التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه. تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الثاني دار إحياء التراث العربي
[ 2 ]
الطبعة الاولى النشر: 1409 ه. ق
[ 3 ]
" سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل الله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) - آية واحدة بلا خلاف. أخبر الله (تعالى) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء، وهو جمع سفيه، وهو والجاهل والغبي نظائر. " ما ولاهم " معناه، أي شئ ولاهم ومعنى ولاهم صرفهم عنه، ومثله: قلبه عنه وفتله. " عن قبلتهم التي كانوا عليها ". والقبلة: الجهة التي تستقبل في الصلاة، وقبلة المسلمين: الكعبه. والسفيه الخفيف إلى ما لا يجوز له أن نخف إليه، وهي صفة ذم في الدين. وضد السفه الحكمة واشتقاق. لاهم من الولي، وهو حصول الثاني
بعد الاول من غير فصل. فالثاني يلي الاول، والثالث يلي الثاني، والرابع يلي الثالث ثم هكذا أبدا. وولى عنه خلاف ولى إليه: مثل قولك: عدل عنه، وعدل إليه، وانصرف، عنه وانصرف إليه. فإذا كان الذي يليه متوجها إليه فهو متول إليه وإذا كان متوجها إلى خلاف جهته إلى خلاف جهته، فهو متول عنه. والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل الشئ غيره عليها. كما أن الجلسة للتي يجلس عليها. فكان يقال: فيما حكي هو لي قبلة، وأنا له قبلة، ثم صار علما على الجهة التي تستقبل في الصلاة. واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة على ثلاثة أقوال: (الاول) فقال ابن عباس، والبراء بن عازب: هم اليهود. و (الثاني) قال الحسن: هم مشركوا العرب، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله الما حول الكعبة من بيت المقدس، قالوا: يا محمد صلى الله عليه وآله رغبت عن قبلة آبائك، ثم رجعت إليها ايضا، والله لترجعن إلى دينهم. والثالث قال السدي: انهم المنافقون، قالوا ذلك استهزاء
[ 4 ]
بالاسلام. واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة: فقال قوم: انهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ. و (الثاني) قال ابن عباس: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، ارجع إليها نتبعك ونؤمن. وأرادوا بذلك فتنته. الثالث - انه قال ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ماهم عليه. وإنما صرفهم الله عن القبلة الاولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة في ذلك. وقيل انما فعل ذلك لما قال تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه "، لانهم كانوا بمكة، أمروا أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة، فلما انتقل رسول
الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس فنقلوا إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما اريد في الاول ان يتميزوا من أولئك. واختار ذلك البلخي والجبائي والرماني. وقوله تعالى: " قل لله المشرق والمغرب " أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس إلى الكعبة: المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته. والمشرق والمطلع نظائر، وكذلك المغرب والمغيب نظائر. وفي الآية دلالة على جواز النسخ لانه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا عليها - إلى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ. وقوله: " لله المشرق والمغرب " فيه دلالة على أن من له المشرق والمغرب، فله التدبير فيهما، وفي ذلك اسقاط قول من زعم: أن الارض المقدسة أولى بالتوجه إليها. لانها مواطن الانبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه للتولية عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد. وقال ابن عباس، والبراء بن عازب: انه كانت الصلاة إلى بيت المقدس إلى بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر شهرا. وقال انس بن مالك: انما كان ذلك تسعة اشهرأو عشرة اشهر. وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهرا. وقال
[ 5 ]
قتادة صلت الانصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وصلى النبي صلى الله عليه وآله بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله إلى الكعبة. ولا خلاف ان التوجه إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا. ثم اختلفوا فقال الربيع: كان ذلك على وجه التخيير، خير الله نبيه بين ان يتوجه إلى بيت المقدس وبين غيرها.
وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضا معنيا - وهو الاقوى -، لقوله: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " فبين انه جعلها قبلة، وظاهر ذلك انه معين، لانه لادليل على التخيير، على انه لو ثبت انه كان مخيرا لما خرج من ان يكون فرضا، كما ان الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخر. وقوله: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " معنا: يهديهم إلى الدين المستقيم الذي يؤديهم إلى الجنة، فلذلك سماه صراطا كما يؤدي الطريق إلى المقصد. قوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم " (143) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم " لرؤوف " على وزن لرعوف. الباقون " لرؤف " على وزن (فعل).
[ 6 ]
المعنى: اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسطا: أي سماها بذلك وحكم لها به. والوسط: العدل. وقيل الخيار، ومعناهما واحد: وقيل: انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه إلى اطرافه. وقيل: بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي، فالحق معه (1). وقال مؤرج: اي وسط بين الناس وبين انبيائهم وقال زهير:
هم وسط يرضى الانام بحكمهم * إذا نزلت احدى الليالي بمعظم (2) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: أمة وسطا: عدلا. وهو قول مجاهد، وقتادة، والربيع، وابن عباس، واكثر المفسرين. وقال صاحب العين: الوسط من الناس وغيرهم، ومن كل شئ أعدله، وافضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد. قال تعالى " في البحر يبسا " (3) والوسط - بتسكين السين - الموضع. والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شئ، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والاخرة، وكذلك واسطة القلادة. واصل الباب الوسط: العدل. وقولهم فلان من اوسطهم نسبا: اي تكلله الشرف من نواحيه. الاعراب: واللام الاولى في قوله: " لتكونوا شهداء على الناس " لام كي، كأنه قال كي تكونوا، واصلها لام الاضافة. واللام في قوله: " وان كانت لكبيرة " لام تأكيد، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما، كقوله تعالى: * (الهامش) * (1) الضمير راجع إلى الوسط اي الحق مع الوسط لانه ليس بالمقصر ولا بالمغالي. (2) ديوانه 2: 27 وروايته. لحي حلال يعصم الناس أمرهم * إذا طرقت احدى الليالي بمعظم وفي تفسير الطبري وبعض المصادر الاخرى كما هو مثبت في المتن. (3) سورة طه: آية 77. *
[ 7 ]
" إن الكافرون إلا في غرور " (1) وهي لام الابتداء أخرت إلى الخبر في باب (ان) خاصة. واما اللام الثالثة في قوله: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فلام الجحد، واصلها الام الاضافة، والفعل نصب باضمار (أن)، ولا يظهر بعدها (ان)، لان التأويل: ما كان الله مضيعا ايمانكم، فلما حمل معناه على التأويل، حمل، لفظه ايضا
على التأويل من غير تصريح باظهار (ان). المعنى: فان قيل: باي شئ يشهدون على الناس، قلنا فيه ثلاثة اقوال: احدها - ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال: " وجيئ بالنبيين والشهداء " (2) وقال " يوم يقوم الاشهاد " (3) قال ابن زيد: الاشهاد أربعة الملائكة، والانبياء، وامة محمد صلى الله عليه وآله والجواح. كما قال: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون " (4). الثاني - يشهدون الانبياء على اممهم المكذبين بانهم بلغوا. وجاز ذلك لاعلام النبي صلى الله عليه وآله اياهم بذلك. الثالث - " لتكونوا شهداء على الناس " أي حجة عليهم فيما يشهدون، كما أن النبي صلى الله عليه وآله شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به. والنبي صلى الله عليه وآله وحده كذلك. فأما الامة فجماعتها حجة دون كل واحد منها. واستدل البلخي، والجبائي، والرماني، وابن الاخشاد، وكثير من الفقهاء، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث ان الله وصفهم بانهم عدول، فإذا عدلهم الله تعالى، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في اصول الفقه أنه لا دلالة فيها على ان الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى وصفهم بانهم عدول، وبانهم شهداء وذلك يقتضي ان يكون كل واحد عدلا، * (الهامش) * (1) سورة الملك: آية 20. (2) سورة الزمر: آية 69. (3) سؤرة المؤمن: آية 51. (4) سورة النور: آية 24. *
[ 8 ]
وشاهدا، لان شهداء جمع شهيد، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الامة ليس بهذه
الصفة، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه، على أن الامة إن أريد بها جميع الامة، فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز حملها على الجميع. وان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: وهم الائمة المعصومون من آل الرسول صلى الله عليه وآله على أنالوه سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر، فأما الصغائر التي تقع مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، ومتى جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتج باجماعهم، لانه لا شئ أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيرا فلا يقدح في عدالتهم، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحا. وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم. وكيف يجنبون الصغائر، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي صلى الله عليه وآله ؟ قوله: " ويكون الرسول عليكم شهيدا ". قيل في معناه قولان: أحدهما - عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم. وقيل: يكون حجة عليكم. والثاني - يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به. وجعلوا (على) بمعتى اللام كما قال: " وما ذبح على النصب " (2) اي للنصب. والتشبيه في قوله " وكذلك " وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها: وهي قوله " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فتقديره انعمنا عليكم بالعدالة كما انعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا، كانه قيل: " من يشاء إلى صراط مستقيم " فقد انعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطا فأنعمنا كذلك الانعام. إلا أن (جعلنا) يدل على انعمنا في هذا الكلام، فلم نحتج إلى حذفه معه في قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي التي كنت عليها " اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، وحذف لدلالة * (الهامش) * (1) سورة المائدة: آية 4 *
[ 9 ]
الكلام عليه. وقوله " إلا لنعلم " قيل في معناه ثلاثة اقوال: اولها " إلا لنعلم " اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كم يقول الملك فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل: فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم يتول ذلك بنفسه. الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجودا، فقيل على هذا: إلا لنعلم، لانه قبل وجود المعلوم لا يصح وصفه بانه عالم بوجوده. والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل يوجب ذلك، من حيث لو عاملهم بما يعلم انه يكون منهم كان ظلما لهم. ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب: فاليحضر النار والحطب لنعلم أتحرقه أم لا، على جهة الانصاف في الخطاب، لاعلى جهة الشك في الاحراق. وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد، والرماني. وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجها مليحا: وهو ان قال: قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع، فاما قبل حصوله فانما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح حينئذ ظاهر الاية وهذا وجه رابع، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا نعلم، لانه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشئ حتى يكون على ان قوله: " لنعلم من يتبع الرسول " لا يدل على حدوث العلم، لانه كان قبل ذلك عالما بان الاتباع سيوجد، أو لا يوجد، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم يتجدد له صفة. وانما يتجدد المعلوم، لان العلم بان الشئ سيوجد علم بوجوده إذا وجد. وانما يتغير عليه الاسم، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه، بان يوصف بانه غد قبل حصوله، فإذا حصل قيل انه اليوم، فإذا تقضى وصف بانه امس، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير.
وقوله تعالى: " ممن ينقلب على عقبيه " قيل في معناه قولان: احدهما ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجه الحكمة.
[ 10 ]
والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة إقبال، وخلافها ادبار، لذلك وصف الكافر بانه ادبر واستكبر. وقال " لا يصلاها إلا الاشقى الذي كذب وتولى " (1) اي عن الحق. اللغة: والعقب مؤخر القدم قال ثعلب: ونرد على اعقابنا: أي نعقب بالشر بعد الخير وكذلك رجع على عقبيه. وسميت العقوبة عقوبة لانها تتلو الذنب. والعقبة كرة بعد كرة في الركوب والمشي. المعقباب: ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار. وعقب الانسان نسله. والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن، يعقب به الرماح. والنعقيب: الرجوع إلى امر تريده. ومنه قوله تعالى: " ولم يعقب " (2) ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه. واعقب الرأي خبرا، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به. والعقبة طريق في الجبل. وعرو العقاب: الراية لشبهها بعقاب الطائر. واليعقوب ذكر القبسج تشبه به الخيل في السرعة. لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه. والمعقب: الذي يتبع الانسان في طلب حق. واصل الباب التلو. المعنى: والضمير في قوله " وان كانت لكبيرة " يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء: القبلة على قول ابن عامر. والتحويلة على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهو الاقوى، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة. وعلى قول ابن زيد الصلاة. وقوله: " لكبيرة " قال الحسن: معناه ثقليه يعني التحويلة إلى بيت المقدس، لان العرب لم
تكن قبلة احب إليهم من الكعبة. وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة. فاما الذين هدى الله، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة مالا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها. * (الهامش) * (1) سورة الليل: آية 15 - 1 6 (2) سورة النمل آية 10 وسورة القصص آية 31 *
[ 11 ]
وقوله: " وما كان الله ليضيع ايمانكم " قيل في معناه اقوال: اولها - قال ابن عباس وقتادة والربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف باعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى. وقيل: كيف من مات من اخواننا قبل ذلك، فانزل الله (وما كان الله ليضيع ايمانكم). الثاني - معناه قال الحسن: وانه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة اتبعه بذكر مالهم عنده من المثوبة وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه لان التذكير به يبعث على ملازمه الحق والرضا به. الثالث - قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر سبب ذلك الذي استحقوه به وهو ايمانهم بما عملوه اولا فقال: " وما كان الله ليضبع ايمانكم " الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة. اللغة: والاضاعة مصدر اضاع يضيع. وضاع الشئ يضيع ضياعة، وضيعة تضييعا. قال صاحب العين: ضبعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع وضاع عمل فلان ضيعة، وضياعا. وتركهم بضيعة ومضيعة. والضيعة والضياع معروف واصل الضياع الهلاك. وقوله: (ان الله بالناس لرؤف رحيم) ان قيل: ما الذي اقتضى ذكر هذه الصفة، قلنا الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل بالرأفة
والرحمة على التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشئ منه. وانما قدمت الرأفة على الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري على طريقه التقديم - بما هو اعرف - مجرى اسماء الاعلام ثم إتباعه بما هو دون منه ليكون مجموع ذلك تعريفا أبلغ منه، لو انفرد كل واحد عن الاخر كما هو في الرحمن الرحيم فرؤف على ورن فعول، لغه اهل الحجا على ورن فعل، لغة غيرهم قال الانصاري (1): * (الهامش) * (1) هو كعب بن مالك الانصاري. *
[ 12 ]
نطيع نبينا لنطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤفا (1) وقال حريز: يعني منعمين حقا، كفعل الوالد الرؤوف الرحيم. والرأفة: الرحمة تقول رأف يرأف رأفة: المعنى: واستدل من قال الصلاة: الايمان بهذه الآية، فقالوا: سمى الله الصلوة ايمانا - على تأويل ابن عباس، وقتادة، والسدي والربيع وداود بن ابي عاصم وابن زيد وسعيد بن المنذر وعمرو بن عبيد وواصل وجميع المعتزلة. ومن خالفهم من المرجئة لا يسلم هذا التأويل ويقول: الايمان على ظاهره وهو التصديق ولا ينزل ذلك بقول من ليس قوله حجة، لانهم ليسوا جميع المفسرين بل بعضهم ولا يكون ذلك حجة. واستدل الجبائي بهذه الآية على ان الشاهد هو الحاضر دون من مات، بان قال: لو كان الرسول شاهدا على من مضى قبله أو من يأتي بعده ومن هو حاضر معه لم يكن لقوله (ويكون الرسول عليكم شهيدا) معنى. ويؤكد ذلك قوله (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) (2) وقال غيره: قد يجوز ان يشهد العالم بما علم وان لم يحضره - وهو الاقوى - وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه، لانه قال (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) فاخبر ان الجاعل لتلك القبلة كان هو تعالى،
وانه هو الذي نقله عنها وذلك هو النسخ، فان قيل: كيف أضاف الايمان إلى الاحياء وهم كانوا قالوا: كيف بمن مضى من اخواننا قلنا يجوز ذلك على التغليب، لان من عادتهم ان يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر على المؤنث تنبيها على الاكمل، فيقولون: فعلنا بكما وبلغنا كما، وان كان احدهما حاضرا والاخر غائبا، فان قيل كيف جاز على اصحاب النبي صلى الله وآله الشك فيمن مضى من اخوانهم فلم يدروا انهم كانوا على حق في صلاتهم إلى بيت المقدس ؟ قيل في ذلك: كيف اخواننا لو ادركوا الفضل بالتوجه، وانهم أحبوا لهم ما احبوا لانفسهم. ويكون قال ذلك منافق بما فيه الرد على المخالفين المنافقين. * (الهامش) * (1) اللسان " رأف " وروايته " ونطيع " بدل " لنطيع " في المطبوعة " رؤف " بدل " رؤوفا ". (2) سورة المائدة: آية 120. *
[ 13 ]
قوله تعالى: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون " (144) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابو جعفر، وروح " عما تعملون " بالتاء. الباقون بالياء. النزول: وقال قوم ان هذه الآية نزلت قبل التي تقدمتها: وهي قوله: (سيقول السفهاء) المعنى:
إن قيل لم قلب النبي صلى الله عليه وآله وجهه في السماء، قلنا عنه جوابان: احدهما - انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس، وكان يفعل ذلك انتظارا وتوقعا لما وعد به. والثاني - انه كان يحبه محبة الطباع، ولم يكن يدعو به حتى ادركه فيه، لان الانبياء لا يدعون إلا بما أذن لهم فيه لئلا تكون المصلحة في خلاف ما سألوه فيكون في ردهم تنفر عن قبول قولهم. وهذا الجواب يروى عن ابن عباس، وقتادة. وقيل في سبب محبة التوجه إلى الكعبة ثلاثة اقول: أولها - قال مجاهد: انه أحب ذلك، لانها كانت قبلة ابراهيم - حكاه الزجاج - انها احب ذلك استدعاء العرب إلى الايمان.
[ 14 ]
اللغة: وقوله: (قد نرى) فالرؤية هي ادراك الشئ من الوجه الذي يتبين بالبصر. وقوله: (تقلب وجهك) التقلب والتحول والتصرف نظائر: وهو التحرك في الجهات وقوله: (ترضاها) تحبها. والرضاء ضد السخط: وهو ارادة الثواب. والسخط ارادة الانتقام. وقوله: (شطر المسجد) اي نحوه، وتلقاه بلا خلاف بين اهل اللغة. وعليه المفسرون كابن عباس، ومجاهد، وابي العالية، وقتادة، والربيع، وابن زيد، وغيرهم. قال الشاعر: وقد اظلكم من شطر ثغركم * هول له ظلم يغشاكم قطعا اي من نحو ثغركم وانشد ابن عبيدة الهذلي (1): ان السير بها داء مخامرها * فشطرها نظر العينين محسور (2) وقال ابن احمر (3): تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة * قد كارب العقد من ايفادها الحقبا (4)
وقال الجبائي: اراد بالشطر النصف، كأنه قال: وجهك نصف المسجد، لان شطر الشئ: نصفه، فأمره ان يولي وجهه نحو نصف المسجد حتى يكون مقابل الكعبة. وهذا فاسد، لانه خلاف أقوال المفسرين، ولان اللفظ إذا كان مشتركا بين النصف، وبين النحو ينبغي ألا يحمل على احدهما إلا بدليل. وعلى ما قلناه اجماع المفسرين، قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم شاطرونا دورهم، تتصل بدورنا كما * (الهامش) * (1) هو قيس بن العيزارة الهذلي. والعيزارة أمه واسمه قيس بن خويلد بن كاهل. (2) ديوانه: 261 والكامل لابن الاثير 1: 12، 2: 3 واللسان " شطر " في المطبوعة " العشير " بدل " العسير " وتخامرها " بدل " مخامرها " و " محشورا " بدل " محسور " (3) في المطبوعة " الراحم " وهو تحريف. (4) سيرة ابن هشام 2: 119، والروض الانف 2: 38 والخزانة 3: 38، ومجاز القرآن لابي عبيدة: 60 في المطبوعة " كادت العقد من العادها " بدل " كارب العقد ص يفادها " وهو تحريف فاحش ؟ قوله: جمع هي اسم مكان، ويسمى المزدلفة عاقدة قد عكف ذنبها بين فخذيها. كارب: اوشك، وكاد، وقارب، ودنا. اوفدت الناقة: اسرعت. الحقب: الحزام. *
[ 15 ]
يقال هؤلاء يناحوننا أي نحن نحوهم وهم نحونا. وقال صاحب العين شطر كل شئ نصفه وشطره: قصده ونحوه، ومنه المثل احلب حلبا لك شطره اي نصفه. وشطرت الشئ جعلته نصفين، وقد شطرت الشاة شطارا: وهو ان يكون احد طستها اكثر من الآخر وان حلبا جميعا، ومنزل شطر: اي بعيد، وشطر فلان على اهله: اي تركهم مراغما أو مخالفا. ورجل شاطر. وقد شطر شطورة، وشطورا وشطارة: وهو اعيا اهله خبثا. واصل الشطر النصف. المعنى: وقال السدي المعني بقوله (وان الذين أوتوا الكتاب) هم اليهود. وقال غيره:
هم احبار اليهود، وعلماء النصارى غير انهم جماعة قليلة يجوز على مثلهم اظهار خلاف ما يبطون، لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع إلى العادة، وانه لم يجز بذلك مع اختلاف الدواعي، وانما يجوز العناد على النفر القليل وقد مضى فيما تقدم نظير ذلك، وان على ما نذهب إليه في الموافاة لا يمكن أن يكونوا عارفين بذلك إلا أن يكون نظيرهم لا يوجه وجوب المعرفة، فإذا حصلت المعرفة عند ذلك فلا يستحقون عليه الثواب لان النبي (ص) يمنع منه ان يكونوا مستحقين للثواب الدائم ويكفرون فيستحقون العقاب الدائم والاحباط باطل، فيؤدي ذلك إلى اجتماع الاستحقاقين الدائمين وذلك حلاف الاجماع. وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه إلى بيت المقدس قبل ذلك. وروي عن ابن عباس انه قال: اول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة. وقال قتادة: نسخت هذه الآية ما قبلها. وقال جعفر بن مبشر هذا مما نسخ من السنة بالقرآن - وهذا هو الاقوى -، لانه ليس في القرآن مما يدل على تعبده بالتوجه إلى بيت المقدس. ومن قال: انها نسخت قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) قلنا له هذه ليست منسوخة بل هي مختصة بالنوافل - في حال السفر - فأما من قال: يجب على الناس ان يتوجهوا إلى الميزاب الذي على الكعبة ويقصدوه، فقوله باطل، لانه خلاف
[ 16 ]
ظاهر القرآن. قال ابن عباس: البيت كله قبلة - وهو قول جميع المفسرين. وروى بعض اصحاب الحديث: ان البيت هو القبلة وان قبلته بابه. وهذا يجوز. قال فاما ان يجب على جميع الخلق التوجه إليه، فهو خلاف الاجماع. وقوله: (حيثما كنتم قولوا وجوهكم شطره) روي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) ان ذلك في الفرض، وقوله: (فاينما تولوا فثم وجه الله) في النافلة.
وروى عن ابن عباس وابي جعفر بن محمد بن علي: انه لما حول إلى الكعبة اتى رجل من عبد الاشهل من الانصار وهم قيام يصلون الظهر وقد صلوا ركعتين نحو بيت المقدس، فقال: ان الله قد صرف رسوله نحو البيت الحرام، فصرفوا وجوههم نحو البيت الحرام في بقية صلاتهم. الاعراب: قوله: (وحيثما كنتم) موضع كنتم جزم بالشرط، وتقديره وحيث ما تكونوا، والفاء جواب ولولا (ما) لم يجز الجزاء (بحيث) لخروجها عن نظائرها، بانه لا يستفهم بها، ولان الاضافة لها كالصلة لغيرها، وليست بصلة كصلة اخواتها. والهاء في قوله تعالى: (وانه للحق) على قول الجبائي يعود إلى التحويل. وقال الحسن: هي عائدة إلى التوجه إلى الكعبة، لانها قبلة ابراهيم، والانبياء قبله. اللغة: و " الحق " وضع الشئ في موضعه إذا لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. والغفلة: هي السهو عن بعض الاشياء خاصة وإذا كان السهو عاما فهو فوق الغفلة وهو السهو العام، لان النائم لا يقال: انه غفل عن الشئ الا مجاز. المعنى: وقال عطا في قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) قال: الحرم
[ 17 ]
كله مسجد. وهذا مثل قول أصحابنا أن الحرم قبلة من كان نائيا عن الحرم من أهل الآفاق. واختلف الناس في صلاة النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت المقدس فقال قوم: كان يصلي بمكة إلى الكعبة، فلما صار بالمدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة. وقال قوم: كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها ولا يصلي في غير المكان الذي يمكن هذا فيه. وقال قوم: بل كان
يصلي بمكة، وبعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ولم يكن عليه ان يجعل الكعبة بينه وبينها، ثم أمره الله بالتوجه إلى الكعبة. ومن صلى إلى غير القبلة لشبهة دخلت عليه، ثم تبينه، فان كان الوقت باقيا أعاد الصلاة. وان خرج الوقت، فان كان صلى يمينا وشمالا، فلا إعادة عليه، وإن صلى إلى استدبارها أعاد. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت اهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) (145) آية بلا خلاف. الاعراب: اختلف النحويون في أن جواب - لئن - لم كان جواب (لو) فقال الاخفش، ومن تبعه اجيبت بجواب - لو، لان الماضي وليها كما يلي لو فاجيبت بجواب (لو) ودخلت كل واحدة منهما على صاحبتها قال الله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون) (1) فجرى مجرى ولو ارسلنا وقال (ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله (2) على جواب لئن. قال سيبويه وجميع اصحابه: ان معنى (لظلوا * (الهامش) * (1) سورة الروم آية 51 (2) سورة البقرة آية 103 *
[ 18 ]
من بعده يكفرون) ليظلن ومعنى (لئن) غير معنى (لو) في قول الجماعة. وإن قالوا إن الجواب متفق لانهم لا يدفعون أن معنى (لئن) ما يستقبل ومعنى (لو): ما مضى وحقيقة معنى (لو) أنها يمتنع بها الشئ لامتناع غيره. كقولك لو أتيتني لاكرمتك أي لم تأتني فلم اكرمك، فامتنع الاكرام، لامتناع الاتيان. ومعنى (إن) (ولئن) انما يقع بهما
الشئ لوقوع غيره تقول: إن تأتني أكرمك، فالا كرام يقع بوقوع الاتيان. وقال بعضهم: إن كل واحدة منهما على موضعها، وانما لحق في الجواب هذا التداخل، لدلالة اللام على معني القسم، فجاء الجواب القسم، فاغني عن جواب الجزاء لدلالته عليه، لان معني لظلوا ليظلن وهذا هو معنى قول سيبويه. ويجوز أن تقول: إن أتيتني لم أجفك، ولا يجوز أن تقول: إن اتيتني ما حفوتك، لان (ما) منفصلة (ولم) كجزء من الفعل. ألا ترى أنه يجوز ان تقول: زيدا لم أضرب، ولا يجوز زيدا ما ضربت. وانما يجاب الجزاء بالفعل أو الفاء، فإذا تقدم لام القسم جاز، فقلت لئن أتيتني ما جفوتك. المعنى: فان قيل: كيف قال (ولئن أتيت الذين أوتو الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) وقد آمن منهم خلق ؟ قلنا عن ذلك جوابان: احدهما - قال الحسن: إن المعنى أن جميعهم لا يؤمن، وهو اختيار الجبائي. والثاني - أن ذلك مخصوص لمن كان معاندا من أهل الكتاب دون جميعهم الذين وصفهم الله، فقال " يعرفونه كما يعرفون ابناءهم " اختاره البلخي والزجاج. وهذه الآية دالة على فساد قول من قال: لا يكون الوعيد بشرط، وعلى فساد قول من قال بالموافاة، وإن من علم الله أنه يؤمن لا يستحق العقاب أصلا، لان الله تعالى علق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى تحصل الشرط تحصل استحقاق العقاب، وفيها دليل على فساد قول من قال: إن الوعيد لا يقع لمن علم أنه لا يعصي، لان الله تعالى علم من حال الرسول أنه لا يتبع اهواءهم ومع هذا يوعده إن اتبع أهواءهم. وفي الآية دلالة على
[ 19 ]
بطلان قول من قال: إن في المقدور لطفا، لو فعل الله بالكافر لآمن لا محالة، من قبل
أنه قيل في قوله (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) قولان: أحدهما - أن المعاند لا ينفعه الدلالة لانه عارف والآخر أنه لالطف لهم فتلتمسه ليؤمنوا، وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللطف، لان مخرجه مخرج التنصل من التخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعا، فلو قال قائل: وما في أن الآية لا ينفعهم في الايمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله. إلا بأن يقال: لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم. وقوله: (ولئن اتبعت أهواءهم) قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدهما - (لئن اتبعت أهواءهم) في المداراة لهم حرصا على أن يؤمنوا (إنك إذا لمن الظالمين) لنفسك مع اعلامنا إياك: (انهم لا يؤمنون) هذا قول ابي علي الجبائي. الثاني - الدلالة على أن الوعيد يجب باتباع أهوائهم فيما دعوا إليه من قبلتهم، وأنه لا ينفع مع ذلك عمل سلف، لانه ارتداد. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به كل من كان بتلك الصفة. كما قال: (لئن أشركت ليحبطن عملك) (1) وهذا قول الحسن، والزجاج. الثالث - ان معناه الدلالة على فساد مذاهبهم، وتبكيتهم بها. كما تقول: لئن قيل عنك أنه لخاسر تريد به التبكيت على فساد رأيه، والتبعيد من قبوله. وقوله: (وما أنت بتابع قبلتهم) قيل في معناه أربعة اقوال: اولها - أنه لما قال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبللك وما أنت بتابع قبلتهم) على وجه المقالة كما تقول: ما هم بتاركي انكار الحق وما أنت بتارك الاعتراف به، فيكون الذي جر الكلام التقابل للكلام الاول، وذلك حسن من كلام البلغاء. * (الهامش) * (1) سورة الزمر: آية 65. *
[ 20 ]
الثاني - أن يكون المراد أنه ليس يمكنك استصلاحهم باتباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم، لان النصارى يتوجهون إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، فبين الله تعالى: أن رضا الفريقين محال. الثالث - أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنوا انه يرجع إلى الصلاة إلى بيت المقدس، وما جوا في ذكره. الرابع - انه لما كان النسخ مجوزا قبل نزول هذه الآية، فأنزل الله تعالى الآية، ليرتفع ذلك التجوز. وقوله: (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والسدي، وابن زيد، والجبائي: أنه لا يصير النصارى كلهم يهودا، ولا اليهود كلهم يصيرون نصارى أبدا، كما لا يتبع جميعهم الاسلام. وهذا من الاخبار بالغيب. وقال غيرهم: معناه إسقاط الاعتلال بأنه مخالفة لاهل الكتاب الذين ورثوا ذلك عن أنبياء الله بامره إياهم به، فكلما جاز أن يخالف بين وجهتهم للاستصلاح جاز ان يخالف بوجهة ثالثة للاستصلاح في بعض الازمان. وقد بينا حد الظلم فيما تقدم، واعترضنا قول من قال: هو الضرر والقبيح الذي يستحق به الذم من حيث أن ذلك ينقض بفعل الساهي، والنائم، والطفل، والمجنون - إذا كان بصفة الظلم - فانه يكون قبيحا وان لم يستحقوا به ذما. ومن خالف في ذلك كان الكلام عليه في موضع آخر. على ان المخالف في ذلك ناقض، فانه قال: ان الكذب يقع من الصبي ويكون قبيحا. وهذا إذا جاز. هلا جاز ان يقع منه الظلم ؟ فان قال: لان العقل للانسان البالغ، يزجر الصبي عن ذلك بالتاديب. قلنا مثل ذلك في الظلم سواء.
قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن
[ 21 ]
فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (146) آية بلا خلاف المعنى: أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله كما يعرفون أبناءهم، وأن جماعة منهم يكتمون الحق مع علمهم بأنه حق. وقيل في الحق الذي كتموه قولان: احدهما - قال مجاهد: كتموا محمدا صلى الله عليه وآله ونبوته، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل. والثاني - قال الربيع: انهم كتموا أمر القبلة. وقوله (وهم يعلمون) يحتمل امرين: احدهما - يعلمون صحة ما كتموه. والثاني - يعلمون ما لمن دفع الحق من العقاب والذم. و (الهاء) في قوله: (يعرفونه) عائدة - في قول ابن عباس، وقتادة، والربيع - على أن أمر القبلة حق. وقال الزجاج هي عائدة على أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله وصحة أمره، وثبوت نبوته، وانما قال: (وان فريقا منهم ليكتمون الحق) وفي أول الآية قال: (يعرفونه) على العموم، لان أهل الكتاب منهم من أسلم وأقر بما يعرف فلم يدخل في جملة الكاتمين. كعبد الله بن سلام، وكعب الاحبار، وغيرهما ممن دخل في الاسلام. والعلم والمعرفة واحد. وحده ما اقتضى سكون النفس. وإن فصلت، قلت: هو الاعتقاد للشئ على ما هو به مع سكون النفس. وفصل الرماني بين العلم والمعرفة، بأن
قال: المعرفة هي التي يتبين بها الشئ من غيره على جهة التفصيل. والعلم قد يتميز به الشئ على طريق الجملة دون التفصيل كعلمك بان زيدا في جملة العشرة. وإن لم تعرفه بعينه وإن فصلت بين الجملة التي هو فيها، والجملة التي ليس هو فيها. وهذا غير صحيح
[ 22 ]
لان المعرفة أيضا قد يتميز بها الشئ على الطريق الجملة، فلا فرق بينهما. فان قيل لم قال: " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " إنهم ابناءهم في الحقيقة، ويعرفون أن محمدا صلى الله عليه وآله هو النبي المبشر به في الحقيقة ؟ قلنا التشبيه وقع بين المعرفة بالابن في الحكم: وهي معرفة تميزه بها من غيره، وبين المعرفة بالنبي المبشر به في الحقيقة، فوقع التشبيه بين معرفتين. إحداهما أظهر من الاخرى. قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) (147) آية بلا خلاف. الاعراب: " الحق " مرتفع بأنه خبر ابتداء محذوف وتقدير ذاك الحق من ربك أو هو الحق من ربك. ومثله مررت برجل كريم زيد: اي هو زيد، ولو نصب كان جائزا في العربية على تقدير إعلم الحق من ربك. المعنى: وقوله: " فلا تكونن من الممترين " معناه من الشاكين ذهب إليه ابن زيد، والربيع، وغيرهما من المفسرين. والامتراء الاستخراج. وقيل: الاستدرار. فكأنه قال: فلا تكن من الشاكين فيما يلزمك استخراج الحق فيه. قال الاعشى: تدر على اسؤق الممترين ركضا إذا ما السراب الرجحن (1) يعني الشاكين في درورها، لطول سيرها. وقيل: المستخرجين ما عندها. قال
صاحب العين: المري مسحك ضرع الناقة. تمر بها بيدك لكي تكن، للحلب، والريح تمري السحاب مريا. والمرية من ذلك. والمرية الشك. ومنه الامتراء، * (الهامش) * (1) ديوانه: 23 رقم القصيدة: 2، واللسان " رجحن " تدر - بضم الدال وتشديد الراء - تجري بسرعة. الممترين: الذين يغمزون خيلهم بساقهم. ارجحن السراب: ارتفع في المطبوعة " وكفا " بدل " ركضا " و " السحاب " بدل " السراب ". *
[ 23 ]
والتمارى، والمماراة. والمراء. وأصل الباب الاستدرار. ويقال: بالشكر تمترى النعم اي تستدر. وقال الحسن، والربيع، والجبائي: معنى الآية " فلا تكونن من الممترين " في الحق الذي تقدم اخبار الله به من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة وامتناعهم من الاجتماع على ما قامت به الحجة. وقال بعضهم: " لا تكونن من الممترين " في شئ يلزمك العلم به. وهو الاولى، لانه أعم، والخطاب وان كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به الامة كما قال تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم " (1) وقال: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) (2). وقال قوم: إن الخطاب له، لانه إنما لا يجوز عليه ذلك لملازمته أمر الله. ولو لم يكن هناك أمر لم يصح أن يلازم. والنون الثقيلة يؤكد بها الامر والنهي، ولا يؤكد بها الخبر، لما كان المخبر يدل على كون المخبر به، وليس كذلك الامر والنهي، والاستخبار، لانه لا يدل على كون المدلول عليه، فألزم الخبر التأكيد بالقسم وما يتبعه من جوابه، واختصت هذه الاشياء بنون التأكيد ليدل على اختلاف المعنى في المؤكد. ولما كان الخبر أصل الجمل أكد بأبلغ التأكيد وهو القسم. قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير). (148)
آية بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم (مولاها). وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن علي، فجعلا الفعل واقعا عليه. والمعنى واحد، كذا قال الفراء. * (الهامش) * (1) سورة الطلاق: آية 1 (2) سورة الاحزاب آية: 1. *
[ 24 ]
المعنى: وفي قوله: " ولكل وجهة هو موليها " أقوال: أحدهما - قال مجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، والسدي: أن لكل أهل ملة من اليهود والنصارى. الثاني - قال الحسن: إن لكل نبي وجهة واحدة: وهي الاسلام وان اختلف الاحكام كما قال: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " اي في شرائع الانبياء. الثالث - قال قتادة: هو صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة. الرابع - ان لكل قوم من المسلمين وجهة، من كان منهم وراء الكعبة وقدامها أو عن يمينها أو عن شمالها، وهو الذي اختاره الجبائي. والوجهة قيل فيه قولان: احدهما - انه قبلة. ذهب إليه مجاهد، وابن زيد. الثاني قال الحسن: هو ما شرعه الله لهم من اسلام. وفي (جهة) ثلاث لغات: وجهة، وجهة، ووجه. وإنما أتم لانه اسم لم يجئ على الفعل. ومن قال: جهة. قال المبرد: جاء به على قولهم وجهني، ووجهته. ومعنى " موليها " مستقبلها - في قول مجاهد وغيره. كأنه قال: مول إليها، لان ولى إليه نقيض ولى عنه. كقولك: انصرف إليه، وانصرف عنه. وقوله " هو " عائد - على قول اكثر المفسرين - إلى كل. وقال قوم يعود على اسم الله حكاهما الزجاج.
و " الخيرات " هي الطاعات لله - على قول ابن زيد وغيره - وقوله: " يأت بكم الله جميعا " يعني يوم القيامة - من حيث ما متم من بلاد الله - وهو قول السدي، والربيع وقد روي " ولكل وجهة " مضاف غير منون - وذلك لا يجوز، لانه يكون الكلام ناقصا، لا معنى له ولا فائدة فيه. وقوله: " استبقوا " يحتمل معنيين: احدهما - بادروا إلى ما أمرتم به مبادرة من يطلب السبق إليه. الثاني - قال الربيع: سارعوا إلى الخيرات. وهو الاولى، لانه أعم.
[ 25 ]
اللغة: والاستباق، والابتدار، والاسراع نظائر. قال صاحب العين: السبق: القدمة في الجري وفي كل أمر. تقول: له في هذا الامر سبقة، وسابقة وسبق: أي سبق الناس إليه. والسبق الخطر الذي يوضع بين اهل السباق، وجمعه اسباق. والسباقان في رجل الطائر الجارح قيداه من خيط أو سير. واصل الباب السبق: القدم في الامر. قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) " 149 " آية بلا خلاف. قيل في تكرار قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قولان: احدهما - أنه لما كان فرضا، نسخ ما قبله، كان من مواضع التأكيد لينصرف إلى الحال الثانية بعد الحال الاولى على يقين. والثاني - أنه مقدم لما يأتي بعده ويتصل به، فاشبه الاسم الذي تكرره لتخبر عنه باخبار كثيرة كقولك: زيد كريم، وزيد عالم، وزيد حليم، وما اشبه ذلك مما تذكره لتعلق الفائدة به وإن كانت في نفسها معلومة عند السامع، ومعنى قوله " وإنه
للحق " الدلالة على وحوب المحافظة - من حيث كان حقا لله فيه طاعة -، ومعنى قوله " وما الله بغافل عما تعملون " هاهنا التهديد كما يقول الملك لعبيده ليس يخفى علي ما أنتم فيه، ومثله قوله: " إن ربك لبالمرصاد " (1). والوجه الجارحة المخصوصة وقد حده الرماني بانه صفيحة فيها محاسن تعرف بها الجملة، وحيث مبنية على الضم، لانها كالغاية تمامها الاضافة إلى المفرد، دون الجملة، لها بمنزلة الصلة، فجرت لذلك مجرى قوله " من قيل ومن بعد ". (2) * (الهامش) (1) سورة الفجر آية: 14 (2) سورة الروم آية: 5. *
[ 26 ]
قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون) " 150 " آية بلا خلاف. المعنى: قيل في تكرار قوله: " ومن حيث خرجت " ثلاثة اقوال: احدها - لا ختلاف المعنى وإن اتفق اللفظ، لان المراد بالاول: من حيث خرجت منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس. " فول وجهك شطر المسجد الحرام " وأريد بالثاني أين كنت في البلاد، فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا كنت لظهر الكعبة أووجهها أو يمينها اوشمالها. الثاني - لاختلاف المواطن التي تحتاج إلى هذا المعنى فيها. الثالث - لانه مواضع التأكيد بالنسخ الذي نفلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير والتثبيت. فان قيل هل في قوله تعالى: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " حذف
منه (في الصلاة) أم هو مدلول عليه من غير حذف ؟ قيل: هو محذوف، لانه اجتزء بدلالة الحال عن دلالة الكلام، ولو لم يكن هناك حال دالة لم يكن بد من ذكر هذا المحذوف إذا أريد به الافهام لهذا المعنى فأما قوله: عليم وحكيم. فانه يدل على المعلوم من غير حذف. ومعنى قوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة " ها هنا. قيل فيه قولان: احدهما - لا تعدلوا عما أمركم الله في التوجه إلى الكعبة، فيكون لهم عليكم حجة، بأن يقولوا لو كنتم تعلمون أنه من عند الله ما عدلتم عنه.
[ 27 ]
الثاني - لئلا يكون لاهل الكتاب عليكم حجة لو جاء على خلاف ما تقدمت به البشارة في الكتب السالفة من أن المؤمنين سبوجهون إلى الكعبة. وموضع اللام من " لئلا " نصب والعامل فيه احد شيئين: فولوا. والآخر ما دخل الكلام من معنى عرفتكم ذلك. وهو قول الزجاج. وقوله: " إلا الذين ظلموا منهم " قيل فيه اربعة اقوال: احدها - أنه استثناء منقطع، و " إلا " بمنزلة (لكن) كقوله (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) (1) وقوله: ماله علي إلا التعدي، والظلم، كأنك قلت: لكن يتعدى ويظلم، وتضع ذلك موضع الحق اللازم، فكذلك لكن الذين ظلموا منهم، فانهم يتعلقون بالشبهة، ويضعونها موضع الحجة. فلذلك حسن الاستثناء المنقطع قال النابغة: لاعيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (2) جعل ذلك عيبهم على طريق البلاغة، وان كان ليس بعيب. كأنه يقول: ان كان فيهم عيب فهذا، وليس هذا بعيب، فإذا ليس فيهم عيب، فكذا إن كان على
المؤمنين حجة، فللظالم في احتجاجه، ولا حجة له، فليس إذا عليهم حجة. القول الثاني - ان تكون الحجة بمعنى المحاجة، والمجادلة، كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا منهم، فانهم يحاجوكم بالباطل. الثالث - ما قاله أبو عبيدة ان (إلا) هاهنا بمعنى الواو كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم. وان ذكر ذلك الفراء والمبرد قال الفراء: لا يجئ إلا بمعنى الواو إلا إذا تقدم استثناء كما قال الشاعر: ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروان * (الهامش) * (1) سورة النساء آية: 156. (2) اللسان " فلل " (وقرع). فلول السيف. كسر من حده. القرع: الضرب الشديد الكتائب جمع كتيبة وهي فرقة من الجيش المصفح. *
[ 28 ]
وانشد الاخفش: وأرى لها دارا بأغدرة السي * دان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم (1) يعني أرى لها دارا ورمادا. وكأنه قال في البيت الاول: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان. وخالفة أبو العباس فلم يجز ان تكون (إلا) بمعنى الواو أصلا. الرابع - قال قطرب: يجوز الاضمار على معنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا. وموضع الذين عنده خفض على هذا الوجه يجعله بدلا من الكاف كأنه قيل في التقدير: لئلا يكون للناس على أحد حجة إلا الظالم. قال الرماني: وهذا وجه بعيد لا ينبغي أن يتأول عليه، ولا على الوجه الذي قاله أبو عبيدة والاختيار القول الاول. وأثبتت (الياء) في قوله " واخشوني " هاهنا، وحذفت فيما عداه، لانه
الاصل، وعليه اجماع هاهنا. واما الحذف فللا جتزاء بالكسرة من الياء. وقوله: " واخشوني " معناه واخشوا عقابي بدلالة الكلام عليه في الحال، وإنما ذكرهم فقال " فلا تخشوهم " لانه لما ذكرهم بالظلم، والاستطالة بالخصومة والمنازعه طيب بنفوس المؤمنين أي فلا تلتفتوا إلى ما يكون منهم فان عاقبة السوء عليهم. وقال قتادة، والربيع: المعني بالناس هاهنا أهل الكتاب. وقال غيرهما: هو على العموم - وهو الاقوى - وقال ابن عباس، والربيع، وقتادة: المعني بقوله " الذين ظلموا " مشركوا العرب. وقال قوم: هو على العموم - وهو الاولى -. وقوله " لئلا " ترك الهمزة نافع. الباقون يهمزون. ويلين كل همزة مفتوحة قبلها كسرة. والحجة هي الدلالة. وهي البرهان. قوله تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم * (الهامش) * (1) اللسان (خلد) ذكر البيت الثاني فقط. *
[ 29 ]
الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " (151) - آية بلا خلاف. المعنى: التشبيه بقوله (كما أرسلنا) يحتمل أمرين: احدهما - ان النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، لان الله لطف بعباده بها على ما يعلم من المصلحة، ومحمود العاقبة. الثاني - الذكر الذي أمر الله به كالنعمة بالرسالة فيما ينبغي ان يكون عليه من المنزلة في العظم والاخلاص لله، كعظم النعمة. وهو على نحو قوله: (كما احسن الله اليك (1) والعرب تقول: الجزاء بالجزاء، فسمي الاول باسم الثاني للمقابلة، والتشبيه
لكل واحد منهما بالآخر. الاعراب: و (ما) في قوله: (كما) مصدريه. كأنه قال: كارسالنا فيكم ويحتمل أن تكون كافة قال الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما * أفنان رأسك كالثغام المخلس (2) لانه لا يجوز كما زيد يحسن اليك فأحسن إلى أبنائه. والعامل في قوله (كما) يجوز أن يكون أحد أمرين: أحدهما - الفعل الذي قبله: وهو قوله: (ولاتم نعمتي عليكم) (كما أرسلنا فيكم) والقول الثاني - الفعل الذي بعده: وهو فاذكروني (كما أرسلنا). والاول * (الهامش) * (1) سورة القصص آية: 77. (2) قائله المرار الاسدي، وفي التكملة المرار الفقعسي. (3) اللسان " علق " و " ثغم " و " فنن " العلاقة: الحب. أفنان خصل الشعر. الثغام شجر ابيض. المخلس: الذي بين السواد والبياض: فكأنه يقول: أحب بعد الشيب. *
[ 30 ]
أحد قولي الفراء، والزجاج واختاره الجبائي. والثاني قول مجاهد والحسن، وابن ابي يحتج بأحد قولي الفراء، والزجاج، واختيار الزجاج. وقال الفراء: لا ذكروني جوابان: احدهما - (كما). والآخر - أذكركم، لانه لما كان يجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، أشبه - من هذا الوجه - الجواب، لانه يجب للثاني فيه بوجوب الاول: المعنى: وقوله: (يزكيكم) معناه يعرضكم لما تكونوا به أزكياء من الامر بطاعة الله واتباع مرضاته. ويحتمل أيضا أن يكون المراد: ينسبكم إلى أنكم أزكياء شهادة
لكم بذلك، ليعرفكم الناس به، وإنما قال: (الكتاب والحكمة) لاختلاف الفائدة في الصفتين وإن كانتا لموصوف واحد. كقولك: هو العالم بالامور القادر عليها. ويحتمل أن يكون أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: الوحي من السنة. والكاف في قوله: (فيكم) خطاب للعرب - على قول جميع أهل التأويل. وقوله: (ويعلمكم) معناه مالا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع، فذكرهم الله بالنعمة فيه. ويكون التعليم لما عليه دليل من جهه العقل تابعا للنعمة فيه. ولا سيما إذا أوقع موقع اللطف. ومعنى الارسال: هو التوجه بالرسالة والتحميل لها ليؤدي إلى من قصد، فالدلالة والرسالة جملة مضمنة بمن يصل إليه ممن قصد بالمخاطبة. والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق في الرتبة. والتزكية: النسبة إلى الازدياد من الافعال الحسنة التي ليست بمشوبة. ويقال أيضا على معنى التعريض لذلك بالاستدعاء إليه واللطف فيه. والحكمة: هي العلم الذي يمكن به الافعال المستقيمة.
[ 31 ]
قوله تعالى: فاذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون) (152) آية بلا خلاف. المعنى: الذكر المأمور به في الآية، والموعد به، قيل فيه أربعة أقوال: احدهما - قال سعيد بن جبير " اذكروني " بطاعتي " أذكركم " برحمتي. الثاني - " اذكروني " بالشكر (أذكركم) بالثواب. الثالث (أذكروني) بالدعاء (أذكركم) بالاجابة.
الرابع - (اذكروني) بالثناء بالنعمة (أذكركم) بالثناء بالطاعة. اللغة: والذكر: حضور المعنى للنفس، فقد يكون بالقلب، وقد يكون بالقول، وكلاهما يحضر به المعنى للنفس، وفي اكثر الاستعمال يقال: الذكر بعد النسيان، وليس ذلك بموجب إلا ان يكون إلا بعد نسيان، لان كل من حضره المعنى بالقول أو العقد أو الحضور بالبال: اذاكر له. واصله التنبيه على الشئ. فمن ذكر ناسيا، فقد نبهه عليه. وإذا ذكرناه نحن فقد نبهنا عليه. والذكر نقيض الانثى (وإنه لذكر لك) (1) أي شرف لك من النباهة والجلالة. والفرق بين الذكر، والخاطر. أن الخاطر: مرور المعنى بالقلب، والذكر قد يكون ثابتا في القلب. وقد يكون بالقول. الاعراب: وقوله تعالى: (واشكروا لي) معناه اشكروا لي نعمتي فحذف، لان حقيقة الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. وقوله: (ولا تكفرون) فيه حذف، * (الهامش) * (1) سورة الزخرف آية: 44. *
[ 32 ]
وتقديره: ولا تكفروا نعمتي، لان الكفر هو ستر النعمة وجحدها. لاستر المنعم. وقولهم حمدت زيدا، وذممت عمرا، فلا حذف فيه وإن كنت انما تحمد من اجل الفعل الحسن، وتذم من اجل الفعل القبيح. كما أنه ليس في قولك: زيد متحرك حذف، وإن كان إنما تحرك من أجل الحركة. وليس كل كلام دال على معني غير مذكور يكون فيه حذف، لان قولك زيد ضارب دال على مضروب، وليس بمحذوف، وكذلك زيد قاتل دال على مقتول، وليس بمحذوف، فالحمد للشئ دلالة على انه محسن، والذم له دلالة على انه مسئ كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، وكذلك قولك: زيد المحسن، وعمرو المسئ، ليس فيه محذوف ويقال:
شكرتك، وشكرت لك، وإنما قيل شكرتك، لانه أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدى الفعل بغير واسطة والاجود. شكرت لك النعمة، لانه الاصل في الكلام، والاكثر في الاستعمال. قال الشاعر (1): هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم * فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل (2) ومثل ذلك نصحتك، ونصحت لك، وإنما حذف (الياء) في الفواصل، لانها في نية الوقف، فلذلك قال (ولا تكفرون) بغير (ياء) وهي في ذلك كالقوا في التي يوقف عليها بغير ياء كقول الاعشى: ومن شانئ كاشف وجهه * إذا ما انتسبت له أنكرن (3) يعني أنكرني فحذف الياء. * (الهامش) * (1) نسبه أبو حيان في تفسيره 1: 447 لعمر بن لجأ. (2) معاني القرآن للفراء: 1: 92 يقول: لما ذا لم تشكر القوم الذين جمعوا لك النعيم والبؤس وانت لم تقاتل. (3) ديوانه: 19. رقم القصيدة 2 في المطبوعة " بله " بدل " وجهه " و " ذكرت " بدل " انتسبت ". *
[ 33 ]
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (153) آية واحدة بلاف خلاف. اللغة والمعنى: الصبر هو حبس النفس عما تدعوا إليه من الامور، والصابر هو الحابس نفسه عما تدعوا إليه مما لا يجوز له. وهو صفة مدح. ووجه الاستعانة بالصبر أن في توطين النفس على الامور تسهيلا لها. واستشعار الصبر إنما هو توطين النفس. ووجه الاستعانة بالصلاة ما فيها من الذكر لله، واستشعار الخشوع له، وتلاوة القرآن وما فيه من
الوعظ، والتخويف، والوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وما فيه من البيان الذي يوجب الهدى ويكشف العمى. كل ذلك داع إلى طاعة الله، وزاجر عن معاصيه، فمن هاهنا كان فيه المعونة على ما فيه المشقة من الطاعة. وأما الاستعانة فهي الازدياد في القوة مثل من يريد أن يحمل مئة رطل فلا يتهيأ له ذلك فإذا استعان بزيادة قوة تأتي ذلك، وكذلك إن عاونه عليه غيره وعلى ذلك السبب والآلة، لانه بمنزلة الزيادة في القوة. وقوله تعالى: (إن الله مع الصابرين) أي معهم بالمعونة، والنصرة، كما تقول: إذا كان السلطان معك، فلا تنال من لقيت. وقد تكون (مع) في الكلام على معنى الاجتماع في المكان. وذلك لا يجوز عليه تعالى. وفي الآية دلالة على أن الصلاة فيها لطف، لان الله تعالى أمرنا بالاستعانة بها، وتوضيحه قوله: (ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر) (1) ولولا هذا النص، لجوزنا أن يكون في غير ذلك. والذي يستعان عليه بالصبر والصلاة. قيل فيه قولان: احدهما - طاعة الله، كأنه قال استعينوا بهذا الضرب من الطاعة على غيره فيها. والثاني - على الجهاد في سبيل الله، لاعدائه. * (الهامش) * (1) سورة العنكبوت آية: 45. *
[ 34 ]
الاعراب: وموضع الذين رفع لا يجوز غير ذلك عند جميع النحويين إلا المازني، فانه أجاز يا أيها الرجل اقبل، والعامل فيه ما يعمل في صفة المنادي - عند جميع النحويين - إلا الاخفش، فانه يجعله صلة لاي ويرفعه بأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: يامن هم الذين آمنوا. إلا أنه لا يظهر المحذوف مع أي، وإنما حمله على ذلك لزوم البيان له، فقال: الصلة تلزم، والصفة لا تلزم. قال الرماني والوجه عندي أن تكون
صفة بمنزلة الصلة في اللزوم، وإنما لزمت أي هاهنا في النداء، لان العرض بحرف التنبيه وقع في موضع التنبيه، فلزم، فلا يجوز أن تقول: نعم الذين في الدار، لان نعم إنما تعمل في الجنس الذي يكره إذا أضمر فسر بها. قوله تعالى: (ولا تقولن لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) (154) آية بلا خلاف. المعنى: فان قيل: هل الشهداء أحياء على الحقيقة، أم معناه أنهم سيحيون وليسوا أحياء ؟ قلنا: الصحيح أنهم أحياء إلى أن تقوم الساعة، ثم يحيبهم الله في الجنة، لا خلاف بين أهل العلم فيه إلا قولا شاذا من بعض المتأخرين. والاول قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجبائي، وابن الاحشاد، والرماني، وجميع المفسرين. والقول الثاني حكاه البلخي. يقال: ان المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يقتلون نفوسهم في الحرب لا لمعنى، فأنزل الله تعالى الآية. وأعلمهم أنه ليس الامر على ما قالوه، وأنهم سيحيون يوم القيامة ويثابون، ولم يذكر ذلك غيره. وقيل: ليس هم أمواتا بالضلالة بل هم أحياء بالطاعة، والهدى، كما قال: (أو من كان ميتا فأحييناه) (1) * (الهامش) * (1) سورة الانعام آية: 122. *
[ 35 ]
فجعل الضلالة موتا، والهداية حياة. وقيل: معناه ليس هم أمواتا بانقطاع الذكر، بل هم احياء ببقاء الذكر عند الله، وثبوت الاجر عنده. واستدل أبو علي الجبائي على أنهم أحياء في الحقيقة بقوله: (ولكن لا تشعرون) فقال: لو كان المعنى سيحيون في الآخرة، لم يقل للمؤمنين المقرين بالبعث، والنشور (ولكن لا تشعرون لانهم يعلمون ذلك، ويشعرون به. فان قيل: ولم خص الشهداء بأنهم احياء
والمؤمنون كلهم في البرزخ أحياء ؟ قيل يجوز أن يكونوا ذكروا اختصاصا، تشريفا لهم. وقد يكون على جهة التقديم للبشارة بذكر حالهم في البيان لما يختصون به من أنهم يرزقون، كما قال تعالى (بل احياء عند ربهم يرزقون) (1). وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لانه طريق إلى ثواب الله تعالى. اللغة: والموت: نقص بنية الحياة. والموت - عند من قال إنه معنى عرضي - ينافي الحياة منافاة التعاقب. ومن قال: ليس بمعنى قال: هو عبارة عن فساد بنية الحياة. فأما الحياة، فهي معنى بلا خلاف. الاعراب: وقوله: (أموات) رفع بانه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: لا تقولوا هم أموات. ولا يجوز فيه النصب على قولك: قلت خيرا، لانه الخير في موضع المصدر كأنه قال: قلت قولا حسنا. فاما قوله (ويقولون طاعة) (2) فيجوز فيه الرفع والنصب في العربية: الرفع على منا طاعة: والنصب على نطيع طاعة والفرق بين (بل) و (لكن) ان (لكن) نفي لاحد الشيئين، وإثبات للآخر، كقولك: ما قام زيد لكن عمرو، وليس كذلك (بل)، لانها للاضراب عن الاول، والاثبات للثاني، ولذلك وقعت في الايجاب كقولك: قام زيد بل عمرو. فاما إذا قصد المتكلم، فانما هو ليدل * (الهامش) * (1) سورة آل عمران آية: 169. (2) سورة النساء آية: 80. *
[ 36 ]
على أن الثاني أحق بالاخبار عنه من الاول، كقولك ؟ قام زيد بل عمرو، كأنه ليعتد بقيام الاول. اللغة: والشعور: هو ابتداء العلم بالشئ من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولذلك لا يوصف تعالى بأنه شاعر، ولا أنه يشعر، وإنما يوصف بأنه عالم ويعلم. وقد قيل: إن الشعور
إدراك مادق للطف الحسن مأخوذ من الشعر لدقته، ومنه شاعر، لانه يفطن من إقامة الوزن وحسن النظم بالطبع لما لا يفطن له غيره. المعنى: فان قيل: هل كون عقولهم إذا كانوا أحياء، وكيف يجوز أن يصل إليهم ثوابهم مع نقصان عقولهم ؟ قيل الثواب لم يصل إليهم على كنهه وانما يصل إليهم طرف منه. ومثلهم في ذلك مثل النائم على حال جميلة في روضة طيبة يصل إليهم طيب ريحها ولذيذ نسيمها على نحو ما جاء في الحديث من انه يفصح له مد بصره، ويقال له ؟ نومة العروس. وأما الذين قتلوا في سبيل الله، فعلى ما ذكرناه من الاختصاص بالفضيلة. فان قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء - ونحن نرى جثتهم على خلاف ما كانت عليه في الدنيا. ؟ قيل: إن النعيم انما يصل إلى الروح وهي الحية، وهي الانسان، دون الجثة - والجثة كالجنة واللباس لصيانة الارواح. ومن زعم ان الانسان هذه الجملة المعروفة وجعل الجثة جزء منها فانه يقول: يلطف أجزاء من الانسان توصل إليه النعيم، وإن لم يكن الانسان بكماله على نحو ما ذكرنا أن النعيم لا يصل إليه نفسه. قوله تعالى: " ولنبلونكم بشئ من الجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين " (155). الخطاب بهذه الآية متوجه إلى اصحاب النبي صلى الله عليه وآله - على قول عطاء، والربيع
[ 37 ]
وابي علي، والرماني، ولو قيل: أنه خطاب لجميع الخلق، لكان ايضا صحيحا، لان ذلك جاز في جميعهم. اللغة: والابتلاء في الاصل: الطلب لظهور ما عند القادر على الامر من خير أو شر.
والابتلاء، والاختبار، والامتحان، بمعنى واحد، والابتلاء بهذه الامور المذكورة في الاية بأمور مختلفة. فالخوف هو انزعاج النفس لما يتوقع من الضرر، وكان ذلك لقصد المشركين لهم بالعداوة. والجوع كان لفقرهم وتشاغلهم بالجهاد في سبيل الله عن المعاش. ونقص الاموال للانقطاع بالجهاد عن العمارة. والانفس بالقتل في الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله. والجوع ضد الشبع. يقال جاع يجوع جوعا، وأجاعه إجاعة، وجوعه تجويعا، وتجوع تجوعا. قال صاحب العين: الجوع اسم جامع للمخمصة، والمجاعة: عام فيه جوع. والنقص نقيض الزيادة. قال صاحب العين: النقص الخسران في الحظ. تقول نقص نقصا، وانتقص انتقاصا، وتناقص تناقصا، ونقصه تنقيصا، واستنقص استنقاصا، وتنقصه تنقصا. والنقصان يكون مصدرا أو إسما، كقولك: نقصانه كذا: أي قدر الذاهب. ونقص الشئ، ونقصته، ودخل عليه نقص: في عقله ودينه. ولا يقال: نقصان. والنقيصة: الوقيعة في الناس. والنقيصة انتقاص حق ذي الرحم. وتنقصه تنقصا: إذا تناول عرضه. واصل الباب النقص الحط من التمام. والمال معروف. وأموال العرب أنعامهم. ورجل مال: أي ذو مال. ونال: أي ذو نوال. وتقول: تمول الرجل، ومول غيره. واصل الباب المال المعروف. والثمرة: أفضل ما تحمله الشجرة. المعنى: ووجه المصلحة في ذلك هو ما في ذلك من الامور المزعجة إلى الاستدلال والنظر في الادلة الدالة على النبوة، وليعلم ايضا انه ليس فيما يصيب الانسان من شدة في الدنيا ما يوجب نقصان منزلته. ففي ذلك ضروب العبرة. فان قيل إذا كان الله
[ 38 ]
قد فعل الابتلاء بهذه الاشياء، والمشركون أوقعوها بالمؤمنين ففي ذلك إيجاب فعل من فاعلين. قلنا: لا يجب ذلك، لان الذي يفعله الله تعالى غير الذي يفعله المشركون،
لان علينا ان نرضى بما فعله الله ونسخط مما فعله المشركون، وليس يقدرون على شئ مما ذكر في الآية، ولكنهم يقدورن على التعريض له بما هو محرم عليهم، وقبيح منهم. الاعراب: وفتحت الواو في لنبلونكم لامرين: احدهما - للعلة التي فتحت الراء في لننصرنكم (1) وهو أنه بني على الفتحة، لانها أخف إذ استحق البناء على الحركة كما استحق (يا) في النداء حكم البناء على الحركة. الثاني - أنه فتح لالتقاء الساكنين إذ كان قبل معتلا لا يدخله الرفع. المعنى: وانما قال: " بشئ " من الخوف ولم يقل: باشياء لامرين: احدهما - لئلا توهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف، ويكون الجمع كجمع الاجناس للاختلاف، فقدر: شئ من كذا، وشئ من كذا، وأغني المذكور عن المحذوف. والثاني - أنه وضع الواحد في موضع الجمع للابهام الذي فيه ك (من). والابتلاء بما ذكر لابد ان يكون فيه لطف في الدين، وعوض في مقابلته، ولا يحسن فعل ذلك لمجرد العوض - على ما ذهب إليه قوم -. فان قيل: الابتلاء بأمر القبلة وغيره من عبادات الشرع هل يجري مجرى الالم - عند المصيبة ؟ قلنا: لا، بلا خلاف هاهنا، فانه لابد ان يكون فيه لطف في الدين فان (2) كان فيه * (الهامش) * (1) في المطبوعة " لنضربنكم " وهو غلط. (2) والاصح " وان كان " بدل " فان كان " *
[ 39 ]
خلاف في الالم، لان هذه طاعات يستحق بها الثواب. وبالاخلال بها - إذا كانت واجبة - يستحق العقاب، فلا يجري مجرى الالم المحض. والصبر واجب كوجوب العدل الذي لا يجوز عليه الانقلاب - في الشرع - إذ الصبر حبس النفس عن القبيح من الامر، وقد بينا فيما مضى ابتلاء الله تعالى العالم بالعواقب، فان المراد بذلك انه يعامل معاملة المبتلي، لان العدل لا يصح إلا على ذلك، لانه لو أخذهم بما يعلم أنه يكون منهم، قبل ان يفعلوه، لكان ظلما وجورا، فبين الله بعد، أنه يعاملهم بالحق دون الظلم. والوقوف على قوله: (وبشر الصابرين) حسن، وقال بعضم: لا يحسن. وذلك غلط، من حيث كانت صفة مدح، وعامل الصفة في المدح غير عامل الموصوف، وإنما وجب ذلك، لان صفة صابر صفة كصفة تقي، كما قال الله تعالى: (إن الله مع الصابرين) (1). والجوع: الحاجة إلى الغداء، وتختلف مراتبه في القوة والضعف. وقد يقال: جوع كاذب، لانه يتخيل به الحاجة إلى الغذاء لبعض الامور العارضة من غير حقيقة. وقوله تعالى: (وبشر الصابرين) فالتبشير في الاصل هو الاخبار بما يسر، أو نعمة، يتغير له الشره، غير انه كثر استعماله فيما يسر. والصبر المحمود هو حبس النفس عما قبح من الامر. قوله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) (156) آية بلا خلاف. المعنى: في قوله: (إنا لله) إقرار لله بالعبودية (وإنا إليه راجعون) فيه إقرار
* (الهامش) * (1) سورة البقرة آية: 153. *
[ 40 ]
بالبعث والنشور، وان مآل الامر يصير إليه، وإنما كانت هذه اللفظة تعزية عن المصيبة، لما فيها من الدلالة على أن الله يجزها (1) ان كانت عدلا، وينصف من فاعلها إن كانت ظلما. وتقديره (إنا لله) تسليما لامره ورضا بتدبيره (وإنا إليه راجعون) ثقة بأنا إلى العدل نصير. اللغة: والمصيبة هي المشقة الداخلة على النفس، لما يلحقها من مضرة، وهي من الاصابة، لانها يصيبها بالبلية. ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم كما كان أول مرة لانه قد ملك قوما في الدنيا شيئا من الضر، والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الامر إلى ما كان إذا زال تمليك العباد. وأصل الرجوع هو مصير الشئ إلى ما كان، ولذلك يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا اشتراها مرة ثانية. والرجوع والعود، والمصير نظائر. وفي الآية معنى الامر لانها مدح عام، لكل من كان على تلك الصفة بتلك الخصلة. وأجاز الكسائي والفراء في (إنا لله) الامالة، ولا يجوز ذلك في غير اسم الله، مثل قولك: إنا لزيد، لا يجوز إمالته، وإنما جاز الامالة مع اسم الله لكثرة الاستعمال حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، وإنما لم يجزالامالة في غير ذلك، لان الحروف كلها وما جرى مجراها لا يجوز فيها الامالة مثل (حتى) و (لكن) و (مما) وما اشبه ذلك، لان الحروف بمنزلة بعض الكلمة من حيث امتنع فيها التصريف الذي يكون في الاسماء والافعال. قوله تعالى: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم
المهتدون) (157) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (3) والاصح " يجز بها " بدل " " يجزها ". *
[ 41 ]
(أولئك) إشارة إلى الصابرين الذين وصفهم الله في الآية الاولى. وقيل في معنى الصلاة ثلاثة أقوال: احدها - انها الدعاء، كما قال الاعشى: وصلى على دنها وارتسم (1) أي دعا لها. والثاني - انها مشتقة من الصلوى مكتنفا ذنب الفرس أو الناقة، فسميت الصلاة - في الشرع - بذلك، لرفع الصلوة في الركوع والسجود. الثالث - قال الزجاج: إن أصلها اللزوم من قوله (تصلى نارا حامية) (2) أي تلزمها، والصلاة من أعظم ما يلزم من العبادة. وقال قوم: معنى الصلاة هاهنا: الثناء الجميل. وقيل: بركات الدعاء، والثناء يستحق دائما، ففيه معنى اللزوم، وكذلك الدعاء يدعا به مرة بعد مرة، فقيه معنى اللزوم. والمصلي من الخيل الذي يلزم أثر السابق. ومعنى (المهتدون) يعني إلى الحق الذي به ينال الثواب، والسلامة من العقاب. والرحمة: الانعام على المحتاج، وكل واحد يحتاج إلى نعمة الله. والاهتداء: الاصابة لطريق الحق وهو الاصابة للطريق المؤدي إلى النعمة. قوله تعالى: " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم " (158) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ حمزة والكسائي (ومن يطوع) بالياء، وتشديد الطاء، والواو،
وسكون العين. والباقون بالتاء على فعل ماض. * (الهامش) * (1) ديوانه: 35، رقم القصيدة: 4 واللسان " صلا " وقد مر البيت في 1: 56 - 193 (2) سورة الغاشية آية: 4. *
[ 42 ]
اللغة: الصفا - في الاصل - الحجر الاملس مأخوذ من الصفو. قال المبرد: الصفا: كل حجر لا يخلط غيره، من طين أو تراب يتصل به حتى يصير منه، وانما اشتقاقه من صفا يصفو - إذا خلص - وهو الصافي الذي لا يكدره شئ بشوبه. وقيل واحد الصفا: صفا،. وقيل بل هو واحد يجمع اصفاء أو صفى - وأصله من الواو -، ولانك تقول - في تثنيته: صفوان، ولانه لا يجوز فيه الامالة. والمروة في الاصل: هي الحجارة الصلبة اللينة. وقيل: الصفا: الصغير، والمروة: لغة في المرو. وقيل انه جمع مثل تمرة وتمر، قال أبو ذؤيب: حتى كأني للحوادث مروة (1) والمرو: نبت. والاصل الصلابة. والنبت سمي بذلك لصلابة بزره. والصفا والمروة: هما الجبلان المعروفان بالحرم، وهما من الشعائر، كما قال الله تعالى. والشعائر: المعالم للاعمال، فشعائر الله: معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة، وهي أعلام متعبداته من موقف، أو مسعى، أو منحر، وهو مأخوذ من شعرت به: أي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء، أو صلاة، أو اداء فريضة، فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته قال الكميت بن زيد: نقتلهم جيلا فجيلا نراهم * شعائر قربان بهم نتقرب (2) والحج: قصد البيت بالعمل المشروع من الاحرام، والطواف، والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة. واشتقاقه من الحج الذي هو القصد - على وجه التكرار
والتردد قال الشاعر (3): * (الهامش) * (1) ديوانه 3. من قصيدة النارعة في رثاء أولاده. وعجزه: بصفا المشرق كل يوم ؟ قرع ويرى " المشقر " وهو سوق الطائف. المروة: الصخرة والمشرق: الناسك بمعنى يصف الشاعر نفسه بأنه من كثرة الحوادث: أصبح كالصخرة في مكان تمر بها الناس كثيرا ويقرعها واحد بعد الآخر. " 2 " اللسان " شعر " والهاشميات: 21 " 3 " هو المخبل السعدي، وهو مخضرم. *
[ 43 ]
وأشهد من عوف حلولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا (1) يعني يكثرون التردد إليه بسؤدد. وقال آخر: يحج مأمومة في قعرها لجف (2) وأما العمرة في الاصل فهي الزيارة وهي هاهنا زيارة البيت بالعمل المشروع: من طواف الزيارة والاحرام. وأخذت العمرة من العمارة لان الزائر للمكان يعمره بزيارته له، وقوله: (فلا جناح عليه). فالجناح هو الميل عن الحق، وأصله من جنح إليه جنوحا إذا مال إليه. قال صاحب العين: الاجناح: الميل. اجنحت هذا فأجتنح أي املته فمال. وقوله: (وإن جنحوا للسلم فأجنح لها) (3) أي مالوا إليك لصلح فمل إليهم. وجناحا الطائر: يداه، ويدا الانسان: جناحاه. وجناحا العسكر جانباه، وجناحا الوادي: مجريان عن يمينه وشماله. وجنحت الابل في السير إذا أسرعت. وإنما قيل للاضلاع جوانح، لاعوجاجها. وجنحت السفينة إذا مالت في أحد شقيها. وكل مائل إلى شئ فقد جنح إليه (ولا جناح عليكم) أي ميل إلى مأثم. وكل ناحية: جناح، ومر جنح من الليل أي قطعة نحو نصفه. وأصل الباب الميل. والطواف: الدور حول البيت. ومنه الطائف: الدائر بالليل. والطائفة الجماعة كالحلقة
الدائرة. ويطوف أصله يتطوف، فادغمت التاء في الطاء، لانها من مخرجها، والطاء * (الهامش) * " 1 " البيان والتبين 3: 97 واللسان (سبب) (حجج) (زبرق) حل بالمكان حلولا: إذا نزل القوم به. يحجون يكثرون الاختلاف إليه (سب الزبرقان) الزبرقان بن بدر الفزاري وهو من سادات العرب. وقيل ان سب: است: وقيل عمامة. المزعفر المصبوغ بالزعفران. يقول يكثرون الذهاب إلى هذا الرجل الذي يصبغ عمامته، أو استه بالزعفران. وهذا هجأله. " 2 " اللسان (حجج) (لجف) وعجزه: فاست الطبيب قذاها كالمغاريد يحج: يزور أو يكشف. مأمومة: شجة في أم الرأس. في قعرها: في اقصاها. لجف: حفر. فاست: فميل. المغاريد: صمغ معروف يوضع على الجرح. يقول يرى شجة في أم الرأس يخاف من رؤيتها ويجزع، فيصفر من هولها. " 3 " سورة الانفال آية: 62. *
[ 44 ]
أقوى بالجهر منها. والفرق بين الطاعة والتطوع: ان الطاعة موافقة الارادة في الفريضة والنافلة. والتطوع التبرز بالنافلة خاصة. واصلها الطوع الذي هو الانقياد. المعنى: وإنما قال (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) وهو طاعة، من حيث أنه جواب لمن توهم أن فيه جناحا، لصنمين كانا عليه: احدهما إساف، والآخر نائلة، في قول الشعبي، وكثير من أهل العلم. وروى ذلك عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد، وكانت الاصنام على حالها حول الكعبة وقال قوم: سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما، فكره المسلمون ذلك خوفا أن يكون من أفعال الجاهلية، فانزل الله تعالى الآية. وقال قوم عكس ذلك:
أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون السعي بينهما، فظن قوم أن في الاسلام مثل ذلك، فأنزل الله تعالى الآية. وجملته أن في الآية ردا على جميع من كرهه، لاختلاف أسبابه. والطواف بينهما فرض عندنا في الحج والعمرة، وبه قال الحسن وعائشة وغيرهما، وهو مذهب الشافعي، وأصحابه. وقال أنس بن مالك، وروى عن ابن عباس: أنه تطوع وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، واختاره الجبائي. وعندنا ان من ترك الطواف بينهما متعمدا، فلا حج له حتى يعود فيسعى، وبه قالت عائشة، والشافعي. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والنوري: إن عاد، فحسن، وإلا جبره بدم، وقال عطا، ومجاهد يجزيه ولا شئ عليه. وقوله تعالى: (ومن تطوع خيرا) قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها " من تطوع خيرا " اي بالحج أو العمرة بعد الفريضة. الثاني - " ومن تطوع خيرا " أي بالطواف بهما عند من قال إنه نفل. الثالث - " من تطوع خيرا " بعد الفرائض، وهذا هو الاولى، لانه أعم. وفي الناس من قال: وهو الجبائي، وغيره: إن التقدير فلا جناح عليه ألا يطوف بهما كما قال: " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا وكما قال: " أن تقولوا يوم القيامة " (1). ومعناه الا تقولوا. * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 171. *
[ 45 ]
وقال آخرون: إن ذلك لا يجوز. وهو اختيار الرماني. وهو الصحيح، لان الحذف يحتاج إلى دليل. ومعنى القرائتين واحد لا يختلف. ووصف الله تعالى بأنه شاكر مجاز، لان الشاكر في الاصل هو المظهر للانعام، والله لا يلحقه المنافع، والمضار - تعالى عن ذلك. ومعناه هاهنا المجازي على الطاعة بالثواب، وخروج اللفظ مخرج التلفظ ؟ على الاحسان إليهم، كما قال " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " (1) والله لا يستقرض من عوز، لكن تلطف في الاستدعاء كأنه قال: من ذا الذي يعمل عمل المقرض، بأن ؟ فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت
فقره وحاجته إلى ذلك فكذلك، كأنه قال: " من تطوع خيرا فان الله " يعامله معاملة الشاكر، يحسن المجازاة، وايجاب المكافاة. والفرق بين التطوع والفرض أن الفرض يستحق بتركه الذم والعقاب، والتطوع لا يستحق بتركه الذم، ولاالعقاب. وروي عن جعفر بن محمد: أن آدم نزل على الصفا، وحواء على المروة، فسمى المرو باسم المرأة. قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (159) آية بلا خلاف. المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والحسن، وقتادة، السدي، * (الهامش) * (1) سورة البقرة آية: 245. *
[ 46 ]
واختاره الجبائي، وأكثر أهل العلم: انهم اليهود، والنصارى: مثل كعب بن الاشرف وكعب بن أسيد، وابن صوريا، وزيد بن تابوه، وغيرهم من علماء النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وآله، ونبوته: وهم يجدونه مكتوبا في التوراة والانجيل مبينا فيهما. والثاني - ذكر البلخي: أنه متناول لكل من كتم ما أنزل الله وهو أعم، لانه يدخل فيه أولئك وغيرهم، ويروى عن ابن عباس أن جماعة من الانصار سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة، فكتموهم اياه، فانزل الله عزوجل " إن الذين يكتمون " الآية. وإنما نزل فيهم هذا الوعيد، لان الله تعالى علم منهم الكتمان، وعموم الآية يدل: على أن كل من كتم شيئا من علوم الدين، وفعل مثل فعلهم في
عظم الجرم أو أعظم منه، فان الوعيد يلزمه، وأما ما كان دون ذلك، فلا يعلم بالآية بل بدليل آخر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار. وقال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وتلا " إن الذين يكتمون ما أنزل الله " الآية، فهذا تغليظ للحال في كتمان علوم الدين. وكتمان الشئ اخفاؤه مع الداعي إلى اظهاره، لانه لا يقال لمن أخفى مالا يدعوا إلى اظهاره داع: كاتم. والكتاب الذى عني هاهنا قيل التوارة. وقيل كل كتاب أنزله الله. وهو أليق بالعموم. وقال الزجاج: هو القرآن، واستدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخير الواحد من حيث أن الله تعالى توعد على كتمان ما أنزله، وقد بينا في اصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه، لان غاية ما في ذلك وجوب الاظهار، وليس إذا وجب الاظهار وجب القبول، كما أن على الشاهد الواحد يجب إقامة الشهادة وإن لم يجب على الحاكم قبول شهادته، حتى ينضم إليه ما يوجب الحكم بشهادته، وكذلك يجب على النبي صلى الله عليه وآله إظهار ما حمله، ولا يجب على أحد قبوله حتى يقترن به المعجز الدال على الصدق، ولذلك نظائر ذكرناها. على أن الله تعالى بين أن الوعيد انما توجه على من كتم ما هو بينة وهدى وهو الدليل، فمن أين أن خبر الواحد بهذه المنزلة، فإذا لادلالة في الآية على ما قالوه، والبينات والهدى هي الادلة
[ 47 ]
وهما بمعنى واحد، وإنما كرر لاختلاف لفظهما. وقيل: إنه اراد بالبينات الحجج الدالة على نبوته صلى الله عليه وآله وبالهدى إلى ما يؤديه إلى الخلق من الشرائع، فعلى هذا لا تكرار. اللغة: واللعن في الاصل الابعاد على وجه الطرد قال الشماخ: ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين (1)
أراد مقام الذئب اللعن. واللعين في الحكم: الابعاد - من رحمة الله - بايجاب العقوبة، فلا يجوز لعن ما لا يستحق العقوبة. وقول القائل: لعنه الله دعاء، كأنه قال: أبعده الله، فإذا لعن الله عبدا، فمعناه الاخبار بأنه أبعده من رحمته. المعنى: والمعني بقوله و (يلعنهم اللاعنون) قيل فيه أربعة أقوال: احدها - قال قتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وغيرهما: انهم الملائكة والمؤمنون - وهو الصحيح -، لقوله تعالى في وعيد الكفار (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين) (2) فلعنة اللاعنين كلعنة الكافرين. الثاني - قال مجاهد، وعكرمة: إنها دواب الارض، وهو انها تقول منعنا القطر لمعاصي بني آدم. الثالث - حكاه الفراء أنه كل شئ سوى الثقلين الانس والجن، رواه عن ابن عباس. الرابع - قاله ابن مسعود: أنه إذا تلاعن الرجلان رجعت اللعنة على المستحق لها، فان لم يستحقها واحد منهم رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. فان قيل: كيف يجوز على قول من قال: المراد به البهائم اللاعنون، وهل يجوز على قياس ذلك الذاهبون ؟ قلنا لما أضيف إليها فعل ما يعقل عوملت معاملة ما يعقل كما قال تعالى (والشمس والقمر رأيتهم لي * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 1: 343 من هذا الكتاب (2) سورة البقرة آية: 161 *
[ 48 ]
ساجدين) (1) فان قيل: كيف يجوز إضافة اللعن إلى مالا يعقل من البهيمه والجماد ؟ قيل: لامرين احدهما - لما فيه من الآية التي تدعوا إلى لعن من عمل بمصية الله. والثاني - أن تكون البهائم تقول على جهة الالهام لما فيه من الاعتبار. قوله تعالى:
" إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " (160) آية بلا خلاف. المعنى: استثنى الله تعالى في هذه الآية من جملة الذين يستحقون اللعنة من تاب، وأصلح، وبين. واختلفوا في معنى " بينوا " فقال أكثر المفسرين، كقتادة، وابن زيد، والبلخي، والجبائي، والرماني: إنهم بينوا ما كتموه من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وقال بعضهم: بينوا التوبة، وإصلاح السريرة بالاظهار لذلك. وإنما شرط مع التوبة الاصلاح، والبيان ليرتفع الايهام بأن التوبة مما سلف من الكتمان يكفي في ايجاب الثواب. ومعنى قوله تعالى (أتوب ؟) أقبل توبتهم. والاصل في أتوب أفعل التوبة إلا أنه لما وصل بحرف الاضافة دل على ان معناه أقبل التوبة، وإنما كان لفظه مشتركا بين فاعل التوبة، والقابل لها، للترغيب في صفة التوبة إذ وصف بها القابل لها، وهو الله وذلك من إنعام الله على عباده، لئلا يتوهم بما فيها من الدلالة على مقارفة الذنب أن الوصف بها عيب، فلذلك جعلت في أعلا صفات المدح، والتوبة هي الندم الذي يقع موقع التنصل من الشئ وذلك بالتحسر على موافقته، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة. واعتبر قوم المعاودة إلى مثله في القبح. وهو الاقوى. لاجماع الامة على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه. فان قيل: ما الفائدة في هذا الاخبار، وقد * (الهامش) * (1) سورة يوسف آية: 4. *
[ 49 ]
علمنا أن العبد متى تاب لابد أن يتوب الله عليه ؟ قلنا أما على مذهبنا، فله فائدة واضحة: وهو أن اسقاط العقاب عندها ليس بواجب عقلا، فإذا أخبر بذلك أفادنا ما لم نكن عالمين به، ومن خالف في ذلك قال: وجه ذلك أنه لما كانت توبة مقبولة وتوبة غير
مقبولة صحت الفائدة بالدلالة على أن هذه التوبة مقبولة. ومعنى قبول التوبة حصول الثواب عليها وإسقاط العقاب عندها. و (التواب) فيه مبالغة إما لكثرة ما يقبل التوبة وإما لانه لايرد تائبا منيبا أصلا. وقبول التوبة بمعنى اسقاط العقاب عندها، غير واجب عندنا عقلا. وإنما علم ذلك سمعا، وتفضلا، من الله تعالى على ما وعد به بالاجماع على ذلك. وقد بينا في شرح الجمل في الاصول أنه لا دلالة عقلية عليه، ووصفه نفسه بالرحيم عقيب قوله (التواب) دلالة على أن اسقاط العقاب عند التوبة تفضل منه ورحمة من جهته. ومن قال: إن الفعل الواجب نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب، والعوض، فانه لما كان منعما بالتكليف وبالا لام التي يستحق بها الاعواض، جاز أن يقال في الثواب والعوض أنه تفضل وإن كانا واجبين، فقوله باطل، لان ذلك إنما قلنا في الثواب للضرورة، وليس هاهنا ضرورة تدعو إلى ذلك. وإصلاح العمل هو إخلاصه له من قبيح يشوبه، والتبيين هو التعريض للعلم الذي يمكن به صحة التميز. الاعراب: وموضع الذين نصب على أنه استثناء من موجب. و (إلا) حقيقتها الاستثناء. ومعنى ذلك الاختصاص بالشئ دون غيره كقولك: جائني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجئ، وإذا قلت ما جاءني إلا زيد، فقد اختصصت زيدا بأنه جاء، وإذا قلت ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصته بهذه الحال دون غيرها من المشي والعدو، وما أشبه ذلك. قوله تعالى: " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة
[ 50 ]
الله والملائكة والناس أجمعين " " 161 " آية بلا خلاف.
المعنى: إن قبل: كيف يلعن الكافر كافرا مثله وهو الظاهر في قوله (والناس أجمعين) ؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أولها - أنه يلعنه الناس أجمعون يوم القيامة كما قال تعالى (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) (1) وهو قول ابي العالية. الثاني - قال السدي: انه لا يمتنع أحد من لعن الظالمين، فيدخل في ذلك لعن الكافر لانه ظالم. الثالث يرا ؟ به لعن المؤمنين خصوصا، ولم يعتد بغيرهم كما يقال: المؤمنون هم الناس، وهو قول قتادة والربيع، هذا إذا حمل على أن اللعن في دار الدنيا، لان من ؟ ؟ أهل ملة لا يلعن أهل ملة. القراءة: وحكي عن الحسن أنه قرأ " والملائكة " رفعا ويكون ذلك على حمله على معنى يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون. كما تقول: عجبت من ضرب زيد، وعمرو - بالرفع - وهذه قراءة شاذة لا يعول عليها لان المعتمد ما عليه الجمهور. ولا يجوز رفع " أجمعين " وحده هاهنا لان هذه اللفظة لا تكون إلا تابعة، وليس في الكلام مظهر ولا مضمر تتبعه على ذلك، وإنما الحمل على المعنى بمنزلة إعادة معنى العامل الاول، كأنك قلت: ويلعنهم الملائكة والناس أجمعون. المعنى: والكفر ما يستحق به العقاب الدائم عندنا، وعندمن خالفنا في دوام عقاب فساق أهل الصلاة انه ما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويتعلق به أحكام مخصوصة، * (الهامش) * (1) سورة العنكبوت آية: 25 *
[ 51 ]
وسواء كان الكفر في تشبيه الله تعالى بخلقه أو في تجريده في أفعاله أو الرد على النبي صلى الله عليه واله وسلم أوما كان أعظم منه في القبح. واللعنة: الابعاد من الرحمة على ما بيناه مع ايجاب العقوبة، ويجري ذلك من الناس على وجه الدعاء، ومن الله على وجه الحكم، وإنما قال: (وماتوا وهم كفار) وكل كافر، فهو ملعون في حال كفره وإن لم يكن ممن يوافي بالكفر للدلالة على خلودهم في النار إذا ماتوا على غير توبة، وقد دل على ذلك ما بينه في الآية الثالثة، وإنما أكد بأجمعين ليرتفع الاحتمال، والايهام قبل أن ينظر في تحقيق الاستدلال، ولهذا لم يجز الاخفش رأيت أحد الرجلين كليهما، وأجاز رأيتهما كليهما، لانك إذا ذكرت الحكم مقرونا بالدليل عليه، أزلت الايهام للفساد، وإذا ذكرته وحده فقد يتوهم عليك الغلط في المقصد بقولك: أحد الرجلين، لما ذكرت التثنية وذكرت أحدا كنت بمنزلة من ذكر الحكم، والدليل عليه فأما ذكر التثنية في رأيتهما، فبمنزلة ذكر الحكم وحده. وواحد الناس إنسان في في المعنى، فأما في اللفظ، فلا واحد له، وهو كنفر، ورهط مما يقال: إنه اسم للجمع. قوله تعالى: (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) " 162 " آية بلا خلاف. المعنى: والهاء في قوله " فيها " عائدة على اللعنة في قول الزجاج. وقال أبو العالية. هي عائدة إلى النار، ومعني قوله (ولا هم ينظرون) على قول ابي العالية رفع لايهام الاعتذار كما قال: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) (1) لئلا يتوهم أن التوبة والانابة هناك تنفع. والخلود في اللعنة يحتمل أمرين أحدهما - إستحقاق اللعنة بمعنى أنها تحق عليهم أبدا. والثاني - في عاقبة اللعنة: وهي النار التي لا تفنى، وإنما قال: (لا يخفف) * (الهامش) * (1) سورة المرسلات آية: 36 *
[ 52 ]
مع أنهم مخلدون، لان التخفيف قد يكون مع الخلود، بان يقل المعاون ما يفعل، فأراد الله أن يبين أنه يقع الخلود، ويرتفع التخفيف. الاعراب: وخالدين نصب على الحال من الهاء والميم في عليهم، كقولك: عليهم المال صاغرين، والعامل فيه الاستقرار في عليهم. اللغة: والخلود: اللزوم أبدا، والبقاء: الوجود وقتين فصاعدا، ولذلك لم يجز في صفات الله خالد، وجاز باق، ولذلك يقال: أخلد إلى قوله: أي لزم معنى ما أتى به، ومنه قوله تعالى (ولكنه أخلد إلى الارض) (1) أي مال إليها ميل اللازم لها، كأنه قبل الخلد فيها. والفرق بين الخلود والدوام أن الدوام: هو الوجود في الاول، ولا يزال. وإذا قيل دام المطر، فهو على المبالغة، وحقيقته لم يزل من وقت كذا إلى وقت كذا، والخلود هو اللزوم أبدا. والتخفيف: هو النقصان من المقدار الذي له اعتماد. والعذاب: الالم الذي له أمتداد. والانظار: الامهال قدر ما يقع النظر في الخلاص، واصل النظر الطلب، فالنظر بالعين: الطلب بالعين، وكذلك النظر بالقلب أو باليد أو بغيرها من الحواس، وتقول أنظر الثوب أين هو. والفرق بين العذاب والايلام ان الايلام قد يكون بجزء (2) من الالم في الوقت الواحد. والعذاب له استمرار من الالم في أوقات، ومنه العذب، لاستمراره في الحلق (3). والعذبة، لاستمرارها بالحركة (4). * (الهامش) * (1) سورة الاعراف آية: 175 (2) في المطبوعة (محز) (3) وفي مجمع البيان (ومنه العذاب لاستمراره بالخلق) والصحيح ما ذكره الشيخ، لان المقصود منه: عذوبة لماء ونحوه، ولا يكون ذلك الا في الحلق.
(4) العذبة التي تستمر بالحركة: خرقة النائحة. *
[ 53 ]
قوله تعالى: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " " 163 " آية بلا خلاف. المعنى: يوصف تعالى بأنه واحد على أربعة أوجه أولها - إنه ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام. الثاني - واحد في استحقاق العبادة. الثالث - واحد لا نظير له ولا شبيه. الرابع - واحد في الصفات التي يستحقها لنفسه، فهو قديم، وقادر لا يعجزه شئ، وعالم لا يخفى عليه شئ، فكل هذه الصفات يستحقها وحده، والواحد شئ لا ينقسم عددا كان أو غيره، ويجري على وجهين: على الحكم، وعلى جهة الوصف، فالحكم كقولك: الجزء واحد، والوصف كقولك: إنسان واحد، ودار واحدة. ومعنى إله أنه يحق له العبادة، وغلط الرماني، فقال: هو المستحق للعبادة، ولو كان كما قال لما كان تعالى إلها فيما لم يزل، لانه لم يفعل ما يستحق به العبادة. ومعنى ما قلناه: أنه قادر على ما إذا فعله استحق به العبادة. وقيل معنى إله انه منعم بما يستحق به العبادة، وهذا باطل لما قد بيناه، ولا يجوز أن يحيا أحد من الخلق بالالهية، لانه يستحيل ان يقدر أحد سوى الله على ما يستحق به العبادة من خلق الاجسام، والقدرة، والحياة، والشهوة، والنفاد، وكمال العقل، الحواس وغير ذلك، فلا تصح الآلهية الا له، لانه القادر على ما عددناه، والآية تتصل بما قبلها وبما بعدها، فاتصالها بما قبلها، كاتصال الحسنة بالسيئة، لتمحو أثرها، وتحذرمن مواقعتها، لانه لما ذكر الشرك، وأحكامه أتبع ذلك بذكر التوحيد وأحكامه، واتصالها بما بعدها كاتصال الحكم بالدلالة على صحته، لان ما ذكر في الآية التي بعدها حجة على صحة التوحيد.
فان قيل: كيف يتصل الوصف بالرحمة بما قبله ؟ قلنا، لان العبادة تستحق بالنعمة التي هي في أعلى مرتبة، ولذلك بولغ في الصفة بالرحمة، ليدل على هذا المعنى.
[ 54 ]
الاعراب: و (هو) في موضع رفع، ولا يجوز النصب، ورفعه على البدل من موضع (لا) مع الاسم، كقولك: لا رجل إلا زيد كأنك قلت: ليس إلا زيد - فيما تريد من المعنى - إذا لم يعتد بغيره، ولا يجوز النصب على قولك: ما قام احد إلا زيدا، لان البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني، والمعني ذلك، والنصب يدل على أن الاعتماد في الاخبار إنما هو على الاول، وقوله تعالى: (لا إله إلا هو) إثبات لله تعالى وحده وهو بمنزلة قولك: الله إله وحده، وإنما كان كذلك لانه القادر على ما يستحق به الالهية، ولا يدل على النفي في هذا الخبر من قبل أنه لم يدل على إله موجود، ولا معدوم سوى الله عزوجل، لكنه نقيض لقول من إدعى إلها مع الله. وإنما النفي إخبار بعدم شئ كما أن الاثبات إخبار بوجوده. قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون) (164) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: قرأنافع، وابن كثير، وابو عمرو، وابن عاصم، وابن عامر (الرياح) على الجمع. الباقون على التوحيد، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ولام.
المعنى: لما أخبر الله تعالى الكفار بأن إلههم إله واحد لا ثاني له، قالوا: ما الدلالة
[ 55 ]
على ذلك ؟ فقال الله عزوجل: (إن في خلق السماوات والارض) الآية إلى آخرها. ووجه الدلالة من الآية (أن في خلق السماوات والارض) يدل على أن لها خالق، لا يشبهها ولا تشبهه، لانه لا يقدر على خلق الاجسام إلا القديم القادر لنفسه الذي ليس بجسم، ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولابد له من محدث ليس بمحدث، لاستحالة التسلسل. وأما (الليل والنهار)، فيدلان على عالم مدبرمن جهة أنه فعل محكم، متقن، واقع على نظام واحد، وترتيب واحد، لايدخل شيئا من ذلك تفاوت، ولا اختلاف. وأما (الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) فتدل على منعم دبر ذلك لمنافع خلقه، ليس من جنس البشر، ولا من قبيل الاجسام، لان الاجسام يتعذر عليها فعل ذلك. وأما الماء الذي ينزل من السماء، فيدل على منعم به يقدر على التصريف فيما يشاء من الامور، لا يعجزه شئ. وأما (إحياء الارض بعد موتها)، فيدل على الانعام بما يحتاج إليه العباد. وإحياؤها: إخراج النبات منها، وأنواع الثمار (وبث فيها من كل دابة) دال على ان لها صانعا مخالفا لها منعما بأنواع النعم. (وتصريف الرياح) يدل على الاقتدار على ما لا يتأتى من العباد ولو حرصوا كل الحرص، واجتهدوا كل الاجتهاد، لانه إذا ذهبت جنوبا مثلا، فاجتمع جميع الخلق على أن يقلبوها شمالا أو صبا أو دبورا، لما قدروا على ذلك، ولا تمكنوا على رده من الجهة التي يجئ منها. وأما (السحاب المسخر) فيدل على أنه يمسكه القديم، والذي لاشبه له ولا
نظير، لانه لا يقدر على تسكين الاجسام الثقال بغير علاقة ولا دعامة إلا الله تعالى، وكذلك لا يقدر على تسكين الارض كذلك إلا القادر لنفسه،، فهي تدل على صانع غير مصنوع قديم لا يشبهه شئ، قادر لا يعجزه شئ، عالم لا يخفى عليه شئ، حي لا يموت واحد ليس كمثله شي، سميع بصير (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات
[ 56 ]
ولا في الارض) (1) لان صفات النقص لا ؟ عليه تعالى. ويدل على أنه منعم بما لا يقدر غيره على الانعام بمثله (2)، أنه يستحق بذلك العبادة دون غيره. اللغة: والخلق هو الاحداث للشئ على تقدير من غيراحتذاء على مثال، ولذلك لا يجوز إطلاقه إلا في صفات الله، لانه ليس أحد - جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء على مثال - إلا الله تعالى. وقد استعمل الخلق بمعنى المخلوق كما استعمل الرضى بمعنى المرضى، وهو بمنزلة المصدر، وليس معنى المصدر معنى المخلوق، واختلف أهل العلم فيه إذا كان بمعنى المصدر، فقال قوم: هو الارادة له. وقال آخرون: إنما هو على معنى مقدر، كقولك: وجود وعدم، وحدوث وقدم، وهذه الاسماء تدل على مسمى مقدر للبيان عن المعاني المختلفة وإلا فالمعنى بما هو الموصوف في الحقيقة. وإنما جمعت السماوات ووحدت الارض، لانه لما ذكرت السماء بأنها سبع في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات) (3) وقوله: (خلق سبع سموات) (4) جمع لئلا يوهم التوحيد معنى الواحدة من هذه السبع. وقد دل مع ذلك قوله (ومن الارض مثلهن) (5) على معنى السبع، ولكنه لم يجر على جهة الافصاح بالتفصيل في اللفظ. ووجه آخر: وهو أن الارض لتشاكلها تشبه الجنس الواحد، كالرجل، والماء الذي لا يجوز جمعه إلا أن يراد الاختلاف، وليس تجري السماوات مجرى الجنس، لانه دبر في كل سماء أمرها. والتدبير الذي هو حقها.
وفي اشتقاق قوله (واختلاف الليل والنهار) قولان: احدهما - من الخلف، لان كل واحد منهما يخلف صاحبه على وجه المعاقبة له. والثاني - من اختلاف الجنس كاختلاف السواد والبياض، لان أحدهما لا يسد مسد الآخر في الادراك. والمختلفان مالا يسد أحدهما مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته. * (الهامش) * " 1 " سورة سبأ آية: 3 " 2 " في المطهوعة (لمثله) " 3 " سورة البقرة آية: 29 " 4 " سورة الطلاق آية 12، وسورة الملك آية: 3 " 5 " سورة الطلاق آية: 12 *
[ 57 ]
والنهار: إتساع الضياء، وأصله الاتساع، ومنه قول الشاعر: (1) ملكت بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها (2) أي أوسعت، ويصلح ان يكون من النهر أي جعله كالنهر. والنهر أوسع مجاري الماء، فهو أوسع من الجدول، والساقية. وإنما جمعت الليلة، ولم يجمع النهار لان النهار بمنزلة المصدر، كقولك: الضياء، يقع على الكثير والقليل، فأما الليلة، فمخرجها مخرج الواحد من الليل على أنه قد جاء جمعه على وجه الشذوذ. قال الشاعر: لولا الثريدان هلكنا بالضمر * ثريد ليل وثريد بالنهر (3) والفلك: السفن يقع على الواحد، والجمع بلفظ واحد، ومنه قوله: (في الفلك المشحون) (4) ومنه (واصنع الفلك بأعيننا) (5) والفلك: فلك السماء. قال الله تعالى: (كل في فلك يسبحون) (6). وكل مستدير فلك، والجمع أفلاك وقال صاحب العين: قيل: اسم للدوران خاصة. وقيل: بل اسم لاطواق سبعة فيها النجوم. وفلكت الجارية إذا استدار ثديها. والفلكة: فلكة المغزل معروف. وفلكة الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلا يرضع. واصل الباب الدور، والفلك السفينة لانها تدور بالماء أسهل دور. وإنما جعل الفلك للواحد، والجمع بلفظ واحد، لان فعل وفعل (7) يشتركان كثيرا: العرب، والعرب، والعجم، والعجم، والبخل والبخل.
* (الهامش) * " 1 " هو قيس بن الخطيم. " 2 " اللسان (نهر) ملكت: شددت وقو ؟. أنهرت فتقها: وسعته حتى جعلته نهرا. يصف طعنة، فشبهها اولا بالنهر ثم شبهها بالنافذة بقوله: يرى قائم..) وهذا في غاية المبالغة. " 3 " اللسان (نهر)، وتهذيب الالفاظ: 422، والمخصص 9: 51. ورواية اللسان، والمخصص " لمثنا " بدل " لهلكنا ". الضمر - بضم الميم، وسكونها - الهزال، ولحاق البطن، والضمر هنا: الحوع، لان المعنى لولا ثريد الليل وثريد النهار لمتنا جوعا. والثريد: خبز ؟ في ماء اللحم وغيره. " 4 " سورة يس آية: 41 " 5 " سورة هود آية: 37 " 6 " سورة الانبياء آية: 33، وسورة يس آية 40 " 7 " فعل الاولى - بفتح الفاء والعين - والثانية - بضم الفاء وسكون العين -، وكذلك كل ما مثل به من الكلمات المتفقة في المادة في هذه الموضع. *
[ 58 ]
ومن قال في أسد: أسد. قال في فلك: فلك، فجمعه على فعل. وإنما أنث الفلك إذا أريد به الجمع، كقولك: السفن التي تجرى في البحر. وقوله: (وما أنزل الله من السماء) يعني من نحو السماء عند جميع المفسرين. وقال قوم: السماء تقع على السحاب، لان كل شئ علا فوق شئ، فهو سماء له. فان قيل: هل السحاب بخارات تصعد من الارض ؟ قلنا ذلك جائز لا يقطع به، ولا مانع ايضا من صحته من دليل عقل، ولاسمع. والسماء: السقف، فسماء البيت سقفه قال تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) (1) فالسماء المعروفة سقف الارض. وأصل الباب السمو: وهو العلو. والسماء: الطبقة العالية على الطبقة السافلة إلا أنها صارت بمنزلة الصفة على السماء المعروفة: وهي التي من أجل السمو كانت عالية على الطبقة السافلة. والارض الطبقة السافلة. يقال: أرض البيت وأرض الغرفة، فهو سماء لما تحته من الطبقة،
وارض لما فوقه، وقد صار الاسم كالعلم على الارض المعروفة. وإنما يقع على غيرها بالاضافة. والليل هو الظلام المعاقب للنهار. وقد يقال لما لا يصل إليه ضوء الشمس: هو الليل وإن كان النهار موجودا. والبحر: هو الخرق الواسع الماء الذي يزيد على سعة النهر. والمنفعة: هي اللذة، والسرور وما أدى إليهما. أو إلى كل واحد منهما. والنفع، والخير، والحظ نظائر، وقد تكون المنفعة بالالام إذا أذت إلى لذات. والاحياء: فعل الحياة. وحياة الارض: عمارتها بالنبات، وموتها إخرابها بالجفاف الذي يمتنع معه النبات. والبث: التفريق، وكل شئ بثثته، ؟ فرقته، ومنه قوله تعالى: (كالفراش المبثوث) (2)، وتقول: انبث الجراد في الارض، وتقول: بثثته سري، وابثثته إذا أطلعته عليه. والبث: ما يجده (3) الرجل من كرب، أو غم في نفسه، ومنه قوله: (أشكون بثي وحزني إلى الله) (4). وأصل الباب التقريق. وقال صاحب العين: كل شئ مما خلق الله يسمى دابة مما يدب، وصار بالعرف ؟ * (الهامش) * " 1 " سورة الانبياء آية: 32 " 2 " سورة القارعة آية: 4 " 3 " في المطبوعة " ما يمجده " " 4 " سورة يوسف آية: 86 *
[ 59 ]
لما يركب، ويقولون للبرذون: دابة وتصغيرها دويبة. ودب النمل يدب دبيبه. ودب الشراب بالانسان دبيبا. ودب القوم إلى العدو أي مشوا على هيئتهم لم يشرعوا. والدبابة تتخذ في الحروب، ثم يدفع إلى أصل حصن فينقبون وهم في جوف الدبابة (1) والدب: نوع من السباع، والانثى دبه. والدبة لزوم حال الرجل في فعاله. ركب فلان دبة فلان، وأخذ بدبته أي عمل بعمله. وقوله تعالى: (وتصريف الرياح) التصريف والتقليب والتسليك نظائر. وتصريف الرياح تصرفها من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، وكذلك تصرف
الخيول، والسيول، والامور. وصرف الدهر تقلبه، والجمع صروف. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته. وقال بعضهم: لا يسمى صريفا حتى يتصرف به الضرع. والصريف صريف الفحل بنابه حتى يسمع لذلك صوت، وكذلك صريف البكرة. وعنز صارف: إذا أرادت الفحل. والصرف: صبغ أحمر، قال الاصمعي: هو الذي يصبغ به الشرك. والصرف: فضل الدرهم على الدرهم في الجودة. وكذلك بيع الذهب بالفضة، ومنه اشتق إسم الصير في، لتصريفه أحدهما في الاخر. والصرف: النافلة. والعدل: الفريضة. والصرفة: منزل من منازل القمر: كوكب إذا طلع قدام الفجر، فهو أول الخريف، وإذا غاب من طلوع الفجر، فذاك أول الربيع. والصرف: الشراب غير ممزوج. والصرفان تمر معروف، أوزنه وأجوده. وأصل الباب: القلب عن الشئ. والسحاب: مشتق من السحب وهو حرك الشئ على وجه الارض، تسحبه سحبا كما تسحب المرأة ذيلها، وكما تسحب الريح التراب، وسمي السحاب سحابا، لا نسحابه في السماء وكل منجر منسحب. والتسخير، والتذليل، والتمهيد نظائر. تقول: سخر الله لفلان كذا إذا سهله له، كما سخر الرياح لسليمان. وسخرت الرجل تسخيرا إذا اضطهدته، فكلفته عملا بلا أجرة. وهي السخرة، وسخر منه إذا استهزأ به، قال الله تعالى (فيسخرون) * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " دابة " *
[ 60 ]
منهم سخر الله منهم) (1) وقال (فاتخذتموهم سخريا) (2) من الاستهزاء، وسخريا من تسخير الحول وما اشبهه. واصل الباب: التسخير: التذليل. المعنى: وقيل في تصريف الرياح قولان: احدهما - هبوبها شمالا وجنوبا وصبا ودبورا. والثاني - قيل مجيؤها بالرحمة مرة وبالعذاب أخرى. وهو قول قتادة.
وقوله: (لقوم يعقلون) فيه قولان: احدهما - أنه عام لمن استدل به، ومن لم يستدل من العقلاء. والثاني - أنه خاص لمن استدل به كما قال: (إنما أنت منذر من يخشاها) (3) وكما قال (هدى للمتقين) (4) لما كانوا هم الذين اهتدوا بها وخشوا عند مجيئه أضيف إليهم وإنما أضيفت الايات إلى العقلاء لامرين: أحدهما - لانها نصبت لهم. والثاني - لانها لا يصح أن يستدل بها سواهم. اللغة: قال ابو زيد: قال ؟: الرياح أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور. فأما الشمال عن يمين القبلة والجنوب عن شمالها والصبا والدبور متقابلتان، فالصبا من قبل المشرق والدبور من قبل المغرب وإذا جائت الريح بين الصبا، والشمال، فهي النكباء التي لا يختلف فيها. والتي بين الجنوب والصبا، فهي الجريباء، وروى ابن الاعرابي عن الاصمعي، وغيره: ان الرياح اربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور. قال ابن الاعرابي: كل ريح بين ريحين، فهي نكباء. قال الاصمعي: إذا انحرفت واحدة منهن، فهي نكباء، وجمعها نكب. فاما مهبهن، فان ابن الاعرابي قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل، والجنوب، والدبور لهما هيف ولطيف: الريح الحارة، والصبا، والشمال: لاهيف لهما. وقال * (الهامش) * " 1 " سورة التوبة آية: 80 " 2 " سورة المؤمنون آية: 111 " 3 " سورة النازعات آية: 45 " 4 " سورة البقرة آية: 2 *
[ 61 ]
الاصمعي: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر: جنوب. وما بان انهما هما، يستقبلهما من الغرب: شمال، وما جاء من وارء البيت الحرام فهو دبور، وما جاء قبالة ذلك، فهو صبا. وتسمى الصبا قبولا، لانها تستقبل الدبور، وتسمى الجنوب الازيب،
والنعامى. وتسمى الشمال محوة ولا تصرف، لانها تمحوا السحاب وتسمى الجريباء، وتسمى مسعا، وتسعا. وتسمى الجنوب اللاقح. والشمال حائلا، وتسمى ايضا عقيما، وتسمى الصبا عقيما ايضا. قال الله تعالى: " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العفيم " (1) وهي التي لا تلقح السحاب. والذاريات التي تذروا التراب ذروا. ومن قرأ بلفظ الجمع، فلان كل واحدة من هذه الرياح مثل الاخرى في دلالتها على التوحيد وتسخيرها لنفع الناس. ومن وحد أراد به الجنس كما قالوا أهلك الناس الدينار، والدرهم. قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب. (165) آية بلا خلاف القراءة: قرأ نافع وابن عامر، وأبو جعفر من طريق النهرواني " ولو ترى " بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ أبو جعفر، ويعقوب " إن القوة لله، وإن الله " بكسر الهمزة فيهما. الباقون بفتحهما. وقرأ ابن عامر وحده " إذ يرون " بضم الياء. والباقون بفتحها. اللغة: الانداد، والامثال، والاشباه نظائر، والانداد (2) واحدها ند. وقيل * (الهامش) * " 1 " سورة الذاريات آية: 41. " 2 " في المطبوعة (الانداد) ساقطة. *
[ 62 ]
الاضداد. وأصل الند المثل المناوي والمراد به هنا قال قتادة، والربيع، ومجاهد،
وابن زيد، وأكثر المفسرين آلهتهم التي كانوا يعبدونها. وقال السدي: رؤساؤهم الذين يطيعونهم طاعة الارباب من الرجال. وقوله تعالى " يحبونهم " فالمحبة هي الارادة إلا ان فيها حذفا، وليس ذلك في الارادة فإذا قلت: أحب زيدا معناه أريد منافعه أو مدحه، وإذا أحب الله تعالى عبدا فمعناه أنه يريد ثوابه وتعظيمه، وإذا قال: أحب الله معناه أريد طاعته واتباع أوامره، ولا يقال: أريد زيدا، ولا أريد الله ولا إن الله يريد المؤمن، فاعتيد الحذف في المحبة، ولم يعتد في الارادة. وفي الناس من قال: المحبة ليست من جنس الارادة، بل هي من جنس ميل الطبع، كما تقولون: أحب ولدي أي يميل طبعي إليه، وذلك مجاز، بدلالة أنهم يقولون: أحببت أن أفعل بمعنى أردت أن أفعل. وضد الحب البغض. وتقول: أحبه حبا، وتحبب تحببا، وحببه تحبيبا، وتحابا تحابا. والمحبة: الحب. والحب واحده حبة من بر، أو شعير، أو عنب. أو ما أشبه ذلك. والحبة بزور البقل. وحبة القلب ثمرته. والحب: الجرة الضخمة. والحب القرط من حبة واحدة. وحباب الماء: فقاقيعه. والحباب الحبة. وأحب البعير إحبابا: إذا برك، فلا يثور، كالحران في الخيل، قال أبو عبيدة: ومنه قوله تعالى " أحببت حب الخير عن ذكر أبي " (1) أي لصقت بالارض لحب الخير، حتى تأتيني الصلاة. وأصل الباب: الحب ضد البغض. المعنى: وقوله: " كحب الله " قيل في هذه الاضافة ثلاثة أقوال: أحدها - كحبكم الله. والثاني - كحبهم الله. والثالث - كحب الله الواجب عليهم لا الواقع منهم، كما قال الشاعر: فلست مسلما ما دمت حيا * على زيد بتسليم الامير (2) * (الهامش) * " 1 " سورة ص آية: 32. " 2 " البيان والتبيين 4: 51، ومعاني القرآن للفراء 1: 100، وأمالي الشريف المرتضى 1: 215. ولم نعرف قائله. *
[ 63 ]
أي مثل تسليمي على الامير. فان قيل: كيف يحب المشرك - الذي لا يعرف الله - شيئا كحبه لله ؟ قلنا من قال: إن الكفار يعرفون الله قال: كحبه لله. ومن قال: هم لا يعرفون الله - على من يقوله أصحاب الموافاة - قال: معناه كحب المؤمنين لله أو كالحب الواجب عليهم. وقوله تعالى: " والذين آمنوا أشد حبا لله " قيل في معناه قولان: أحدهما - " أشد حبا لله " للاخلاص له من الاشراك به والثاني - لانهم عبدوا من يملك الضر والنفع، والثواب، والعقاب، فهم أشد حبا لله بذلك ممن عبد الاوثان. الاعراب: ويجوز فتح " أن " من ثلاثة أوجه، وكسرها من ثلاثة أوجه - مع القراءة بالياء -: أولها - يجوز فتحها بايقاع الفعل عليها بمعنى المصدر. وتقديره " لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب " قوة الله وشدة عذابه. الثاني - أن يفتح على حذف اللام كقولك: لان القوة لله. الثالث - على تقدير لرأوا أن القوة لله، على الاتصال بما حذف من الجواب. والاول من الكسر على الاستئناف. الثاني - على الحكاية مما حذف من الجواب كأنه قيل: لقالوا إن القوة لله جميعا. الثالث - على الاتصال مما حذف من الحال، كقولك: يقولون: إن القوة لله. ومن قرأ بالتاء، يجوز ايضا في الفتح ثلاثة أوجه. وفي الكسر ثلاثة أوجه: أول الفتح - على البدل، كقولك: ولو ترى الذين ظلموا أن القوة لله عليهم، وهو معنى قول الفراء. الثاني - لان القوة لله. الثالث - أرأيت أن القوة لله. قال
أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء لا يجوز أن تنصب أن إلا بالفعل المحذوف - في الجواب. وأما البدل فلا يجوز، لانها ليست " الذين ظلموا " ولا بعضهم ولا مشتملة
[ 64 ]
عليهم، هذا إن جعل الرؤية من رؤية البصر. وإن جعلها من رؤية القلب، فلا يجوز ايضا، لان المفعول الثاني في هذا الباب هو الاول في المعنى: وقوله تعالى: " إن القوة لله " لا يكون الذين ظلموا، فلم يبق بعد ذلك إلا أنه ينتصب بفعل محذوف. والكسر مع التاء مثل الكسر مع الياء. واختار الفراء - مع الياء - الفتح، ومع التاء الكسر، لان الرؤية قد وقعت على الذين، وجواب لو محذوف، كأنه قيل: لرأوا مضرة اتخاذهم للانداد، ولرأوا أمرا عظيما لا يحصر بالاوهام. وحذف الجواب، يدل على المبالغة، كقولك: لو رأيت السياط تأخذ فلانا. والضمير في قوله " يتخذ " عائد على لفظ من. وفي قوله يحبونهم على معنى من، لان من مبهم، فمرة يحمل الكلام منها على اللفظ، وأخرى على المعنى، كما قال: " ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا " (1) - بالتاء، والياء - حملا لمن على اللفظ والمعنى. واتصلت الاية بما قبلها اتصال انكار، كأنه قال: أبعد هذا البيان والادلة القاهرة على وحدانيته، يتخذون الانداد من دون الله. ومن قرأ قوله " ولو ترى " - بالتاء - جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به غيره، كما قال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (2). والذين على هذا في موضع نصب. ومن قرأ بالياء يكون الذين في موضع رفع بأنهم الفاعلون. وقوله " جميعا " نصب على الحال، كأنه قيل: إن القوة لله ثابتة لله في حال اجتماعها. وهي صفة مبالغة بمعنى إذا رأوا مقدورات الله فيما تقدم الوعيد به، علموا أن الله قادر لا يعجزه شئ.
والشدة قوة العقد، وهو ضد الرخاوة. والقوة والقدرة واحد. و (ترى) في قوله تعالى: " ولو ترى " من رؤية العين بدلالة أنها تعدت إلى مفعول واحد، لان التقدير ولو ترون أن القوة لله جميعا أي ولو يرى الكفار ذلك. * (الهامش) * " 1 " سورة الاحزاب آية: 31. " 2 " سورة الاطلاق آية: 1 *
[ 65 ]
ومن قرأ - بالتاء - يقوى انها المتعدية إلى مفعول واحد، ويدل على ذلك ايضا قوله " إذ يرون العذاب "، وقوله: " وإذا رأى الذين ظلموا العذاب " " فلا يخفف عنهم "، فتعدى إلى مفعول واحد. فان قيل: كيف قال: " ولو يرى الذين ظلموا " وهو أمر مستقبل، وإذ لما مضى ؟ قيل: إنما جاء على لفظ المضي لارادة التقريب في ذلك، كما جاء " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " (1) وعلى هذا جاء في هذا المعنى أمثلة الماضي كقوله: " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة " (2). هكذا ذكره أبو علي الفارسي قال: وعلى هذا المعنى جاء في " مواضع كثيرة في القرآن، كقوله تعالى " ولو ترى إذ وقفوا على ربهم " (3) " ولو ترى إذ وقفوا على النار " (4) " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم " (5) " ولو ترى إذ فزعوا، فلا فوق " (6) " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " (7). كذلك هذه الاية. قوله تعالى: إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب (166) آية واحدة بلا خلاف الاعراب واللغة: العامل في (إذ) قوله تعالى: " وإن الله شديد العقاب إذ تبرأ الذين " كأنه قيل وقت تبرأوا.
والتبرء: التباعد للعداوة، فإذا قيل تبرأ الله من المشركين معناه باعدهم من رحمته، وكذلك إذا تبرء الرسول منهم معناه باعدهم - للعداوة - عن منازل من * (الهامش) * " 1 " سورة النحل آية: 77. (2) سورة الاعراف آية: 50. (3) سورة الانعام آية: 30. (4) سورة الانعام آية: 27. (5) سورة سبأ آية: 31. (6) سورة سبأ آية: 51. (7) سورة الانفال آية: 51. *
[ 66 ]
لا يحب له الكراهة. والتبرء في أصل اللغة، والتزيل، والتقصي نظائر. وضد التبرء التولي. والاتباع: طلب الاتفاق في مكان، أو مقال، أو فعال، فإذا قيل اتبعه ليلحقه، فمعناه ليتفق معه في المكان، وإذا تبعه في مذهبه أو في سيره أو غير ذلك من الاحوال، فمعناه طلب الاتفاق. و " اتبعوا " ظمت الالف فيه لضمة الثالث، وضمة الثالث لما لم يسم فاعله، لانه إنما يضم له أول المتحرك من الفعل فيما بني عليه، والف الوصل لا يعتد به، لانه وصلة إلى التكلم بالساكن فإذا اتصل بمتحرك، استغني عنه. المعنى: والمعني بقوله: " الذين اتبعوا " رؤساء الضلالة من الانس. وقال قوم: هم من الجن. وقيل: من الجميع. والاول - قول قتادة، والربيع، عطا. والثاني - قول السدي. وقوله تعالى: " وتقطعت بهم الاسباب " فالتقطع: التباعد بعد الاتصال. والسبب: الوصلة إلى التعذر بما يصلح من الطلب. ومعنى الاسباب هاهنا. قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وقتادة، والربيع، وفي رواية عن ابن عباس: هي
الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها. الثاني - روي عن ابن عباس: أنها الارحام التي كانوا يتقاطعون بها. الثالث - قال ابن زيد: الاعمال التي كانوا يوصلونها. وقال الجبائي: نقطعت بهم اسباب: النجاة. اللغة: والسبب: الحبل. والسبب: ما تسببت به من رحم، أو يد، أو دين. ومنه قوله: " فليرتقوا في الاسباب " (1). تقول العرب. إذا كان الرجل ذا دين: * (الهامش) * (1) سورة ص آية: 10 *
[ 67 ]
ارتقا في الاسباب. والسب: الشتم. والسب: القطع. والسب: الشقة البيضاء من الثياب، وهي السبيبة (1)، ومضت سبة من الدهر أي ملاوة. والسب: الوتد. والسبابة: ما بنى الوسطى والابهام. والتسبب: التوصل إلى ما هو منقطع عنك. ويقال: تسبب يتسبب تسببا، واستبوا استبابا، وسبب تسبيبا، وسابه ؟. قوله تعالى: وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرء منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) آية بلا خلاف. المعنى: المعني بقوله: " وقال الذين اتبعوا " هم الذين تبرءوا منهم: ساداتهم الذين اتبعوهم " لو أن لنا ؟ " يعني رجعة إلى دار الدنيا، قال الاخطل: ولقد عطفن على فزارة عطفة * كر المنيح وجلن ؟ مجالا (2) فالعامل في " لو أن " محذوف، كأنه قال: لو صح أن لنا كرة، لان (لو) في
التمني، وغيره تطلب الفعل. وإن شئت قدرته: لو ثبت أن لنا كرة. اللغة: والكر نقيض الفر تقول: كر يكر كرا، وكرة، وتكرر تكررا، وكرر * (الهامش) * " 1 " وفي لسان العرب (سبب) السب، والسبيبة: الشقة، وخص بعضهم به الشقة البيضاء. " 2 " ديوانه: 48، ونقائض جرير والاخطل: 79. في المطبوعة (المسيح) بدل (المنيح) وفي الديوان (قدارة) بدل (فزاره). وفزارة: ابن ذبيان بن ؟. والمنيح: قدح لاحظ له في الميسر. والمنيح اسم رجل من بني أسد من بني مالك. ومعنى البيت: لقد ها جمناهم في الحرب بشدة ومراس مثل ما يهاجم المنيح. *
[ 68 ]
تكريرا، وتكرارا. والكرة والفرة متقابلان. والكر والرجع والفتل نظائر في اللغة قال صاحب العين: الكر الرجوع عن الشئ ومنه التكرار. والكر الحبل الغليظ. وقيل: الشديد الفتل. والكرير صوت في الحلق. والكرير: نهر. والكرة: سبرقين وتراب، يدق، ويجلا به الدروع. وقوله " فنتبرء منهم " فالتبرء والانفصال واحد، ومنه برئ من مرضه: إذا انفصل منه بالعافية. ومنه برئ من الدين براءة. وبرئ الله من الخلق. الاعراب: وانتصب " فنتبرء " على أنه جواب التمني - بالفاء - كأنه قال: لو كان لنا كرة فتبرءا (1) وكلما عطف للفعل على تأويل المصدر، نصب باضمار (أن). ولا يجوز اظهارها. المعنى: وقوله: " كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات " وذلك لانقطاع الرجاء من
كل واحد منهما. قيل ايضا: كما أراهم العذاب يريهم أعمالهم حسرات عليهم. وذلك، لانهم أيقنوا بالهلاك في كل واحد منهما. والعامل في الكاف يريهم. والاعمال التي يرونها حسرات قيل فيها ثلاثة أقوال: أحدها - المعاصي يتحسرون عليها لم عملوها. الثاني - الطاعات يتحسرون عليها لم لم يعملوها، وكيف ضيعوها، ومثله " زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون " (2) أي أعمالهم التي فرضناها عليهم، أو ند بناهم إليها. * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة نسختين احداهما نفس الآية، وهذا لا يجوز مع قوله كأنه، لان التشبيه يقتضي التغاير بين المشبه، والمشبه به حتى يكون بينهما اثنينية، والنسخة الثانية (كان لنا كرة ورفنتبرأ) وهذه ليس فيه معنى محصل، فلابد أن تكون خطأ، وفى مجمع البيان (ليت لنا كرورا فتبروءا) وبدل على صحة ما أثبتنا تتمة الجملة. والمخطوطة هنا ناقصة بعض الاوراق. " 2 " سورة النمل آية: 4. *
[ 69 ]
وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: هو الرجل يكتسب المال، ولا يعمل فيه خيرا، فيرثه من يعمل فيه عملا صالحا، فيرى الاول ما كسبه حسرة في ميزان غيره فان قيل: لو جاز أن تضاف الاعمال التي رغبوا فيها، ولم يفعلوها بأنها أعمالهم لجاز أن يقال: الجنة دارهم وحور العين أزواجهم لانهم عرضوا لها ! قلنا لا يجب ذلك، لانا إنما حملنا على ذلك للضرورة. ولو سمى الله تعالى الجنة بأنها دارهم لتأولنا ذلك، ولكن لم يثبت ذلك، فلا يقاس على غيره. الثالث - الثواب، فان الله تعالى يريهم مقادير الثواب التي عرضهم لها لو فعلوا الطاعات فيتحسرون عليه - لم فرطوا فيه - والقول الاول قول الربيع، وابن زيد، واختيار الجبائي، وأحد قولي البلخي. والثاني قول عبد الله، والسدي، وأحد قولي البلخي. وهو كما تقول الانسان أقبل على عملك وأعقدت عليه عملا
قلت في عملك، والذي أقوله: ان الكلام يحتمل أمرين: فلا ينبغي أن يقطع على واحد منهما إلا بدليل إلا ان الاول أقوى، لانه الحقيقة. والله أعلم بمراده. اللغة: والحسرات: جمع الحسرة، وهي أشد من الندامة. والفرق بينهما وبين الارادة ان الحسرة تتعلق بالماضي خاصه، والارادة تتعلق بالمستقبل، لان الحسرة انما هي على ما فات بوقوعه أو يتقضي وقته. وانما حركت السين، لانه اسم على فعلة اوسطه ليس من حروف العلة، ولو كان صفة لقلت: صعبات فلم يحرك، وكذلك جوزات وبيضات. وانما حرك الاسم، لانه على خلاف الجمع السالم، إذ كان كان انما يستحقه ما يعقل. والحسرة والندامة نظائر، وهي نقيض الغبطة. وتقول: حسرت العمامة عن رأسي إذا كشفتها. وحسر عن ذراعيه حسرا، وانحسر انحسارا، وحسرة تحسيرا. والحاسر في الخرب الذي لا درع عليه، ولا مغفر. وحسر يحسر حسرة وحسرا: إذا كمد على الشئ الفائت (1)، وتلهف عليه. وحسرت الناقة حسورا: إذا أعيت. * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة (إذا كمل على الشئ الغايب) وهو تحريف. *
[ 70 ]
وحسر البصر إذا كل عن البصر: والمحسرة: المكنسة. والطير يتحسر: إذا خرج من ريشه العتيق إلى الحديث. وأصل الباب الحسر: الكشف. وفي الاية دلالة على انه كان فيهم قدرة على البراءة منهم، لانهم لو لم يكونوا قادرين لم يجز أن يتحسروا على ما فات، كمالايتحسر الانسان لم لم يصعد إلى السماء، ولا من كونه في الارض. قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا
خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ نافع، وأبو عمر، وحمزة، وخلف، وأبو بكر إلا البرجمي، والبزي إلا ابن مرج والربيبي إلا الولي " خطوات " بسكون الطاء حيث وقع. والباقون بضمها. اللغة: الاكل: هو البلع عن مضغ، وبلع الحصا ليس بأكل في الحقيقة، وقد قيل: النعام يأكل الخمر، فأجروه مجرى فلان يأكل الطعام. ويقال: مضغه ولم يأكله. والحلال: هو الجائز من أفعال العباد، مأخوذ من أنه طلق، لم يعقد بحظر. والمباح هو الحلال بعينه، وليس كل حسن حلالا، لان أفعاله تعالى حسنة ولا يقال: انها حلال، إذا لحلال اطلاق في الفعل لمن يجوز عليه المنع. وتقول: حل يحل حلالا، وحل يحل حلولا، وحل العقد حلا، وأحله إحلالا، واستحل استحلالا، وتحلل تحللا واحتل احتلا، وتحالوا تحالا، وحاله محالة، وحللة تحليلا، وانحل انحلالا، وحل العقد يحله حلا، وكل جامد أذبته فقد حللته، وحل بالمكان إذا نزل به، وحل الدين محلا، وأحل من إحرامه وحل، والحل: الحلال. ومن قرأ " يحلل " معناه ينزل ومن قرأ " يحل " معناه يجب، وحلت عليه العقوبة أي وجبت. والحلال الجدي الذي يشق عن بطن
[ 71 ]
أمه، وتحلة اليمين، منه قول الشاعر: (1) تحفي التراب بأضلاف ثمانية * في أربع مسهن الارض تحليل (2) أي هين. والحليل، والحليلة: الزوج والمرأة سميا بذلك، لانهما يحلان في موضع واحد. والحلة: أزار، ورداء برد، وغيره. لا يقال حلة حتى يكون ثوبين. والاحليل مخرج اللبن من الضبي، والفرس، وخلف الناقة، وغيرها، وهو مخرج البول من الذكر. وأصل الباب: الحل نقيض العقد، ومنه أحل من إحرامه، لانه
حل عقد الاحرام بالخروج منه. وتحلة اليمين أخذ اقل القليل، لان عقدة اليمين تنحل به. والطيب: هو الخالص من شائب ينغص، وهو على ثلاثة أقسام: الطيب المستلذ، والطيب الجائز، والطيب الطاهر، كقوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (3) أي طاهرا. والاصل واحد، وهو المستلذ إلا أنه يوصف به الطاهر، والجائر تشبيها إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع، كالذي تكرهه النفس في الصرف عنه، وما تدعوا إليه بخلاف ذلك. وتقول: طاب طيبا، واستطاب استطابة، وطايبه مطايبة، وتطيب تطيبا، وتطيبه تطييبا، والطيب: الحلال والنضيف، والطهور، من الطيب. وأصل الباب: الطيب خلاف الخبيث. والخطوة: بعد ما بين قدمي الماشي. والخطوة المرة من الخطو: وهو نقل قدم الماشي. وتقول: خطوة، وخطوة واحدة. والاسم: الخطوة، وجمعها خطى، وقوله تعالى: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا آثاره ولا تقتدوا به. وأصل الباب الخطو: نقل القدم قدما. والعدو: المباعد عن الخير إلى الشر. والولي نقيضه. * (الهامش) * " 1 " هو عبدة بن الطبيب. " 2 " اللسان (حلل) في المطبوعة (خفي) بدل (تحفي) والاصلاب بدل (الاضلاف) " 3 " سورة النساء آية: 42، وسورة المائدة آية: 7. *
[ 72 ]
المعنى: وإنما قال: " حلالا طيبا " فجمع الوصفين، لاختلاف الفائدتين: إذ وصفه بأنه حلال يفيد بأنه طلق. ووصفه بانه طيب مفيد أنه مستلذ إما في العاجل وإما في الاجل. و " خطوات الشيطان " هاهنا قيل فيه خمسة أقوال: فقال ابن عباس:
أعماله. وقال مجاهد، وقتادة: خطاياه، وقال السدي: طاعتكم إياه. وقال الخليل: ايثاره. وقال قوم: هي النذور في المعاصي. وقال الجبائي: ما يتخطى بكم إليه بالامر والترغيب. وروي أن هذه الاية نزلت، لما حرم أهل الجاهلية من ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج من الانعام، والحرث: البحيرة والسائبة والوصيلة، فنهى الله تعالى عما كانوا يفعلونه، وأمر المؤمنين بخلافه. والاذن في الحلال يدل على حظر الحرام على اختلاف ضرور به، وأنواعه، فحملها على العموم أولى. والمآكل، والمنافع في الاصل للناس فيها ثلاثة أقوال: فقال قوم: هي على الحظر. وقال آخرون: هي على الاباحة. وقال قوم: هي على الوقف. وحكي الرماني: أن فيهم من قال: بعضها على الحظر، وبعضها على الاباحة. قد بينا ما عندنا في ذلك في أصول الفقه إلا أن هذه الاية دالة على إباحة المآكل إلا ما دل الدليل على حظره. (1) وقوله: " انه لكم عدو مبين " في وصف الشيطان معناه أنه مظهر العداوة بما يدعوا إليه من خلاف الطاعة لله التي فيها النجاة من الهلاك، والفوز بالجنة. قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون (169) آية واحدة بلا خلاف. اللغة: الامر من الشيطان هو دعاؤه إلى الفعل، فأما الامر في اللغة، فهو قول * (الهامش) * " 1 " كل لفظة حظر في الاسطر المتقدمة فانها في المطبوعة " خطر ". والمخطوطة ناقصة في هذا الموضع. والصحيح مأثبتناه لمقابلته بالحلال. *
[ 73 ]
القائل لمن هو دونه: إفعل. وإذا كان فوقه سمي ذلك دعاء، ومسألة. وهل يقتضي الامر الايجاب، أو الندب، ذكرناه في أصول الفقه، فلا نطول بذكره هاهنا.
والسوء: كل فعل قبيح يزجر عنه العقل أو الشرع، ويسمى ما تنفر عنه النفس سوء، تقول: ساءني كذا يسوءني سوء. وقيل إنما سمي القبيح سوء، لسوء عاقبته، لانه يلتذ به في العاجل، ولا يخلوا المكلف من الزجر عن القبيح إما عقلا، أو شرعا، ولو خلا منه لكان معرى بالقبيح، وذلك لا يجوز. والسوء في الاية قيل فيه قولان: قال السدي: هو المعاصي. وقال غيره: ما يسوء الفاعل: يعني ما يضره. والمعنى قريب من الاول، والاول هو الصحيح. والفحشاء: هو العظيم القبح في الفعل، وكذلك الفاحشة. وقيل المراد به: الزنا من الفجور، عن السدي. والفحشاء: مصدر فحش فحشا، كقولك: ضره ضرا وسره سراء وسرا. والفحشاء، والفاحشة، والقبيحة، والسيئة نظائر، ونقيضها الحسنة. تقول: فحش فحشا، وافحش إفحاشا، وتفاحش تفاحشا، وفحش تفحيشا، واستفحش استفحاشا، وكل من تجاوز قدره فهو فاحش. وأفحش الرجل: إذا قال فحشا، وكل شئ لم يكن موافقا للحق، فهو فاحشة. قال الله تعالى: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " (1) يعني بذلك خروجها من بيتها بغير إذن زوجها المطلق لها. وقال تعالى " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " (2) والقول: كلام له عبارة تنبئ عن الحكاية، وذلك ككلام زيد، يمكن أن يأتي عمرو بعبارة عنه تنبئ عن الحكاية له فيقول: قال زيد كذا وكذا، فيكون قوله: قال زيد، يؤذن أنه يحكى بعده كلام، وليس كذلك إذا قال: تكلم زيد لانه لا يؤذن بالحكاية. والعلم: ما اقتضى سكون النفس. قيل: هو تبين الشئ على ما هو به للمدرك له. * (الهامش) * (1) سورة الطلاق آية: 1. (2) سورة النحل آية: 90. *
[ 74 ]
المعنى: فان قيل: كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نراه، ولا نسمع كلامه ! قلنا: لما كان الواحد منا يجد من نفسه معنى الامر بما يجد من الدعاء إلى المعصية، والمنازعة في الخطيئة، وكان ما نجده من نفوسنا من الدعاء والاغواء إنما هو بأمر الشيطان الذي دلنا الله عليه، وحذرنا منه، صح إخبار الله بذلك. فان قيل: إذا كان الله عزوجل يوصل معنى أمره لنا إلى نفوسنا، فما وجه ذلك في الحكمة، وهو لو أمر من غير إيصال معنى الامر لم يكن في ذلك مضرة ؟ قلنا. في ذلك أكبر النعمة لان التكليف لا يصح إلا مع منازعة إلى الشئ المنهي عنه، فكان ذلك من قبل عدو، يحذزه، أولى من أن يكون المنازعة من قبل ولي يستنصحه. وفي ذلك المصلحة لنا بالتعريض للثواب الذي يستحقه بالمخالفة له، والطاعة لله تعالى، كما أن في خلقه مصلحة من هذه الجهة، وإذا كان إنما أفهمنا ذلك لنجتنبه، فهو كتعليم شبهة ملحد، لنعلم حلها وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: إن المعارف ضرورة، لانها لو كانت ضرورة، لما جاز أن يدعوهم إلى خلافها، كما لا يدعوهم إلى خلاف ماهم مضطرون إليه من أن السماء فوقهم، والارض تحتهم، وما جرى مجراه مما يعلم ضرورة لان الدعاء إلى ذلك يجري مجرى الدعاء إلى خلق الاجسام، وبعث الاموات، لايدخل تحت مقدور القدرة. وقد استدل نفاة القياس، والقول بالاجتهاد بهذه الاية بأن قالوا: القول بالاجتهاد والقياس قول بغير علم، وقد نهى الله عن ذلك فيجب أن يكون ذلك محظورا، ومذهبنا وإن كان المنع من القول بالاجتهاد، فليس في هذه الاية دلالة على ذلك، لان للخصم أن يقول: إذا دلني الله تعالى على العمل بالاجتهاد، فلا أعمل أنا به إلا بالعلم، ويجري ذلك ؟ وجوب العمل عند شهادة الشاهدين، والعمل بقول المقومين في أروش الجنايات وقيم المتلفات، وجهات القبلة، وغير ذلك
من الاشياء التي هي واقعة على الظن شرط، والعمل واقف على الدليل الموجب للعلم
[ 75 ]
عنده، فلا يكون في الآية دلالة على ذلك. وقد بينا ما نعتمده في بطلان القول بالاجتهاد والرأي - في أصول الفقه - فلا وجه لذكره هاهنا. قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) آية واحدة بلا خلاف. ألفينا، وصادفنا، ووجدنا بمعنى واحد، والاب، والوالد واحد. الاعراب: وقوله تعالى: " أولو كان " هي واو العطف، دخلت عليها حرف الاستفهام، والمراد بها التوبيخ والتقريع، فهي ألف التوبيخ. ومثل هذه الالف (1) " أثم إذا ما وقع " (2) و " أفلم يسيروا في الارض " (3). وانما جعلت ألف الاستفهام للتوبيخ، لانه يقتضي ما الاقرار به فضيحة عليه، كما يقتضي الاستفهام الاخبار، مما يحتاج إليه. المعنى: والمعنى: إنهم يقولون، هذا القول " وإن كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ". والفرق بين دخول الواو، وسقوطها في مثل هذا الكلام، أنك إذا قلت: اتبعه ولو ضرك، فمعناه اتبعه على كل حال ولو ضرك، وليس كذلك إذا قال: اتبعه لو ضرك، لان هذا خاص، والاول عام، فانما دخلت الواو لهذا المعنى. * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة (الواو).
" 2 " سورة يونس آية: 51. " 3 " سورة يوسف آية: 109، وسورة الحج آية: 46، وسورة المؤمن آية 82، وسورة محمد آية: 10. *
[ 76 ]
ومعنى قوله: " لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " يحتمل شيئين: أحدهما - لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون إليه. والثاني - على الشتم والذم، كما يقال: هو أعمى إذا كان لا يبصر طريق الحق - على الذم - هذا قول البلخي. والاول قول الجبائي. وفي الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، لانها دلت على أنهم كانوا على ضلال في الاعتقاد. والضمير في قوله: " هم " قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه يعود على (من) في قوله: " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ". والثاني - انه يعود على (الناس) من " يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا " فعدل عن المخاطبة إلى الغيبة، كما قال تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ". (1) الثالث - انه يعود على الكفار، إذ جرى ذكرهم، ويصلح أن يعود إليهم وإن لم يجر ذكرهم، لان الضمير يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور. وقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله دعا اليهود من أهل الكتاب إلى الاسلام، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله عزوجل " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله " الآية. و " وألفينا " في الآية معناه وجدنا - في قول قتادة - قال الشاعر: (2)
فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا (3) * (الهامش) * " 1 " سورة يونس آية: 22 " 2 " هو أبو الأسود الدؤلي. " 3 " ديوانه: 49، والاغاني 107 11، وشرح شواهد المغنى: 31، واللسان (عتب) وهو من أبيات قالها في امرأة كان يجلس إليها بالبصرة، فقالت له: هل لك أن تتزوجني، فاني امرأة صناع الكف، حسنة التدبير قانعة بالميسور، فتزوجها ثم وجدها على خلاف ما قالت، فخانته وأسرعت في ماله، وأفشت ؟، فردها إلى أهلها، وأنشد الابيات، فقالوا: بلى والله يا أبا الاسود، فقال: هذه صاحبتكم، واني أحب أن أسترما أفكرت من أمرها، ثم سلمها إليهم. *
[ 77 ]
والاتباع: طلب الاتفاق في المقال أو الفعال. أما في المقال، فإذا دعا إلى شئ استجيب له. وأما في الفعال، فإذا فعل شيئا، فعلت مثله. والعقل مجموعة علوم بها يتمكن من الاستدلال بالشاهد على الغائب. وقال قوم: هو قوة في النفس يمكن بها ذلك. والاهتداء الاصابة لطريق الحق بالعلم. وفي الآية حجة عليهم من حيث أنهم إذا جاز لهم أن يتبعوا آباءهم فيما لا يدرون أحق هو أم باطل، فلم لا يجوز اتباعهم مع العلم بأنهم مبطلون. وهذا في غاية البطلان. وفيها دلالة على فساد التقليد، لان الله تعالى ذمهم على تقليد آبائهم، ووبخهم على ذلك. ولو جاز التقليد لم يتوجه إليهم توبيخ، ولا لوم، والامر بخلافه. قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) آية بلا خلاف. المعنى: التشبيه في هذه الآية يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل:
أحدها - وهو أحسنها وأقربها إلى الفهم، وأكثرها في باب الفائدة - ما قاله أكثر المفسرين كابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، واختاره الزجاج، والفراء، والطبري، والجبائي، والرماني، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) إن مثل الذين كفروا في دعائك إياهم، " كمثل الذين ينعق " أي الناعق في دعائه. المنعوق به من البهائم التي لا تفهم كالابل، والبقر، والغنم، لانها لا تعقل ما يقال لها، وانما تسمع الصوت. والحذف في مثل هذا حسن. كقولك لمن هو سئ الفهم: أنت كالحمار، وزيد كالاسد: أي في الشجاعة، لان المعنى في أحد الشيئين أظهر، فيشبه بالآخر ليظهر بظهوره، وهذا باب حسن البيان. الثاني - حكاه البلخي، وغيره: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من
[ 78 ]
الاوثان كمثل الناعق في دعائه مالا يسمع، بتعالى، وما جرى مجراه من الكلام، وذلك أن البهائم لا تفهم الكلام، وإن سمعت النداء، والدعاء، وأقصى أحوال الاصنام أن تكون كالبهائم في أنها لا تفهم، فإذا كان لا يشكل عليهم أن من دعا البهائم بما ذكرناه جاهل، فهم في دعائهم الحجارة أولى بالجهل وصفة الذم. الثالث - قال ابن زيد: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلتهم كمثل الناعق في دعائه الصدى في الجبل، وما أشبهه، لانه لا يسمع منه إلا دعاء ونداء، لانه إذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، فيتخيل إليه أن مجيبا أجابه، وليس هناك شئ، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة، فكذلك يخيل إلى المشركين أن دعاءهم للاصنام يستجاب، وليس لذلك حقيقة، ولا فائدة. وإنما رجحنا الوجه الاول، لما بيناه من حسن الكلام، ولانه مطابق للسبب الذي قيل: إنها نزلت في اليهود، فانهم لم يكونوا يعبدون الاصنام، ولا يليق بهم الوجه الثاني، فإذا ثبت ذلك، ففيه ثلاثة أوجه من الحذف:
أولها - " ومثل الذين كفروا " في دعائك لهم كمثل الناعق في دعائه المنعوق به. والثاني - " ومثل الذين كفروا " في دعائهم الاوثان كمثل الناعق في دعائه الانعام. الثالث - مثل وعظ الذين كفروا كمثل نعق الناعق بما لا يسمع، وهذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه كقول الشاعر: (1) وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل (2) والتقدير على مخافة وعل. فان قيل: كيف قوبل الذين كفروا - وهم المنعوق به - بالناعق، ولما تقابل المنعوق به بالمنعوق به - في ترتيب الكلام - أو الناعق بالناعق ؟ قيل للدلالة على تضمين الكلام تشبيه اثنين باثنين: الداعي للايمان للمدعو * (الهامش) * " 1 " هو نابغة بني ذبيان. " 2 " ديوانه: 90، واللسان (خوف)، ومجاز القرآن: 65، وأمالي الشريف المرتضى 1: 202، 216. الوعل: تيس الجبل يتحصن بوزره من الصياد. (ذى المطار) - بفتح الميم -: اسم جبل. وعاقل: قد عقل في رأس الجبل. في المطبوعة (لقد) بدل (وقد) ورواية اللسان (بذى) بدل (في ذي). *
[ 79 ]
من الكفار بالداعي إلى المراد للمدعو من الانعام، فلما أريد الايجاز أبقي ما يدل على ما ألقي، فأبقي في الاول ذكر المدعو، وفي الثاني ذكر الداعي، ولو رتب على ما قال السائل، لبطل هذا المعنى. وزعم أبو عبيدة، والفراء: أنه يجري مجرى المقلوب الذي يوضع فيه كلمة مكان كلمة، كأنه وضع الناعق مكان المنعوق به، وأنشد: كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم (1) والمعنى كما كان الرجم فريضة الزناء، وكما يقال: أدخلت القلنسوة في رأسي، وإنما هو أدخلت رأسي في القلنسوة قال الشاعر: إن سراجا لكريم مفخره * تحلى به العين إذا ما تجهره (2)
والمعنى يحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. والاقوى أن يكون الامر على ما بيناه من المعنى الذي دعا إلى الخلاف في الحذف، ليدل بما بقي على ما ألقي. اللغة: قال صاحب العين: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقا إذا صاح بها زجرا، ونعق الغراب نعاقا، ونعيقا إذا صاح. والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء: رجلها اليسرى ومنكبها الايمن، وهو الذي يسمى الهنعة، وهما أضوء كوكبين في الجوزاء. وأصل الباب الصياح، والنداء: مصدر نادى مناداة، ونداء، وتنادوا تناديا، وندى تندية، وتندى تنديا. والنداء، والدعاء، والسوآل نظائر، قال صاحب العين: الندى له وجوه من المعنى: ندى الماء، وندى الخير، وندى الشر، وندى الصوت، وندى الخصر. فأما ندى الماء فمنه ندى المطر، أصابه ندى من طل، ويوم ندى، فأرض ندية. والمصدر منه الندوة، والندى ما أصابه من البلل، وندى الخير هو المعروف، تقول: أندى علينا فلان ندى كثيرا، وإن يده لندية بالمعروف، وندى * (الهامش) * " 1 " البيت للنابغة الجعدي. اللسان (زنا)، وأمالي الشريف المرتضى 1: 216، ومعاني القرآن للفراء 1: 99، 131. " 2 " اللسان (حلا). وأمالي الشريف المرتضى 1: 216. في المطبوعة (لجلاله) بدل (تحلا به). تجهره: تنظر إليه نظرة اعجاب وتقدير. *
[ 80 ]
الصوت: بعد مذهبه، وندى الخصر: صحة جريه، واشتق النداء في الصوت من ندى ناداه أي دعاه بأرفع صوته: ناداه به. والندوة الاجتماع في النادي، وهو المجلس، ندى القوم يندون ندوا إذا اجتمعوا، ومنه دار الندوة، وأصل الباب لندى: البلل، وندى الجود كندى الغيث. المعنى:
ومعنى " صم بكم عمي فهم لا يعقلون " أي صم عن إستماع الحجة، بكم عن التكلم بها، عمي عن الابصار لها، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي. والاعمي: من في بصره آفة تمنعه من الرؤية. والاصم: من كان في آلة سمعه آفة تمنعه من السمع. والابكم: من كان في لسانه آفة تمنعه من الكلام. وقيل: إنه يولد كذلك، والخرس قد يكون لعرض يتجدد. وأجاز الفراء النصب في " صم " على الذم، والاجود الرفع على ما عليه القراء، وتقديره هم صم. وفيها دلالة على بطلان قول من زعم: أنهم لا يستطيعون سمعا على الحقيقة، لانه لا خلاف أنهم لم يكونوا صما لم يسمعوا الاصوات، وانما هو كما قال الشاعر: أصم عما ساءه سميع (1) وفيها دلالة على بطلان قول من قال: إن المعرفة ضرورة، لانهم لو كانوا عالمين ضرورة لما استحقوا هذه الصفة. وقال عطا: نزلت هذه الآية في اليهود، ومعنى ينعق يصوت قال الاخطل: فانعق بضأنك يا جرير فانما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا (2) والدعاء: طلب الفعل من المدعو، والاولى أن يعتبر فيه الرتبة، وهو أن * (الهامش) * " 1 " اللسان (صمم)، (سمع). " 2 " ديوانه: 50، ونقائض حرير والاخطل: 81، واللسان (نعق) وطبقات فحول الشعراء 429، ومجاز القرآن: 64، يقول: انما أنت زاعي غنم وليس لك حظ في هذا الامر الذي منتك نفسك به، فارجع إلى غنمك، فأمرها وانهاها، واترك الحرب، وانشاد الشعر. *
[ 81 ]
يكون فوق الداعي. والسمع: إدراك الصوت. والمثل: قول سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الاول.
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) آية بلا خلاف. المعنى: هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، وقد بينا أن المؤمن هو المصدق بما وجب عليه،، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح، وغيرها، لان الايمان لا ينفي الفسق - عندنا -. وعند المعتزلة: إنه خطاب لمجتنبي الكبائر، وإنما يدخل فيه الفساق على طريق التبع، والتغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث في قولك: الاماء والعبيد جاوزني، وقد بينا فيما تقدم أن أفعال الجوارح لا تسمى إيمانا - عند أكثر المرجئة، وأكثر أصحابنا - وإن بعضهم يسمي ذلك إيمانا، لما رووه عن الرضا (ع). وإيمان مأخوذ من أمان العقاب - عند من قال: إنه تناول مجتنبي الكبائر - وعند الاخرين من أمان الخطأ، في الاعتقاد الواجب عليه. وفي المخالفين من يجعل الطاعات الواجبات، والنوافل من الايمان. وفيهم من يجعل الواجبات فقط إيمانا، ويسمي النوافل إيمانا مجازا. وقوله " كلوا " ظاهره ظاهر الامر، والمراد به الاباحة، والتخيير، لان الاكل ليس بواجب إلا أنه متى أراد الاكل، فلا يجوز أن يأكل إلا من الحلال الطيب، ومتى كان الوقت وقت الحاجة فانه محمول على ظاهره في باب الامر: سواء قلنا: إنه يقتضي الايجاب أو الندب. وفي الآية دلالة على النهي عن أكل الخبيث - في قول البلخي، وغيره - كأنه قيل: كلوا من الطيب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال، لكان ذلك
[ 82 ]
دالا على حظر الحرام - وهذا صحيح فيما له ضد قبيح مفهوم. فأما غير ذلك،
فلا يدل على قبح ضده، لان قول القائل، كل من زيد، لا يدل على أن المراد تحريم ما عداه، لانه قد يكون الغرض البيان لهذا خاصه، والاخر موقوف على بيان آخر، وليس كذلك ما ضده قبيح، لانه قد يكون من البيان تقبيح ضده. والطيبات قد منا معناها فيما تقدم، وأن المراد بذلك الخالص من شائب ينغص، وإن كان لا يخلو شئ من شائب، لكنه لا يعتد به في الوصف بأنه حلال طيب، ولو كان في الطعام ما ينغصه لجاز وصفه بأنه ليس بطيب. والرزق قد بينا فيما مضى: أنه ماللحي الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد منعه منه. وقوله: " واشكروا لله " فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ويكون ذلك عن وجهين: (1) أحدهما - الاعتراف بالنعمة - متى ذكرها - للمنعم بالاعتقاد لها. الثاني - الطاعة بحسب جلالة النعمة، فالاول لازم في كل حال من أحوال الذكر، والثاني إنما يلزم في الحال التي يحتاج فيها إلى القيام بالحق، واقتضى ذكر الشكر هاهنا ما تقدم ذكره من الانعام في جعل الطيب من الرزق، للانتفاع، واستدفاع المضار، وذكر الشرط هاهنا إنما هو وجه المظاهرة في الحجاج ولما فيه من حسن البيان دون أن يكون ذلك شرطا في وجوب الشكر، وتلخيص الكلام إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب عليكم بأنه محسن اليكم. وأما العبادة، فهي ضرب من الشكر، لانها غاية ليس وارءها شكر، ويقترن به ضرب من الخضوع. ولا يستحق العبادة إلا الله، لانها تستحق باصول النعم من الحياة، والقدرة، والشهوة، والنفاد، وأنواع المنافع، وبقدر من النفع لا يواريه * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة هنا تكرير الوجه الاول كله والظاهر أنه تسطير من الناسخ وانما حذفناه لعدم وجوده في المخطوطة ولا في مجمع البيان. لان مجمع البيان ناقل المطلب بحذافيره،
ولم يكرر. *
[ 83 ]
نعمة منعم، فلذلك اختص الله تعالى باستحقافها. قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) آية بلا خلاف. القراء: قرأ نافع وابن عامر، وابن كثير، والكسائي - بضم نون - " فمن اضطر " الباقون بكسرها. اللغة والاعراب: لفظة إنما تفيد إثبات الشئ، ونفي ما سواه كقول الشاعر: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (1) ومعناه لا يدافع غيري، وغير من هو مثلي، وهو قول الزجاج، والفراء، والرماني، والطبري، وأكثر أهل التأويل. وإنما كانت لا ثبات الشئ، ونفي ما سواء، من قبل أنها لما كانت (إن) للتأكيد، ثم ضم إليها (ما) للتأكيد ايضا، أكدت (إن) من جهة التحقيق للشئ، وأكدت (ما) من جهة نفي ما عداه، فكأنك إذا قلت: إني بشر، فالمعنى أنا بشر على الحقيقة، فإذا قلت: إنما أنا بشر، فقد ضممت إلى هذا القول ما أنا إلا بشر. وتقدير قوله تعالى: " إنما حرم عليكم الميتة " ما حرم عليكم إلا الميتة. ولو كانت (ما) بمعني الذي، لكتبت مفصولة (2)، ومثله قوله تعالى: " إنما الله * (الهامش) * " 1 " قائله الفرزدق، تلخيص المفتاح أو مختصر المعاني للتفتزاني (باب القصر) وهو:
أنا الذائد الحامي الديار وانما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي " 2 " في المطبوعة (مفعوله). *
[ 84 ]
إله واحد " (1) أي لا إله إلا واحد، مثله " إنما أنت منذر " (2) أي لا نذير إلا أنت (3) ومثله إنما ضربت أخاك أي ما ضربت إلا أخاك. فإذا ثبت ذلك، فلا يجوز في الميتة إلا النصب، لان (ما) كافة (4) ومعناه تحريم الميتة، وتحليل المذكى، ولو كانت ما بمعنى الذي، لكان يجوز في الميتة الرفع. والفرق بين الميت، والميتة قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو عمرو: ما كان قد مات، فهو بالتخفيف مثل " يخرج الحي من الميت " (5). وما لم يمت بالتثقيل كقوله تعالى: " إنك ميت وإنهم ميتون " (6). ووجه ذلك أن التثقيل لما كان هو الاصل كان أقوى على التصريف في معنى الحاضر والمستقبل. و (الثاني) قال قوم: المعنى واحد، وانما التخفيف لثقل الياء على الكسرة، قال الشاعر: (7) ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء (8) فجمع بين اللغتين: * (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية: 17. " 2 " سورة الرعد آية: 8. " 3 " هكذا في النسخ كلها وفي مجمع البيان ايضا، والصحيح (ما أنت الا منذر) وهو من باب قصر الموصوف على الصفة، وهو الذي يقتضيه المقام، وعبارة المتن من باب قصر الصفة على الموصوف. " 4 " في المطبوعة (كأنه) بدل (كافة) ومعنى كافة: أي قد كفت (ان) عن المعمل
بالجملة التي بعدها، وإذا كانت (ان) مكفوفة تعين نصب (الميتة) ب (حرم)، وإذا كانت ان عاملة في الجملة تكون " ما " اسم موصول بمعنى الذي، وهي اسم " ان ". والميتة خبر " ان " فيتعين الرفع على هذا التقدير كما يتعين النصب على الاول. " 5 " سورة الانعام آية: 95. وسورة يونس آية: 31 وسورة الروم آية: 19. " 6 " سورة الزمر آية: 30. " 7 " هو عدي بن الرعلاء. " 8 " اللسان " ميت " وشرح شواهد المغني: 138. ومعجم الشعراء: 253. وغيرها كثير. *
[ 85 ]
المعنى: قوله: " وما أهل به لغير الله " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الربيع، وابن زيد، وغيرهما من أهل التأويل: معناه ذكر غير اسم الله عليه. والثاني - قال قتادة، ومجاهد: ما ذبح لغير الله. اللغة: والاهلال على الذبح: هو رفع الصوت بالتسمية، وكان المشركون يسمون الاوثان، والمسلمون يسمون الله. ويقال: انهل المطر انهلالا وهو شدة انصبابه، وتهلل السحاب ببرقه أي تلالا، وتهلل وجهه إذا تلالا، وتهلل الرجل فرحا. والهلال غرة القمر، لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته بالتكبير، والمحرم يتهلل بالاحرام، وهو أن يرفع صوته بالتلبية، ويهلل الرجل: يكبر إذا نظر إلى الهلال. وهلل البعير تهليلا إذا تقوس كتقوس الهلال، وسمي به الذكر، لان الهلال ذكر. وثوب هل أي رقيق مشبه بالهلال في رقته. والتهليل: الفزع. واستهل الصبي إذا
بكي حين يولد. والهلال: الحية الذكر، لانه يتقوس، وسمي به الذكر، لان الهلال ذكر. " فمن اضطر " من كسر النون فلا لتقاء الساكنين، ومن ضمها أتبع الضمة الضمة في الطاء. وقرأ أبو جعفر بكسر الطاء. والاضطرار: كل فعل لا يمكن المفعول به الامتناع منه، وذلك كالجوع الذي يحدث للانسان، ولا يمكنه الامتناع منه. والفرق بين الاضطرار، والالجاء أن الالجاء تتوفر معه الدواعي إلى الفعل من جهة الضر أو النفع، وليس كذلك الاضطرار. وأكثر المفسرين على أن المراد في الآية المجاعة. وقال مجاهد: ضرورة إكراه. والاولى أن يكون محمولا على العموم إلا ما خصه الدليل.
[ 86 ]
" ولحم الخنزير " قال صاحب العين يقال: رجل لحم إذا كان أكول اللحم. وبيت لحم: يكثر فيه اللحم. وألحمت القوم إذا قتلتهم وصاروا لحما. والملحمة: الحرب ذات القتل الشديد. واستلحم الطريق إذا اتسع. واللحمة: قرابة النسب. واللحمة ما يسد به بين السديين من الثوب. واللحام: ما يلحم به صدع ذهب أو فضة أو حديد حتى يلتحما، ويلتئما. وكل شئ كان متباينا ثم تلاءم، فقد التحم. وشجة متلاحمة إذا بلغة اللحم. وأصل الباب اللزوم، فمنه اللحم للزومه بعضه بعضا. المعنى: وقوله: " غير باع ولا عاد " قيل في معناه ثلاثة أقوال أولها - " غير باغ " اللذة " ولا عاد " سد الجوعة وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد. والثاني - ما حكاه الزجاج " غير باغ " في الافراط " ولاعاد " في التقصير. والثالث - " غير باغ " على إمام المسلمين " ولا عاد " بالمعصية طريق
المحقين، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع) قال الرماني: وهذا القول لا يسوغ، لانه تعالى لم يبح لاحد قتل نفسه بل حظر عليه ذلك، والتعريض للقتل قتل في حكم الدين، ولان الرخصة إنما كانت لاجل المجاعة المتلفة، لا لاجل الخروج في طاعة، وفعل إباحة. وهذا الذي ذكره غير صحيح لان من بغى على إمام عادل فأدى ذلك إلى تلفه، فهو المعرض نفسه للقتل، كما لو قتل في المعركة، فانه المهلك لها، فلا يجوز لذلك استباحة ما حرم الله، كما لا يجوز له أن يستبقي نفسه بقتل غيره من المسلمين، وما قاله من أن الرخصة لمكان المجاعة، لا يسلم إطلاقه، بل يقال: إنما ذلك للمجاعة التي لم يكن هو المعرض نفسه لها، فأما إذا عرض نفسه لها، فلا يجوز له استباحة المحرم، كما قلنا في قتل نفس الغير، ليدفع عن نفسه القتل. وأصل البغي: الطلب من قولهم: بغى الرجل حاجته يبغيها بغا قال الشاعر:
[ 87 ]
لا يمنعنك من بغا * الخير تعقاد التمائم (1) إن الاشائم كالايا * من والايا من كالاشائم (2) والبغاء: طلب الزنا. وإنما اقتضى ذكر المغفرة هاهنا أحد أمرين: أحدهما - النهي عما كانوا عليه من تحريم ما لم يحرمه الله من السائبة، والوصيلة، والحام، فوعد الله بالمغفرة عند التوبة، والانابة إلى طاعة الله فيما أباحه أو حظره. الثاني - إذا كان يغفر المعصية، فهو لايوآخذ بها، جعل فيه الرخصة، ولا يجوز أن يقع في موضع غير (إلا) لانها بمعني النفي هاهنا، ولذلك عطف عليها ب (لا) لانها في موضع (لا). فأما (إلا) فمعناها في الاصل الاختصاص لبعض من كل، وليس هاهنا كل يصلح أن يحض منه. " غير باغ " منصوب على الحال وتقديره لا باغيا، ولا عاديا. والقدر المباح من الميتة عند الضرورة ما يمسك الرمق
فقط - عندنا - وفيه خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء. قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) آية بلا خلاف. المعنى: المعني بهذه الآية أهل الكتاب باجماع المفسرين إلا أنها متوجهة - على قول كثير منهم - إلى جماعة قليلة منهم، وهو علماؤهم الذين يجوز على مثلهم كتمان ما علموه، فأما الجمع الكثير منهم الذين لا يجوز على مثلهم ذلك لا ختلاف (3) دواعيهم، فلا * (الهامش) * " 1 " اللسان " عقد " في المطبوعة " لا يمنعك " بدل " لا يمنعنك " ولم يستقم الوزن. " 2 " اللسان " شأم " وروايته " فإذا " بدل " ان ". " 3 " في المطبوعة " لا خلاف ". *
[ 88 ]
يجوز. والذي كتموه قيل فيه قولان: قال أكثر المفسرين: إنهم كتموا أمر النبي صلى الله عليه وآله بأن حرفوه عن وجهه في التأويل، هذا إذا حمل على الجماعة الكثيرة. وإن حمل على القليلة منهم، يجوز أن يكونوا كتموا نفس التنزيل ايضا. الثاني - قال الحسن: كتموا الاحكام، وأخذوا الرشا على الاحكام، والكتاب على القول الاول: هو التوراة، وعلى الثاني يجوز أن يحمل على القرآن وسائر الكتب. وقوله: " ويشترون به ثمنا قليلا " ليس المراد به أنهم إذا اشتروا به ثمنا
كثيرا كان جائزا. وإنما المقصد كلما يأخذونه في مقابلته من حطام الدنيا، فهو قليل، كما قال " ويقتلون النبيين بغير حق " (1) وكما قال " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به (2) وانما أراد أن قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق، وإن من ادعى مع الله إلها آخر لا يقوم له عليه برهان. وكما قال الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره والمعنى لا لاحب هناك، فيهتدى به، لانه لو كان، لاهتدي به. وقوله تعالى " ما يأكلون في بطونهم إلا النار " معناه على قول الربيع، والحسن، والجبائي، وأكثر المفسرين: الاجر الذي أخذوه على الكتمان، سمي بذلك، لانه يؤديهم إلى النار، كما قال في أكل مال اليتيم ظلما " إنما يأكلون في بطونهم نارا " (3) وقال بعضهم: إنما يأكلون في جهنم نارا جزاء على تلك الاعمال، والاول أحسن. فان قيل إذا كان الاكل (4) لا يكون إلا في البطن، فما معنى قوله " في بطونهم " ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان العرب تقول: جعت في غير بطني وشبعت في غير بطني، إذا * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية: 21. " 2 " سورة المؤمنون آية: 117. " 3 " في المطبوعة " الاول ". " 4 " سورة النساء آية: 9. *
[ 89 ]
جاع من يجري جوعه مجرى جوع نفسه، فذكر ذلك لازالة اللبس. والثاني - انه لما استعمل المجاز بالاجراء على الرشوة اسم النار، حقق بذكر البطن، ليدل علي أن النار تدخل أجوافهم. اللغة:
والبطن: خلاف الظهر. والبطن: الغامض من الارض. والبطن من العرب: دون القبيلة. وعرفت هذا الامر ظاهره، وباطنه أي سره وعلانيته. ورجل بطين: عظيم البطن. ومبطن: خميض البطن. وفلان بطانتي دون إخواني. أي الذي أبطنه أمري. واستبطنت أمر فلان: إذا وقفت على دخلته. ويقال في المثل: البطنة تذهب الفطنة، وبطن الشئ بطونا إذا غمض. والبطان حزام الرحل. والبطين: نجم وهو بطن الحمل. وأصل الباب البطون: خلاف الظهور. المعنى: وقوله تعالى: " ولا يكلمهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - لا يكلمهم بما يحبون، وإنما هو دليل على الغضب علهيم، وليس فيه دليل على أنه لا يكلمهم بما يسوءهم، لانه قد دل في موضع آخر، فقال " فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين " (1) وقال " ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون " (2) وهذا قول الحسن، وواصل، وأبي علي. الثاني - لا يكلمهم أصلا، فتحمل آيات المسائلة على أن الملائكة تسألهم بأمر الله ويتأول قوله " اخسئوا فيها ولا تكلمون " على أن الحال دالة على ذلك. وإنما دل نفي الكلام على الغضب - على الوجه الاول - من حيث أن الكلام وضع في الاصل * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 5. " 2 " سورة المؤمنون آية: 108 - 109. *
[ 90 ]
للفائدة، فلما انتفى على جهة الحرمان للفائدة، دل على الغضب، ولا يدخل في ذلك الكلام للغم والايلام. وقوله: " ولا يزكيهم " معناه لا يبني عليهم، ولا يصفهم بأنهم أزكياء.
ويحتمل أن يكون المراد لا يتقبل أعمالهم تقبل أعمال الازكياء. والاشتراء هو الاستبدال بالثمن العوض، فلما كانوا هؤلاء استبدلوا بذنبهم الثمن القليل، قيل فيهم: إنهم اشتروا به ثمنا قليلا. والثمن هو العوض من العين، والورق والقلة هو نقصان المقدار عن مقدار غيره، لانه يقال: هو قليل بالاضافة إلى ما هو أكثر منه، وكثير بالاضافة إلى ما هو أقل منه. والكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة: إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيله للافادة وقال الرماني: الكلام ما كان من الحروف دالا بتأليفه على معنى، قال وأصله من الآثار وهي كالعلامات الدالة، والكلم أي الجراح. وما ذكرناه أولى، لان هذا ينتقض بالمهمل من الكلام، فانه لا يفيد وهو كلام حقيقة. قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) آية واحدة بلا خلاف. المعنى: معنى " اشتروا الضلالة بالهدى " استبدلوا، لان أصل الشراء الاستبدال، وليس يقع في مثله إشكال، فأما قولهم: استبدل بالجارية غيرها، فلا يجوز أن يقال بدلا منه: اشترى، لانه يلتبس. والضلالة التي اشتروها بالهدى: كفرهم بالنبي صلى الله عليه وآله وجحدهم لنبوته استبدلوه بالايمان به، وهم وإن لم يقصدوا أن يضلوا بدلا من أن يهتدوا فقد قصدوا الكفر بالنبي صلى الله عليه وآله بدلا من الايمان به، وذلك ضلال
[ 91 ]
بدلا من هدى، فقد قصدوا الضلال بدلا من الهدى، وإن لم يقصدوه من وجه أنه ضلال. ولا يجوز أن يقول: قصدوا أن يضلوا. لانه يوهم أنهم قصدوه من
هذا الوجه، كما ينبئ علموا أنهم يضلون غير أنهم علموه من هذا الوجه، ويجوز قصدوا الضلال، وعلموا الضلال، لانه لا ينبئ على هذا الوجه وإنما علموه، وقصدوه من وجه آخر، وهو جحدهم محمدا صلى الله عليه وآله بدلا من التصديق به. وقوله تعالى: " فما أصبرهم على النار " الفاء معناها معنى الجواب، لان الكلام المتقدم قد تضمن معنى من كان بهذه الصفة، " فما أصبرهم على النار " فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به. والعجب لا يجوز على القديم تعالى، لانه عالم بجميع الاشياء، لا يخفى عليه شئ. والتعجب يكون مما لا يعرف سببه. وإنما الغرض - من الآية - أن يدلنا على أن الكفار حلو محل من يتعجب منه، فهو تعجيب لنا منهم. وقد قيل في معنا (ما) في قوله " فما أصبرهم على النار " قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: إنها للتعجب. والثاني - قال ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد والسدي: إنها للاستفهام. وقيل في معنا " أصبرهم " أربعة أقوال: أحدها - ما أجرأهم على النار، ذهب إليه الحسن وقتادة. والثاني - قال مجاهد: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). والثالث - حكاه الزجاج: ما أبقاهم على النار، كما تقول: ما أصبره على الحبس. والرابع - ذكره الفراء: ما صبرهم على النار أي حبسهم عليها. وقال الكسائي: هو استفهام على وجه التعجب. قال أبو العباس: المبرد: هذا حسن كأنه توبيخ لهم وتعجيب لنا، مثل قولك للذي وقع في هلكة ما اضطرك إلى هذا، إذا كان غنيا عن التعرض للوقوع في مثلها. يقال: أصبرت السبع، والرجل، ونحوه إذا نصبته لما يكره. وقال الحطيئة: قلت لها أصبرها جاهدا * ويحك أمثال طريف قليل: (1) * (الهامش) * " 1 " اللسان (صبر). الضمير في أصبرها عائد على النفس، وكأنه يقول: احبس نفسك على الجهاد. *
[ 92 ]
معناه ألزمها، واضطرها. فأما التعجب، فمثل قوله " قتل الانسان ما أكفره " (1) أي قد حل محل ما يتعجب منه. وقيل: ما أصبرك على كذا بمعني ما أجرأك قال أبو عبيدة: هي لغة يمانية. واشتق أصبر بمعنى أجرأ من الصبر الذي هو حبس النفس، لان بالجرءة يصبر على الشدة. فأما القول الآخر: فحبسوا أنفسهم على عمل أهل النار، بدوامهم عليه، وانهما كهم فيه. وحكى الكسائي عن قاضي اليمن عن بعض العرب، قال لخصمه: ما أصبرك على الله أي على عذاب الله تعالى. قوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) آية واحدة. الاعراب: ذلك رفع بالابتداء، أو بأنه خبر الابتداء وهو إشارة إلى أحد ثلاثة أشياء: أولها - قال الحسن: ذلك الحكم بالنار. الثاني - ذلك العذاب. الثالث - ذلك الضلال. وفي تقدير خبر ذلك ثلاثة أقوال: (الاول) - قال الزجاج: ذلك الامر، أو الامر ذلك، فحذف لدلالة ما تقدم من الامر بالحق. فكأنه قال: ذلك الحق. واستغنى عن ذكر الحق لتقدم ذكره في الكلام. الثاني - ذلك معلوم " بأن الله نزل الكتاب بالحق " فقد تقدم ذكر ما هو معلوم بالتنزيل، فحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث - ذلك العذاب لهم " بأن الله نزل الكتاب بالحق " وكفروا به، فتكون الباء في موضع الخبر. ويحتمل ذلك أن يكون رفعا على ما بينا. ويحتمل أن يكون نصبا على فعلنا ذلك، لان في الكلام ما يدل على (فعلنا). * (الهامش) * " 1 " سورة عبس آية: 17. *
[ 93 ]
المعنى: ومعنى الكتاب هاهنا قيل: إنه التوراة. وقال الجبائي: إنه القرآن، وغيره. وهو أعم فائدة. وقال بعضهم: إن المراد بالاول التوراة، وبالثاني القرآن. ومعنى الاختلاف هاهنا يحتمل أمرين: أحدهما - قول الكفار في القرآن. ومنهم من قال: هو كلام السحرة. ومنهم من قال: كلام يعلمه. ومنهم من قال: كلام يقوله الثاني - اختلاف اليهود والنصارى في التأويل، والتنزيل من التوارة، والانجيل، لانهم حرفوا الكتاب، وكتموا صفة محمد النبي صلى الله عليه وآله وجحدت اليهود الانجيل والقرآن. قوله تعالى: " لفي شقاق بعيد " فيه قولان: أحدهما - بعيد عن الالفة بالاجتماع على الصواب. الثاني - بعيد: من الشقاق، لشهادة كل واحد على صاحبه بالضلال. وكلاهما قد عدل عن السداد. ومن ذهب إلى أن المعنى ذلك العذاب " بأن الله نزل الكتاب بالحق " قدر فكفروا به، وجعله محذوفا. ومن ذهب إلى أن المعنى: ذلك الحكم بدلالة " أن الله نزل الكتاب بالحق " لم يجعله محذوفا. والمعني بالذين اختلفوا على قول السدي: اليهود، والنصارى. وقال غيره: هم الكفار من عبدة الاوثان، وغيرهم من أهل الضلال. وهو الاولى، لانه أعم. الاعراب: وإنما كسرة (إن) الثانية لالحاق اللام الخبر، وهي لام الابتداء، فأخرت إلى الخبر وكسرت معها (إن) لانها للاستئناف ايضا. فأما (أن) المفتوحة فاسم يعمل فيه عوامل الاعراب كما يعمل في الاسماء. وإنما كسرت (إن) في قوله تعالى: " وما
أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام " " 1 " لا لا لحاق اللام، ولكن * (الهامش) * " 1 " سورة الفرقان آية: 20. *
[ 94 ]
لدخول (إلا) على جملة مستأنفة في التقدير. كأنه قيل: إلا هم يأكلون الطعام. ولو قلت ما ظننت إلا إنك لخارج لكسرت لاجل اللام. اللغة: والاختلاف: الذهاب على جهة التفريق في الجهات. وأصله من اختلاف الطريق. تقول: اختلفنا الطريق، فجاء هذا من هاهنا، وجاء ذاك من هناك، ثم قيل في الاختلاف في المذاهب تشبيها في الاختلاف في الطريق من حيث أن كل واحد منهم على نقيض ما عليه الآخر من الاعتقاد. فأما الاختلاف في الاجناس، فهو ما لا يسد واحد منهما مسد الآخر، فيما يرجع إلى ذاته، كالسواد والبياض، وغيرهما. والشقاق: انحياز كل واحد عن شق صاحبه للعدواة له. وهو طلب كل واحد منهما ما يشق على الآخر، لاجل العدواة. والمشاقة مثله. قوله تعالى: ليس البر أن تولو وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: قرأ حفص الاهبيرة، وحمزة " ليس البر " بنصب الراء. الباقون برفعها.
وقرأ نافع، وابن عامر " ولكن البر " بتخفيف النون، ورفع الراء.
[ 95 ]
النزول: قيل: إن هذه الآية نزلت لما حولت القبلة، وكثر الخوض في نسخ تلك الفريضة، صار كأنه لا يراعى بطاعة الله إلا التوجه للصلاة، فأنزل الله تعالى الآية، وبين فيها أن البر ما ذكره فيها، ودل على أن الصلاة إنما يحتاج إليها لما فيها من المصلحة الدينية، وإنه انما يأمر بها، لما في علمه أنها تدعوا إلى الصلاح، وتصرف عن الفساد، وإن ذلك يختلف بحسب الازمان، والاوقات. المعنى: وقوله: " ليس البر " قيل فيه قولان: أحدهما - ذكره ابن عباس، ومجاهد: أنه " ليس البر " كله في التوجه إلى الصلاة بل حتى يضاف إلى ذلك غيره من الطاعات التي أمر الله تعالى بها. والثاني - قاله قتادة، والربيع واختاره الجبائي: انه " ليس البر " ما عليه النصارى من التوجه إلى المشرق، أو ما عليه اليهود من التوجه إلى المغرب " ولكن البر " ما ذكره الله تعالى في الآية، وبينه. وقوله: " ولكن البر من آمن " قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - " ولكن البر " بر " من آمن بالله " فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، واختاره المبرد، لقوله " ليس البر أن تولوا " وقال النابغة: وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل (1) يعني مخافة وعل. وقالت الخنساء: ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت * فانما هي إقبال وإدبار (2) معناه انما هي مقبلة تارة، ومدبرة أخرى، فبالغ، فجعلها إقبالا وإدبارا، * (الهامش) * " 1 " مر تخريجه في 2: 78.
" 2 " اللسان (قبل) في المطبوعة (غفت) بدل (غفلت) وفي مجمع البيان (ما رتعت). الرتع: الاكل في شره، ورتعت المواشي: أكلت ما شأت وجاءت وذهبت. ادكرت: تذكرت. *
[ 96 ]
وقال متمم: (1) لعمري ! وما دهري بتأبين هالك * ولا جزعا مما أصاب فأوجعا (2) معناه ولا ذى جزع. الوجه الثاني - ولكن ذا البر من آمن بالله. الثالث - ولكن البار من آمن بالله، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل. وقد بينا في ما مضى حقيقة الايمان والخلاف فيه، فلا معنى لاعادته. والضمير في قوله: " على حبه " يحتمل أن يكون عائدا على حب المال، ويحتمل أن يكون عائدا على حب الاتيان، قال عبد الله بن مسعود: على حب المال، لانه يأمل العيش ويخشى الفقر. وأما على حب الاتيان، فوجهه ألا تدفعه وأنت متسخط عليه كاره. ويحتمل وجها ثالثا: وهو أن يكون الضمير عائدا على الله، ويكون التقدير على حب الله، فيكون خالصا لوجهه، وقد تقدم ذكر الله تعالى في قوله " من آمن بالله ". وهو أحسنها. والاية تدل على وجوب إعطاء مال الزكاة بلا خلاف، وتدل ايضا - في قول الشعبي، والجبائي - على وجوب غيره مما له سبب وجوب كالانفاق على من تجب عليه نفقته، وعلى من يجب عليه سد رمقه إذا خاف التلف، وعلى ما يلزمه من النذور، والكفارات، ويدخل فيها ايضا ما يخرجه الانسان على وجه التطوع، والقربة إلى الله، لان ذلك كله من البر. وابن السبيل: هو المنقطع به إذا كان مسافرا محتاجا وإن كان غنيا في بلده، وهو من أهل الزكاة. وقيل: إنه الضيف، والاول قول مجاهد، والثاني قول قتادة. وانما قيل:
ابن السبيل: بمعنى ابن الطريق، كما قيل للطير: ابن الماء، لملازمته إياه، قال ذو الرمة: * (الهامش) * " 1 " هو متمم بن نويرة. " 2 " اللسان (أبن، (دهر) ليس من عادتي تأبين الاموات، ومدحهم بعد موتهم، ولست أجزع من المصيبة. *
[ 97 ]
وردت اعتسافا والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق (1) والسائلين معناه: والطالبين للصدقة، لانه ليس كل مسكين يطلب. وقوله: " وفي الرقاب " قيل فيه قولان: احدهما - عتق الرقاب. والثاني - المكاتبين. وينبغي أن تحمل الاية على الامرين، لانها تحتمل الامرين، وهو اختيار الجبائي، والرماني. اللغة: والمراقبة: المراعاة. والرقبة: الانتظار. والرقيب: المشرف على القوم لحراستهم. والرقيب: الحافظ. وتقول: رقبته أرقبه رقبا، وراقبته مراقبة، وارتقبته ارتقابا، وتراقبوا تراقبا، وترقب ترقبا. والرقوب: الارمله التي لا كاسب لها، لانها تترقب معروفا أو صلة. والرقبة مؤخر أصل العنق. وأعتق الله رقبته، ولايقال عتقه. والرقيب ضرب من الحيات خبيث. والرقوب: المرأة التي لا يعيش لها ولد. والرقيب: النجم الذي يتبين من المشرق، فيعيب رقيبه من المغرب. المعنى: وقوله تعالى: " ذوي القربة " قيل أراد به قرابة المعطي، اختاره الجبائي، لقول النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة بنت قيس، لما قالت: يا رسول الله إن لي سبعين مثقالا من ذهب، فقال: اجعليها في قرابتك. وقال (ع) لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال:
جهد المقل على ذي القرابة الكاشح. ويحتمل أن يكون أراد به قرابة النبي صلى الله عليه وآله. كما قال: " قل لا أسئلكم عليه أجراإلا المودة في القربى " (2) وهو قول أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع) وقوله: " في البأساء والضراء وحين البأس " قال قتادة: * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 401، واللسان (عسف). وردت اعتسافا: سرت بدون تدبير، ولا معرفة للطريق، بل اقتحمت اقتحاما. والثريا: جملة من النجوم تشبه قطف العنب. شبه الثريا بالطير المحلق فوق رأسه وهو على الماء. " 2 " سورة الشورى آية: 23. *
[ 98 ]
البأسا: البؤس، والفقر. والضراء: السقم، والوجع. ومنه قوله: " مسني الضر " (1). وحين البأس: حين القتال. وقال ابن مسعود: البأساء: الفقر. والضراء: السقم. وانما قيل: البأساء في المصدر ولم يقل منه أفعل، لان الاصل في فعلاء أفعل للصفات التي للالوان، والعيوب. كقولك أحمر، وحمراء. وأعور، وعوراء. فأما الاسماء التي ليست بصفات، فلا يجب ذلك فيها. وعلى ذلك تأولوا قول زهير: فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم * كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (2) وأنكر ذلك قوم، لانه لم يصرف أشأم. وقالوا إنما هو صفة وقعت موقع الموصوف كأنه قال: غلمان أمر أشأم، فلذلك قالوا إنما المعنى الخلة البأساء، والخلة الضراء. " والموفون بعهدهم " رفع عطفا على " من آمن ". ويحتمل أن يكون رفعا على المدح، وتقديره: وهم الموفون، ذكره الزجاج. والصابرين نصب على المدح، كقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الامور * بذات الصليل وذات اللجم (3) ويحتمل أن يكون نصب بفعل مضمر، وتقديره وأعني الصابرين. ويحتمل
أن يكون عطفا على قوله: " وآتى المال على حبه ذوي القربى " " والصابرين " فعلى هذا يجب أن يكون رفع " الموفين " على المدح للضمير الذي في صلة (من)، لانه لا يجوز بعد العطف على الموصوف، العطف على ما في الصلة. وهذا الوجه ضعيف، لانه يؤدي إلى التكرار، لانهم دخلوا في قوله: " والمساكين وابن * (الهامش) * (1) سورة الانبياء آية: 83. " 2 " ديوانه: 20 من معلقته الفريدة، من أبياته في صفة الحرب. الضمير في (فتنتج) عائد إلى الحرب، وقد مر ذكرها في أول الابيات. (أشأم): أي ؟ شؤم. " 3 " معان القرآن للفراء 1: 105، وأمالي الشريف المرتضى 1: 205، والانصاف: 195، وخزانة الادب: 216. القرم: السيد المقدم في المعرفة، والتجارب الكتيبة هي فرقة من الجيش. المزدحم: هو المكان الذي تجتمع به الناس كثيرا، وتتسابق على التقدم فيه، والمقصود منه هنا ساحة الحرب تغم الامور أي تضيع عليهم. الصليل: صوت السيوف. وذات اللجم: الخيل *
[ 99 ]
السبيل والسائلين " فيجب أن يحمل قوله: " والصابرين " على من لم يذكر، ليكون فيه فائدة. وإن كان ذلك وجها مليحا. والقراءة بالرفع أجود، وأقوى، لانه اسم (ليس) مقدم قبل الخبر لفائدة في الخبر، ولانه قرأ " ليس البر بأن " ذكره الفراء. وقوله: " أولئك الذين صدقوا " معناه الذين جمعوا العمل بهذه الخصال الموصوفة: هم الموصوفون بأنهم صدقوا على الحقيقة، لانهم عملوا بموجب ما أقروا به. " أولئك هم المتقون " يعني اتقوا - بفعل هذه الخصال - نار جهنم. واستدل أصحابنا بهذه الاية على أن المعنى بها أمير المؤمنين (ع)، لانه لا خلاف بين الامة أن جميع هذه الخصال كانت جامعة فيه. ولم تجتمع في غيره قطعا، فهو مراد بالاية بالاجماع. وغيره مشكوك فيه غير مقطوع عليه. وقال
الزجاج، والفراء: هذه الاية تتناول الانبياء المعصومين، لانهم الذين يجمعون هذه الصفات. الاعراب: ومن قرأ " ليس البر " بالرفع، جعل البر اسما، وجعل (أن) في موضع نصب، ومن نصب جعل " أن تولوا " في موضع رفع، وقدم الخبر. ومثله قوله تعالى: " ما كان حجتهم إلا أن قالوا " (1) " وما كان قولهم " (2) " وما كان جواب قومه (3). " فكان عاقبتهما " (4) وما أشبه ذلك. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى * (الهامش) * " 1 " سورة الجاثية آية: 24. " 2 " سورة آل عمران آية: 147 " 3 " سورة الاعراف آية 81. " 4 " سورة الحشر آية: 17. *
[ 100 ]
بعد ذلك فله عذاب أليم (178) آية بلا خلاف. معنى قوله: كتب: فرض. وأصل الكتب: الخط الدال على معنى الفرض. وقيل: لانه، مما كتبه الله في اللوح المحفوظ على جهة الفرض، قال الشاعر: (1) كتب القتل والقتال علينا * وعلى المحصنات جر الذيول (2) وقال النابغة الجعدي: يا بنت عمي كتاب الله أخرجني * عنكم فهل امنعن الله ما فعلا (3) ومنه الصلاة المكتوبة أي المفروضة. فان قيل: كيف قيل: كتب عليكم بمعنى فرض، والاولياء مخيرون: بين القصاص، والعفو، وأخذ الدية ؟ قلنا عنه
جوابان: أحدهما - انه فرض عليكم ذلك إن اختار أولياء المقتول القصاص. والفرض قد يكون مضيقا ويكون مخيرا فيه. والثاني - فرض عليكم ترك مجاوزة ما حد لكم إلى التعدي فيما لم يجعل لكم. اللغة: والقصاص: الاخذ من الجاني مثل ما جنى، وذلك لانه تال لجنايته. وأصله التلو، من قص الاثر: وهو تلو الاثر. والقصاص، والمقاصة، والمعاوضة، والمبادلة نظائر. يقال: قص يقص قصا، وقصصا. وأقصه به إقصاصا. واقتص اقتصاصا. وتقاصوا تقاصا. واستقص: إذا طلب القصاص استقصاصا. وقاصه مقاصة وقصاصا. وقص الشئ بالمقص يقصه قصا. وقص الحديث يقصه قصصا. وكذلك قص أثره قصصا: إذا اقتفى أثره. والقص والقصص: عظم الصدر من الناس، * (الهامش) * " 1 " هو عمر بن أبي ربيعة، أو عبد الله بن الزبير الاسدي " 2 " ديوان عمر، والبيان، والتبيين 2: 236، والكامل لابن الاثير 2: 154، وتاريخ الطبري 7: 158، وانساب الاشراف 5: 264. والاغاني 9: 229. " 3 " اللسان (كتب).، وأساس البلاغة (كتب) والمقابيس 5: 159. ورواية الاساس (اخرني) بدل (أخرجني). *
[ 101 ]
وغيرهم. والقصة: الخصلة من الشعر. والقصة من القصص معروفة. والقصة الجص. والقصاص: التقاص من الجراحات والحقوق شئ بشئ. والقصيص: نبات ينبت في أصول الكمأة. واقصت الشاة، فهي مقص إذا استبان ولدها. وأصل الباب التلو. وقوله تعالى: " الحر بالحر " فالحر نقيض العبد، والحر من كل شئ:
أعتقه. والحر: ولدالحية، وولد الظبية، وفرخ الحمام. واحرار البقول: ماؤكل غير مطبوخ. والحر: نقيض البرد، حر النهار يحر حرا. والحرير: ثياب من إبريسم. والحريرة: دقيق يطبخ باللبن. والحرة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار. وتحرير الكتابة: إقامة حروفها. والحرورية: منسوب إلى حرور: قرية كان أول مجتمعهم بها، فالمحرر المختص بخدمة الكنيسة ما عاش، ومنه قوله " ما في بطني محررا " (1) وأصل الباب الحر خلاف البرد. ومنه الحرير، لانه يستدفأ به. قوله: " من عفي له من أخيه شئ " معناه ترك، من عفت المنازل إذا تركت حتى درست. والعفو عن المعصية: ترك العقاب عليها. وقيل: معنى العفو هاهنا ترك القود بقبول الدية من أخيه، فالاخ يجمع أخوة إذا كانوا لاب، وإذا لم يكونوا لاب، فهم أخوان، ذكر ذلك صاحب العين، ومنه قوله: " فاصلحوا بين أخويكم " (2) ومنه الاخاء، والتآخي. والاخوة قرابة الاخ. والتآخي اتخاذ الاخوان. وبينهما إخاء وأخوة. آخيت فلانا موآخاة، وإخاء. وأصل الباب الاخ من النسب، ثم شبه به الاخ من الصداقة. المعنى: والهاء في قوله: " من أخيه " تعود إلى أخي المقتول - في قول الحسن -. وقال غيره: تعود إلى أخي القاتل، فان قيل: كيف يجوز أن تعود إلى أخي القاتل وهو في تلك الحال فاسق ؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية: 35. " 2 " سورة الحجرات آية: 10. *
[ 102 ]
أحدها - إنه أراد أخوة النسب، لافي الدين، كما قال " وإلى عاد أخاهم هودا " (1). والثاني - لان القاتل قد يتوب فيدخل في الجملة، وغير التائب على
وجه التغليب. الثالث - تعريفه بذلك على أنه كان أخاه قبل أن يقتله، كما قال: " إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " (2) يعنى الذين كانوا ازواجهن. وقال جعفر بن مبشر عن بعضهم: ان هذه الاية منسوخة بقوله " النفس بالنفس " (3) قال: وليست عندي كذلك، لان الله تعالى إنما أخبرنا أنه كتبها على اليهود قبلنا، وليس في ذلك ما يوجب أنه فرض علينا، لان شريعتهم منسوخة بشريعتنا. والذي أقوله: إن هذه الاية ليست منسوخة، لان ما تضمنته معمول عليه ولا ينافي قوله تعالى: " النفس بالنفس " لان تلك عامة، ويمكن بناء تلك على هذه، ولا تناقض ولا يحتاج إلى أن ينسخ إحداهما بالاخرى. وقال قتادة: نزلت هذه الاية، لان قوما من أهل الجاهلية كانت لهم حولة (4) على غيرهم من أهل الجاهلية، فكانوا يتعدون في ذلك، فلا يرضون بالعبد إلا الحر، ولا بالمرأة إلا الرجل، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. وقوله: " فاتباع بالمعروف " يعني العافي، وعلى المعفو عنه " أداء إليه باحسان " وبه قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والشعبي، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). وقال قوم: هما على المعفو عنه. والاعتداء هو القتل بعد قبول الدية على قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال بعضهم " من اعتدى " بعد البيان في الاية، فقتل غير قاتل وليه أو بعد قبول * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 64، سورة هود آية: 50. " 2 " سورة البقرة آية: 232. " 3 " سورة المائدة آية: 48. " 4 " الحولة: هي المنكر، ويمكن أن يكون معناه الحق الذي حل أجله، ويكون المعنى لهم عليهم حق قصاص حال، وعلى الاول لهم عليهم قود بمنكر قد فعلوه، ويريدون الاقتصاص منهم. *
[ 103 ]
الدية " فله عذاب أليم " وهذا ايضا جيد تحتمله الاية. الاعراب: وقوله: " فاتباع " رفع بأنه إبتداء لخبر محذوف، كأنه قيل: فحكمه اتباع، أو فعليه اتباع. وكان يجوز النصب في العربية. على تقدير فاليتبع اتباعا، ولم يقرأ به. اللغة: والاداء، قال الخليل: أدى فلان يؤدي ما عليه إداء وتأدية. ويقال: فلان آدى للامانة من غيره. والاداة من أدوات الحرب. وأصل الباب التأدية تبليغ الغاية. المعنى: وقوله تعالى: " تخفيف من ربكم " معناه: أنه جعل لكم القصاص، أو الدية، أو العفو، وكان لاهل التوراة قصاص، وعفو، ولاهل الانجيل عفو، أو دية. ويجوز قتل العبد بالحر، والانثى بالذكر إجماعا، ولقوله: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليله سلطانا " (1) ولقوله: " النفس بالنفس " (2). وقوله: في هذه الاية " الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى " لا يمنع من ذلك، لانه تعالى لم يقل: ولا يقتل الانثى بالذكر، ولا العبد بالحر. فاذالم يكن ذلك في الظاهر، فما تضمنته الاية معمول به، وما قلناه مثبت بما تقدم من الادلة. فأما قتل الحر بالعبد، فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي، وأهل المدينة. وقال أهل العراق: يجوز. ولا يقتل والدبولد عندنا، وعند أكثر الفقهاء. وعند مالك يقتل به على بعض الوجوه. وأما قتل الوالدة بالولد، فعندنا تقتل. وعند جميع الفقهاء انها جارية مجرى * (الهامش) * " 1 " سورة الاسرى آية: 33. " 2 " سورة المائدة آية: 48. *
[ 104 ]
الاب. فأما قتل الولد بالوالد فيجوز إجماعا. ولا يقتل مولى بعبده. ويجوز قتل الجماعة بواحد إجماعا إلا أن عندنا يرد فاضل الدية، وعندهم لايرد شئ على حال. وإذا اشترك بالغ مع طفل. أو مجنون في قتل، فعندنا لا يسقط القود عن البالغ، وبه قال الشافعي. وقال أهل العراق: يسقط. ودية القصاص في قود النفس الف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مأة من الابل، أو مأتان من البقر، أو الف شاة، أو مأتا حلة. ولا يجبر القاتل على الدية - عندنا - وان رضي، فهي عليه في ماله. وقال الحسن: يجبر على العفو عن القصاص، والدية على العاقلة. والقتل بالحديد عمدا يوجب القود إجماعا. فأما غير الحديد، فكل شئ يغلب على الظن أن مثله يقتل فن يجب القود عندنا، وعند أكثر الفقهاء. والذي له العفو عن القصاص كل من يرث الدية إلا الزوج، والزوجة. وهم لا يستثنون بها إلا أبا حنيفة: قال: إذا كان للمقتول ولد صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا، ويحتج بقاتل علي (ع). وقال غيره: لا يجوز حتى يبلغ الصغار. وعندنا أن لهم ذلك إذا ضمنوا حصة الصغار من الدية إذا بلغوا، ولم يرضوا بالقصاص. وإذا اجتمع مع القصاص حدود، فان كان حد لله، فالقتل يأتي عليه. وإن كان حق لادمي كحد القذف، أقيم عليه الحد ثم يقتل. وقال أهل المدينة: القتل يأتي على الكل. ويقتل الرجل بالمرأة إذا رد أولياؤها نصف الدية. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. وما قلنا، قول علي (ع) وقول الحسن البصري. وشرح مسائل الديات ذكرناها في النهاية، والمبسوط، لا يقتضي ذكرها هاهنا. قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون (179) آية بلا خلاف.
المعنى: أكثر المفسرين على أن قوله: " ولكم في القصاص حياة " المراد به القصاص
[ 105 ]
في القتل. وإنما كان فيه حياة من وجهين: أحدهما - ما عليه أكثر المفسرين كمجاهد، وقتادة، والربيع، وابن زيد: أنه إذا هم الانسان بالقتل فذكر القصاص، ارتدع، فكان ذلك سببا للحياة. الثاني - قال السدي: من جهة أنه لا يقتل إلا القاتل دون غيره. خلاف فعل الجاهلية الذين كانوا يتفانون (1) بالطوائل، والمعنيان جميعا حسنان. وقال أبو الجوزاء: معناه أن القران (2) حياة بالقصاص، أراد به القران. وهذا ضعيف، لانه تأويل خلاف الاجماع، ولانه لا يليق بما تقدم، ولا يشاكله، وهو قوله: " كتب عليكم القصاص في القتلى "، فكأنه قال بعده ولكم فيه حياة. ونظير هذه الاية قولهم: القتل أنفى للقتل. وبينهما من التفاوت في الفصاحة، والبلاغة ما بين السماء والارض وقيل: الفرق بينهما من أربعة أوجه: أحدها - أنه أكثر فائدة. وثانيها - أنه أوجز في العبارة. وثالثها - أنه أبعد عن الكلمة بتكرير الجملة. ورابعها - أنه أحسن تأليفا بالحروف المتلائمة. أما كثرة الفائدة، ففيه ما في قولهم: (القتل أنفى للقتل) وزيادة معان حسنة: منها إبانة العدل، لذكره القصاص. ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه، لذكر الحياة. ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به. وأما الايجاز في العبارة، فان الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله تعالى: " في القصاص حياة " وهو عشرة أحرف. والاول أربعة عشر حرفا. وأما بعد التكلف، فهو أن في قولهم: (القتل أنفى للقتل) تكرير غيره أبلغ منه. متى كان التكرير كذلك، فهو مقصر في باب البلاغة. وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة،
فهو مدرك بالحس، وموجود باللفظ، فان الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام. وكذلك الخروج من الصاد * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " يتغابون ". " 2 " هكذا في المطبوعة ولم أجد قول لابي الجوزاء في هذا الموضع في ما حضرني من التفاسير، ولم أجد في كتب اللغة القصاص بمعنى القران، الا أن يكون - بفتح القاف - *
[ 106 ]
إلى الحاء أعدل من الخروج من الالف إلى اللام. فباجماع هذه الامور التي ذكرناها كان أبلغ منه وأحسن. وإن كان الاول حسنا بليغا وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء، فقال: أبلغ أبا مالك عني مغلغلة * وفي العتاب حياة بين أقوام (1) وهذا وإن كان حسنا، فبينه وبين لفظ القرآن: ما بين أعلى الطبقة وأدناها. وأول ما فيه أنه استدعاء إلى العتاب. وذلك استدعاء إلى العدل. وفي هذا إبهام. وفي الاية بيان عجيب. اللغة: وقوله: " يا أولى الالباب " فالالباب: العقول وهو مأخوذ من النخلة على وجه التشبيه به. واللب: العقل. لب الرجل يلب: إذا صار لبيبا. ولب بالمكان، وألب به لبا، وإلبابا: إذا أفام به. ولب كل شئ خالصه. قال صاحب العين: اللب: البال. تقول: الامر منه في لبب رخي أي في بال رخي. واللبب من الرمل: شبيه حقف بين معظم الرمل، وجلد الارض. وتلبب بالثياب إذا جمعها. ويشبه به المتسلح بالسلاح. واللبة من الصدر: موضع القلادة. والتلبيب: مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل. تقول: أخذ فلان بتلابيب فلان. وأصل الباب لب الشئ: داخله: الذي تركبه القشرة، وتلزمه. ومنه لبيك وسعديك أي
ملازمة لامرك وإسعادا لك. المعنى: وقوله تعالى: " لعلكم تتقون " قد بينا فيما مضى أن لعل معناه لكي. وقيل في معناه هاهنا قولان: * (الهامش) * (1) اللسان (غلل) أنشده بن ؟. مغلغلة: رسالة محمولة من بلد إلى بلد والعتاب هو الملاومة ولا يكون الا بين اثنين فصاعدا. وانما قال: حياة، لانه يخفف من الغيظ، وقد يبطل العتاب حربا يقتل فيها الالوف. فكأنه يقول اوصل هذه الرسالة التي هي عتاب، والعتاب حياة لقومي ولقومك. *
[ 107 ]
(الاول) لكي تتقوا القتل بالخوف من القصاص. ذكره ابن زيد. الثاني - قال الجبائي، وغيره: لتتقوا ربكم باجتناب معاصيه. وهذا أعم فائدة، لانه يدخل فيه اتقاء القتل، وغيره. وفي الاية دلالة على فساد قول المجبرة: لان فيها دلالة على أنه أنعم على جميع العقلاء، ليتقوا ربهم، وفي ذلك دلالة على أنه أراد منهم التقوى وإن عصوا، وإنما خص الله تعالى بالخطاب أولي الالباب، لانهم المكلفون المأمورون، ومن ليس بعاقل لا يصح تكليفه، ولا يحسن، فلذلك خصهم بالذكر. قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) آية بلا خلاف. المعنى: هذا ابتداء قصة، ولابد فيه من واو العطف، بان يقال: وكتب، لانه حذف
اختصارا وقد بينا فيما مضى: أن معنى كتب فرض. وهاهنا معناه الحث والترغيب دون الفرض، والايجاب. وفي الاية دلالة على أن الوصية جائزة للوارث، لانه قال الوالدين، والاقربين. والوالدان وارثان بلا خلاف إذا كانا مسلمين حرين غير قاتلين. ومن خص الاية بالكافرين، فقد قال: قولا بلا دليل، ومن ادعى نسخ الاية فهو مدع لذلك، ولا يسلم له نسخها. وبمثل ما قلناه قال محمد بن جرير الطبري سواء، فان ادعوا الاجماع على نسخها، كان ذلك دعوى باطلة ونحن نخالف في ذلك. وقد خالف في نسخ الاية طاووس، فانه خصها بالكافرين، لمكان الخبر ولم يحملها على النسخ. وقد قال أبو مسلم محمد بن بحر: إن هذه الاية مجملة، وآية الموارث مفصلة، وليست نسخا، فمع هذا الخلاف كيف يدعى الاجماع على نسخها.
[ 108 ]
ومن ادعى نسخها، لقوله (ع): لا وصية لوارث، فقد أبعد، لان هذا اولا خبر واحد لا يجوز نسخ القرآن به إجماعا. وعندنا لا يجوز العمل به في تخصيص عموم القرآن. وادعاؤهم أن الامة أجمعت على الخبر دعوى عارية من برهان. ولو سلمنا الخبر جاز أن نحمله على أنه لا وصية لوارث فيما زاد على الثلث، لانا لو خلينا وظاهر الاية لاجزنا الوصية بجميع ما يملك للوالدين والاقربين، لكن خص ما زاد على الثلث لمكان الاجماع. فأما من قال: إن الاية منسوخة بآية الميراث فقوله بعيد عن الصواب. لان الشئ إنما ينسخ غيره: إذا لم يمكن الجمع بينهما، فأما إذا لم يكن بينهما تناف ولا تضاد بل أمكن الجمع بينهما، فلا يجب حمل الاية على النسخ، ولا تنافي بين ذكر ما فرض الله للوالدين وغيرهم من الميراث، وبين الامر بالوصية لهم على جهة الخصوص، فلم يجب حمل الاية على النسخ. وقول من قال: حصول الاجماع على أن الوصية ليست فرضا يدل على أنها منسوخة باطل، لان اجماعهم على أنها لا تفيد الفرض،
لا يمتنع من كونها مندوبا إليها ومرغبا فيها، ولاجل ذلك كانت الوصية للوالدين، والاقربين الذين ليسوا بوارث ثابتة بالاية ولم يقل أحد أنها منسوخة في خبرهم (1). ومن قال: إن النسخ من الاية ما يتعلق بالوالدين، وهو قول الحسن والضحاك، فقد قال قولا ينافي ما قاله مدعي نسخ الاية - على كل حال - ومع ذلك فليس الامر على ما قال، لانه لادليل على دعواه. وقال طاووس: إذا وصى لغير ذي قرابة لم تجز وصيته. وقال الحسن: ليست الوصية إلا للاقربين وهذا الذي قالاه عندنا وإن كان غير صحيح، فهو مبطل قول من يدعي نسخ الاية. وإنما قلنا أنه ليس بصحيح، لان الوصية لغير الوالدين، والاقربين عندنا جائزة. ولا خلاف بين الفقهاء في جوازها. والوصية لا تجوز بأكثر من الثلث إجماعا، والافضل أن يكون بأقل من الثلث، لقوله (ع) والثلث كثير، وأحق من وصي له من كان * (الهامش) * " 1 " نسب الخبر إليهم مع أنهم يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله، لانه لا يسلم صحته. *
[ 109 ]
أقرب إلى الميت إذا كانوا فقراء - بلا خلاف - وإن كانوا أغنياء، فقال الحسن وعمرو بن عبيد: هم أحق بها. وقال ابن مسعود، وواصل ألاحق بها الاجوع، فالاجوع من القرابة. وقوله تعالى: " إن ترك خيرا " يعنى مالا. واختلفوا في مقداره الذي يجب الوصية عنده، فقال الزهري: كلما وقع عليه اسم مال من قليل أو كثير. وقال ابراهيم النخعي: الف درهم إلى خمسمائة. وروي عن علي (ع) أنه دخل على مولى لهم في مرضه، وله سبع مائه درهم أو ستمائة، فقال: ألا أوصي، فقال: لا إنما قال الله تعالى: " إن ترك خيرا " وليس لك كبير مال. وبهذا نأخذ، لان قوله حجة عندنا. الاعراب:
والوصية في الاية مرفوعة بأحد أمرين: أحدهما - ب (كتب)، لانه لم يسم فاعله الثاني - أن يكون العامل فيه الابتداء وخبره للوالدين، والجملة في موضع رفع على الحكاية بمنزلة قيل لكم: الوصية للوالدين. وقيل في إعراب (إذا) والعامل فيه قولان: إحدهما - كتب على معنى إذا حضر أحدكم الموت أي عند المرض. والوجه الاخر قال الزجاج، لانه رغب في حال صحته أن يوصي، فتقديره كتب عليكم الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف في حال الصحة قائلين: إذا حضرنا الموت فلفلان كذا. المعنى: المعروف هو العدل الذي لا يجوز أن ينكر ولاحيف فيه ولا جور والحضور وجود الشئ بحيث يمكن أن يدرك. وليس معناه في الاية إذا حضره الموت أي إذا عاين الموت، لانه في تلك الحال في شغل عن الوصية. لكن المعنى كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الانسان: إذا حضرني الموت أي إذا أنامت، فلفلان كذا.
[ 110 ]
والحق هو الفعل الذي لا يجوز إنكاره وقيل ما علم صحته سواء كان قولا أو فعلا أو اعتقادا وهو مصدر حق يحق حقا وانتصب في الاية على المصدر وتقديره أحق حقا وقد استعمل على وجه الصفة،، بمعنى ذي الحق، كما وصف بالعدل " على المتقين " معناه على الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أو امره. قوله تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) آية بلا خلاف.
الهاء في قوله: " فمن بدله " عائدة على الوصية: وإنما ذكر حملا على المعنى، لان الايصاء والوصية واحد. والهاء في قوله: " فانما إثمه " عائدة على التبديل الذي دل عليه قوله: " فمن بدله ". وقال الطبري: الهاء تعود على محذوف، لان عودها على الوصية المذكورة لا يجوز، لان التبديل إنما يكون لوصية الموصي. فأما أمر الله عزوجل بالوصية، فلا يقدر هو، ولا غيره أن يبدله. قال الرماني: وهذا باطل، لان ذكر الله الوصية إنما هو لوصية الموصي، فكأنه قيل: كتب عليكم وصية مفروضة عليكم، فالهاء تعود إلى الوصية المفروضة التي يفعلها الموصي. وقوله تعالى: " فمن بدله " فالتبديل: هو تغيير الشئ عن الحق فيه. فأما البدل، فهو وضع شئ مكان آخر. ومن أوصى بوصية في ضرار فبدلها الوصي، لا يأثم. وقال ابن عباس: من وصى في ضرار لم تجز وصيته لقوله " غير مضار " (1). والوصي إذا بدل الوصية لم ينقص من أجر الموصي شئ، كما لو لم تبدل، لانه لايجازى أحد على عمل غيره، لكن يجوز أن يلحقه منافع الدعاء، والاحسان الواصل إلى الموصى له، على غير وجه الاجر له، لكن على وجه الجزاء لغيره ممن وصل إليه ذلك الاحسان، فيكون ما يلحق المحسن إليه من ذلك أجرا له، يصح * (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية: 11. *
[ 111 ]
بما يصل إلى المحسن إليه من المنفعة. وفي الاية دلالة على بطلان مذهب من قال: إن الطفل يعذب بكفر أبويه، لان الله تعالى بين وجه العدل في هذه. وقياس العدل في الطفل ذلك القياس، فمن هناك دل على الحكم فيه. وفيها ايضا دلالة ؟ بطلان قول من يقول: إن الوارث إذا لم يقبض دين الميت أنه يؤخذ به في قبره أو في الاخرة، لما قلنا من أنه دل على أن العبد لا يؤآخذ بجرم غيره وأن لا إثم عليه بتبديل غيره. وكذلك لو قضى عنه الوارث من غير أن يوصي به الميت لم يزل عقابه
بقضاء الوارث عنه إلا أن يتفضل باسقاطه عنه. وقوله تعالى: " إن الله سميع عليم " معناه سميع لما قاله الموصى من العدل، أو الجنف، عليم بما يفعله الوصي من التبديل أو التصحيح، فيكون ذكر ذلك داعيا إلى طاعته. قوله تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص وعن عاصم " موص " بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وهما لغتان: وصى، وأوصى بمعنى واحد. المعنى: فان قيل: كيف قال " فمن خاف من موص " لما قد وقع، والخوف إنما يكون لما لم يقع ؟ قيل فيه قولان: أحدهما - إنه خاف أن يكون قد زل في وصيته، فالخوف للمستقبل، وذلك الخوف هو أن يظهر ما يدل على أنه قد زل، لانه من جهة غالب الظن. الثاني - لما اشتمل على الواقع، وما لم يقع جاز فيه " خاف " ذلك فيأمره
[ 112 ]
بما فيه الصلاح، وما وقع رده إلى العدل بعد موته. والجنف: الجور، وهو الميل عن الحق. وقال الحسن: هو أن يوصي من غير القرابة، قال: فمن أوصى لغير قرابته رد إلى أن يجعل للقرابة الثلثان، ولمن أوصى له الثلث. وهذا باطل عندنا، لان الوصية لا يجوز صرفها عن من وصي له. وإنما قال الحسن ذلك لقوله إن الوصية للقرابة واجبة. وعندنا إن الامر بخلافه على ما بيناه.
اللغة: وقال صاحب العين: الجنف: الميل في الكلام والامور كلها. تقول: جنف علينا فلان، وأجنف في حكمه، وهومثل الحيف إلا ان الحيف من الحاكم خاصه، والجنف عام، ومنه قوله تعالى: " غير متجانف " (1) أي متمايل: متعمد. ورجل أجنف: في أحد شقيه ميل على الاخر. وقال ابن دريد: جنف يجنف جنفا إذا صد عن الحق وأصل الباب: الميل عن الاستواء. وقال الشاعر في الجنف: هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور (2) المعنى: وإذا جنف الموصي في وصيته، فللوصي أن يردها إلى العدل، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). وبه قال الحسن، وقتادة، وطاووس. وقال قوم، واختاره الطبري: ان قوله " فمن خاف من موص " في حال مرضه الذي يريد أن يوصي فيه، ويعطي بعضا، ويضر ببعض، فلا إثم أن يشير عليه بالحق، ويرده إلى الصواب ويسرع في الاصلاح بين الموصي، والورثة، والموصى له حتى يكون الكل راضين، * (الهامش) * " 1 " سورة المائدة آية: 3. " 2 " قائله عامر الخصفي، من بني خصفة، ابن قيس عيلان، مجاز القرآن لابي عبيدة: 66، 67، ومشكل القرآن: 119، واللسان (جنف) (ولي). قوله: هم المولى: أي هم أبناء عمنا، أقام المفرد مقام الجمع، أراد الموالي. وان جنفوا: وان جاروا ومالوا عن الحق. والزور: جمع أزور، وهو الغضب والانحراف. يقول: هم أبناء عمنا وان مالوا عن الحق وانا لنكره لقاءهم. *
[ 113 ]
ولا يحصل جنف، ولاظلم، ويكون قوله " فأصلح بينهم " يريد فيما يخاف من حدوث الخلاف فيه - فيما بعد - ويكون قوله " فمن خاف " على ظاهره، فيكون مترقبا غير واقع. وهذا قريب ايضا، غير أن الاول أصوب، لان عليه أكثر المفسرين،
وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وإنما قيل للمتوسط بالاصلاح ليس عليه إثم ولم يقل فله الاجر على الاصلاح، لان المتوسط إنما يجري أمره في الغالب على أن ينقص صاحب الحق بعض حقه بسوآله إياه، فاحتاج إلى ان يبين الله لنا أنه لا إثم عليه في ذلك إذا قصد الاصلاح. والذي اقتضى قوله " غفور رحيم " انه إذا كان يغفر المعصية، فانه لا يجوز أن يوآخذ بما ليس بمعصية مما بين أنه لا إثم عليه. والضمير في قوله " بينهم " عائد على معلوم بالدلالة عليه عند ذكر الوصي، والاصلاح، لانه قد دل على الموصى لهم ومن ينازعهم وأنشد الفراء - في مثل " فأصلح بينهم ": أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما * سمعي وما بي غيره وقر (1) أراد بينهما وبين زوجها، وإنما ذكرها وحدها، وأنشد أيضا: وما أدري إدا يممت وجها * أريد الخير أيهما يليني هل الخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني (2) فكنى في البيت الاول عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده. وقيل: بل يعود * (الهامش) * " 1 " أمالي الشريف المرتضى 1: 34، 123. أعمى: أي أغض بصري. والضمير في بينهما عائد على الزوج والزوجة. يقول لا أنظر إلى جارتي الا وهي مسترة ولا أبوح بسرها مع زوجها وكل ما أسمعه منهما فأجعل نفسي كأني لم أسمعه. " 2 " لم أجد هذين البيتين فيما حضرني من المصادر. في المطبوعة " هل " ساقطة. " أنهما " بدل " أيهما ". *
[ 114 ]
على مذكور، هم الوالدان والاقربون.
والضمير في قوله " فلا إثم عليه " عائد على الوصي - في قول الحسن - ويجوز أن يعود على المصلح المذكور في (من). وقوله تعالى: " جنفا " وإنما يريد بالجنف: الميل عن الحق عن جهة الخطأ، لانه لا يدري أنه لا يجوز، والاثم: أن يتعمد ذلك، وهو معنى قول ابن عباس، والحسن، والضحاك، والسدي. وروي ذلك عن أبي جعفر. والجنف في الوصية: أن يوصي الرجل لابن ابنته، وله أولاد. أويوصي لزوج بنته، وله أولاد، فلا يجوز رده على وجه عندنا. وخالف فيه ابن طاووس، وكذلك إن وصى للبعيد دون القريب لاترد وصيته. وخالف فيه الحسن. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تهتدون (183) آية بلا خلاف. هذه الاية ظاهرها يتوجه إلى من كان على ظاهر الايمان. فأما الكافر، فلا يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب بالصيام. وقوله " كتب " معناه فرض على ما بيناه فميا مضى. اللغة: والصيام، والصوم: مصدر صام يصوم صوما قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة * ؟ العجاج وخيل تعلك اللجما (1) وقال صاحب العين: الصوم، والصمت واحد كقوله تعالى " إني نذرت للرحمن صوما " أي صمتا. والصوم قيام بلا عمل صام الفرس على أريه: إذا لم يعلف. * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 106 " ملحق "، واللسان " صوم "، " ؟ " وهو من قصيدته الشهيرة التي أولها: بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما *
[ 115 ]
وصامت الريح: إذا ركدت. وصامت الشمس: حين تستوي في منتصف النهار. وصامت الفرس: موقفه. والصوم ذرق النعام. والصوم: شجر. وأصل الباب: الامساك، فالصوم: الصمت، لانه إمساك عن الكلام. المعنى: والصوم في الشرع هو الامساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة في زمان مخصوص. ومن شرط انعقاده النية. وقوله " كما كتب على الذين من قبلكم " قيل فيه ثلاثة أقوال. أحسنها: انه كتب عليكم صيام أيام، كما كتب عليهم صيام أيام. وهو اختيار الجبائي، وغيره، ويكون الصيام رفعا، لانه ما لم يسم فاعله، ويكون موضع (كما) نصب على المصدر. والمعنى فرض عليكم فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم. ويحتمل أن يكون نصبا على الحال من الصيام. وتقديره كتب عليكم مفروضا أي في هذه الحال. والثاني - ما قاله الشعبي، والحسن: انه فرض علينا شهر رمضان كما فرض شهر رمضان على النصارى. وإنما زادوا فيه وحو لوه إلى زمان الربيع. والثالث - ما قاله الربيع، والسدي: إنه كان الصوم من العتمة إلى العتمة لا يحل بعد النوم مأكل، ولا مشرب، ولا منكح، ثم نسخ. والاول هو المعتمد. وقال مجاهد. وقتادة: المعني بالذين من قبلكم أهل الكتاب. وقوله " لعلكم تهتدون " أي لعلكم تتقون المعاصي بفعل الصوم - في قول الجبائي - وقال السدي: لتتقوا ما حرم عليكم من المأكل والمشرب. وقالت فرقة: معناه لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصيام، لانه لو لم بلطف به لم تكونوا أتقياء. وإنما قلنا: الاول هم المعتمد، لانه يصح ذلك في اللغة، إذا كان فرض عليهم صيام أيام كما علينا صيام أيام وإن اختلف ذلك بالزيادة والنقصان.
قوله تعالى: أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن
[ 116 ]
تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن عامر، ونافع " فدية طعام مساكين " على إضافة الفدية وجمع المساكين. الباقون " فدية " ؟ " طعام مسكين " على التوحيد. والقراءتان متقاربتا المعنى، لان المعنى لكل يوم يفطر طعام مسكين. والقراءتان يفيدان ذلك. الاعراب: قوله تعالى: " أياما معدودات " منصوب بأحد شيئين: أحدهما - على الظرف، كأنه قيل: الصيام في أيام معدودات. وهو الذي اختاره الزجاج. الثاني - أن يكون قد عدي الصيام إليه كقولك: اليوم صمته. وقال الفراء: هو مفعول ما لم يسمى فاعله كقولك: أعطي زيد المال. وخالفه الزجاج، قال، لانه لا يجوز رفع الايام، كما لا يجوز رفع المال. وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الايام، فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على سعة في الكلام. وقال عطا، وقتادة: الايام المعدودات كانت ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ. وكذلك روي عن ابن عباس. وقال ابن أبي ليلى: المعني به شهر رمضان وإنما كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا. وقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " ارتفع عدة على الابتداء، وتقديره فعليه عدة من أيام أخر. وروي عن أبي جعفر (ع)
أن شهر رمضان كان صومه واجبا على نبي دون أمته. وإنما أوجب على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فحسب. وإنما قال " أخر " ولا يوصف بهذا الوصف إلا جمع المؤنث التي كل واحدة أنثى - والايام جمع يوم وهو مذكر - حملا له على لفظ الجمع، لان الجمع يؤنث كما يقال جائت الايام ومضت الايام. و " أخر " لا يصرف، لانه
[ 117 ]
معدول عن الالف واللام، لان نظائرها من الصغر والكبر لا يستعمل إلا بالالف واللام، لا يجوز نسوة صغر، ويجوز في العربية " فعدة " على معنى، فليعد عدة من أيام أخر بدلا مما افطر. المعنى: وهذه الاية فيها دلالة على أن المسافر، والمريض يجب عليهما الافطار، لانه تعالى أوجب عليهما القضاء مطلقا، وكل من أوجب القضاء بنفس السفر والمرض أوجب الافطار وداود أوجب القضاء، وخير في الافطار، فان قدروا في الاية فأفطر، كان ذلك خلاف الاية، وبوجوب الافطار في السفر قال عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأو هريرة، وعروة ابن الزبير، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وروى سعيد بن جبير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: قال: الافطار في السفر عزيمة. وروى يوسف ابن الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الصوم في السفر قال: أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك ألا تغضب، فانها صدقة من الله تصدق بها عليكم، وروى عبد الملك بن حميد قال قال أبو جعفر: كان أبي لا يصوم في السفر وينهى عنه، وروي عن عمر، أن رجلا صام في السفر، فأمره أن يعيد صومه، وروى عطا عن المحرز بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في شهر رمضان، فكنت أصوم ويفطر، فقال أبي أما أنك إذا أقمت قضيت، وروى عاصم مولى قومه: أن رجلا
صام في السفر فأمره عروة أن يقضي، وروى الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وروي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله قدم المدينة، فكان يصوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ ذلك بشهر رمضان في قوله: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " واختار الطبري هذا الوجه قال، لانه لم ينقطع العذر برواية صحيحة أنه كان هاهنا صوم متعبد به فنسخه الله بشهر رمضان.
[ 118 ]
اللغة: وأصل السفر الكشف تقول: سفر يسفر سفرا: إذا كشف. وأسفر لونه إسفارا، وانسفرت الابل: إذا انكشفت داهية انسفارا. وسافر سفرا، وسفرت الريح السحاب إذا قشعته قال العجاج: سفر الشمال الزبرج المزبررجا (1) الزبرج السحاب الرقيق، ومنه السفر، لانه يظهر به ما لم يكن ظهر، وينكشف به ما لم يكن انكشف، والسفرة طعام السفر، وبه سميت الجلدة التي يحمل فيها الطعام سفرة، والمسفرة: المكنسة، والسفير الداخل بين اثنين للصلح، والسفير: ورق الشجر إذا سقط، وسفر فلان شعره إذا استأصله عن رأسه، ومنه قوله تعالى: " وجوه يومئذ مسفرة " (2) أي مشر ؟ مضيئة " والصبح إذا أسفر " (3) إذا أضاء. والاسفار جمع سفر " بايدي سفرة " (4) أي كتبة. وقوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه " يقال: طاق يطوق طوقا وطاقة وهي القوة، وأطاقة إطاقة ايضا إذا قوي عليه، وطوقه تطويقا: ألبسه الطوق، وهو معروف من ذهب كان أو فضة كأنه يكسيه قوة بما يعطيه من الجلالة، وكل شئ استدار فهو طوق، كطوق الرحا الذي يدير القطب مشبه بالطوق المعروف في الصورة،
وتطوقت الحية على عنقها: أي صارت كالطوق فيه، والطاقة: شعبة من ريحان أو شعر ونحو ذلك، والطاق: عقد البناء حيث ما كان، والجمع الاطواق، وذلك لقوته. وطوقه الامر إذا جعله كالطوق في عنقه. المعنى: قال الحسن وأكثر أهل التأويل: إن هذا الحكم كان في المراضع، والحوامل، والشيخ * (الهامش) * " 1 " اللسان (سفر)، (زبرج). سفر: كشف. الشمال: ريح الشمال. الزبرج - بكسر الزاء وسكون الباء وكسر الراء -: السحاب الرقيق فيه حمرة، وقيل: النمر بسواد وحمرة في وجهه. وقيل: هو الخفيف الاحمر. " 2 " سورة عبس آية: 38. " 3 " سورة المدثر آية: 34. " 4 " سورة عبس آية 15. *
[ 119 ]
الكبير، فنسخ من الاية المراضع، والحوامل وبقى الشيخ الكبير. وقال أبو عبد الله (ع) ذلك في الشيخ الكبير يطعم لكل يوم مسكينا. منهم من قال: نصف صاع وهم أهل العراق. وقال الشافعي: مد عن كل يوم. وعندنا إن كان قادرا فمدان، وإن لم يقدر إلا على مد أجراه. وقال السدي: لم ينسخ، وإنما المعنى وعلى الذين كانوا يطيقونه. وقوله تعالى: " فمن تطوع خيرا " يعني أطعم أكثر من مسكين في قول ابن عباس، وعمل برا في جميع الدين في قول الحسن، وهو أعم فائدة. ومنهم من قال: من جمع بين الصوم، والصدقة ذهب إليه ابن شهاب: والهاء في قوله يطيقونه - عند أكثر أهل العلم - عائدة على الصوم، وهو الاقوى، وقال قوم: عائدة على الفداء، لانه معلوم وإن لم يجر له ذكر. والمعني بقوله " الذين يطيقونه " قيل فيه ثلاثة أقوال:
أولها - أنه سائر الناس من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم إطعام مسكين حتى نسخ ذلك - في قول ابن عباس، والشعبي. الثاني - قال الحسن وعطا: إنه في الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، فنسخ من الاية الحامل، والمرضع، وبقى الشيخ الكبير. وقال السدي: إنه فيمن كان يطيقه إذا صار إلى حال العجز عنه. " ومن " في قوله: " فمن تطوع " الظاهر، والاليق أنها للجزاء. ويحتمل أن تكون بمعنى الذي. وما روي في الشواذ من قراءة من قرأ " يطوقونه " قيل فيه قولان: أحدهما - يكلفونه على مشقة فيه، وهم لا يطيقونه لصعوبته. الثاني - أن يكون معناه يلزمونه، وهم الذين يطيقونه، فيؤول إلى معنى واحد. ومن قرأ " فدية طام مساكين " على إضافة الفدية، وجمع المساكين: عن ابن عامر ونافع، فان معنى قراءته تؤول إلى قراءة من ينون " فدية طعام مسكين "،
[ 120 ]
لان المعنى: لكل يوم يفطر طعام مسكين. والاول يفيد هذا ايضا، لانه إذا قيل: إطعام مساكين للايام بمعنى لكل يوم مسكين، صار المعنى واحدا. وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة: إن القدرة مع الفعل، لانه لو كانت الاستطاعة مع الفعل الذي هو الصيام، لسقطت عنه الفدية - لان إذا صام لم يجب عليه فدية. وقوله: " وإن تصوموا خير لكم " رفع (خير)، لانه خبر المبتدا. وتقديره وصومكم خير لكم، كأن هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ، فلا يجوز أن يقال: الصوم خير من الفدية مع أن الافطار لا يجوز أصلا. قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس
وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: يقرأ أبو بكر عن عاصم " ولتكملوا " بتشديد الميم. الباقون بتخفيفها. قال أبو العباس: أكملت وكملت بمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة. ومن قرأ بالتخفيف فلقوله " اليوم أكملت لكم دينكم " (1). اللغة: الشهر: معروف، وجمعه: الاشهر. والشهور والشهرة: ظهور الامر في * (الهامش) * " 1 " سورة المائدة آية: 4. *
[ 121 ]
شنعة. وشهرت الحديث أظهرته. وشهر فلان سيفه: إذا انتضاه. والمشهر: الذي أتى عليه شهر. وأشهرت المرأة: إذا دخلت في شهر ولادتها. وأتان شهيرة: أي عريضة ضخمة. والمشاهرة: المعاملة شهرا بشهر. وسمى الشهر شهرا، لاشتهاره بالهلال. فأصل الباب الظهور. وقال ابن دريد: الرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، والارض رمضاء. ورمض يومنا رمضا: إذا اشتد حره. ورمضان من هذا اشتقاقه، لانهم سموا الشهور بالازمنة التي فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر، وقد جمعوا رمضان، رمضانات. قال صاحب العين: والرمض حرقة غيظ تقول: أرمضني هذا الامر، ورمضت له. والرمض: مطر يكون قبل الخريف. وأصل الباب شدة الحر. الاعراب:
وشهر رمضان رفع لاحد ثلاثة أشياء: أولها - أن يكون خبر أبتداء محذوف يدل عليه " أياما معدودات " وتقديره هي شهر رمضان. الثاني - على ما لم يسم فاعله، ويكون بدلا من الصيام، وتقديره " كتب عليكم الصيام " " شهر رمضان ". الثالث - أن يكون مبتدأ وخبره " الذي أنزل فيه القرآن " ويجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين: أحدهما - صوموا شهر رمضان. والاخر - على البدل من أيام. المعنى: وقوله " أنزل فيه القرآن " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن: إن الله تعالى أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك
[ 122 ]
نجوما. وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). والثاني - أنه ابتداء إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان. فان قيل كيف يجوز أنزاله كله في ليلة، وفيه الاخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن يكون ؟ قلنا: يجوز ذلك في مثل قوله: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " (1) وقوله: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " (2) على إذا كان وقت كذا أنزل " لقد نصركم الله " كما قال تعالى " ونادى أصحاب الجنة " (3) أي إذا كان يوم القيامة " نادى أصحاب الجنة أصحاب النار ". الاعراب:
وقوله تعالى: " هدى للناس " موضعه نصب على الحال، كأنه قال: أنزل فيه القرآن هاديا للناس. ولا يحتمل سواه، لقوله " وبينات من الهدى ". اللغة: والقرآن إشتقاقه قرأ يقرأ قراءة، وأقرأه إقراء وقال صاحب العين: رجل قارء: أي عابد ناسك، وفعله التقري والقراءة، وأقرأت المرأة: إذا حاضت. وقرأت ؟: إذا حملت. والفرأ: الحيض، وقد جاء بمعنى الطهر. وأصل الباب الجمع، لقولهم. ما قرأت الناقة سلا قط: أي ما جمعت رحمها على سلا قط. وفلان قرأ، لانه جمع الحروف بعضها إلى بعض. والفرء الحيض، لاجتماع الدم في ذلك الوقت. والفرقان: هو الذي يفرق بين الحق، والباطل. والمراد به القرآن هاهنا. المعنى: وقوله: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " قيل في معناه قولان: * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران: 123 " 2. " سورة التوبة آية: 26. " 3 " سورة الاعراف آية: 43. *
[ 123 ]
أحدهما - من شاهد منكم الشهر مقيما. والثاني - من شهده بان حضره، ولم يغب، لانه يقال: شاهد: بمعنى حاضر وشاهد: بمعنى مشاهد. وروي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد: وجماعة من المفسرين، ورووه عن علي (ع) أنهم قالوا: من شهد الشر بأن دخل عليه الشهر، كره له أن يسافر حتى يمضي ثلاث وعشرون من الشهر إلا أن يكون واجبا كالحج، أو تطوعا كالزيادة، فان لم يفعل، وخرج قبل ذلك كان عليه الافطار، ولم يجزه الصوم. وقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " ناسخ الفدية - على قول من قال بالتخيير - وناسخ للفدية ايضا في المراضع والحوامل - عند من ذهب إليه - وبقي
الشيخ الكبير، له أن يطعم، ولم ينسخ. وعندنا أن المرضعة والحامل إذا خافا على ولدهما أفطرتا وكفرتا، وكان عليهما القضاء فيما بعد إذا زال العذر. وبه قال جماعة من المفسرين، كالطبري وغيره. وقوله: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " قد بينا أنه يدل على وجوب الافطار - في السفر -. لانه أوجب القضاء بنفس السفر، والمرض. وكل من قال ذلك أوجب الافطار. ومن قدر في الاية أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، زاد في الظاهر ما ليس فيه. فان قيل: هذا كقوله " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام " (1) ومعناه فحلق. قلنا: إنما قدرنا هناك فحلق للاجماع على ذلك، وليس هاهنا إجماع، فيجب أن لا يترك الظاهر، ولا يزاد فيه ما ليس فيه. اللغة: وقوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر " قال صاحب العين: الارادة: أصلها الواو، لانك تقول: روادته على أن يفعل كذا وكذا، مراودة. ومنه راد، يرود، روادا، فهو رايد بمعنى الطالب شيئا. ويقال أرود فلان إروادا: إذا رفق * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية: 19 *
[ 124 ]
في مشي أو غيره. ومنه رويدا فلانا: أي امهله يتفسح منصرفا. ومنه ارتاد ارتيادا كقولك: طلب طلبا، والرود: الميل. وفي المثل (الرائد لا يكذب أهله) أي الطالب صلاحهم لا يكذبهم، لانه لو كذبهم غشهم. وأصل الباب الطلب. والارادة بمنزلة الطلب للمراد، لانها كالسبب له. واليسر ضد العسر. يقال: أيسر إيسارا، ويسره تيسيرا، وتيسر تيسرا، وتياسر تياسرا، واستيسر استيسارا. واليسار: اليد اليسرى. واليسار: الغنى،
والسعة. واليسر: الجماعة الذين يجتمعون على الجزور في الميسر، والجمع: الايسار. وفرس حسن التيسور: إذا كان حسن السمن (1). وأصل الباب السهولة. والعسر ضد اليسر. وعسر الشئ عسرا. ورجل عسر بين العسر. ورجل أعسر: يعمل بشماله. وأعسر الرجل إعسارا: إذا افتقر. والعسير الناقة التي اعتاصت فلم تحمل من سنتها. وبعير عسران إذا ركب قبل أن يراض. وأصل الباب الصعوبة. وقوله تعالى: " ولتكملوا العدة " يقال: كمل يكمل كمالا، وأكمل إكمالا، وتكامل تكاملا، وكمله تكميلا، واستكمل استكمالا، وتكمل تكملا. أصل الباب الكمال، وهو التمام. الاعراب: وعطف باللام في قوله تعالى: " ولتكملوا العدة " على أحد أمرين: أحدهما - عطف جملة على جملة، لان بعده محذوفا، كأنه قال: ولتكملوا العدة شرع ذلك أو أريد. ومثله قوله تعالى: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين " (2) أي أريناه. هذا قول الفراء. الثاني - أن يكون عطفا على تأويل محذوف دل عليه ما تقدم من الكلام، لانه لما قال: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " دل على أنه فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز " ولتكملوا العدة " عطفا عليه. قال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " حسن ساقطة من المطبوعة، والسمن - بكسر السين وفتح الميم. " 2 " سورة الانعام آية: 75. *
[ 125 ]
يا رب غير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء قذاله * فبدوا وغيب ساره المعزاء (1) فعطف على تأويل الكلام الاول كأنه قال: بها رواكد، ومشجج. وهذا
قول الزجاج وهو الاجود، لان العطف يعتمد على ما قبله، لاعلى ما بعده. وعطف الظرف على الاسم في قوله " ومن كان مريضا أو على سفر " جائز، لانه معنى الاسم، وتقديره أو مسافرا، ومثله قوله: " دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " كأنه قال مضطجعا أو قائما أو قاعدا. المعنى: واليسر المذكور في الاية: الافطار في السفر - في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والعسر: الصوم فيه وفي المرض. والعدة: المأمور باكمالها، والمراد بها: أيام السفر، والمرض الذي أمر بالافطار فيها. وقال الضحاك، وابن زيد: عدة ما أفطروا فيه. وقوله " ولتكبروا الله " المراد به تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات: المغرب، والعشاء الاخرة، وصلاة الغداة، وصلاة العيد - على مذهبنا -. وقال ابن عباس، وزيد بن أسلم، وسفيان، وابن زيد: التكبير يوم الفطر. وفي الاية دلالة على فساد قول المجبرة من ثلاثة أوجه: أحدها - قوله " هدى للناس " فعم بذلك كل إنسان مكلف، وهم يقولون ليس يهدى الكفار. * (الهامش) * " 1 " اللسان (شجج) ذكر البيت الثاني فقط. غير: بدل. آيهن جمع آية وهي العلامة. والرواكد هي حجارة توضع تحت القدر. مشجج: مضروب. تذال: مجمع عظم الرأس بدا ظهر وبان. ساره: جميعه. المعزاء: الارض الصلبة ذات الحجارة. يقول رب لا تترك لهن علامة، وافنهن جميعا سوى حجارة الموتد، ومكسرات الرأس، واجعل أرضهن صلبة وفيها حجارة قد رماها العدو حتى غطت عليهن جميعا. *
[ 126 ]
الثاني - قوله تعالى " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " والمجبرة تقول: قد أراد تكليف العبد مالا يطيق مما لم يعطه عليه قدرة، ولا يعطيه، ولا عسر أعسر من ذلك. الثالث - لو أن إنسانا حمل نفسه على المشقة الشديدة التي يخاف معها التلف في الصوم لمرض شديد لكان عاصيا، ولكان قد حمل نفسه على العسر الذي أخبر الله أنه لا يريده بالعبد. والمجبرة تزعم أن كلما يكون من العبد من كفر أو عسر أو غير ذلك من أنواع الفعل يريده الله. مسائل من أحكام الصوم يجوز قضاء شهر رمضان متتابعا، ومتفرقا، فالتتابع أفضل. وبه قال مالك، والشافعي. وقال أهل العراق: هو مخير. ومن أفطر في شهر رمضان متعمدا بالجماع في الفرج لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - والكفارة: عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك هو بالخيار. وفي أصحابنا من قال بذلك. والاطعام لكل مسكين نصف صاع - عندنا - وبه قال أبو حنيفة، فان لم يقدر فمد. وبه قال الشافعي، ولم يعتبر العجز. فان جامع ناسيا، فلا شئ عليه. وقال مالك: عليه القضاء. ومن أكل متعمدا أو شرب في نهار شهر رمضان لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - وهو قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا كفارة عليه، وعليه القضاء. والناسي لا شئ عليه - عندنا - وعند أهل العراق، والشافعي. وقال مالك عليه القضاء. ومن أصبح جنبا متعمدا من غير ضرورة لزمه - عندنا - القضاء والكفارة. وقال ابن حي عليه القضاء استحبابا. وقال جميع الفقهاء لا شئ عليه. ومن ذرعه القئ، فلا شئ عليه، فان تعمده كان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك. وقال الاوزاعي: إن غلبه، فعليه القضاء بلا كفارة. وإن
[ 127 ]
استدعاه فعليه القضاء، والكفارة. ومن أكل حصى أو نوى متعمدا فعليه القضاء، والكفارة. وبه قال مالك والاوزاعي: وقال اهل العراق. عليه القضاء بلا كفارة. وقال ابن حي لا قضاء ولا كفارة. وإذا احتلم الصبي يوم النصف من شهر رمضان صام ما بقي، ولا قضاء عليه فيما مضى، ويمسك بقية يومه تأديبا، فان أفطر فيه فلا قضاء عليه. وبه قال أهل العراق. وقال مالك: أحب الي أن يقضي ذلك اليوم، وليس بواجب. وقال الاوزاعي: يصوم ما بقى، ويقضى ما مضى منه. وحكم الكافر إذا أسلم حكم الصبي إذا احتلم في جميع ذلك. والمجنون، والمغمى عليه في الشهر كله لا ؟ عليه - عندنا - بدلالة قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر، فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " وإنما أراد من شهد الشهر وهو ممن يتوجه إليه الخطاب، والمجنون والمغمى عليه ليس بعاقل يتناوله الخطاب. وقوله " ومن كان مريضا أو على سفر " المراد به إذا كان مريضا عا ؟، يشق عليه الصوم، أو يخاف على نفسه منه، فيلزمه " عدة من أيام أخر ". وقال أهل العراق: إن لم يفق المجنون في جميع الشهر، فلا قضاء عليه، وان أفاق في بعضه فعليه قضاؤه كله. وأما المعنى عليه في الشهر كله، فعليه قضاؤه، لانه بمنزلة المريض. وقال حسن بن صالح، ومالك: المجنون، والمغمى عليه سواء، عليه قضاء الشهر كله إن جن في الشهر كله، وأغمى عليه فيه. وقال الاوزاعي: المجنون، والمغمى عليه سواء، لا قضاء على واحد منهما ما مضى من الشهر، ويقضى ما بقى منه، فان أفاق بعد ما خرج الشهر كله فلا قضاء عليه. وهذا مثل ما قلناه. وقال الشافعي: يقضى المغمى عليه، ولا يقضى المجنون. والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير إذا أفطروا، قال أهل العراق: في
الحامل، والمرضع، يخافان على ولدهما: يفطران، ويقضيان يوما مكانه، ولا صدقة عليهما، ولا كفارة، وبه قال قوم من أصحابنا. وقال مالك الحامل تقضي، ولا تطعم والمرضع: تقضي، وتطعم لكل يوم مدا. وقال الشافعي في رواية المزني:
[ 128 ]
عليهما القضاء في الوجهين، وتطعم لكل يوم مدا، وهو مذهبنا، والمعمول عليه. وفي رواية البزنطي عن الشافعي مثل قول مالك. والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويتصدق مكان كل يوم نصف صاع في قول أهل العراق، وهو مذهبنا. وقال الشافعي: مد لكل يوم. وقال مالك: يفطر ولا صدقة عليه. والسفر الذي يوجب الافطار: ما كان سفرا حسنا، وكان مقداره ثمانية فراسخ: أربعة وعشرين ميلا. وعند الشافعي: ستة عشر فرسخا. وعند أبي حنيفة: أربعة وعشرون فرسخا. وقال داود: قليله، وكثيرة يوجب الافطار. والمرض الذي يوجب الافطار: ما يخاف معه التلف أو الزيادة المفرطة في مرضه. وروي أنه كل مرض لا يقدر معه على القيام مقدار صلاته، وبه قال الحسن، وعبيدة السلماني. في ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. ومن قال: إن قوله تعالى: " ولتكملوا العدة " يدل على أن شهر رمضان لا ينقص أبدا، فقد أبعد من وجهين: (الاول)، لان قوله " ولتكملوا العدة " معناه ولتكملوا عدة الشهر سواء كان الشهر تاما أو ناقصا. والثاني - أن ذلك راجع إلى القضاء، لانه قال عقيب ذكر السفر، والمرض: " فعدة من أيام أخر يريد الله بكم السير ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة " يعنى عدة ما فاته، وهذا بين. قوله تعالى:
وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) آية بلا خلاف.
[ 129 ]
النزول: روي عن الحسن: أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله أقريب ربنا فتناجيه أم بعيد فتناديه، فنزلت الآية. قال قتادة: نزلت جوابا لقوم سألوا النبي صلى الله عليه وآله كيف تدعو. المعنى: وقوله تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب " معناه: إن اقتضت المصلحة إجابته، وحسن ذلك، ولم تكن فيه مفسدة (1). فأما أن يكون قطعا لكل من يسأل فلابد أن يجيبه. فلا. على أن الداعي لا يحسن منه السؤال إلا بشرط ألا يكون في إجابته مفسدة، لا له، ولا لغيره، وإلا كان الدعاء قبيحا. ولا يجوز أن يقيد الاجابة بالمشيئة بأن يقول: إن شئت، لانه يصير الوعد به لا فائدة فيه، فمن أجاز ذلك فقد أخطأ. فان قيل: إذا كان لا يجيب كل من دعا، فما معنى الآية ؟ قلنا معناه أن من دعا - على شرائط الحكمة التي قدمناها، واقتضت المصلحة إجابته - أجيب لا محالة، بان يقول: اللهم إفعل بي كذا إن لم يكن فيه مفسدة لي أو لغيري في الدين (2) أو دنيوي. هذا في دعائه. وفي الناس من قال: إن الله وعد باجابة الدعاء منه عند مسألة المؤمنين دون الكفار، والفاسقين. والمعتمد هو الاول. فان قيل: إذا كان ما تقتضيه الحكمة لابد أن يفعل به، فلا معنى للدعاء ! قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن ذلك عبادة كسائر العبادات. ومثله قوله: " رب احكم بالحق ".
والثاني - انه لا يمتنع أن تقتضي المصلحة إجابته إذا دعا. ومتى لم يدع لم تقتض الحكمة إجابته. فان قيل: هل يجوز أن تكون الاجابة غير ثواب ؟ قلنا فيه خلاف. قال * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " فئة " " 2 " هكذا في المطبوعة والاولى أن يكون " في أمرديني ". *
[ 130 ]
أبو علي لا يكون إلا ثوابا، لان من أجابه الله، يستحق المدح في دين المسلمين، فلا يجوز أن يجيب كافرا، ولا فاسقا. وكان أبو بكر بن الاخشاد يخبر ذلك في العقل على وجه الاستصلاح له. وهذا الوجه أقرب إلى الصواب. والدعاء: طلب الطالب للفعل من غيره. ويكون الدعاء لله على وجهين: أحدهما - طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والتوحيد: كقولك: يا ألله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد. الثاني - الطلب لاجل الغفران أو عاجل الانعام كقولك: أللهم اغفر لي وارحمني، وارزقني، وما أشبه ذلك. وقوله: " فاني قريب " قيل في معناه قولان: أحدهما - إني قريب الاجابة: سريع الاجابة، فجاز ذلك لمشاكلة معنى قريب لسريع. الثاني - قريب -، لانه يسمع دعاءهم كما يسمعه القريب المسافة منهم، فجاز لفظة قريب، فحسن البيان بها. فأما قريب المسافة، فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفات المحدثات. اللغة: وقوله " أجيب دعوة الداعي إذا دعاني " فالاجابة من الجواب، وهو القطع.
يقال: جاب البلاد يجوب جوبا إذا قطع. ومنه قوله تعالى: " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " (1) أي قطعوه. وأجاب الله دعاءه إجابة، وأجاب فلان عن السؤال جوابا. وأجاب الظلام إذا قطعه. واستجاب له استجابة. وجاوبه مجاوبة، وتجاوب تجاوبا، وانجاب السحاب: إذا انقشع. وأصل الباب القطع، فاجابة السائل: القطع مما سأل، لان سوآله على الوقف أيكون أم لا يكون. * (الهامش) * " 1 " سورة الفجر آية: 9. *
[ 131 ]
الاعراب: وقوله تعالى " فليستجيبوا لي " هذه لام الامر، لابد منها للغائب. وأما للحاضر (1)، فيجوز فيه إثباتها وإسقاطها. كقولك قم ولتقم. والاصل فيها أن تكون مكسورة. ويجوز فيها السكون إذا اتصلت بحرف واحد كالفاء فأما ثم، فالوجه معها الكسر، لانها منفصلة. وإنما جاز فيها السكون دون لام كي، لانه لما كان عملها التسكين جاز فيها، لايذانه بعملها. المعنى: وقال أبو عبيدة: استجاب، وأجاب بمعنى واحد. وأنشد لكعب بن سعد الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (2) أي لم يجبه. وقال المبرد: هذا لا يجوز، لان في الاستجابة معنى الاذعان، وليس ذلك في الاجابة. وقوله " لعلهم يرشدون " في لعل جوابان: أحدهما - ليرشدوا، فتكون دالة على العوض في الاجابة، من الله تعالى للعبد. الثاني - على الرجاء والطمع، لان يرشدوا، ويكون متعلقا بفعل العباد. والرشد: نقيض الغي. يقال: رشد يرشد رشدا، ورشيد رشدرا، وأرشده
إرشادا واسترشد إسترشادا، وهو لرشدة خلاف لزنية. وأصل الباب إصابة الخير، فمنه الارشاد: الدلالة على وجه الاصابة للخير. وروى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: " وليؤمنوا بي " أي وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوا. قوله تعالى: أحل لكم ليله الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " قلنا الحاضر " وهو تحريف. " 2 " أمالي القالي 2: 151. والاصمعيات: 14، واللسان " جوب " وهو من قصيدة ؟ بها أخاه أبا المغوار. *
[ 132 ]
لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ؟ عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) آية واحدة بلا خلاف. المعنى: الرفث الجماع هاهنا بلا خلاف، وفي قراءة ابن مسعود " فلا رفوث "، وقيل: أصله فاحش القول فكنى به عن الجماع قال العجاج: عن اللغا ورفث التكلم (1) والرفث والترفث: قول الفحش يقال رفث يرفث رفثا. وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر، إلا أول ليلة من شهر رمضان لمكان الآية والآشبه أن يكون المراد بليلة الصيام ليالي الشهر كله. وإنما
ذكر بلفظ التوحيد، لانه اسم جنس يدل على التكثير. ومعنى قوله: " هن لباس لكم " أنهن يصرن بمنزلة اللباس، كما قال النابغة الجعدى: * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 59 من رجز له طويل، حمد فيه الله ومجده بقوله: فالحمد لله العلي الاعظم * ذي الجبروت والجلال الافخم إلى أن قال: ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم والاسراب: القطيع من القطا أو الظباء أو الشاء أو النساء. يقصد به الججاج. والكظم بفتح الكاف والظاء - السكوت عن الكلام وحبس النفس في الصدر. الغا: ما لا يعتد به من لكلام. رفث التكلم: عطف بيان على اللغا. *
[ 133 ]
إذا ما الضجيع ثنى عطفه * تثنت عليه فكانت لباسا (1) وقال قوم: معناه هن سكن لكم، كما قال: " وجعلنا الليل لباسا " (2) أي سكنا. واللباس الثياب التي من شأنها أن تستر الابدان، ويشبه بها الاغشية فيقال لبس السيف بالحلية. وقوله تعالى: " علم الله إنكم كنتم تختانون أنفسكم " معناه أنهم كانوا لما حرم عليهم الجماع في شهر رمضان بعد النوم. خالفوا في ذلك فذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك الفريضة. فان قيل: أليس الخيانة انتقاص الحق على جهة المساترة، فكيف يساتر نفسه ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن بعضهم كان يساتر بعضا فيه فصار كأنه يساتر نفسه، لان ضرر النقص والمساترة داخل عليه. الثاني - أنه يعمل عمل المساتر له فهو يعمل لنفسه عمل الخائن له.
ويقال: خانه يخونه خونا وخيانة، وخونه تخوينا، واختانه اختيانا، وتخونه تخونا، والتخون: التنقص، والتخون: تغيير الحال إلى ما لا ينبغي " وخاينة الاعين ": (3) مشارفة النظر الي مالا يحل. وأصل الباب منع الحق. وقوله تعالى: " فتاب عليكم " أي قبل توبتكم على ما بيناه فيما تقدم. وقوله تعالى: " وعفا عنكم " فيه قولان: أحدهما - غفر ذنبكم. الثاني - أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه عليهم. وقوله تعالى: " فالآن باشروهن " أي جامعوا هن، ومعناه الاباحة دون الامر، والمباشرة إلصاق: البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وقوله تعالى: " وابتغوا ما كتب الله لكم " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، وغيره: يعني طلب الولد. * (الهامش) * " 1 " الشعر والشعراء: 225، ومجاز القرآن لابي عبيدة: 67. وتأويل مشكل القرآن: 107، وفي بعضها (تداعت) بدل (تثنت). " 2 " سورة عم آية: 10. " 3 " سورة المؤمن آية: 19. *
[ 134 ]
الثاني - قال قتادة: يعني الحلال الذي بينه الله في الكتاب، والابتغاء: الطلب للبغية، وقوله " وكلوا واشربوا " إباحة للاكل والشرب " حتى يتبين " أي يظهر، والتبين: تميز الشئ الذي يظهر للنفس على التحقيق " الخيط الابيض من الخيط الاسود " يعني بياض الفجر من سواد الليل. وقيل: خيط الفجر الثاني مما كان في موضعه من الظلام. وقيل النهار من الليل، فأول النهار طلوع الفجر الثاني لانه أوسع ضياء. قال أبو داوود (1). فلما أضاءت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط أنارا (2) وروي عن حذيفة، والاعمش، وجماعة. أن الخيط الابيض: هو ضوء
الشمس، وجعلوا أول النهار طلوع الشمس، كما أن آخر غروبها بلا خلاف في الغروب. وأكثر المفسرين على القول الاول، وعليه جميع الفقهاء، لا خلاف فيه بين الامة اليوم. اللغة: والخيط في اللغة معروف يقال خاط يخيط خياطة، فهو يخيط، وخيطه تخييطا. والخيط: القطيع من النعام. ونعامة خيطاء: قيل: خيطها طول قصبتها، وعنقها. وقيل: اختلاط سوادها ببياضها، وكلاهما يحتمل، فالاول، لانه كالخيط الممدود. والثاني - لانه كاختلاط خيوط بيض بسود. والمخيط الابرة. ونحوها مما يخاط به. والابيض نقيض الاسود. والبياض ضد السواد يقال: أبيض، وابياض بيضاضا وبيضه تبييضا، وتبيض تبيضا. وبيضة الطير، وبيضة الحديد، وبيضة الاسلام مجتمعه، وابتاضوهم أي استأصلوهم، لانهم اقتلعوا بيضهم وأصل الباب البياض. واسود، واسواد اسودادا، وسوده تسويدا، وتسود تسودا، وساوده * (الهامش) * " 1 " هو أبو داود: الايادي. " 2 " اللسان (خيط) والاصمعيات: 28 ورواية الاصمعيات (خير أنارا) في المطبوعة (غدوة) بدل (سدفة ؟ ومعناهما متقارب، لان السدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس. وهى أيضا اختلاط ضوء والظلمة جميعا. *
[ 135 ]
سوادا: أي ساده سوادا، لان الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل. وسواد العراق: سمي به لكثرة الماء، والشجر الذي تسود به الارض. وسواد كل شئ شخصه. والاسود من الحبة يجمع أساود. وسويداء القلب، وسوداوه دمه الذى فيه في قول: ابن دريد. وقيل حبة القلب، لانه في سواد من الظلمة. وساد سؤددا، فهو سيد، لانه ملك السواد الاعظم، والمسود: الذي قد ساده غيره.
المعنى: وقوله " من الفجر " يحتمل معنيين: أحدهما - أن يكون بمعنى التبعيض، لان المعنى من الفجر، وليس الفجر كله. هذا قول ابن دريد. الثاني - بمعنى تبين الخيط، كأنه قال: الخيط الذي هو الفجر. وقوله: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " قد بينا حقيقة الصيام فيما مضى. والليل هو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق، وإقبال السواد منه، وإلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الارض المبسوطة وعدم الجبال، والروابي، فقد دخل الليل. وقوله تعالى: " ولا تباشروهن " قيل في معناه قولان هاهنا: قال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أراد به الجماع. وقال ابن زيد، ومالك: أراد الجماع. كلما كان دونه من قبلة، غيرها. وهو مذهبنا. وقوله تعالى: " وأنتم عاكفون في المساجد " فالاعتكاف - عندنا - هو ؟ في أحد المساجد الاربعة: المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وآله أو مسجد الكوفة أو مسجد البصر، للعبادة من غير اشتغال بما يجوز تركه من أمور الدنيا. وله شرائط - ذكرناها في كتب الفقه - وأصله اللزوم. قال الطرماح:
[ 136 ]
فبات بنات الليل حولي عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع (1) وقال الفرزدق: ترى حولهن المعتفين كأنهم * على صنم في الجاهلية عكف (2) اللغة:
وقوله تعالى: " تلك حدود الله ". فالحد على وجوه: أحدها - المنع، يقال: حده عن كذا حدا أي منعه. والحد حد الدار. والحد الفرض من حدود الله أي فرائضه، الحد الجلد للزاني، وغيره. والحد: حد السيف، وما أشبهه. والحد في الحلق: الحدة. والحد: الفرق بين الشيئين. والحد منتهى الشئ. وحد الشراب: صلابته. وإحداد المرأة على زوجها: امتناعها من الزينة والطيب. وإحداد السيف: إشحاذه. وإحدا ؟ النظر إلى الشئ التحديق إليه. والحديد معروف، وصانعه الحداد. والحداد السجان. والاستحداد حلق الشئ بالحديد. وحاددته: عاصيته، ومنه قوله تعالى " ان الذين يحادون الله ورسوله " (3) وأصل الباب المنع. والحد، نهاية الشئ التي تمنع أن يدخله ما ليس منه، وأن يخرج عنه ما هو منه. أحكام الاعنكاف: ولا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك ابن أنس. وقال الشافعي يصح بلا صوم، وبه قال الحسن إلا أن يشرط. وعندنا * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 153، واللسان (بني) وروايته (تظل) بدل " فبات " و " قتيل " بدل " صريع ". بنات الليل: الهموم. وقيل الاحلام. والاول ؟ في هذا. كأنه يقول: ان الهموم ؟ علي. كتراكم النساء على القتيل. " 2 " ديوانه: 561، والنقائض: 563. وفي المطبوعة " العقين " بدل " ملعتفين " والمعتفون: الذين جاؤا يطلبون الرزق، يصفهم: جمعا قد وقفوا ينتظرون الطعام والعطاء متلهفين. وهو ليس بذم لهم بل مدح بالمعطي لهم. " 4 " سورة المجادلة آية 5، 20. *
[ 137 ]
لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وبه قال أهل المدينة. وقال أهل العراق: الاعتكاف
جائز به كل مسجد يصلى فيه جماعة. وقال مالك: لا إعتكاف إلا في موضع يصلى فيه الجمعة من المصر. وقال أهل العراق: المرأة تعتكف في مسجد بيتها. وقال مالك: لا تعتكف إلا في مسجد جماعة. وقال الشافعي: المرأة والعبد يعتكفان، وكذلك المسافر حيث شاءوا. وقد بينا ما عندنا في ذلك. ولا فرق بين الرجل والمرأة فيه. وقال مالك: لا يكون الاعتكاف أقل من عشرة أيام. وعند أهل العراق يكون يوما. ومسائل الاعتكاف قد بيناها في النهاية، والمبسوط في الفقه، فلا نطول بدكرها. والمختلف فيها ذكرناه في مسائل الخلاف. سبب النزول: وقيل أن هذه الآية نزلت في شأن أبي قيس بن صرمه، فكان يعمل في أرض له، فأراد الاكل، فقالت امرأته: يصلح لك شيئا فغلبت عيناه، ثم قدمت إليه الطعام، فلم يأكل، فلما أصبح لاقى جهدا، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فنزلت هذه الآية. وروي أن عمرا أراد أن يوقع زوجته في الليل، فقالت: إني نمت فظن أنها تعتل عليه، فوقع عليها، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك من الغد، فنزلت الآية فيهما. المعنى: وقوله تعالى: " كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون " يعني ما بين لهم من الادلة على ما أمرهم به، ونهاهم عنه، لكلي يتقوا معاصي، وتعدي حدوده التي أمرهم الله بها، ونهاهم عنها، وأباحهم إياها. وفي ذلك دلالة على أنه تعالى: أراد التقوى من جميع الناس: الذين بين لهم هذه الحدود. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في خوات من جبير مثل قصة أبي قيس بن صرمه. وأنه كان ذلك يوم
[ 138 ]
الخندق. وروي عن أبي جعفر (ع) حديث أبي قيس سواء. قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون (188) آية المعنى: قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قيل في معناه قولان: أحدهما - أن يكون ذلك على الجهة الظلم، نحو الخيانة، والسرقة، والغصب، ويكون التقدير لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل كأكل مال نفسة بالباطل، ومثله " ولا تلمزوا أنفسكم " (1) ومعناه لا يلمز بعضكم بعضا. وقوله: " ولا تقتلوا أنفسكم " (2) والمعنى لا يقتل بعضكم بعضا. الثاني - لا تأكلوه على وجه الهزء واللعب، مثل ما يوجد في القمار والملاهي ونحوها، لان كل ذلك من أكل المال بالباطل. وقال أبو جعفر (ع) " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " يعني باليمين الكاذبة يقتطعون بها الاموال، وقال أبو عبد الله (ع): علم الله أنه سيكون في هذه الامة حكام يحكمون بخلاف الحق، فنهى الله المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وهم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق. وقوله تعالى: " وتدلوا بها إلى الحكام " فالحكم هو الخبر الذي يفصل به بين الخصمين ؟ يمنع كل واحد من منازعة الآخر. وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إنه الوديعة وما تقوم به بينة. الثاني - قال الجبائي: في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء، لانه يدفعه إلى * (الهامش) * " 1 " سورة الحجرات آية: 11. " 2 " سورة النساء آية: 28. *
[ 139 ]
الحاكم إذا طولب به، ليقتطع بعض، ويقوم له في الظاهر حجة. اللغة: يقال أدلى فلان بالمال إلى الحاكم إذا دفعه إليه. وأدلى فلان بحقه وحجته: إذا هو احتج بها وأحضرها، ودلوت الدلو في البئر أدلوها: إذا أرسلتها في البئر، وأدليتها إدلاء: إذا انتزعتها من البئر، ومنه قوله تعالى: " فأدلى دلوه " (1) أي انتزعها. وقال صاحب العين: أدليتها إذا أرسلتها أيضا. وأدلى الانسان شيئا في مهوى، ويتدلى هو بنفسه. والدالية معروفة. الاعراب: وموضع " تدلو " يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون جزما على النهى، وعطفا على قوله: " لا تأكلوا ". والثاني - أن يكون نصبا على الظرف، ويكون نصبها باضمار أن كقول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأني مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم (2) لا تجمع بينهما. والاول أجود. المعنى: وقيل في اشتقاق " تدلو " قولان: أحدهما - أن التعلق بسبب الحكم كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل. والثاني - أنه يمضي فيه من غير تثبت، كمضى الدلو في الارسال من غير تثبت. والباطل هو ما تعلق بالشئ على خلاف ما هو به، خبرا كان أو اعتقادا أو تخيلا أو ظنا. والفريق: القطعة المعزولة من الشئ. والاثم الفعل الذي يستحق به الذم. وقوله: " وأنتم تعلمون " معناه إنكم تعلمون أن ذلك التفريق من المال * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف آية: 19. " 2 " مر تخريجه في 1: 19. *
[ 140 ]
ليس بحق لكم لانه أشد في الزجر. وفي الاية دلالة على أن تفرقة الحاكم بشهادة الزور غير جائزة، ولا يستباح به النكاح لاحد الشاهدين كما لا يحل ذلك في المال. قوله تعالى: يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: البيوت والسيوح والغيوب والجيوب - بكسر أولها - شامي والكسائي، والاعشى لا يكسرون، الغيوب، ويكسرها حمزة، ويحيى إلا الجيوب. ويكسرها ابن كثير إلا الجيوب والغيوب. وابن فليح يكسرها كلها. وقالون يكسر منها البيوت فقط. وأبو عمرو يضمها كلها. اللغة: الاهلة جمع هلال وسمي الهلال، لرفع الصوت بذكره عند رؤيته، ومنه أهل بالحج: إذا رفع الصوت بالتلبية. واختلف أهل العلم إلى كم يسمى هلالا، فقال قوم: يسمى ليلتين هلالا من الشهر. ومنهم من قال: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. وقال الاصمعي: يسمى هلالا حتى يحجر. تحجيره: أن يستدير بخطة دقيقة. ومنهم من قال: يسمى هلالا حين يبهر ضوءه سواد الليل، فإذا غلب ضوءه، سمي قمرا. وذلك لا يكون إلا في الليلة السابعة. وقال الزجاج: يسمى هلالا لليلتين. واسم القمر الزبرقان، واسم دارته الهالة. والفخت اسم ضوءه، أو ظلمته على خلاف فيه. واسم ظله السمر. ومنه قيل: سمار الذين يتحدثون بالليل. وإنما
[ 141 ]
اقتصر في جمعه على أهلة، وهو لاد ؟ العدد، دون الفعل الذي هو للجمع الكثير، استثقالا له في التضعيف، كما قالوا، فيما ليس بمضعف: حمار وأحمرة وحمر. المعنى: فان قيل عما كان وقع السؤال من حال الاهلة قيل عن زيادتها ونقصانها، وما وجه الحكمة في ذلك، فاجيب بأن مقاديرها تحتاج إليه الناس في صومهم، وفطرهم، وحجهم وعدد نسائهم، ومحل ذنوبهم، وغير ذلك. وفيها دلالة واضحة على أن الصوم لا يثبت بالعدد، وأنه يثبت بالهلال، لان العدد لو كان مراعى، لما أحيل في مواقيت الناس في الحج على ذلك بل أحيل على العدد. اللغة: وقوله تعالى: " قل هي مواقيت " والميقات: هو مقدار من الزمان، جعل علما لما يقدر من العمل، ومنه قوله تعالى: " إلى يوم الوقت المعلوم " (1) والتوقيت: تقدير الوقت. وقت توقيتا، ومنه قوله تعالى: " وإذا الرسل أقتت " (2) وكلما قدرت غاية، فهو موقت. والميقات: منتهى الوقت، ومنه قوله تعالى: " فتم ميقات ربه " (3) فالاخرة ميقات الخلق. والاهلال: ميقات الشهر. وإنما لم يصرف مواقيت، وصرف قوارير، لان قوارير فاصلة في رأس آية، فصرفت لتجري على طريقة واحدة في الايات، كالقوا في، وليس ذلك تنوين الصرف. المعنى: وقوله تعالى " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى " قيل في معناه وجهان: أحدهما - " ولكن البر من اتقى " كما قلنا في قوله " ولكن البر من آمن بالله ". * (الهامش) * " 1 " سورة الحجر آية: 38، وسورة ص آية 81.
" 2 " سورة المر ؟ آية: 11. " 3 " سورة الاعراف آية: 41. *
[ 142 ]
والثاني - على وقوع المصدر موقع الصفة، كأنه قال: ولكن البار " من آمن بالله ". قيل في معنى الاية قولان: أحدهما - أنه كان قوم من الجاهلية إذا أحرموا، نقبوا في ظهر بيوتهم نقبا، يدخلون منه، ويخرجون، فنهوا عن التدين بذلك، وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوانها. في قول ابن عباس، والبراء، وقتادة، وعطا. و (الثاني) - قال قوم، واختاره الجبائي: إنه مثل ضربه الله لهم. " وأتوا البيوت من أبوا ؟ " أي أتوا البر من وجهه الذي أمر الله به، ورغب فيه، وهذا الوجه حسن. وروى جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت " الاية، قال: يعني أن يأتي الامر من وجهه أي الامور. وروى أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) مثل قول ابن عباس سواء. وقال قوم: أراد بالبيوت النساء، لان المرأة تسمى بيتا على ما بيناه فيما مضى، فكأنه نهى عن إتيان النساء في أدبارها، وأباح في قبلهن. والاولان أقوى وأجود. والباب: هو المدخل، تقول منه: بوب تبويبا إذا جعله أبوابا. والبواب: الحاجب، لانه يلزم الباب. والبابة القطعة من الشئ كالباب من الجملة. فان قيل أي تعلق لقوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " بسؤال القوم عن الاهلة ؟ قلنا: لانه لما بين ما فيه من وجه الحكمة، اقتضى لتعلموا على أمور مقدره، ولتجري أموركم على استفامة فانما البر أن تطيعوا أمر الله. ومن كسر (الباء) من البيوت، فلاستثقال الخروج من الضم إلى الياء. ومن ضم غيوب وكسر البيوت، فلان الغين لما كان مستعليا، منع الكسر، كما منع
الامالة. وأما الحج، فهو قصد البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في وقت مخصوص. والبر: النفع الحسن. والظهر: الصفيحة المقابلة لصفيحة الوجه. وقوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون " يعني واتقوا ما نها كم الله عنه،
[ 143 ]
وزهدكم فيه، لكي تفلحوا بالوصول إلى ثوابه الذي ضمنه للمتقين. قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) آية بلا خلاف. المعنى: القتال هو المقاتلة، وهو محاولة الفاعل لقتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الاخر. والخطاب بقوله " وقاتلوا " متوجه إلى المؤمنين. ولو قال: " تقاتلوا " لكان أمرا للفريقين. وذهب الحسن، وابن زيد، والربيع، والجبائي: إلى أن هذه الاية منسوخة، لانه قد وجب علينا قتال المشركين وإن لم يقاتلونا بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1) وقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " (2). وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز: أنها غيرمنسوخة. وقال بعضهم: أمروا بقتال المقاتلين دون النساء. وقيل: إنهم أمروا بقتال أهل مكة. والاولى حمل الاية على عمومها إلا من أخرجه الدليل. وقوله " تعتدوا " قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - لا تعتدوا بالقتال بقتال من لم تؤمروا بقتاله. الثاني - لا تعتدوا إلى النساء، والصبيان، ومن قد أعطيتموه الامان. الثالث - لا تعتدوا بالقتال على غير الذين. فان قيل: إذا كان الاعتداء في قتال من لم يقاتلهم فكيف يجوز ان يومروابه فيما بعد ؟ قيل: انما كان اعتداء
من أجل أنه مجاوزة لما حده الله لهم مما فيه الصلاح للعباد، ولم يكن فيما بعد على ذلك، فجاز الامر به. وقوله: " في سبيل الله " يعنى دين الله، وهو الطريق الذي بينه للعباد، ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه. * (الهامش) * " 1 " سورة التوبة آية: 6. " 2 " سورة البقرة آية: 193. *
[ 144 ]
وقوله: " لا يحب المعتدين " معناه لا يريد ثوابهم، ولا مدحهم، كما يحب ثواب المؤمنين. وقد بينا فيما مضى أن المحبة هي الارادة. وإنما قلنا إنها من جنس الارادة، لان الكراهة تنافيها، ولا يصح إجتماعهما، ولانها تتعلق بما يصح حدوثه لا كالارادة، فلا يصح أن يكون محبا للايمان كارها له، كما بينا في أن يكون مريدا له وكارها. وتعلق المحبة بأن يؤمن، كتعلق الارادة بأن يؤمن. وانما اعتيد في المحبة الحذف، ولم يعتدذلك في الارادة، فيقال: الله يحب المؤمن، ولا يقال: الله يريد المؤمن. وقوله: " لا يحب المعتدين " ظاهره يقتضي أنه يسخط عليهم، لانه على وجه الذم لهم إذ لا يجوز أن يطلق على من لا ذنب له من الاطفال، والمجانين. والاعتداء مجاوزة الحق. وأصله المجاوزة، يقال: عدا إذا جاوز حده في الاسراع. وروي عن أئمتنا (ع). أن قوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله " ناسخ لقوله: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (1) وكذلك قوله: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " (2) ناسخ لقوله " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم " (3). قوله تعالى:
واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) آية واحدة بلا خلاف. * (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية: 90. " 2 " سورة البقرة آية: 191. " 3 " سورة الاحزاب آية: 48 *
[ 145 ]
القراءة: قرأ حمزة، والكسائي، " ولاتقتلوهم " " حتى يقتلوكم " " فان قتلوكم " كله بغير ألف. الباقون بألف في جميع ذلك. المعنى: والمعنى لا تبدؤهم بقتل ولا قتال حتى يبدؤكم. إلا أن القتل نقض بنية الحياة، والقتال محاولة القتل ممن يحاول القتل. وقوله: " واقتلوهم " أمر للمؤمنين بقتل الكفار " حيث ثقفتموهم ". الاعراب: ويجوز في حيث ثلاثة أوجه: ضم الثاء، وفتحها، وكسرها، فالضم لشبهها بالغاية، نحو قبل وبعد، لانه منع الاضافة إلى المفرد مع لزوم معنى الاضافة له، فجرى لذلك مجرى قبل وبعد في البناء على الضم، ولا يجب مثل ذلك في (إذ) لانها مبنية على الوقف، كما أن (مذ) لا يجب فيها ما يجب في منذ. والفتح، لاجل الياء، كما فتحت (أين، وكيف) والكسر فعلى أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما كتبت بغير ألف - في الثلاث والكلام (2) في المصحف للايجاز، كما كتبوا الرحمن بلا ألف. وكذلك صالح وخالد، وما أشبهها، من حروف المد واللين، لقوتها على
التغيير. اللغة: وقوله " ثقفتموهم " تقول: ثقفته أثقفه ثقفا: إذا ظفرت به، ومنه قوله: " فأما تثقفنهم في الحرب " (1) وثقفت الشئ ثقافة: إذا حذقته، ومنه اشتقاق الثقافة بالسيف، وقد ثقف ثقافة فهو ثقف. والثقاف حديدة تكون مع القواس، والرماح يقوم بها المعوج. وثقف الشئ ثقفا: إذا لزم، وهو ثقف إذا كان سريع * (الهامش) * " 1 " سورة الانفال آية: 58. " 2 " هكذا في المطبوعة. وفي العبارة سقط. *
[ 146 ]
التعلم. وثقفته تثقيفا: إذا قومته. وأصل الباب: التثقيف التقويم. المعنى: وقوله " والفتنة أشد من القتل " قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وجميع المفسرين: إنها الكفر. وأصل الفتنة الاختبار، فكأنه قال: والكفر الذي يكون عند الاختبار أعظم من القتل في الشهر الحرام ووجه قراءة من قرأ " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه " أنه جاء في كلام العرب إذا قتل بعضهم، قالوا: قتلنا، فتقديره حتى يقتلوا بعضكم. ومعنى قوله " وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " أي أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها. وروى أن هذه الاية نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك فبين الله تعالى أن الفتنة في الدين أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان محظورا لا يجوز. قوله تعالى: فان انتهوا فان الله غفور رحيم (192) معنى قوله تعالى: " فان انتهوا " يعني عن كفرهم بالتوبة منه، في قول
مجاهد، وغيره من المفسرين. والانتهاء الامتناع يقال: نهى نهبا، وأنهى إنهاء، وتناهى تناهيا، والنهي الزجر عن الفعل بصيغة (لا تفعل) والامر الدعاء إلى الفعل بصيغة (افعل) مع اعتبار الرتبة. والنهي الغدير يكون له الحاجز يمنع الماء أن يفيض، فالنهي بمنزلة المنع. ونهاية الشئ غايته. ونهية الوتد: الفرض، وهو الحز في رأسه الذي يمنع الحبل أن ينسلخ، لانه ينهاه عن ذلك. والنهى: جمع نهية. وهي العقل. والتنهية وجمعها تناهي، وهي مواضع تنهبط. ويتناهى إليها ماء السماء. والانهاء إبلاغ الشئ نهايته وفي الاية دلالة على أنه يقبل توبة القاتل عمدا، لانه بين أنه ؟ توبة المشرك، وهو أعظم من القتل، ولا يحسن أن يقبل التوبة من الاعظم، ولا يقبل من الاقل، فان قيل فما معنى جواب الشرط، والله غفور
[ 147 ]
رحيم وإن لم ينتهوا، الجواب: إن معناه فان الله غفور لهم رحيم بهم، ويجوز فان الله يغفر لهم، لانه غفور رحيم، واختصر الكلام لدلالة ما تقدم على أنه في ذكرهم وإن الذي اقتضى انتهاءهم إنما هو ذكر المغفرة لهم، فكان الدلالة عليها بغير إفصاح عنها أحسن لما في ذلك من الايجاز، والاحالة على الاستدلال لتمكين الاشعار لمتضمن الكلام، والمغفرة: تغطيه الذنب بما يصير به بمنزلة غير الواقع في الحكم. قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) آية. المعنى: هذه الاية ناسخة للاولى التي تضمنت النهي عن القتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوا بالقتال فيه، لانه أوجب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في الاسلام في قول الجبائي، والحسن، وغيره، وعلى ما حكيناه عن ابن عباس، وعمر ابن
عبد العزيز: أن الاولى ليست منسوخة، فلا تكون هذه ناسخة بل تكون مؤكدة، والفتنة الشرك في قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وإنما سمى الكفر فتنة، لان الكفر يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي الفتن إلى الهلاك، ولان الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، والفتنة إنما هي الاختبار. والدين هاهنا قيل في معناه قولان: أحدهما - الاذعان لله بالطاعة كما قال الاعشى: هو دان الرباب إذكر هو الد * ين داركا بغزوة وصيال (1) * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 11، رقم القصيدة 1. قيل: انه قالها في مدح الاسود بن المنذر اللخمي أخي النعمان بن المنذر لامه، وأم الاسود من تيم الرباب. وقيل: انه قالها في مدح المنذر بن الاسود لما غز الحليفين، أسدا وذبيان، ثم أغار على - رمط الاعشى - بني ساعدة بن ضبة بن ثعلبة وكان الاعشى غائبا، فلما قدم وجد الحى مباحا فأتاه، فأنشده، وسأله أن يهبه الاسرى، ففعل. - *
[ 148 ]
والثاني - الاسلام دون الكفر. وأصل الدين العادة في قول الشاعر: (1) تقول إذا درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني (2) وقال آخر: كدينك من أم الحو يرث قبلها * وجارتها أم الرباب بما سل (3) وقد استعمل بمعنى الطاعة في قوله تعالى: " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " (4) واستعمل بمعنى الاسلام، لان الشريعة فيه يجب أن تجري على عادة قال الله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " (5). وقوله: " فان انتهوا " معناه امتنعوا من الكفر وأذعنوا بالاسلام، " فلا عدوان إلا على الظالمين " أي فلا قتل عليهم، ولا قتل إلا على الكافرين المقيمين على الكفر، وسمي القتل عدوانا مجازا من حيث كان عقوبة على العدوان، والظلم، كما
قال: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " (6) وكما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (7) وكما قال: " وإن عاقبتم فعاقبوا " (8) وحسن ذلك لازدواج الكلام، ومزاوجته هاهنا على المعنى، لان تقديره " فان انتهوا " عن العدوان، " فلا عدوان إلا على الظالمين ". فان قيل: أيجوز أن تقول لاظلم إلا على الظالمين كما جاز " لا عدوان إلا على الظالمين " ؟ قلنا: على القياس لا يجوز، لان ذلك مجاز، والمجاز لا يقاس عليه - عند المحصلين - لئلا تلتبس الحقيقة بالمجاز. وإنما جاز في المزاوجة، لان الكلام * (الهامش) * - والرباب - بكسر الراء - بنو عبد مناة بن أد، وهم تيم وعدي وعوف وثور، اجتمعوا فتحالفوا مع بني عمهم ضبة تيم بن أد، فجاءوا برب (تمر مطبوخ) فغمسوا أيديهم فيه، فسموا الرباب. وقوله: دان الرباب أي أذلهم وحملهم على الطاعة. وقوله: دراكا أي تتابعا. " 1 " هو المثقب العبدي. " 2 " اللسان (دين)، (درأ)، (وضن) وروايته (دأبه) بدل (دينه). ردأت لها وضيني: أي وضعت عنها حملها، والوضين هو المنسوج من أي شئ كان. " 3 " لم أجد هذا البيت فيما حضرني من المصادر. " 4 " سورة يوسف آية: 76. " 5 " سورة آل عمران آية: 19. " 6 " سورة البقرة آية: 194. " 7 " سورة الشورة آية: 40. " 8 " سورة النحل آية: 126. *
[ 149 ]
معه أبلغ، وأبلغ، كما قال عمرو بن شاس الاسدي: جزينا ذوى العدوان بالامس فرضهم * قصاصا سواء حذوك النعل بالنعل (1) وأصل الظلم الانتقاص. من قوله تعالى " ولم تظلم منه شيئا " (2) وحقيقة ما قدمنا ذكره من أنه ضرر محض لا نفع فيه يوفي عليه عاجلا ولا آجلا ولا هو
واقع على وجه المدافعة. قوله تعالى: ألشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) آية واحدة بلا خلاف. أشهر الحرم أربعة: رجب، وهو فرد وثلاثة أشهر سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. والمراد هاهنا: ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبة. وإنما سمي الشهر حراما، لانه كان يحرم فيه القتال، فلو أن الرجل يلقى قاتل أبيه أو ابنه لم يعرض له بسبيل وسمي ذو القعدة، لقعودهم فيه عن القتال. الاعراب: والشهر مرتفع بالابتداء، وخبره بالشهر الحرام، وتقديره: قتال الشهر الحرام أي في الشهر الحرام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويحتمل أن يكون تقديره: الشهر الحرام على جهة العوض لما فات من الحج في السنة الاولى. المعنى: وقوله: " والحرامات قصاص " قيل في معناه قولان: أحدهما - " الحرامات قصاص " بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال * (الهامش) * " 1 " تفسير الطبري 3: 573. " 2 " سورة الكهف آية: 33. *
[ 150 ]
مجاهد: لان قريشا فخرت بردها رسول الله صلى الله عليه وآله - يوم الحديبة - محرما - في ذي القعدة - عن البلد الحرام، فأدخله الله عزوجل مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينه يوم الحديبة، وهو معنى قول قتادة،
والضحاك، والربيع، وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي (ع) مثله. والقول الثاني - " والحرمات قصاص " بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا. وقال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام، قال نعم، فأراد المشركين أن يغزوه في الشهر الحرام، فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى: " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرامات قصاص " أي إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم. وبه قال الزجاج، والجبائي. وإنما جمع الحرمات لاحد أمرين: أحدهما - إنه يريد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الاحرام. الثاني - كل حرمة تستحل، فلا يجوز إلا على وجه المجازاة وفي الناس من قال: إن هذه الاية منسوخة بقوله تعالى: " قاتلوا المشركين كافة " (1) وقال آخرون ليست منسوخة، لانه يجوز اجتماعه مع تلك الفريضة - وهو الاولى - لانه لا دلالة على نسخها. والحرام: هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه. والقصاص الاخذ للمظلوم من الظالم، من أجل ظلمه إياه. فان قيل: كيف جاز قوله: " إن الله لا يحب المعتدين " مع قوله " فاعتدوا عليه " (2) قلنا الثاني ليس باعتداء على الحقيقة، وإنما هو على وجه المزاوجه، ومعناه المجازات على ما بينا. والمعتدي مطلقا لا يكون إلا ظالما لضرر قبيح، وإذا كان مجازا فانما يفعل ضررا * (الهامش) * " 1 " سورة التوبة آية: 37. " 2 " سورة البقرة آية: 194. *
[ 151 ]
حسنا. فان قيل: كيف قال بمثل ما اعتدى عليكم، والاول جور، والثاني عدل ؟ قلنا، لانه مثله في الجنس وفي مقدار الاستحقاق، لانه ضرر، كما أن الاول ضرر، وهو على مقدار ما يوجبه الحق في كل جرم. وقيل إن عدا، واعتدى لغتان بمعنى واحد، ومثله قرب واقترب، وجلب واجتلب. وقال قوم: في افتعل مبالغة ليس في فعل. ومعنى قوله: " واعلموا أن الله مع المتقين " يعني بالنصرة لهم، كأنه قال: " إن الله مع المتقين " بالنصرة أو إن نصرة الله معهم. وأصل (مع) المصاحبة في المكان أو الزمان. قوله تعالى: وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) آية بلا خلاف. المعنى: أمر الله تعالى جميع المكلفين المتمكنين من الانفاق في سبيل الله: أن ينفقوا في سبيله، وسبيل الله: هو كل طريق شرعه الله تعالى لعباده، يدخل فيه الجهاد، والحج، وعمارة القناطر، والمساجد، ومعاونة المساكين، والايتام، وغير ذلك، والانفاق: هو إخراج الشئ عن ملك مالكه إلى ملك غيره، لانه لو أخرجه إلى هلاك لم يسم إنفاقا. وقوله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " معناه لا تطرحوا أنفسكم في الهلاك، بأن تفعلوا ما يؤدي إليه. وحقيقة الالقاء تصير الشئ إلى جهه السفل. وإنما يقال: ألقى عليه مسألة مجازا، كما يقال: طرح عليه مسألة. الاعراب: والباء في قول بأيديكم يحتمل وجهين: أحدهما - أن تكون زائدة كقولك
[ 152 ]
تعلقت زيدا، وتعلقت بزيد وجذبت الثوب، وجذبت بالثوب، وعلمته، وعلمت به. قال الشاعر: ولقد ملات على نصيب جلده * بمساءة إن الصديق يعاتب (1) والمراد ملات جلده مساءة. والثاني - أن يكون على أصل الكلام من وجهين: أحدهما - أن كل فعل متعد إذا كني عنه أو قدر على المصدر دخلته الباء، كقولك ضربته ثم تكني عنه فتقول فعلت به. والآخر أن تقول: أوقعت الضرب به فجاء على أصل الافعال المتعدية. والوجه الاخر: أنه لما كان معناه: لا تهلكوا أنفسكم بايديكم، فدخلت الباء ليدل على هذا المعنى، وهو خلاف أهلك نفسه بيد غيره. المعنى: وقيل في معنى الاية وجوه: أحدها - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وهو المروى عن حذيفة، وابن عباس: إن معناها " لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " بالامتناع من الانفاق في سبيل الله. الثاني - ما روي عن البراء ابن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة. الثالث - ما قال البلخي، من أن معناها: لاتتقحموا الحرب من غير نكاية في العدو، ولا قدرة على دفاعهم. والرابع - ما قاله الجبائي لا تسرفوا في الانفاق الذي يأتي على النفس. والاولى حمل الاية على عمومها في جميع ذلك. اللغة: والتهلكة، والهلاك واحد. وقيل: التهلكة: ما أهلكهم الله عنده. وأصل الهلاك الضياع، وهو مصدر ضاع الشئ بحيث لا يدري أين هو، ومنه يقال للكافر: هالك، وللميت: هالك، وللمعذب: هالك. والهلوك: المهواة البعيدة، لان الذي يهوي فيها هالك. والهلوك: الفاجرة. والهلوك: المتحيرة، تشبيها بالهلوك: الفاجرة
* (الهامش) * " 1 " لم أجد هذا البيت الا في مجمع البيان وروايته (يعاقب) بدل (يعا ؟ ب). *
[ 153 ]
التي تمايل في مشيتها، تقول: هلك يهلك هلكا، وهلاكا، وأهلكه إهلاكا، وتهالك تهالكا، واهتلك اهتلاكا: إذا ألقى نفسه في المهالك. واستهلكه استهلاكا، وانهلك انهلاكا. إذا حمل نفسه على الامر الصعب. والهالكي: الحداد. وأصل ذلك أن بني الهالك بن عمر، كانوا قيونا، فسمي بذلك كل قين: هالكيا. والتهلكة: كلما كان عاقبته إلى الهلاك. والهالك: الفقير الذي بمضيعة. والاحسان: هو الافضال إلى المحتاج، في قول زيد بن أسلم. وحد الاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير، وليس المحسن من فعل الفعل الحسن، لان الله تعالى يفعل العقاب وهو حسن، ولا يقال: إنه محسن به، لا يسمى مستوفي الدين محسنا، وإن كان حسنا، فان أطلق ذلك في موضع، فعلى وجه المجاز، وإنما اعتبرنا أن يكون النفع حسنا، لان من أوصل نفعا قبيحا إلى غيره لا يقال: إنه محسن إليه. وقد بينا حقيقة المحبة، فيما مضى، فلا وجه لاعادته، ومحبة الله للمحسنين، إرادة الثواب بهم والمنفعة لهم. وقال عكرمة: أحسنوا الظن بالله يراكم. وقال ابن زيد: أحسنوا بالعود على المحتاج " إن الله يحب المحسنين " وروى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " يعني المقتصدين. قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فان أحصر تم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو
نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك
[ 154 ]
عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196) آية واحدة بلا خلاف. المعنى: وروي عن الشعبي: أنه قرأ " والعمرة لله " رفعا، وذهب إلي أنها ليست واجبة، كما قال أهل العراق. وعندنا، وعند الشافعي: أنها واجبة، كوجوب الحج. والقراء كلهم على النصب، والعمرة عطفا على قوله " وأتموا الحج " وتقديره، وأتموا العمرة لله. وأمر الله تعالى جميع من توجه إليه وجوب الحج أن يتم الحج والعمرة. وقيل في إتمام الحج والعمرة أقوال: أحدها - أنه يجب أن يبلغ آخر أعمالهما بعد الدخول فيهما وهو قول مجاهد، وأبي العباس المبرد، وأبي علي الجبائي. والثاني - قال سعيد بن جبير، وعطا، والسدي: إن معناه إقامتهما إلى آخر ما فيهما، لانهما واجبان. الثالث - قال طاووس: أتمامهما إفرادهما. الرابع - قال قتادة: الاعتمار في غير أشهر الحج. وأصح الاقوال الاول. والحج هو القصد إلى البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في أوقات مخصوصة. ومناسك الحج تشتمل على المفروض، والمسمون. والمفروض يشتمل على الركن، وغير الركن، فأركان الحج أولا: النية، والاحرام، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. والفرائض التي ليست بأركان: التلبية، وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء، وركعتا الطواف له.
والمسنوات: الجهر بالتلبية واستلام الاركان، وأيام منى، ورمى الجمار، والحلق أو التقصير، والاضحية إن كان مفردا. وإن كان متمتعا فالهدي واجب عليه، وإلا فالصوم الذي هو بدل عنه، وتفصيل ذلك ذكرناه في النهاية، والمبسوط، والجمل والعقود، لا نطول بذكره. وفي هذه المناسك خلاف كثير - بين الفقهاء - ذكرناه
[ 155 ]
في مسائل الخلاف. والعمرة واجبة كوجوب الحج، وبه قال الحسن، وابن عباس، وابن مسعود. وابن عمر، وعطا، وابن جبير، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطا، والشافعي. وقال ابراهيم النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأهل العراق: إنها مسنونة. وعن ابن مسعود فيه خلاف، فمن قال: إنها غير واجبة قال: لان الله تعالى أمر باتمام الحج والعمرة، ووجوب الاتمام لا يدل على أنه واجب قبل ذلك، كما أن الحج المتطوع به يجب إتمامه وإن لم يجب الدخول فيه، قالوا: وإنما علينا وجوب الحج بقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " (1). وهذا ليس بصحيح، لانا قد بينا أن معنى أنموا الحج والعمرة أقيموهما، وهو المروي عن علي (ع) وعن علي بن الحسين مثله، وبه قال مسروق، والسدي. والعمرة هي الزيارة في اللغة. وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت لاداء مناسك مخصوصة أي وقت كان من أيام السنة. وأفعال العمرة الواجبة: النية، والاحرام، والطواف، والصلاة عند المقام، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف النساء. وفي بعض ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف. وقوله " فان أحصرتم " فيه خلاف، قال قوم: فان منعكم خوف، أو عدو، أو مرض، أو هلاك بوجه من الوجوه، فامتنعتم لذلك. وقال آخرون: إن منعكم حابس قاهر. فالاول قول مجاهد، وقتادة، وعطا، وهو المروي عن ابن عباس.
وهو المروي في أخبارنا. والثاني ذهب إليه مالك بن أنس. فالاول أقوى لما روي في أخبارنا، ولان الاحصار هو أن يجعل غيره بحيث يمتنع من الشئ. وحصره منعه، ولهذا يقال: حصر العدو، ولا يقال: أحصر. اللغة: واختلف أهل اللغة في الفرق بين الاحصار، والحصر، فقال الكسائي، * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية: 97. *
[ 156 ]
وأبو عبيدة، وأكثر أهل اللغة: إن الاحصار المنع بالمرض، أو ذهاب النفقة. والحصر بحبس العدو. وقال الفراء: يجوز كل واحد منهما مكان الاخر. وخالف في ذلك أبو العباس، والزجاج، واحتج المبرد بنظائر ذلك. كقولهم حبسه أي جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس، وقتل: أوقع به القتل، وأقتله: عر ؟ للقتل، وقبره: دفنه في القبر، وأقبره: عرضه للدفن في القبر، فكذلك حصره: حبسه أي أوقع به الحصر، وأحصره: عرضه للحصر. ويقال: أحصره احصارا: إذا منعه، وحصره يحصره حصرا إذا حبسه، وحصر حصرا: إذا عيي في الكلام. وحاصره محاصرتا: إذا ضيق عليه في القتال. والحصر الضيق. هذا حصر شديد. والحصير: الذي لا ؟ ح بسره، لانه قد حبس نفسه عن البوح به. والحصير: الملك. والحصير: المحبس، ومنه قوله تعالى: " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " " (1) والحصور: الذي لا إربة له في النساء. والحصور: الغيوب المحجم عن الشئ. والحصر البخيل لحبسه رفده، وأصل الباب: الحبس. الاعراب: وقوله " فما استيسر من الهدي " موضع (ما) رفع، كأنه قال: فعليه " ما استيسر من الهدي ". ويجوز النصب وتقديره: فليهدي ما استيسر من الهدي.
والرفع أقوى لكثرة نظائره، كقوله " ففدية من سيام " وقوله " فعدة من أيام أخر " (2) وقوله " فصيام ثلاثة أيام ". المعنى: وفي معنى " ما استيسر " خلاف، فروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن، وقتادة: أنه شاء. وروي عن ابن عمر، وعائشة: أنه ما كان من الابل والبقر دون غيره، ووجها التيسر على ناقة دون ناقة، وبقرة دون بقرة. والاول هو المعمول عليه عندنا. * (الهامش) * " 1 " سورة الاسراء آية: 8. " 2 " سورة البقرة آية: 184، 185. *
[ 157 ]
اللغة: وفي اشتقاق الهدي، وأصله قولان: أحدهما - أنه من الهدية، يقال منه: أهديت الهدية إهداء، وأهديت إلى البيت الهدي إهداء، فعلى هذا يكون هديا لاجل التقرب به إلى الله باخلاص الطاعة فيه، على ما أمر به. الثاني - من هديته هدى: إذا سقته إلى طريق الرشاد، وواحد الهدي هدية، وروى أبو عبيدة عن أبي عمرو: أنه لا يعرف له نظير إلا جدية السرج وجدي، وقال المبرد: وهو مطرد في الاجناس، كتمرة وتمر، وشرية وشري، وهو الحنظل. وقوله " ولا تحلقوا رؤوسكم " معناه لا تزيلوا شعور رؤوسكم: يقال حلق يحلق حلقا، وحلق تحليقا، وانحلق انحلاقا. والحلق: مجرى الطعام، والشراب في المري. والحلقة: حلقة القوم، وحلقة الحديد، والحلقة السلاح، ويقال أيضا بالتخفيف. وحلق الطائر في الهواء إذا ارتفع، وهوى من حالق أي من علو إلى سفل. وحلق ضرع الناقة إذا ارتفع لبنها. وحلاق المنية، وجاء بالحلق إذا جاء
بالمال الكثير. والملحق: محلق الشعر كالموسى. وحلوق الارض مجاريها في أوديتها. والمحلق: موضع حلق الرأس بمنى. وأصل الباب الاستمرار. والرؤوس جمع رأس يقال: رأس يرأس رآسة، وترأس ترأسا، ورأسه ترئيسا. والرأس أعلى كل شئ، الرواسي العظيم الرأس فوق قدره، وكلبة رؤس: وهي التي تساور رأس الصيد. وسحابة رأيسة: وهي التي تتقدم السحاب. ورجل مرءوس إذا أصابه البرسام في رأسه. ورأس فلان فلانا إذا ضربه على رأسه. وأصل الباب الرأس. وقوله: " حتى يبلغ الهدي محله " معناه حتى ينتهى إليه، يقال: بلغ يبلغ بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وبلغه تبليغا، وبالغ مبالغة، وتبالغ تبالغا، وتبلغ تبلغا، وبلغ الرجل بلاغة إذا صار بليغا. والبلغة: القوت. وأصل الباب البلوغ، وهو
[ 158 ]
الانتهاء فمنه البلاغة، لانها تبلغ بالمعنى إلى القلب. المعنى وقيل في محل الهدي قولان: أحدهما - ما روى عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وعطا: أنه الحرم فإذا ذبح به يوم النحرأحل. والثاني - قال مالك: إنه الموضع الذي صد فيه، وهو المكان الذي يحل نحره فيه قال. لان النبي صلى الله عليه وآله نحر الهدي، وأمر أصحابه فنحروا بالحديبية. وعندنا: أن الاول حكم المحصر بالمرض، والثاني حكم المحصور بالعدو، وروي أيضا أن محله منى إن كان في الحج، وإن كان في العمرة فمكة. وقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فالاذى كلما تأذيت به. ورجل آذ إذا كان شديد التأذي تقول: آذى يآذى أذى. وأصله الضرر بالشئ، وروى أصحابنا أن هذه الاية نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة.
وروى أيضا ذلك أصحاب التأويل في أنه كان قدقمل رأسه فأنزل الله فيه هذا الاية، لكنها محمولة على جميع الاذى. وقوله " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فالذي رواه أصحابنا أن الصيام ثلاثة أيام أو صدقة ستة مساكين. وروي عشرة مساكين. والنسك شاة. وفيه خلاف بين المفسرين. وروي عن كعب بن عجرة الانصاري، ومجاهد، وعلقمة، وابراهيم، والربيع، واختاره الجبائي: مثل ما قلناه: إن الصوم ثلاثة أيام والاطعام لستة مساكين. وقال الحسن وعكرمة: صوم عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع بلا خلاف. ولم يختلفوا في النسك أنه شاة. والنسك: جمع نسيكة، ويجمع أيضا نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف. وقوله " فإذا أمنتم " معناه أمنتم أن يحصر كم العدو أو أمنتم المرض " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج "، ففرض التمتع - عندنا - هو اللازم لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وحد حاضري المسجد الحرام: من كان على إثنى عشر ميلا
[ 159 ]
من كل جانب إلى مكة، ثمانية وأربعين ميلا، فما خرج عنه فليس من الحاضرين، لا يجوز له مع الامكان غير التمتع، وعند الضرورة، يجوز له القران والافراد. ومن كان من حاضري المسجد الحرام، لا يجوز له التمتع، وإنما فرضه القران أو الافراد على ما نفسره في القران والافراد، وسياق المتمتع أن يحرم من الميقات في أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، ثم يخرج إلى مكة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر، ثم ينشئ إحراما آخر بالحج من المسجد الحرام، ويخرج إلى عرفات، ويقف هناك، ويفيض إلى المشعر، ويغدوا منها إلى منى، ويقضى مناسكه هناك، ويدخل في يومه إلى مكة، فيطوف بالبيت طواف الزيارة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ
ويعود إلى منى، فبيت ليالي بها، ويرمي الجمار في ثلاثة أيام - على ما شرحناه في النهاية، والمبسوط - وفي بعض ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف وللمفسرين في التمتع أربعة أقوال: فالاول رواه أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله أهل بعمرة وحجة، وسموه قارنا، وأنكر ذلك ابن عمر، والثاني روى ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطا، واختاره الجبائي: وهو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يأتي مكة، فيطوف، ويسعى، ويقصر ثم يقيم حلالا إلى يوم التروية، أو يوم قبله، فيهل فيه بالحج من مكة، ثم يحج. وهذا مثل ما قلناه سواء. وقال البلخي: إن هذا الضرب كرهه عمر، ونهى عنه، وكرهه ابن مسعود. الثالث - هو الناسخ للحج بالعمرة رواه جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرهم - وقد أهلوا بالحج، لا ينوون غيره - أن يعتمروا ثم يحلوا إلى وقت الحج. هذا عندنا جائز أن يفعل. وروي عن أبي ذر: أنها كانت لاصحاب النبي صلى الله عليه وآله خاصة. وكذلك يقولون: إن عمرا أنكر هذه المتعة. الرابع - قال ابن الزبير: إن المحصر إذا دخل مكة بعد فوت الحج، تمتع بالعمرة، لانه يحل بها إلى وقت الحج، وكذلك من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج تلك السنة، فهو المتمتع، ولا هدي عليه. وهذا عندنا فاسد بما قدمناه.
[ 160 ]
وقوله تعالى: " فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم " فالهدي واجب على المتمتع بلا خلاف، لظاهر التنزيل، على خلاف فيه أنه نسك أو جبران، فعندنا أنه نسك، وفيه خلاف فان لم يجد الهدي ولا ثمنه، صام ثلاثة أيام في الحج، وعندنا أن وقت صوم الثلاثة أيام: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فان صام في أول العشرة جاز ذلك رخصة. وإن صام يوم التروية ويوم عرفة قضى يوما آخر بعد التشريق فان قاته يوم الترويه صام بعد
القضاء من التشريق ثلاثة أيام متتابعات. وروي عن ابن عباس، وابن عمر، والحسن، ومجاهد: أنه يجوز ما بين إحرامه في أشهر الحج إلى يوم عرفة. واستحبوا أن يكون يوما قبل التروية، ويوم عرفة. ووقت صوم السبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وبه قال عطا، وقتادة. وقال مجاهد: إذا رجع عن حجه في طريقه. فأما أيام التشريق، فلا يجوز صومها عندنا، وبه قال جماعة من المفسرين، واختاره الجبائي، لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن صوم أيام التشريق. وروي عن ابن عمر، وعائشة جواز ذلك. وقوله: " تلك عشرة كاملة " اختلفوا في معناه، فقال الحسن، والجبائي، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أن المعنى كاملة من الهدي أي إذا وقعت بدلا منه، استكملت ثوابه. الثاني - ما ذكره الزجاج، والبلخي أنه لازالة الايهام لئلا يظن أن (الواو) بمعنى (أو) فيكون كأنه فصيام ثلاثة أيام في الحج سبعة أيام إذا رجعتم، لانه إذا استعمل (أو) بمعنى (الواو) جاز أن يستعمل (الواو) بمعنى (أو) كما قال: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " والمراد " أو " فذكر ذلك لارتفاع اللبس. والثالث - قاله المبرد: إنه أعادذلك للتأكيد قال الشاعر: ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى شمام (1) * (الهامش) * " 1 " في مجمع البيان نسبه إلى جرير ولم أجده في ديوانه. في المطبوعة " سمام " بدل " شمام " " واثنان " بدل " اثنتان ". *
[ 161 ]
اللغة: وتقول: ثلثت القوم أثلثهم، فأنا ثالثهم، وربما قالوا: ثلثت الرجلين أي صرت لهما ثالثا. والثلث جزء من ثلاثة. والمثلث: شكل على ثلاثة أضلاع. والمثلوث:
ما أخذ ثلثه. والثلاثاء: اليوم الثالث من الاحد. والثلاثي: ما نسب إلى ثلاثة أشياء، وأصله الثلاثة من العدد. وأهل الرجل: زوجته. والمتأهل: المتزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الاسلام: من تدين به. وأهل القرآن: من يقرأه، ويقوم بحقوقه. وأهلته لهذا الامر أي جعلته أهلا له. والاهلي: خلاف البري. وقولهم مرحبا وأهلا أي اختصاصا بالتحية، والتكرمة. المعنى: وقد بينا أن (أهل حاضري المسجد الحرام) من كان من بينه وبينها إثنا عشر ميلا من أربع جوانبها. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: إنهم أهل الحرم، فروي في أخبارنا أيضا ذلك. وقال مكحول: وعطا: من بين مكة، والمواقيت. وقيل: ثم أهل الحرم، ومن قرب منزله منها، كأهل عرفة، ذهب إليه الزهري ومالك. اللغة: وقوله تعالى: " واعلموا أن الله شديد العقاب " تقول: عقب الشئ يعقب بمعنى خلف بعد الاول. وأعقب إعقابا، وتعقب الرأي تعقبا. " والعاقبة للمتقين " (1) أي الاخرة. ونرد على أعقابنا أي نعقب بالشر بعد الخير. والعقبة: ركوب أعقبه المشي. " له معقبات " (2): ملائكة الليل تخلف ملائكة النهار. وعقب الانسان: * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 127. " 2 " سورة الرعد آية: 12. *
[ 162 ]
نسله، وعقبة، مؤخر قدمه. والعقبة: المصعد في الجبل. والعقب: الصعب. والعقاب: الطائر. واليعقوب: ذكر القبج. " ولا معقب لحكمه " أي لا راد لقضائه. وأصل
الباب: العقب: الخلف بعد الاول. قوله تعالى: ألحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزو دوا فان خير الزاد التقوى واتقون يأولي الالباب (197) آية بلا خلاف. القراءة: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " فلا رفث ولافسوق " بالرفع، " ولا جدال " بالنصب. الباقون بالنصب فيهن تقدير الاية: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وأشهر الحج - عندنا - شوال، وذو القعدة، وعشر من ذى الحجة، على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، والشعبي، ومجاهد، والحسن، واختاره الجبائي. وقال عطا، والربيع، وابن شهاب، وطاووس: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وروي ذلك في أخبارنا، وإنما كانت هذه أشهر الحج، لان الاحرام بالحج لا يصح أن يقع إلا فيها - بلا خلاف - وعندنا - أن الاحرام بالعمرة التي يتمتع بها لا يقع أيضا إلا فيها. ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، قال: لان جميع ذي الحجة يصح أن يقع فيه شئ من أفعال الحج، مثل صوم الثلاثة أيام، فانه يصح أن يقع في جميع ذي الحجة، وكذلك يصح أن يقع ذبح الهدي فيه. وقال قوم: إن المعنى واحد في قول الفريقين. وقال آخرون: هو مختلف من حيث أن الثاني معناه: أن العمرة لا ينبغي أن تكون في الاشهر الثلاثة على الكمال، لانها أشهر الحج، والاول على أنها لا ينبغي أن تكون في شهرين وعشر من الثالث،
[ 163 ]
فقد روي عن ابن عمر: ان تفصلوا بين الحج والعمرة، فتجعلوا العمرة في غير أشهر
الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته. وروي ذلك عن القاسم بن محمد عن ابن شهاب عن عبد الله، وابن سيرين. وقد بينا مذهبنا في ذلك. فان قيل كيف جمع شهرين، وعشرة أيام ثلاثة أشهر ؟ قلنا: لانه قد يضاف الفعل إلى الوقت وإن وقع في بعضه. ويجوز أن يضاف الوقت إليه كذلك، كقولك: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد وإن كانت الصلاة في بعضه. ويقال أيضا: قدم زيديوم كذا، وخرج يوم كذا وان كان قدومه أوخروجه في بعضه، فكذلك جاز أن يقال: شهر الحج ذو الحجة، وإن كان في بعضه، وإنما يفرض فيهن الحج، بأن يحرم فيهن بالحج - بلا خلاف - أو بالعمرة التي يتمتع بها بالحج - عندنا خاصة - وفي الاحرام بالحج وافقنا فيه ابن عباس، والحسن، وقتادة. وقال ابن عمر، ومجاهد: إنما يفرض فيهن بالتلبية. وقال بعض المتأخرين: يفرض بالعزم على أعمال الحج. الاعراب: ولا يجوز نصب أشهر - في العربية - على ما بيناه من المعنى من أن تقديره أشهر " الحج أشهر معلومات " أو وقت " الحج أشهر معلومات " وقد أجازوا الحج شهر ذي الحجة، لانه معرفة كما تقول العرب: المسلمون جانب، والكفار جانب بالرفع، فإذا أضافوا نصبوا، فقالوا: المسلمون جانب أرضهم، والكفار جانب بلادهم. وانما جاز ذلك، لان النكرة لما جاءت على شرط الخبر: في كونه نكرة من حيث كانت الفائدة فيه، رفعت بأنها خبر الابتداء فلما صارت معرفة، والخبر يطلب النكرة نصبت ليصح تقدير الاستقرار الذي هو نكرة كأنك قلت: الكفار مستقرون جانب بلادهم، ففائدة الاول من جانب، وفائدة الثاني في مستقر. المعنى: وقوله تعالى: " فلا رفث " فالرفث هاهنا - عند أصحابنا - كناية عن الجماع وهو قول ابن مسعود، وقتادة. وأصله الافحاش في النطق كما قال العجاج:
[ 164 ]
عن اللغا ورفث التكلم (1) وقيل الرفث بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعدة للجماع، وبالعين: الغمز للجماع. وقال ابن عباس، وابن عمر وعطا: المراد هاهنا: المواعدة للجماع، والتعريض للنساء به. وقال الحسن: الجماع، والتعرض له بمواعدة أو مداعبة كله رفث. وقوله تعالى: " ولا فسوق " روى أصحابنا: أنه أراد الكذب. والاولى أن نحمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وبه قال ابن عمر. وقال الحسن: المعاصي نحو القذف وشبهه، وقال ابن عباس ومجاهد وعطا: هو جميع المعاصي مثل ما قلناه. وقال بعضهم لا يجوز أن يكون المراد إلا ما نهي عنه المحرم هاهنا، مما هو حلال له في غير الاحرام، لاختصاصه بالنهي عنه وهذا غلط، لانه تخصيص للعموم بلا دليل، وقد يقول القائل: ينبغي أن تقيد لسانك في رمضان لئلايبطل صومك، فيخصه بالذكر لعظم حرمته. وقوله: " ولا جدال في الحج " فالذي رواه أصحابنا: أنه قول: لا والله وبلى والله صادقا، وكاذبا. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن: أنه لامراء بالسباب والاعصاب على جهة المحك، واللجاج. الثاني - قال مجاهد والسدي: إنه لا جدال في أن الحج قد استدار (2) في ذي الحجة، لانهم كانوا ينسون الشهور فيقدمون ويؤخرون، فربما اتفق في غيره. اللغة: وأما اشتقاقه في اللغة فالجدال والمجادلة، والمنازعة، والمشاجرة، والمخاصمة
* (الهامش) * " 1 " مر تخريجه في 2: 132. " 2 " في المطبوعة (اسنداد) ومعنى اسندار: أي ؟ معه كيف دار. *
[ 165 ]
واحد، وتقول: جدلت الحبل أجدله وأجدله جدلا: إذا فتلته، وجادلت الرجل مجادلة وجدالا: إذا خاصمته، وتجادلا تجادلا. وجدلته تجديلا: إذا ألقيته على الارض. وتجدل تجدلا وانجدل انجدالا. والجديل: زمام البعير. والجدول: نهر صغير. والمجدل: القصر. والجدالة: الارض ذات الرمل الرقيق. والاجدل: الصقر، وكل مفتول: مجدول. وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد. والجديلة: شريجة الحمام. ورجل أجدل المنكب: فيه تطأطؤ، بخلاف الاشراف من المناكب. وأصل الباب: الفتل، والجدال: القتال. الاعراب: ومن نصب (الثلاثة) أخرج اللفظ مخرج عموم النفي للمبالغة في معنى النفي. ومن رفع بعضا ونصب بعضا، فلاختلاف المعنى، لان الاول على معنى النهي، والثاني بمعنى الاخبار عن زمان الحج: قد استدار في ذي الحجة، فكان أحق بالنصب، لعموم النفي. فأما الاول، فقد يقع من الخاطئ، فلا يصح فيه عموم النفي. هذا قول النحويين. والصحيح أن الكل معناه النهي، وان خرج مخرج النفي، والاخبار. والمراد به النهي بلا خلاف. المعنى: وقوله تعالى: " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " معناه وما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به، لان الله عالم على كل حال، إلا أنه جعل " يعلمه " في موضع يجازيه للمبالغة في صفة العدل، لانه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن
يفعلوه. وقوله: " وتزودوا فان خير الزاد التقوى " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: أن قوما كانوا يرمون بازوادهم، ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على الناس،
[ 166 ]
وخير الزاد مع ذلك التقوى. والثاني - " تزودوا " من الاعمال الصالحات " فان خير الزاد التقوى "، فذكر ذلك في الحج، لانه أحق شئ بالاستكثار من أعمال البر فيه، والزاد: الطعام الذي يتخذ للسفر. والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل بخير من عمل أو كسب، فقد تزود منه تزودا. وقوله: " واتقون يا أولي الالباب " يعني يا ذوي العقول، لان اللب العقل، وإنما سمي لبا لانه أفضل ما في الانسان. وأفضل كل شئ لبه. قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) آية واحدة بلا خلاف. هذه الاية فيها تصريح بالاذن في التجارة، ونحوها في حال الاحرام، لانهم كانوا يتحرجون بذلك في صدر الاسلام على قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطا، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). اللغة والاعراب: والجناح هو الجرح في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم، وأصله الميل - على ما مضى القول فيه -.
وقوله: " فإذا أفضتم من عرفات " يعني دفعتم من عرفه إلى المزدلفة عن اجتماع، كفيض الاناء عن امتلائه، تقول: فاض الماء يفيض فيضا: إذا انصب عن امتلاء، وأفاض إفاضة في الحديث: إذا اندفع فيه. واستفاض الخبر إذا شاع. والافاضة الضرب با ؟ اح. وفيض الصدر بما فيه: البوح به. والافاضة: امتلاء الحوض حتى يفيض. ورجل فياض: جواد. ودرع مفاضة، وفيوض إذا كانت واسعة (1). * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " سا ؟ " والصحيح ما أثبتناه. *
[ 167 ]
وفيض البصرة: نهرها. وأصل لباب: ؟: الانصباب عن الامنا و " عرفات " صرفت وإن كان فيها التعريف، والتأنيث، لانها على حكاية الجمع، كما يجب أن يحكى المذكر إذا سمي به الجمع، ويجوز فيها ترك الصرف تشبيها بالواحد فيسقط التنوين ويسقط الاعراب كما كان في الجمع كقول امرء القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي (1) والاول اختيار النحويين، وقد أجاز بعضهم فتح التاء بغيرتنوين على قياس طلحة، وأنشدوا البيت على ثلاثة أوجه (أذرعات) - منونا مكسورا - ومجرورا بلا تنوين - ومفتوحا بلا تنوين - وأنكر الزجاج الوجه الثالث. والمشعر هو معلم المتعبد. وقال المبرد: المشعر - بفتح الميم والعين - مكان الشعور، كالمدخل لمكان الدخول. والمشعر - بكسر الميم - الحديدة التي يشعر بها أي يعلم بها. فكسرت، لانها آلة كالمخرز، والمقطع، والمخيط. وقال: الكسائي: لا فرق بين الفتح والكسر. المعنى: و " المشعر الحرام " هو المزدلفة: وهو جمع بلا خلاف. وسميت عرفات عرفات، لان إبراهيم (ع) عرفها بما تقدم له من النعت لها، والوصف، على ما روي
عن علي (ع) وابن عباس. وقال عطا، والسدي، وقد روي ذلك في أخبارنا: أنها سميت بذلك، لان آدم وحواء اجتمعا فيه، فتعارفا بعد أن كانا افترقا. وقيل: سميت عرفات لعلوه وارتفاعه، ومنه عرف الديك. ووجه التشبيه في قوله " واذكروه كما هداكم " أن الذكر بالشكر، والثناء يجب أن يكون بحسب الانعام، والهداية في العظمة لانه يجب أن يكون الشكر * (الهامش) * " 1 " ديوانه 140. وهو من قصيدته الرائعة المشهورة. والضمير في تنورتها عائد للمرأة التي بذكرها، وتنور النار: رآها من بعيد، جعل المرأة تضئ له كما تضي. النار المشبوبة. وأذرعات: بلد في الشام، ويثرب: مدينة الرسول " ص ". يقول: لاح لي نورها وأنا في أذرعات وهي بيثرب ثم يقول: قرب مكانها مني نظر نظرته نحو جو السماء. *
[ 168 ]
كالنعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية في الشكر بين من عظمت نعمته ومن صغرت. الاعراب: وقوله: " وإن كنتم من قبله من الضالين " معنى (إن) هاهنا المخففة من الثقيلة بدلالة دخول لام الابتداء معها، وإذا خففت لم تعمل. وجار دخولها على الاسم، والفعل، كقوله تعالى: " وإن كل لما جميع لدينا محضرون " (1). وأما " كنتم " فلا موضع لها من الاعراب، لانها بعد حرف غير عامل. وليس " لان " موضع كما ليس لها موضع في الابتداء. وأنما هذه الواو عطف جملة على جملة. وروى جابر عن أبي جعفر (ع) قال: " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم " معناه أن تطلبوا المغفرة. قوله تعالى:
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) آية بلا خلاف. المعنى: قيل في معنى هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وعائشة، وعطا، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أنه أمر لقريش وخلفائهم، لانهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله لا نخرج عنه، فكانوا يقفون بجمع ويفيضون منه، دون عرفة، فأمرهم الله تعالى أن يفيضوا من عرفة بعد الوقوف بها. والثاني - قال الضحاك، والجبائي وحكاه المبرد، لكنه اختار الاول، لانه * (الهامش) * " 1 " سورة يس آية 32. *
[ 169 ]
خطاب لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم (ع) من المزدلفة. والاول إجماع، وهذا شاذ، وليس لاحد أن يقول على الوجه الاخر: كيف يقال لابراهيم وحده الناس، وذلك أن هذا جائر كما قال: " الذين قال لهم الناس " (1) وإنما كان واحدا بلا خلاف: وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وذلك مستعمل. وقيل إن إبراهيم لما كان إماما، كان بمنزلة الامة التي تتبع في سنة. فان قيل: إذا كانت (ثم) للترتيب، فما معنى الترتيب هاهنا ؟ ؟ لنا: الذي رواه أصحابنا أن هاهنا تقديما، وتأخيرا. وتقديره " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " " واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ". وقال قوم: المعنى " ثم أفيضوا " من المزدلفة. والذي أجاب به المتأولون: أن قالوا: رتبت الافاضة
بعد المعنى الذي دل الكلام الاول عليه، كأنه قيل: أحرموا بالحج على ما بين لكم " ثم أفيضوا " يا معشر قريش " من حيث أفاض الناس " بعد الوقوف بعرفة. وهذا قريب مما قلناه. وإنما عدل الذي تأوله على الافاضة من المزدلة، لانه رآه بعد قوله، فإذا أفضتم من عرفات، قال: فأمروا أن يفيضوا من المزدلفة بعد الوقوف بها، كما أمروا في عرفة، وقد بينا ترتيب الكلام في التأويل المختار. والاستغفار هو طلب المغفرة، كما أن الاستخبار: طلب السؤال. والمغفرة: التغطية للذنب بايجاب المثوبة. وقيل في معنى الاستغفار قولان: أحدهما - الحض عليه في تلك المواطن الشريفة، لانها خليقة بالاجابة. الثاني - استغفروه لما سلف من مخالفتكم في الوقوف والافاضة، كما سنه الله تعالى للناس عامة. والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة، فأما غافر، فيستحق الصفة فيه بوقوع الغفران. والعفو هو المغفرة. وقد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب، والمغفرة تغطية الذنب بايجاب المثوبة. ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله تعالى، دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفروا الله. * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية 172.
[ 170 ]
قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الاخرة من خلاق (200) آية بلا خلاف. المعنى: قوله تعالى: " فإذا قضيتم " معناه فرغتم منها. وأصل القضاء: فصل الامر على أحكام. وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك وقد يفصل بالعمل له على تمام
كقوله " فقضاهن سبع سموات في يومين " (1) وقد يفصل بالاخبار على القطع كقوله تعالى: " وقضينا إلى بني اسرائيل " (2) قد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الالزام بالقهر. والمناسك المأمور بها هاهنا جميع أفعال الحج المتعبد بها في قول الحسن وغيره من أهل العلم - وهو الصحيح - وقال مجاهد: هي الذبائح. وقوله " فاذكروا الله " فالذكر هو العلم. وقيل: هو حضور المعنى للنفس بالقول أو غيره مما هو كالعلة، لحضوره بها. وقيل: المراد به هاهنا التكبير أيام منى لانه الذكر الذي يختصه بالترغيب فيه على غيره من الاوقات. وقيل أيضا: إنه سائر الدعاء لله تعالى في ذلك المواطن، لانه أفضل من غيره - وهو الاقوى - لانه أعم. وقوله: " كذكركم آباءكم " معناه ما روي عن أبي جعفر " ع " أنهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون بالاباء، وبمآثرهم، ويبالغون فيه. وقوله " أو أشد ذكرا " إنما شبه الاوجب بما هو دونه في الوجوب، لامرين: أحدهما - أنه خرج على حال لاهل الجاهلية كانت معتادة: أن يذكروا آباءهم بأبلغ الذكر على وجه التفاخر، فقيل: اذكروا الله كالذكر الذي كنتم تذكرون به آباءكم في المبالغة، أو أشد ذكرا * (الهامش) * " 1 " سورة حم السجدة آية 12. " 2 " سورة الاسراء آية: 4. *
[ 171 ]
بما له عليكم من النعمة. هذا قول أنس، وأبي وائل، والحسن، وقتادة. والثاني - قال عطا: أذكروه بالاستعانة به، كذكركم آباءكم: الصبي لابيه إذا قال: يا أباه. والاول هو المعتمد. الاعراب: وإنما نصب " ذكرا " ولم يخفض كما يخفض في قولهم هذا الذكر أشد ذكر،
لانه فيه ضميرا منهم نظير قولك: هم أشد ذكرا، وفي أشد ضميرهم، ولو قلت مررت به أشد ذكرا لكان منصوبا على الحال فأما الذكر، فعلى التمييز. المعنى: فان قيل الامر بالذكر هاهنا بعد قضاء المناسك أو معه ؟ قيل: أجاز أبو على الوجهين، واستشهد بقولهم: إذا وقفت بعرفات فادع الله، وإذا حججت، فطف بالبيت. والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير، فهو النصيب من الخير على وجه الاستحقاق. قوله تعالى: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) آية واحدة. الاعراب: " ربنا " منصوب، لانه منادى وتقديره: يا ربنا. وإنما حذف حرف النداء، لما كان أصله تنبيه المنادى، ليقبل عليك، وكان الله عزوجل لا يغيب عنه شئ - تعالى عن ذلك -، سقط حرف النداء للاستغناء عنه. فأما يا ألله اغفر لي، فيجوز أن يخرج مخرج التنبيه للتأكيد: أن يقبل عليك برحمته، ولانك تسأله سؤال المحتاج أن ينبه على حالة، لان ذلك أبلغ في الدعاء، وأحسن في المعنى.
[ 172 ]
اللغة: والفرق بين القول والكلام: أن القول يدل على الحكاية، وليس كذلك الكلام، نحو قال: الحمد لله، فإذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق، والحكاية تكون على ثلاثة أوجه: حكاية على اللفظ والمعنى، وحكاية على اللفظ فقط،
وحكاية على المعنى فقط، فالاول نحو " أتوني أفرغ عليه قطرا " (1) إذا حكاه من يعرف لفظه ومعناه. والثاني - إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه. الثالث - نحو أن يقول: أتوني أفرغ عليه نحاسا، فيكون حكاه على معناه دون لفظه. المعنى: وقوله " آتنا " معناه: أعطنا، فالاتيان الاعطاء. وأصله الاتي، والمجئ، فأتي إذا كان منه المجئ، فأتي إذا حمل غيره على المجئ، كما يقال: أتاه ما يحب، وآتاه غيره ما يحب. والحسنة التي سألوها قيل في معناها قولان: أحدهما - قال قتادة، والجبائي، وأكثر المفسرين: إنه نعم الدنيا، ونعم الاخرة. الثاني - قال الحسن: العبادة في الدنيا، والجنة في الاخرة، وسميت نعمة الله حسنة، لانها مما تدعو إليه الحكمة. وقيل: الطاعة والعبادة حسنة، لانها مما يدعوا إليه العقل. اللغة: وقوله تعالى: " وقنا عذاب النار " فالوقاء: الحاجز الذي يسلم به من الضرر. يقال وقاه يقيه وقاء، ووقاية. وتوقى هو توقية وأصل الوقاء الحجز بين الشيئين. وأصل قنا: أوقنا مثل احملنا، فذهبت الواو لسقوطها في يقي، لوقوعها بين ياء وكسرة ثم أتبع سائر تصاريف الفعل ما لزمته العلة، وسقط ألف الوصل للاستغناء * (الهامش) * " 1 " سورة الكهف آية: 97. *
[ 173 ]
عنها بتحرك ما بعدها، وحذفت الياء، للوقف الذي هو نظير الجزم. والفائدة في الاخبار عنهم بهذا الدعاء، الاقتداء بهم فيه، لانه لما حذر من
الدعاء الاول رغب في الثاني. قوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) آية بلا خلاف. الاعراب: " أولئك " رفع بالابتداء وخبره لهم نصيب. ومعناه أولئك لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه. اللغة: والنصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحد النصيب الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر. والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر. وتقول: نصب ينصب نصبا، ونصب نصبا من التعب، وأنصبني هذا إنصابا. وانتصب الشئ انتصابا. وناصبه العداوة مناصبة. والنصب إقامتك الشئ. والنصب: الرفع. ونصب القوم السير: إذا رفعوه. وكل شئ رفعته، فقد نصبته، ومنه نصب الحرف، لان الصوت يرفع فيه إلى الغار الاعلى. والنصب بتغير الحال من مرض أو تعب. والنصب: جمع أنصاب وهي حجارة كانت تنصب في الجاهلية، ويطاف بها، ويتقرب عندها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: " وما ذبح على النصب " (1) وقال: " والانصاب والازلام " (2). وأنصاب الحرم حدوده، وهى حجارة تنصب، ليعرف بها * (الهامش) * " 1 " سورة المائدة آية: 4. " 2 " سورة المائدة آية: 63. *
[ 174 ]
الحرم. ونصاب السكين، وغيره معروف، وفلان في نصاب صدق: في حسب ثابت.
والنصبة: السارية. والمنصب الذي ينصب عليه القدور. وكل شئ استقبلت به شيئا، فقد نصبته. وأصل الباب القيام. وقوله تعالى: " والله سريع الحساب " يعني في العدل من غير حاجة إلى خط ولا عقد، لانه (عزوجل) عالم به. وإنما يحاسب العبد مظاهرة في العدل، وإحالة على ما يوجبه الفعل من خير أو شر. والسرعة هو العمل القصير المدة. وتقول: سرع سرعة، وأسرع في المشي إسراعا، وسارع إليه مسارعة، وتسرع تسرعا، وتسارع تسارعا، وأقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم المتسرعين. واليسروع: دويبة تكون في الرمل. وأصل الباب: السرعة. وتقول من الحساب: حسب الحساب يحسبه حسبا، وحسب الشئ حسبانا، وحاسبه محاسبة، وحسابا، وتحاسبوا تحاسبا، واحتسب احتسابا، وأحسبني من العطاء إحسابا، وأي كفاني " وعطاء حسابا " (1) أي كافيا. والحسبان سهام صغار. وقيل منه " ويرسل عليها حبسانا من السماء " (2). وقيل عذابا. والمحسبة وسادة من أدم. والمحسبة غبرة مثل كدرة. وحسب الرجل مآثر آبائه. وأفعل ذلك بحسب ما أوليتني. وحسبي أي يكفيني " ويرزق من يشاء بغير حساب " (3) أي بغير تضييق " والشمس والقمر بحسبان " (4) أي قدر لهما مواقيت معلومة لا يعدونها. والتحسيب: دفن الميت يجب الحجارة (5) وأصل الباب: الحساب، والحسبان: الظن، لانه كالحساب في الاعتداد به، والعمل به على بعض الوجوه. وروي عن علي (ع) أنه قال: معناه إنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة. قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا * (الهامش) * " 1 " سورة النبأ آية: 36. " 2 " سورة الكهف آية: 41. " 3 " سورة البقرة آية: 112. " 4 " سورة الرحمن آية: 5.
" 5 " هكذا في المطبوعة وفي لسان العرب (حسب) التحسيب دفن الميت في الحجارة *
[ 175 ]
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) آية بلا خلاف. المعنى: هذا أمر من الله تعالى للمكلفين أن يذكروا الله في الايام المعدودات: وهي أيام التشريق: ثلاثة أيام بعد النحر، وهو قول ابن عباس، والحسن ومالك. والايام المعلومات: عشر ذي الحجة، وهو قول ابن عباس أيضا، وذكر الفراء: أن المعلومات: هي أيام التشريق، والمعدودات العشر. وفيه خلاف ذكرناه في اختلاف الفقهاء. وسميت معدودات لانها قلائل، كما قال: " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة " (1) أي قليلة. والجمع بالالف والتاء يصلح للقليل والكثير، والقليل أغلب عليه. وأنكر الزجاج ما يروي في قول حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (2) من أنه عيب عليه، وزعم أن الخبر موضوع، وقال الالف والتاء يصلح للكثير قال الله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون " (3) وقال: " إن المتقين في جنات وعيون " (4) وإنما احتمل هذا الجمع القليل والكثير، لان جمع السلامة على طريقة واحدة لا يتميز فيه قليل من كثير، وكان القليل أغلب عليه، لشبهه بالتثنية. والاية تدل على وجوب التكبير في هذه الايام، وهو أن يقولوا: ألله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ألله أكبر ولله الحمد. وبه قال الحسن والجبائي، وزاد أصحابنا على هذا القدر: ألله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا، * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف آية: 20. " 2 " ديوانه: 69. الجفنات جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة، والغر: البيض. وهذا البيت
قيل ة ان حسان قد فاز به في بعض السنين بسوق عكاظ وقد أعابته الخنساء في الجفنات لانها جمع قلة وفي الغر لانه لا يدل على أن القصاعي ممتلاة طعاما، وعلى قوله: يقطرن، ولم يقل يجر ؟. " 3 " سورة سبأ آية: 37. " 4 " سورة الحجر آية: 45. *
[ 176 ]
ورزقنا من بهيمة الانعام. وأول التكبير - عندنا - لمن كان بمنى، عقيب الظهر من يوم النحر إلى الفجر يوم الرابع من النحر: عقيب خمسة عشرة صلاة، وفي الامصار عقيب الظهر من يوم النحر إلى عقيب الفجر يوم الثاني من التشريق: عقيب عشر صلوات، واختار الجبائي من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر آخر يوم التشريق. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقوله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ". المعني في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من التشريق وإن أقام إلى النفر الاخير، وهو اليوم الثالث من التشريق، كان أفضل، فان نفر في الاول، نفر بعد الزوال إلى الغروب، فان غربت فليس له أن ينفر. وقال الحسن إنما له أن ينفر بعد الزوال إلى وقت العصر، فان أدركته صلاة العصر، فليس له أن ينفر إلا يوم الثالث وليس للامام أن ينفر في النفر الاول، وبه قال الحسن. وقوله تعالى: " فلا إثم عليه " قيل فيه قولان: أحدهما - لاإثم عليه لتكفير سيأته بما كان من حجه المبرور وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني - قال الحسن: لا إثم عليه في تعجله ولا تأخره. وإنما نفى الاثم، لئلا يتوهم ذلك متوهم في التعجل، وجاء في التأخر على مزواجة الكلام كما تقول: إن أظهرت الصدقة، فجائز. وإن أسررتها، فجائز، والاسرار أفضل. وقوله تعالى: " لمن اتقى " قيل فيه قولان: أحدهما - لما قال " فلا إثم عليه "
دل على وعده بالثواب، فقيد ذلك بالتقوى لله تعالى، لئلا يتوهم أنه بالطاعة في النفر فقط. والثاني - أنه لا إثم عليه في تعجله إذا لم يعمل لضرب من ضروب الفساد، ولكن لاتباع إذن الله فيه. وقالوا: معنى تجديد الامر بالتقوى هاهنا التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال البر في الحج، فبين أن عليهم مع ذلك ملارمة التقوى، ومجانبة المعاصي. وروى أصحابنا: أن قوله " لمن اتقى " متعلق بالتعجل في اليومين، وتقديره " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " " لمن اتقى " الصيد إلى انقضاء النفر الاخير
[ 177 ]
وما بقى من إحرامه، ومن لم يتقها، فلا يجوز له النفر في الاول، وهو اختيار الفراء، والمروي عن ابن عباس، وروي عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى " فمن تعجل في يومين " أي من مات في هذين اليومين، فقد كفر عنه كل ذنب. ومن تأخر أي أنسئ أجله، فلا إثم عليه بعدها إذا اتقى الكبائر. الاعراب: والعامل في اللام في قوله " لمن اتقى " قيل فيه قولان: أحدهما - ذلك " لمن اتقى " فحذف ذلك لان الكلام الاول دل على وعد للعامل. والثاني - أن يكون العامل معنى " لا إثم عليه "، لانه قد تضمن معنى جعلناه " لمن اتقى ". اللغة: وقوله تعالى: " واتقوا الله " معناه اجتنبوا معاصي الله، " واعلموا أنكم إليه تحشرون " أي تحققوا أنكم بعد موتكم تردون إلى الله، فيجازيكم على أعمالكم. تقول: حشر يحشر حشرا، فالحشر: جمع القوم من كل ناحية إلى مكان. والمحشر: مجتمعهم: هو المكان الذي يحشرون فيه، وحشرتهم السنة: إذا أجحفت بهم، لانها تضمهم من النواحي إلى المصر. وسهم حشر: خفيف لطيف،
لانه ضامر باجتماعه. ومنه أذن حشره: لطيفة ضامرة. وحشرات الارض: دوابها الصغار، والواحدة حشرة، لاجتماعها من كل ناحية. ودابة حشور: إذا كان ملززة الحلق شديدة. ورجل حشور: إذا كان عظيم البطن. وحشرت السنان، فهو محشور: إذا رفقته وألطفته. وأصل الباب الاجتماع. قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) آية واحدة. قال الحسن: المعني بهذه الاية المنافق. وقال قوم: المعني: بها المرائي. وقيل:
[ 178 ]
إنها نزلت في الاخنس بن شريق ذكره السدي وغيره. اللغة: والاعجاب هو السرور بالشئ سرور العجب بما يستحسن. ومنه العجب بالنفس، والسرور بها سرور العجب من الشئ استحسانا له، وذلك إذا تعجب من شدة حسنه. وتقول: عجب عجبا، وتعجب تعجبا، وعجبه تعجيبا، وأعجبه إعجابا، واستعجب استعجابا أي اشتد تعجبه. والعجاب: العجيب، وأعجبني هذا: إذا كان حسنا جدا. والمعجب بنفسه أو بالشئ معروف. وقال الازهري: العجب كل شي غير مألوف، وعجب الذنب: العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب في المعز، ورأيت أعجوبة وأعاجيب. وأصل الباب العجب. وقوله تعالى: " في الحياة الدنيا " أي وقت الحياة الدنيا فالحي هو من لا يستحيل، وهو على ما هو عليه أن يكون عالما قادرا. وقوله: " ويشهد الله على ما في قلبه " فأصل الاشهاد: هو الاقرار بالشئ ليشهد به المقر عنده. والمراد في الاية: من يقر بالحق، ويقول: أللهم اشهد علي،
وضميره على خلافه. وقوله تعالى: " وهو ألد الخصام " يقال لده يلده لدا: إذا غلبه في الخصومة، ولده يلده: إذا أو جره في أحد خقي فمه. ولدت تلد لدا وهو شدة الخحومة. وجانبا كل شئ لديداه، فمنه لديدي الوادي. ولديدي العنق: صفحناه. ولده عن كذا: إذا حبسه. والتلدد: التلفت عن تحير وأصل الباب اللديد: الجانب. والخصام: هو المخاصمة. تقول: خاصمه يخاصمه مخاصمة، وخصاما، وتخاصما، واختصما اختصاما، واستخصمهم استخصاما. والخصم طرف الرواية الذي بحيال العزلاء (1) من مأخرها، وطرفها الاعلى وهو العصم. والاخصام من * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " الدراية الذي بحبال العولاء " وهو تصحيف. *
[ 179 ]
كل شئ جوانبه، كجوانب الخوالق الذي فيه العرى، يحمل به. وأصل الباب الخصومة. المنى: ومعنى " ألد " في الاية: هو الشديد الجدل بالخصومة إلى ما يريد، قال الشاعر: ثم أردي وبهم من تردي * تلد أقران الخصوم اللد (1) وقال الزجاج: الخصام جمع خصم. والمعنى هو أشد المخاصمين خصومة. وقال غيره: هو مصدر. ومعنى الاية أنه تعالى وصف المنافقين، فقال: " ومن الناس من يعجبك " يا محمد " قوله " في الظاهر، وباطنه بخلافه " ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام " جدل مبطل. ومن قرأ " ويشهد الله " - بفتح الياء - معناه أنه تعالى يشهد عليه بنفاقه،
وإظهاره خلاف ما يبطن. والقراءة العامة هي الاولى. قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) آية واحدة. في قوله تعالى: " وإذا تولى " ضمير عمن تقدم ذكره وهو " من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " والتولي: هو الانحراف، والزوال عن الشئ إلى خلاف جهته. والسعي هو الاسراع في المشي وقيل: إنه العمل، وقال الاعشى: وسعى لكندة غير سعى مواكل * قيس فضر عدوها وبنى لها (2) * (الهامش) * " 1 " معاني القرآن للفراء 1: 123 قدم البيت الثاني على الاول، واللسان " لدد " ذكر البيت الثاني فقط. ورواية اللسان " ألد " بدل " تلد ". ورواية معاني القرآن: ألد أقران الرجال اللد وفي تفسير الطبري 4: 235 كالذي ذكره الشيخ سواء. " 2 " ديوانه: 31. رقم القصيدة: 3. *
[ 180 ]
أي عمل لها. وقوله: " في الارض " دخلت الالف واللام في الارض، لتعريف الجنس، لان الارض وإن كانت واحدة بعينها فلو خلق الله مثلها، لكانت أرضا، كما أن الشمس، والقمر كذلك، وفارق ذلك زيدا وعمرا - في أسماء الاعلام - وامتناع دخول الالف واللام عليهما، لان الله تعالى لو خلق مثل زيد لم يجب أن يكون زيدا، على أن الارضين السبعة كما قال تعالى: " خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن " (1) فعلى هذا لا يتوجه السؤال. والافساد: هو عمل الضرر بغير استحقاق، ولا وجه من وجوه المصلحة. والاهلاك: المعمل الذي ينفي الانتفاع.
وقوله: " ليفسد فيها " نصب باضمار (أن) ويجوز إظهارها، فتقول: لان يفسد فيها، ولا يجوز إظهارها في قوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين " (2). وإنما جاز حذفها في " ليفسد " لدلالة الكلام عليها مع كونها في حروف الاضافة حتى حذفت في قولهم: غلام زيد، وما أشبهه مع كثرته في الكلام، وجاز إظهارها، لانه الاصل من غير مانع في الاستعمال، وإنما امتنع في قوله: " ليذر " لما يرجع إلى المعنى، لان معناه كمعنى (ما كان زيد ليفعل) أي ما كان فاعلا، فلما تضمن غير المعنى الذي توجبه صورته لم يتصرف في لفظه، ولانه لما كان محمولا على تأويل معنى لم يذكر، حمل أيضا على تأويل لفظ لم يذكر. والفرق بين دخول اللام فيها أن اللام دخلت في " ليفسد " على إضافة السعي إلى الفساد، على أصل الاضافة في الكلام. ودخولها في " ليذر " فانما هو لتأكيد النفي بتحقيق تعلقه بالخبر كما دخلت الباء في (ليس زيد بقائم)، لان النفي لما كان للخبر وولي حرف النفي الاسم، دخلت الباء، لتدل على اتصاله في المعنى بحرف النفي. اللغة: والحرث: الزرع. والنسل: العقب من الولد. قال الضحاك: الحرث: كل * (الهامش) * " 1 " سورة الطلاق آية: 12. " 2 " سورة آل عمران آية: 179. *
[ 181 ]
نبات، والنسل: كل ذات. ويقال: نسل ينسل نسولا: إذا خرج، فسقط. ومنه نسل وبر البعير أو شعر الحمار أو ريش الطائر. النسالة: قطعة من الوبر، قال الله تعالى: " إلى ربهم ينسلون " (1) أي يسرعون، لانه إسراع الخروج بحدة. والنسل: الولد، ما نسل بعضه من بعض. والناس نسل آدم، لخروجهم من ظهره. والنسل والنسلان: عدو من عدو الذئب فيه اضطراب. والنسيلة: فتيلة السراج،
وأصل الباب النسول: الخروج. وحكى الزجاج: أن الحرث: الرجال، والنسل: الاولاد. وذكر الازهري: أن الحرث: النساء، والنسل الاولاد، لقوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم " (2). المعنى: وقوله تعالى: " والله لا يحب الفساد " يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى يريد القبائح، لان الله تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد. والمحبة هي الااردة، لان كل ما أحب الله أن يكون، فقد أراد أن يكون، وما لا يحب أن يكون لا يريد أن يكون. ومعنى الاية: إذا خرج هذا المنافق من عندك يا محمد غضبان، عمل في الارض بما حرم الله عليه وحاول معصيته، وقطع الطريق، وأفسد النسل، والحرث على عباده. " والله لا يحب الفساد ". قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) آية بلا خلاف. المعنى: قيل في المعني بهذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إنه كل منافق. والثاني - قال السدي: إنه الاخنس بن شريق، والاتقاء طلب السلامة بما يحجز * (الهامش) * " 1 " سورة يس آية: 51. " 2 " سورة البقرة آية 223. *
[ 182 ]
من المخافة، واتقاء الله إنما هو اتقاء عذابه. وقوله: " أخذته العزة " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن أخذته العزة إلى الاثم، كما تقول: أخذت فلانا (1) بأن يفعل: أي دعوته إلى أن
يفعل (2). ومعنى قوله: " وإذا قيل له اتقى الله أخذته العزة بالاثم " هو الاشعار بالدليل على نفاقه، لفضيحته بذلك عند المؤمنين - على ما قاله قتادة -، ويجوز أن يكون الذم له على تلك الحال القبيحة. وقوله: " ولبئس المهاد " الوطأ. فان قيل: كيف قيل لجهنم مهاد. قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال الحسن: معناه القرار هاهنا، والقرار كالوطأ في الثبوت عليه. الثاني - لانها بدل من المهاد كما قال تعالى: " فبشرهم بعذاب أليم " (3) لانه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. اللغة: والمهاد في اللغة: الوطأ من كل شئ تقول: مهدت الفراش تميهدا، وكل شئ وطأته فقد مهدته، وتمهد الشئ: إذا يوطأ، وكذلك امتهدا امتهادا، ومهد الصبي معروف، وجمع المهاد، مهد، وثلاثة أمهدة " والارض مهادا " (4) لاجل التوطأة للنوم، والقيام عليها، وأصل الباب التوطأة. والاخذ: ضد الاعطاء. والعزة: القوة التي يمتنع بها من الذلة. المعنى: فمعنى الاية: أن هذا المنافق الذي نعته لك بأنه يعجبك قوله في الحياة الدنيا * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " قد كنا " وهو تصحيف. " 2 " ذكر قولا واحدا ولم يذكر الثاني وفي مجمع البيان ذكر القولين ونقل القول الثاني عن الحسن، وأطلق هذا ولم يذكر قائله، راجع صفحة: 301 من مجمع البيان طبع صيدا. " 3 " سورة آل عمران آية 21. " 4 " سورة النبأ آية: 6. *
[ 183 ]
" إذا قيل له اتق الله " في سعيك في الارض بالفساد وإهلاك الحرث والنسل، دخلته عزة وحمية، فقال تعالى: فكفاه عقوبة من ضلاله أن يصلى نار جهنم، فانها بئس المهاد لمن يصلاها. وقوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) آية بلا خلاف. النزول: قال قتادة: نزلت هذه الاية في المهاجرين والانصار. وقال عكرمة: نزلت في أبي ذر الغفاري: جندب بن السكن، وصهيب بن سهان، لان أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وآله، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، وكان يمر الظهران، فانفلت أيضا منهم حتى قدم النبي صلى الله عليه وآله، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، فانقلت حتى نزل على النبي صلى الله عليه وآله. فأما صهيب، فانه أخذه المشركون من أهله فافتدى منهم بما له ثم خرج مهاجرا، فأدركه منقذ بن ظريف بن خدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلى سبيله. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: نزلت في علي (ع) حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شبه. المعنى: وروي عن علي (ع)، وابن عباس: أن المراد بالاية: الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال الحسن: هي عامة في كل من يبيع نفسه لله بأن يقيم نفسه في جهاد عدوه، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك مما أمر الله به،
وتوعد على خلافه.
[ 184 ]
وقوله تعالى: " يشري نفسه " معناه يبيع نفسه، وقد بينا فيما مضى أن الشراء يكون بمعنى البيع، كما قال: " وشروه بثمن بخس " (1) أي باعوه وقال الشاعر: (2) وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه (3) أي بعت. والشراء استبدال العوض بالثمن. وشرى باع واشترى ابتاع. وشرا هاهنا مجاز، لان أصله في الاثمان من العين، والورق، لذلك لا يقال: باع متاعه إذا تصدق به، لان الاظهر إذا أطلق أنه باعه بالثمن. وقوله تعالى: " ابتغاء مرضات الله " معناه طلب مرضات الله، ومثله " حذر الموت " (4) قال الشاعر: (5) وأغفر عوراء الكريم ادخاره * وأعرض عن شتم اللئيم تكرما (6) ولا يجوز قياسا على ذلك فعله زيداأي لزيد. ويجوز فعله خوفا، لان في ذكر المصدر دليلا على العرض الداعي إلى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، والمرضاة والرضى واحد وهو ضد السخط. قوله تعالى: " والله رؤف بالعباد " قد بينا فيما مضى معنى الرؤف. والخلاف فيه، ومعناه ذو رحمة واسعة بعبده الذي شرى نفسه له في جهاد من جاهد في أمره من أهل الشرك، والفسوق. وإنما ذكر الرؤوف بالعباد هنا للدلالة على أنه انما رغب العبد في بيع نفسه بالجهاد في نفسه رأفة به، وحسن نظر له، ليبتليه من الثواب المستحق على عمله ما لا يجوز أن يصل إليه في جلالته إلا بتلك المنزلة. * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف آية: 20. " 2 " هو يزيد بن مفرغ الحميري.
" 3 " مر تخريجه في 1: 348. وروايته هناك " من قبل " بدل " من بعد " والبيت مروي بالوجهين. " 4 " سورة البقرة آية: 19. " 5 " هو حاتم. " 6 " ديوانه: 24، ونوادر أبي زيد: 11، والخزانة 1: 491. وغيرها وفي البيت اختلاف كثير في الرواية، والشاهد فيه عندهم نصب " ادخاره " على أنه مفعول له. *
[ 185 ]
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) آية واحدة. القراءة: قرأ أهل الحجاز، والكسائي " السلم " - بفتح السين -. الباقون - بكسرها - اللغة: قال الاخفش: السلم - بكسر السين -: الصلح، وبفتحها، وفتح اللام: الاستسلام. وقال الزجاج: السلم جميع شرائعه. ويقال: السلم، والسلم معناهما الاسلام، والصلح. وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وفتحها مع تسكين اللام، وفتحها. وقال أبو عبيدة: السلم - بكسر السين - والاسلام واحد، وهو في موضع آخر المسالمة، والصلح. المعنى: وقال ابن عباس، والسدي، والضحاك، ومجاهد: معنى السلم هاهنا الاسلام، وبه قال قتادة. وقال الربيع: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو اختيار البلخي قال: لان الخطاب للمؤمنين بقوله: " يا أيها الذين آمنوا " واختار الطبري الوجه الاول، والامران
جميعا عندنا جائزان محتملان، وحملها على الطاعة أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية، قال أبو علي: من قرأ بفتح السين، ذهب إلى أن معناه: المسالمة، والصلح، وترك الحرب باعطاء الجزية. ومن كسرها، اختلفوا منم من حمله على الاسلام، ومنهم من حمله على الصلح أيضا.
[ 186 ]
اللغة: وقوله تعالى: " كافة " معناه جميعا، وهو نصب على الحال من ضمير المؤمنين. وقيل من حال السلم، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشئ في آخره، من ذلك كفة القميص، يقال لحاشية القميص: كفة. وكل مستطيل، فحرفه كفة. ويقال في كل مستدير: كفة، نحو كفة الميزان. وإنما سميت كفة الثوب، لانها تمنعه أن ينتشر. وأصل الكف: المنع، ومنه قيل لطرف اليد: كف، لانها يكف بها عن سائر البدن: وهي الراحة مع الاصابع، ومن هذا قيل: رجل مكفوف أي قد كف بصره أن يبصر، وكف من الشئ يكف كفا: إذا انقبض عنه. وكل شئ جمعته، فقد كففته. واستكف السائل: إذا بسط كفه يسأل. واستكف القوم بالشئ: إذا أحدقوا به. وتكفف السائل: إذا مد كفه للسؤال. ولقيته كفة لكفة: إذا لقيته مفاجأة. والمكفوف: الاعمى. والكفف: دارات الوسم. والكفة: ما يصاد به الظباء: كالطوق. المعنى: فمعنى الاية على هذا: ابلغوا في الاسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا من أن تعدوا شرائعه. وادخلوا كلكم حتى يكف عن عدد واحد لم يدخل فيه. وقيل: معنى الاية: أن قوما من اليهود أسلموا وأقاموا على تحريم السبت، وتحريم لحمم الابل، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا في جميع شرائع الاسلام. وقال بعض أهل
اللغة: جائز أن يكون أمرهم وهم مؤمنون أن يدخلوا في الايمان: أي يقيموا على الايمان كما قال: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " (1) وكلا القولين جائز. وقوله " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا آثاره، لان ترككم شيئا من شرائع الاسلام اتباع الشيطان. وخطوات: جمع خطوة وفيها ثلاث لغات: خطوات - بضم الطاء، وفتحها، واسكانها. * (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية: 135. *
[ 187 ]
وقوله تعالى: " إنه لكم عدو مبين " عداواته للمؤمنين. وإبانة عداوته لنا هو أن ينسها لمن يراه من الملائكة، والجن، ونحن وإن لم نشاهده، فقد علمنا معاداته لنا، ودعاءه إيانا إلى المعاصي، فجاز أن يسمى ذلك إبانة. وقال الجبائي: أبان عداوته لادم والملائكة (ع)، فكان بذلك مبينا لعداوته إيانا. قوله تعالى: فان زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) آية واحدة. المعنى واللغة:: أنزل الله تعالى هذه الاية، وقد علم أنه سيزل الزالون من الناس، فتقدم في ذلك، وأوعد فيه، لكي تكون الحجة على خلقه. يقال: زل يزل زلا، وزللا، ومزلا، وزلولا. ومعنى الاية " فان زللتم " بمعنى تنحيتم عن القصد، والشرائع، وتركتم ما أنتم عليه من الدين " من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز " في نعمته " حكيم " في أمره، لا تعجزونه، وحكيم فيما شرع لكم من دينه، وفطركم عليه، وفيما يفعل بكم من عقوبة على معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم. وذكر جماعة من أهل التأويل: أن " البينات " هم محمد صلى الله عليه وآله والقرآن، ذهب إليه
السدي، وابن جريج، وغيرهما. وقيل: زل في الاية: مجاز تشبيها بمن زل عن قصد الطريق، وحقيقته: عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. والاولى أن يكون ذلك حقيقة بالعرف. وفي الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله يريد القبيح، لانه لو أراده لما صح وصفه بأنه حكيم. فان قيل: سواء زل العباد أو لم يزلوا، وجب أن يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط ؟ قيل، لان معنى " عزيز " هو القادر الذي لا يجوز عليه المنع من عقابكم " حكيم " في عقوبته إياكم، فكأنه قال: فاعلموا أن العقاب واقع بكم لا محالة، لانه عزيز لا يجوز أن يحول بينه وبين عقوبتكم حائل،
[ 188 ]
ولم يمنعه مانع " حكيم " في عقوبته إياكم، وذلك أن حري لهم وصفه بأنه عزيز أنه قدير لايمنع، لانه قادر لنفسه. و " حكيم " معناه عليم بتدبير الامور. ويقال: " حكيم " في أفعاله بمعنى محكم لها وأصل العزة الامتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة وأصل الحكمة المنع من قول الشاعر: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا (1) ومنه حكمة الدابة قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر وإلى الله ترجع الامور (210) آية واحدة. القراءة: قرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض. والباقون بضمها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي " ترجع الامور " بفتح التاء. الباقون بضمها.
المعنى: الظلل: جمع ظلة. ومعنى الاية أن يأتيهم عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته، كما قال: " فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " (2) أي آتاهم خذلانه إياهم. والمختار عند أهل اللغة الرفع في " الملائكة " عطفا على الله، كأنه قال: وتأتيهم الملائكة. ومن كسر عطف على ظلل، وتقديره في ظلل من الغمام، وظلل من الملائكة. وقوله: " وقضى الامر " أي فزع لهم مما كانوا يوعدون به. * (الهامش) * " 1 " قائله جرير، ديوانه 1: 23، واللسان " حكم ". " 2 " سورة الحشر آية: 2. *
[ 189 ]
وقوله: " والى الله ترجع الامور " لا يدل على أن الامور ليست إليه الان وفي كل وقت. ومعنى الاية الاعلام في أمر الحساب، والثواب، والعقاب أي إليه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فلا حاكم سواه. ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا أحد ممن يملك في دار الدنيا إلا ويز ؟ ل ملكه ذلك اليوم. وشبهت الاهوال بالظلل من الغمام، كما قال: " موج كالظلل " (1) ومعنى الاية: ما ينظرون - يعني المكذبين بآيات الله - محمدا وما جاء به من القرآن والايات إلا أن يأتيهم أمر الله وعذابه " في ظلل من الغمام والملائكة "، فهل بمعنى (ما)، كما يقول القائل: هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي ما يطالب. وينظرون - في الاية - بمعنى ينتظرون. وقد يقال: أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجئ، والذهاب، يقولون أتاني وعيد فلان، وكلام فلان، وكل ذلك لا يراد به الاتيان الحقيقي قال الشاعر: أتاني كلام من نصيب يقوله * وما خفت يا سلام أنك عائبي (2)
وقال آخر: أتاني نصرهم وهم بعيد * بلادهم بلاد الخيزران (3) فكأن المعنى في الاية: إن الناس في الدنيا يعتصم بعضهم ببعض، ويفزع بعضهم إلى بعض في الكفر والعصيان، فإذا كان يوم القيامة انكشف الغطاء، وأيقن الشاك، وأقر الجاحد، وعلم الجاهل، فلم يعصم أحد من الله أحدا، ولم يكن له من دون الله ناصر، ولا من عذابه دافع، وعلم الجميع أن الامر كله لله. قوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب (211) آية واحدة. * (الهامش) * " 1 " سورة لقمان آية: 32. " 2 " البيت في نوادر أبي زيد: 46، ومعانى القرآن للفراء 1: 146. " 3 " البيت للنابغة الجعدي اللسان (خزر) في المطبوعة (بارض) بدل (بلاد) *
[ 190 ]
القراءة: أهل الحجاز يقولون: سل بغير همز. وبعض بني تميم يقولون: اسأل بالهمز، وبعضهم يقولون: اسل بالالف وطرح الهمز - والاولى أحسنها لانها خط المصحف. المعنى: وفي الاية تنبيه وتقريع للكفار من بني اسرائيل، ونظيره قول الرجل في صاحبه إذا فزعه وربحه وأراد أن يلزمه الحجة، ويبين عن كفرانه للنعمة ليوقع به العقوبة - لمن بحضرته -: سله كم أعددت له وحذرته. والايات البينات ما ذكرها الله تعالى: من قلب عصا موسى حية، ويده البيضاء، وفلقه البحر، وتغريق عدوهم من فرعون وأصحابه، وتظليله عليهم الغمام، وإنزال
المن والسلوى، وذلك من آيات الله التي أتي بها بني اسرائيل، فخالفوا جيمع ذلك، وقتلوا أنبياءه، ورسله، وبدلوا عهده، ووصيته إليهم. وقوله: " ومن يبدل نعمة الله " معناه: يغير يعني بها الاسلام، وما فرض فيه من شرائع دينه بعد ما عهد إليه وأمره به من الدخول في الاسلام، والعمل بشرائعه، فيكفر به، فانه يعاقبه بما أوعده على الكفر به من العقوبة " والله شديد العقاب ". وقال الزجاج فيه حذف وتقديره شديد العقاب له، ويجوز أن يكون معناه: شديد العقاب لكل من يستحقه، فيدخل فيه هذا المذكور، فأما أن يكون على معنى شديد العقاب لغيره، فلا يجوز إذا لم يكن للمذكور مدخل فيه. وفي الاية دلالة على فساد قول المجبرة: من أنه ليس لله على الكافر نعمة، لانه حكم عليهم بتبديل نعم الله، كما قال: " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون " (1) وقال: " بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " (2) * (الهامش) * " 1 " سورة النحل آية: 83. " 2 " سورة ابراهيم آية: 28. *
[ 191 ]
قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) آية واحدة. المعنى: إنما ترك التأنيث في قوله زين والفعل فيها مسند إلى الحياة وهي المرتفعة به، لانها لم يسم فاعلها لشيئين: أحدهما - أن تأنيث الحياة ليس بحقيقى، وما لا يكون تأنيثه حقيقيا، جاز
تذكيره، كقوله تعالى: " فمن جاءه موعظة من ربه " (1) وقوله: " قد جاءكم بصائر " (2) " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " (3). والثاني - أنه لما فصل بين الفعل والفاعل بغيره، جاز ترك التأنيث، وقد ورد ذلك في التأنيث الحقيقي، وهو قولهم حضر القاضي اليوم إمرأة، فإذا جاز ذلك في التأنيث الحقيقي، ففيما ليس بحقيقي، أجوز، وقد قيل: إنما ترك التأنيث في هذا الموضع، لانه قصد بها المصادر، فترك لذلك التأنيث. وقيل في معنى تزيين الحياة الدنيا قولان: أحدهما - قال الحسن، والجبائي، وغيرهما - أن المزين لهم إبليس وجنوده، لانهم الذين يغوون، ويقوون دواعيه، ويحسنون فعل القبيح، والاخلال بالواجب ويسوفون لهم التوبة، فأما الله تعالى، فلا يجوز أن يكون المزين له، لانه زهد فيها، فأعلم أنها متاع الغرور، وتوعد على ارتكاب القبائح فيها. والقول الثاني - إن الله تعالى خلق فيها الاشياء المعجبة، فنظر إليها الذين كفروا باكثر من مقدارها، كما قال: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية: 275. " 2 " سورة الانعام آية: 104. " 3 " سورة هود آية: 67. *
[ 192 ]
والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث " (1) وإنما أراد بذلك ما جبل الخلق عليه من الميل إلى هذه الاشياء، لا أنه حسن جميعها، ولم يقبح شيئا منها، وكلاهما جائزان حسنان. والتزيين، والتحسين واحد، والزين: خلاف الشين، والزينة: اسم جامع لكل ما يتزين به، وهذا أمر زاين له أي مزين له. وقوله: " ويسخرون من الذين آمنوا " معناه: أن قوما من المشركين كانوا
يسخرون من قوم من المسلمين، لان حالهم في ذات اليد كانت قليلة، فأعلم الله تعالى: أن الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، لان المسلمين في عليين، والفجار في الجحيم، كما قال تعالى: " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون " (2) ثم أخبر عن المؤمنين أنهم يضحكون منهم - في الاخرة -، فقال: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون " (3). وقوله: " والله يرزق من يشاء بغير حساب " قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - أن معناه: أنه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته. الثاني - أنه ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، ولا الكافر على قدر كفره في الدنيا، ولكن الرزق في الاخرة على قدر العمل، وما يتفضل الله به، ويضاعف به عن رجل على المؤمنين ما يشاء من فضله زيادة على كفايته. الثالث - أنه يعطى عطاء لا يآخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطالب عليه بجزاء، ولا مكافاة، ولا يثبت ذكره مخافة الاعدام، والاقلال، لان عطيته ليست من أصل ينقص، بل خزائنه لا تفنى، ولا تنفد (جل الله تعالى). والرابع - قال قطرب معناه: أنه يعطي العدد من الشى، لامما يضبط بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لان ما يقدر عليه غير متناه، ولامحصور، فهو * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية: 14 " 2 " سورة المطففين آية: 29. " 3 " سورة المطففين آية: 34.
[ 193 ]
يعطى الشئ لا من عدد أكثر منه ولا ينقص منه كالمعطى من الادميين الالف من الالفين والعشرة من المأة. والخامس - قال بعضهم: إنما عنى بذلك إعطاء أهل الجنة، لان الله تعالى
يعطيهم ما يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، فكل ذلك حسن جائز، وإنما قال: " والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة " ولا فضل للكفار في الاخرة لامرين: أحدهما - أن أحوالهم في الاخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا. والثاني - أن يكون محمولا على قوله تعالى " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا " (1) وكما قال حسان يعني رسول الله وأبا جهل. فشر كما لخير كما الفداء (2) ومعنى " يسخرون من الذين آمنوا " أي يهزؤن بهم في زهدهم في الدنيا، لانهم يوهمهم أنهم على حق، ويفهم عنهم أن اعتقادهم بخلاف ذلك. قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما $ اخ ؟ فوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) آية واحدة بلا خلاف. القراءة: قرأ أبو جعفر المدني " ليحكم " - بضم الياء - الباقون بفتحها. * (الهامش) * " 1 " سورة الفرقان آية: 24. " 2 " انظر 1: 101 من هذا الكتاب *
[ 194 ]
المعنى: معنى قوله: " كان الناس أمة واحدة " أهل ملة واحدة كما قال النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع (1) أي ذو ملة ودين. وأصل الامة الام من قولك: أم يؤم أما: إذا قصده. وهي على أربعة أوجه: فالامة: الملة، والامة: الجماعة، والامة: المنفرد بالمقابلة، والامة: القابلة. واختلفوا في الدين الذي كانوا عليه، فقال ابن عباس، والحسن، واختاره الجبائي: إنهم كانوا على الكفر. وقال قتادة، والضحاك: كانوا على الحق، فاختلفوا. فان قيل: إذا كان الزمان لا يخلوا من حجة كيف يجوز أن يجتمعوا كلهم على الكفر، قلنا: يجوز أن يقال ذلك على التغليب لان الحجة إذا كان واحدا أو جماعة يسيرة، لا يظهرون خوفا وتقية، فيكون ظاهر الناس كلهم الكفر بالله، فلذلك جاز الاخبار به على الغالب من الحال، ولا يعتد بالعدة القليلة. وقوله: " وأنزل معهم الكتاب بالحق " قيل في معناه قولان: أحدهما - بما فيه من البيان عن الحق من الباطل. الثاني - أن معناه: بأنه حق للاستصلاح به على ما توجبه الحكمة فيه. وقوله: " ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " فحقيقته، ليحكم منزل الكتاب، لان الله هو الحاكم بما أنزل فيه، فهو مجاز - في قول الجبائي - قال: إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيما له، لما فيه من البيان. ويجوز أن يكون في يحكم ضمير اسم الله، فيكون حقيقة. ومن ضم الياء قراءته لاشبهة فيها. والمعنى ليحكم الناس أو العلماء بما فيه من الحق. وقوله تعالى: " وما اختلف فيه " الهاء عائدة على الحق. وقيل على الكتاب. والاول أصح، لان اختلافهم في الحق قبل إنزال الكتاب. فان قيل: إذا كانوا مختلفين على إصابة بعضهم له، فكيف يكون الكفر عمهم به ؟ قلنا: لا يمتنع * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 40، واللسان (أمم) من قصيدته في اعتذاره للنعمان. *
[ 195 ]
أن يكون الكل كفارا، وبعضهم يكفر من جهة الغلو، وبضهم من جهة التقصير كما كفرت اليهود، والنصارى في عيسى (ع)، فقالت النصارى: هو رب، فغالوا. وقصرت اليهود، فقالوا: كذاب متخرص. فان قيل: كيف يكون الكل كفارا مع قوله: " فهدى الله الذين آمنوا " ؟ قلنا: لا يمتنع أن يكونوا كلهم كانوا كفارا، فلما بعث الله إليهم بالانبياء مبشرين، ومنذرين اختلفوا، فآمن قوم، ولم يؤمن آخرون. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، ولا مهتدين، ولا ضلالا، فبعث الله النبيين. الاعراب: وقوله تعالى: " بغيا بينهم " نصب على المفعول له، كأنه قال للبغي بينهم - على قول الاخفش، والزجاج -. وقال بعضهم: الاستثناء متعلق بثلاثة أشياء، كأنه قال: " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه "، وما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات، ما اختلفوا فيه إلا بغيا بينهم. إلا أنه حذف الثاني لدلالة الاول عليه. قال الرماني: والصحيح الاول، لانه لا يحكم بالحذف مع استقامة الكلام من غير حذف إلا لعذر. المعنى: وقوله: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه " معناه: هداهم للحق، وهو الذي اختلفوا فيه. وقيل في معنى باذنه قولان: أحدهما - بلطفه، ولا بد من محذوف على هذا التأويل، أي فاهتدوا باذنه، لان الله عزوجل، لا يفعل الشئ باذن أحد يأذن له فيه، ولكن قد يجوز أن يكون على جهة التفسير للهدى، كأنه قال: هداهم بأن لطف لهم، وهداهم بأن أذن
لهم. وقال الجبائي: لابد من أن يكون على حذف (فاهتدوا) باذنه. والقول الثاني - هداهم بالحق بعلمه، والاذن بمعنى العلم معروف في اللغة قال
[ 196 ]
الحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء (1) أي أعلمتنا. وهو قول الزجاج، وغيره من أهل اللغة. فان قيل: إذا كانوا إنما هدوا للحق من الاختلاف فلم قيل: للاختلاف من الحق ؟ قيل: لانه لما كانت العناية بذكر الاختلاف، كان اولى بالتقديم، ثم تفسيره ب (من). وقال الفراء هو من المقلوب نحو قول الشاعر: كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم (2) وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الاخر: إن سراجا لكريم مفخرة * تحلى به العين إذا ما تجره (3) وإنما يحلى هو بالعين. قال غيره إنما يجوز القلب في الشعر للضرورة. ووجه الكلام على ما بيناه واضح. فان قيل: ما الهدى الذي اختص به من يشاء ؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: قال الجبائي: اختص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف، وهو البيان، والدلالة والثاني - قال: ويجوز أن يكون هداهم على طريق الجنة، ويكون للمؤمنين خاصة. وقال ابن الاخشاد، والبلخي: يجوزان يكون هداهم باللطف، فيكون خاصالمن علم من حاله أنه يصلح به. ولا يجوز أن يكون المراد بالهداية هاهنا الارشاد إلى الدين، ونصب الدلالة عليه، لانه تعالى لا يخص بذلك قوما دون قوم، بل لا يصلح التكليف من دونه. وقد بين الله تعالى: أن اختلافهم كان بعد أن جاءتهم البينات فعم بذلك جميعهم، فلو أراد الله بقوله " فهدى الله الذين آمنوا " بالبينات، لكان متناقضا - أللهم - إلا أن يحمل ذلك على أنه أضاف إليهم الهداية، من حيث كانوا هم المنتفعين بها، والمتبعين لها، فكأنهم كانوا هم المخصوصين
بها كما قال: " هدى للمتقين " (4) وقوله تعالى: " إنما تنذر من اتبع الذكر " (5) * (الهامش) * " 1 " انظرا: 380 من هذا الكتاب. " 2 " انضر 2: 79. " 3 " انظر 2: 79. " 4 " سورة البقرة آية: 2. " 5 " سورة يس آية: 1. *
[ 197 ]
" وإنما أنت منذر من يخشاها " (1) وإن كان منذرا لجميعهم،، والذي يقوى ذلك قوله: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " (2) فبين أنه هداهم. وإنما لم يهتدوا، فكيف يجوز أن تحمل الهداية على نصب الدلالة، وإقامة الحجة على قوم دون قوم. والفرق بين: هدى المؤمنين إلى الايمان، وبين أنعم عليهم بالايمان، قال الجبائي: إن الهدى للايمان غير الايمان، والانعام بالايمان هو نفس الايمان. والصحيح أنه هداه بالايمان يجري مجرى قوله: أنعم عليه بالايمان لانه يراد بذلك التمكين منه. والاقتدار عليه والدعاء إليه ولا يراد به نفس الايمان. وقوله: " والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " أي إلى طريق الدين الواضح. واختلفوا في الامة المعنية بهذه الاية، فقال ابن عباس، وقتادة: هم الذين كانوا بين عاد، ونوح، وهم عشر فرق كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. فالتقدير - على قول هؤلاء - كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين. وقال مجاهد: المراد بالاية آدم، فبعث النبيين إلى ولده، لما اختلفوا. وقال أبي بن كعب، والربيع: كان الناس أمة حين استخرجوا من ظهر آدم، فأقروا له بالعبودية، واختلفوا فيما بعد، فبعث الله إليهم النبيين. وقال ابن عباس في رواية
أخرى: كانوا أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين. قال السدي: كانوا على دين واحد من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين. وقال الربيع والطبري: الكتاب الذي اختلفوا فيه التوراة. وقال آخرون كل كتاب أنزل الله مع النبيين. قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوامن قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول * (الهامش) * " 1 " سورة النازعات آية: 45. " 2 " سورة حم السجدة آية: 17. *
[ 198 ]
الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) آية واحدة. القراءة والنزول: قرأ نافع " حتى يقول الرسول " بضم اللام. الباقون بنصبها. ذكر السدي، وقتادة، وغيرهما من أهل التفسير: أن هذه الاية نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، واستدعاهم الله إلى الصبر، ووعدهم بالنصر. الاعراب واللغة: وقال الزجاج: معنى (أم) هاهنا بمعنى (بل). وقال غيره: هي بمعنى الواو. وإنما حسن الابتداء ب (أم) لاتصال الكلام بما تقدم، ولو لم يكن قبله كلام، لما حسن. والفرق بين (أم حسبتم) وبين (أحسبتم) أن (أم) لا تكون إلا متصلة لكلام، معادلة للالف، أو منقطعة، فالمعادلة نحو (أزيد في الدار أم عمرو) فالمراد أيهما في الدار، والمنقطعة نحو قولهم: (إنها لابل أم شاء يافتى)،
وأما الالف، فتكون مستأنفة. وإنما لم يجز في (أم) الاستئناف، لان فيها معنى (بل) كأنه قيل: (بل حسبتم). وحسبت، وظننت وخلت نظائر. وقوله تعالى: " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " معناه ولما تمتحنوا، وتبتلوا بمثل ما امتحنوا، فتصبروا كما صبروا. وهذا استدعاء إلى الصبر وبعده الوعد بالنصر. والمثل، والشبه واحد، يقال: مثل ومثل، مثل شبه وشبه. و " خلوا " معناه مضوا. وقوله: " مستهم " فالمس، واللمس واحد. والبأساء ضد النعماء، والضراء ضد السراء. وقوله: " زلزلوا " معناه هاهنا: أزعجوا بالمخافة من العدو. والزلزلة: شدة
[ 199 ]
الحركة. والزلزال: البلبلة المزعجة بشدة الحركة، والجمع زلازل، ويقال: زلزل الارض يزلزلها زلزالا، وتزلزل تزلزلا، مثل تدكدك تدكدكا، وأصله زل، وإنما ضوعف، مثل صرصر، وصلصل. وقوله: " حتى يقول الرسول " من نصب اللام، ذهب إلى تقدير: إلى أن يقول الرسول، فيكون على معنى الاستقبال إذا قدرت معها (أن)، وهو يشبه الحكاية، كأنك تقدر حالا، ثم أستأنف غيره فعلا، كما تستأنف عن حال كلامك. ويوضح ذلك (كان زيد سيقول كذا وكذا). وانما قدرت بكان زيد وقتا، ثم يستأنف عنه فعلا، فكذلك " زلزلوا " قد دل على وقت، ثم استأنف بعده الفعل. ومن رفع، فعلى الحال للفعل المذكور، والحال لكلام المتكلم، وذلك القول قد يكون في حال الزلزلة. فأما الغاية فلا يكون إلا بعد تقضيها وإن كان متصلا بها، والرفع يوجب التأدية بمعنى: أن الزلزلة أدت إلى قول الرسول. فأما النصب،
فيوجب الغاية، فقد حصل الفرق بين الرفع والنصب من ثلاث جهات: الاول - أن أحدها على الحال، والاخر على الاستقبال. والثاني - أن أحدها قد انقضى، والاخر لم ينقص. والثالث - أن أحدها على الغاية، والاخر على التأدية. ومعنى الغاية في الاية أظهر، لان النص جاء عند قول الرسول، فلذلك كان الاختيار في القراءة النصب. المعنى: فان قيل: ما معنى قول الرسول والمؤمنين: " متى نصر الله " ؟ قلنا: قال قوم: معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون معناه الاستبطاء لنصر الله على كل حال لان الرسول يعلم: أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة. وقال قوم: معناه الاستبطاء لنصر الله. وذلك خطأ، لا يجوز مثله على الانبياء (ع) إلا أن يكون على الاستبطاء لنصره لما توجبه الحكمة من تأخره. والنصر ضد الخذلان. والقريب ضد البعيد. والقرب والدنو واحد. ومن قال: إن ذلك على وجه الاستبطاء قواه بما بعده من قوله " ألا إن نصر الله قريب ".
[ 200 ]
اللغة: وأصل (لما) (لم) فزيد عليها (ما) فغيرت معناها، كما غيرت في (لو لما زيد عليها (ما) إذا قلت: (لوما) فصارت بمعنى هلا. والفرق. بين (لم) و (لما) أن (لما) يصح أن يوقف عليها، مثل قولك: أقدم زيد ؟ فيقول: لما، ولا يجوز (لم)، وفي (لما) توقع لانها عقيبة (قد)، إذا انتظر قوم ركوب الامير، قلت: قد ركب، فان نفيت هذا قلت: لما يركب، وليس كذلك (لم)، ويجمعهما نفي الماضي. قوله تعالى:
يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم (215) آية واحدة. المعنى: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها: أن الاية الاولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ذلك دعاء إلى فعل البر. والنفقة: إخراج الشئ عن الملك ببيع، أو هبة، أو صلة، أو نحوها، وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال: من عين، أو ورق. وقوله " يسألونك " خطاب للنبي (ص) بأن القوم يسألونه، والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة في الكلام. وذكر السدي: أن هذه الاية منسوخة بفرض الزكاة. وقال الحسن: ليست منسوخة، وهو الاقوى، لانه لا دليل على نسخها. والجواب المطابق لقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " أن يقول: قل النفقة
[ 201 ]
التي هي خير، وإنما عدل عنه لحاجة السائل إلى البيان الذي يدل عليه، وعلى غيره، وذلك يحسن من الحكماء إذا أرادوا تعليم غيرهم، وتبصيرهم أن يضمنوا الجواب مع الدلالة على المسؤل عنه الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعني مما أغفله أو حذف السؤال عنه لبعض الاسباب المحسنة له. فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم، فالاصل فيه التحقيق، بأن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان، ولاعدول عما يوجبه نفس السؤال، لان كل واحد من الخصمين قد حل محل النظير للاخر.
ولايجوز إعطاء الزكاة للوالدين، وكل من تلزمه نفقته - وبه قال الحسن -. والاية عامة في الزكاة وفي التطوع - وبه قال الحسن - غير أنها فيمن تلزمه النفقة عليه، خاصة بالنفقة. الاعراب: وموضع (ما) في قوله: " ماذا ينفقون " من الاعراب يحتمل وجهين: الرفع، والنصب، الرفع على ما الذي ينفقون، فيكون المعني الذي، وينفقون صلة، والنصب بمعنى أي شئ ينفقون، فيكون (ذا) و (ما) بمنزلة شئ واحد. والمساكين جمع مسكين وهو المحتاج. المعنى: ومعنى قوله: " فان الله به عليم " اي ما تفعلوا من خير فان الله يجازي عليه من غير أن يضيع منه شئ، لانه عليم لا يخفى عليه شئ. قال مجاهد: معنى " يسألونك ماذا ينفقون " إنهم سألوا مالهم في ذلك، فقال الله تعالى: " قل ما أنفقتم من خير " الاية. وقال قتادة: أهمتهم النفقة، فسألوا عنها النبي صلى الله عليه وآله فأنزل الله " قل ما أنفقتم من خير " الاية. قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا
[ 202 ]
شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) آية واحدة. المعنى: معنى قوله تعالى: " كتب عليكم القتال " فرض عليكم القتال، وهذه الاية دالة على وجوب الجهاد، وفرضه، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وأكثر
المفسرين، غير أنه فرض على الكفاية. وحكي عن عطا: أن ذلك كان على الصحابة، والصحيح الاول، لحصول الاجماع عليه اليوم، وقد انقرض خلاف عطا. اللغة: وقوله: " وهو كره لكم " يقال: كره كراهة، وأكرهه إكراها: إذا أجبره، وتكره تكرها، واستكره استكراها، وكرهه تكريها. والكراهة: المشقة التي يحمل عليها، والكره: المشقة من غير أن يحمل عليها. وقيل: هما لغتان، مثل ضعف، وضعف. وجمل كره: شديد الرأس، لانه لا ينقاد إلا على كره، والكريهة: الشديد في الحرب، لانه يدخل فيها على كره. وكراهية (1) الدهر: نوازله، كرهت الامر كراهة وكراهية ومكرهة، وكره. إلي هذا الامر تكريها: أي صيره إلي بحال كريهة. والكرهاء: صفحة الوجه، لان الكره يظهر فيها. المعنى، واللغة، والاعراب: فان قيل: كيف كره المؤمنون الجهاد، وهو طاعة لله ؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - أنهم يكرهونه كراهية طباع. والثاني - أنه كره لكم قبل أن يكتب عليكم، وعلى الوجه الاول يكون لفظ الكراهة مجازا، وعلى الثاني حقيقة. وقوله: " عسى " معناه الطمع، والاشفاق من المخاطب، ولا يكون إلا مع مثلة في الامر. وقيل: معناها هاهنا قد، وإنما قال: " عسى " وقال في موضع آخر: * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة (كراية). *
[ 203 ]
" فهل عسيتم " فجمع، لانه استغنى في الغائب عن الجمع كما استغني عن علامة الضمير في اللفظ، وليس كذلك المخاطب، فجرى في كل غائب على التوحيد، لا متناعه من من التصريف. وتقول: عسى أن يقوموا، فإذا قلت: عسيتم أن تقوموا جمعت. وفي قوله " وهو كره لكم " حذف - في قول الزجاج وغيره - لان
تقديره وهو ذو كره لكم، ويجوز أن يكون معناه: وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع إسم المفعول، ومثله قولهم: رجل رضى بمعنى ذو رضى، ويجوز أن يكون بمعنى مرضي. وقوله: " وهو شر لكم " فالشر السوء، وهو ضد الخير، تقول: شر يشر شرارة. شرار النار، وشررها لهبها، وشررت اللحم والثوت تشريرا: إذا بسطته، ليجف، وكذلك أشررته إشرارا، وأشررت الكتاب: إذا أظهرته، وشرة الشباب: نشاطه، وإنما قال الله تعالى: " والله يعلم "، تنبيها على أنه يعلم مصالحكم، وما فيه منافعكم، فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم. والفرق بين الشهوة، والمحبة واضح، لان الصائم في شهر رمضان يشتهي شرب الماء، ولا يكون مآخذا به، ولا يحبه كما لا يريده، ولو أراده وأحبه، لكان مذموما، ويكون مفطرا - عند كثير من الفقهاء -. وقوله: " والله يعلم وأنتم لا تعلمون " يدل على فساد قول المجبرة، لانه تعالى إنما رغبهم في الجهاد، لما علم من مصالحهم، ومنافعهم، فيدبرهم لذلك، لا لكفرهم وفسادهم يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن
[ 204 ]
دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) آية واحدة
بلا خلاف. اختلفوا في: من السائل عن هذا السؤال: أهم أهل الشرك، أم أهل الاسلام، فقال الحسن، وغيره: هم أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، وبه قال الجبائي، وأكثر المفسرين. وقال البلخي: هم أهل الاسلام، سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. الاعراب: وقوله تعالى: " قتال فيه " مجرور على البدل من الشهر، وهو من بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: " قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود " (1) وقال الاعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضي لبانات ويسأم سائم (1) والذي يشتمل عليه المعنى هو أحوال الشئ، وما كان منه بمنزلة أحواله مما يغلب تعلق الفعل به، فلا يجوز رأيت زيدا لونه، لان لونه يجوز أن يرى كما يجوز أن يرى نفسه، ويجوز سرق زيد ثوبه، لان تعلق السرقة إنما هي بالملك دون النفس في غالب الامر، ويجوز أن تقول: رأيت زيدا مجيئه، ولا يجوز رأيت زيدا إياه، لانه يجري مجرى حاله. وقوله تعالى: " وصد عن سبيل الله " رفع بالابتداء، ومابعده معطوف عليه، وخبره " أكبر عند الله " هذا قول الزجاج. وقال أبو علي الفارسي: لا يخلو * (الهامش) * " 1 " سورة البروج آية: 5. " 2 " ديوانه: 77 رقم القصيدة: 9. يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني ومعنى البيت يعلم من البيت قبله الذي هو مطلع القصيدة وهو: هريرة ودعها وان لام لاثم * غداة غد أم أنت للبين واجم وهريرة قد ذكرها في قصيدة قبل هذه. *
[ 205 ]
أن يكون ارتفاع قوله: " وصد عن سبيل الله وكفر " من أن يكون بالعطف على الخبر الذي هو " كبير " كأنه قال: قتال فيه كبير وصد وكفر: أي القتال، قد جمع أنه كبير، وأنه صد، وكفر. ويكون مرتفعا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة " كبير " المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، أو يكون مرتفعا بالابتداء، والخبر المظهر، فيكون الصد ابتداء، وما بعد من قوله: " وكفر به وإخراج أهله " مرتفع بالعطف على الابتداء، والخبر قوله: " أكبر عند الله " قال: ولايجوز الوجهان الاولان - وقد أجازهما الفراء - أما الوجه الاول، فلان المعنى يصير: قل: قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير، والقتال وإن كان كبيرا، ويمكن أن يكون صدا، لانه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفرا، لان أحدا من المسلمين لم يقل ذلك، ولم يذهب إليه، فلا يجوز أن يكون خبر المبتدء شيئا لا يكون المبتدأ. ويمنع من ذلك أيضا قوله بعد: " وأخراج أهله منه أكبر عند الله " ومحال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لانه لا شئ أعظم منه، ويمتنع الوجه الثاني أيضا، لان التقدير: فيه يكون قتال فيه كبير وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، وكذلك مثل الفراء، وقدره، فإذا صار المعنى: وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، وإذا كان كذلك امتنع كما امتنع الاول وإذا امتنع هذان ثبت الوجه الثالث، وهو أن يكون قوله " وصد عن سبيل الله " ابتداء " وكفر به وإخراج أهله " معطوفا عليه " وأكبر " خبرا. المعنى: فيكون المعنى: " وصد عن سبيل الله " أي منعهم لكم أيها المسلمون عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه - وأنتم ولاته، والذين هم أحق به
منهم - وكفر بالله أكبر من قتاله في الشهر الحرام. قال الرماني، الفراء: إن التخلص من التأويل الثاني أن تقول: إخراج أهله منه أكبر من القتل فيه، لا من الكفر، لان المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين عنه. قال:
[ 206 ]
وأما التأويل الاول، فلا يجوز إلا أن يجعل " كفر به " يعني بالمسجد الحرام، لنتهاك حرمته. وقال: والتأويل الاول أجود. وهذا القتال في الشهر الحرام هو ما عابه المشركون على المسلمين، من قتل عبد الله بن جحش، وأصحابه عمر بن الحضرمي، لما فصل من الطائف، في عير - في آخر جمادى الاخر - وأخذهم العير، وهو أول من قتل من المشركين - فيما روي، وأول فئ أصابه المسلون. وأما قوله تعالى: " والمسجد الحرام " فقال الفراء: إنه محمول على قوله: يسألونك عن القتال، وعن المسجد الحرام هذا لفظه. قال أبو علي الفارسي: وهذا أيضا يمتنع، لانه لم يكن السؤال عن المسجد الحرام، وإنما السؤال عن قتال ابن جحش الحضرمي وأصحابه الذين عابهم المشركون وعيروهم، فقالوا إنكم استحللتم الشهر الحرام، وهو رجب بقتلهم فيه، فكان السؤال عن هذا، لاعن المسجد الحرام وإذا لم يجز هذا الوجه، لم يجز حمله على المضمر المجرور، لان عطف المظهر على المضمر غير جائز، لانه ضعيف جدا، فيكون محمولا على الضمير في به، لان المعنى ليس على كفر بالله أو بالنبي صلى الله عليه وآله، والمسجد، فثبت (1) أنه معطوف على (عن) من قوله: " وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام "، لان المشركين صد والمسلمين عنه، كما قال: " إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام "، (2) فكما أن المسجد الحرام محمول في هذه الاية على (عن) المتصلة بالصد - بلا إشكال - كذلك في هذه الاية، وهو قول أبي العباس، أيضا قال الرماني: ما ذكره الفراء،
واختاره الحسن ليس يمتنع، لان القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام جمعوها لذلك في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: قد استحللت الشهر الحرام، والمسجد الحرام. وظاهر الاية يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله: * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " بيت ". " 2 " سورة الحج آية: 25. *
[ 207 ]
" قل قتال فيه كبير " وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم، محظور. اللغة: والصد، والمنع، والصدف واحد. صد يصد صدودا إذا صدف عن الشئ لعدوله عنه، وصددته عن الشئ، أصده صدا إذا عدلته عنه، ومنه قول تعالى: " إذا قومك منه يصدون " (1) قرئ بالضم، والكسر. قال أبو عبيدة: يصدون يعرضون، ويصدون: يضجون، وذلك لانهم، يعدلون إلى الصحيح. والصديد: الدم المختلط بالقيح يسيل من الجرح. والصدد: ما استقبلك وصار في قبالتك، لانه يعدل (2) إلى مواجهتك. والصدان: ناحيتا الشعب أو الوادي. والصداد: ضرب من الجردان يعدل لشدة تحرزه. والصداد: الوزغ (3)، لانه يعدل عنه استقذارا له، وأصل الباب العدول. المعنى: وقوله " والفتنة أكبر من القتل " معناه الفتنة في الدين، وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام. وقال قتادة وغيره، واختاره الجبائي: إن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " (4) وبقوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (5) وقال عطا: هو
باق (6) على التحريم. وروى أصحابنا: أنه على التحريم فيمن يرى لهذه الاشهر حرمة، فانهم لايبتدءون فيه بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما أباح تعالى للنبي صلى الله عليه وآله قتال أهل مكة وقت الفتح، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: إن الله أحلها في هذه الساعة، ولا يحلها لاحد بعدي إلى يوم القيامة. ومن لا يرى ذلك، فقد نسخ في جهته وجاز قتاله أي وقت كان. * (الهامش) * " 1 " سورة الزخرف آية: 57. " 2 " في المطبوعة " بعدك ". " 3 " في المطبوعة " الورع ". " 4 " سورة البقرة آية: 193. " 5 " سورة التوبة آية: 6. " 6 " في المطبوعة " فاق ". *
[ 208 ]
وقوله: " يردوكم " قال الجبائي: هو مجاز هاهنا، لان حقيقته: حتى ترتدوا بالجاءهم إياكم إلى الارتداد، والاولى أن يكون حقيقة ذلك بالعرف. اللغة: وقوله تعالى: " ولا يزالون " فالزوال: العدول. ولا يزال موجودا، وما زال: أي مادام، وزال الشئ عن مكانه يزول زوالا، وأزلته عنه، وزلته، وزالت الشمس زوالا، وزيالا، وزالت الخيل بركبانها زيالا، ورجل زول، وامرأة زولة، وهو الظريف الركبين (1) وأصل الباب الزوال. وقوله: " ومن يرتدد منكم عن دينه "، فهو على إظهار التضعيف، لسكون الثاني. ويجوز " يرتد " - بفتح الدال - على التحريك، لالتقاء الساكنين، والفتح أجود. وقوله: " فأولئك حبطت أعمالهم " معناه: أنها صارت بمنزلة ما لم يكن، لا يقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنهم استحقوا عليها الثواب ثم انحبطت، لان الاحباط - عندنا - باطل على هذا الوجه. ويقال: حبط عمل
الرجل يحبط حبطا وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا، والحبط: فساد، يلحق الماشية في بطونها، لاكل الحباط، وهو ضرب من الكلاء. يقال: حبطت الابل تحبط حبطا إذا أصابها ذلك. وروي عن عطا عن ابن عباس: أن المسجد الحرام الحرم كله. قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) آية واحدة بلا خلاف. * (الهامش) * " 1 " الركبين - بفتح الراء والباء - وأصل الفخذين. *
[ 209 ]
النزول والاعراب: ذكر جندب بن عبد الله، وعروة بن الزبير: أن هذه الاية نزلت في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه، لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد التميمي بن الحضرمي، ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجره، فأنزل الله الاية فيهم - بالوعد -. وخبر " إن الذين آمنوا " الجملة التي هي قوله: " أولئك يرجون رحمة الله " أولئك ابتداء، ويرجون خبره، والجملة خبر (إن). اللغة: وقوله: " والذين هاجروا " فالهجر ضد الوصل، تقول: هجره يهجره هجرا، وهجرانا: إذا قطع مواصلته. والهجر: مالا ينبغي من الكلام، تقول: هجر المريض يهجر هجرا، لانه قال مالا ينبغي أن يهجر من الكلام، وما زال ذلك هجيراه أي دأبه (1). والهاجرة: نصف النهار، وهجر القوم تهجيرا: إذا دخلوا في الهاجرة. وسمي المهاجرون لهجرتهم قومهم، وأرضهم. وأهجرت الجارية إهجارا: إذا شبت
شبابا حسنا، فهي مهجرة، ويقال ذلك للناقة، والنخلة. والهجار: حبل يشد به يد الفحل إلى إحدى رجليه، لانه يهجر بذلك التصرف وأصل الباب الهجر: قطع المواصلة. وقوله تعالى: " وجاهدوا " تقول: جهدت الرجل جهدا: إذا حملته على مشقة، وجاهدت العد ومجاهدة إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. واجتهدت رأي: إذا حملت نفسك على المشقة في بلوغ صواب الرأي. والجهاد: الارض الصلبة، وأصل الباب الجهد: الحمل على المشقة. وقوله تعالى: " في سبيل الله " يعني قتال العدو، ويدخل في ذلك مجاهدة النفس. وقوله " أولئك يرجون " فالرجاء الامل، رجا يرجو رجاء، وترجى * (الهامش) * " 1 " هجيراه - بكسر الهاء والجيم مع تشديد الجيم - في المطبوعة (أي داته). *
[ 210 ]
ترجيا، وارتجى ارتجاء، والرجا - مقصورا - ناحية كل شئ، ويثنى رجوان وجمعه أرجاء، ومنه أرجاء البئر نواحيه، وقوله تعالى " مالكم لا ترجون لله وقارا (1) أي لا تخافون، قال أبو ذؤيب: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل (2) أي لم يخف، وذلك أن الرجاء للشئ الخوف من أن لا يكون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء، وأصل الباب الامل، وهو ضد اليأس. المعنى: وفي الاية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله لامرين: أحدهما - أن ذلك دليل الخطاب، وذلك غير صحيح عند أكثر المحصلين. والثاني - أنه قد يجتمع - عندنا - الايمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب
الكبيرة، فلا يخرج من هذه صورته عن تناول الاية له، وإنما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وإن كانت هي لهم لا محالة، لانهم لا يدرون ما يكون منهم من الاقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها إلى معصيته، لانهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل. وقال الجبائي: لانهم لا يعلمون أنهم أدوا كما يجب لله عليهم، لان هذا العلم من الواجب، وهم لا يعلمونه إلا بعلم آخر، وكذلك سبيل العلم في أنهم لا يعلمونه إلا بعلم غيره، وهذا يوجب أنهم لا يعلمون إذا كما يجب لله عليهم. وقال ابن الاخشاد: لانه لا يتفق للعبد التوبة من كل معصية، واستدل على ذلك باجماع الامة على أنه ليس لاحد غير النبي صلى الله عليه وآله. ومن شهد له عليه، فلا. ويمكن في الاية وجه آخر - على مذهبنا - وهو أن يكون رجاءهم لرخصة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة عنها، واخترموا دونهم، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضلا. فأما الوجه الاول، فانما يصح على مذهب من * (الهامش) * " 1 " سورة نوح آية: 13. " 2 " اللسان (رجا)، (خلف) في المطبوعة (عوامل) بدل (عواسل) أي دخل عليها وأخذ عسلها. ويروى " وحالفها " أي لزمها. *
[ 211 ]
يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه أو يفعل في المستقبل كبيرة يحبط ثواب إيمانه، وهذا لا يصح على مذهبنا في الموافات. وما قاله الجبائي يلزم عليه وجوب مالا نهاية له، لانه إذا وجب عليه أن يعلم أنه فعل ما وجب عليه بعلم آخر، وذلك العلم مما وجب عليه أيضا فيجب ذلك بعلم آخر، وفي ذلك التسلسل. وإنما ضم إلى صفة الايمان غيره في اعتبار الرجاء للرحمة ترغيبا في كل خصلة من تلك الخصال، لانها من علامات الفلاح. فأما الوعد، فعلى كل واحدة منها إذا سلمت مما يبطلها. وقال الحسن: الرجاء، والطمع هاهنا على الايمان إذا سلم العمل. وذكر
الجبائي: أن هذه الاية تدل على أنه لا يجوز لاحد أن يشهد لنفسه بالجنة، لان الرجاء لا يكون إلا مع الشك، وقد بين الله تعالى: أن صفة المؤمن الرجاء للرحمة، لا القطع عليها لا محالة. ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها هو أنه لما ذكر في الاولى العذاب، ذكر بعدها آية الرحمة، ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذلك أو كد في الاستدعاء، وأحق بتدبير الحكماء. وكتبت " رحمة الله " بالتاء في المصحف على الوصل، والاقيس بالهاء على الوقف، كما كتب " يدع الداع " (1) و " يقضي بالحق " (2) " واضرب لهم مثلا " (3) كل ذلك على الوقف. قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون (219) * (الهامش) * " 1 " سورة القمر آية 6. " 2 " سورة المؤمن آية: 20. " 3 " سورة الكهف آية: 32. *
[ 212 ]
القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا عاصم " إثم كثير " بالثاء. الباقون بالباء، وقرأ أبو عمرو وحده " قل العفو " بالرفع. الباقون بالنصب. اللغة: قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب إذا اشتد. وقال جمهور أهل المدينة:
ما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا. وأما اشتقاقه في اللغة: تقول خمرت لدابة أخمرها خمرا إذا سقيتها الخمر، وخمرت العجين والطين أخمره خمرا: إذا تركتة فلم تستعمله حتى يجود. وأخمر القوم إخمارا: إذا تواروا في الشجر. ويقال لما سترك من شجر: خمرى (1)، مقصورا، واختمرت المرأة، وخمرت إذا لبست الخمار: وهي المقنعة. وخامره الحزن مخامرة إذا خالطه. وخمر الاناء وغيره تخمرا: إذا غطيته، واستخمرت فلانا: إذا استعبدته. والخمار بخار يعقبه شرب الخمر. والمخامرة: المقاربة. والخمر: ما وارك من الشجر، وغيره. والخمر: شبيه بالسجادة. والمخمرة من الغنم: سوداء ورأسها أبيض. ودخل في خمار الناس: إذا دخل في جماعة، فخفي فيهم، وأصل الباب الستر. والميسر: قال ابن عباس، وعبد الله بن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن سيرين: هو القمار كله وهو الظاهر في رواياتنا. واشتق الميسر من اليسر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، من قولهم: يسر لي هذا الشئ: إذا وجب لي، فهو تيسر لي يسرا، وميسرا، والياسر: الواجب بقداح وجب لك أو غير ذلك. وقيل للمقامر: ياسر، ويسر، قال النابغة: أو ياسرذهب القداح بوفره * أسف تأكله الصديق مخلع (2) * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة (ضرأ) وهو تصحيف. " 2 " لم أجد هذا البيت في شعر النابغة، وهو موجود في تفسير الطبري 4: 322. الياسر: المقامر. القداح: تستعمل في لعب القمار الوفر: المال الكثير. مخلع: قد لعب في القمار مرة بعد مرة. وكأنه يصف لاعب قمار قد خسر ماله الواسع وقد أسف عليه عندما رأى أصدقاءه الذين يلعبون دائما قد أخذوه منه وتقاسموه. *
[ 213 ]
يعنى القامر. وقيل أخذ من التجزءة، لان كل شئ جزأته، فقد يسرته،
والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل الشئ، لانهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى الجهة: القمار. المعنى: وقوله: " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فالنفع التي في الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي فلا تغتروا بالنفع فيها، فالضرر أكثر منه. وقال الحسن، وغيره: هذه الاية تدل على تحريم الخمر، لانه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " (1) على أنه قد وصفها بأن فيها إثما كبيرا والكبير يحرم بلا خلاف. وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لانهم كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا. وقال قتادة: لاتدل الاية على تحريمهما، وإنما تدل الاية التي في المائدة في قوله: " إنما الخمر والميسر " (2) إلى آخرها. ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما " إثم كبير ". وقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " قال السدي: نسخته آية الزكاة. وقال مجاهد: هو فرض ثابت. وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الاقوى، لانه لادليل على نسخها. و " ؟ " هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال: قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى. وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار. وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة. * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 32.
" 2 " آية: 93. *
[ 214 ]
وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية الزكاة. وروي عن أبي عبد الله (ع) أن العفو هاهنا: الوسط. والعفو مأخوذ من الزيادة ومنه قوله: " حتى عفوا " (1) أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر: ولكنا نعض السيف منها * باسبق عافيات الشحم كوم (2) أي زايدات الشحم. وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " (3) أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، وفي الاول كأنه قال: أي شئ ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لاحد أمرين: أحدهما - في تقدير كذلك أيها السائل. والثاني - أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ويدخل فيه الامة، كما قال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (3) وقوله: " لعلكم تتفكرون " أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا. قوله تعالى: في الدنيا والاخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) آية واحدة. والاعراب والمعنى: العامل في الضرف من قوله: " في الدنيا والاخرة " يحتمل أمرين: * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف آية: 94.
" 2 " قائله لبيد بن ربيعة، ديوانه: 19 رقم القصيدة: 3 في المطبوعة " يعض السيف منا " وهو خطأ، لان هذا البيت من قصيدة يفتخر في كرمهم: يقول: " 3 " سورة البقرة آية: 187. " 4 " سورة الطلاق آية: 1. *
[ 215 ]
أحدهما - " يبين " على قول الحسن. والثاني - " يتفكرون " في قول غيره. وأجاز الزجاج الوجهين معا. وكيفية فكرهم في الدنيا والاخرة، قال قتادة: يتفكرون في أن الدنيا دار بلاء، وفناء، والاخرة دار جزاء وبقاء. اللغة: وقوله تعالى: " ويسألونك عن اليتامى "، فهو جمع يتيم، والفعل منه يتم ييتم يتما، كقولك: نكر نكرا. وحكى الفراء: يتم ييتم يتما، كشغل شغلا. وقوله: " وإن تخالطوهم " فالمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء، والماء للماء وما أشبه ذلك، تقول: خلط يخلط خلطا، وخالطه خلاطا ومخالطة، واختلاطا، وتخالطوا تخالطا، وخلطه تخليطا، وتخلط تخلطا. وأخلط الفرس: إذا قصر في جريه. واستخلط الفحل: إذا خالط ثيله حياء الناقة (1). والخلاط: الجنون، لاختلاط الامور على صاحبه. والخليطان: الشريكان، لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد والخلاط: داء في الجوف. ورجل خلط: متحبب إلى الناس، لطلبه الاختلاط بهم. المعنى: ومعنى الاية الاذن لهم فيما كانوا متحرجون منه من مخالطة الايتام في الاموال: من المأكل، والمشرب والمسكن، ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك
إذا تحروا (2) الاصلاح بالتوفير على الايتام - في قول الحسن، وغيره - وهو المروي في أخبارنا. الاعراب: وقوله: " فاخوانكم " رفع على فهم (3) أخوانكم خالطموهم أو لم تخالطوهم، * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " ثيله حال الناقه " وهو تصحيف. " 2 " في المطبوعة " إذا انحروا " وهو تصحيف " 3 " في المطبوعة " فهو ". *
[ 216 ]
وقوله: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا " (1) نصب على فصلوا (2) وهو حال الصلاة خاصه لاحال معنى فأنتم رجال أو ركبان، كيف تصرفت الحال. ويجوز - في العربية - فاخوانكم على النصب على تقدير: فاخوانكم تخالطون، والوجه الرفع، لما بيناه. اللغة: وقوله: " ولو شاء الله لاعنتكم " معناه: التذكير بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة، والاعنات: الحمل على مشقة لا تطاق فعلا. وعنت العظم عنتا إذا أصابه وهن أو كسر، وأعنته إعناتا إذا عسفه (3) بالحمل على مكروه لا يطيقه. وعنت عنتا إذا اكتسب مأثما، وتعنته تعنتا إذ لبس عليه في سؤاله له. والاكمة العنوت: هي الطويلة من الاكام، وأصل الباب المشقة. المعنى: وقال البلخي: في هذه الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى لا يقدر على الظلم، لان الاعنات - بتكليف ما لا يجوز في الحكمة - مقدور له، إذ لو
يشاء لفعله. وقال الجبائي: لوأعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه تعالى وسع على العباد، لما في التوسعة من تعجيل النعمة. وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة (4) في البدل، وتكليف ما لا يطاق، أما البدل، فلانهم يذهبون إلى النهي عن الكفر الموجود في حالة بأن يكون الايمان بدلا منه، وهذا أعظم ما يكون من الاعنات، لانه أمر له (5) بالمحال، وهو ليكن منك الايمان بدلا من الكفر الموجود في * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية: 239. " 2 " في المطبوعة " فضلوا " بتشد الضاد. " 3 " عسفه: ظلمه، والعسف الظلم. " 4 " في المطبوعة " بطلان " سافطة. " 5 " في المطبوعة " أمر " ساقطة. *
[ 217 ]
الحال، وكذلك النهي فيما لم يكن منك ما هو كائن من الكفر الموجود في الحال كل ذلك محال، وكذلك الامر بالايمان، من لم يقدر على الايمان، فإذا لم يفعله عذب بأشد العذاب، وإذا لم يكلف من الممكن ما فيه مشقة وشدة، للمظاهرة على عباده بالنعمة، لم يجز أن يكلف ما ليس على قدره، لانه أسوء تناقض المظاهرة بالنعمة. وقوله: " إن الله عزيز حكيم " أي يفعل بعزته ما يحب، لا يدفعه عنه دافع. " حكيم " ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره. قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين
آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) آية واحدة. اللغة: نكح ينكح نكحا ونكاحا: إذا تزوج، وأنكح غيره إنكاحا: إذا زوجه وتناكحوا تناكحا، وناكحه مناكحة قال الاعشى: ولا تقربن جارة إن سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا (1) أي تعفف وأصل الباب التزويج. المعنى: وهذه الاية على عمومها - عندنا - في تحريم مناكحة الكفار، وليست منسوخة ولا مخصوصة. وقال ابن عباس في رواية شهر بن حوشب عنه قال: فرق * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 137 رقم القصيدة 17. والتأبد: التعزب أبدا وهو الابتعاد عن النساء. يقول: لا تتزوج جارتك وتزوج غيرها أو استعفف ولا تقترب من النساء. *
[ 218 ]
عمر بين (1) طلحة وحذيفة وبين إمر أتيهما اللتين كانتا عندهما (2) وقال غيره عن ابن عباس، وإليه ذهب الحسن، ومجاهد والربيع: هي عامة إلا أنها نسخت بقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، وقال قتادة، وسعيد بن جبير: هي على الخصوص، وإنما اختير ما قلناه لانه لا دليل على نسخها، ولا على خصوصها، وسنبين وجه الاية في المائدة إذا انتهينا إليها. فأما المجوسية، فلا يجوز نكاحها إجماعا. والذي لا يجوز: أن يتزوج مسلمة إجماعا، وامراحا واجبارا (3). وقوله " ولامة مؤمنة خير من مشركة " فالامة: المملوكة. يقال أقرت بالاموة أي بالعبودية وأميت فلانة، وتأميتها إذا جعلتها أمة قال الراجز: يرضون بالتعبيد والتآمي (4)
وجمع أمة إماء وأآم وأصل الباب العبودية، وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم أماء وا آم في الجمع نحو أكمة وأكام واآكم. والفرق بين " ولو أعجبكم " وبين إن أعجبكم: أن لو للماضي وإن للمستقبل وكلاهما يصح في معنى الاية، ولايجوز نكاح الوثنية إجماعا، لانها تدعو إلى النار كما حكاه الله تعالى، وهذه العلة بعينها قائمة في الذمية من اليهودية والنصارى، فيجب أن لا يجوز نكاحها. وفي الاية دلالة على جواز نكاح الامة المؤمنة مع وجود الطول، لقوله " ولامة مؤمنة خير من مشركة " فأما الاية التي في النساء، وهي قوله: " ومن لم يستطع منكم طولا " (5) فانما هي على التنزيه دون التحريم، ومتى أسلم الزوجان معا ثبتا على النكاح - بلا خلاف - وبه قال الحسن. وإن أسلمت قبله طرفة عين، فقد وقعت الفرقة - عند الحسن، * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " عمر بن طلحة " وهو تحريف. " 2 " في المطبوعة " وحذيفة وامرأتهما اللتين كانتا عنهما أبين " وهو تحريف فاحش. " 3 " هكذا في الاصل ولم أجد لها مخرجا مقطوعا به، ولعلها: اجماعا وقولا وأخبارا أي اجماعا على الفتوى، وأقوال المفسرين والاخبار المأثورة. " 4 " قائله رؤبة. اللسان " أما " في المطبوعة " ترضون " بدل " يرضون ". " 5 " سورة النساء آية: 24. *
[ 219 ]
وكثير من الفقهاء، وعندنا ينتظر عدتها فان أسلم الزوج بنينا أن الفرقة لم تحصل، ورجعت إليه، وإن لم يسلم بنينا أن الفرقة وقعت حين الاسلام غير أنه لا يمكن من الخلو بها. فان أسلم الزوج وكانت ذمية استباح وطؤها بلا خلاف. وإن كانت وثنية انتظر إسلامها ما دامت في العدة، فان أسلمت ثبت عقده عليها، وإن لم تسلم بانت منه. فان قيل: كيف قيل للكافر الموحد مشرك: قيل فيه قولان:
أحدهما - أن كفره نعمة الله بمنزلة الاشراك في العبادة في عظم الجرم. والاخر ذكره الزجاج - وهو الاقوى -، لانه إذا كفر بالنبي صلى الله عليه وآله فقد أشرك فيما لا يكون إلا من عند الله، وهو القرآن بزعمه أنه من عند غيره. وقوله " باذنه " معناه أحد أمرين: أحدهما - باعلامه. والاخر - بأمره، وهو قول الحسن، وأبي علي وغيرهما. قوله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) آية واحدة. القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء. الباقون بالتخفيف. المعنى: قيل: إنما سألوا عن المحيض، لانهم كانوا على تجنب أمور: من مواكلة الحائض، ومشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد، فاستعلموا ذلك،
[ 220 ]
أواجب هو أم لا ؟ في قول قتادة، والربيع، والحسن، وقال مجاهد: كانوا على استجازة إتيانهن في الادبار أيام الحيض، فلما سألوا عنه، بين تحريمه، والاول - عندنا - أقوى. اللغة: والمحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، فهي حائض. والمرة
حيضة (1) وجمعه حيض وحيضات. ونساء حيض. والمستحاضة: التي عليها الدم فلا رواق (2) وأصل الباب الحيض: مجئ الدم لانثى على عادة معروفة. أحكام الحيض، والاستحاضة: وصفة الحيض: هو الدم الغليظ الاسود الذي يخرج بحرارة. وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثرة عشرة، وهو قول الحسن، وأهل العراق. وقال الشافعي، وأكثر أهل المدينة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وحكي أن قوما قالوا: ليس له وقت محدود: إنما هو ما رأت دم الحيض. وأقل الطهر عشرة أيام، وخالف الجميع وقالوا: خمسة عشر يوما. والاستحاضة: دم رقيق أصفر بارد. وحكم الاستحاضة حكم الطهر في جميع الاحكام إلا في تجديد الوضوء - عند كل صلاة - ووجوب الغسل عليها على بعض الوجوه - عندنا -. وقوله: " أذى " معناه: قذر ونجس - في قول قتادة والسدي -. وقوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض " معناه: اجتنبوا الجماع في الفرج، وبه قال ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وما فوق المئزر أو دونه، عن شريح، وسعيد بن المسيب. وعندنا: لا يحرم منها غير موضع الدم فقط. ومن وطئ الحائض في أول الحيض، كان عليه دينار، وإن كان في وسطه، فنصف دينار، وفي آخره ربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار، ولم يفصل. وقال الحسن: يلزمه رقبة أو بدنة أو عشرون صاعا. * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " والمرأة حيضة " وهو تصحيف. (2) هكذا في المطبوعة. *
[ 221 ]
اللغة: ويقال: عزله يعزله عزلا، واعتزل اعتزالا، وعزله تعزيلا. والاعزل: الذي
لا سلاح معه. وعزلا المزادة: مخرج الماء من أحد جوانبها، والجمع عزال. وكل شئ نحيته عن موضع، فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي. وأنت عن هذا بمعزل: أي منتحى. والاعزل من السماكين: الذي نزل به القمر. والمعزال من الناس: الذي لا ينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية، وأصل الباب الاعتزال، وهو التنحي عن الشئ. المعنى: وقوله: " حتى يطهرن " بالتخفيف معناه: ينقطع الدم عنهن. وبالتشديد معناه: يغتسلن - في قول الحسن، والفراء - وقال مجاهد، وطاووس: معنى تطهرن: توضأن، وهو مذهبنا. والفرق بين (طهرت) و (طهرت) أن فعل لا يتعدى، لان ما كان على هذا البناء لا يتعدى، وليس كذلك فعل. ومن قرأ بالتشديد قال: كان أصله " يتطهرن " فأدغمت التاء في الطاء. وعندنا يجوز وطئ المرأة إذا انقطع دمها، وطهرت وإن لم تغتسل إذا غسلت فرجها. وفيه خلاف، فمن قال: لا يجوز وطؤها إلا بعد الطهر من الدم، والاغتسال: تعلق بالقراءة بالتشديد، فانها تفيد الاغتسال، ومن قال: يجوز، تعلق بالقراءة بالتخفيف وأنها لا تفيد الاغتسال. وهو الصحيح. ويمكن في قراءة التشديد أن تحمل على أن المراد به توضأن على ما حكيناه عن طاووس، وغيره. ومن استعمل قراءة التشديد يحتاج أن يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر محذوفا تقديره حتى يطهرن ويتطهرن، وعلى ما قلناه لا يحتاج إليه. وقوله: " فإذا تطهرن " معناه: اغتسلنا، وعلى ما قلناه: حتى يتوضأن. وقوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله " صورته صورة الامر، معناه
[ 222 ]
الاباحة، كقوله: " فإذا حللتم فاصطادوا " (1) " وإذا قضيت الصلاة فانتشروا " (2) وقوله: " من حيث أمركم الله " معناه من حيث أمركم الله بتجنبه في حال الحيض، وهو الفرج، على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع. وقال السدي، والضحاك: من قبل الطهر دون الحيض. وعن ابن الحنفية من قبل النكاح دون الفجور، والاول أليق بالظاهر. ويحتمل أن يكون من حيث أباح الله لكم دون ما حرمه عليكم من إتيانها وهي صائمة أو محرمة أو معتكفة، ذكره الزجاج. وقال الفراء: لو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال: " من حيث " علمنا أنه أراد من الجهة الذي أمركم الله بها. وقال غيره: إنما قال: " من حيث " ولم يقل في حيث، لان (من) لابتداء الغاية في الفعل، نحو قولك: اأت زيدا من مأتاه من الوجه الذي يؤتى منه. وقوله: " يحب التوابين ويحب المتطهرين " قال عطا: المتطهرين بالماء. وقال مجاهد: المتطهرين من الذنوب، والاول مروي في سبب نزول هذه الاية، والمعنى يتناول الامرين. وإنما قال: " المتطهرين " ولم يقل المتطهرات، لان المؤنث يدخل في المذكر، لتغليبه عليه. قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) آية واحدة بلا خلاف. قيل في معنى قوله: " حرث لكم " قولان: أحدهما - أن معناه: مزرع أولادكم، كأنه قيل: محترث لكم، في قول ابن عباس، والسدي، وإنما الحرث: الزرع في الاصل. والقول الثاني: نساؤكم ذو حرث لكم، فأتوا موضع حرثكم أنى شئتم،
* (الهامش) * " 1 " سورة المائدة آية: 3. " 4 " سورة الجمعة آية: 10. *
[ 223 ]
ذكره الزجاج. وقيل: الحرث كناية عن النكاح على وجه التشبيه. وقوله: " أنى شئتم " معناه: من أين شئتم - في قول قتادة، والربيع وقال مجاهد: معناه كيف شئتم. وقال الضحاك معناه متى شئتم، وهذا خطأ ؟ جميع المفسرين، وأهل اللغة، لان (أنى) لا يكون إلا بمعنى من أين، كما قال: " أنى لك هذا قالت هو من عند الله " (1). وقال بعضهم: معناه من أي وجه واستشهد بقول الكميت بن زيد: أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لاصبوة ولاريب (2) وهذا لا شاهد فيه، لانه يجوز أن يكون أتى به، لاختلاف اللفضين، كما يقولون: متى كان هذا وأي وقت كان، ويجوز أن يكون بمعنى كيف. وتأول مالك، فقال: " أنى شئتم " تفيد جواز الاتيان في الدبر، ورواه عن نافع عن أبي عمرو، وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر، وروي من طرق جماعة عن ابن عمر، وبه قال أكثر أصحابنا، وخالف في ذلك جميع الفقهاء، والمفسرين، وقالوا: هذا لا يجوز من وجوه: أحدها - أن الدبر ليس بحرث، لانه لا يكون فيه الولد. وهذا ليس بشئ لانه لم يمتنع أن تسمى النساء حرثا، لانه يكون منهن الولد، ثم يبيح الوطئ فيما لا يكون منه الولد، يدل على ذلك أنه لا خلاف أنه يجوز الوطئ بين الفخذين وإن لم يكن هناك ولد. وثانيها - قالوا: قال الله: " فأتوهن من حيث أمركم الله " وهو الفرج، والاجماع على أن الاية الثانية ليست بناسخة للاولى. وهذا أيضا لا دلالة فيه،
لان قوله: " من حيث أمركم الله " معناه: من حيث أباح الله لكم، أو من الجهة التي شرعها لكم، على ما حكيناه عن الزجاج، ويدخل في ذلك الموضعان معا. * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران آية: 37. " 2 " الهاشميات: 41. قوله " آبك " معترضة بين كلامين، كما تقول: " ويحك " وهي بمعنى ويلك. وقيل: أن آبك بمعنى راجعك الطرب. *
[ 224 ]
وثالثها - قالوا: إن معناه: من أين شئتم: أي اأتوا الفرج من أين شئتم، وليس في ذلك إباحة لغير الفرج. وهذا ايضا ضعيف، لانا لا نسلم أن معناه الفرج، بل عندنا معناه: اأتوا النساء، أو اأتوا الحرث من أين شئتم، ويدخل فيه جميع ذلك. ورابعها - قالوا: قوله في المحيض " قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " فإذا حرم للاذى في الدم، والاذى بالنجو أعظم منه. وهذا أيضا ليس بشئ، لان هذا حمل الشئ على غيره من غير علة، على أنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله: " قل هو أذى " غير النجاسة، بل المراد أن في ذلك مفسدة، ولا يجوز أن يحمل على غيره إلا بدليل يوجب العلم على أن الاذى بمعنى النجاسة حاصل في البول، ودم الاستحاضة ومع هذا، فليس بمنهي عن الوطئ في الفرج. ويقال: أن هذه الاية نزلت ردا على اليهود، وأن الرجل إذا أتى المرأة من خلف في قبلها خرج الولد أحول، فأكذبهم الله في ذلك، ذكره ابن عباس، وجابر، ورواه أيضا أصحابنا. وقال الحسن: أنكر اليهود إتيان المرأة قائمة، وباركة، فأنزل الله إباحته بعد أن يكون في الفرج، وهو السبب الذي روي، ولا يمنع أن يكون ما ذكرناه مباحا، لان غاية ما في السبب أن تطابقه الاية، فأما أن لا تتعداه، فلا يجب عند أكثر المحصلين (1).
وقوله: " وقدموا لانفسكم " أي قدموا الاعمال الصالحة التي أمر الله بها عباده، ورغبهم فيها، فتكون ذخرا عند الله. ووجه اتصال قوله: " وقدموا لانفسكم " بما قبله: أنه لما قدم الامر بعد أشياء قيل: " قدموا لانفسكم " بالطاعة فيما أمرتم به، واتقوا مجاوزة الحد فيما بين لكم، وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، والتحذير من مخالفة ما ألزموه. وقوله: " وبشر المؤمنين " فالبشارة: الدلالة على ما يظهر به السرور في * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة " المحطين ". *
[ 225 ]
بشر الوجه. وقوله: " أنكم ملاقوه " أي اتقوا من معاصيه التي نهاكم عنها، واتقوا عذابه، واعلموا أنكم ملاقوا عذابه إن عصيتموه، وملاقوه ثوابه إن أطعتموه، وإنما أضافه إليه على ضرب من المجاز، كما يقول القائل لغيره: ستلقى ما عملت، وإنما يريد جزاء ما عملت، فيسمي الجزاء باسم الشئ. قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) آية واحدة بلا خلاف. المعنى: قيل في معنى قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " ثلاثة أقوال: أحدها - أن العرضة: علة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر، والتقوى: من حيث تتعمدوا، لتعتلوا بها، وتقولوا: قد حلفنا بالله، ولم تحلفوا به، هذا قول الحسن، وطاووس، وقتادة، وأصله - في هذا الوجه - الاعتراض به
بينكم وبين البر والتقوى، للامتناع منهما، لانه قد يكون المعترض بين الشيئين مانعا من وصول أحدهما إلى الاخر، فالعلة مانعة كهذا المعترض. وقيل: العرضة: المعترض، قال الشاعر: لا تجعليني عرضة اللوائم الثاني - " عرضة ": حجة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع " أن تبروا وتتقوا " بأن تكونوا قد سلف منكم يمين ثم يظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا تحتجوا بما سلف من اليمين، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والاصل في هذا القول والاول واحد، لانه منع من جهة الاعتراض بعلة أو حجة. وقال بعضهم: إن أصل عرضة: قوة، فكأنه قيل: ولا تجعلوا الحلف بالله قوة لايمانكم في ألا تبروا وأنشد لكعب بن زهير:
[ 226 ]
من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول (1) وعلى هذا يكون الاصل العرض، لان بالقوة يتصرف في العرض والطول، فالقوة: عرضة لذلك. الثالث - بمعنى: ولا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة في كل حق وباطل، لان تبروا في الحلف بها، واتقوا المآثم فيها، وهو المروي عن عائشة، لانها قالت: لا تحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وهو المروي عن أئمتنا (ع) وأصله على هذا معترض بالبذل: لا تبذل يمينك في كل حق وباطل. فأما في الاصل، فمعترض بالمنع أي لا يعترض بها مانعا من البر، والتقوى، فتقدير الاول: لا تجعل الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا، وتقدير الثاني: لا تجعل الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف في كل حق وباطل، لان تكون من البررة، والاتقياء. اللغة:
واليمين، والقسم، والحلف واحد. واليمنية: ضرب من برود اليمن. وأخذ يمنة، ويسرة. ويمن ييمن يمينا، فهو ميمون. ويمن، فهو ميمن: إذا أتى باليمن، والبركة. وتيمن به تيمنا، وتيامن تيامنا. واليمين خلاف الشمال، وأصل الباب اليمن، والبركة. المعنى: وقوله: " أن تبروا " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - " أن تبروا ": لان تبروا على معنى الاثبات. الثاني - أن يكون على معنى لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا - في قول * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 9، واللسان " عرض ". نضح الرجل بالعرق نضحا: نض به حتى سال سيلا، ونضاحة: شديدة النضح. والذفرى: الموضع الذي يعرق خلف الاذن، وهو من كل حيوان حتى الانسان وهو العظم الشاخص خلف الاذن. والطامس: الدارس الذي أمحي أثره. والاعلام: أعلام الطريق. وأرض مجهولة إذا كان لا أعلام فيها ولا جبال. يقول: إذا نزلت هذه المجاهل، عرقت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الملوات. *
[ 227 ]
أبي العباس. الثالث - على تقدير: ألا تبروا، وحذفت (لا) لانه في معنى القسم كما قال امرؤ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي (1) أي لا أبرح، هذا قول أبي عبيد، وأنكر أبو العباس هذا، لانه لما كان معه (أن)، بطل أن يكون جوابا للقسم، وإنما يجوز (والله أقم في القسم بمعنى لاأقوم، لانه لو كان إثباتا، لقال لاقومن، باللام والنون. والمعنى في قول أبي العباس، وأبي عبيد واحد، والتقدير مختلف، فحمله أبو العباس على ماله نظير من
حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأنكر قياسه على ما يشبهه. الاعراب: وفي موضع أن تبروا ثلاثة أقوال: قال الخليل، والكسائي: موضعه الخفض بحذف اللام مع أن خاصة. الثاني - قال سيبويه، وأكثر النحويين: إن موضعه النصب، لانه لما حذف المضاف وصل الفعل وهو القياس. الثالث - قال قوم: موضعه الرفع على " أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " أولى، وحذف، لانه معلوم المعنى، أجاز ذلك الزجاج وإنما حذف اللام جاز مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لان (أن) يصلح معها الماضي، والمستقبل، نحو قولك جئتك أن ضربت زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، والمصدر ليس كذلك، كقولك: جئتك لضرب زيد، فمعنى ذلك: أنه لما وصل بالفعل، احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) وإذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول، ما لا يحتمله الالف واللام إذا وصل بالاسم، نحو الذي ضربت زيد: يريد ضربته. فأما الضاربه أنا زيد، فلا يحسن إلا بالهاء، وذلك لان الفعل أثقل، فهو بالحذف أولى. ويجوز أن * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 141. *
[ 228 ]
يكون لما صلح للامرين كثير في الاستعمال، فكان بالحذف أولى مما قل منه. وقال الزجاج إنما جاز حذف اللام مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لان (أن) إذا وصلت، دل بما بعدها على الاستقبال، والمعنى تقول: جئتك أن ضربت زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، فلذلك جاز حذف اللام، فإذا قلت: جئتك ضرب زيد، لم يدل الضرب على مضي ولا إستقبال. المعنى:
فإذا حلف لا يعطي من معروفه، ثم رأى أن يره خيرا، أعطاه، ونقض يمينه. وعندنا لا كفارة عليه، وإنما جاز ذلك، لانه لا يخلو من أن يكون حلف يمينا جائزة أو غيره جائزة، فان كانت جائزة، فهي مقيدة بأن لا يرى ما هو خير، فليس في هذا مناقضة للجائزة، وأن كانت غير جائزة، فنقضها غير مكروه. وقوله: " والله سميع عليم " معناه: أنه سميع ليمينه، عليم بنيته فيه، وفي ذلك تذكير، وتحذير. قوله تعالى: لا يؤآخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤآخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) آية. المعنى: اختلفوا في يمين اللغو في هذه الاية، فقال ابن عباس، وعائشة، والشعبي: هو ما يجري على عادة اللسان: من لا والله، وبلى والله من غير عقد على يمين يقتطع بها مال، يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال الحسن، ومجاهد، وابراهيم: هي يمين الظان، وهو يرى أنه حلف، فلا إثم عليه، ولا كفارة. روي أيضا عن ابن عباس، وطاووس: أنها يمين الغضبان، لا يؤاخذ بالحنث فيها، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها الكفارة. وقال مسروق
[ 229 ]
كل يمين ليس له الوفاء بها، فهي لغو، ولا يجب فيها كفارة. وقال الضحاك: روي ايضا عن ابن عباس: أن لغو اليمين ما يجب فيه الكفارة. وروي عن إبراهيم: أنها يمين الناسي إذا حنث. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري، أو أهلك الله مالي، فيدعو على نفسه. اللغة:
وأصل اللغو: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، وكل يمين جرت مجرى مالا فائدة فيه حتى صارت بمنزلة ما لم يقع، فهي لغو ولا شئ فيها، وهو اختيار الرماني. تقول: لغا يلغو لغوا: إذا أتي بكلام. وألغى إلغاء: إذا أطرح الكلام، لانه لا فائدة فيه. وقوله: " والغوا فيه " معناه: ارفعوا الصوت بكلام لا فائدة فيه. والحساب الذي يلغى: أي يطرح، لانه بمنزلة كلام لا فائدة فيه. ولاغية: كلمة قبيحة فاحشة، ومنه اللغا، لانها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله، وهو مشتق من لغا الطائر، وهو منطقه، وقال ابن صغير المازني: باكرتم بسباء جون ذارع * قبل الصباح وقبل لغو الطائر (1) المعنى: الايمان على ضربين: أحدهما لا كفارة فيها. والثاني - يجب فيها الكفارة، فما لا كفارة فيه: هو اليمين على الماضي إذا كان كاذبا فيه، مثل أن يحلف أنه ما فعل، وكان فعل أو (2) أن يحلف أنه فعل، وما كان فعل، فهاتان لا كفارة فيهما - عندنا - وكذلك إذا حلف على مال، ليقتطعه كاذبا، فلا كفارة عليه، ويلزمه الخروج مما حلف عليه، والتوبة، وهي اليمين الغموس، وفي هذه أيضا خلاف، ومنها أن يحلف على أمر فعل، أو ترك، وكان خلاف ما حلف عليه أولى * (الهامش) * " 1 " اللسان (لغا) في المطبوعة (بسبأ) بدل (بسباء) و (الصياح) بدل (الصباح) و " رزاع " بدل " ذارع " وكل ذلك تحريف. باكرتم بسباء: أي بشرب الخمرة. " 2 " في المطبوعة " أو " ساقطة. *
[ 230 ]
من المقام عليه، فليخالف، ولا كفارة عليه - عندنا - وفيه خلاف عند أكثر الفقهاء. وما فيه كفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل، أو يترك وكان الوفاء به إما واجبا أو ندبا أو كان فعله، وتركه سواء، فمتى خالف كان عليه الكفارة، وقد بينا أمثلة
ذلك في النهاية في الفقه. وقال الحسن: الايمان على ثلاثة أقسام: منها أن يحلف على أمر، وهو يرى أنه على ما حلف، فهذا هو اللغو، لا عقوبة فيه، ولا كفارة. ومنها: أن يحلف على أمر، وهو يعلم أنه كاذب، فهذا آثم فاجر عليه التوبة، ولا كفارة عليه. ومنها أن يحلف: لا يفعل كذا، فيفعل، أو يحلف: ليفعلن، ولا يفعل، ففي ذلك الكفارة. وكان يقول: إذا حلف على مملوك، أو على حر، فقال: والله لتأكلن من هذا الطعام، فلم يأكل، فعليه الكفارة. وقال: اليمين على أربعة أوجه - في قول أكثر الفقهاء: اثنتان: لا كفارة فيها، واثنتان: فيها الكفارة، فالاول - قول الرجل: والله ما فعلت، وقد فعل، وقوله: والله لقد فعلت، وما فعل، فهاتان لا كفارة فيهما، لانه لا حنث فيهما. والثاني - قول الحالف: والله لا فعلت، ثم يفعل. وقوله: والله لافعلن، ثم لا يفعل، فهاتان فيهما الكفارة. وقد بينا الخلاف في خلاف الفقهاء. اللغة: والفرق بين اللغا، واللغو، أن اللغا: الذكر بالكلام القبيح. لغيت الغي لغا، قال العجاج: ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم (1) وجواب اليمين على أربعة أقسام: اللام، وما، وإن، ولا، نحو: والله لاتينك، ووالله ما فعلت، ووالله إنه لكاذب، ووالله لا كلمته. وقوله: " والله غفور حليم " فالحلم الامهال بتأخير العقاب (2) على الذنب، تقول: حلم حلما، وتحلم تحلما، وحلمه تحليما. وحلم في نومه حلما: إذا رأى * (الهامش) * " 1 " مر تخريجه في 2: 132. " 2 " في المطبوعة " العقل ". *
[ 231 ]
الاحلام، ومنه " أضغاث أحلام " (1). والحلم الرؤيا في النوم، ومنه الاحتلام. والحلم: ما عظم من القردان، والواحد حلمة، لانه كحلمة (2) الثدي، وحلمة الثدي، لانها تحلم المرتضع. والحلمة: شجرة السعدان، وهي من أفضل المرعى. وتحلمت الضباب: إذا سمنت لانه يكسبها دعة كدعة الحلم. والحلام: الجدي، وأصل الباب الحلم: الاناة. وأما حلم الاديم إذا نغل (3) فلانه وقع فيه الحلم. قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاءوا فان الله غفور رحيم (226) آية واحدة بلا خلاف. اللغة: قوله: " يؤلون " معناه: يحلفون - بلا خلاف بين أهل التأويل - وهو المروي عن سعيد بن المسيب وهو مأخوذ من الالية قال الشاعر: كفينا من تغيب من نزار * وأحنثنا إليه مقسمينا (4) ويقال: ألى الرجل - من إمرأته - يؤلي إيلاء، وأليه، وألوة، وهو الحلف قال الاعشى: إني أليت على حلفة * ولم أقلها سحر الساحر (5) وجمع ألية: ألايا، وأليات، كعشية، وعشايا، وعشيات، فأما جمع ألوة، فألايا، كركوبة وركائب، وجمع ألية: ألاء كصحيفة، وصحائف، ومنه اءتلى يأتلى * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف آية: 44. " 2 " في المطبوعة " كجلمة ". " 3 " حلم - بفتح الحاء وكسر اللام - ونغل الاديم: فسد في دباغته. " 4 " تفسير الطبري 4: 456، وروايته " في تراب " بدل " من نزار " وفي مجمع لبيان طبع صيدا 1: 332 " من نزار " كما ذكر الشيخ سواء. وقد اعترف محقق الطبري أنه
بدل " من " ب " في " وكانت في المخطوطة والمطبوعة عنده " من ". " 5 " ديوانه: 143 رقم القصيدة: 18 وروايته " ولم اقله عثر العاثر " بدل " ولم قلها سحر الساحر ". *
[ 232 ]
اءتلاء، وفي التنزيل " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " (1)، وتقول: لا تألوا أليا، وألو، نحو العتى، والعتو. وما ألوت جهدا، ولا ألوته نصحا، أو غشا، ومنه قوله: " لا يألونكم خبالا " (2)، وقال الشاعر: نحن فصلنا جهدنا لم نأتله أي لم نقصر. وأصل الباب التقصير، فمنه لا يألوا جهدا، ومنه الاية: اليمين، لانها لنفي التقصير. وعود ألوة، وألوة: أجود العمود، لانه خالص. المعنى: والايلاء في الاية: المراد به: اعتزل النساء، وترك ؟ على وجه الاضرار بهن، وكأنه قيل: " للذين يألون " أن يعتزلوا نساءهم " تربص أربعة أشهر " منهم، واليمين التي يكون بها الرجل مؤليا: هي اليمين بالله عزوجل، أو بشئ من صفاته التي لا يشركه فيها غيره، على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الامتناع من الجماع على جهة الغضب، والضرار، وهو المروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن. وقال ابراهيم، وابن سيرين، والشعبي: في الغضب. وقال سعيد بن المسبب: هو في الجماع، وغيره من الضرار، ونحو الحلف ألا يكلمها. اللغة: والتربص بالشئ انتظارك به خيرا، أو شرا يحل، وتقول: تربصت بالشئ تربصا، وربصت به ربصا، ومنه قوله: " فتربصوا به حتى حين " (3) و " نتربص به ريب المنون " (4) قال الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها (5) ومالي على هذا الامر ربصة: أي تلبث، وأصله الانتظار. وقوله: " فان فاءوا " معناه: فان رجعوا، ومنه قوله: " حتى تفئ إلى أمر * (الهامش) * " 1 " سورة النور آية: 22. " 2 " سورة آل عمران آية: 118. " 3 " سورة المؤمن آية 25. " 4 " سورة الطور آية: 30. " 5 " اللسان (ربص) في المطبوعة (خليلها) بدل " حليلها ". والمعنى فيهما واحد. *
[ 233 ]
الله " (1) أي ترجع من الخطأ إلى الصواب. والفرق بين الفئ والظل: ما قال المبرد: إن الفئ ما نسخ الشمس، لانه هو الراجع، وأما الظل: فما لا شمس فيه. وكل فئ ظل، وليس كل ظل فئ، ولذلك أهل الجنة في ظل، لا في فئ، لانه لاشمس فيها، كما قال الله تعالى: " وظل ممدود " (2). وجمع الفئ أفياء، تقول: فاء الفئ: إذا نحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. وتفيأت في الشجر، وفيأت الشجرة. والفئ: غنائم المشركين، أفاء الله علينا فيهم، لانه من رجع الشئ إلى حقه، والفئ الرجوع عن الغضب. إن فلانا لسريع الفئ من غضبه. المعنى: فان قيل: ما الذي يكون المولى به فايئا ؟ قيل - عندنا -: يكون فايئا بأن يجامع، وبه قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن المسيب. وقال الحسن، وابراهيم، وعلقمة: يكون فايئا بالعزم في حال العذر إلا أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، وهذا يكون - عندنا - للمضطر الذي لا يقدر على الجماع، ويجب على الفائ - عندنا - الكفارة، وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ولا عقوبة عليه، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال الحسن، وابراهيم: لا كفارة عليه، لقوله: " فان فاؤوا فان الله غفور رحيم ": أي لا يتبعه بكفارة، ولا
عقوبة. الاعراب: ويجوز في " تربص أربعة أشهر " ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه جميع القراء. ويجوز النصب، والرفع في العربية " تربص أربعة أشهر " كما قال: " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (3) أي يكفتهم (4) أحياء، وأمواتا، و " تربص أربعة أشهر " كقوله: " فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله " (5) * (الهامش) * " 1 " سورة الحجرات آية: 9. " 2 " سورة الواقعة آية: 30. " 3 " سورة المرسلات آية: 25 - 26. " 4 " في المطبوعة يكفيهم " 5 " سورة النور آية: 6. *
[ 234 ]
عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان " (1) أنعم عليكم. والمنة: القوة في القلب والمن: الذي يقع من السماء، والمن الذي يوزن به، لانه يقطع على مقدار مخصوص. وقوله: " ولا أذى " فهو نحو قولهم أنت أبدا فقير، ومن أبلاني بك وأراحني الله منك، وما أشبه ذلك مما يؤذي قلب المعطى وقوله " لهم أجرهم عند ربهم " والاجر هو النفع المستحق بالعمل " ولاخوف عليهم " فالخوف يوقع الضرر الذي لا يؤمن وقوعه. " ولاهم يحزنون " فالحزن الغم الذي يغلظ على النفس. ومنه الحزن: الارض الغليظة. وقيل في معناه قولان: أحدهما - لاخوف عليهم لفوت الاجر. والثاني - لاخوف عليهم لاهوال الاخرة. وقيل أنه دليل على أن الوعد بشرط لانه مغموم الكلام. لان تقديره في المعنى ان لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الاجر كذا، وليس في
الاية ما يدل على صحة القول بالاحباط أصلا، لان الوعد متى كان مشروطا بأن لا يتبع بالمن والاذى فمتى اتبع بهما لم يحصل الشرط الذي يوجب استحقاق الثواب فلم يحصل شئ أصلا ثم انحبط، وإنما كان فيه لبس لو ثبت استحقاقهم بنفس الانفاق فإذا اتبع بالمن انحبط ذلك. وهذا ليس في الاية. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المنان: بما يعطي لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. وقال الضحاك لان يمسك ماله خير له من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى. قوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) (263) آية بلا خلاف. * (الهامش) * " 1 " سورة الحجرات: 17. *
[ 235 ]
أو طلق، فان لم يفعل، حبسه حتى يطلق، ومثل هذا قال أهل المدينة غير أنهم قالوا: متى امتنع من الطلاق والفيأة، طلق عنه الحاكم طلقة رجعية. وقال أهل العراق: الايلاء: أن يحلف ألا يجامعها أربعة أشهر فصاعدا، فإذا مضت أربعة أشهر فلم يقربها، بانت منه بتطليقة لا رجعة له عليها، وعليها عدة ثلاث حيض، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره، فان فاء قيل أربعة أشهر: أي إن جامع، كفر بمينه، وهي امرأته. وقال الحسن، وقتادة وابن مسعود، وابراهيم، وابن عباس، وحماد: هو مضي أربعة أشهر قبل أن يفئ من غير عذر. اللغة: والعزم: هو العقد على فعل شئ في مستقبل الوقت. والعزم على الشئ هو إرادته له: إذا كانت مقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد، وتكون متعلقة بفعل
العازم، ولا يدخل بينهما، وبين الفعل سهو، ولا نسيان. يقال: عزم عزما: إذا عقد على أن يفعل الشئ، واعتزم اعتزاما. وعزمت عليك لتفعلن: أي أقسمت. وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. ورجل ماضي العزم: حاد في أمره. وما لفلان عزيمة: أي ما يثبت على أمر، لتلونه، ومنه قوله: " فاصبر كما صبر ألو العزم من الرسل " (1). وعزائم القرآن التي تقرأ على ذوي الافات، لما يرجى من البرء بها. وأصل الباب العزم على العقد على الشئ. والطلاق: حل عقدة النكاح بما يوجبه في الشريعة. تقول: طلقت تطلق طلاقا، فهي طالق - بلا علامة التأنيث، حكاه الزجاج. وقال قوم: لانه يختص بالمؤنث. وقال الزجاج: هذا ليس بشئ، لان في الكلام شيئا كثيرا يشترك فيه المؤنث، والمذكر - بلا علامة التأنيث - نحو قولهم: بعير ضامر، وناقة ضامر، وبعير ساعل، وناقة ساعل. وزعم سيبويه، وأصحابه: أن هذا واقع على لفظ التذكير صفة للمؤنث، لان المعنى: هي طالق حقيقة - عندهم - انه على جهة * (الهامش) * " 1 " سورة الاحقاف آية: 35. *
[ 236 ]
النسب، نحو قولهم: إمرأة مذكار، ورجل مذكار، ورجل مئناث، وامرأة مئناث، ومعناه: ذات ذكران، وذات أناث، وكذلك مطفل: ذات طفل، وكذلك طالق: ذات طلاق. فان أجريته على الفعل قلت طالقة، قال الشاعر: أيا جارتا بيني فانك طالقه ! * كذاك أمور الناس غاد وطارقه (1) تقول: طلقها، وتطلق تطلقا، وأطلق إطلاقا، واستطلق استطلاقا، وانطلق انطلاقا، وتطلقت المرأة عند الولادة، فهي مطلوقة إذا تمخضت. والطلق: الشوط من الجري. والطلق: قيد من قدم أو عقب (2) تقيد به الابل. ورجل طلق الوجه: بهلول ضحاك. ويوم طلق إذا لم يكن فيه حر، ولا قر. والطليق:
الاسير يخلى عنه ورجل طلق اليدين: سمح بالعطاء. والطلق: الحبل الشديد الفتل، يقوم قيام. وأصل الباب الانطلاق، والطلاق، لانطلاق المرأة فيه على عقدة النكاح. المعنى: والطلاق بعد الايلاء، والايقاف يكون واحدة رجعية، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن عمر. وقال الحسن وابن مسعود، وابن عباس: تكون بائنة. وقوله: " فان الله سميع عليم " فيه دلالة على الاخذ بالفئ أو الطلاق، لانه بمعنى. أن الله يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: بل هو راجع إلى يسمع الايلاء، ويعلم بنيته، وكلاهما يحتمل في اللغة - على قول الزجاج - وحقيقة السميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت. وهو يرجع إلى كونه حيا لا آفة به (3). والسامع: هو المدرك. والله تعالى يوصف بما لم يزل بأنه * (الهامش) * " 1 " قائله الاعشى. ديوانه: 263 رقم القصيدة: 41 واللسان " طلق " قالها لامرأته الهزانية حين فارقها بينى: فارقي. غاد: يأتي غدوة في الصباح. والطارق: الذي يطرق أي يأتي ليلا. " 2 " هكذا في المطبوعة وفي اللسان (طلق) الطلق - بالتحريك - قيد من جلود، والطلق - بالتحريك - قيد من أدم. " 3 " في المطبوعة (لاحريه) بدل (حيالاآفة به) *
[ 237 ]
سميع، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه سامع، وإنما يوصف بأنه سامع إذا وجدت المسموعات. وإنما ذكر عقيب الاول " أن الله غفور رحيم " لانه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفئ، أو الطلاق بين أنه إن فاء " فان الله غفور رحيم " بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه. وذكر هاهنا أنه " سميع عليم " لما أخبر
عنه بايقاع الطلاق، وكان ذلك مما يسمع، أخبر أنه لا يخفى عليه، وأنه يسمعه، لانه على صفة يوجب إدراكه لذلك، وأنه عالم ببيانه، فلا الذي ذكر في الاية الاولى يليق بهذه الاية، ولا الذي ذكر هاهنا يليق هناك، وذلك من عظم فصاحة القرآن، وجلالة مواقعه. قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) آية بلا خلاف. المعنى: القرؤ: الطهر - عندنا - وبه قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وسالم، وأهل الحجاز. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وبه قال أهل العراق، وروه عن علي (ع) أنه الحيض. اللغة: وأصل القرء يحتمل وجهين في اللغة: أحدهما - الاجتماع، فمنه قرأت القران، لاجتماع حروفه، ومنه قولهم:
[ 238 ]
ما قرأت الناقة سلا قط: أي لم تجمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم: ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا (1) ومنه أقرأت النجوم: إذا اجتمعت في الاقول، فعلى هذا، يقال: أقرأت المرأة: إذا حاضت، فهي مقرئ، في قول الاصمعي، والاخفش، والكسائي
والفراء، وأنشدوا له: قروؤ كقروؤ الحائض فتأويل ذلك: إجتماع الدم في الرحم. ويجئ على هذا الاصل أن يكون القرأ: الطهر، لاجتماع الدم في جملة البدن، هذا قول الزجاج. والوجه الثاني - أن يكون أصل القرء: وقت الفعل الذي يجرى على آخر عادة، في قول أبي عمرو بن العلاء، وقال: هو يصلح للحيض، والطهر، يقال: هذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها قال الشاعر: شنئت العقر عقر بني شليل * إذا هبت لقارئها الرياح (2) أي لوقت شدة بردها، وقال آخر: رجا أياس أن تؤوب ولا أذى * إياسا لقرؤ الغائبين يؤوب (3) أي لحين الغائبين، فعلى هذا يكون القرؤ الحيض، لانه وقت اجتماع الدم في الرحم على العادة المعروفة فيه، ويكون الطهر، لانه وقت ارتفاعه على عادة جارية فيه، قال الاعشى في الطهر: وفي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لاقصاها عزيم عزائكا * (الهامش) * " 1 " اللسان (عطل) (قرأ) وقد رواه الجوهري برواية أخرى وهي: ذراعي عيطل أدماء بكر * تربعت الاماعز والمتونا وفي المطبوعة " اللوم " بدل " اللون " وهو تصحيف، والعيطل: طويل العنق من الابل وغيرها. والادماء من الابل البيضاء، وكذلك هجان اللون أي بيض اللون. ولم تقرأ جنينا: أي لم تجمع رحمها على جنين، وهو الولد. " 2 " قائله مالك ابن الحرث الهذلي، ديوان الهذليين 3: 83. واللسان (قرأ) شنئت: أي كرهت، والعقر: اسم مكان. وشليل: هو جدجريربن عبد الله البجلي. " 3 " لم أجد هذا البيت فيماحضرنى من المصادر. *
[ 239 ]
مورثة مالا وفي الحمد رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا (1) والذي ضاع هاهنا الاطهار، لانه بعد غيبته، فيضيع بها طهر النساء، فلا يطأهن، والوقت الجاري في الفعل على عادة راجع إلى معنى الاجتماع، وذلك، لاجتماع الفعل مع الوقت الدائر، فالاجتماع أصل الباب. وأخذ القرؤ من الوقت ردا له إلى فرع، وكلا الامرين يحتمل في اللغة. المعنى، ومن خفف الهمزة في " قروء " قال: قرؤ، ومثله " من يعمل سوءا " (2) واستشهد أهل العراق بأشياء يقوى أن المراد الحيض، منها قوله (ع) في مستحاضة سألته: دعي الصلاة أيام أقرائك. واستشهد أهل المدينة بقوله: " فطلقوهن لعدتهن " (3) أي طهر لم يجامع فيه كما يقال لغرة الشهر، وتأوله غيرهم: لاستقبال عدتهن، وهو الحيض. فان قيل: لو كان المراد - في الاقراء في الاية - الاطهار، لوجب استيفاء الثلاثة أطهار بكمالها، كما أن من كانت عدتها بالاشهر، وجب عليها ثلاثة أشهر على الكمال، وقد أجمعنا على أنه - لو طلقها في آخر يوم الطهر الذي ما قربها فيه، لا يلزمها أكثر من طهرين آخرين، وذلك دليل على فساد ما قلتموه ! قلنا: تسمى القرآن الكاملان، وبعض الثالث ثلاثة أقراء، كما تسمى - الشهران وبعض الثالث -: ثلاثة أشهر قال الله تعالى: " الحج أشهر معلومات " (4) وإنما هي شوال، وذي القعدة، وبعض من ذي الحجة. وروي عن عائشة أنها قالت: الاقراء الاطهار. وقوله: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال إبراهيم: الحيض. وثانيها - قال قتادة: الحبل. وثالثها - * (الهامش) * " 1 " ديوانه: 91 رقم القصيدة: 11 يمدح بها هوذة بن علي الحنفي، ومعنى البيتين:
لك في كل عام غزوة، ؟ لها صبرك وجلدك، فتعود منها بالغنيمة والمجد الذي يعوضك عما عاينت من العبد عن نسائك. " 2 " سورة النساء آية: 109، 102. " 3 " سورة الطلاق آية: 1 " 4 " سورة البقرة آية: 197. *
[ 240 ]
قال ابن عمر، والحسن: هو الحبل، والحيض، وهو الاقوى لانه أعم. وإنما لم يحل لهن الكتمان، لظلم الزوج بمنعه المراجعة - في قول ابن عباس -. وقال قتادة: لنسبة الولد إلى غيره، كفعل الجاهلية. اللغة: وإنما قال: " ثلاثة قروء " ولم يقل: ثلاثة أقرء على جمع القليل، لانه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة، للاشعار بذلك، فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في القسمة. ووجه آخر - أن بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال، لانه على قياس الباب في جمع فعل الكثير، فأما القليل، فقياسه، أفعل دون أفعال، فصار بمنزلة مالا يعتد به فجاء مجئ قولهم: ثلاثة شسوع، فاستغني فيه ببناء الكثير عن القليل. ووجه ثالث - أن يذهب مذهب الجنس نحو قولهم: ثلاثة كلاب يعنون ثلاثة من الكلاب إذا أريد رفع الايهام. المعنى: والشرط بقوله: " إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر " معناه من كان يؤمن بالله واليوم الاخر، فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه يلزم المؤمن دون غيره. وخرج ذلك مخرج التهديد. " وبعولتهن أحق بردهن " يعني أزواجهن أحق برجعتهن، وذلك يختص بالرجعيات وإن كان أول الاية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة. وسمي الزوج بعلا، لانه عال على المرأة بملكه لزوجيتها.
اللغة: تقول: بعل ييعل بعولة، وهو بعل. وقوله " أتدعون بعلا " (1) أي ربا، لانه بمعنى من سميتموه باستعلاء الربوبية تخرصا، وقيل أنه صنم. والبعل النخل يشرب بعروقه، لانه مستعل على شربه، وبعل الرجل بأمره إذا ضاق به ذرعا، * (الهامش) * " 1 " سورة الصافات آية: 125. *
[ 241 ]
لانه علاه منه ما ضاق به صدره. وبعل الرجل في معنى بطر، لانه استعلى معظما، وكبرا، وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب، لان الحيرة تستعلي عليها، فتدهشها. وبعل الرجل يبعل بعلا إذا دهش دهشا. المعنى: وقوله: " ولهن مثل الذي عليهن " قال الضحاك: لهن من حسن العشرة بالمعروف على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لهم. وقال ابن عباس: لهن على أزواجهن من التصنع والتزين مثل ما لازواجهن عليهن. وقال الطبري: لهن على أزواجهن ترك مضارتهن، كما أن عليهن لازواجهن. وقوله: " وللرجال عليهن درجة " قيل معناه: فضيلة منها الطاعة، ومنها أن يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث (على قسم) (1) المرأة، والجهاد. هذا قول مجاهد، وقتادة. وقال ابن عباس: منزلة في الاخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى قال: ما أحب أن استوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة. اللغة: وتقول: رجل بين الرجولة أي القوة، وهو أرجلهما أي أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي. والرجل معروفة، لقوتها على المشي. ورجل من جراد أي قطعة منه تشبيها بالرجل، لانها قطعة من الجملة. والراجل الذي يمشي على رجله. وارتجل
الكلام ارتجالا، لانه قوي عليه من غير ركوب فكرة، ولا روية. وترجل النهار، لانه قوي ضياؤه بنزول الشمس إلى الارض. ورجل شعره إذا طوله، لانه قوي بكثرته من غير أن يركب بعضه بعضا، فيقل في رأي العين. والمرجل معروف. وأصل الباب: القوة. والدرجة: المنزلة، تقول: درجت الشئ أدرجه درجا، وأدرجته إدراجا، ودرج القوم قرنا بعد قرن أي فنوا. وأدرجه الله إدراجا، لانه كطي الشئ * (الهامش) * " 1 " ما بين القوسين من مجمع البيان، لان الجملة لا تتم بدونه. *
[ 242 ]
بمنزلة بعد منزلة والدرج سفيط للطيب، لانه بمنزلة مايدرج فيه. ومدرجة الطريق: قارعته. وأصل الباب الطي، فالدرجة منزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى فيها. المعنى: وقيل إن في الاية نسخا، لان التي لم يدخل بها، لاعدة عليها بقوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات " إلى قوله: " فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " (1) ولان الحامل عدتها وضع ما في بطنها بقوله " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ". (2) قوله تعالى: الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ حمزة، وأبو جعفر " إلا أن يخافا " بضم الياء، والباقون بفتحها. المعنى: قيل في معنى قوله: " الطلاق مرتان " قولان: أحدهما - ما قال ابن عباس، ومجاهد: إن معناه البيان عن تفصيل الطلاق في السنة، وهو أنه أراد طلاقها فينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه بجماع، * (الهامش) * " 1 " سورة الاحزاب آية: 49. " 2 " سورة الطلاق آية: 4. *
[ 243 ]
تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها ثانية. والثاني - ما قاله عروة، وقتادة: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة، مما لا يوجبها. وفي الاية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة. وقال الزجاج: في الاية حذف، لان التقدير: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، بدلالة قوله: " فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ". والمرتان معناه: دفعتان. اللغة: وتقول مر يمر مرا واستمر استمرارا، وأمره إمرارا وتمرر تمررا، ومرره تمريرا. والمر: خلاف الحلو، ومنه المرارة، لان فيها المرة. والمرة مزاج من أمزجة البدن. والمرة شدة الفتل، لاستمراره على إحكام. والمرير: الحبل المفتول. وفي التنزيل " ذو مرة فاستوى " (1) أي ذو قوة وشدة. والمر الذي يعمل به في الطين وأصل الباب المرور: خلاف الوقوف. وقوله " فامساك بمعروف " رفع، ومعناه: فالواجب إمساك عليه، وكان يجوز النصب على فليمسك إمساكا، والامساك خلاف الاطلاق. تقول أمسك
إمساكا، وتمسك تمسكا، وتماسك تماسكا، وامتسك امتساكا، ومسك تمسيكا، واستمسك استمساكا. وفلان ممسك: أي بخيل، وما بفلان مسكة، ولا تمساك: إذا لم يكن فيه خير، لانه منحل عن ضبط شئ من أموره. والمسك: الاهاب، لانه يمسك البدن باحتوائه عليه. والمسك السواء (2)، وسمي باستمساكه في اليد. المعنى: وقوله: " معروف " أي على وجه جميل سائغ (3) في الشرع لاعلى وجه الاضرار بهن. * (الهامش) * " 1 " سورة النجم آية: 6. " 2 " في مجمع البيان: السواد، وفي لسان العرب: السوار. " 3 " في المطبوعة (سايع). *
[ 244 ]
وقوله: " أو تسريح باحسان " قيل فيه قولان: أحدهما - أنها الطلقة الثالثة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن رجلا سأله، فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة ؟ فأجابه: أو تسريح باحسان. وقال السدي، والضحاك: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). اللغة: والتسريح مأخوذ من السرح. وهو الانطلاق. تقول: سرح تسريحا، وسرح الماشية في الرعي سرحا: إذا أطلقها ترعى: والسرحان: الذئب، لاتباعه السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة، لانطلاقها في جهة الطول. والمسرح: المشط، لاطلاق الشعر به. وسرحت الماشية: إذا انطلقت في المرعى. وسرحت العبد إذا أعتقته. والسرح: الجراد، لانطلاقه في البلاد، والسريحة: القطعة من القد يشد بها نقال الابل، وكل شئ قددته مستطيلا، فهو سريح.
النزول: وروي أن هذه الاية نزلت في ثابت بن قيس، وزوجته، وردت عليه حديقته، وطلقها باذن النبي صلى الله عليه وآله رواه ابن جريج. المعنى، والحجة، والاعراب: وقوله: " إلا أن يخافا " معناه: إلا أن يظنا وقال الشاعر: أتاني كلام عن نصيب بقوله * وما خفت يا سلام أنك عائبي (1) يعني ما ظننت وأنشد الفراء: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلات فانني * أخاف إذا مامت ألا أذوقها (2) * (الهامش) * " 1 " مر تخريجه في 2: 189. من هذا الكتاب. " 2 " قائلهما أبو محجن الثقفي، ديوانه: 23، ومعاني القرآن للفراء 1: 146 وغيرها كثير، وخبر أبي محجن في الخمر مشهور. *
[ 245 ]
ومن ضم الياء، فتقديره: إلا أن يخافا على أن يقيما حدود الله. وقال أبو عبيدة " إلا أن يخافا " معناه: يوقنا، " فان خفتم " معناه فان أيقنتم. وقال أبو علي الفارسي: خاف فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول تارة يكون (أن) وصلتها، وأخري غيرها، فأما تعديه إلى غير (أن) فنحو قوله: " تخافونهم كخيفتكم أنفسكم " (1). وتعديته إلى (أن) كقوله: " تخافون أن يتخطفكم الناس " (2) وقوله: " أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله " (3) فان عديته إلى مفعول بأن ضعفت العين، أو اجتلبت حرف الجر كقولك: خوفت ضعف الناس قولهم، وحرف الجر كقوله: لو خافك الله عليه حرمه
ومن ذلك قوله: " إنما الشيطان يخوف أولياءه " (4) فيخوف قد حذف معه مفعول يقتضيه تقديره يخوف المؤمنين بأولياءه، فحذف المفعول، والجار، فوصل الفعل إلى المفعول الثاني، ألا ترى أنه لايخوف أولياءه على حد قولك خوفت اللص، وإنما يخوف غيرهم مما لا استنصار لديهم، ومثله فإذا خفت عليه بمنزلة المحذوف من قوله: " أولياءه " فإذا كان تعدي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة " إلا أن يخافا "، مستقيم لانه لما بني الفعل للمفعول به اسند الفعل إليه، فلم يبق شئ يتعدى إليه، وأما (أن) من قوله: " ألا يقيما حدود الله "، فان الفعل يتعدى إليه بالجار، كما تعدى بالجار في قوله: لو خافك الله عليه حرمه وموضع أن في الاية جر بالجار المقدر، على قول الخليل، والكسائي. ونصب، في قول سيبويه، وأصحابه، لانه لما حذف الجار، وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنبا، وامرأتك الخير، فقوله مستقيم على ما رأيت. فان قال قائل: لو كان يخافا كما قد أخبره، لكان ينبغي أن يكون فان خيفا ! قيل لا يلزمه هذا السؤال لامرين: * (الهامش) * " 1 " سورة الروم آية: 28. " 2 " سورة الانفال آية: 26. " 3 " سورة النور آية: 50. " 4 " سورة آل عمران آية: 175. *
[ 246 ]
أحدهما - أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: " الحمد الله " (1) ثم قال: " إياك نعبد " (2)، وقال: " ما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم ؟ " (3) ونظائر ذلك كثيرة. والاخر - أن يكون الخطاب في قوله: " فان خفتم " مصروفا إلى الولاة، والفقهاء الذين يقومون بامور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة في من جعله
انصرافا من الغيبة إلى الخطاب، لان ضمير الاثنين في " يخافا " ليس يراد به اثنان مخصوصان، وإنما يراد كل من كان هذا شأنه، فهذا حكمه. وأما من قرأ بالفتح، فالمعنى أنه إذا خاف: من كل واحد من الزوج والمرأة " ألا يقيما حدود الله " حل الافتداء، ولايحتاج في قولهم إلى تقدير الجار، لان الفصل يقتضي مفعولا يتعدى إليه، كما اقتضى في قوله: " فلا تخافوهم وخافون " (4) ولابد من تقدير الجار في قراءة من ضم الياء، لان الفعل قد استند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الاخر إلا بالجار. قال أبو علي: فأما ما قاله الفراء في قول حمزة " إلا أن يخافا " من أنه اعتبر قراءة عبد الله " إلا أن يخافوا " فلم ينصبه، لان الخوف في قول عبد الله واقع على (أن). وفي قراءة حمزة على الرجل، والمرأة، وحال الخوف التي معه. المعنى: " ألا يقيما حدود الله " قال ابن عباس وعروة والضحاك: هو نشوز المرأة بغضا للزوج. وقال الشعبي هو نشو ؟ ها ونشوزه، والذي روي عن أبي عبد الله (ع) أنه إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محضور، واخلال بواجب، وألا تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، ومثله روي عن الحسن. وقيل: إن الخوف من الاخلال بالحقوق التي تجب لكل واحد منهما على صاحبه، وحسن العشرة وجميل الصحبة. * (الهامش) * " 1، 2 " سورة الفاتحة آية: 1، 4. " 3 " سورة الروم آية: 39. " 4 " سورة آل عمران آية: 175. *
[ 247 ]
فان قيل كيف قال: " فلا جناح عليهما "، وإنما الاباحة لاخذ الفدية ! ؟ لانه لو خص بالذكر لاوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين الاذن لهما
لئلا يوهم أنه كالزنا المحرم على الاخذ، والمعطي. وذكر الفراء وجهين: أحدهما - أنه قال: هو كقوله " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " (1) وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز الاتساع، وهذا هو الذي يليق بمذهبنا، لان الذي يبيح الخلع - عندنا - هو ما لولاه، لكانت المرأة به عاصية. والوجه الثاني - على قوله صلى الله عليه وآله: إن أظهرت الصدقة، فحسن وإن أسررت فحسن، وإنما على مزاوجة الكلام كقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " (2) والثاني ليس بعد، وإن الفدية الجائرة في الخلع - فعندنا - إن كان البغض منها، وحدها وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر فما زاد عليه، وإن كان منهما، فيكون دون المهر. ورووا عن علي (ع) فقط، ولم يفصلوا، وبه قال الربيع، وعطا، والزهري، والشعبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، ورحا بن حوة، وابراهيم، ومجاهد: إنه يجوز الزيادة على المهر، والنقصان، ولم يفصلوا، والاية غير منسوخة عند أكثر المفسرين، ابن عباس والحسن، وجميع أهل العلم إلا بكر بن عبد الله، فانه زعم أنها منسوخة بقوله " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " (3) الاية. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه: أحدها - أن تكون المرأة عجوزا وذميمة، فيضار بها ليفتدي بها، فهذا لا يحل له الفدي، لقوله " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " (4) الاية. والثاني - أن يرى الرجل إمرأته على فاحشة، فيضاربها لتفتدي بخلعها، فهذا يجوز، وهو معنى قوله " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " (5) والوجه الثالث: " أن يخافا ألا يقيما حدود الله " لسوء خلق أو لقلة نفقة من غير ظلم، أو * (الهامش) * " 1 " سورة الرحمن آية: 22. " 2 " سورة البقرة آية: 194 " 3، 4 " سورة النساء آية: 19 " 5 " سورة النساء آية: 18. *
[ 248 ]
نحو ذلك فيجوز الفدية لهما جميعا على ما فصلناه. واستدل أصحابنا بهذه الاية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لا يقع، لانه قال: " مرتان " ثم ذكر الثالثة على الخلاف في أنها قوله: " أو تسريح باحسان " أو قوله: " فان طلقتها " ومن طلق بلفظ واحد لا يكون أتى بالمرتين، ولا بالثالثة كما أنه لو أوجب في اللعان أربع شهادات: ولو أتى بلفظ واحد لما وقع موقعه. وكما لو رمى تسع حصيات في الجمار دفعة واحدة، لم يكن مجزيا له، فكذلك الطلاق، ومتى ادعوا، في ذلك خبرا، فعليهم أن يذكروه ليتكلم عليه، فأما مسائل الخلع، وفروعه، وشروطه فقد ذكرناها في النهاية، والمبسوط، فلا معنى للتطويل بذكرها هاهنا لان المطلوب هاهنا معاني القرآن، وتأويله دون مسائل الفقه. قوله تعالى: فان طلقتها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) آية واحدة بلا خلاف. المعنى: قوله: " فان طلقها فلا تحل له من بعد " المعني فيه التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال السدي، والضحاك، والزجاج، والجبائي، والنظام. وقال مجاهد: هو تفسير لقوله: " أو تسريح باحسان " (1) فانه التطليقة الثالثة، وهو اختيار الطبري. وصفة الزوج الذي تحل المرأة، للزوج الاول أن يكون بالغا، ويعقد عليها عقدا صحيحا دائما ويذوق عسيلتها، بان يطأها وتذوق هي عسيلته - بلا
* (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية: 229. *
[ 249 ]
خلاف بين أهل العلم - فلا يحل لاحد أن يتزوجها في العدة، وأما العقود الفاسدة أو عقود الشبهة فانها لا تحل للزوج الاول، ومتى وطأها بعقد صحيح في زمان يحرم عليه وطؤها مثل أن تكون حائضا، أو محرمة، أو معتكفة، فانها تحل للاول لان الوطئ قد حصل في نكاح صحيح، وإنما حرم الوطئ لامر، ضار عليه، هذا عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الوطئ في الحيض لا يحل للاول وإن وجب به المهر كله، والعدة. الاعراب: وموضع (أن) في قوله: " فلا جناح عليهما أن يتراجعا " خفض، وتقديره في أن يتراجعا - عند الخليل، والكسائي، والزجاج - وقال الفراء: موضعه النصب، واختاره الزجاج، وباقي النحويين. وقال الفراء: الخفض لا أعرفه، وموضع (أن) الثانية في قوله: " أن يقيما حدود الله " نصب - بلا خلاف ب (ظنا)، وإنما جاز حذف (في) من أن يتراجعا ولم يجز من التراجع، لانه إنما جاز مع (أن) لطولها بالصلة، كما جاز (الذي ضربت زيد)، لطول الذي بالصلة، ولم يجز في المصدر، كما لم يجز في اسم الفاعل نحو (زيد ضارب عمرو) وتريد ضاربه. المعنى: وقوله: " فان طلقها " الثانية يعنى به الزوج الثاني. وذلك يدل على أن الوطئ بعقد لا تحل للزوج الاول، لان الطلاق لا يلحق نكاح شبهة. والراجع المذكور هاهنا، هو بعقد مستأنف، ومهر جديد، بلا خلاف. القراءة: وقول: " يبينها " قرأ المفضل عن عاصم بالنون على وجه الاخبار من الله عن
نفسه. الباقون بالياء، الكناية عن الله.
[ 250 ]
المعنى: قوله: " لقوم يعلمون " إنما خص العلم بذكر البيان وإن كان بيانا لغيرهم، لانهم الذين ينتفعون ببيان الايات، فصار غيرهم بمنزلة من لم يعتد به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم، كما قال: " من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " (1). والحدود: المراد بها ما تقدم بيانها من أحكام الطلاق، والايلاء، والخلع، وغير ذلك. وقوله: " إن ظنا أن يقيما حدود الله " لا يدل على وجوب الاجتهاد في الشريعة، لانه لا يمنع من تعلق أحكام كثيرة - في الشرع - في الظن، وإنما فيه دلالة على، من قال: لا يجوز: أن يعمل في شئ من الدين إلا على اليقين، فأما الظن، فلا يجوز أن يتعلق فيه شئ من الاحكام، فالاية تبطل قوله. وقوله: " فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " يدل على أن النكاح بغير ولي جائز، وأن المرأة لها العقد على نفسها، لانه أضاف العقد إليها دون وليها. قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقو الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم (231) آية واحدة بلا خلاف.
قوله: " فبلغن أجلهن " معناه: انقضى عدتهن بالاقراء، أو الاشهر، * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية: 98. *
[ 251 ]
أو الوضع. والمعنى: إذا بلغن قرب انقضاء عدتهن، لان بعد انقضاء العدة ليس له إمساكها، والامساك هاهنا المراجعة قيل انقضاء العدة، وبه قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وقد يقال لمن دنا من البلد: فلان قد بلغ البلد. والمراد " بالمعروف " هذا الحق الذي يدعو إليه العقل، أو الشرع للمعرفة بصحته، بخلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل، أو السمع لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لا يجوز المعروف بصحته منكر. والمراد به هاهنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له: من القيام بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك، ولا يقصد الاضرار بها. وقد بينا أن التسريح أصله إرسال الماشية في المرعى ومنه قوله: " حين تريحون وحين تسرحون " (1). وقوله: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " معناه: لا تراجعوا هن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن إما في تطويل العدة، أو طلب المفاداة أو غير ذلك، فان ذلك غير جائز. وقوله: " ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه " فالظلم الضرر الذي ليس لاحد أن يضر به. وقوله: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " يعني ما ذكره من الاحكام في الطلاق بما يجوز فيه المراجعة، وما لهم على النساء من التربص حتى ؟ أو رفعوه مما ليس لهم عن ذلك (2) وروي عن أبي الدرداء وأبي موسى الاشعري: أنهم قالوا: كان الرجل يطلق أو يعتق ثم يقول: إنما كنت لاعبا، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
من طلق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه. وقوله: " واعلموا أن الله بكل شئ عليم " معناه: التنبيه على أنه لا يسقط الجزاء على عمل من أعمالهم، لخفائه عنه، لانه " بكل شئ عليم " والاجل هو * (الهامش) * " 1 " سورة النحل آية: 6. " 2 " هكذا في المطبوعة، ولم نتمكن من تصحيحها بما يناسب، وهي كما ترى. *
[ 252 ]
انقضاء مدة الانتظار. والامساك هاهنا: المنع من الذهاب والتسريح: الارسال بتركهن بانقضاء العدة. قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) آية واحدة بلا خلاف. النزول: قال قتادة، والحسن: إن هذه الاية نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الاول، فانه طلقها، وخرجت من العدة ثم أراداأن يجتمعا بعقد آخر على نكاح آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت فيه الاية. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله عضل بنت عم له. والوجهان لا يصحان على - مذهبنا -، لان عندنا أنه لا ولاية للاخ، ولا لابن العم عليها وإنما هي ولية نفسها، فلا تأثير لعضلها. المعنى:
والوجه في ذلك أن تحمل الاية على المطلقين، لانه خطاب لهم بقوله " وإذا طلقتم النساء " نكاية قال: " فلا تعضلوهن " بأن تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن، ولا رغبة لكم فيهن، وإنما تريدون الاضرار بهن، فان ذلك مما لا يسوغ في الدين، والشرع، كما قال في الاولى: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " ولا يطعن على ذلك قوله: " أن ينكحن أزواجهن "، لان المعنى فيه من يصيروا
[ 253 ]
أزواجهن، كما أنهم لابد لهم من ذلك إذا حملوا على الزوج الاول، لان بعد انقضاء العدة لا يكون زوجا، ويكون المراد من كان أزواجهن، فما لهم إلا مثل ما عليهم. ويجوز أن يحمل العضل في الاية على الجبر، والحيلولة بينهن، وبين التزويج دون ما يتعلق بالولاية، لان العضل هو الحبس. اللغة: وقيل: إن العضل مأخوذ من المنع. وقيل: إنه مأخوذ من الضيق، قال أوس بن حجر: وليس أخوك الدائم العهد بالذي * يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا ولكنه النائي إذا كنت آمنا * وصاحبك الادنى إذا الامر أعضلا (1) وتقول: عضل المرأة يعضلها إذ منعها من التزويج ظلما. وفي بعض اللغات يعضلها - بكسر الضاد - في المضارع. وأعضل الداء الاطباء إذا أعياهم أن يقوموا به، لانه امتنع عليهم بشدة، وهو داء عضال. والامر المعضل: الذي يغلب الناس، لامتناعه بصعوبته. وعضلت عليه إذا ضيقت عليه بما يحول بينه، وبين، ما يريد ظلما، لانك منعته بالضيق عليه مما يريد. وعضلت المرأة بولدها إذا عسرت ولادتها وكذلك أعضلت، وأعسرت، لان الولد امتنع من الخروج عسرا. وفلان عضلة من العضل: أي داهية من الدواهي، لانه امتنع بدهائه. وعضل الوادي بأهله:
إذا ضاق بأهله: وعضلة الساق: لحمة مكتنزة. وأصل الباب المنع. وقيل أصله التضييق. الاعراب، والمعنى: موضع (أن) من قوله: " أن ينكحن أزواجهن " جر عند الخليل، والكسائي، وتقديره: من أن، ونصب عند غيرهما بالفعل. وقوله: " ذلك يوعظ به " إنما قال بلفظ التوحيد وإن كان الخطاب للجميع * (الهامش) * " 1 " ديوانه رقم القصيدة: 31. *