهره قال الطيبي أقول وبالله التوفيق لا منافاة بين الحديث والاية وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختيار والامتحان ولله أن يمتحن عباده بما شاء امتحن الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن) الايتين وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة) وامتحن الناس بالملكين وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر ويؤمن بترك تعلمه ولعل الله تعالى امتحن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين
[ 156 ]
أمرين القتل والفداء وأنزل جبريل عليه السلام بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه أم يؤثرون العاجلة من قبول الفداء فلما اختاروا الثاني عوقبوا بقوله تعالى (ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) قال القاري بعد ذكر هذا الكلام ما لفظه قلت بعون الله إن هذا الجواب غير مقبول لأنه معلول ومدخول فإنه إذا صح التخيير لم يجز العتاب والتعبير فضلا عن التعذيب والتعزير وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الأولى وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى وما قضية الملكين وقضية تعليم السحر فنعم امتحان من الله وابتلاء لكن ليس فيه تخيير لأحد ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أنه أمر تهديد لا تخيير وأما قوله أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الفدية فلما اختاروه عوقبوا بقوله (ما كان لنبي) الاية فلا يخفى ما فيه من الجرأة العظيمة والجناية الجسيمة فإنهم ما اختاروا الفدية لا للتقوية على الكفار وللشفقة على الرحم ولرجاء أنهم يؤمنون أو في أصلابهم من يؤمن ولا شك أن هذا وقع منهم اجتهادا وافق رأيه صلى الله عليه وسلم غايته أن اجتهاد عمر وقع أصوب عنده تعالى فيكون من موافقات عمر رضي الله عنه ويساعدنا ما ذكره الطيبي من أنه يعضده سبب النزول روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ما ترون في هؤلاء
الأسارى فقال أبو بكر يا رسول الله بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الاسلام فقال صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شئ تبكي وصاحبك فقال أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأنزل الله تعالى الاية انتهى قال القاري ويمكن أن يقال جمعا بين الاية والحديث أن اختيار الفداء منهم أولا كان بالإطلاق ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم قوله : (وفي الباب عن ابن مسعود وأنس وأبي برزة وجبير بن مطعم) أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود وأما حديث أنس فأخرجه مسلم وأما حديث أبي برزة فلينظر من أخرجه وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه البخاري
[ 157 ]
قوله (هذا حديث حسن غريب الخ) قال الطيبي قول ابن حبان هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه لأن الغريب قد يكون صحيحا انتهى قال القاري وقد يكون ضعيفا فيصلح للطعن في الجملة انتهى قلت الأمر كان قال الطيبي قوله : (أبو داود الحفري) بفتح الحاء المهملة والفاء وبالراء نسبة إلى موضع بالكوفة (اسمه عمر بن سعد) بن عبد ثقة عابد من التاسعة (فدي رجلين من المسلمين برجل من المشركين) زاد في رواية أحمد من بني عقيل قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأخرجه مسلم مطولا قوله : (وعم أبي قلابة هو أبو المهلب) بضم الميم وفتح الهاء وباللام المشددة المفتوحة الجرمي البصري (واسمه عبد الرحمن بن عمر الخ ثقة من الثانية)
قوله : (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ) قال الشوكاني في النيل مذهب
[ 158 ]
الجمهور أن الأمر في الأسارى الكفرة من الرجال إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين وقال الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخذ الفداء من الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء لا تقتل الأسرى بل يتخير بين المن والفداء وعن مالك لا يجوز المن بغير فداء وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره قال الطحاوي وظاهر الاية يعني قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء حجة للجمهور وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة وقال أبو بكر الرازي احتج أصحابنا لكراهية فداء المشركين بالمال بقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق الاية ولا حجة لهم في ذلك لأنه كان قبل حل الغنيمة كما قدمنا عن ابن عباس والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور فإنه قد وقع منه صلى الله عليه وسلم المن وأخذ الفداء ووقع منه القتل فإنه قتل النضر ابن الحارث وعقبة بن معيط وغيرهما ووقع منه فداء رجلين من المسلمين برجل من المشركين قال وقد ذهب إلى جواز فك الأسير من الكفار بالأسير من المسلمين جمهور أهل العلم لحديث عمران بن حصين (باب ما جاء في النهي عن قتل النساء والصبيان) قوله (ونهى عن قتل النساء والصبيان) قال ابن الهمام ما أظن إلا أن حرمة قتل النساء
[ 159 ]
والصبيان إجماع وعن أبي بكر أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام وقال لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ الحديث قال لكن يقتل من قاتل من كل من قلنا إنه لا يقتل كالمجنون والصبي والمرأة والشيوخ والرهبان إلا أن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما أما غيرهما من النساء والرهبان ونحوهم فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسر والمرأة الملكة تقتل وإن لم تقاتل وكذا الصبي الملك والمعتوه الملك لأن في قتل الملك كسر شوكتهم كذا في المرقاة قلت في بعض كلام ابن الهمام هذا تأمل فتأمل
قوله : (وفي الباب عن بريدة ورباح ويقال رباح بن الربيع) قال الحافظ في الفتح رباح بكسر الراء المهملة بعدها تحتانية وقال المنذري بالياء الموحدة ويقال بالياء التحتانية ورجح البخاري أنه بالموحدة (والأسود بن سريع وابن عباس والصعب ابن جثامة) أما حديث بريدة فأخرجه مسلم وإما حديث رباح فأخرجه أحمد وأبو داود وأما حديث الأسود بن سريع فأخرجه أحمد وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وفيه ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع وأما حديث الصعب بن جثامة فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النسائي قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ) قال الشوكاني أحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم وذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين الأحاديث المختلفة فقالوا إذا قاتلت المرأة جاز قتلها وقال ابن حبيب من المالكية لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل أو قصدت إليه ويدل على ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال من قتل هذه فقال رجل أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي فما رأت الهزيمة فيما أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها
[ 160 ]
فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصله الطبراني في الكبير وفيه حجاج بن أرطأة وابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميع على المنع من القصد إلى قتل النساء والولدان أما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفار ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع إما بالرق أو الفداء فيمن يجوز أن يفادي به انتهى (ورخص بعض أهل العلم في البيات) بفتح الموحدة هو الغارة بالليل (وقتل النساء فيهم) أي في الكفار (والولدان) عطف على النساء (وهو قول أحمد إسحاق رخصا في البيات) قال الحافظ في الفتح
قال أحمد لا بأس في البيات ولا أعلم أحدا كرهه انتهى قوله : (أخبرني الصعب بن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي صحابي عاش إلى خلافة عثمان قوله : (هم من آبائهم) وفي رواية البخاري هم منهم قال الحافظ أي في الحكم تلك الحالة فليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الاباء إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النسائي وزاد أبو داود قال الزهري ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان كذا في المنتقى قال الشوكاني استدل به من قال إنه لا يجوز قتلهم مطلقا انتهى قال وهذه الزيادة أخرجها الاسماعيلي من طريق جعفر الفريابي عن علي بن المديني عن سفيان بلفظ وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال وأخبرني أبي ابن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان وأخرجه أيضا ابن حبان مرسلا كأبي داود قال في الفتح وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب انتهى
[ 161 ]
(باب) قوله : (في بعث) أي في جيش (وإن النار لا يعذب بها إلا الله) هو خبر بمعنى النهي وقد اختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا سواء كان في سبب كفر أو في حال مقاتلة أو في قصاص وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما قال المهلب ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد وقد أحرق أبو بكر بالنار في حضرة الصحابة وحرق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة وكذلك حرق علي قوله : (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود
(باب ما جاء في الغلول) قال المنذري في الترغيب الغلول هو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصا به ولا يحضره إلى أمير الجيش ليقسمه بين الغزاة سواء قل أو كثر وسواء كان الاخذ أمير الجيش أو أحدهم
[ 162 ]
واختلف العلماء في الطعام والعلوفة ونحوهما اختلافا كثيرا انتهى وقال الجزري في النهاية الغلول الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة وكل من خان في شئ خفية فقد غل وسميت غلولا لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضا انتهى قوله : (وهو برئ من الكبر) بكسر الكاف وسكون الموحدة وبالراء (والدين) بفتح الدال المهملة وسكون التحتانية (دخل الجنة) يفهم منه أن من مات وهو ليس بريئا من هذه الثلاث لا يدخل الجنة قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه اعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ثوبان هذا بشئ من الصحة والضعف وقد صححه الحاكم قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما قوله : (عن سعيد) هو ابن أبي عروبة (من فارق الروح الجسد) أي من فارق روحه جسده وكذلك وقع في بعض نسخ الترغيب (الكنز) بفتح الكاف وسكون النون وبالزاي قال في مجمع البحار لغة المال المدفون تحت الأرض فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزا شرعا وإن كان مكنوزا لغة ويشهد عليه ما ورد كل ما أديت زكاته فليس بكنز (هكذا قال سعيد الكنز) يعني بالكاف والنون والزاي (وقال أبو عوانة في حديثه الكبر) يعني بالكاف الموحدة والراء
[ 163 ]
(ورواية سعيد أصح) قال البيهقي في كتابه عن أبي عبد الله يعني الحاكم الكنز مقيد بالزاي والصحيح في حديث أبي عوانة بالراء قوله : (حدثنا سماك أبو زميل) بضم الزاي المعجمة وفتح الميم مصغرا وسماك بكسر أوله وتخفيف الميم وهو ابن الوليد اليمامي ليس به بأس من الثالثة (إن فلانا قد استشهد) بصيغة المجهول أي صار شهيدا (قال كلا) زجر ورد لقولهم في هذا الرجل إنه شهيد محكوم له بالجنة أول وهلة بل هو في النار بسبب غلوله (بعباءه) العباء والعباءة ضرب من الأكسية قاله الطيبي وقال في القاموس العباء كساء كالعباءة قوله : (هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد ومسلم وأحاديث الباب تدل على تحريم الغلول من غير فرق بين القليل منه والكثير وقد ورد في حديث أبي هريرة عند مسلم لا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن ونقل النووي الاجماع على أنه من الكبائر وقد صرح القرآن والسنة بأن الغال يأتي يوم القيامة والشئ الذي غله معه (باب ما جاء في خروج النساء في الحرب) قوله : (يسقين الماء ويداوين الجرحى) وفي حديث الربيع نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وفي حديث أم عطية عند أحمد ومسلم وابن ماجه قالت غزوت مع
[ 164 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحا لهم وأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على الزمنى وفي هذه الأحاديث دليل على أنه يجوز خروج النساء في الحرب لهذه المصالح والجهاد ليس بواجب على النساء يدل على ذلك حديث عائشة عند أحمد والبخاري قالت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد قال لكن أفضل الجهاد حج مبرور قال ابن بطال دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله أفضل الجهاد حج مبرور وفي رواية البخاري جهادكن الحج ما يدل على أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد وإنما لم يكن واجبا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال فلذلك كان الحج أفضل
لهن من الجهاد انتهى قوله : (وفي الباب عن الربيع بنت معوذ) أخرجه أحمد والبخاري قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم (باب ما جاء في قبول هدايا المشركين) قوله : (عن ثوير) بضم الثاء المثلثة وفتح الواو مصغرا قوله : (إن كسرى) بكسر الفاء وفتحها لقب ملوك الفرس (فقبل منهم) هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على جواز قبول هدايا المشركين وهي كثيرة وسيأتي التوفيق بينها وبين الأحاديث التي تدل على المنع قوله : (وفي الباب عن جابر) قال العيني في شرح البخاري روى في هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن جابر رضي الله عنه رواه ابن عدي في الكامل عنه قال أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قارورة من غالية وكان أول من عمل له الغالية قال العيني لم أجد في هدايا الملوك له صلى الله عليه وسلم من حديث جابر إلا هذا الحديث والنجاشي كان قد أسلم ولا مدخل للحديث في
[ 165 ]
الباب إلا أن يكون أهداه له قبل إسلامه وفيه نظر ويحتمل أن يراد بالنجاشي نجاشي آخر من ملوك الحبشة لم يسلم كما في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم الحديث وعن أبي حميد الساعدي قال غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة وكتب له ببحرهم أخرجه الشيخان وعن أنس أخرجه مسلم والنسائي من رواية قتادة عنه أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من سندس ولأنس حديث آخر رواه ابن عدي في الكامل من رواية علي بن زيد عن أنس أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممشقة من سندس فلبسها أورده في ترجمة علي وضعفه قال العيني الممشقة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد الشين المعجمة وبالقاف هو الثوب المصبوغ
بالمشق بكسر الميم وهو المغيرة ولأنس حديث آخر رواه أبو داود من رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة أخذها بثلاثة وثلاثين ناقة فقبلها وعن بلال بن رباح أخرجه أبو داود عنه حديثا مطولا وفيه ألم تر إلى الركائب المناخاة الأربع فقلت بلى فقال إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن فاقض دينك وعن حكيم بن حزام أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير من رواية عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال كان محمد أحب رجل في الناس إلي في الجاهلية فلما تنبأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر فوجد حلة لذي يزن تباع فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى قال عبد الله حسبته قال إنا لا نقبل شيئا من المشركين ولكن إن شئت أخذناها بالثمن فأعطيته حين أبى على الهداية انتهى ما في شرح البخاري للعيني قوله : (وهذا حديث حسن غريب) وأخرجه أيضا البزار وأورده في التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف (وثوير هو ابن أبي فاختة) بخاء معجمة مكسورة ومثناة مفتوحة (اسمه) أي اسم أبي فاختة (سعيد بن علاقة) بكسر العين المهملة قوله (عن عياض) بكسر أوله وتخفيف التحتانية واخره ضاد معجمة (بن حمار) بكسر المهملة وتخفيف الميم التميمي المجاشعي صحابي سكن البصرة وعاش إلى حدود الخمسين
[ 166 ]
قوله (إني نهيت) بصيغة المجهول (عن زبد المشركين) بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة وهو الرفد والعطاء قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند موسى بن عقبة في المغازي أن عامر بن مالك الذي يدعي ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له فقال إني لا أقبل هدية المشركين الحديث قال في الفتح رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم ولا يصح
قوله : (واحتمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم ثم نهى عن هداياهم قال الحافظ في الفتح جمع الطبري بين هذه الأحاديث المختلفة بأن الامتناع فيما أهدى له خاصة والقبول فيما أهدى للمسلمين وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له صلى الله عليه وسلم خاصة وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الاسلام وهذا أقوى من الأول وقيل يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب والرد على من كان من أهل الأوثان وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء وأن ذلك من خصائصه ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول ومنهم من عكس وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص انتهى كلام الحافظ قلت يدل على قول من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول ما رواه أحمد عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال قدمت قتيلة ابنة عبد العزي بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا ضباب وأقط وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين إلى آخر الاية فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها كذا في المنتقى
[ 167 ]
ولا يبعد أن يقال إن الأصل هو عدم جواز قبول هدايا المشركين لكن إذا كانت في قبول هداياهم مصلحة عامة أو خاصة فيجوز قبولها والله تعالى أعلم (باب ما جاء في سجدة الشكر) قوله : (حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة) قال الحافظ صدوق يهم (عن أبيه) أي عبد العزيز بن أبي بكرة وهو صدوق (عن أبي بكرة) صحابي اسمه نقيع بن الحارث قوله : (فسر به) بصيغة المجهول أي فصار مسرورا به (فخر) من الخرور قوله : (هذا حديث حسن غريب) أخرجه الخمسة إلا النسائي قال الشوكاني في إسناده بكار بن عبد العزيز وهو ضعيف عند العقيلي وغيره وقال ابن معين إنه صالح الحديث انتهى وقال الحافظ صدوق يهم وفي الباب أحاديث كثيرة قال البيهقي في الباب عن جابر وابن عمر
وأنس وجرير وأبي جحيفة انتهى وقال المنذري وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بإسناد صحيح ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك انتهى قلت وفي الباب أيضا عن عبد الرحمن بن عوف أخرجه أحمد والبزار والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أخرجه أبو داود وقال في المنتقى وسجد أبو بكر حين جاء قتل مسليمة رواه سعيد بن منصور وسجد على حين وجد ذا الثدية في الخوارج رواه أحمد في مسنده وسجد كعب بن مالك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه وقصته متفق عليها قوله : (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر) قال الشوكاني في النيل بعد ذكر أحاديث سجود الشكر ما لفظه وهذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر وإلى ذلك ذهب العترة وأحمد والشافعي وقال مالك وهو مروي عن أبي حنيفة أنه يكره إذا لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم مع تواتر النعم عليه صلى الله عليه وسلم وفي رواية عن أبي حنيفة أنه مباح لأنه لم يؤثر وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذين الامامين مع وروده عنه صلى الله عليه وسلم من هذه الطرق التي ذكرها
[ 168 ]
المصنف وذكرناها من الغرائب ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سجدة ص : هي لنا شكر ولداود توبة (باب ما جاء في أمان المرأة والعبد) قوله : (إن المرأة لتأخذ للقوم) أي تأخذ الأمان على المسلمين أي جاز أن تأخذ المرأة المسلمة الأمان للقوم (يعني تجير على المسلمين) يقال أجرت فلانا على فلان أغثته منه ومنعته وإنما فسره به لإبهامه فإن مفعول قوله لتأخذ محذوف أي الأمان والدال عليه قرائن الأحوال قاله الطيبي قوله : (وفي الباب عن أم هانئ) أخرجه الشيخان وفيه قوله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وأخرجه الترمذي أيضا مختصرا في هذا الباب قوله : (وهذا حديث حسن غريب) ذكره الشوكاني في النيل وسكت عنه
قوله : (عن أبي مرة) بضم الميم وشدة الراء اسمه يزيد مدني مشهور بكنيته ثقة من الثالثة (عن أم هانئ) بكسر نون وبهمزة اسمها فاختة وقيل عاتكة وقيل هند بنت أبي طالب أسلمت عام فتح مكة (أجرت رجلين من أحمائي) جمع حمو قريب الزوج (قد أمنا) أي أعطينا الأمان قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولا
[ 169 ]
(باب ما جاء في الغدر) قوله : (أخبرني أبو الفيض) اسمه موسى بن أيوب ويقال ابن أبي أيوب المهري الحمصي مشهور بكنيته ثقة من الرابعة (قال سمعت سليم بن عامر) بضم السين وفتح اللام مصغرا الكلاعي ويقال الخبائري الحمصي ثقة من الثالثة غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد) أي إلى وقت معهود (وكان يسير في بلادهم) أي يذهب معاوية قبل انقضاء العهد ليقرب من بلادهم حين انقضى العهد (حتى إذا انقضى العهد) أي زمانه (وهو يقول الله أكبر وفاء لا غدر) فيه اختصار وحذف لضيق المقام أي ليكن منكم وفاء لا غدر يعني بعيد من أهل الله وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ارتكاب الغدر وللاستبعاد صدر الجملة بقوله الله أكبر (وإذا هو عمرو بن عبسة) بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة كنيته أبو نجيح أسلم قديما في أول الاسلام قيل كان رابع أربعة في الاسلام عداده في الشاميين قال في شرح السنة وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيرة بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها فإذا صار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه فعد ذلك عمرو غدرا
[ 170 ]
وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة فله أن يسير إليهم على غفلة منهم (فسأله معاوية عن ذلك) أي عن دليل ما ذكره (فلا يحلن عهدا) أي عقد عهد (ولا يشدنه) أراد به المبالغة عن عدم التغيير وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد والمعنى لا يغيرن عهدا ولا ينقضه بوجه
(حتى يمضي أمده) بفتحتين أي تنقضي غايته (أو ينبذ) بكسر الباء أي يرمي عهدهم (إليهم) بأن يخبرهم بأنه نقض العهد على تقدير خوف الخيانة منهم (على سواء) أي ليكون خصمه مساويا معه في النقض كيلا يكون ذلك منه غدرا لقوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء قال الطيبي على سواء حال قال المظهر أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع فيكون الفريقان في علم ذلك سواء قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه أبو داود (باب ما جاء أن لكل غادر لواء يوم القيامة) قوله : (حدثني صخر بن جويرية) أبو نافع مولى بني تميم أو بني هلال قال أحمد ثقة وقال القطان ذهب كتابة ثم وجده فتكلم فيه لذلك من السابعة (إن الغادر) الغدر ضد الوفاء أي الخائن لإنسان عاهده أو أمنه (لواء) أي علم خلفه تشهيرا له بالغدر وتفضيحا على رؤوس الأشهاد (يوم القيامة) زاد في رواية أبي داود وغيره فيقال هذه غدرة فلان بن فلان قوله : (وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس) أما حديث
[ 171 ]
علي وابن مسعود فلينظر من أخرجه وأما حديث علي فأخرجه مسلم وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (باب ما جاء في النزول على الحكم) أي نزول العدو على حكم رجل من المسلمين قوله : (رمي يوم الأحزاب) أي يوم غزوة الخندق (سعد بن معاذ) نائب الفاعل (فقطعوا) أي الكفار (أكحلة) أي أكحل سعد والأكحل عرق في وسط الذراع يكثر قصده (أو) للشك (أبحلة) الأبحل بالموحدة والجيم عرق في باطن الذراع (فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار) أي قطع الدم عنه بالكي (فنزفه) أي خرج منه دم كثير حتى ضعف (فحسمه أخرى) أي مرة أخرى (فلما
رأى ذلك) أي فلما رأى سعد عدم قطع الدم (اللهم لا تخرج نفسي) من الاخراج (حتى تقر عيني) من الاقرار وهو من القر بمعنى البرد والمعنى لا تميتني حتى تجعل قرة عيني من هلاك بني قريظة (فحكم أن تقتل رجالهم وتستحيي نساؤهم) وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم (يستعين بهن المسلمون) أي تقسم نساؤهم بين المسلمين فيستعينون بهن ويستخدمون منهن (وكانوا أربعمائة) اختلف في عدتهم فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمر بن عبد البر في ترجمة سعد بن معاذ وعند ابن عائذ من مرسل قتادة
[ 172 ]
كانوا سبعمائة وفي حديث جابر هذا كانوا أربعمائة فيجمع أن الباقين كانوا أتباعا وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة (انفتق عرقه) أي انفتح وفي الحديث دليل على أنه يجوز نزول العدو على حكم من المسلمين ويلزمهم ما حكم به عليهم من قتل أو أسر واسترقاق وقد ذكر ابن إسحاق أن بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد جلسوا في دار بنت الحارث وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن دار أسامة بن زيد ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في البيتين ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتين قال ابن إسحاق فخندقوا لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخندق وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأسهم للخيل فكان أول يوم وقعت فيه السهمان لها وعند ابن سعد من مرسل حميد بن بلال أن سعد بن معاذ حكم أيضا أن تكون دورهم للمهاجرين دون الأنصار فلامه الأنصار فقال إني أحببت أن يستغنوا عن دوركم قوله : (وفي الباب عن أبي سعيد وعطية القرظي) أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وأما حديث عطية القرظي فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي وابن حبان قوله : (اقتلوا شيوخ المشركين) أي الرجال الأقوياء أهل النجدة والبأس لا الهرمي الذين لا قوة لهم ولا رأي (واستحيوا) وفي رواية واستبقوا (شرخهم) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء
وبالخاء المعجمة قال المناوي أي المراهقين الذين لم يبلغوا الحلم فيحرم قتل الأطفال والنساء انتهى (والشرخ الغلمان الذين لم ينبتوا) من الانبات أي لم ينبت شعر عانتهم قوله : (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود
[ 173 ]
قوله : (عن عطية القرظي) بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة صحابي صغير له حديث يقال سكن الكوفة (قال عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي المشكاة قال كنت في سبي بني قريظة الخ (يوم قريظة) يعني يوم غزوة بني قريظة (فكان من أنبت) أي الشعر (قتل) فإنه من علامات البلوغ فيكون من المقاتلة (فخلى سبيله) أي لم يقتل قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي قوله : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الانبات بلوغا إن لم يعرف احتلامه ولا سنة) قال التوربشتي وإنما اعتبر الانبات في حقهم لمكان الضرورة إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو مبلغ سنهم لم يكونوا يتحدثوا بالصدق إذ رأوا فيه الهلاك انتهى (وهو قول أحمد وإسحاق) فقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب حد بلوغ الرجل والمرأة (باب ما جاء في الحلف) بكسر الحاء وسكون اللام وبالفاء قوله : (أوفوا) من الوفاء وهو القيام بمقتضى العهد (بحلف الجاهلية) أي العهود التي وقعت فيها مما لا يخالف الشرع لقوله تعالى أوفوا بالعقود لكنه مقيد بما قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (فإنه) أي الاسلام (لا يزيده) أي حلف الجاهلية
[ 174 ]
الذي ليس بمخالف للإسلام (إلا شدة) أي شدة توثق فيلزمكم الوفاء به قال القاري فإن الاسلام أقوى من الحلف فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على
الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الاسلام وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام ونحوهما فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة (ولا تحدثوا) من الاحداث أي لا تبتدعوا (حلفا في الاسلام) قال المناوي لا تحدثوا فيه محالفة بأن يرث بضعكم بعضا فإنه لا عبرة فيه انتهى وقال القاري أي لأنه كاف في وجوب التعاون قال الطيبي التنكير فيه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون للجنس أي لا تحدثوا حلفا ما والاخر أن يكون للنوع قال القاري الظاهر هو الثاني ويؤيده قول المظهر يعني إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضا ويرث بعضكم من بعض فإذا أسلمتم فأوفوا به فإن الاسلام يحرضكم على الوفاء به ولكن لا تحدثوا محالفة في الاسلام بأن يرث بعضكم من بعض انتهى قوله : (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف الخ) أما حديث جبير بن مطعم فأخرجه مسلم وأبو داود عنه مرفوعا لا حلف في الاسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة وأما أحاديث عبد الرحمن وغيره فلينظر من أخرجها قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد (باب أخذ الجزية من المجوسي) الجزية من جزأت الشئ إذا قسمته ثم سهلت الهمزة وقيل من الجزاء أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الاسلام أو من الاجزاء لأنها من تواضع عليه في عصمة دمه قال الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي ذليلون حقيرون وهذه الاية هي الأصل في مشروعية
[ 175 ]
الجزية ودل منطوق الاية مع أهل الكتاب ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها قال أبو عبيد ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره فإذا ألفيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الاسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية واحتجوا أيضا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الاية فلما انتقى
تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله من أهل الكتاب وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع وروى الشافعي وغيره حديثا عن علي ذكره الحافظ في الفتح بإسناد حسن قوله : (عن بجالة) بفتح الموحدة وتخفيف الجيم (بن عبدة) التميمي مكي ثقة ويعد في أهل البصرة (قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية) بفتح الجيم وسكون الزاي وبهمزة هو تميمي تابعي كان والي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالأهواز (على مناذر) بفتح الميم اسم موضع (انظر مجوس من قبلك) بكسر القاف وفتح الموحدة (أخذ الجزية من مجوس هجر) بفتح هاء وجيم قاعدة أرض البحرين كذا في المغنى وهو غير منصرف قال الطيبي اسم بلد باليمن يلي البحرين واستعماله على التذكير والصرف وقال في القاموس هجر محركة بلد باليمن بينه وبين عثر يوم وليلة مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع واسم لجميع أرض البحرين وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال وتنسب إلى هجر اليمنى قال في شرح السنة أجمعوا على أخذ الجزية من المجوس وذهب أكثرهم إلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما أخذت الجزية منهم بالسنة كما أخذت من اليهود والنصارى بالكتاب وقيل هم من أهل الكتاب روى عن علي كرم الله وجهه قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع بين أظهرهم كذا في المرقاة قلت قال الحافظ روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي كان المجوس أهل كتاب يقرأونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال إن ادم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شئ انتهى والحديث دليل على أن المجوس يؤخذ منهم الجزية وفرق الحنفية فقالوا تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب وحكى الطحاوي عنهم يقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب
[ 176 ]
إلا الاسلام أو السيف وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد وبه قال الأوزاعي وفقهاء
الشام انتهى وقال القاري في شرح حديث بريدة الاتي في باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ما لفظه والحديث مما يستدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو غير كتابي وقال أبو حنيفة تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا من مشركي العرب ومجوسهم وقال الشافعي لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس أعرابا كانوا أو أعاجم ويحتج بمفهوم الاية وبحديث سنوا به سنة أهل الكتاب وتأول هذا الحديث على أن المراد بهؤلاء أهل الكتاب لأن اسم المشرك يطلق على أهل الكتاب وغيرهم وكان تخصيصه معلوما عند الصحابة انتهى ما في المرقاة قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود قوله : (وفي الحديث كلام أكثر من هذا) لهذا الحديث طرق وألفاظ بعضها اختصار وفي بعضها طول ذكرها الشوكاني في النيل قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أصله في صحيح البخاري (باب ما جاء ما يحل من أموال أهل الذمة) قوله : (عن أبي لخير) اسمه مرثد بن عبد الله اليزني المصري ثقة فقيه من الثالثة (إنما نمر بقوم) أي من أهل الذمة أو من المسلمين (فلاهم يضيفونا) بتشديد النون وكان أصله يضيفوننا
[ 177 ]
من الاضافة (إن أبوا) أي إن إمتنعوا من الاضافة وأداء ما لكم عليهم من الحق (إلا أن تأخذوا كرها) بفتح الكاف أي جبرا (فخذوا) أي كرها قال الخطابي إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن بيت مال وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حق لهم في أموال المسلمين وقال ابن بطال قال أكثرهم إنه كان هذا في أول الاسلام حيث كانت المواساة واجبة وهو منسوخ بقوله " جائزته " كما في حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعا من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جائزته الحديث قالوا والجائزة تفضل لا واجب قال الشوكاني الذي ينبغي عليه التعويل هو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم
ههنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعا كالمطالبة بسائر الحقوق فإذا أساء إليه بإهمال حقه كان له مكافأة بما أباحه له الشارع في هذا الحديث (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) انتهى قلت : كما أن تأويل هذا الحديث بتخصيصه بزمنه صلى الله عليه وسلم ضعيف كذلك تأويلاته الأخرى التي تأولوه بها ضعيفة لا دليل عليها قال النووي حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره وتأوله الجمهور على وجوه أحدها أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة وثانيها أن معناه أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم وثالثها أن هذا كان في أول الاسلام وكانت المواساة واجبة فلما أشيع الاسلام نسخ ذلك وهذا التأويل باطل لأن الذي ادعاه المؤول لا يعرف قائله ورابعها أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وهذا أيضا ضعيف لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انتهى قلت التأويل الثاني أيضا باطل قال القاري بعد ذكره ما أبعد هذا التأويل عن سواء السبيل انتهى والتأويل الأول أيضا ضعيف لا دليل عليه فالظاهر هو ما قال أحمد والليث من أن الحديث محمول على ظاهره ألا وقد قرره الشوكاني وأما المعنى الذي ذكره الترمذي وقال هكذا روى في بعض الحديث مفسرا فإني لم أقف على هذا الحديث فإن كان هذا الحديث المفسر قابلا للاحتجاج فحمل حديث الباب على هذا المعنى متعين والله تعالى أعلم قوله : (هذا حديث حسن) أصله في الصحيحين
[ 178 ]
(باب ما جاء في الهجرة) قوله : (لا هجرة بعد الفتح) أي فتح مكة قال الخطابي وغيره كان الهجرة فرضا في أول الاسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة دخل
الناس في دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها الاية وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم ويفارق المشركين ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعا أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين وهذا محمول على من لم يأمن على دينه (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي وغيره هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النووي يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة وإذا أمركم الامام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه
[ 179 ]
قوله : (وفي الباب عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن حبشي) وأما حديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلينظر من أخرجها قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه (باب ما جاء في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم) قوله : (إذ يبايعوك) أي بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ولا يسفروا (تحت الشجرة) كانت هذه الشجرة سمرة (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت) وفي حديث يزيد بن أبي عبيد الاتي قال قلت لسلمة بن الأكوع على أي شئ بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
الحديبية قال على الموت ولا تنافي بين هذين الحديثين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين أو أحدهما يستلزم الاخر قاله الحافظ قوله : (وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وابن عمر وعبادة وجرير بن عبد الله) أما حديث سلمة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري وأما حديث عبادة فأخرجه البخاري ومسلم وأما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه البخاري
[ 180 ]
قوله : (قال على الموت) أي بايعنا على الموت والمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت فليس بين هذا الحديث والذي قبله منافاة قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري وغيره قوله : (فيقول) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيما استطعتم) هذا يقيد ما أطلق في أحاديث أخرى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري قوله : (هذا) أي حديث جابر (حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله : (ومعنى كلا الحديثين صحيح) أي لا مخالفة بينهما والمراد بالحديثين حديث جابر وحديث سلمة بن الأكوع
[ 181 ]
(باب في نكث البيعة) أي نقضها والنكث نقض العهد قوله : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة) قال النووي قيل معنى لا يكلمهم الله تكليم من رضي عنه بإظهار الرضا بل بكلام يدل على السخط وقيل المراد أنه يعرض عنهم وقيل لا يكلمهم كلاما يسرهم وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ومعنى لا ينظر إليهم يعرض عنهم ومعنى نظره لعباده رحمته لهم ولطفه بهم ومعنى لا يزكيهم لا يطهرهم من الذنوب وقيل لا يثني عليهم انتهى (رجل بايع إماما) زاد في رواية البخاري لا يبايعه إلا لدنيا (فإن
أعطاه وفى له) وفي رواية البخاري فإن أعطاه ما يريد وفى له وإن لم يف له وفي رواية فإن أعطاه ما يريد رضي وإلا سخط اعلم أن الترمذي رحمه الله ذكر واحدا من الثلاثة وترك الاثنين اختصارا ولفظ الحديث بتمامه في صحيح البخاري هكذا ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم (باب ما جاء في بيعة العبد) قوله : (فجاء سيده) وفي رواية مسلم فجاء سيده يريده (فاشتراه بعبدين أسودين) قال
[ 182 ]
النووي هذا محمول على أن سيده كان مسلما ولهذا باعه بالعبدين الأسودين والظاهر أنهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم بكافر ويحتمل أنه كان كافرا وأنهما كانا كافرين ولا بد من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة إما ببينة وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرية وفيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدا وكذا حكم سائر الحيوان فإن باع عبدا بعبدين أو بعيرا ببعيرين إلى أجل فمذهب الشافعي والجمهور جوازه وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يجوز وفيه مذهب لغيرهم انتهى (ولم يبايع أحدا بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك (حتى يسأله أعبد هو) بهمزة الاستفهام وفيه أن أحدا إذا جاء الامام ليبايعه على الهجرة ولا يعلم أنه عبد أو حر فلا يبايعه حتى يسأله فإن كان حرا يبايعه وإلا فلا قوله : (وفي الباب عن ابن عباس) لم أق ف عليه (حديث جابر حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه مسلم (ولا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير) أي تفرد به أبو الزبير عن جابر وهذا
هو وجه كونه غريبا (باب ما جاء في بيعة النساء) قوله : (سمع أميمة) بضم الهمزة وفتح الميمين بينهما تحتانية ساكنة (بنت رقيقة) بضم الراء وفتح القافين بينهما تحتانية ساكنة قال في التقريب اسم أبيها عبد الله بن بجاد التيمي لها حديثان وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تابعية قوله : (وأطقتن) من الاطاقة (قال سفيان تعني صافحنا) أي قال سفيان في تفسير قول
[ 183 ]
أميمة بايعنا تريد به صافحنا يعني أطلقت لفظ بايعنا وأرادت به صافحنا (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قولي الخ) كذا روى الترمذي هذا الحديث مختصرا ورواه النسائي والطبري أنها دخلت في نسوة تبايع فقلن يا رسول الله ابسط يدك نصافحك فقال إني لا أصافح النساء ولكن سأخذ عليكن فأخذ علينا حتى بلغ ولا يعصينك في معروف فقال فيما أطقتن واستطعتن إلخ قوله : (وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن عمرو وأسماء بنت يزيد) أما حديث عائشة فأخرجه البخاري وغيره وفيه والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك قال الحافظ قوله قد بايعتك كلاما أي يقول ذلك كلاما فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة وكأن عائشة أشارت بقولها والله ما مست الخ إلى الرد على ما جاء عن أم عطية فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة قال فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال لهم اشهد وكذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه قبضت منا امرأة يدها فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن ويمسكن الجواب عن الأول بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول أو كانت المبايعة تقع بحائل فقد روى أبو داود في المراسيل عن
الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه في يده وقال لا أصافح النساء وعند عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي مرسلا نحوه وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك وأخرج ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه عن أبان بن صالح أنه صلى الله عليه وسلم كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه ويحتمل التعدد وقد أخرج الطبراني أنه بايعهن بواسطة عمر وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي وفي المغازي لابن إسحاق عن أبان بن صالح أنه كان يغمس يده في إناء فيغمسن أيديهن فيه انتهى ما في فتح الباري اعلم أن السنة أن تكون بيعة الرجال بالمصافحة والسنة في المصافحة أن تكون باليد اليمنى فقد روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أبسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه الحديث قال القاري في شرح هذا الحديث أي افتح يمينك ومدها لأضع
[ 184 ]
يميني عليها كما هو العادة في البيعة انتهى وفي هذا الباب روايات أخرى صحيحة صريحة وكذلك السنة أن تكون المصافحة باليد اليمنى عند اللقاء أيضا وأما المصافحة باليدين عند اللقاء أو عند البيعة فلم تثبت بحديث مرفوع صحيح صريح وقد حققنا هذه المسألة في رسالتنا المسماة بالمقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي وغيره (باب ما جاء في عدة أصحاب أهل بدر) أي الذين شهدوا الوقعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ألحق بهم قوله : (كعدة أصحاب طالوت) هو ابن قيس من ذرية بنيامين بن يعقوب شقيق يوسف عليه السلام يقال إنه كان سقاء ويقال إنه كان دباغا والمراد بأصحاب طالوت الذين جاوزا منه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن كما في رواية البخاري وقد ذكر الله قصة طالوت في القرآن في سورة البقرة وذكر أهل العلم في الأخبار أن المراد بالنهر نهر الأردن وأن جالوت كان
رأس الجبارين وأن طالوت وعد من قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويقاسمه الملك فقتله داود فوفى له طالوت وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتى استقل بالمملكة بعد أن كانت نية طالوت تغيرت لداود وهم بقتله فلم يقدر عليه فتاب وانخلع من الملك وخرج مجاهدا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلهم شهداء وقد ذكر محمد بن إسحاق قصته مطولة في المبتدأ كذا في فتح الباري (ثلاث مائة وثلاثة عشر) كذا وقع ثلاثة عشر في حديث البراء هذا عند الترمذي وكذا وقع في حديث ابن عباس قال الحافظ ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس كان أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من رواية عبيدة بن عمرو السلماني أحد كبار التابعين ومنهم من وصله بذكر علي وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي
[ 185 ]
انتهى وقد وقع في بعض الروايات أربعة عشر مكان ثلاثة عشر وفي بعضها خمسة عشر وفي بعضها سبعة عشر وفي بعضها تسعة عشر وقد جمع الحافظ في الفتح بين هذه الروايات المختلفة جمعا حسنا من شاء الوقوف عليه فليراجعه قوله : (وفي الباب عن ابن عباس) تقدم تخريجه آنفا قوله : (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب ما جاء في الخمس) بضم الخاء المعجمة والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول الاية وكان الغنائم تقسم على خمسة أقسام فيعزل خمس منها يصرف فيمن ذكر في الاية وكان خمس هذا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف فيمن يستحقه بعده فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح وعنه يرد على الأصناف الثمانية المذكورين في الاية وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم وقيل يختص به الخليفة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين إلا السلب فإنه للقاتل على الراجح كذا في الفتح
قوله : (عن أبي جمرة) بفتح الجيم وسكون الميم وبالراء اسمه نصر بن عمران الضبعي الضاد المعجمة وفتح الموحدة مشهور بكنيته ثقة ثبت من الثالثة قوله : (وفي الحديث قصة وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم بقصته
[ 186 ]
(باب ما جاء في كراهية النهبة) قال في المجمع النهبة بالفتح مصدر وبالضم المال المنهوب قوله : (عن عباية) بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية خفيفة (ابن رفاعة) بكسر الراء بن خديج الأنصاري الزرقي المدني ثقة من الثالثة قوله : (فتقدم سرعان الناس) قال في المجمع سرعان الناس هو بفتحتين أوائلهم الذين يتسارعون إلى المشي ويقبلون عليه بسرعة يجوز سكون الراء (فاطبخوا) هو افتعلوا من الطبخ وهو عام لمن يطبخ لنفسه وغيره والإطباخ خاص لنفسه (في أخرى الناس) أي في الطائفة المتأخرة عنهم (فاكفئت بصيغة) المجهول من الاكفاء أي قلبت وأريق ما فيها لأنهم ذبحوا الغنم قبل القسمة وقد اختلف في هذا المكان في شيئين أحدهما سبب الاراقة والثاني هل أتلف اللحم أم لا فأما الأول فقال عياض كانوا انتهوا إلى دار الاسلام والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلا بعد القسمة وأن محل جواز ذلك قبل القسمة إنما هو ما داموا في دار الحرب قال ويحتمل أن سبب ذلك كونهم انتهبوها ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة قال وقد وقع في حديث آخر ما يدل لذلك يشير إلى ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه وله صحبة عن رجل من الأنصار قال أصاب الناس مجاعة شديدة وجهد فأصابوا غنما فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي بها إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال إن النهبة ليست بأحل من الميتة انتهى وهذا يدل على أنه عاملهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث وأما الثاني فقال الثوري المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم وأما
اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم ولا يظن أنه أمر بإتلافه مع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وهذا من مال الغانمين وأيضا فالجناية بطبخة لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة فإن
[ 187 ]
منهم من لم يطبخ ومنهم المستحقون للخمس فإن قيل لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم قلنا ولم ينقل أنهم أحرقوه أو أتلفوه فيجب تأويله على وفق القواعد انتهى ويرد عليه حديث أبي داود فإنه جيد الاسناد وترك تسمية الصحابي لا يضر ورجال الاسناد على شرط مسلم ولا يقال لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه مكان تداركه بالغسل لأن السياق يشعر بأنه أريد المبالغة في الزجر عن ذلك الفعل فلو كان بصدد أن ينتفع به بعد ذلك لم يكن فيه كبير زجر لأن الذي يخص الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشهوتهم لها أبلغ في الزجر كذا في فتح الباري (فعدل بعيرا بعشر شياه) قال الحافظ وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك فلعل الابل كانت قليلة أو نفيسة والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين وأما هذه القسمة فكانت واقعة عين فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الابل دون الغنم وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بدنة والبدنة تطلق على الناقة والبقرة وأما حديث ابن عباس كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة وفي البدنة عشرة فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وعضده بحديث رافع بن خديج هذا والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك (وهذا أصح) أخرجه البخاري قوله : (وفي الباب عن ثعلبة بن الحكم الخ) لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة
[ 188 ]
قوله : (من انتهب) أي أخذ ما لا يجوز له أخذه قهرا جهرا (فليس منا) أي ليس من المطيعين لأمرنا لأن أخذ مال المعصوم بغير إذنه ولا علم رضاه حرام بل يكفر مستحله قاله المناوي وقال القاري ليس من جماعتنا وعلى طريقتنا قوله : (هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس) وأخرجه أحمد والضياء (باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب) قوله : (لا تبدأوا اليهود والنصارى) أي ولو كانوا ذميين فضلا عن غيرهما من الكفار (بالسلام لأن الابتداء به إعزاز للمسلم عليه ولا يجوز إعزازهم وكذا لا يجوز تواددهم وتحاببهم بالسلام ونحوه) قال تعالى لا تحد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله الاية ولأنا مأمورون بإذلالهم كما أشار إليه سبحانه بقوله : (وهم صاغرون) كذا في المرقاة (فاضطروه) أي ألجئوه (إلى أضيقه) أي أضيق الطريق بحيث لو كان في الطريق جدار يلتصق بالجدار وإلا فيأمره ليعدل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه وفي شرح مسلم للنووي قال بعض أصحابنا يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم وهذا ضعيف لأن النهي للتحريم فالصواب تحريم ابتدائهم وحكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة وهو قول علقمة والنخعي وقال الأوزاعي إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون وأما المبتدع فالمختار أنه لا يبدأ بالسلام إلا لعذر وخوف من مفسده ولو سلم على من لم يعرفه فبان ذميا استحب أن يسترد سلامه بأن يقول استرجعت سلامي تحقيرا له وقال لأصحابنا لا يترك للذمي صدر الطريق بل يضطر إلى أضيقه ولكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ونحوها وإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج انتهى
[ 189 ]
قوله (وفي الباب عن ابن عمر وأنس وأبي بصرة الغفاري) وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان مرفوعا بلفظ إذا سلم
عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم وأما حديث أبي بصرة فلينظر من أخرجه قوله : (فإنما يقول السام عليك) أي الموت العاجل عليك (فقل عليك) وفي المشكاة وعليك بالواو قال القاري في المشكاة والمفهوم من كلام القاضي أن الأصل في هذا الحديث عليك بغير واو وأنه روى بالواو أيضا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين قوله : (فاعتصم ناس بالسجود) أي ناس من المسلمين الساكنين في الكفار سجدوا باعتماد أن جيش الاسلام يتركوننا عن القتل حيث يروننا ساجدين لأن الصلاة علامة الايمان
[ 190 ]
(فأمر لهم بنصف العقل) أي بنصف الدية قال في فتح الودود لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره قسقط حصة جنايته (بين أظهر المشركين) أي بينهم ولفظ أظهر مقحم (لا تراءى ناراهما) من الترائي تفاعل من الرؤية يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا تراءى الشئ أي ظهر حتى رأيته والأصل في تراءى تتراءى فحذت إحدى التاءين تخفيفا وإسناد التراءي إلى النار مجاز من قولهم داري تنظر من دار فلان أي تقابلها قال في النهاية أي يلزم المسلم يجب أن يتباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين هو حث على الهجرة قال الخطابي في معناه ثلاثة وجوه قيل معناه لا يستوي حكمهما وقيل معناه أن الله فرق بين داري الاسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارا كان منهم بحيث يراها وقيل معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله قوله : (وفي الباب عن سمرة) أخرجه أبو داود عنه مرفوعا من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله وذكره الترمذي بنحوه ولم يذكر سنده وحديث جرير المذكور في الباب أخرجه أيضا
[ 191 ]
أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم ورواه الطبراني أيضا موصولا كذا في النيل (باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) الجزيرة اسم موضع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل يزن إلى منقطع السموة في العرض قاله أبو عبيدة وقال الأصمعي من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا قال الأزهري سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطها بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات وعن مالك أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن وفي القاموس جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات قوله : (فلا أترك فيها إلا مسلما) قال النووي أوجب مالك والشافعي وغيرهما من العلماء إخراج الكافر من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم بالحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره وقال لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الاقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام قال الشافعي إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال فإن دخلها بخفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيها نبش وأخرج منها ما لم يتغير وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم وحجة الجماهير قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وفي المعالم أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام قال وجوز أهل الكوفة المعاهد دخول الحرم انتهى
[ 192 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله : (لئن عشت) أي بقيت قوله (إن شاء الله) قيد لقوله لأخرجن اليهود والنصارى (باب ما جاء في تركة النبي صلى الله عليه وسلم)
بفتح الفوقانية وكسر الراء ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (لا نورث) بفتح الراء ويصح الكسر وحكمته أنهم كالاباء للأمة فمالهم لكلهم أو لئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثتهم ونزاع علي وعباس قبل علمهما بالحديث وبعده رجعا وأعتقد أنه الحق بدليل أن عليا لم يغير الأمر حين استخلف . فأن قلت : فكيف نازعا عمر قلت : طالبا في التصرف بعد أن يكونا متصرفين بالشركة وكره عمر القسمة حذرا من دعوى الملك كذا في المجمع (لكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله) عال الرجل عياله يعولهم إذا قام بما يحتاجون إليه من ثوب وغيره قوله : (وفي الباب عن عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وعائشة) أما حديث عمر وغيره فأخرجه الترمذي بعد هذا وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان عنها أن
[ 193 ]
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن فقالت عائشة أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة قوله : (حديث أبي هريرة حديث غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد قال صاحب المنتقى بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا رواه أحمد والترمذي وصححه انتهى قلت ليس في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا تصحيح الترمذي إنما فيها تحيسنه فقط وروى الشيخان حديث أبي هريرة بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتسم ورثتي دينارا ما بركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة وفي لفظ لأحمد لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما قوله : (أنشدكم بالله) أي أسألكم رافعا نشدتي صوتي (لا نورث) بالنون وهو توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث كما قال الحافظ في الفتح وما تركنا في موضع الرفع بالابتداء وسدقة خبره وقد زعم بعض الرافضة أن لا نورث بالياء التحتانية وصدقة بالنصب على الحال وما تركناه في محل رفع على النيابة والتقدير لا يورث الذي تركناه حال كونه صدقة وهذا خلاف ما جاءت به الرواية ونقله
الحفاظ وما ذلك بأول تحريف من أهل تلك النحلة ويوضح بطلانه ما في حديث أبي هريرة المذكور بلفظ فهو صدقة وقوله لا تقتسم ورثتي دينارا وقوله إن النبي لا يورث (قالوا نعم) قد استشكل هذا ووجه الاستشكال أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليا قد علما بأنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث " فأن كانا سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكر وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر
[ 194 ]
وأجيب بحمل ذلك على أنهما اعتقدا أن عموم لا نورث مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض ولذلك نسب عمر إلى علي وعباس أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما كما وقع في صحيح البخاري وغيره وأما مخاصمتهما بعد ذلك عند عمر فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدارقطني من طريقه لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف كذا قال لكن في رواية النسائي وعمر بن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث ولفظه في اخره ثم جئتمان الان تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي والله لا أقضي بينكما إلا بذلك أي إلا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه وفي السنن لأبي داود وغيره أرادا أن عمر يقسمها بينهما لينفرد كل منهما ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وأراد أن لا يقع عليها اسم القسمة ولذلك أقسم على ذلك وعلى هذا اقتصر أكثر شراح الحديث واستحسنوه وفيه من النظر ما تقدم كذا في النيل قوله : (وفي الحديث قصة طويلة الخ) أخرجه البخاري ومسلم بقصته الطويلة (باب ما جاء قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة الخ) قوله : (عن الحارث بن مالك بن برصاء) قال الحافظ في التقريب الحارث ابن مالك بن قيس الليثي المعروف بابن البرصاء صحابي له حديث واحد تأخر إلى أواخر خلافة معاوية (لا
[ 195 ]
تغزي) بصيغة المجهول (هذه) أي مكة المكرم (بعد اليوم) أي بعد يوم فتح مكة قال في مجمع البحار أي لا تعود كفر يغزي عليه أو لا يغزوها الكفار أبدا إذ المسلمون قد غزوها مرات غزوها زمن يزيد بن معاوية بعد وقعة الحرة وزمن عبد الملك بن مروان مع الحجاج وبعده على أن من غزاها من المسلمين لم يقصدوها ولا البيت وإنما قصدوا ابن الزبير مع تعظيم أمر مكة وإن جرى عليه ما جرى من رميه بالنار في المنجنيق والحرقة ولو روى لا تغز على النهي لم يحتج إلى التأويل انتهى قوله : (وفي الباب عن ابن عباس وسليمان بن صرد ومطيع) لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم قوله : (هذا حديث حسن صحيح) هذا الحديث من أفراد الترمذي وقد تفرد بروايته الحارث بن مالك كما عرفت به (باب ما جاء في الساعة التي يستحب فيها القتال قوله : (عن النعمان بن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون قال صاحب المشكاة هو النعمان بن عمرو بن مقرن المزني روى أنه قال قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة من مزينة سكن البصرة ثم تحول إلى الكوفة وكان عامل عمر على جيش نهاوند واستشهد يوم فتحها قوله : (فكان) قال الطيبي ما أظهره من دليل على وجود الفاء التفصيلية لأن قوله غزوت مع
[ 196 ]
النبي صلى الله عليه وسلم مشتمل مجملا على ما ذكر بعده مفصلا (أمسك) أي عن الشروع القتال (فإذا زالت الشمس) أي وصلى (العصر) أي إلى العصر (وكان يقال) أي يقول الصحابة الحكمة في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال إلى الزوال عند ذلك الخ (عند ذلك) أي عند زوال الشمس وهو من جملة المقول ظرف لقوله (تهيج) أي تجئ (ويدعو المؤمنون لجيوشهم في
صلواتهم) أي في أوقات فراغها أو في أثنائها بالقنوت عند النوازل قاله القاري قال الطيبي إشارة إلى أن تركه صلى الله عليه وسلم القتال في الأوقات المذكورة كان لاشتغالهم بها فيها اللهم إلا بعد العصر فإن هذا الوقت مستثنى منها لحصول النصر فيها لبعض الأنبياء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه رواه البخاري عن أبي هريرة ولعل هذا السر خص في الحديث هذا الوقت بالفعل المضارع حيث قال ثم يقاتل وفي سائر الأوقات قاتل على لفظ الماضي استحضارا لتلك الحالة في ذهن السامع تنبيها على أن قتاله في هذا الوقت كان أشد وتحريمه فيه أكمل انتهى قوله : (وقد روى هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسناد أوصل من هذا) يعني أن إسناد حديث النعمان المذكور منقطع وقد روى هذا الحديث بإسناد موصول لي فيه انقطاع وذكر الترمذي وجه الانقطاع بقوله وقتادة لم يدرك النعمان الخ وذكر الاسناد الموصول بقوله حدثنا الحسن بن علي الخلال الخ
[ 197 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري بطوله (باب ما جاء في الطيرة) بكسر الطاء وفتح التحتانية قوله : (الطيرة من الشرك) أي لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا فإذا عملوا بموجبها فكأنهم أشركوا بالله في ذلك ويسمى شركا خفيا وقال بعضهم يعني من أعتقد أن شيئا سوى الله تعالى ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك أي شركا جليا وقال القاضي إنما سماها شركا لأنهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببا مؤثرا في حصول المكروه وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفي فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد (وما منا) أي لأحد (إلا) أي إلا من يخطر له من جهة الطيرة شئ ما لتعود النفوس بها فحذف المستثنى كراهة أن يتفوه به قال
التوربشتي أي إلا من يعرض له الوهم من قبل الطيرة وكره أن يتم كلامه ذلك لما يتضمنه من الحالة المكروهة وهذا نوع من الكلام يكتفي دون المكروه منه با شارة فلا يضرب لنفسه مثل السوء (ولكن الله) بتشديد النون ونصب الجلالة (يذهبه) بضم الياء من الا ذهاب إي يزيل ذلك الوهم المكروه (بالتوكل) أي يسبب الاعتماد عليه والاستناد إليه سبحانه وحاصله أن الخطرة ليس بها عبرة فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة وأوبة من حوبة كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك وكفارة ذلك أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك رواه أحمد والطبراني قوله : (في هذا الحديث) أي في تحقيق شأنه وما يتعلق بقوله (وما منا إلا ولكن الله يذهبه
[ 198 ]
بالتوكل قال) أي سليمان بن حرب (هذا) أي قوله وما منا الخ (عندي قول ابن مسعود) أي في ظني أنه موقوف على ابن مسعود وإنما المرفوع قوله الطيرة من الشرك فقط ويؤيده أن هذا المقدار رواه جمع كثير عن ابن مسعود مرفوعا بدون الزيادة قوله : (وفي الباب عن سعد وأبي هريرة وحابس التميمي وعائشة وابن عمر) أما حديث سعد وهو ابن مالك فأخرجه أبو داود وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأما أحاديث حابس وغيره رضي الله تعالى عنهم فلينظر من أخرجها قوله : (هذا حديث حسن صحيح الخ) وأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه قال الحافظ المنذري قال أبو القاسم الأصبهاني وغيره في الحديث إضمار والتقدير وما منا إلا وقد وقع في قلبه شئ من ذلك يعني قلوب أمته ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كل من يتوكل على الله ولا يثبت على ذلك هذا لفظ الأصبهاني والصواب ما ذكره البخاري وغيره أن قوله وما منا الخ من كلام ابن مسعود مدرج غير مرفوع قال الخطابي وقال محمد بن إسماعيل كان سليمان بن حرب ينكر هذا الحرف ويقول ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه قول ابن مسعود وحكى الترمذي عن البخاري أيضا عن سليمان بن حرب نحو هذا انتهى ما في الترغيب
قوله : (لا عدوى) بفتح فسكون ففتح قال في القاموس إنه الفساد وقال التوربشتي العدوي هنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره يقال أعدى فلان فلانا من خلفه أو من غرته وذلك على ما يذهب إليه المتطببة في علل سبع الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية وقد اختلف العلماء في التأويل فمنهم من يقول المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرائن المسوقة على العدوى وهم الأكثرون ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد قال صلى الله عليه وسلم فر من المجذوم فرارك من الأسد وقال لا يوردن ذو عاهة على مصح وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا
[ 199 ]
محالة فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما يتوهمون بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن ويشير إلى هذا المعنى قوله فمن أعدى الأول أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير فمن أعدى الأول وبين بقوله فر من المجذوم وبقوله لا يوردن ذو عاهة على مصح أن مداناة ذلك بسبب العلة فليتقه اتقاء من الجدار المائل والسفينة المعيوبة وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي إنما جاء شفقا على مباشرة أحد الأمرين فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في إبله فيعتقد أن العدوى حق قلت : وقد اختاره العسقلاني يعني الحافظ ابن حجر في شرح النخبة وبسطنا الكلام معه في شرح الشرح ومجمله أنه يرد عليه اجتنابه عليه السلام عن المجذوم عند إراد المبايعة مع أن منصب النبوة بعيد من أن يورد لحسم مادة ظن العدوى كلاما يكون مادة لظنها أيضا فإن الأمر بالتجنب أظهر من فتح مادة ظن أن العدوى لها تأثير بالطبع وعلى كل تقدير فلا دلالة أصلا على نفي العدوى مبينا والله أعلم قال الشيخ التوربشتي وأرى الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطية ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد
بإثباتها والعبرة بها على الوجه الذي ذكرناه وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه وبين ما ينهى عنه لمعنى وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة ويدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع قد بايعناك فارجع في حديث الشريد بن سويد الثقفي وقوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة كل ثقة بالله وتوكلا عليه ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه بين بالأول التوقي من أسباب التلف وبالثاني التوكل على الله جل جلاله ولا إله غيره في متاركة الأسباب وهو حاله انتهى قال القاري وهو جمع حسن في غاية التحقيق انتهى قلت : في كون هذا الجمع حسنا نظر كما لا يخفي على المتأمل وأما القول بأن الشرع ورد بإثبات الأصول الطبية ففيه أن ورود الشرع ثبات جميع الأصول الطبية ممنوع بل قد ورد الشرع لإبطال بعضها فإن المتطببين قائلون بحصول الشفاء بالحرام وقد ورد الشرع بنفي الشفاء بالحرام وهم قائلون بثبوت العدوى في بعض الأمراض وقد ورد الشرع بأنه لا عدوى فالظاهر الراجح عندي في التوفيق والجمع بين الأحاديث المذكورة هو ما ذكره الحافظ في شرح النخبة والله تعالى أعلم (ولا طيرة) نفى معناه النهي كقوله تعالى (لا ريب فيه) (وأحب الفأل) بصيغة المجهول المتكلم من
[ 200 ]
الإحباب (قالوا يا رسول الله ما الفأل) وإنما نشأ هذا السؤال لما في نفوسهم من عموم الطيرة الشامل للتشاؤم والتفاؤل المتعارف فيما بينهم (قال) إشارة إلى أنه فرد خاص خارج عن العرف العام معتبر عند خواص الأنام وهو قوله : (الكلمة الطيبة) أي الصالحة لأن يؤخذ منها الفأل الحسن قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرج الشيخان معناه من حديث أبي هريرة قوله : (كان يعجبه) أي يستحسنه ويتفاءل به (أن يسمع يا راشد) أي واجد الطريق المستقيم (يا نجيح) أي من قضيت حاجته (باب ما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم في القتال
قوله : (أوصاه في خاصة نفسه) أي في حق نفسه خصوصا وهو متعلق بقوله (بتقوى الله) وهو متعلق بأوصاه (ومن معه) معطوف على خاصة نفسه أي وفي من معه (من المسلمين) بيان لمن (خيرا) منصوب بنزع الخافض أي بخير قال الطيبي ومن في محل الجر ومن باب العطف على عاملين مختلفين كأنه قيل أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه وأوصى بخير في من معه من المسلمين وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلى أن عليه أن
[ 201 ]
يشد على نفسه فيها يأتي ويذر وأن يسهل على من معه من المسلمين ويرفق بهم كما ورد يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا (وقال اغزوا بسم الله) أي مستعينين بذكره (وفي سبيل الله) أي لأجل مرضاته وإعلاء دينه (قاتلوا من كفر بالله) جملة موضحة لا غزوا (ولا تغلوا) من الغلول من باب نصر ينصر أي لا تخونوا في الغنيمة (ولا تغدروا) بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد وقيل لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الاسلام (ولا تمثلوا) بضم المثلثة قال النووي في تهذيبه مثل به بمثل كقتل إذا قطع أطرافه وفي القاموس مثل بفلان مثله بالضمير نكل كمثل تمثيلا وفي الفائق إذا سودت وجهه أو قطعت أنفه ونحوه (ولا تقتلوا وليدا) أي طفلا صغيرا (فإذا لقيت) الخطاب لأمير الجيش قال الطيبي هو من باب تلوين الخطاب خاطب أولا عاما فدخل فيه الأمير دخولا أوليا ثم خص الخطاب به فدخلوا فيه على سبيل التبعية كقوله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم) خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء (أو خلال) شك من الراوي والخصال والخلال بكسرهما جمع الخصلة والخلة بفتحهما بمعنى واحد (فأيتها أجابوك) أي قبلوها منك (وكف عنهم) بضم الكاف وفتح الفاء المشددة ويجوز ضمها وكسرها أي امتنع عنهم (ادعهم) أي أولا (والتحول) أي الانتقال (من دارهم) أي من دار الكفر (إلى دار المهاجرين) أي إلى دار الاسلام وهذا من توابع الخصلة الأولى بل قيل إن الهجرة كانت من أركان الاسلام قبل فتح مكة (أنهم إن فعلوا ذلك) أي التحول (فإن لهم ما للمهاجرين) أي الثواب واستحقاق مال الفئ وذلك الاستحقاق كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أي وقت أمرهم الامام سواء
كان من بإزاء العدو كافيا أو لا بخلاف غير المهاجرين فإنه لا يجب الخروج عليهم إلى الجهاد إن كان بإزاء العدو من به الكفاية وهذا معنى قوله (وعليهم ما على المهاجرين) أي من الغزو (وإن أبوا أن يتحولوا) أي من دارهم (كأعراب المسلمين) أي الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر (يجري عليهم ما يجري على الأعراب) وفي رواية مسلم يجري عليهم حكم الذي يجري على المؤمنين أي من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص والدية ونحوهما (إلا أن
[ 202 ]
يجاهدوا) أي مع المسلمين (وإذا حاصرت حصنا) وفي رواية مسلم أهل حصن (فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) أي عهدهما وأمانهما (فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) أي لا بالإجتماع ولا بالإنفراد (فإنكم إن تخفروا) من الاخفار أي تنقضوا (فلا تنزلوهم) أي على حكم الله (فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) قال النووي قوله فلا تجعل لهم ذمة الله نهي تنزيه فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش وكذا قوله فلا تنزلهم على حكم الله نهي تنزيه وفيه حجة لمن يقول ليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله في نفس الأمر ومن يقول إن كل مجتهد مصيب يقول معنى قوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أنك لا تأمن أن ينزل علي وحي بخلاف ما حكمت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد من تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة لقد حكمت فيهم بحكم الله وهذا المعنى منتف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كل مجتهد مصيبا انتهى قال القاري وهو مذهب المعتزلة وبعض أهل السنة قوله : (وفي الباب عن النعمان بن مقرن) أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي في باب الساعة التي يستحب فيها القتال قوله : (وحديث بريدة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله : (وزاد) أي محمد بن بشار في روايته من طريق أبي أحمد (فإن أبوا) أي فإن امتنعوا عن الاسلام (فخذ بهم الجزية) استدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من
كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو غير كتابي وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الجزية
[ 203 ]
قوله (لا يغير) من الاغارة (إلا عند صلاة الفجر) وفي رواية كان يغير إذا طلع الفجر (فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار) قال القاضي أي كان يتثبت فيه ويحتاط في الاغارة حذرا عن أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلا عنه جاهلا بحاله قال الخطابي فيه بيان أن الأذان شعار لدين الاسلام لا يجوز تركه فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه انتهى قال القاري وكذا نقل عن الامام محمد من أئمتنا انتهى وفيه دليل على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة وفي هذا الحديث دليل على جواز الحكم بالدليل لكونه صلى الله عليه وسلم كف عن القتال بمجرد سماع الأذان وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء لأنه كف عنهم في تلك الحال مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة (واستمع ذات يوم) لفظ ذات مقحم (فقال على الفطرة) فيه أن التكبير من الأمور المختصة بأهل الاسلام وأن يصح الاستدلال به على إسلام أهل قرية سمع منهم ذلك (قال خرجت من النار) هو نحو الأدلة القاضية بأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وهي مطلقة مقيدة بعدم المانع جمعا بين الأدلة قوله : (قال الحسن) هو الحسن بن علي الخلال (وحدثنا الوليد) كذا في النسخة الأحمدية وهو غلط وفي بعض النسخ حدثنا أبو الوليد وهو الصواب واسمه هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي روى عن حماد بن سلمة وغيره وعنه الحسن بن علي الخلال وغيره قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم
[ 204 ]
(باب فضل الجهاد) قوله : (ما يعدل الجهاد) أي أي عمل يساوي الجهاد يعني في الفضل والثواب (مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم) ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله زاد النسائي من هذا الوجه الخاشع الراكع الساجد وفي الموطأ وابن
حبان كمثل الصائم القائم الدائم ولأحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعا مثل المجاهد في سبيل كمثل الصائم نهاره والقائم ليله وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لحديث إن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات وأصرح منه قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (لا يفتر) من الفتور من باب نصر ينصر أي لا يسأم ولا يمل (حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) أي إلى بيته أو حتى ينصرف عن جهاده
[ 205 ]
قوله (وفي الباب عن الشقاء وعبد الله بن حبشي وأبي موسى وأبي سعيد وأم مالك البهزية وأنس بن مالك) أما حديث الشفاء فأخرجه أحمد في مسنده وأما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في أواخر فضائل الجهاد وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجه في باب فضل الجهاد في سبيل الله من أبواب الجهاد وأما حديث أم مالك البهزية فأخرجه أحمد في مسنده وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (يعني يقول الله) الظاهر أن قائله أنس أي يريد صلى الله عليه وسلم أن المجاهد في سبيل الخ من الأحاديث الالهية ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فيما يحكي عن ربه قال أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته غفرت له رواه النسائي (وهو علي ضامن) كذا في النسخ الحاضرة بلفظ ضمان وفي ترغيب المنذري نقلا عن الترمذي بلفظ ضامن وكذا نقله الحافظ في
الفتح وقال قوله على ضامن أي مضمون أو معناه أنه ذو ضمان انتهى (وإن رجعته) أي أرجعته قال في القاموس رجع يرجع رجوعا انصرف والشئ عن الشئ وإليه رجعا صرفه ورده كأرجعه قوله : (هذا حديث غريب صحيح) قال المنذري بعد ذكره وهو في الصحيحين وغيرهما بنحوه من حديث أبي هريرة وتقدم انتهى
[ 206 ]
قلت ذكر المنذري فيما تقدم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرجه منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة الخ رواه مسلم واللفظ له ورواه مالك والبخاري والنسائي ولفظهم تكفل الله من جاهد في سبيله الخ قال الحافظ في الفتح تضمن الله وتكفل الله وانتدب الله بمعنى واحد ومحصله تحقيق المذكور في قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم (باب ما جاء في فضل من مات مرابطا) قوله (أنه سمع فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة (بن عبيد) بالتصغير (كل ميت يختم) بصيغة المجهول (على عمله) أي لا يكتب له ثواب جديد (فإنه ينمي له عمله) بفتح الياء وكسر الميم أي يزيد ويجوز أن يكون بضم الياء وفتح الميم من الإنماء أي يزاد عمله بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين وهو إحياء الدين بدفع أعدائهم من المشركين (ويأمن فتنة القبر) أي مع ذلك ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة الحديث قوله : (المجاهد من جاهد نفسه) زاد في رواية الله أي قهر نفسه الأمارة بالسوء على ما فيه
رضا الله من فعل الطاعة وتجنب المعصية وجهادها أصل كل جهاد فإنه لم يجاهدها لم يمكنه جهاد العدو الخارج
[ 207 ]
قوله (وفي الباب عن عقبة بن عامر وجابر) أما حديث عقبة فأخرجه أحمد والدارمي وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني في الأوسط عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رابط يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أرضين قال المنذري في الترغيب إسناده لا بأس به إن شاء الله ومتنه غريب قوله : (حديث فضالة بن عبيد حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وليس في روايته جملة المجاهد من جاهد نفسه وأخرجه ابن حبان مع هذه الجملة (باب ما جاء في فضل الصوم في سبيل الله) قوله : (من صام يوما في سبيل الله) قال ابن الجوزي إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد وقال القرطبي سبيل الله طاعة الله فالمراد من صام قاصدا وجه الله قال الحافظ ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك ثم وجدته في فوائد أبي طاهر الذهلي من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن أبي هريرة بلفظ ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله الحديث قال ابن دقيق العيد العرف الأكثر استعماله في الجهاد فإنحمل كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين قال ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والأول أقرب ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفا ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين انتهى (زحزحه الله) أي بعده (سبعين خريفا) قال الحافظ الخريف زمان معلوم من السنة والمراد به هنا العام وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره
[ 208 ]
ورد بأن الربيع كذلك قال القرطبي ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير كثيرا انتهى ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر والطبراني عن عمرو بن عبسة وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعا في رواياتهم مائة عام انتهى كلام الحافظ (أحدهما) أي أحد من عروة وسليمان (يقول سبعين الاخر يقول أربعين) من روى بسبعين فروايته موافقة لحديث أبي سعيد المتفق عليه الاتي في هذا الباب قوله : (هذا حديث غريب من هذا الوجه) في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف قال المنذري في الترغيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا رواه النسائي بإسناد حسن والترمذي من رواية بن لهيعة وقال حديث غريب ورواه ابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد العزيز الليثي وبقية رجال الاسناد ثقات انتهى (وأبو الأسود اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المديني) قال الحافظ هو يتيم عروة ثقة من السادسة قوله : (وفي الباب عن أبي سعيد وأنس وعقبة بن عامر وأبي أمامة) أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وأما حديث أنس فلينظر من أخرجه وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه النسائي وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله : (حدثنا عبد الله بن الوليد العدني) قال في التقريب عبد الله بن الوليد بن ميمون أبو محمد المكي المعروف بالعدني صدوق ربما أخطأ من كبار العاشرة عن النعمان (بن أبي عياش) بفتح عين مهملة وشدة تحتية وبشين معجمة (الزرقي) بضم زاي معجمة وفتح راء مهملة الأنصاري المدني ثقة من الرابعة قوله : (إلا باعد ذلك اليوم) أي صومه (النار) بالنصب مفعول باعد وذكر المنذري في
[ 209 ]
الترغيب هذا الحديث بلفظ ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه
عن النار سبعين خريفا وعزاه للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما كما عرفت آنفا قوله : (حدثنا زياد بن أيوب) هو البغدادي المعروف بدلويه (جعل الله بينه وبين النار خندقا) الخندق بوزن جعفر حول أسوار المدن معرب كنده كذا في القاموس قوله : (هذا حديث غريب) ذكره المنذري في الترغيب وعزاه الترمذي وسكت عنه (باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله) قوله : (عن الركين) بالتصغير (بن الربيع) بن عميلة الفزاري الكوفي ثقة من الرابعة (عن أبيه) أي عن الربيع بن الفزاري الكوفي وثقه بن معين (عن يسير) بالتصغير (بن عميلة) بفتح المهملة وكسر الميم الفزاري ويقال له أسير أيضا ثقة من الثالثة (عن خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية (بن فانك) بالفاء وكسر الفوقية الأسدي صحابي شهد الحديبية ولم يصح أنه شهد بدرا مات في خلافة معاوية بالرقة (من أنفق نفقة) أي صرف نفقة صغيرة أو كبيرة (كتبت له سبعمائة ضعف) أي مثل وهذا أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء قال المناوي أخذ منه بعضهم أن هذا نهاية التضعيف ورد باية (والله يضاعف لمن يشاء) انتهى
[ 210 ]
قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه البزار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في كل يوم كلما أحصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف وما أنفقوا من شئ فهو يخلفه وذكر الحديث بطوله كذا في الترغيب (هذا حديث حسن) وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الاسناد وأخرجه أيضا أحمد (باب ما جاء في فضل الخدمة في سبيل الله قوله : (عن كثير بن الحارث) الدمشقي مقبول من السادسة
قوله : (قال خدمة عبد في سبيل الله) وفي رواية أبي أمامة الاتية منيحة خادم في سبيل الله فالمراد بقوله خدمة عبد أي هبة عبد للمجاهد ليخدمه أو عاريته له (أو ظل فسطاط) بضم الفاء وتكسر خيمة يستظل به المجاهد أي نصب خيمة أو خباء للغزاة يستظلون به (أو طروقة فحل) بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة يعني ناقة أو نحو فرس بلغت أن يطرقها الفحل يعطيه إياها ليركبها إعارة أو قرضا أو هبة قوله : (أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ومنيحة خادم في سبيل الله أو طروقة فحل في سبيل الله) قال المنذري في الترغيب طروقة الفحل بفتح الطاء وبالإضافة هي الناقة التي صلحت لطرق الفحل وأقل سنها ثلاث سنين وبعض الرابعة وهذه هي الحقة ومعناه أن يعطي الغازي خادما أو ناقة هذه صفتها فإن ذلك أفضل الصدقات
[ 211 ]
قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح فلم يذكر لفظ غريب وكذا في الجامع الصغير بغير ذكر لفظ غريب وقال المناوي واعترض بأن حقة حسن لا صحيح انتهى وحديث أمامة هذا أخرجه أيضا أحمد في مسنده (باب ما جاء فيمن جهز غازيا) تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوة قوله : (حدثنا أبو إسماعيل) اسمه أبراهيم بن عبد الملك البصري أو إسماعيل القناد صدوق في حفظه شئ من السابعة قوله : (قال من جهز غازيا) بتشديد الهاء أي هيأ أسباب سفره (في سبيل الله) أي في الجهاد (فقد غزا) أي حكما وحصل له ثواب الغزاة (ومن خلف) بفتح اللام المخففة (غازيا) أي قام مقام بعده وصار خلفا له برعاية أموره في أهله (فقد غزا) قال القاضي يقال خلفه في أهله إذا قام
[ 212 ]
مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم أي من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته شاركه في الثواب لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب عن فعله قال الحافظ في الفتح قوله فقد غزا قال ابن حبان معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة ثم أخرج من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ كتب له مثل أجره غير أن لا ينقص من أجره شئ ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع وأفادت فائدتين إحداهما أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز وهو المراد بقوله حتى يستقل ثانيهما أنه يستوي معه في الأجر وماله يخبر إلى أن تنقضي تلك الغزوة انتهى فإن قلت ما وجه التوفيق بين حديث الباب وحديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وقال ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما رواه مسلم وفي رواية له ثم قال للقاعد وأيكم خلف الخارج في أهله كان له مثل نصف أجر الخارج قلت قال القرطبي لفظه نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقال الحافظ ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب للغازي والخالف له بخير فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للاخر فلا تعارض بين الحديثين انتهى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما (وقد روى) بصيغة
[ 213 ]
المجهول (من غير هذا الوجه) أي من غير هذا الاسناد المذكور وقد ذكره الترمذي بقوله حدثنا ابن أبي عمر الخ قوله : (حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد الخ) قد وقعت هذه العبارة أعني قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد إلى قوله نحوه في بعض النسخ قبل قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي الخ (حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان) العرزمي صدوق له
أوهام من الخامسة كذا في التقريب (باب من اغبرت قدماه في سبيل الله) أي بيان ماله من الفضل قوله : (لحقني عباية) بفتح المهملة (بن رفاعة) بكسر الراء المهملة (وأنا ماش إلى الجمعة) جملة حالية اعلم أن كذا وقع عند الترمذي وكذا عند النسائي أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية وعند البخاري في باب المشي إلى الجمعة من رواية علي بن المديني عن الوليد بن مسلم أن القصة وقعت لعباية مع أبي عباس فإن كان ما عند الترمذي والنسائي محفوظا احتمل أن تكون القصة وقعت بكل منهما كذا في الفتح (فقال) أي عباية (أبشر) من الابشار قال في الصراخ الابشار شاد شدن يقال بشرته بمولود فأبشر أي سر ويقال أبشر بخير ومنه قوله تعالى (وأبشروا بالجنة) (فإن خطاك) جمع خطوة (في سبيل الله) أي في طريق يطلب فيها رضا الله (سمعت أبا عباس) بسكون الموحدة هو ابن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة (من اغبرت قدماه) أي أصابهما غبار (في سبيل الله) أي في الجهاد وقال المناوي في شرح الجامع الصغير أي في طريق يطلب فيها رضا الله فشمل الجهاد وغيره كمطلب العلم قلت وأراد عباية بن رفاعة في رواية الترمذي وكذا أبو عبس الراوي في رواية البخاري العموم (فهما حرام على النار) أي لا
[ 214 ]
تمسها النار وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يحرم عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه قوله : (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي قوله : (وفي الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) لم أقف على من أخرج حديثهما وفي الباب أيضا عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الأوسط وعن جابر أخرجه ابن حبان ذكر الحافظ لفظهما في الفتح تحت حديث الباب قوله : (ويزيد بن أبي مريم وهو رجل شامي) قال في التقريب يقال اسم أبيه ثابت
الأنصاري أبو عبد الله الدمشقي إمام الجامع لا بأس به (روى عنه الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة وغير واحد من أهل الشام) كالأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وغيرهما وهو روى عن أبيه وعن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ومجاهد وغيرهم كذا في تهذيب التهذيب (ويزيد بن أبي مريم كوفي) يعني هذا رجل آخر غير يزيد بن أبي مريم الشامي المذكور (أبوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه مالك بن ربيعة) قال في تهذيب التهذيب مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي من أصحاب الشجرة سكن الكوفة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في النوم عن الصلاة وعنه ابنه يزيد بن أبي مريم روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له أن يبارك له في ولده فولد له ثمانون ذكرا قال الحافظ ذكره ابن حبان في الصحابة ثم ذكره ثقات التابعين (باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله) قوله (عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي مولى آل طلحة كوفي ثقة
[ 215 ]
قوله (لا يلج النار) أي لا يدخلها (رجل بكى من خشية الله) فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية (حتى يعود اللبن في الضرع) هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط (ولا يجتمع) أي على عبد كما في رواية غير الترمذي (غبار في سبيل الله ودخان جهنم) فكأنهما ضدان لا يجتمعان كما أن الدنيا والاخرة نقيضان قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي إلا أنهم قالوا ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا وقال الحاكم صحيح الاسناد (باب ما جاء في من شاب شيبة في سبيل الله) قوله : (واحذر) أي عن زيادة ونقصان فيه (من شاب شيبة) أي شعرة واحدة بيضاء (في الاسلام) يعني أعم من أن يكون في الجهاد أو غيره (كانت له نورا يوم القيامة) أي ضياء ومخلصا عن ظلمات الموقف وشدائده قال المناوي أي يصير الشعر نفسه نورا يهتدي به صاحبه والشيب وإن كان ليس من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل
منزلة سعيه انتهى قوله : (وفي الباب عن فضالة بن عبيد وعبد الله بن عمرو) أما حديث فضالة فأخرجه
[ 216 ]
البزار والطبراني في الكبير والأوسط من رواية ابن لهيعة وبقية إسناده ثقات كذا في الترغيب ولفظه مثل حديث الباب المذكور وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود قوله : (حديث كعب بن مرة حديث حسن) وأخرجه النسائي وابن ماجه قوله : (هكذا رواه الأعمش عن عمرو بن مرة) أي عن سالم بن أبي الجعد الخ (وقد روى هذا الحديث عن منصور عن سالم بن أبي الجعد وأدخل) أي منصور بينه أي بين سالم بن أبي الجعد (ويقال كعب بن مرة ويقال مرة بن كعب البهزي الخ) قال في تهذيب التهذيب كعب بن مرة وقيل مرة بن كعب البهزي السلمي سكن البصرة ثم الأردن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه شرحبيل بن السمط وسالم بن أبي الجعد وقيل لم يسمع منه وعبد الله بن شقيق وقال مرة بن كعب وغيرهم قال ابن عبد البر والأكثر يقولون كعب بن مرة له أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة يروونها عن شرحبيل عنه وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل عن عمرو بن عبسة فالله أعلم انتهى قوله : (عن كثير بن مرة الحضرمي) الحمصي ثقة من الثانية ووهم من عدة في الصحابة كذا في التقريب (عن عمرو بن عبسة) بعين موحدة مفتوحتين وإهمال سين ابن عامر بن خالد السلمي كنيته أبو نجيح صحابي مشهور أسلم قديما وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام قوله : (من شاب شيبة في سبيل الله) وفي رواية النسائي في الاسلام قال الطيبي معناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعره فله مالا يوصف من الثواب دل عليه تخصيص ذكر النور والتنكير فيه قال ومن روى في الاسلام بدل في سبيل الله أراد بالعام الخاص أو سمى
[ 217 ]
الجهاد إسلاما لأنه عموده وذروة سنامه انتهى قلت ويمكن أن يراد من سبيل الله في هذا
الحديث أعم من الجهاد والله تعالى أعلم قوله : (هذا حديث حسن صحيح غريب) قال المنذري بعد ذكر هذا الحديث رواه النسائي في حديث والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولم يذكر المنذري لفظ غريب (باب ما جاء من ارتبط فرسا في سبيل الله) أي احتبسها وأعدها للجهاد قوله : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) سيأتي شرح هذا في باب فضل الخيل (الخيل لثلاثة) قال الحافظ وجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول أو معصية وهو خير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني (هي لرجل أجر) أي ثواب (وهي لرجل ستر) أي ساتر لفقره ولحاله (وهي على رجل وزر) أي إثم وثقل (لا يغيب) بضم التحتية الأولى وشدة الثانية المكسورة أي لا يدخل والضمير يرجع إلى الموصول وفي رواية مسلم لا تغيب بضم الفوقية والضمير يرجع إلى الخيل وفي الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة والحديث أخرجه الترمذي مختصرا ورواه مسلم مطولا وفيه الخيل ثلاثة فهي لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر فأما الذي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا ولو رعاها في مرج ما أكلت من شئ إلا كتب الله له بها أجرا ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر وأما
[ 218 ]
الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حتى ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذبحا ورياء الناس فذاك الذي هي عليه وزر الحديث قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه
(باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله قوله : (عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين) بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي النوفلي ثقة عالم بالمناسك من الخامسة قوله : (ليدخل بالسهم الواحد) أي بسبب رميه على الكفار (ثلاثة) وفي رواية ثلاثة نفر (صانعه) بدل بعض من ثلاثة (يحتسب) أي حال كونه يطلب (في صنعته) أي لذلك السهم (الخير) أي الثواب (والرامي به) أي كذلك محتسبا وكذا قوله (والممد به) من الامداد قال في المجمع الممد به أي من يقوم عند الرامي وله فينا سهما بعد سهم أو يرد عليه النبل من الهدف من أمددته بكذا إذا أعطيته إياه (ارموا واركبوا) أي تقتصروا على الرمي ماشيا واجمعوا بين الرمي والركوب أو المعنى اعلموا هذه الفضيلة وتعلموا الرمي والركوب بتأديب الفرس والتمرين عليه كما يشير إليه آخر الحديث وقال الطيبي عطف واركبوا يدل على المغايرة وأن الرامي يكون راجلا والراكب رامحا فيكون معنى قوله (ولأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا) أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح انتهى كلام الطيبي وقال القاري والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء والكبرياء ولما فيه الرمي من النفع العام ولذا قدمه تعالى في قوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل مع
[ 219 ]
أن لا دلالة في الحديث على الرمح أصلا انتهى كلام القاري (كل ما يلهو به الرجل المسلم) أي يشتغل ويلعب به (باطل) لا ثواب له (إلا رميه بقوس) احتراف عن رميه بالحجر والخشب (وتأديبه فرسه) أي تعليمه إياه بالركض والجولان على نية الغزو (وملاعبته أهله فإنهن من الحق) أي ليس من اللهو الباطل فيترتب عليه الثواب الكامل قال القاري وفي معناها كل ما يعين على الحق من العلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة كالمسابقة بالرجل والخيل والإبل والتمشية للتنزه على قصد تقوية البدن وتطرية الدماغ ومنها السماع إذا لم يكن بالالات المطربة المحرمة انتهى كلام القاري
قلت في قوله ومنها السماع الخ نظر ظاهر فإن السماع ليس مما يعين على الحق والسماع الذي هو فاش في هذا الزمان بين المتصوفة الجهلة لا شك في أنه معين على الفساد والبطالة وأما الدليل على أن السماع ليس مما يعين على الحق فقوله تعالى ومن الناس يشتري لهو الحديث قال الحافظ في التلخيص روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عبد الله سئل عن قوله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال الغناء والذي لا إله غيره وأخرجه الحاكم وصححه البيهقي انتهى وعبد الله هذا هو ابن مسعود وقد صرح الحافظ به فيه وحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا مرسل لأنه من صغار التابعين قوله : (عن أبي الاسلام) الحبشي الأسود اسمه ممطور (عن عبد الله بن الأزرق) بتقديم الزاي على الراء قال في الخلاصة عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر وعنه أبو سلام وثقه ابن حبان قوله : (وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو) أما حديث كعب بن مرة فأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة فقال له عبد الرحمن بن النحام وما الدرجة يا رسول الله قال أما إنها ليست بعتبة أمك ما بين الدرجتين مائة عام وعنه أيضا قال سمعت
[ 220 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة رواه ابن حبان في صحيحه وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه قوله : (هذا حديث حسن صحيح) الظاهر أن الترمذي أشار بقوله هذا إلى حديث عقبة بن عامر لا إلى حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين فإنه مرسل وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس ورواه عنه بالعنعنة وأما حديث عقبة فرواه أبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح الاسناد والبيهقي من طريق الحاكم وغيرها وفي لفظ أبي داود ومنبله مكان والممد به قال
المنذري منبله بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة قال البغوي هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين أحدهما أن يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحدا بعد واحد حتى يرمي والاخر أن يرد عليه النبل المرمي به ويروي والممدد به وأي الأمرين فعل فهو ممد به انتهى قال المنذري ويحتمل أن يكون المراد بقوله منبله أي الذي يعطيه للمجاهد ويجهز به من ماله إمدادا له وتقوية ورواية البيهقي تدل على هذا انتهى قلت : في رواية البيهقي أن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير والذي يجهز به في سبيل الله والذي يرمي به في سبيل الله قوله : (فهو له عدل محرر) بكسر العين ويفتح أي مثل ثواب معتق قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (وأبو نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وبالحاء المهملة (وهو عمرو بن عبسة) بفتح العين الموحدة وبالسين المهملة صحابي مشهور أسلم قديما وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام (وعبد الله بن الأزرق هو عبد الله بن زيد) والأزرق صفة لزيد فهو عبد الله بن زيد الأزرق كما في الخلاصة وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال
[ 221 ]
(باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله قوله (حدثنا بشر بن عمر) هو الزهران الأزدي (حدثنا شعيب بن رزيق) بضم الراء المهملة وفتح الزاي مصغرا الشامي أبو شيبة صدوق يخطئ من السابعة (حدثنا عطاء) بن أبي مسلم أو عثمان الخراساني واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله صدوق يهم كثيرا ويرسل ويدلس من الخامسة لم يصح أن البخاري أخرج له كذا في التقريب قوله : (عينان لا تمسهما النار) أي لا تمس صاحبهما فعبر بالجزء عن الجملة وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى وفي رواية أبدا وفي رواية لا تريان النار (عين بكت من
خشية الله) وهي مرتبة المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان عالما أو غير عالم (وعين باتت تحرس) وفي رواية تكلأ (في سبيل الله) وهي مرتبة المجاهدين في العبادة وهي شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار قال الطيبي قوله عين بكت هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه لقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز عنهم فحصلت النسبة بين العينين عين مجاهد مع النفس والشيطان وعين مجاهد مع الكفار قوله : (وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة) أما حديث عثمان فأخرجه الحاكم وقال صحيح الاسناد ولفظه حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد ورواته ثقات والنسائي ببعضه والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم وقال صحيح الاسناد كذا في الترغيب قوله : (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه الضياء والطبراني في الأوسط عن أنس
[ 222 ]
(باب ما جاء في ثواب الشهيد قوله : (في طير) جمع طائر ويطلق على الواحد (خضر) بضم فسكون جمع أخضر (تعلق) قال المنذري بفتح المثناة فوق وعين مهملة وضم اللام أي ترعى من أعالي شجر الجنة انتهى وقال في النهاية أي تأكل وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه يقال علقت علوقا فنقل إلى الطير انتهى (من ثمر الجنة أو شجر الجنة) شك من الراوي وفي حديث ابن مسعود عند مسلم : أرواحهم في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل الحديث قال في المرقاة وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات
الحشر والنشر والجنة والنار ولهذا قال في حديث اخر حتى يرجعه الله إلى جسده يوم بعثه الأجساد قال ابن الهمام إعلم أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث كما أنه يخالف قوله تعالى فادخلي في عبادي انتهى وفي بعض حواشي العقائد إعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الاخرة إذ هم ينكرون الاخرة والجنة والنار ولذا كفروا انتهى قلت : على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة منها قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد في مسنده قوله : (حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي بصري أصله من بخارى ثقة قيل كان
[ 223 ]
يحيى بن سعيد لا يرضاه من التاسعة (عن عامر العقيلي) بالضم . قال في التقريب : عامر بن عقبة ، وقال ابن عبد الله العقيلي مقبول من الرابعة (عن أبيه) هو عقبة قال في تهذيب التهذيب عقبة العقيلي روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة الحديث وعنه ابنه عامر العقيلي انتهى وقال في التقريب في ترجمته مقبول من الثالثة قوله : (عر ض) بالبناء للمفعول (أول ثلاثة يدخلون الجنة) بصيغة الفاعل ويجوز كونه للمفعول قال الطيبي أضاف أفعل إلى النكرة للاستغراق أي أول كل ثلاثة من الداخلين في الجنة هؤلاء الثلاثة وأما تقديم أحد الثلاثة على الاخرين فليس في اللفظ إلا التنسيق عند علماء المعاني انتهى قال القاري وقوله للاستغراق كأنه صفة النكرة أي النكرة المستغرقة لأن النكرة الموصوفة تعم فالمعنى أول كل ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة ثم لا شك أن التقديم الذكرى يفيد الترتيب الوجودي في الجملة وإن لم يكن قطعيا كما في آية الوضوء وقد قال صلى الله عليه وسلم ابدأوا بما بدأ الله به في إن الصفا والمروة من شعائر الله وروى ثلة بالضم وهي
الجماعة أي أول جماعة يدخلون الجنة وروى برفع ثلاثة فضم أول للبناء كضم قبل وبعد ظرف عرض أي عرض على أول أوقات العرض ثلاثة أو ثلة يدخلون الجنة (شهيد) فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول (وعفيف) عن تعاطي ما لا تحل (متعفف) أي عن السؤال باليسير عن طلب المفضول في المطعم والملبس وقيل أي متنزه عما لا يليق به صابر على مخالفة نفسه وهواه (وعبد) أي مملوك (أحسن عبادة الله) بأن قام بشرائطها وأركانها وقال الطيبي أي أخلص عبادته من قوله صلى الله عليه وسلم الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه (ونصح لمواليه) أي أراد الخير لهم وقام بحقوقهم قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى قوله : (حدثنا يحيى بن طلحة) بن أبي كثير اليربوعي الكوفي لين الحديث من العاشرة قوله : (القتل) مصدر بمعنى المفعول قوله (يكفر كل خطيئة) أي يكون سببا لتكفير كل خطيئة
[ 224 ]
عن المقتول (إلا الدين) أي وما في معناه من حقوق العباد قال النووي فيه تنبيه على جميع حقوق الادميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر ولا يكفر حقوق الادميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى قوله : (وفي الباب عن كعب بن عجرة وجابر وأبي هريرة وأبي قتادة) أما حديث كعب بن عجرة فلينظر من أخرجه وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في التفسير وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الاسناد وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه عنه قال ذكر الشهداء عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض وفي يد كل واحدة حلة خير من الدنيا وما فيها وله أحاديث أخرى في هذا الباب ذكرها المنذري في الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي أيضا في باب من يستشهد وعليه دين قوله : (وحديث أنس حديث غريب) وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ القتل في سبيل الله يكفر كل شئ إلا الدين (لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ)
يعني يحيى بن طلحة الكوفي (وقال) أي محمد بن إسماعيل البخاري (أرى) بضم الهمزة وفتح الراء أي أظن (أنه) أي يحيى بن طلحة (أراد حديث حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس أحد من أهل الجنة الخ) يعني أراد يحيى بن طلحة أن يحدث هذا الحديث فأخطأ ووهم وحدث بحديث القتل يكفر كل شئ الخ قوله : (يموت) صفة لعبد (له عند الله خير) أي ثواب صفة أخرى لعبد (يجب أن يرجع)
[ 225 ]
كلمة أن مصدرية ويرجع لازم (وأن له الدنيا) بفتح الهمزة عطف على أن يرجع ويجوز الكسر على أن يكون جملة حالية (إلا الشهيد) مستثنى من قوله يجب أن يرجع (لما يرى) بكسر اللام التعليلية (فيقتل) على صيغة المجهول بالنصب عطف على أن يرجع قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب ما جاء في فضل الشهداء عند الله) وفي بعض النسخ في أفضل الشهداء مكان في فضل الشهداء وهو الظاهر قوله : (عن عطاء بن دينار) الهذلي مولاهم أبو الريان وقيل أبو طلحة المصري صدوق إلا أن روايته عن سعيد بن جبير عن صحيفته من السادسة (عن أبي يزيد الخولاني) المصري مجهول من الرابعة (أنه سمع فضالة بن عبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي أو ما شهد أحدا ثم نزل دمشق وولى قضاها مات سنة ثمان وخمسين وقيل قبلها قوله : (الشهداء أربعة) أي أربعة أنواع أو أربعة رجال (رجل مؤمن جيد الايمان) أي خالصه أو كامله (لقي العدو) أي من الكفار (فصدق الله) بتخفيف الدال أي صدق بشجاعته ما عاهد الله عليه أو بتشديده أي صدقه فيما وعد على الشهادة (حتى قتل) بصيغة المجهول أي حتى قاتل إلى أن استشهد قال الطيبي رحمه الله يعني أن الله وصف المجاهدين الذي قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين فتحرى هذا الرجل بفعله وقالت صابرا فكأنه صدق الله تعالى بفعله قال تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (فذاك) أي المؤمن (الذي يرفع الناس)
[ 226 ]
أي أهل الموقف (هكذا) مصدر قوله يرفع أي رفعا مثل رفع رأسي هكذا كما تشاهدون (ورفع رأسه حتى وقعت) أي سقطت (قلنسوته) بفتحتين فسكون فضم أي طاقيته وهذا القول كناية عن تناهي رفعه منزلته (فلا أدري) هذا قول الراوي عن فضالة بناء على أن قوله حتى وقعت كلام فضالة أو كلام عمر والمعنى فلا أعلم (قلنسوة عمر أراد) أي فضالة (أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم وإعادته للفصل (ورجل مؤمن جيد الايمان) يعني لكن دون الأول في مرتبة الشجاعة (فكأنما ضرب) أي مشبها بمن طعن (جلده بشوك طلح) بفتح فسكون وهو شجر عظيم من شجر العضاه قال الطيبي إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف أو عن ارتعاد فرائصه وأعضائه وقوله (من الجبن) بيان التشبيه قال القاري الأظهر أن من تعليلية والجبن ضد الشجاعة وهما خصلتان جبليتان مركوزتان في الانسان وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله ونعمة يستوجب العبد بها زيادة درجة (أتاه سهم غرب) بفتح المعجمة وسكون الراء وفتحها أي مثلا والتركيب توصيفي وجوز الاضافة والمعنى لا يعرف راميه (فقتله) أي ذلك السهم مجازا (فهو في الدرجة الثانية) وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما روى (ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا) الواو بمعنى الباء أو للدلالة على أن كل واحد منها مخلوط بالاخر كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) (حتى قتل) أي بوصف الشجاعة (ورجل مؤمن أسرف على نفسه) أي بكثرة المعاصي (حتى قتل) أي بوصف الشجاعة المفهوم من قوله فصدق الله (فذاك في الدرجة الرابعة) في الحديث دلالة على أن الشهداء يتفاضلون وليسوا في مرتبة واحدة قال الطيبي الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الايمان أن الأول صدق الله في إيمانه لما فيه من الشجاعة وهذا بذل مهجته في سبيل الله ولم يصدق لما فيه من الجبن والفرق بين الثاني والرابع أن الثاني جيد الايمان غير صادق بفعله والرابع عكسه فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الايمان والإخلاص لا يعتريه شئ وأن مبنى الأعمال على الاخلاص قال
القاري فيه أنه لا دلالة للحديث على الاخلاص مع أنه معتبر في جميع مراتب الاختصاص بل
[ 227 ]
الفرق بين الأولين بالشجاعة وضدها مع اتفاقهما في الايمان وصلاح العمل ثم دونهما المخلط ثم دونهم المسرف مع اتصافهما بالإيمان أيضا ولعل الطيبي أراد بالمخلط من جمع بين نية الدنيا والاخرة وبالمسرف من نوى بمجاهدته الغنيمة أو الرياء والسمعة انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد (عن أشياخ من خولان) بفتح الخاء وسكون الواو قبيلة باليمن ومنها أبو يزيد الخولاني (باب ما جاء في غزو البحر) قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام) بفتح المهملتين وهي خالة أنس صحابية مشهورة ماتت في خلافة عثمان وفي رواية البخاري في الاستئذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام (وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة وفي رواية البخاري في باب غزو المرأة في البحر من كتاب الجهاد فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحار وفي رواية لمسلم فتزوج بها عبادة بعد وظاهر هاتين الروايتين أنها تزوجته بعد هذه المقالة ووجه الجمع أن المراد بقوله وكانت تحت عبادة بن الصامت الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعا لعياض ذكره الحافظ في الفتح في كتاب الاستئذان وقد بسط الكلام في هذا هناك فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه (وحبسته تفلي رأسه) بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام أي تفتش ما فيه من القمل (فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية لمسلم أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا (ثم استيقظ وهو يضحك) أي فرحا وسرورا لكون أمته
[ 228 ]
تبقى بعده متظاهرة أمور الاسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر (قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة) جمع غاز كقضاة جمع قاض بالنصب على الحالية وقوله عرضوا بصيغة المجهول وعلى بتشديد التحتية (يركبون ثبج هذا البحر) قال الحافظ الثبج بفتح المثلثة والموحدة ثم جيم ظهر
الشئ هكذا فسره جماعة وقال الخطابي متن البحر وظهره وقال الأصمعي ثبج كل شئ وسطه قال والراجح أن المراد هنا ظهره كما وقع في رواية عند مسلم يركبون ظهر البحر (ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة) بالشك من إسحاق الراوي عن أنس كما في رواية البخاري : ووقع في رواية كالملوك على الأسرة من غير شك وفي رواية مثل الملوك على الأسرة بغير شك أيضا وفي رواية لأحمد مثلهم كمثل الملوك على الأسرة ذكر الحافظ هذه الروايات في الفتح قال ابن عبد البر أراد والله أعلم أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكا على الأسرة في الجنة ورؤياه وحي وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة على سرر متقابلين وقال على الأرائك متكئون والأرائك السرر في الحجال وقال عياض هذا محتمل ويحتمل أيضا أن يكون خبرا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم وقوام أمرهم وكثرة عددهم وجودة عددهم فكأنهم الملوك على الأسرة قال الحافظ وفي هذا الاحتمال بعد والأول أظهر لكن الاتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة أو موقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثبتوا به على جهادهم ملوك الدنيا على أسرتهم فالتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع (فدعا لها) وفي رواية اللهم اجعلها منهم وفي رواية لمسلم فإنك منهم ويجمع بأنه دعا لها فأجيب فأخبرها جازما بذلك (نحو ما قال في الأول) ظاهره أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضا قال الحافظ ولكن رواية عمير بن الأسود تدل على أن الثانية إنما غزت في البر لقوله يغزون مدينة قيصر وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البر وأقره وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان لا خصوص ركوب البحر ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى ابن التين فتكون الأولية مع كونها في البر مقيدة بقصد مدينة قيصر وإلا فقد غزوا قبل ذلك في البر مرارا وقال القرطبي الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة والثانية في أول من غزا البحر من التابعين وقال الحافظ بل كان في كل منهما من الفريقين لكن
[ 229 ]
معظم الأولى من الصحابة والثانية بالعكس وقال عياض والقرطبي في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى وأن في كل نومه عرضت طائفة من الغزاة وأما قول أم حرام أدع الله أن يجعلى منهم في الثانية فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة فسألت ثانيا ليتضاعف لها الأجر لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها في المرة الأولى وفي جزمه بذلك قال الحافظ لا تنافي بين إجابة دعائه وجزمه بأنها من الأولين وبين سؤالها أن تكون من الاخرين لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية فجوزت أنها تدركها فتغزو معهم ويحصل لها أجر الفريقين فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية فكان كما قال صلى الله عليه وسلم انتهى (أنت من الأولين) قال النووي هذا دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى وأنه عرض فيه غير الأولين (فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان) ظاهره يوهم أن ذلك كان في خلافة معاوية وليس كذلك وقد اغتر بظاهره بعض الناس فوهم فإن القصة إنما وردت في حق أول من يغزو في البحر وكان عمر ينهى عن ركوب البحر فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر فأذن له ونقله أبو جعفر الطبري عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم ويكفي في الرد عليه التصريح في الصحيح بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر ونقل أيضا من طريق خالد بن معدان قال : أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان وكان استأذن عمر فلم يأذن له فلم يزل بعثمان حتى أذن له وقال لا تنتخب أحدا بل من اختار الغزو فيه طائعا فأعنه ففعل كذا في الفتح (فصرعت) بصيغة المجهول (عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت) وفي رواية فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت وفي رواية عند أحمد فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت وفي رواية فوقعت فاندقت عنقها والحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت تنبيه قد أشكل على جماعة نومه صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وتفليتها رأسه فقال النووي اتفق العلماء على أنها كانت محرما له صلى الله عليه وسلم واختلفوا في كيفية ذلك فقال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وقال آخرون بل
كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار انتهى قلت : في ادعائه الانفاق نظر ظاهر على أن في كونها محرما له صلى الله عليه وسلم تأملا فقد بالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية فقال ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية لأن أمهاته من
[ 230 ]
النسب واللاتي أرضعته معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى وهذه خؤولة لا تثبت بها محرمية لأنها خؤولة مجازية وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص هذا خالي لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمة امنة وليس سعد أخا لا منة لا من النسب ولا من الرضاعة انتهى وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم لأنه كان معصوما يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقولة رفث ورده عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية وجواز الإقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل وقيل : يحمل دخوله عليها أنه كان قبل الحجاب قال الحافظ ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جزما وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع وقال الدمياطي ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها فلعل كان ذاك مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع قال الحافظ وهو إحتمال قوي لكنه لا يدفع الاشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر ثم قال وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل لأن الدليل على ذلك واضح والله أعلم انتهى قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي
وابن ماجه (باب ما جاء في من يقاتل رياء وللدنيا) قوله : (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة) أي ليذكر بين الناس ويوصف
[ 231 ]
بالشجاعة (ويقاتل حمية) أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب (ويقاتل رياء) أي ليرى الناس منزلته في سبيل الله وفي رواية البخاري في الجهاد ليرى مكانه (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) قال الحافظ المراد بكلمة الله ودعوة الله إلى الاسلام ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك وبذلك قال الجمهور لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبو أمامة بإسناد جيد قال : جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله قال لا شئ له فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول لا شئ له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا فتصير المراتب خمسا أن يقصد الشيئين معا أو يقصد أحدهما صرفا أو يقصد أحدهما ويحصل الاخر ضمنا فالمحذور أن يقصد غير الاعلاء فقد يحصل الاعلاء ضمنا وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى ودونه أن يقصدهما معا فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أبي أمامة والمطلوب أن يقصد الاعلاء صرفا وقد يحصل غير الاعلاء وقد لا يحصل عير الاعلاء وقد لا يحصل ففيه مرتبتان أيضا قال ابن أبي جمرة ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى قال الحافظ ويدل على أن دخول غير الاعلاء ضمنا لا يقدح في الاعلاء إذا كان الاعلاء هو الباعث الأصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم
شيئا فقال اللهم لا تكلهم إلى الحديث قال وفي الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر وفي ذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة انتهى قوله : (وفي الباب عن عمر) أخرجه الترمذي بعد هذا قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه
[ 232 ]
قوله : (إنما الأعمال) قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم لفظه إنما موضوعة للحصر نثبت المذكور وتنفي ما سواه فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية قاله النووي والأعمال أعم من أن تكون أقوالا أو أفعالا فرضا أو نفلا قليلة أو كثيرة صادرة من المكلفين المؤمنين (بالنية) بالإفراد ووقع في رواية البخاري في أول صحيحه بالنيات بالجمع قال الحافظ كذا أورد هنا وهو من مقابلة الجمع بالجمع أي كل عمل بنيته وقال الحربي كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الانقاء لوعيده ووقع في معظم الروايات بإفراد النية ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها ولأن النية ترجع إلى الاخلاص وهو أحد للواحد الذي لا شريك له انتهى قال النووي والنية القصد وهو عزيمة القلب وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد وقال البيضاوي النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليصح تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور فقيل تعتبر وقيل تكمل وقيل تصح وقيل تحصل وقيل تستقر وقيل الكون المطلق قال البلقيني هو الأحسن قال الطيبي كلام الشارع محمول على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك
هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي انتهى (وإنما لامرئ ما نوى) قال الحافظ في الفتح قال القرطبي فيه تحقيق لإشتراط النية والإخلاص في الأعمال فجنح إلى أنها مؤكدة وقال غيره بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية بصاحبها فيترتب الحكم على ذلك والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه وقال ابن دقيق العيد الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئا يحصل له يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله ما يعذر شرعا بعدم عمله وكل ما لم ينوه لم يحصل له ومراده بقوله ما لم ينوه أي لا خصوصا ولا عموما أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكن كانت هناك نية عامة تشمله فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء ويتخرج عليه من المسائل ما لا
[ 233 ]
يحصى وقد يحصل غير المنوي لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلا بد من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم وقال النووي : أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائته لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها ظهرا مثلا أو عصرا ولا يخفي أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله) الهجرة الترك والهجرة إلى الشئ الإنتقال إليه عن غيره وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه وقد وقعت في الإسلام على وجهين الأول الإنتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالإنتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الإنتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا
فإن قيل الأصل تغاير الشرط والجزاء وقد وقعا في هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق ومن أمثلته قوله تعالى ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم أنت أنت أي الصديق الخالص وقولهم هم هم أي الذين لا يقدر قدرهم وقول الشاعر أنا أبو النجم وشعري وشعري أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب وقال ابن مالك قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظا كقول الشاعر خليلي خليلي دون ريب وربما الآن امرؤ قولا فظن خليلا وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك من قصدني فقد قصدني أي فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده وقال غيره إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير (إلى الدنيا) بضم الدال وبكسر وهي فعلي من الدنو وهو القرب لدنوها إلى الزوال أو لقربها من الاخرة منا ولا تنون لأن ألفها مقصورة للتأنيث أو هي تأنيث أدنى وهي كافية في منع الصرف وتنويها في لغة شاذة ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت
[ 234 ]
كرجعي ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى واختلفوا في حقيقتها فقيل هي اسم مجموع هذا العالم المتناهي وقيل هي ما على الأرض من الجو والهواء أو هي كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الاخرة قال النووي وهذا هو الأظهر ويطلق على كل جزاء منها مجازا وأريد ههنا شئ من الحظوظ النفسانية (يصيبها) أي يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية شبه حصولها بإصابة السهم للغرض والأظهر أنه حال أي يقصد إصابتها (أو امرأة بتزوجها) خصت بالذكر تنبيها على سبب الحديث وإن كانت العبرة بعموم اللفظ كما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها قال فكنا نسميه مهاجر أم قيس وفيه إشارة إلى أنه مع كونه
قصد في ضمن الهجرة سنة عظمية أبطل ثواب هجرته فكيف يكون غيره أو دلالة على أعظم فتن الدنيا لقوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء ولقوله عليه السلام ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها ولقوله عليه الصلاة والسلام الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه فلا ثواب له لقوله تعالى من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاخرة من نصيب أو المعنى فهجرته مردودة أو قبيحة قوله : (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة قال الحافظ إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الائمة المشهورون إلا الموطأ ووهم من زعم أنه في الموطأ مغتر بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك انتهى قلت : قال السيوطي في شرح الموطأ في رواية محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطات منها حديث إنما الأعمال بالنية الحديث وبذلك يتبين قول من عزا روايته إلى الموطأ ووهم من خطأه في ذلك انتهى تنبيه : قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث قال أبو عبد الله ليس في
[ 235 ]
أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شئ أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة والكناني على أنه ثلث الاسلام ومنهم من قال ربعه واختلفوا في تعيين الباقي وقال ابن مهدي أيضا يدخل في ثلاثين بابا من العلم وقال الشافعي يدخل في سبعين بابا ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقي كونه ثلاث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها ومن ثم " ورد نية المؤمن
خير من عمله " فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين وكلام الامام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده وهي هذا ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والحلال بين والحرام بين تنبيه : إعلم أن هذا الحديث المبارك يستأهل أن يفرد لشرحه جزء مبسوط بجيمع فوائده وما يستنبط منه من الأحكام وغير ذلك وقد أطنب في شرحه شراح البخاري كالحافظ ابن حجر والعيني وغيرهما إطنابا حسنا مفيدا وإني قد اقتصرت الكلام في شرحه على ما لا بد منه فعليك أن تراجع شروح البخاري (باب في الغدو والرواح في سبيل الله) أي الجهاد قوله : (لغدوة في سبيل الله أو روحه) قال الحافظ الغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (خير من الدنيا وما فيها) قال ابن دقيق العيد : يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقا له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع فلذلك وقعت المفاضلة بها وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى قال
[ 236 ]
الحافظ ويؤيد الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم عبد الله ابن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو انفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات والنكتة في ذلك أن
سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا (ولقاب قوس أحدكم) أي قدره والقاب بالقاف وآخره موحدة معناه القدر وقيل القاب ما بين مقبض القوس وسيته وقيل ما بين الوتر والقوس وقيل المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به وكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة (أو موضع يده) شك من الراوي أي مقدار يده (خير من الدنيا وما فيها) أي من إنفاقها فيها لو ملكها أو نفسها لو ملكها لأنه زائل لا محالة (أطلعت إلى الأرض) أي أشرفت عليها ونظرت إليها (لأضاءت ما بينهما) أي ما بين المشرق والمغرب أو ما بين السماء والأرض وما بين الجنة والأرض وهو الأظهر لتحقق ذكرهما في العبارة صريحا قاله القاري (ولملأت ما بينهما ريحا) أي طيبة (ولنصيفها) بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء هو الخمار بكسر المعجمة وتخفيف الميم (على رأسها) قيد به تحقيرا له بالنسبة إلى خمار البدن جميعه (خير من الدنيا وما فيها) أي فكيف الجنة نفسها وما بيها من نعيمها قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه قوله : (حدثنا العطاف بن خالد المخزومي) قال في التقريب عطاف بتشديد الطاء بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي أبو صفوان المدني يهم من السابعة مات قبل مالك انتهى (عن أبي حازم) هو ابن دينار
[ 237 ]
قوله (غدوة) وعند البخاري الروحة والغدوة وعند ابن ماجه غدوة أو روحة (وموضع سوط في الجنة) خص الصوت لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل معلما بذلك المكان لئلا يسبقه إليه أحد قوله : (وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وأنس) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا الترمذي في هذا الباب وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأما حديث أنس فقد رواه الترمذي وهو
أول أحاديث الباب فلعله أشار إلى ما أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه عنه بلفظ غدوة في سبيل الله أو روحة فيه خير من الدنيا وما فيها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله : (والحجاج عن الحكم) يحتمل أن يكون عطفا على ابن عجلان فيكون لأبي خالد الأحمر شيخان أحدهما ابن عجلان وهو روى عن أبي حازم عن أبي هريرة والثاني الحجاج وهو روى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ويحتمل أن يكون عطفا على أبي خالد الأحمر فيكون لأبي سعيد الأشج شيخان أحدهما أبو خالد والثاني الحجاج فليتأمل والحجاج هذا هو ابن دينار الواسطي قال في التقريب لا بأس به وله ذكر في مقدمة مسلم من السابعة انتهى والحكم هو ابن عتيبة الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة قوله : (هذا حديث حسن غريب أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وابن ماجه
[ 238 ]
وأما حديث ابن عباس فقال العيني في العمدة بعد ذكر هذا الحديث من طريق مقسم عن ابن عباس ونقل تحسينه انفرد بإخراجه الترمذي قوله : (عن سعيد بن أبي هلال) قال في التقريب سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري قبل مدني الأصل وقال ابن يونس بل نشأ بها صدوق لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفا إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط من السادسة انتهى وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة في الهند عن سعد بن أبي هلال وهو غلط فاحش فإنه ليس في الرجال من اسمه سعد بن أبي هلال (عن ابن أبي ذباب) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبي ذباب بضم المعجمة وموحدتين ثقة من الثالثة قوله : (مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشعب) قال في القاموس الشعب بالكسر الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض أما انفرج بين الجبلين انتهى والظاهر أن المراد هنا هو المعنى الأخير (فيه عيينة) تصغير عين بمعنى المنبع (من ماء) قال الطيبي صفة عيينة جئ بها مادحه لأن التنكير فيها يدل على نوع ماء صاف تروق بها الأعين وتبهج به الأنفس (عذبه) بالرفع صفة عيينة وبالجر على الجوار أي طيبة أو طيب ماؤها قال الطيبي وعذبة صفة أخرى مميزة لأن الطعم الألذ
سائغ في المرئ ومن ثم أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن الناس (فأعجبته) أي العيينة وما يتعلق بها من المكان (فقال) أي الرجل (لو اعتزلت الناس) لو للتمني ويجوز أن تكون لو امتناعية وقوله (فأقمت في هذا الشعب) عطف على اعتزلت وجواب لو محذوف أي لكان خيرا لي (فذكر ذلك) أي ما خطر بقلبه (فقال لا نفعل) نهى عن ذلك لأن الرجل صحابي وقد وجب عليه الغزو فكان اعتزاله للتطوع معصية لاستلزامه ترك الواجب ذكره ابن الملك تبعا للطيبي (فإن مقام أحدكم) قال القاري بفتح الميم أي قيامه وفي نسخة يعني من المشكاة بضمها وهي الاقامة بمعنى ثبات أحدكم (في سبيل الله) أي بالاستمرار في القتال مع الكفار خصوصا في خدمة سيد الأبرار (أفضل من صلاته في بيته) يدل على أن طلبه كان مفضولا لا محرما (سبعين عاما) قال القاري المراد به الكثرة لا التحديد فلا ينافي ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مقام الرجل في الصف في سبيل
[ 239 ]
الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة رواه الحاكم عن عمران بن حصين وقال على شرط البخاري ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه قيام أحدكم انتهى (ألا) بالتخفيف للتنبيه (تحبون أن يغفر الله لكم) أي مغفرة تامة (يدخلكم الجنة) أي إدخالا أوليا (اغزوا في سبيل الله) أي دوموا على الغزو في دينه تعالى (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة) قال في القاموس الفواق كغراب هو ما بين الحلبتين من الوقت ويفتح أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع انتهى وقال في المجمع هو ما بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سريعة ترضع الفصيل لتدر ثم تحلب انتهى قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ورواه أحمد من حديث أبي أمامة أطول منه إلا أنه قال ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة كذا في الترغيب (باب ما جاء أي الناس خير) قوله : (رجل ممسك بعنان فرسه) وفي رواية اخذ برأس فرسه (بالذي يتلوه) وفي رواية
بالذي يليه (رجل معتزل في غنيمة له) تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم قال النووي في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة وفي ذلك خلاف مشهور فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل واستدلوا بالحديث وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم وقد كانت الأنبياء
[ 240 ]
صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والعلماء والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك انتهى (رجل يسأل بالله ولا يعطي به) هذا يحتمل الوجهين أحدهما أن قوله يسأل بلفظ وقوله " يعطي " على بناء المعلوم أي شر الناس من يسأل منه صاحب حاجة بأن يقول اعطني لله وهو يقدر ولا يعطي شيئا بل يرده خائبا والثاني أن يكون قوله يسأل على بناء المعلوم وقوله لا يعطي على بناء المفعول أي يقول اعطني بحق الله ولا يعطي قال في المجمع هذا مشكل إلا أن يتهم السائل بعدم استحقاقه وقال الطيبي الباء كالباء في كتبت بالقلم أي يسأل بواسطة ذكر الله أو للقسم والاستعطاف أي بقول السائل اعطوني شيئا بحق الله وهذا مشكل إلا أن يكون السائل متهما بحق الله ويظن أنه غير مستحق انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا كذا في الترغيب (باب ما جاء فيمن سأل الشهادة) قوله : (عن سليمان بن موسى) الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل من الخامسة (عن مالك بن يخامر) بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم (السكسكي) الحمصي صاحب معاذ مخضرم ويقال له صحبة كذا في التقريب قوله : (من سأل الله القتل في سبيله) أي الشهادة (صادقا من قلبه) قيد به لأنه معيار الأعمال
ومفتاح بركاتها (أعطاه الله أجر الشهيد) أي وإن لم يقتل في سبيله
[ 241 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي والحاكم كذا في الفتح قوله : (حدثنا القاسم بن كثير) بن النعمان الاسكندري أبو العباس القاضي صدوق من العاشرة (حدثنا عبد الرحمن بن شريح) بن عبد الله المعافري أبو شريح الاسكندراني ثقة فاضل لم يصب ابن سعد في تضعيفه من السابعة (أنه سمع سهل بن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف) الأنصاري المدني نزيل مصر ثقة من الخامسة مات بالإسكندرية (يحدث عن أبيه) أي أبي أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد وقيل سعد معروف بكنيته معدود في الصحابة له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم (عن جده) أي سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي صحابي من أهل بدر واستخلفه علي على البصرة ومات في خلافته قوله : (من سأل الله شهادة) أي الموت شهيدا (بلغه) بتشديد اللام أي أوصله (الله منازل الشهداء) مجازاة له على صدق طلبه (وإن مات على فراشه) بكسر أوله أي ولو مات غير شهيد فهو في حكم الشهداء وله ثوابهم قال القاري لأن كلا منهما نوى خيرا وفعل مقدوره فاستويا في أصل الأجر انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم قوله : (وقد رواه عبد الله بن صالح) بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة قاله في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح وغيره وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة الحسن بن علي الخلال
[ 242 ]
قوله (وفي الباب عن معاذ بن جبل) قد أخرج الترمذي حديثه في هذا الباب فلعله أشار
إلى ما روى أبو داود عنه مرفوعا من قاتل في سبيل الله فوافق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد الحديث (باب ما جاء في المجاهد والمكاتب والناكح وعون الله إياهم) قوله : (ثلاثة حق على الله عونهم) أي ثابت عنده إعانتهم أو واجب عليه بمقتضى وعده معاونتهم (المجاهد في سبيل الله) أي بما يتيسر له الجهاد من الأسباب والالات (والمكاتب الذي يريد الأداء) أي بدل الكتابة (والناكح الذي يريد العفاف) أي العفة من الزنا قال الطيبي إنما آثر هذه الصيغة إيذانا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الانسان وتقصم ظهره لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه وهي مقتضى البهيمة النازلة في أسفل السافلين فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم قوله : (ومن جرح) بصيغة المجهول (جرحا) بضم الجيم وبالفتح هو المصدر أي جراحة
[ 243 ]
كائنة (في سبيل الله) بسلاح من عدو (أو نكب) بصيغة المجهول أو أصيب (نكبة) بالفتح أي حادثة فيها جراحة من غير العدو فأو للتنويع قيل الجرح والنكبة كلاهما واحد وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه قال القاري هذا هو الصحيح وفي النهاية نكب أصبعه أي نالتها الحجارة والنكبة ما يصيب الانسان من الحوادث (فإنها) أي النكبة التي فيها الجراحة (تجئ يوم القيامة) قال الطيبي قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة فأعاد الضمير إلى النكبة دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف ونظيره قوله تعاليى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها انتهى قال القاري أو يقال إفراد الضمير باعتبار أن
مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله فهي تظهر وتتصور (كأغزر ما كانت) أي كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا قال الطيبي الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى (لونها الزعفران وريحها كالمسك) كل منهما تشبيه بليغ قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما كذا في الترغيب (باب ما جاء في فضل من يكلم في سبيل الله) قوله (لا يكلم) بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أي يجرح (أحد في سبيل الله) قال السيوطي أي سواء مات صاحبه منه أم لا كما يؤخذ من رواية الترمذي (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه قال النووي هذا تنبيه على الاخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا قالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع
[ 244 ]
الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك (إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) وفي رواية مسلم إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب اللون لون الدم والريح ريح مسك قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم وجرحه يثعب هو بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما ومعناه يجري متفجرا أي كثيرا قال والحكمة في مجيئه يوم القيامة كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى انتهى قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي (باب أي الأعمال أفضل) (حدثنا عبدة) هو ابن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي (عن محمد بن عمرو) ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني قوله : (إيمان) التنكير للتفخيم (قيل ثم أي شئ قال الجهاد سنام العمل) وفي رواية
البخاري قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله وهو ظاهر وأما رواية الترمذي هذه فالظاهر أن الجواب فيها محذوف وأقيم دليله مقامه والتقدير قيل ثم أي شئ قال الجهاد في سبيل الله فإنه سنام العمل هذا ما عندي والله أعلم وسنام كل شئ أعلاه (ثم حج مبرور) قال في النهاية الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شئ من الماثم وقيل هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب يقال بر حجه وبر حجه وبر الله حجه وأبره برا بالكسر وإبرارا انتهى
[ 245 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي (باب) قوله : (بحضرة العدو) قال النووي هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات ويقال أيضا بحضر الفتح الحاء والضاد بحذف الهاء انتهى (أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) قال النووي في شرح مسلم قال العلماء معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها وقال المناوي هو كناية عن الدنو من العدو في الحرب بحيث تعلوه السيوف بحيث يصير ظلها عليه يعني الجهاد طريق إلى الوصول إلى أبوابها بسرعة والقصد الحث على الجهاد (رث الهيئة) قال في النهاية متاع رث أي خلق بال (فرجع) أي الرجل (إلى أصحابه) أي من أهل رحله (قال أقرأ عليكم السلام) أي سلام مودع (وكسر جفن سيفه) هو بفتح الجيم وإسكان الفاء وبالنون وهو غمده (فضرب به حتى قتل) وفي رواية مسلم ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد ومسلم قوله : (هو اسمه) يعني اسمه كنيته
[ 246 ]
(باب ما جاء أي الناس أفضل) قوله : (أي الناس أفضل) قال القاضي هذا عام مخصوص وتقديره هذا من أفضل
الناس وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث (رجل) وفي رواية الشيخين مؤمن بدل رجل قال الحافظ وكان المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به ثم حصل هذه الفضيلة وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية وحينئذ يظهر فضل المجاهدات لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى ولما فيه من النفع المتعدي وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الاثام فقد لا يفي هذا بهذا وهو مقيد بوقوع الفتن انتهى (يجاهد في سبيل الله) زاد الشيخان بنفسه وماله (ثم مؤمن) وفي رواية لمسلم ثم رجل معتزل (في شعب من الشعاب) قال النووي الشعب ما انفرج بين الجبلين وليس المراد نفس الشعب بل المراد الانفراد والاعتزال وذكر الشعب مثالا لأنه خال عن الناس غالبا قال الحافظ وفي الحديث فضل الإنفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك وأما اعتزال الناس أصلا فقال الجمهور محل ذلك عند وقوع الفتن كما سيأتي بسطه في الفتن ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعا يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير أخرجه مسلم وابن حبان من طريق أسامة بن زيد الليثي عن بعجة قال ابن عبد البر إنما وردت هذه الأحاديث بذكر الشعب والجبل لأن ذلك في الأغلب يكون خاليا من الناس فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى انتهى (يتقي ربه) أي يخافه فيما أمر ونهى (ويدع) أي يترك (الناس من شره) فلا يخاصمهم ولا ينازعهم في شئ قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه
[ 247 ]
والحاكم بإسناد على شرطهما ولفظه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي المؤمنين أكمل إيمانا قال الذي يجاهد بنفسه وماله ورجل يعبد الله في شعب من الشعب وقد كفى الناس شره كذا في الترغيب
(باب) قوله : (حدثنا نعيم بن حماد) بن معاوية بن الحارث الخزاعي أبو عبد الله المروزي نزيل مصر صدوق يخطئ كثيرا فقيه عارف بالفرائض من العاشرة وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال باقي حديثه مستقيم كذا في التقريب (عن بحير) بكسر المهملة (بن سعيد) السحولي كنيته أبو خالد الحمصي ثقة ثبت من السادسة وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة عن بحير بن سعد وهو غلط فإنه ليس في الرجال من اسمه بحير بن سعد قوله : (للشهيد عند الله ست خصال) لا يوجد مجموعها لأحد غيره (يغفر له) بصيغة المجهول (في أول دفعة) بضم الدال المهملة وسكوت الفاء هي الدفقة من الدم وغيره قاله المنذري أي تمحي ذنوبه في أول صبة من دمه وقال في اللمعات الدفعة بالفتح المرة من الدفع وبالضم الدفعة من المطر والرواية في الحديث بوجهين وبالضم أظهر أي يغفر للشهيد في أول صبة من دمه (ويرى) بضم أوله على أنه من الإراءة ويفتح (مقعده) منصوب على أنه مفعول ثان والمفعول الأول نائب الفاعل أو على أنه مفعول به وفاعله مستكن في يرى وقوله (من الجنة) متعلق به قال القاري وينبغي أن يحمل قوله ويرى مقعده على أنه عطف تفسير لقوله يغفر له لئلا يزيد الخصال على ست ولئلا يلزم التكرار في قوله (ويجار من عذاب القبر) أي يحفظ ويؤمن إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا حملت على ظاهرها (يأمن من الفزع الأكبر) قال القاري فيه إشارة إلى قوله تعالى لا يحزنهم الفزع الأكبر قيل هو عذاب النار وقيل العرض عليها وقيل هو وقت يؤمر أهل النار بدخولها وقيل ذبح الموت فييأس الكفار من التخلص من النار بالموت وقيل وقت إطباق النار على الكفار وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالى ويوم ينفخ في
[ 248 ]
الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلى من شاء الله انتهى (ويوضع على رأسه تاج الوقار) أي تاج هو سبب العزة والعظمة وفي النهاية التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر (الياقوتة منها) أي من التاج والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف أو باعتبار أنه
مجموع من الجواهر وغيرها (ويزوج) أي يعطي بطريق الزوجية (اثنتين وسبيعن زوجة) في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد لا التكثير ويحمل على أن هذا أقل ما يعطي ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها قاله القاري (من الحور العين) أي نساء الجنة واحدتها حوراء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين (ويشفع) بفتح الفاء المشددة على بناء المجهول أي يقبل شفاعته قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن ماجه قوله : (غير الشهيد) قال النووي اختلف في سبب تسميته شهيدا فقال النضر بن شميل لأنه حي فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار السلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة وقال ابن الأنباري إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة وقيل لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى من الثواب والكرامة وقيل لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه وقيل لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله وقيل لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا وهو الدم . وقيل لانه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى (فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول حتى أقتل عشر مرات) وفي رواية الشيخين فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات (مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة) وفي رواية لمسلم لما يرى من فضل الشهادة قال ابن بطال هذا
[ 249 ]
الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة قال وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد فلذلك عظم فيه الثواب قوله : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله : (رباط يوم) أي ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه قال في النهاية الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها والمرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصحابه فسمى المقام في الثغور رباطا فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت انتهى
قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وغيرها كذا في الترغيب وقال المناوي وهو من عزاه لمسلم قوله : (مر سلمان الفارسي) أبو عبد الله ويقال له سلمان الخير أصله من أصبهان وقيل من رامهرمز من أول مشاهده الخندق مات سنة أربع وثلاثين يقال بلغ ثلاثمائة سنة كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته قال أبو عبد الله بن مندة وكان أدرك وصي عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيما قيل وعاش مائتين وخمسين سنة أو أكثر وقال أبو الشيخ سمعت جعفر ابن أحمد بن فارس يقول سمعت العباس بن يزيد يقول لمحمد بن النعمان أهل العلم يقولون عاش سلمان ثلاث مائة وخمسين فأما مائتين وخمسين فلا يشكون
[ 250 ]
فيه قال الحافظ قد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي رجعت عن القول بأنه قارب الثلاثمائة أو زاد عليها وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين ولم يذكر مستنده في ذلك والعلم عند الله انتهى (بشرحبيل بن السمط) بكسر المهملة وسكون الميم الكندي الشامي جزم ابن سعد بأن له وفادة ثم شهد القادسية وفتح حمص وعمل عليها لمعاوية كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب مختلف في صحبته قوله : (وهو في مرابط له) اسم ظرف من الرباط قوله (وقد شق) أي صعب القيام فيه قوله (رباط يوم) وفي رواية مسلم يوم وليلة (وربما قال خير) أي مكان أفضل (من صيام شهر وقيامه) قال الحافظ في الفتح قال ابن بزبزة لا تعارض بين حديث سلمان رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وبين حديث عثمان رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل لأنه يحمل على الاعلام بالزيادة في الثواب على الأول أو باختلاف العاملين انتهى (وفي فتنة القبر) أي مما يفتن المقبور به من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب (ونمى) ضبط في النسخة الأحمدية بضم النون وكسر الميم بصيغة المجهول والظاهر أن يكون بفتح النون والميم على البناء للفاعل فإنه لازم قال في الصراح نمو بضمتين كواليدن يعني نمو كردن وباليدن نبات وحيوان وقال في
القاموس نما ينمو نموا زاد كنما ينمى ونميا ونماء انتهى (له عمله إلى يوم القيامة) يعني أن ثوابه مجرى له دائما ولا ينقطع بموته وفي رواية مسلم جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان قال النووي هذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد وقد جاء صريحا في غير مسلم كل ميت يختم عليه عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة انتهى قوله : (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والطبراني وفي سند الترمذي انقطاع كما صرح به الترمذي فيما بعد قوله : (عن إسماعيل بن رافع) بن عويمر الأنصاري المدني نزيل البصرة يكنى أبا رافع
[ 251 ]
ضعيف الحفظ من السابعة (عن سمى) بصيغة التصغير مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة من السادسة قوله : (من لقي الله بغير أثر من جهاد) قال القاري في المرقاة الأثر بفتحتين ما بقي من الشئ دالا عليه قاله القاضي والمراد هنا العلامة أي من مات بغير علامة من علامات الغزو من جراحه أو غبار طريق أو تعب بدن أو صرف مال أو تهيئة أسباب وتهبه أسلحة انتهى (لقي الله) أي جاء يوم القيامة (وفيه ثلمة) بضم المثلثة وسكون اللام أي خلل ونقصان بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة ومجاهدة المجاهدة ويمكن أن يكون الحديث مقيدا بمن فرض عليه الجهاد ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى المراد قاله القاري وقال المناوي قبل وذا خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الطيبي قوله من جهاد صفة أثر وهي نكرة في سياق النفي فتعم كل جهاد مع العدو والنفس والشيطان وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود والثلمة ههنا مستعارة للنقصان وأصلها أن تسعتمل في نحو الجدار ولما شبه الإسلام بالبناء في قوله بني الإسلام على خمس جعل كل خلل فيه ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح وهذا أيضا يدل على العموم انتهى قوله : (هذا حديث غريب الخ) وأخرجه ابن معاوية والحاكم (وسمعت محمدا) يعني
البخاري (يقول هو ثقة مقارب الحديث) قد تقدم معنى مقارب الحديث وضبطه في المقدمة (وقد روى هذا الحديث عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص كنيته أبو موسى المكي الأموي ثقة من السادسة (عن مكحول عن شرحبيل بن السمط عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه) أخرجه مسلم في صحيحه بهذا السند
[ 252 ]
قوله (حدثنا هشام بن عبد الملك) مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت من التاسعة (حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة (حدثني أبو عقيل) بالفتح (زهرة) بضم الزاء وسكون الراء (بن معبد) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة بن عبد الله بن هشام القرشي التيمي المدني نزيل مصر ثقة عابد من الرابعة (عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان) مقبول من الثالثة اسمه الحارث ويقال تركان بمثناة أوله ثم راء ساكنة قاله في التقريب وقال في تهذيب التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي روى عنه زهرة بن معبد والمصريون ثقة انتهى قوله : (كراهية تفرقكم عني) أي مخافة أن تتفرقوا عني وتذهبوا إلى الثغور للرباط بعد سماع الحديث لما فيه من الفضيلة العظيمة (ثم بدا لي) أي ظهر لي (خير من ألف يوم فيما سواه) أي فيما سوى الرباط أو فيما سوى سبيل الله فإن السبيل يذكر ويؤنث (من المنازل) قال القاري وخص منه المجاهد في المعركة بدليل منفصل عقلي ونقلي وهو لا ينافي الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد وقوله صلى الله عليه وسلم فذلكم الرباط فذلكم الرباط لأنه رباط دون رباط بل هو مشبه بالرباط للجهاد فإنه الأصل فيه أو هذا رباط الجهاد الأكبر كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر تفسير لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا فإن الرباط الجهادي قد فهم مما قبله كما لا يخفي وقال الطيبي فإن قلت هو جمع محلى بلام الإستغراق فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد وقد قال فيه فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقد شرحنا ثمة قلت هذا في حق من فرض عليه المرابطة وتعين
بنصب الامام قال القاري في الفرض العين لا يقاتل إنه خير من غيره لأنه متعين لا يتصور خلافه إذ اشتغاله بغيره معصية انتهى قوله : (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه
[ 253 ]
قوله (وأحمد بن نصر) بن زياد (النيسابوري) الزاهد المقري أبو عبد الله بن أبي جعفر ثقة فقيه حافظ من الحادية عشرة (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري أبو محمد البصري القسام ثقة من التاسعة قوله : (من مس القتل) وفي رواية ألم القتل (من مس القرصة) وفي رواية ألم القرصة وهي بفتح القاف وسكون الراء هي المرة من القرص قال في القاموس القرص أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه ولسع البراغيث انتهى وذا تسلية لهم عن هذا الخطب المهول قوله : (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه النسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة قوله : (حدثنا الوليد بن جميل) الفلسطيني أبو الحجاج صدوق يخطي من السادسة قوله : (قطرة دموع) بحرها على البدل ويجوز رفعها ونصبها أي قطرة بكاء حاصلة (من خشية الله) أي من شدة خوفه وعظمته المورثة لمحبته (قطرة دم تهراق) بصيغة المجهول وسكون الهاء ويفتح وهو بصيغة التأنيث على أنه صفة قطرة (في سبيل الله) وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير ولعل وجه إفراد الدم وجمع الدموع أن الدمع غالبا يتقاطر ويتكاثر بخلاف الدم وقال الطيبي المراد بقطرة الدموع قطراتها فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع وفي إفراد الدم وجمع الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على تقاطر الدمع بكاء انتهى ولما