التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه. تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الخامس
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الذى وفقنا لطاعته والعمل على فهم كتابه واحكامه. وإنى اشكره إستتماما لنعمته ورضاء بتدبيره وإعترافا بربوبيته واعتقادا بحكمته. وصلى الله على محمد رسوله الامين وعلى آله الميامين الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد فاني اقدم لاخواني المؤمنين العاملين بأحكام القرآن هذا المجلد الخامس من تفسير التبيان. وقد لاقيت من العناء في اخراجه الشئ الكثير. ولما نفد هذا الجزء ورأينا الطلب باقيا توكلنا على الله واعدناه طبعة ثانية منقحة والله الملهم للصواب. أحمد حبيب قصير
[ 5 ]
قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا
بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (157) آية. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب الخلق، ويقول لهم إني رسول الله أرسلني اليكم يعني إلى الناس أجمع " الذي له ملك السماوات والارض " يعني ارسلني اليكم الذي له التصرف في السماوات والارض من غير دافع، ولا منازع " لا إله اي لا معبود " إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله " أمر من النبي صلى الله عليه وآله للخلق بأن يصدقوا بتوحيد الله ويقروا بنبوة النبي " الامي الذي يؤمن " يعني يصدق بالله وكلماته، وأمرهم بأن يتبعوه ويرجعوا إلى طاعته لكي يهتدوا إلى الثواب والجنة. و " جميعا " نصب على الحال من ضمير المخاطب الذي عمل حرف الاضافة فيه والعامل في الحال معنى الفعل في " رسوله " الا أنه لايتقدم على حرف الاضافة، لانه قد صار بمنزلة العامل. وإنما وصفه بأنه يحيي ويميت لانه لا يقدر على الاحياء إلا الله، ولا على الاماتة أيضا سواه لانه لو قدر أحد على الاماتة لقدر على الاحياء، لان من شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على ضده، وانما استعمل بمعنى لتهتدوا على الرجاء والطمع في الفوز به من العذاب. قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) (158) آية.
[ 6 ]
أخبر الله تعالى أن من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. قال ابن عباس والسدي: قوم وراء الصين. وقال أبو جعفر عليه السلام: هم قوم خلف الرمل لم يغيروا ولم يبدلوا. وأنكر الجبائي قول ابن عباس، وقال شرع موسى عليه السلام، منسوخ بشرع
عيسى عليه السلام وشرع محمد صلى الله عليه واله فلو كانوا باقين لكفروا بنبوة محمد. وهذا ليس بشئ، لانه لا يمتنع ان يكون قوم لم تبلغهم الدعوة من النبي صلى الله عليه واله فلا نحكم بكفرهم. وقال الجبائي يحتمل ذلك وجهين: احدهما - انهم كانوا قوما متمسكين بالحق في وقت ضلالتهم (1) بقتل أنبيائهم. والاخر - انهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه واله مثل ابن سلام وابن صوريا وغيرهما. وتقدير الكلام في معنى الاية إذا: كان من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، قد مدحوا بذلك وعظموا، فعلى كل أمة أن يكونوا كهذه الامة الكريمة في هذا المعنى. والامة الجماعة التي تؤم أمرا بأن تقصده وتطلبه وأمة محمد صلى الله عليه واله تؤم شريعته وأمة موسى وعيسى مثل ذلك. وليس في الاية ما يدل على ان في كل عصر أمة هادية من قوم موسى لان بعد نبوة نبينا صلى الله عليه واله لم يبق احد يجب اتباعه في شرع موسى عليه السلام وكذلك قوله تعالى " وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون " (2) ولا دلالة في ذلك على ان تلك الامة موجودة في كل عصر، بل لو لم توجد هذه الامة الا في وقت واحد هادية بالحق عادلة به لصح معنى الاية على ان عندنا في كل عصر لا يخلون من قوم بهذا الوصف وهم حجج الله على خلقه، المعصومين الذين لا يجوز عليهم الخطأ والزلل، فقد قلنا بموجب الاية.
(1) أي وقت ضلالة قومهم (2) سورة 7 الاعراف آية. (*)
[ 7 ]
وصريح الاية يدل على بطلان قول من قال لا يهدي إلى الحق الا الله تعالى، لان الله تعالى بين ان فيمن خلقه امة يهدون بالحق وبه يعدلون، وظاهر ذلك الحقيقة وصريح الاية بخلاف ما يقوله المخالف، ولا ينافي ذلك قوله تعالى " من يهد الله
فهو المهتدي " (1) لانه يصح اجتماعه مع ذلك، والمعنى من يهده الله إلى الجنة فهو المهتدي إليها على ان قوله تعالى " من يهد الله فهو المهتدي، لا يمنع من ان يهديه ايضا غير الله ويهتدي، لان المتعلق بذلك تعلق بدليل الخطاب. وهو ليس بصحيح عند اكثر العلماء، على ان من هدى غيره إلى الحق فانما يهديه بأن ينبهه على الحجج التي نصبها الله على الحق فجاز ان يضاف ذلك إلى انه بهداية الله. ومن حمل قوله تعالى " يهدون " على ان المعنى يهتدون فقد غلط، لان ذلك لا يعرف في اللغة. قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقيه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (159) آية. قد مضى تأويل معنى اكثر هذه الاية في سورة البقرة (2) فلا معنى للتطويل بذكر ما مضى وانما نذكر ما لم يذكر هناك: انما انث قوله اثنتي عشرة اسباطا لان النية التقديم والتأخير والتقدير وقطعناهم امما اثنتي عشرة اسباطا ولم
(1) سورة الاعراف آية 177 (2) آية 60 من سورة البقرة المجلد 1 / 269 (*)
[ 8 ]
يقل سبطا لاحد ثلاثة اشياء: احدها - انه بدل ليس بتمييز والمعنى قطعناهم اسباطا ذكر ذلك الزجاج. الثاني - على ان كل قسم اسباط لان الواحد يقال له سبط، فيجوز على هذا عندي عشرون دراهم على ان كل قسم منها دراهم قال كثير:
علي والثلاثة من بنيه * هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط ايمان وبر * وسبط غيبته كربلا (1) الثالث - ان يكون اقام الصفة مقام الموصوف. وتقديره اثنتي عشرة فرقة اسباطا. والسبط: الجماعة التي تجري في الامر بسهولة لاتفاقهم في الكلمة على انه مأخوذ من السبوط. وقيل انه مأخوذ من السبط ضرب من الشجر، فجعل الاب الذي يجمعهم كالشجرة التي تتفرع عنها الاغصان الكثيرة. وقال أبو علي لانهم كانوا بني اثني عشر رجلا من ولد يعقوب وقيل انما فرقوا اسباطا لاختلاف رتبتهم. والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، فكان يبتدئ بقلة ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة، فلذلك ذكره ههنا بالانبجاس وفي البقرة بالانفجار. والظلة السترة التي تقي من الشمس، والاغلب عليها العلو. فجعل الله عز وجل لهم من الغمام ظلة تكنهم لما احتاجوا إلى ذلك في التيه كما اعطاهم المن والسلوى. والمن ضرب من الحلاوة يسقط على الشجر. والسلوى طائر كالسماني. وانما انث " اثنتا عشرة اسباطا " مع ان السبط ذكر، لاحد ثلاثة اشياء: احدها - اثنتي عشرة فرقة ثم حذف. الثاني - وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة، فحذف على هذا التقدير. الثالث - أن السبط لما وقع على الامة أنث. كما قال الشاعر:
(1) الاغاني 9 / 14 (*)
[ 9 ]
وان كلابا هذه عشر أبطن * وانت برئ من قبائلها العشر
وقوله تعالى " وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون " معناه: ما أنقصونا شيئا ولكن انقصوا أنفسهم تقول العرب: ظلمت سقاك إذا سقيته قبل ان يخرج زبده، ويقال: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعا لم يكن ناله فيما مضى، قال الفراء وانشدني بعضهم: يكاد يطلع ظلما ثم يمنعه * عن الشواهق فالوادي به شرق ويقال هو أظلم من حية. لانها تأتي حجر الم تحفره فتسكنه ويقال ما ظلمك ان تفعل كذا أي ما منعك. والارض المظلومة التي لم ينلها المطر. قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين) (160) آية بلا خلاف. قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب (يغفر) بالياء وضمها، وفتح الفاء الباقون بالنون وكسر الفاء، وقرأ اهل المدينة ويعقوب (خطيئاتكم) على جمع السلامة ورفع التاء، وقرأ ابن عامر على التوحيد ورفع التاء، وقرأ أبو عمرو (خطاياكم) بغير همز على جمع التكسير، الباقون وهم ابن كثير واهل الكوفة (خطيأتكم) على جمع السلامة وكسر التاء. من قرأ " يغفر " حمله على قوله تعالى " وإذ قيل لهم " ادخلوا.. يغفر، والتي في البقرة (نغفر) بالنون، فالنون هناك احسن لقوله " وإذ قلنا " وجاز ههنا بالنون كأنه قيل لهم ادخلوا.. نغفر. أي إن دخلتم غفرنا. ومن قرأ تغفر بالتاء المضمومة فلانه اسند إليها خطيئاتكم وهو مؤنث فأنث
[ 10 ]
وبنى الفعل للمفعول اشبه بما قبله، لان قبله واذ قيل.
ومن قرأ بالنون فلقوله " سنزيد المحسنين " وخطايا جمع خطيئة جمع تكسير (وخطياتكم) مسكنا لانه يكثر فيه السكون وسميت القرية قرية لان الماء يقري إليها يقال قريت الماء في الحوض أقريه قريا إذا حمعته. ويجوز ان يكون مشتقا من اجتماع الناس إليها. وقد مضى تفسير مثل هذه الاية في سورة البقرة (1) فلا معنى لاعادته. وإنما نذكر جمل ذلك فنقول: هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يقول اذكر يا محمد إذ قيل لبني اسرائيل اسكنوا هذه القرية وهي بيت المقدس على قول الجبائي وغيره من المفسرين وقال الحسين هي ارض الشام. وقال قوم غير ذلك. وقد ذكرنا اختلافهم في سورة البقرة (2) لانه كان امرهم بدخولها واخراج من فيها من الكفار وغيرهم ووعدهم ان يوسع عليهم فيها الزرق ويبيحهم ذلك ليأكلوا من حيث شاؤا ما يريدون من انواع الاغذية والرزق. وقال لهم: " كلوا من حيث شئتم " على كثرة الرزق والغذاء في هذه القرية وفي كل ناحية منها. وقوله تعالى: " وادخلوا الباب سجدا " يعني متواضعين وكانوا امروا بأن يدخلوا بابا منه معينا في هذا الموضع كانوا فيه - في قول الجبائي - وقال ذلك قبل دخلوهم إلى بيت المقدس، قال ولم يد ان يدخلوا الباب سجدا منحنين. قال ابن عباس كان هناك باب ضيق امروا بان يدخلوه ركعا فدخلوه على استاههم. وقيل لهم " قولوا حطة " أي مغفرة، فقالوا حنطة. وذكرنا اختلاف الناس في ذلك. وقوله " وقولوا حطة " معناه قولوا حط عنا ذنوبنا وهو بمنزلة الاستغفار والتوبة. وقوله " نغفر لكم خطاياكم " جواب الامر وفيه معنى الجزاء. والتقدير انكم
(1، 2) آية 58 المجلد 1 / 263 (*)
[ 11 ]
ان فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم. وقوله (سنزيد المحسنين) معناه سنزيد المحسنين منكم نعما وفضلا في الدنيا والاخرة، ولا نقتصر لهم على نعم هذه القرية. ورفع حطة على تقدير مسألتنا حطة ومطلوبنا حطة. وان نصب جاز بمعنى حط عنا حطة. وقوله سجدا نصب على الحال من دخول الباب. وقال أبو علي ليس بحال لدخول الباب، لانهم بدلوا في حياة موسى. قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (161) آية اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين امرهم بدخول القرية متواضعين، وان يقولوا حطة لذنوبنا، انهم بدلوا قولا غير الذي قيل لهم. والتبديل تغيير الشئ برفعه إلى بدل، فقال الحسن قالوا حنطة بدل حطة. وقال قوم: قالوا قولا ينافي الاستغفار ويخالف التوبة. وقالوا ما يدل على الاصرار. واخبر تعالى انه ارسل عليهم عند ذلك رجزا وهو العذاب والعقوبة جزاء بما كانوا يفعلونه من معاصي الله تعالى ويظلمون بها انفسهم. واصل الرجز الميل عن الحق فمنه الرجازة وما يعدل به الحمل إذا مال عن خفة والرجز عبادة الوثن. والناقة الرجزاء التي تميل في احد شقيها لداء يعرض لها في عجزها قوله تعالى: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (162) آية.
[ 12 ]
القراء كلهم على فتح الياء في قوله تعالى (لا يسبتون) وروي عن الحسن ضمها. من قال أسبتوا اراد دخلوا في السبت ومن فتح الياء اراد يفعلون السبت اي يقومون بأمره كما يفعل المسلون يوم الجمعة، ومثله أجمعنا اي مرت بناجمعة، وجمعنا شهدنا الجمعة. قال الفراء: قال لي بعض العرب: أترانا اشهرنا منذ لم نلتق يريد مر بنا شهرا. امر الله نبيه صلى الله عليه واله أن يسأل بني اسرائيل الذين كانوا في وقته عن القرية التي كانت حاضرة البحر، وعن سبب هلاكها، سؤال تقرير وتوبيخ لا سؤال استفهام، كما يقول الرجل لغيره أنا فعلت كذا ؟ وانت تعلم أنك لم تفعل، وانما تسأله لتقريره وتوبيخه، فوجه امر النبي صلى الله عليه واله ان يسأل اهل الكتاب عن اهل هذه القرية مع ما اخبره الله تعالى بقصتها لتقرير هم تقديم كفرهم وتعلمهم ما لا يعلم الا بكتاب اووحى، وهو صلى الله عليه واله لم يكن ممن قرأ الكتب، فعلموا بذلك ان ذلك وحي انزل عليه. وقوله تعالى (إذ يعدون في السبت) معناه إذ يظلمون في السبت، يقال عدا فلان يعدو عدوانا، وعدا عدوا إذا ظلم. وقوله تعالى (إذ تأتيهم حيتانهم) في موضع نصب بيعدون. والمعنى سلهم إذ عدوا في وقت اتيان الحيتان " شرعا " اي ظاهرة والحيتان جمع حوت واكثر ما يسمي العرب السمك بالحيتان والنيتان، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بحبسها يوم السبت ثم يأخذونها في يوم الاحد. وقال قوم: جاهروا بأخذها يوم السبت. وقوله تعالى (كذلك نبلوهم) اي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم. وموضع الكاف نصب بقوله: (نبلوهم بما كانوا يفسقون) اي شددت عليهم المحنة بفسقهم. قال الزجاج ويحتمل ان يكون " ويوم يسبتون لا تأتيهم كذلك " اي لا تأتيهم شرعا ويكون " نبلوهم " مستأنفا. والاول قول اكثر المفسرين.
والوجه في تشديد المحنة التي هي التكليف أن الله تعالى أمر بني اسرائيل
[ 13 ]
بامساك السبت والنفرغ فيه للعبادة وأن لا يتشاغلوا بشئ من أمر الدنيا فيه فتهاون قم ممن كان يسكن هذه القرية وهي (ايلة) في قول قوم من المفسرين. وقال قوم هي مدين. ورويا جميعا عن ابن عباس، ولم يقوموا بما وجب عليهم فشدد الله على من اخذوه. قال الحسن: كانت تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض فيعدون فيأخذونها وتبعد عنهم في باقي الايام وامرهم ان لايصطادوا يوم السبت فكان ذلك تشديدا للتكليف وتغليظا للمحنة والبلوى، وكان ذلك عقوبة على تهاونهم بما أوجب الله عليهم فخالفوا فأرسلوا الشباك يوم السبت واخرجوها يوم الاحد. قوله تعالى: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (163) آية بلا خلاف. قرأ حفص وحده عن عاصم " معذرة " بالنصب. الباقون بالرفع. من رفع فعلى تقدير موعظتنا معذرة إلى ربكم. ومن نصب فعلى المصدر، كما يقول القائل لغيره: معذرة إلى الله واليك من كذا على النصب. والمعنى قالوا نعتذر معذرة واعذارا. قال أبو زيد عذرته اعذره عذرا ومعذرة وعذرى. والتقدير واذكر إذ قالت امة منهم لطائفة منهم لم تعظون قوما علمتم انهم هالكون في الدنيا ويعذبهم الله عذابا شديدا في الاخرة، فقالوا في جوابهم وعظناهم إعذارا إلى الله اي نعظهم اعتذارا إلى ربكم لئلا يقول لنا لم لم تعظوهم ولعلهم ايضا بالوعظ يتقون ويرجعون. وفي ذلك دليل على انه يجب النهي عن القبيح وإن علم الناهي ان المنهي
لا ينزجر ولا يقبل، وان ذلك هو الحكمة والصواب الذي لا يجوز غيره.
[ 14 ]
واختلفوا في هذه الفرقة التي قالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟ هل كانت من الناجية أو من الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذهب إليه ابن عباس وقال نجت الطائفتان من الهلاك الناهية والتي قالت لها لم تعظون، وبه قال السدي وقال قوم الفرقة التي قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم كانت من الفرقة الهالكة ذهب إليه ابن عباس في رواية اخرى عنه. وقال قتادة عن ابن عباس هم ثلاث فرق التي وعظت والموعظة، فنجت الاولى وهلكت الثانية، والله اعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا لم تعظون واختاره الجبائي. وقال الكلبى: هما فرقتان الواعظة والمواعظة. وقال الجبائي لم يريدوا بذلك الانهيهم اياهم عن ذلك القبيح. وانما قالوا ذلك على سبيل الاياس من قبولهم منهم. وقوله " لم " اصله (لما) الا انه حذف الالف مع حرف الجر نحو " عم يتساءلون " ولم يقولوا (عن ما). قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (164) آية قرأ أبو بكر إلا العليمي " بيئس " بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة على وزن (فيعل) وروي عنه بكسر الهمزة. وقرأ اهل المدينة والداحوني عن هشام بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة من غير همز. وقرأ مثل ذلك ابن عامر الا الداحونى عن هشام إلا أنه همز. والباقون بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة
بعدها ياء ساكنة على وزن (فعيل). وروى خارجة عن نافع بفتح الباء بعدها
[ 15 ]
ياء بلا همز على وزن (فعل). قال أبو زيد: قد بؤس الرجل يبؤس بأسا إذا كان شديد البأس، وفي البؤس بئس وبيس يبأس بؤسا وبيئسا وباسا والبأساء الاسم. قال أبو علي: من قرأ على وزن (فعيل) يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس إذا كان شديد البأس مثل " من عذاب شديد " (1) قال أبو محمد الفقعسي: أشعث غير حسن اللبوس * باق على عيش له بئيس أي شديد. والثاني - أن يكون من عذاب ذي بئيس. فوضعه بالمصدر، والمصدر قد يجئ على (فعيل) مثل نكير ونذير وشحيح وعذير الحي، والتقدير من عذاب ذي بئيس أي عذاب ذي بؤس. ومن قرأ بكسر الباء من غير همز فانه جعلها اسما، فوصفه به مثل قوله صلى الله عليه واله (إن الله نهى عن قيل وقال) ومثله: منذ شب إلى رب. ونظيره من الصفة نقض وبصق. ومن فتح الباء من غير همز فهو أيضا (فعل) في الاصل وصف به وابدلت الهمزة ياء وحكى سيبوية أنه سمع بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة ويدع الحرف على الاصل الذي هو (فعل) كأنه يسكن العين كما يسكن من (علم) ويقلب الهمزة ياء الا أنه لما أسكنها لم يجز أن يجعلها بين بين فأخلصها ياء. وقراءة ابن عامر مثل قراءة نافع إلا أن ابن عامر حقق الهمزة. وقراءة ابي بكر على وزن " فيعل " فانه جعله وصفا كضيغم وحيدر، وهذا البناء كثير في الصفة ولا يجوز كسر العين من بيئس لان " فيعل " بناء اختص به ما
كان عينه ياء أو واوا مثل سيد وطيب، ولم يجئ مثل ضيغم وجاء في المعتل حكى سيبويه عين وانشد لرؤبة.
(1) سورة 14 ابراهيم آية 2 (*)
[ 16 ]
ما بال عيني كالشعيب العين (1) فينبغي ان يحمل بيئس على الوهم عمن رواه عن عاصم والاعمش بالكسر وقد أنشد بعضهم: كلاهما كان رئيسا بيئسا * يضرب في يوم الهياج القونسا (2) أعلى كل شئ قونسه بكسر العين. فمن كسر العين حمله على هذه اللغة. أخبر الله تعالى أنه لما ترك أهل هذه القرية الرجوع عن ارتكاب المعصية بصيد السمك يوم السبت بعد أن ذكرهم الواعظون ذلك ولم ينتهوا عن ذلك أنه انجى الناهين عن ذلك وأخذ الذين ظلموا انفسهم بعذاب شديد جزاء بما كانوا يفسقون ويخرجون عن طاعة الله إلى معصيته. وروي عن عطا أن رجلا دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكى وقد أتى على هذه الاية إلى آخرها، فقال ابن عباس قد علمت ان الله اهلك الذين أخذوا الحيتان وانجى الذين نهوهم، ولا ادري ما صنع بالذين لم ينهوهم ولم يواقعوا المعصية وهي حالنا. و " نسوا " في الاية معناه تركوا ويحتمل ان يكون تركهم القبول في منزلة من نسئ، ولا يجوز أن يكون المراد النسيان الذي هو السهو، لانه ليس من فعلهم فلا يذمون عليه. وقال الجبائي العذاب الشديد لحقهم قبل ان يمسخوا قردة خاسئين. قوله تعالى:
فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (165) آية
(1) وقيل قائله الطرماح. اللسان (عين) (2) قائله امرئ القيس بن عابس الكندي. تفسير ابن حيان 4 / 143 وتفسير الطبري 13 / 200 (*)
[ 17 ]
اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت، ونهوا فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد، فلما عتوا عما نهى الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين. والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة. والعتو الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب. وقوله " خاسئين " معناه مبعدين من قولهم خسأت الكلب إذا أقصيته فخسأ أي بعد. وقال الحسن معناه صاغرين، وقال: إن أهل المسخ يتناسلون. وقال ابن عباس: لا يتناسلون، وأجاز الزجاج كلا الامرين. وسئل أبو مالك: أكانت القردة والخنازير قبل ان يمسخوا ؟ قال: نعم وكانوا فيما خلق الله من الامم. وقول ابن عباس أصح، لان المعلوم أن القردة ليست من ولد آدم كما أن الكلاب ليست من ولد آدم. قال قتادة: صاروا قردة لها أذناب تعاوي بعد ما كانوا نساء ورجالا. وقوله تعالى: " كونوا قردة " صيغته صيغة الامر والمراد به الاخبار: من أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب كما قال تعالى: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " (1). وقال " ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (2) ولم يكن هناك أمر لانه تعالى لا يأمر المعدوم، وإنما هو إخبار عن تسهيل الفعل، وأجاز الزجاج أن يكون قيل لهم ذلك بكلام سمعوه فيكون ذلك أبلغ في الاية النازلة بهم لما يدل على وقوع الاول الذي تبعه الثاني. وليس
كذلك إذا قلت: لما جاء المطر خرج النباب، وقوله تعالى " ولو ردوا لعادوا " فلا يقع الرد أصلا. قوله تعالى: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من
(1) سورة 16 النحل آية 40 (2) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 11 (*)
[ 18 ]
يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (166) آية بلا خلاف. التقدير اذكر يا محمد " إن تأذن ربك " ومعنى تأذن: أعلم، والعرب تقول تعلم ان هذا كذا بمعنى إعلم، قال زهير: تعلم أن شر الناس حي * ينادي في شعارهم يسار (1) ويسار اسم عبد. وقال زهير ايضا: فقلت تعلم ان للصيد غرة * والا تضيعه فانك قاتله (2) وقال الزجاج معنى (تأذن) تألا ربك ليبعثن. وقال قوم: معناه امر من اذن يأذن. وقوله: " ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب " قسم من الله تعالى انه يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب اي من يوليهم سوء العذاب. قال أبو جعفر عليه السلام وابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: اراد به امة محمد صلى الله عليه اله يأخذون منهم الجزية. فان قيل فقد جعلوا قردة كيف يبقون ال يوم القيامة ؟ قلنا: إن الذكر لليهود فمنهم من مسخ فجعل منهم القردة والخنازير ومن بقى قمع بذل من الله، فهم اذلاء بالقتل أو اذلاء باعطاء الجزية، فهم في كل مكان اذل اهله لقوله تعالى " ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل
من الناس " (3) أي إلا ان يعطوا الذمة والعهد. وفي الاية دليل على ان اليهود لا يكون لهم دولة إلى يوم القيامة ولا عزلهم ايضا وقيل في معنى البعث ههنا قولان: احدهما - الامر والاطلاق. والاخر -
(1) الاغاني - دار الثقافة بيروت - 10: 317 الشعار علامة ينصبونها في سفرهم (2) تفسير القرطي 7: 309. وروايته (تضيعها) بدل (تضيعه). (3) سورة 3 آل عمران آية 112 (*)
[ 19 ]
التخلية، وإن وقع على وجه المعصية، كما قال تعالى: " أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا " (1). وقوله تعالى: " إن ربك لشديد العقاب " معناه إن ربك يا محمد لسريع العقاب لمن يستوجبه على كفره ومعصيته " وانه لغفور رحيم " اي صفوح عن ذنوب من تاب إليه من معاصيه ورجع إلى طاعته يستر عليهم بعفوه وبفضله رحمة بهم فلا ينبغي لاحد ان يصر ويأمن عقابه بل ينبغي ان يجوز سرعة عقابه فيبادر إلى التوبة والاستغفار. قوله تعالى: وقطعناهم في الارض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيات لعلهم يرجعون (167) آية اخبر الله تعالى انه قطع بني اسرائيل يعنى فرقهم فرقا في الارض " امما " يعني جماعات شتى متفرقين في البلاد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعلى اي وجه فرقهم ؟ قيل فيه قولان: احدهما - فرقهم حتى تشتت امرهم وذهب عزهم عقوبة لهم. الثاني - فرقهم على ما علم انه اصلح لهم في دينهم.
ثم اخبر عنهم فقال: من هؤلاء الصالحون يعني من بني اسرائيل الصالحون، وهم الذين يؤمنون بالله ورسله، ومنهم دون ذلك يعني دون الصالح، وإنما وصفهم بذلك لما كانوا عليه قبل ارتدادهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل ان يبعث فيهم عيسى عليه السلام. وقوله: " وبلوناهم بالحسنا والسيئات " معناه اختبرناهم بالرخاء في العيش
(1) سورة 19 مريم آية 84 (*)
[ 20 ]
والحفض في الدنيا والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات. ويعني بالسيئات الشدائد في الحبس والمصائب في الانفس والاموال " لعلهم يرجعون " اي لكي يرجعوا إلى طاعته وينيبوا إلى إمتثال امره. فان قيل كيف قال: لكي يرجعوا إلى الحق. وهم لم يكونوا عليه قط ؟ ! قلنا عنه جوابان: احدهما - انهم مارون على وجوههم إلى جهة الباطل فدعوا إلى الرجوع إلى جهة الحق لان الانصراف عن الباطل رجوع إلى الحق. الثاني - انهم ولدوا على الفطرة وهي دين الحق الذي يلزمهم الرجوع إليه. قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ياخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن ياتهم عرض مثله ياخذوه الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (168) آية بلا خلاف. معنى الاية ان الله اخبر انه خلف - بعد القوم الذين كانوا فرقهم في الارض -
خلف، وهم قوم نشؤوا بعدهم من اولادهم ونسلهم، يقال للقرن الذي يجئ في اثر قرن خلف، والخلف ما اخلف عليك بدلا مما اخذ منك. ويقال في هذا خلف ايضا. فأما ما اخلف عليك بدلا مما ذهب منك، فهو - بفتح اللام - افصح. قال الفراء: يقال: اعطاك خلفا مما ذهب لك، فأنت خلف صدق وخلف سوء، قال الله تعالى " فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة " (1) واكثر ما يجئ في المدح
(1) سورة 19 مريم آية 59 (*)
[ 21 ]
بفتح اللام - وفي الذم بتسكينها - وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، فمن ذلك في تسكين اللام في المدح قول حسان بن ثابت: لنا القدم الاولى اليك وخلفنا * لاولنا في طاعة الله تابع (1) ويقال: خلف اللبن إذا حمض من طول تركه من السقاء حتى يفسد، فالرجل الفاسق مشبه به، ومنه خلوف فم الصائم وهو تغيره. وأما بتسكين اللام في الذم فقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب (2) وقيل ان الخلف الذين ذكرهم الله في هذه الاية أنهم خلفوا من قبلهم هم النصارى - ذهب إليه مجاهد - وهذا الذي قاله جائز، وجائز أيضا أن يكون المراد به قوم خلفوهم من اليهود. وقوله تعالى " ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى " قال قوم. كانوا يرتشون على الاحكام، ويحكمون بجور. وقال آخرون: كانوا يرتشون ويحكون بحق، وكل ذلك عرض خسيس، ومعنى " هذا الادنى " هذا العاجل و " يقولون سيغفر لنا " معناه إذا فعلوا ذلك يقولون الله يغفر لنا ذلك تمنيا منهم للاباطيل كما قال تعالى " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا
من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون " (3). وقوله تعالى " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه " دليل على اصرارهم وأنهم تمنوا أن يغفر لهم مع الاصرار، لان المعنى وان جاءهم حرام من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه، ولم يرتدعوا عنه - وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن عباس وقال الحسن: معناه لا يشبعهم شئ.
وقوله " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه " معناه الم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في الاحكام القائلين سيغفر لنا هذا إذا عوتبوا على ذلك و " ميثاق الكتاب " هو ما أخذ الله على بني اسرائيل من العهود باقامة التوارة والعمل بما فيها، فقال تعالى لهؤلاء الذين قصهم توبيخا لهم على خلافهم امره ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم الميثاق في كتابه ان لا يقولوا على الله الا الحق، ولا يضيفوا إليه الا ما انزله على رسوله موسى في التوراة ولا يكذبوا عليه وانما احتج عليهم بميثاق الكتاب، ولم يحتج عليهم بالعقل، ليعلمنا ما لا نعلمه مما هو في كتبهم من ادلة تؤكد ما في العقل. وقوله تعالى: " ودرسوا ما فيه " المعنى قرؤوا ما فيه ودرسوه فضيعوه، وتركوا العمل به. والدرس تكرر الشئ يقال درس الكتاب إذا كرر قراءته، ودرس المنزل: إذا تكرر عليه مرور الامطار والرياح حتى يمحى اثره. وقوله تعالى " والدار الاخرة خير للذين يتقون " أي ما اعده الله تعالى لاوليائه
في دار الاخرة من النعيم والثواب وذخره للعاملين بطاعته الحافظين لحدوده " خير للذين يتقون " يعني يجتنبون معاصي الله ويحذرون عقابه. وقوله: " أفلا تعقلون " فمن قرأ بالياء معناه تعقل هذه الطائفة التي تقدم ذكرها وهم الذين يأخذون عرض هذا الادنى على أحكامهم ويقولون سيغفر لنا. ومن قرأ بالتاء قال: معناه قل لهم: افلا تعقلون الامر على ما اخبر الله به. وحكي ان طيا في جمع ميثاق: مياثيق، وفي جمع ميزان: ميازين، وحكي عن غيرهم من اهل الحجاز أيضا ذلك وانشد بعض الطائيين: حمى لا يحل الدهر الا باذننا * ولا نسل الاقوام عقد المياثيق (1)
(1) قائله عياض بن درة الطائي. اللسان (وثق) (*)
[ 23 ]
قوله تعالى: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين (169) آية. قرأ أبو بكر " يمسكون " بتسكين الميم، الباقون بفتحها وتشديد السين. من خفف السين فلقوله تعالى " فامساك بمعروف " (1) وقوله " إمسك عليك زوجك " (2) وقوله " فكلوا مما أمسكن " (3). ومن شدد أراد التكثير، وهو اولى لقول تعالى " وتؤمنون بالكتاب كله " (4) اي لا تؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه بل تؤمنون بجميعه. ويقوي التشديد ما روي عن أبي أنه قرأ (مسكوا بالكتاب " ومعنى " يمسكون " اي يأخذون فيه من حلاله وحرامه. أخبر الله تعالى ان الذين يعملون بما في الكتاب ويقيمون الصلاة مع دخولها في التمسك بالكتاب لجلالة موقعها وشدة تأكدها أنه لا يضيع جزاء عملهم، ويثيبهم بما يستحقونه، لاني لا اضيع لاحد - أصلح عمله فعمل بطاعتي - أجر عمله، وهو قول
ابن زيد ومجاهد، وجميع المفسرين. والتقدير إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم لان من كان غير مؤمن واصلح فأجره ساقط، لانه يوقعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب. ويمسكون بالكتاب ويمسكون ويتمسكون ويستمسكون بمعنى واحد أي يعتصمون به ويعملون بما فيه. وخبر (الذين) قوله " إنا لا نضيع اجر المصلحين " فاستغنى بذكر العلة عن ذكر المعلول.
(1) سورة 2 البقرة آية 229 (2) سورة 33 الاحزاب آية 37. (3) سورة 5 المائدة آية 5 (4) سورة 3 آل عمران آية 119 (*)
[ 24 ]
قوله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (170) آية هذا خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه واله يقول الله له: اذكر يا محمد الوقت الذي نتقا فيه الجبل اي رفعناه فوقهم حتى صار كأنه ظلة. وقيل: إنه رفع الجبل على عسكرهم فرسخا في فرسخ. وامرأة منتاق وناتق كثيرة الولد. وقال ابن الاعرابي الناتق الرافع، والناتق الفاتق، الناتق الباسط، وقال العجاج: ينتق انتقاق الشليل نتقا (1) يعني يرفعه عن ظهره. وقال الاخر: ونتقوا أحلامنا الاثاقلا (2) وقال النابغة: لم يحرموا حسن الغذاء وامهم * دحقت عليك بناتق مذكار (3)
ويروى طفحت عليك بناتق. ويقال: تتق السير إذا حركه، ويقال: ما ينتق برجله ولا يركض، والنتق نتق الدابة صاحبها حين تعدوبه وتتبعه حتى تربو فذلك النتق. وقال بعضهم: معنى " نتقنا الجبل فوقهم " فرفعناه بنتقه نتقا. قال أبو عبيدة: سمعت من يقول: أخذ الجراب فنتق ما فيه إذا نثر ما فيه والاصل نتقت كل شئ وقوله عز وجل " كأنه ظلة " يعني به غماما من الظلال وقول " وظنوا أنه واقع بهم " قال الحسن معناه علموا. وقال الجبائي والرماني: هو الظن بعينه، لانه قوي في
نفوسهم ذلك. وقوله " خذوا ما آتيناكم بقوة " أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد يعني ما ألزمناكم من احكام كتابنا وفرائضه فاقبلوه باجتهاد منكم في اوانه من غير تقصير ولا توان. وقال الجبائي: معناه خذوه بالقدرة التي آتاكم الله وأقدركم بها لانهم لو لم يكونوا قادرين لما كلفهم الله ذلك، وذلك يفسد مذهب من قال القدرة مع الفعل. وقوله " واذكروا ما فيه " معناه ما في كتابه من العهود والمواثيق التي أخذناها عليكم، بالعمل بما فيه لكي تتقوا ربكم فتخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتم ما اخذ عليكم فيه من مواثيق. وكان سبب رفع الجبل عليهم ان موسى عليه السلام لما اتاهم بالتوراة ووقفوا على ما فيها من الاحكام والحدود والتشديد في العبادة ابوا أن يقبلوا ذلك وان يتمسكوا به وان يعملوا بما فيه. وقالوا: إن ذلك يغلظ علينا، فرفع الله الجبل كالظلة عليهم، وعرفهم موسى انهم إن لم يقبلوا التوراة ولم يعملوا بما فيها وقع عليهم فأخذوا
بالتوراة وقبلوا ما فيها وصرف الله نزول الجبل عليهم. قال ابن عباس فلذلك صارت اليهود تسجد على قرنها الايسر، لانهم سجدوا كذلك ينظرون إلى الجبل وكأنها سجدة نصبها الله. وإنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لان مريم عليها السلام اتخذت مكانا شرقيا حين حملت بعيسى. وقال مجاهد: معناه إن أخذتموه بجد وحسن نية وإلا القي الجبل عليكم. وقال أبو مسلم إن رفع الجبل كان ليظلم من الغمام، وذلك خلاف اقوال المفسرين وما يقتضيه سياق الكلام. قوله تعالى: واذ أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة
[ 26 ]
إنا كنا عن هذا غافلين (171) أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (172) آية قرأ ابن كثير وأهل الكوفة " ذريتهم " على التوحيد. الباقون ذرياتهم على الجمع. وقرأ أبو عمرو " وان يقولوا، أو يقولوا " بالياء فيهما. الباقون بالتاء و (الذرية) قد يكون جمعا نحو قوله تعالى " وكنا ذرية من بعدهم " وقوله تعالى " ذرية من حملنا مع نوح " (1) وقد يكون واحدا كقوله: " هب لي من لدنك ذرية طيبة.. فنادته الملائكة.. أن الله يبشرك بيحيى " (2) فهو مثل قوله: " فهب لي من لدنك وليا يرثني " (3) فقال الله: " يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى " (4). فمن أفرد جعله اسما واستغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع. ومن جمع قال: لانه إن كان واقعا على الواحد فلا شك في جواز جمعه وإن كان جمعا فجمعه أيضا حسن، لانه قد وردت الجموع المكسرة وقد جمعت نحو الطرقات
وصواحبات يوسف. وحجة من أفرد قال: لا يقع على الواحد والجميع. فأما وزن (ذرية) فانه يجوز أن تكون (فعلولة) من الذر، فابدلت من الراء التي هي لام الفعل الاخيرة ياء كما أبدلت من دهرية، يدلك على البدل فيه قولهم: دهرورة، ويحتمل ان تكون فعلية منه فأبدلت من الراء الباء، كما تبدل من هذه الحروف في التضعيف وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن تكون (فعليه) نسبة إلى الذر وأبدلت الفتحة منها ضمة كما أبدلوا في الاضافة إلى الدهر دهري والى سهل سهلي ويجوز أن تكون (فعلية) من ذرأ الله الخلق، أجمعوا على تخفيفها كما أجمعوا على تخفيف البرية. ويجوز ان
(1) سورة 17 الاسراء آية 3 (2) سورة 3 آل عمران آية 38 - 39 (3) سورة 19 مريم آية 4 (4) سورة 19 مريم آية 6 (*)
[ 27 ]
تكون من قوله " تذروه الرياح " (1) ابدلت من الواو الياء لوقوع ياء قبلها. وحجة أبي عمرو في قراءته يالياء ان ما تقدم ذكره من الغيبة وهو قوله عز وجل " واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم " كراهية ان يقولوا أولئلا يقول، ويؤكد ذلك ما جاء بعد من الاخبار عن الغيبة وهو قوله: " قالوا بلى ". وحجة من قرأ بالتاء انه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " وكلا الوجهين حسن لان الغيب هم المخاطبون في المعنى. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه واله قال الله تعالى له: واذكر أيضا الوقت الذي اخذ الله فيه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم ؟. واختلفوا في معنى هذا الاخذ فيه وهذا الاشهاد: فقال البلخي والرماني اراد بذلك البالغين من بني آدم واخراجه اياهم ذرية
قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر واشهاده إياهم على انفسهم تبليغه إياهم وإكماله عقولهم، وما نصب فيها من الادلة الدالة بأنهم مصنوعون وان المصنوع لابد له من صانع، وبما اشهدهم مما يحدث فيهم من الزيادة والنقصان والالام والامراض الدال بجميع ذلك على ان لهم خالقا رازقا تجب معرفته والقيام بشكره، وما اخطر بقلوبهم من تأكيد ذلك والحث على الفكر فيه، ثم إرساله الرسل وإنزاله الكتب، لئلا يقولوا إذا صاروا إلى العذاب: إنا كنا عن هذا غافلين، لم ينبه علينا ولم تقم لنا حجة عليه ولم تكمل عقولنا فنفكر فيه، أو يقول قوم منهم: إنما أشرك آباؤنا حين بلغوا وعقلوا فأما نحن فكنا أطفالا لا نعقل ولا نصلح للفكر والنظر والتدبير. وقال الجبائي: أخذه ذرياتهم من ظهورهم انه خلقهم من ظهور الاباء، ثم خلقهم في ارحام الامهات، ثم نقلهم من خلقة إلى خلقة، وصورة إلى صورة، ثم صاروا حيوانا بأن احياهم الله في الارحام، واتم خلقهم، ثم اخرجهم من الارحام بالولادة
(1) سورة 18 الكهف آية 46 (*)
[ 28 ]
وقوله تعالى: " واشهدهم على انفسهم " يعني عند البلوغ وكمال العقل وعندما عرفوا ربهم فقال لهم على لسان بعض انبيائه " الست بربكم " ؟ فقالوا: بلى شهدنا بذلك واقررنا به لانهم كانوا بالله عارفين انه ربهم. وقوله تعالى " ان تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين " معناه لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فأراد بذلك اني انا قررتكم بهذا لتواظبوا على طاعتي وتشكروا نعمتي ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. وقوله تعالى " أو تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " فنشأنا على شركهم فتحنجوا يوم القيامة بذلك، فبين انى قد قطعت بذلك حجتكم هذه بما قررتكم به من معرفتي واشهدتكم على انفسكم باقراركم وبمعرفتكم إياي.
وقوله " افتهلكنا بما فعل المبطلون " من آبائنا. وهذا يدل على انها مخصوصة في قوم من بني آدم وانها ليست في جميعهم، لان جميع بني آدم لم يؤخذوا من ظهور بني آدم لان ولد آدم لصلبه لا يجوز ان يقال: إنهم اخذوا من ظهور بني آدم فقد خرج ولد آدم لصلبه من ذلك وخرج ايضا اولاد المؤمنين من ولد آدم الذين لم يكن آباؤهم مشركين، لانه بين ان هؤلاء الذين اقروا بمعرفة الله واخذ ميثاقهم بذلك كان قد سلف لهم في الشرك آباء. فصح بذلك انهم قوم مخصوصون من اولاد آدم. فأما ما روي ان الله تعالى اخرج ذرية آدم من ظهره واشهدهم على انفسم وهم كالذر، فان ذلك غير جائز لان الاطفال فضلا عمن هو كالذر لا حجة عليهم، ولا يحسن خطابهم بما يتعلق بالتكليف، ثم ان الاية تدل على خلاف ما قالوه. لان الله تعالى قال " وإذ اخذ ربك من بني آدم " وقال " من ظهورهم " ولم يقل من ظهره. وقال " ذريتهم " ولم يقل ذريته، ثم قال " أو تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم افتهلكنا بما فعل المبطلون " فأخبر ان هذه الذرية قد كان قبلهم آباء مبطلون وكانوا هم بعدهم.
[ 29 ]
على ان راوي هذا الخبر سليمان بن بشار الجهني، وقيل مسلم بن بشار عن عمر بن الخطاب وقال يحيى بن معين: سليمان هذا لا يدري اين هو. وايضا فتعليل الاية يفسد ما قالوه. لانه قال: فعلت هذا لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والعقلاء اليوم في دار الدنيا عن ذلك غافلون. فان قيل نسوا ذلك لطول العهد اولان الزمان كان قصيرا كما يعلم الواحد منا اشياء كثيرة ضرورة ثم ينساها كما ينسى ما فعله في امسه وما مضى من عمره. قلنا إنما يجوز ان ينسى مالا يتكرر العلم به ولا يشتد الاهتمام به، فأما
الامور العظيمة الخارقة للعادة، فلا يجوز ان ينساها العاقل. الا ترى ان الواحد منا لو دخل بلاد الزنج وراى الافيلة ولو يوما واحدا من الدهر لا يجوز ان ينسى ذلك حتى لا يذكره اصلا مع شدة اجتهاده واستذكاره ؟ ولو جاز ان ينساه واحد لما حاز ان ينساه الخلق بأجمعهم. ولو جوزنا ذلك للزمنا مذهب التناسخ وان الله كان قد كلف الخلق فيما مضى واعادهم، إما لينعمهم أو ليعاقبهم. ونسوا ذلك. وذلك يؤدي إلى التجاهل. على ان أهل الاخرة يذكرون ما كان منهم من احوال الدنيا ولم يجب ان ينسوا ذلك لطول العهد، ولا المدة التي مرت عليهم وهم اموات وكذلك اصحاب الكهف لم ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مع طول المدة في حال نومهم، فعلمنا ان هؤلاء العقلاء لما كانوا شاهدوا ذلك وحضروه وهم عقلاء لما جاز ان يذهب عنهم معرفة ذلك لطول العهد، ولوجب أن يكونوا كذلك عارفين. وقال قوم وهو المروي في أخبارنا إنه لا يمنع ان يكون ذلك مختصا بقوم خلقهم الله وأشهدهم على أنفسهم بعد ان أكمل عقولهم واجابوه ب (بلى)، وهم اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه، ولا يكون ذلك عاما في جميع العقلاء وهذا وجه ايضا قريب يحتمله الكلام. وحكى أبو الهذيل في كتابة الحجة: أن الحسن البصري واصحابه كانوا
[ 30 ]
يذهبون إلى ان نعيم الاطفال في الجنة ثواب عن إيمانهم في الذر. وحكى الرماني عن كعب الاحبار: انه كان يخبر خبر الذر غير انه يقول ليس تأويل الاية على ذلك. وإنما فعل ليجروا على الاعراف الكريمة في شكر النعمة والاقرار لله بالوحدانية، كما روي انهم ولدوا على الفطرة. ويدل على فساد قولهم قوله تعالى " والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون
شيئا " (1) فهم لو كانوا أخرجوا من ظهر آدم على صورة الذر كانوا بعد من ان يعلموا أو يعقلوا ومتى قالوا أكمل الله عقولهم فقد مضى الكلام عليهم. وذكر الازهري وروي ذلك عن بعض من تقدم ان قوله: " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى " تمام الكلام. وقوله " شهدنا ان تقولوا يوم القيامة " حكاية عن قول الملائكة انهم يقولون شهدنا لئلا تقولوا. وهذا خلاف الظاهر وخلاف ما عليه جميع المفسرين لان الكل قالوا (شهدنا) من قول من قال (بلى) وان اختلفوا في كيفية الشهادة على ان الملائكة لم يجر لها ذكر، فكيف يكون ذلك إخبارا عنهم. قوله تعالى: وكذلك نفصل الايات ولعلهم يرجعون (173) آية إنا كما بينا لكم هذه الايات كذلك نفصلها للعباد ونبينها لهم. وتفصيله الايات هو تمييز بعضها من بعض ليتمكنوا من الاستدلال بكل واحدة منها على جهتها وبين أنه فعل ذلك بهم ليتوبوا وليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته وعن الكفر إلى الايمان به.
(1) سورة 16 النحل آية 78 (*)
[ 31 ]
قوله تعالى: واتل عليهم نبأالذي اتيناه اياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (174) آية بلا خلاف. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله يأمره بأن يقرأ على بني اسرائيل وغيرهم من أمته خبر الذي اتاه الله حججه وبيناته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان
وكان من جملة الغاوين الخائبين الخاسرين. وقيل معناه الضالين الهالكين. واختلفوا في المعني بقوله " آتيناه آياتنا ": فقال ابن عباس ومجاهد: هو بلعام بن باعورا من بني اسرائيل. وقال: معنى " فانسلخ منها " ما نزع منه من العلم. وروي عن عبد الله بن عمر انها نزلت في أمية بن ابى الصلت. وقال مسروق وعبد الله: هي في رجل من بني اسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء. وقال قوم: هو رجل من الكنعانيين. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله للكافر آتاه الله آيات دينه " فانسلخ منها " يقول اعرض عنها وتركها " فاتبعه الشيطان " خذله الله وخلى عنه وعن الشيطان، وهو مثل قوله تعالى " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله " (1) أي كتب على الشيطان انه من تولى الشيطان فان الشيطان يضله. وقال الجبائي اراد به المرتد الذي كان الله آتاه العلم به وبآياته فكفر به وبآياته وبدينه من بعد ان كان به عارفا فانسلخ من العلم بذلك ومن الايمان. وقوله " فأتبعه الشيطان " معناه ان الشيطان اتبعه كفار الانس وغواتهم حتى اتبعوه على ما صار إليه من الكفر بالله وبآياته. وقيل اتبعه الشيطان بالتزيين والاغواء حتى تمسك بحبله وكان من الغاوين الخائبين من رحمة الله، قال وهو رجل من المتقدمين يقال له: بلعام بن باعورا.
(1) سورة 22 الحج آية 4 (*)
[ 32 ]
اتبعه الشيطان، واتبعه لغتان وبالتخفيف معناه فقاه، وبالتشديد حذا حذوه وإذا اردت اقتدا به فبالتشديد لا غير. فأما ما روي أن الاية كانت النبوة فانه باطل، فان الله تعالى لا يؤتي نبوته من يجوز عليه مثل ذلك، وقد دل دليل العقل والسمع على ذلك قال الله تعالى " ولقد اخترناهم على علم على العالمين " (1) وقال " المصطفين الاخيار " (2) فكيف يختار من ينسلخ عن النبوة.
وقيل: إن الاية كانت الاسم الاعظم وهذا ايضا نظير الاول لا يجوز ان يكون مرادا، والقول هو ما تقدم من اكثر المفسرين: ان المعني به بلعم بن باعورا ومن قال امية بن ابي الصلت قال كان اوتي علم الكتاب فلم يعمل به. والوجه الذي قاله الحسن يليق بمذهبنا دون الذي قاله الجبائي، لان عندنا لا يجوز ان يرتد المؤمن الذي عرف الله على وجه يستحق به الثواب. والنبأ الخبر عن الامر العظيم ومنه اشتقاق النبوة: نباه الله جعله نبيا وإنما آتاه الله الايات باللطف حتى تعلمها وفهم معانيها وقال أبو مسلم: الاية في كل كافر بين الله له الحق فلم يتمسك به. وقال أبو جعفر عليه السلام في الاصل بلعم ثم ضرب مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله تعالى من اهل القبلة. قوله تعالى: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هويه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا باياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (175) آية.
(1) سورة 44 الدخان آية 32 (2) سورة 38 ص آية 47 (*)
[ 33 ]
الهاء في (لرفعناه) كناية عن الذي تقدم ذكره، وهو الذي آتاه اله آياته فانسلخ منها، فأخبره الله تعالى انه لو شاء لرفعه بتلك الايات. واختلفوا في معنى هذه المشيئة فقال الجبائي: المعنى لو شئنا لرفعناه بايمانه ومعرفته قبل ان يكفر لكن ابقيناه ليزداد الايمان، فكفر. وقال البلخي هذا اخبار عن قدرته انه لو شاء لحال بينه وبين الكفر والارتداد، وهو الذي نختاره لانا قد بينا ان المؤمن لا يجوز ان يرتد. وقال الزجاج: معناه لو شئنا ان نحول
بينه وبين المعصية لفعلنا. وقوله " ولكنه أخلد إلى الارض " معناه سكن إلى الدنيا وركن إليها ولم يسم إلى الغرض الاعلى. يقال أخلد فلان إلى كذا وكذا وخلد، وبالالف اكثر في كلام العرب، والمعنى إنه سكن إلى لذات الدنيا واتبع هواه أي لم نرفعه بالايات لاتباع هواه. وقيل معنى أخلد قعد ويقال: فلا مخلد إذا أبطأ عنه الشيب ومخلد إذا لم تسقط اسنانه - هكذا ذكره الفراء - ومن الدواب الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رباعيتاه. وأخلد بالمكان إذا اقام به، قال زهير: لمن الديار غشيتها بالفدفد * كالوحي في حجر المسيل المخلد (1) وقال مالك بن نويرة: بأبناء حي من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا (2) وقال أبو عبيدة هو اللزوم للشئ والتقاعس فيه وقال سعيد بن جبير معناه ركن إلى الارض، وقال مجاهد: معناه سكن إليها.
(1) ديوانه 268، واللسان (خلد). و (الفدفد) الفلاة التي لا شئ بها. وقيل: هي الارض الغليظة ذات الحصى، وقيل غير ذلك و (الوحي) الكتابة و (حجر المسيل) هو حجر صلب يكتبون فيه. (2) الاصمعيات: 323. (*)
[ 34 ]
وقوله: " فمثله كمثل الكلب " ضرب الله مثل البارك لاياته والعادل عنها بأخس مثل في أخس احواله، فشبهه بالكلب، لان كل شئ يلهث فانما يلهث في حال الاعياء والكلال إلا الكلب فانه يلهث في حال الراحة والتعب، وحال الصحة وحال المرض. وحال الري وحال العطش وجميع الاحوال، فقال تعالى إن وعظته فهو ضال وان لم تعظه فهو ضال كالكلب إن طردته وزجرته فانه يلهث، وإن تركته
يلهث، وهو مثل قوله " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم انتم صامتون " (1) وقوله تعالى " ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا " يعني هذا المثل الذى ضربه بالكلب هو مثل الذين كذبوا بآيات الله. وقال الجبائي إنما شبهه بالكلب لانه لما كفر بعد ايمانه صار يعادي المؤمنين ويؤذيهم، كما ان الكلب يؤذي الناس طردته أو لم تطرده فانه لا يسلم من اداه. وقوله تعالى " فاقصص القصص " معناه فاقصص على الناس ما نبينه لك لكي يتذكروا ويتفكروا فيرجعوا إلى طاعة الله وينزجروا عن معاصيه. وقال ابن جريج مثله بالكلب، لان الكلب لا فؤاد له فيقطعه الفؤاد حملت عليه أو تركته، شبه من ترك الايات كأنه لا فؤاد له. واللهث التنفس الشديد من شدة الاعياء، وفي الكلب طباع يقال: لهث يلهث لهثا فهو لاهث ولهثان. قوله تعالى: ساء مثلا القوم الذين كذبوا باياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (176) آية بلا خلاف. التقدير ساء مثلا مثل القوم، وحذف لدلالة الكلام عليه و " أنفسهم " نصب
(1) سورة 7 الاعراف آية 192 (*)
[ 35 ]
ب (يظلمون) وصف الله تعالى هذا المثل الذي ضربه وذكره بأنه ساء مثلا اي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وانهم بذلك لا يظلمون إلا انفسهم دون غيرهم، لان عقاب ما يفعلونه من المعاصي يحل بهم فان الله تعالى لا يضره كفرهم ولامعصيتهم كما لا ينفعه طاعتهم وإيمانهم. قوله تعالى:
من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون (177) آية. " فهو المهتدي " كتب - ههنا - بالياء ليس في القرآن غيره بالياء، واثبت الياء في اللفظ ههنا جميع القراء. وقال الجبائي: معنى الاية من يهديه الله إلى نيل الثواب. كما يهدي المؤمن إلى ذلك والى دخول الجنة فهو المهتدي للايمان والخير، لان المهتدي هو المؤمن فقد صار مهتديا إلى الايمان والى نيل الثواب. ومن يضله الله عن الجنة وعن نيل ثوابها عقوبة على كفره أو فسقه، " فأولئك هم الخاسرون " لانهم خسروا الجنة ونعيمها وخسروا انفسهم والانتفاع بها. وقال البلخي المهتدي هو الذي هداه الله فقبل الهداية واجاب إليها، والذي أضله الله هو الضال الذي اختار الضلاله فأضله الله بمعنى خلى بينه وبين ما اختاره وترك منعه بالخير على انه إذا ضل عن امر الله عند امتحانه وتكليفه جاز أن يقال: ان الله أضله. وقيل: معنى " من يهدي الله " من يحكم الله بهدايته " فهو المهتدى " ومن حكم بضلالته فهو الخائب الخاسر. قوله تعالى: ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب
[ 36 ]
لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم اذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (178) آية بلا خلاف. معنى " ذرأنا " خلقنا يقال: ذرأهم يذرأهم واللام في (لجهنم) لام العاقبة. والمعنى انه لما كانوا يصيرون إليها بسوء اختيارهم وقبح أعمالهم جاز أن يقال: إنه ذرأهم لها والذي يدل على ان ذلك جزاء على اعمالهم قوله " لهم قلوب لا يفقهون بها "
وأخبر عن ضلالهم الذي يصيرون به إلى النار، وهو مثل قوله تعالى " إنما نملي لهم للزدادوا إثما " (1) ومثل قوله " ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة واموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك " (2) ومثل قوله عز وجل " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (3) وإنما التقطوه ليكون قرة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه " فرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " " 4 " ومثله قول القائل: اعددت هذه الخشبة ليميل الحائط فاسنده بها وهو لا يريد ميل الحائط. ومثله قول الشاعر: وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن (5) وقال الاخر: اموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها (6) وقال الاخر:
(1) سورة 3 آل عمران آية 178 (2) سورة 10 يونس آية 88 (3) سورة 28 القصص آية 8 (4) سورة 28 القصص آية 9 (5) قائله سابق البربري أو (البريدي) العقد الفريد 1 / 269 (6) إنظر 3 / 60 من هذا الكتاب (*)
[ 37 ]
وام سماك فلا تجزعي * فللموت ما تلد الوالدة (1) وقال آخر: لدوا للموت وابنوا للخراب * فكلكم يصير إلى ذهاب (2) وقوله " لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها " معناه انهم لما لم يفقهوا بقلوبهم ولم يسمعوا بآذانهم ولم يبصروا بعيونهم ما كانوا يؤمرون به ويدعون إليه سموا بكما عميا صما. ولما لم ينتفعوا بجوارحهم
اشبهوا العمي البكم الصم، لان هؤلاء لا ينتفعون بجوارحهم فأشبهوهم في زوال الانتفاع بالجوارح وسموا باسمائهم، ومثله قول مسكين الدارمي: أعمي إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما * سمعي وما بي غيره وقر (3) فجعل نفسه اصما واعمى لما لم ينظر ولم يسمع وقال آخر: وكلام سئ قد وقرت * أذني عنه وما بي من صمم وقال آخر: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (4) وهذا كثير. ويجوز أن يكون قوله تعالى " ذرأنا لجهنم " معناه ميزنا. ويقال: ذرأت الطعام والشعير أي ميزت ذلك من التبن والمدر، فلما كان الله
(1، 2) إنظر 3 / 60 من هذا الكتاب. (3) تفسير الطبري الطبعة الثانية 9 / 132. وروايته " الستر " بدل " الخدر " " وما بالسمع من وقر " بدل " وما بي غيره وقر " وقد مر البيتان في 1 / 90 وفي 2 / 113 من هذا الكتاب. (4) قائله قنعب بن أم صاحب اللسان والتاج (أذن) وفي مجاز القرآن 1 / 177 هكذا: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (*)
[ 38 ]
تعالى قد ميز اهل النار من اهل الجنة في الدنيا بالتسمية والحكم والشهادة جاز ان يقول ذرأناهم اي ميزنا هم. ثم وصفهم بصفة تخالف اوصاف اهل الجنة يعرفون بها فقال " لهم قلوب لا يفقهون بها " إلى آخرها. ويجوز ان يكون قوله " ذرأنا " بمعنى سنذرأ كما قال: " ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار " (1) بمعنى سينادون، فكأنه قال سيخلقهم خلقا ثانيا للنار
بأعمالهم التي تقدمت منهم في الدنيا إذ كانوا استحقوا النار بتلك الاعمال. ولا يجوز أن يكون معنى الاية إن الله خلقهم لجهنم واراد منهم ان يفعلوا المعاصي فيدخلوا بها النار، لان الله تعالى لا يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، ولان مريد القبيح منقوص عند العقلاء تعالى الله عن صفة النقص، ولانه قال " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (2) فبين انه خلق الخلق للعبادة والطاعة وقال " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع " (3) وقال " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا " (4) وقال " ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " (5) وقال " إنا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله " (6) ونظائر ذلك اكثر من ان تحصى، فكيف يقول بعد ذلك " ولقد ذرأنا لجهنم " وهل هذا إلا تناقض تنزه كلام الله عنه. وقوله " اولئك كالانعام " يعني هؤلاء الذين لا يتدبرون بآيات الله ولا يستدلون بها على وحدانيته وصدق رسله اشباه الانعام والبهائم التي لا تفقه ولا تعلم ثم قال " بل هم اضل " يعني من البهائم، لان في البهائم ما إذا زجرتها انزجرت وإذا أرشدتها إلى طريق اهتدت. وهؤلاء لعتوهم وكفرهم لا يهتدون إلى شئ من الخيرات مع ما ركب الله فيهم من العقول التي تدلهم على الرشاد وتصرفهم عن الضلال
(1) سورة 7 الاعراف آية 43 (2) سورة 51 الذاريات آية 56 (3) سورة 4 النساء آية 63 (4) سورة 25 الفرقان آية 50 (5) سورة 57 الحديد آية 25 (6) سورة 63 المؤمنون آية 45 (*)
[ 39 ]
وليس ذلك في البهائم. ومع ذلك تهتدي إلى منافعها وتتحرز عن مضارها، والكافر لا يفعل ذلك. ثم قال " أولئك هم الغافلون " يعني هؤلاء هم الغافلون عن آياتي وحججي والاستدلال بها والاعتبار بتدبرها على ما تدل عليه من توحيده، لان البهائم التي
هي مسخرة مصروفة لا اختيار لها. قوله تعالى: ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (179) آية اجماعا. قرأ حمزة " يلحدون " بفتح الحاء والياء - ههنا - وفي النحل وحم السجدة وافقه الكسائي وخلف في النحل، والباقون بضم الياء. من قرأ بكسر الحاء، فلقوله " ومن يرد فيه بالحاد " (1) وألحد أكثر في الكلام قال الشاعر: ليس الامام بالشحيح الملحد * ولا يكاد يسمع لاحد (2) والالحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه فمعنى " يلحدون في آياتنا " يجورون عن الحق فيها. وروى أبو عبيدة عن الاحمر: لحدت جرت وملت وألحدت ماريت وجادلت قال: وقال أبو عبيدة: لحدت له والحدت للميت بمعنى واحد. قال أبن جريج اشتقوا العزى من العزيز واللات من الله. وكان ذلك إلحادا. وقال ابن عباس: الحادهم تكذيبهم. وقال قتادة: هو شركهم. وقال قوم: هو تسميتهم الاصنام بآنها آلهة. أخبر الله تعالى ان له الاسماء الحسنى نحو قوله تعالى " بسم الله الرحمن الرحيم "
(1) سورة 22 الحج آية 25 (2) قائله حميد بن ثور. اللسان " لحد " (*)
[ 40 ]
وغير ذلك من الاسماء التي تليق به، وهي الاسماء الراجعة إلى ذاته أو فعله نحو العالم العادل، والسميع البصير المحسن المجمل، وكل اسم لله فهو صفة مفيدة لان اللقب لا يجوز عليه. وامر تعالى ان يدعوه خلقه بها وان يتركوا اسماء اهل الجاهلية
وتسميتهم اصنامهم آلهة ولاتا وغير ذلك. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون اراد تسميتهم المسيح بأنه ابن الله وعزيزا بأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقال قوم: هذا يدل على أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه. وقوله " وذروا الذين يلحدون " فيه تهديد للكفار وأن الله تعالى سيعاقبهم على عدولهم عن الحق في تغيير أسمائه. وقوله تعالى " سيجزون ما كانوا يعملون " معناه سيجزون جزاء ما كانوا يعملون من المعاصي بانواع العذاب. قال الرماني الاسم كلمة تدل على المعني دلالة الاشارة، والفعل كلمة تدل على المعني دلالة الافادة. والصفة كلمة مأخوذة للمذكور من اصل من الاصول لتجري عليه تابعة له. قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (180) آية. أخبر الله تعالى أن من جملة من خلقه جماعة يهدون بالحق. وهداهم بالحق هو دعاؤهم الناس إلى توحيد الله والى دينه وتنبيههم إياهم على ذلك. وقال قوم معنى (يهدون) يهتدون " وبه يعدلون " معناه إنهم يعملون بالعدل والانصاف فيما بينهم وبين الناس. وهذا إخبار ان فيما خلق قوما هذه صفتهم ولا يدل ذلك على ان في كل عصر يوجد قوم هذه صفتهم ولو لم يوجدوا إلا في وقت واحد كانت الفائدة حاصلة بالاية، فلا يمكن الاستدلال بها على ان اجماع اهل الاعصار حجة. على ان عندنا انه لا يخلوا وقت من الاوقات ممن يجب اتباعه وتثبت عصمته ويكون حجة الله على
[ 41 ]
خلقه فيمكن أن يكون المراد بالاية من ذكرناه. وقال أبو جعفر عليه السلام وقتادة وابن جريج: الاية في أمة محمد صلى الله عليه واله وهو مثل قوله تعالى " وجعلناهم أئمة يهدون
بأمرنا " (1) فكما أنه لا يدل على وجود أئمة في كل وقت فكذلك ما قالوه. قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (181) وأملي لهم إن كيدي متين (182) آيتان المعنى إن الذين كذبوا بآيات الله التي تضمنها القرآن والمعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه واله وكفروا بها سنستدرجهم من حيث لا يعلمون استدراجا لهم إلى الهلكة حتى يقعوا فيها بغتة من حيث لا يعلمون، كما قال تعالى " بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها " (2) وقال: " فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون " (3) فيقولوا هل نحن منظرون ؟ ويجوز ان يكون من عذاب الاخرة. فأما من قال من المجبرة: إن معنى الاية أن الله يستدرجهم إلى الكفر والضلال فباطل، لان الله تعالى لا يفعل ذلك لانه قبيح ينافي الحكمة، ثم إن الاية بخلاف ذلك لانه بين أن هؤلاء الذين يستدرجهم كفار بالله ورسوله وبآياته، وانه سيستدرجهم في المستقبل لان السين لا تدخل إلا على المستقبل فلا معنى لقوله " إن الذين كفروا سنستدرجهم " إلى الكفر، لانهم كفار قبل ذلك، ولا يجب في الكافر أن يبقى حتى يواقع كفر آخر، لانه يجوز أن يميته الله تعالى، فبان بذلك أن المراد أنه سيستدرجهم إلى العذاب والعقوبات من حيث لا يعلمون في مستقبل أمرهم بقوا أو لم يبقوا. على ان الاستدراج عقوبة من الله والله لا يعاقب أحدا على فعل نفسه كما لا يعاقبهم
(1) سورة 21 الانبياء آية 73 (2) سورة 21 الانبياء آية 40 (3) سورة 26 الشعراء آية 202 (*)
[ 42 ]
على طولهم أو قصرهم. ويحتمل ان يكون معنى الاية إنا نعاقبهم على استدراجهم للناس وإغوائهم
إياهم ونعاقبهم على كيدهم، فجعل العقوبة على الاستدراج استدراجا، والعقوبة على الكيد كيدا، كما قال " سخر الله منهم " (1) وقال " الله يستهزئ بهم " (2) وقال يخادعون الله وهو خادعهم " (3) وقال " والله خير الماكرين " (4) وما اشبه ذلك. ويحتمل ان يكون المراد: إني سأفعل بهم ما يدرجون في الفسوق والضلال عنده ويكون ذلك إخبار عن بقائهم على الكفر عند إملائه لهم، فسمى ذلك استدراجا لانهم عند البقاء كفروا وازدادوا كفرا ومعصية. وان كان الله لم يرد منهم ذلك ولا بعثهم عليه، كما قال " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " (5) كما يقول القائل: أبطر فلان فلانا بانعامه عليه. ولقد ابطرته النعمة واكفرته السلامة، وإن كان المنعم لا يريد ذلك بل اراد ان يشكره عليها. ومعنى قوله " وأملي لهم " أؤخر هؤلاء الكفار في الدنيا وابقيهم مع إصرارهم على الكفر ولا أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم، لانهم لا يفوتوني ولا يعجزوني، ولا يجدون مهربا ولا ملجأ. وقوله تعالى " إن كيدي متين " معناه إن عذابي وسماه كيدا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون. وقيل: إنه اراد أن جزاء كيدهم وسماه كيدا للازدواج على ما بينا نظائره. ومعنى " متين " شديد قوي قال الشاعر: عدلن عدول اليأس والشيخ يبتلى * افانين من الهوب شد مماتني (6)
(1) سورة 9 التوبة آية 80 (2) سورة 2 البقرة آية 15 (3) سورة 4 النساء آية 141 (4) سورة 3 آل عمران آية 54 (5) سورة 35 فاطر آية 47 (6) تفسير الطبري 13 / 288 والطبعة الثانية 9 / 136 وفيه اختلاف (*)
[ 43 ]
يعني شد أو شديدا باقيا لا ينقطع. والمتن أصله اللحم الغليظ الذي عن جانب
الصلب وهما متنان. والكيد والمكر واحد، وهو الميل إلى الشر في خفى، كاد يكيد كيدا ومكيدة، وفلان يكيد بنفسه. وأصل الاستدراج اغترار المستدرج من حيث يرى أن المستدرج محسن إليه حتى يورطه مكروها. والاستدراج أن يأتيه من مأمنه من حيث لا يعلم. و (أملي) بمعنى أؤخر من الملي - ثقيلة الياء - يقال مضى عليه ملي من الدهر وملاؤ من الدهر - بفتح الميم وضمها وكسرها - أي قطعة منه. ووجه الحكمة في اخذهم من حيث لا يعلمون أنه لو اعلمهم وقت ما يأخذهم وعرفهم ذلك لامنوه قبل ذلك وكانوا مغريين بالقبيح قبله تعويلا على التوبة فيما بعد وذلك لا يجوز عليه تعالى. والاستدراج على ضربين: احدهما - ان يكون الرجل يعادي غيره فيطلب له المكايدة والختل من وجه يغتره به ويخدعه ويدس إليه من يوقعه في ورطة حتى يشفي صدره ولا يبالي كيف كان ذلك، فهذا سفيه غير حكيم. والاخر - أن يحلم فيه ويتأنى ويترك العجلة في عقوبته التي يستحقها على معاصيه كيدا ومكرا واستدراجا. ألا ترى لوان إنسانا عادى غيره فجعل يشتمه ويعيبه وذاك يعرض عنه ولا يكا فيه مع قدرته على مكافاته جاز أن يسمى كيدا واستدراجا ومكرا وحيلة، ولجاز ان يقال: فلان متين الكيد شديد الاستدراج، بعيد الغور محكم التدبير. وقيل في معنى " سنستدرجهم " سنأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم، يقال: امتنع فلان على فلان واتى عليه حتى استدرجه اي خدعه حتى حمله على ان درج إليه درجانا أي اخذ في الحركة نحوه كما يدرج الصبي اول ما يمشي، ويقال: صبي دراج: ويقال: درجوا قرنا بعد قرن اي فنيوا قليلا قليلا.
[ 44 ]
قوله تعالى: أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (183) أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (184) آيتان هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه واله إلى الجنون على وجه التوبيخ لهم والتقريع " أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " اي وليس بالنبي صلى الله عليه واله جنة وهي الجنون، فانه لا يأتي بمثل ما يأتي به المجنون، وهم يرون الاصحاء منقطعين دونه ويرون صحة تدبيره واستقامة أعماله وذلك ينافي أعمال المجانين. وبين انه ليس به صلى الله عليه واله إلا الخوف للعباد من عقاب الله، لان الانذار هو الاعلام عن المخاوف، فبين لهم ما عليهم من أليم العذاب بمخالفته ثم قال " أولم ينظروا " ومعناه يفكروا " في ملكوت السماوات والارض " وعجيب صنعهما فينظروا فيهما نظر مستدل معتبر، فيعرفون بما يرون من اقامة السماوات والارض مع عظم أجسامهما وثقلهما على غير عمدو تسكينها من غير آ لة فيستدلوا بذلك على انه خالقها ومالكها وأنه لا يشبهها ولا تشبهه. وقوله " وما خلق الله من شئ " يعني وينظروا فيما خلق الله تعالى من اصناف خلقه فيستدلوا بذلك على انه تعالى خالق جميع الاجسام وأنه أولى بالالهية من الاجسام المحدثة. وقوله تعالى " وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم " معناه اولم يتفكروا
[ 45 ]
في ان عسى ان يكون قد اقترب اجلهم، وهو اجل موتهم فيدعوهم ذلك إلى ان
يحتاطوا لدينهم ولا نفسهم فيما يصيرون إليه بعد الموت من امور الاخرة ويزهدهم في الدنيا وفيما يطلبونه من فخرها وعزها وشرفها فيدعوهم ذلك إلى النظر في الامور التي أمرهم بالنظر فيها. وقوله تعالى " فبأي حديث بعده يؤمنون " معناه بأي حديث بعد القرآن يؤمنون مع وضوح دلالته على أنه كلام الله إذ كان معجزا لا يقدر أحد من البشر ان يأتي بمثله، وسماه حديثا لانه محدث غير قديم لان إثباته حديثا ينافي كونه قديما. وفي الاية دلالة على وجوب النظر وفساد التقليد، لان النظر المراد به الفكر دون نظر العين، لان البهائم ايضا تنظر بالعين، وكذلك الاطفال والمجانين، والفكر موقوف على العقلاء. وقال الحسن وقتادة سبب نزول الاية ان النبي صلى الله عليه واله وقف على الصفا يدعوا قريشا فخذا فخذا، فيقول: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بأن يصوت على الصباح: فأنزل الله الاية. والملكوت هو الملك الاعظم للمالك الذي ليس بمملك. قوله تعالى: من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (185) آية. قرأ أهل العراق " ويذرهم " بالياء، واسكن الراء منه حمزة والكسائي وخلف الباقون بالنون وضم الراء من قرأ بالنون قال لان الشرط من الله، فكأنه قال " من يضلل الله.. فنذرهم " ومن قرأ بالياء رده إلى اسم الله تعالى وتقديره الله يذرهم.
[ 46 ]
ومن ضم الراء قطعه عن الاول ولم يجعله جوابا. ويجوز ان يكون أضمر المبتدأ
وكان تقديره ونحن نذرهم، فيكون في موضع الجزم. ويجوز أن يكون استأنف الفعل فيرفعه ومن جزمه فانه عطفه لى موضع الفاء وما بعدها من قوله " فلا هادي له " لان موضعه جزم، فحمل " ونذرهم " على الموضع، ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى " فأصدق وأكن " (1) لانه لو لم يلحق الفاء لقلت لولا أخرتني أصدق، لان معنى " لولا أخرتني " (2) أخرني أصدق. فحمل قوله تعالى " واكن " على الموضع. ومعنى قوله " من يضلل الله فلا هاي له " اي يمتحنه الله فيضل عند امتحانه وأمره إياه بالطاعة والخير والرشاد " فلا هادي له " أي لا يقدر أحد أن يأتيه بالهدى والبرهان بمثل الذي آتاه الله تعالى، ولا بما يقارنه أو يزيد عليه " ويذرهم في طغيانهم " بمعنى يخلي بينهم وبين ذلك، وترك اخراجه بالقسر والجبر، ومنعه إياه لطفه الذي يؤتيه من آمن واهتدى وقيل الوعظ. والطغيان الغلو في الكفر، والعمه: التحير والتردد في الكفر. ويحتمل ان يكون المراد من يضلل الله عن الجنة عقوبة على كفره فلا هادي له إليها وإن الله لا يحول بين الكافر بل يتركه مع اختياره لان ما فعله من الزجر والوعيد كاف في ازاحة علة المكلف. وقيل معناه من حكم الله تعالى بضلاله وسماه ضالا بما فعله من الكفر والضلال فلا احد يقدر على إزالة هذا الاسم عنه ولا يوصف بالهداية، وكل ذلك واضح بحمد الله تعالى. قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة أيان مرسيها قل إنما علمها عند
(1، 2) سورة 63 المنافقين آية 10 (*)
[ 47 ]
ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والارض
لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون 186) آية بلا خلاف. " أيان " معناه متى، وهي سؤال عن الزمان على وجه الظرف. أخبر الله تعالى ان الكفار يسألون النبي صلى الله عليه واله عن الساعة، وهي القيامة " أيان مرساها " أي وقت قيامها وثباتها. ومعنى " أيان " متى قال الراجز: ايان تقضي حاجتي أيانا * أما ترى لنججها إبانا (1) و " مرساها " في موضع رفع بالابتداء، يقال: رسى يرسوا إذا ثبت فهو راس وجبال راسيات ثابتات، وارساها الله اي ثبتها. وقيل معنى " مرساها " الوقت الذي يموت فيه جميع الخلق، ومعنى سؤالهم عنها اي متى وقوعها وكونها. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يجيبهم ويقول لهم " علمها عند الله " لم يطلع عليها احدا كما قال " إن الله عنده علم الساعة " (2) وقوله تعالى " لا يجليها لوقتها الا هو " اي لا يظهرها في وقتها إلا الله. وقوله تعالى " ثقلت في السموات والارض " قيل في معناه قولان: احدهما - ثقل علمها على السماوات والارض ذهب إليه السدي وغيره. الثاني - ثقل وقوعها على اهل السموات والارض - ذكره بن جريج وغيره -. ثم اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله بكيفية وقوعها فقال " لا تأتيكم إلا بغتة " يعني فجأة. وقوله " يسألونك كأنك حفي عنها " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ان معناه وتقديره حفي عنها يسألونك عن الساعة ووقتها كأنك عالم بها
(1) تفسير القرطبي 7 / 335 ومجاز القرآن 1 / 234 واللسان (ابن) (2) سورة 31 لقمان آية 34. (*)
[ 48 ]
وقيل: معناه كأنك فرح بسؤالهم عنها. وقيل: معناه كأنك اكثرت السؤال عنها
ذكره مجاهد. يقال حفيف بفلان في المسألة إذا سألته سؤالا أظهرت فيه المحبة والبر، قال الشاعر: سؤال حفي عن أخيه كأنه * بذكرته وسنان أو متواسن (1) ويقال: احفى فلان بفلان في المسألة إذا اكثر عليه. ويقال: حفيت الدابة تحفى حفا مقصورا إذا اكثر عليها الم المشي، والحفاء - ممدودا - المشي بغير نعل. ثم امر الله نبيه ان يقول " إنما علمها عند الله " اي لا يعلمها إلا الله. وقوله تعالى " ولكن اكثر الناس لا يعلمون " معناه اكثر الناس لا يعلمون ان ذلك لا يعلمه إلا الله، ويظنون انه قد يعلمه الانبياء وغيرهم من خلقه. وقال الجبائي معناه " لكن اكثر الناس لا يعلمون " لم اخفى الله تعالى علم ذلك على التعيين على الخلق. والوجه فيه انه ازجر لهم عن معاصيه لانهم إذا جوزوا في كل وقت قيام الساعة وزوال التكليف كان ذلك صارفا لهم عن فعل القبيح خوفا من فوات وقت التوبة. وقوله في اول الاية " قل إنما علمها عند ربي " يعني علم وقت قيامها. وقوله في آخرها " قل إنما علمها عند الله " معناه علم كيفيتها وشرح هيئتها وتفصيل ما فيها لا يعلمه إلا الله، فلا تكون تكرارا لغير فائدة. وقال قتادة الذين سألوا عن ذلك قريش. وقال ابن عباس: هم قوم من اليهود وقال الفراء: في الاية تقديم وتأخير وتقديرها يسألونك عنها كأنك حفي بهم. قال الجبائي وفي الاية دليل علي بطلان قول الرافضة من أن الائمة معصومون منصوص عليهم واحدا بعد الاخر إلى يوم القيامة، لان على هذا لابد أن يعلم آخر الائمة أن القيامة تقوم بعده ويزول التكليف عن الخلق، وذلك خلاف قوله " قل إنما علمها عند الله ".
(1) قائله المعطل الهذلي. ديوانه 3 / 45 وتفسير الطبري 13 / 301 (طبعة دار المعارف) و 9 / 142 الطبعة الثانية. (*)
[ 49 ]
وهذا الذي ذكره باطل لانه لا يمتنع أن يكون آخر الائمة آخر الائمة يعلم أنه لا إمام بعده وإن لم يعلم متى تقوم الساعة، لانه لا يعلم متى يموت، فهو يجوز أن يكون موته عند قيام الساعة إذا أردنا بذلك انه وقت فناء الخلق. وإن قلنا إن الساعة عبارة عن وقت قيام الناس في الحشر فقد زالت الشبهة، لانه إذا علم أنه يفنى الخلق بعده لا يعلم متى يحشر الخلق. على انه قد روي أن بعد موت آخر الائمة يزول التكليف لظهور اشراط الساعة وتواتر إماراتها نحو طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك، ومع ذلك فلا يعلم وقت قيام الساعة، ولهذا قال الحسن وجماعة من المفسرين: بادروا بالتوبة قبل ظهور الست: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة، وغير ذلك مما قدمناه فعلى هذا سقط السؤال. قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لا ستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (187) آية بلا خلاف. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله أن يقول للمكلفين إني " لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله " ان يملكني إياه فمشيئته تعالى في الاية واقعة على تمليك النفع والضر لا على النفع والضر، لانه لو كانت المشيئة إنما وقعت على النفع والضر كان الانسان يملك ما شاء الله من النفع، وكان يملك الامراض والاسقام وسائرها ما يفعله الله فيه مما لا يجدله عن نفسه دفعا. ومعنى الاية إني املك ما يملكني الله من الاموال وما اشبهها مما يملكهم ويمكنهم من التصرف فيها على ما شاؤا، وكيف شاؤا. والضر الذي ملكهم الله إياه هو ما مكنهم منه من الاضرار بأنفسهم وغيرهم، ومن لم يملكه الله شيئا منه لم يملكه.
[ 50 ]
وذلك يفسد تأويل المجبرة الذين قالوا: معنى الاية إن الله يريد جميع ما ينال الناس من النفع والضرر وإن كان ظلما وجورا من أفعال عباده وقوله عز وجل " ولو كنت اعلم الغيب لا ستكثرت من الخير وما مسني السوء " معناه إني لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما يربح من التجارات في المستقبل وما يخسر من ذلك فكنت اشتري ما اربح واتجنب ما اخسر فيه، فتكثر بذلك الاموال والخيرات عندي، وكنت أعده في زمان الخصب لزمان الجدب " وما مسني السوء " يعني الفقر إذا فعلت ذلك. وقيل: وما مسني تعذيب. وقيل: وما مسني جنون جوابا لهم حين نسبوه إلى الجنون. وقال ابن جريج " لو كنت اعلم الغيب لا ستكثرت " من العمل الصالح قبل حضور الاجل، وهو قول مجاهد وابن زيد. وقال البلخي: لو كنت اعلم الغيب لكنت قديما، والقديم لا يمسه السوء لان احدا لا يعلم الغيب الا الله. وفي الاية دلالة على ان القدرة قبل الفعل، لان قوله " لو كنت اعلم الغيب لا ستكثرت من الخير " يفيد أنه كان قادرا لانه لو لم تكن القدرة إلا مع الفعل لو علم الغيب لما امكنه الاستكثار من الخير وذلك خلاف الاية. وقوله تعالى " إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " معناه لست الا مخوفا من العقاب محذرا من المعاصي ومبشرا بالجنة حاثا عليها غير عالم بالغيب " لقوم يؤمنون " فيصدقون بما اقول، وخصهم بذلك لانهم الذين ينتفعون بانذاره وبشارته دون من لا يصدق به كما قال " هدى للمتقين ". قوله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت
[ 51 ]
دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (188) فلما آتيهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتيهما فتعالى الله عما يشركون (189) آيتان. قرأ اهل المدينة وابو بكر وعكرمة والاعراج " شركا " بكسر الشين منونا الباقون بضم الشين على الجمع. وقرا ابن يعمر " فمرت " بتخفيف الراء وهو شاذ. قال أبو علي الفارسي: من قرا " شركا " بكسر الشين منونا - حذف المضاف كأنه اراد جعلا له ذا شرك اي ذا نصيب أو ذوي شرك، ويكون كقول من جمع فالقراءتان يؤلان إلى معنى واحد. والضمير في قوله " له " يعود إلى اسم الله كأنه قال جعلا لله شركاء. وقال أبو الحسن: كان ينبغي لمن قرأ بكسر الشين - أن يقول جعلا لغيره شركا. وقول من قرا " جعلا له شركاء " يجوز ان يريد جعلا لغيره فيه شركاء. فحذف المضاف، فالضمير على هذا ايضا في " له " راجع إلى الله تعالى. وقال أبو علي يجوز ان يكون الكلام على ظاهره، ولا يقدر حذف المضاف في قوله تعالى " جعلا له " وانت تريد لغيره ولكن يقدر حذف المضاف إلى شرك فيكون المعنى جعلا له ذوي شرك، وإذا جعلا له ذوي شرك كان في المعنى مثل لغيره شركا، فلا يحتاج إلى تقدير جعلا لغيره شركا. قال أبو علي: ويجوز ان يكون قوله تعالى " جعلا له شركاء " جعل احدهما له شركاء أو ذوي شرك فحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه كما حذف من قوله تعالى " لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " والمعنى على رجل واحد من احد رجلي القريتين. وحكى الازهري ان الشرك والشريك واحد ويكون بمعنى النصيب.
[ 52 ]
قوله " هو الذي " كناية عن الله تعالى وإخبار عن الذي خلق البشر من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها يعي حواء. وقيل: انه خلقها من ضلع من اضلاعه وبين انه إنما خلقها ليسكن إليها آدم ويأنس بها. وقوله " فلما تغشاها " معناه لما وطأها وجامعها. وقيل: تغشاها بدنوه بها لقضاء حاجة، فقضى حاجته منها " حملت " ففي الكلام حذف " حملت حملا خفيفا " لان الحمل اول ما يكون خفيفا، لانه الماء الذي يحصل في رحمها. والحمل - فتح الحاء ما كان في الجوف وكذلك ما كان على نخلة أو شجرة فهو مفتوح. - وبكسر الحاء - ما كان من الثقل على الظهر. وقوله تعالى " فمرت به " معناه استمرت به وقامت وقعدت وقيل: شكت له وآلمها ثقلها. ومن خفف الراء اراد شكت ومارت فلم تدر هي حامل ام لا. وقال الحسن أغلاما ام جارية. وقوله تعالى " فلما اثقلت " اي صارت ذات ثقل كما يقال اثمر اي صار ذا ثمر، وذلك قرب ولادتها. " دعوا الله ربهما " يعني آدم وحواء دعوا الله اي سألاه " لئن آتيتنا صالحا " اي لو أعطيتنا ولدا صالحا. قال الحبائي: صالحا يعني سليما من الافات صحيح الحواس والالات. وقال غيره: معنى صالحا مطيعا فاعلا للخير " لنكونن من الشاكرين " اي نكونن معترفين نعمك علينا نعمة بعد نعمة تسديها الينا. وقوله عز وجل " فلما آتاهم صالحا " يعني فلما آتى الله آدم وحواء ولدا صالحا جعلا له شركاء، واختلفوا في الكناية إلى من ترجع في قوله " جعلا ": فقال قوم هي راجعة إلى الذكور والاناث من اولادهما أو إلى جنسي من
اشرك من نسلهما، وإن كانت الادلة تتعلق بهما. ويكون تقدير الكلام فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار اولادهما ذلك مضافا إلى غير
[ 53 ]
الله ويقوي ذلك قوله تعالى " فتعالى الله عما يشركون " فلو كانت الكناية عن آدم وحواء لقال عما يشركان. وإنما اراد تعالى الله عما يشرك هذان النوعان أو الجنسان وجمعه على المعنى. وقد ينتقل الفصيح من خطاب إلى خطاب غيره. ومن كناية إلى غيرها. قال الله تعالى " إنا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله " (1) فانصرف من مخاطبة الرسول إلى المرسل إليهم ثم قال " وتعزروه وتوقروه " (2) يعني الرسل ثم قال " وتسبحوه " يعني الله تعالى، قال الهذلي: يا لهف نفسي كان جده خالد * وبياض وجهك للتراب الاعفر (3) ولم يقل وبياض وجهه. وقال كثير: اسئ بنا أو احسني لا ملومة * لدنيا ولا مقلية إن تقلت (4) فخاطبها ثم ترك الخطاب. وقال الاخر: فدى لك ناقتي وجميع اهلي * ومالي إنه منه آتاني ولم يقل منك اتاني. وليس لاحد ان يقول كيف يكني عمن لم يجر له ذكر، وذلك ان لنا عنه جوابين: احدهما - انه يجوز ذلك إذا دل الدليل عليه، كما قال " حتى توارت بالحجاب (5) ولم يتقدم للشمس ذكر. وقال الشاعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (6) ولم يتقدم للنفس ذكر. والجواب الثاني - انه تقدم ذكر ولد آدم في قوله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " واراد بذلك جميع ولد آدم، وتقدم ايضا في قوله " فلما آتاهما صالحا "
(1، 2) سورة 48 الفتح آية 8 - 9 (3) مر هذا البيت في 1: 35 من هذا الكتاب. (4) اللسان (سوأ) (5) سورة 38 ص آية 32 (6) اللسان (حشرج) (*)
[ 54 ]
لان معناه ولدا صالحا، ويريد بذلك الجنس. وإن كان لفظه واحدا، وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما وجب ان يضاف إلى الاخر، والشرك لا يليق بآدم، لانه نبي نزهه الله عن ذلك، وعن جميع القبائح، ويلق بكفار ولده ونسله فوجب ان نرده إليهم. وقال الزجاج وإبن الاخشاد: جعل من كل نفس زوجها كأنه قال: وجعل من النفس زوجها على طريق الجنس واضمر لتقدم الذكر. وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الكناية في جميع ذلك غير بآدم وحواء وجعل الهاء في " تغشاها " والكناية في " دعوا الله ربهما، وآتاهما صالحا " راجعين إلى من اشرك ولم يتعلق بآدم وحواء إلا قوله: " خلقكم من نفس واحدة " والاشارة بذلك إلى جميع الخلق. وكذلك قوله " وجعل منها زوجها " ثم خص بها بعضهم، كما قال " هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " (1) فخاطب الجماعة ثم خص راكب البحر، فكذلك اخبر الله تعالى عن جملة امر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم وحواء ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما اعطاه إياه ادعى له الشركاء في عطيته. وقال قوم: يجوز ان يكون عنى بقوله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " المشركين خصوصا، إذا كان كل بني آدم مخلوقون من نفس واحدة كأنه قال:
خلق كل احد من نفس واحدة وخلق من النفس الواحدة زوجها، ومثله كثير نحو قوله عز وجل " فاجلدوهم ثمانين جلدة " (2) والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم. وقال قوم: ان الهاء في قوله: " جعلا له شركاء " راجعة إلى الولد لا إلى الله ويكون المعنى انهما طلبا من الله تعالى امثالا للولد الصالح فاشركابين الطلبتين، كما يقول القائل: طلبت مني درهما فلما اعطيتكه شركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه، فعلى هذا
(1) سورة 10 يونس آية 22 (2) سورة 24 النور آية 4 (*)
[ 55 ]
يجوز أن تكون الكناية من اول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء. فان قيل: فعلى هذا فأي تعلق لقوله " فتعالى الله عما يشركون " بذلك. وكيف ينزه نفسه عن ان يطلب منه ولد آخر ؟ ! قلنا: لم ينزه نفسه عن ذلك وإنما نزهها عن الاشراك به، ليس يمتنع ان يقطع هذا الكلام عن حكم الاول، لانه قال بعد ذلك " ايشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون " فنزه نفسه عن هذا الشرك دون ما تقدم. فأما الخبر المدعى في هذا الباب، فلا يلتفت إليه، لان الاخبار تبنى على ادلة العقول، فإذا علمنا بدليل العقل ان الانبياء لا يجوز عليهم المعاصي تأولنا كل خبر يتضمن خلافه أو ابطلناه، كما نفعل ذلك بأخبار الجبر والتشبيه. على ان هذا الخبر مطعون في سنده، لانه يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة، وهو مرسل، لان الحسن لم يسمع من سمرة شيئا - في قول البغداديين - ولان الحسن قال بخلاف ذلك فيما روى عنه عروة - في قوله عز وجل " فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما " قال هم المشركون. ويعارض ذلك ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم: من ان الشرك غير منسوب إلى آدم وزوجته، وأن المراد به غيرهما على ان في الخبر اشركا إبليس اللعين فيما ولد لهما بأن سمياه عبد الحرث، والاية
تقضي انهم اشركوا الاصنام التي لا تخلق وهي تخلق، والتي لا تستطيع ضرا ولا نفعا وليس لابليس في الاية ذكر، ولو كان له ذكر لقال أتشركون من. وقال في آخر القصة " ألهم ارجل يمشون بها.. " وكذا، ولا يليق ذلك بابليس. ويقوي ان الاية مصروفة عن ادم إلى ولده انه قال " فلما تغشاها " ولو كان منسوقا على النفس الواحدة لقال فلما تغشتها، لان ذلك هو الاجود والافصح وإن جاز خلافه. وحكي البلخي عن قوم انهم قالوا: لو صح الخبر لم يكن في ذلك الا إشراكا في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية كبيرة، وذهب إليه كثير من المفسرين واختاره الطبري.
[ 56 ]
قوله تعالى: أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (190) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (191) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم إم أنتم صامتون (192) ثلاث آيات قرأ نافع " لا يتبعوكم " وفي الشعراء " يتبعهم " بالتخفيف. الباقون بالتشديد وهما لغتان، وبالتشديد اكثر. قال أبو زيد تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعا إذا سبقوك فأسرعت نحوهم ومروا علي فاتبعتهم اتباعا إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك، قال: وتبعتهم اتبعهم تبعا مثل ذلك. وفي الاية توبيخ من الله وتعنيف للمشركين، وإن خرج مخرج الاستفهام، بأنهم يعبدون مع الله جمادا لا يخلق شيئا من الاجسام ولا ما يستحق به العبادة، وهم مع ذلك مخلوقون محدثون ولهم خالق خلقهم. ونبههم بذلك على انه لا ينبغي أن يعبد إلا من يقدر على إنشاء الاجسام واختراعها وخلق اصول النعم التي يستحق
بها العبادة، وان ذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي ليس بجسم، والقادر لنفسه، ثم بين أن هذه الاشياء التي يعبدونها ويتخذونها آلهة واشركوا بها مع الله تعالى لا تقدر لمن عبدها واتخذها إلها على نفع ولا على ضر ولا أن ينصروهم، ولا ان ينصروا انفسهم إن اراد بهم غيرهم سواء، ومن هذه صورته فهو على غاية العجز، ولا يجوز أن يكون إلها. وإنما يجب ان يكون كذلك من يقدر على الضر والنفع ونصرة اوليائه. وقوله تعالى " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم " معناه إن الاصنام والاوثان
[ 57 ]
التي كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة إن دعوها إلى الهدى والرشد لم يستمعوا ذلك، ولا تمكنوا من اتباعهم، لانها جمادات لا تفقه ولا تعقل - في قول ابي وغيره - وقال الحسن: ان ذلك راجع إلى قوم من المشركين قد عموا بالكفر فهم لا يعلمون. ثم قال " سواء عليكم ادعوتموهم ام انتم صامتون " يعني سواء عندها دعاؤها والسكوت عنها لكونها جمادا لا تعقل وإنما قال " أم انتم صامتون " ولم يقل أم صمتم ليكون في مقابلة " ادعوتموهم " فيفيد الماضي والحال لان المقابلة دلت على معنى الماضي، واللفظ يدل على معنى الحال، وعليه أكثر الكلام يقولون: سواء علي أقمت ام قعدت، ولا يقولون أقمت أم انت قاعد، قال الشاعر: سواء إذا ما اصلح الله امرهم * علينا ادثر ما لهم ام اصارم (1) وانشد الكسائي: سواء عليك النفر ام بت ليلة * بأهل القبا من نمير بن عامر (2) وانشد بعضهم: (ام انت بائت) قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم
فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (193) آية. إنما قال " إن الذين " وهو يريد الاصنام، لانها لما كانت عندهم معبودة تنفع وتضر، جاز أن يكني عنها بما يكنى عن الحي، كما قال في موضع آخر " بل فعله كبيرهم
(1) معاني القرآن 1 / 401 " الدثر " المال الكثير. و " اصارم " جمع اصرام وهو الفريق القليل العدد ويقصد - هنا - الفريق من الابل. واصله اصاريم، وحذف الياء لضرورة الشعر. (2) معاني القرآن 1 / 401. يريد النفر من منى. (*)
[ 58 ]
هذا فأسلوهم " (1) ولم يقل فعله كبيرها فاسألوها، وقال " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " (2) لما أضاف السجود إليها جمعها بالواو والنون التي تختص بالعقلاء ومعنى " من دون الله " غير الله، كأنه قال كل مدعو إلها غير الله " عباد امثالكم " و " من " لابتداء الغاية في أن الدعاء دون دعاء الله إلى حيث انتهى إنما هو لعباد الله. ثم قال " عباد أمثالكم " فانما سماها كذلك لان التعبد التذلل، فلما كانت الاصنام تنصرف على مشيئة الله، وهي غير ممتنعة عما يريد الله تعالى بها كانت بذلك في معنى العباد. ويقال عبدت الطرق إذا وطئته حتى تقرر وسهل سلوكه. ومنه قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني اسرائيل " (3) اي ذللتهم واستخدمتهم ضروبا من الخدم. وقال الجبائي وغيره: معنى " عباد " أي املاك لربهم كما انتم عبيد له، فان كنتم صادقين في ادعائكم انها آلهة فادعوهم ليستجيبوا لدعائكم. وهذه لام الامر على معنى التهجين كما قال " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (4) فإذا لم يستجيبوا لكم، لانها لا تسمع دعاءكم فاعلموا انها لا تنفع ولا تضر ولا تستحق العبادة. فأما من قال الاصنام تعبد الله على الحقيقة كما يعبد العقلاء، وان كنا لا نفقه
ذلك فقد تجاهل، لان العبادة ضرب من الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. والعبادة وان كانت شكرا فانه يقارنها خضوع وتذلل. وكل ذلك يستحيل من الجماد. ويحتمل من حيث انهم توهموا انها تضر وتنفع فقيل لهم ليس يخرج هؤلاء بذلك عن حكم الله تعالى. وقال الحسن: معناه إنها مخلوقة امثالكم. والعبد المملوك من جنس ما يعقل، لان الثوب مملوك، ولا يسمى عبدا. وقيل الدعاء الاول في الاية تسميتهم الاصنام آلهة كأنه قال: " إن الذين تدعون "
(1) سورة 21 الانبياء آية 63 (2) سورة 12 يوسف آية 4 (3) سورة 26 الشعراء آية 22 (2) سورة 27 النمل آية 64 (*)
[ 59 ]
آلهة من دون الله فاطلبوا منهم المنافع وكشف المضار، فإذا كان ذلك ميؤسا منها، فعبادتها جهل وسخف. وقوله " إن كنتم صادقين " قال الحسن: معناه في أنهم آلهة. قوله تعالى: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم عين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (194) آية قرأ أبو جعفر " يبطشون " ويبطش - بظم الطاء - حيث وقع. الباقون بكسرها. وهما لغتان، والكسر افصح واكثر. وقرأ " كيدوني " بياء في الحالين الوقف والوصل الحلواني عن هشام ويعقوب وافقهما في الوصل أبو عمرو وابو جعفر واسماعيل والداحوني عن هشام. الباقون بغير ياء في الحالين. و " تنظروني " بياء في الحالين عن يعقوب. قال أبو علي الفارسي: الفواصل وما أشبهها من الكلام التام تجري مجرى القوافي لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الاية، كما ان القافية آخر البيت وقد
الزموا الحذف في هذا الباب في القوافي كقوله: فهل يمنعن ارتيادي البلاد * من قدر الموت أن يأتين والياء التي هي لام الكلمة كذلك نحو قوله: يلمس الاحلاس في منزله * بيديه كاليهودي المصل (1) أكد الله تعالى في هذه الاية الحجة على المشركين في انه لا ينبغي لهم أن يعبدوا هذه الاصنام ولا يتخذونها آلهة، فقال " ألهم ارجل يمشون بها ". لان لفظه وإن
(1) قائله لبيد. اللسان " لمس " والاحلاس ملازمة المنزل وعدم التدخل بشؤون الدولة. و " المصل " بمعنى الخاسر الذي ليس له شئ في الامر. (*)
[ 60 ]
كان لفظ الاستفهام، فالمراد به الانكار، اي ليس لهم ارجل يمشون بها ولا لهم أيد يبطشون بها ولا اعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها، فعرفهم بذلك انهم دون منزلتهم وأن الكفار مفضلون عليهم بما انعم الله عليهم من هذه الحواس التي لم تؤت الاصنام. وإذا كنتم مفضلين عليها وكنتم أقدر على الاشياء وأعلم، فكيف يجوز لكم ان تتخذوها مع ذلك آلهة لانفسكم. وقوله تعالى " قل ادعوا شركاء كم ثم كيدون فلا تنظرون " معناه ادعوا هذه الاوثان والاصنام التي تزعمون أنها آلهة وتشركونها في اموالكم فتجعلون لها حظأ من الاموال والمواشي وتوجهون عبادتكم الهيا اشركا بالله لها. واسألوها ان يضروني وان يكيدوني معكم، ولا تؤخروا ذلك إن قدروا عليه، ومتى لم يتمكنوا من ذلك فتبينوا انها لا تستحق العبادة، لانها في غاية الضعف والعجز. قوله تعالى: إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (195) آية بلا خلاف.
روى ابن خنيس عن السوسي " ان ولي الله " بياء مشددة مفتوحة. الباقون بثلات ياءات الاولى ساكنة والثانية مكسورة والثالثة مفتوحة - على الاضافة - ومن قرأ مشددا حذف الوسطى وادغم الاولى في الثالثة. ولا يجوز إدغام الثانية في الثالثة، لانها متحركة وقبلها ساكن لا يمكن الادغام. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يقول للمشركين " ان وليي الله الذي " يحفظني وينصرني ويحوطني ويدفع شرككم عني هو الله الذي خلقني وإياكم جميعا ويملكني ويملككم الذي نزل القرآن، وهو ينصر الصالحين الذين يطيعونه ويجتنبون معاصيه تارة بالحجة واخرى بالدفع عنهم.
[ 61 ]
قوله تعالى: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (196) آية. هذا عطف على الاية الاولى، فكأنه قال قل وليي الله القادر على نصرتي عليكم وعلى من اراد بي ضرا. والذين تتخذونهم انتم آلهة لا يقدرون على ان ينصروكم ولا أن يدفعوا عنكم ضررا. ولا يقدرون ان ينصروا أنفسهم ايضا لو ان إنسانا اراد بهم سوءا من كسر أو غيره. وإنما كرر هذا المعنى لانه ذكره في الاية التي قبلها على وجه التقريع، وذكره ههنا على وجه الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ممن لا تجوز، كأنه قال: إن ناصري الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون. وانما قال تدعون من دونه وهم يدعونهم معه، لان معنى من دونه من غيره ومع ذلك فانه بمنزلة من افرد غيره بالعبادة في عظم الكفر والشرك. قوله تعالى:
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (197) آية. قال الفراء والزجاج: المعنى إن دعوتم هؤلاء الذين تعبدونهم من الاصنام إلى صلاح ومنافع لا يسمعوا دعاءكم، وتراهم فاتحة اعينهم نحو كم على ما صور تموهم عليه من الصور، وهم مع ذلك لا يبصرونكم. قال الجبائي: جعل الله انفتاح عيونهم في مقابلتهم نظرا منهم إليهم مجازا، لان النظر حقيقة تقلب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته وذلك لا يتأتى في الجماد.
[ 62 ]
ويقال في اللغة: تناظر الحائطان إذا تقابلا وكل شئ قابل غيره يقال: نظر إليه. وقال الحسن: المعنى وإن تدع يا محمد المشركين، فلم يجعل الكناية عن الاوثان وقال الرماني: الكناية عن الاوثان لانهم جعلوها تضر وتنفع، كما يكون ذلك فيما يعقل. وفي الاية دلالة على ان النظر غير الرؤية، لانه تعالى أثبت النظر ونفى الرؤية وقوله " وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون " وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه واله ولو كان امره بخطاب المشركين بمعنى قل لهم لقال وترونهم. وقال السدي ومجاهد: اراد به المشركين، فعلى هذا يكون قوله " وإن تدعوهم " خطابا للنبي صلى الله عليه واله انه ن دعا المشركين إلى الهدى لا يسمعوا بمعنى لا يقبلوا وهم يرونه ولا ينتفعون برويته. قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (198) آية امر الله تعالى نبيه أن يأخذ مع الناس بالعفو، وهو التساهل فيما بينه وبينهم وقبول اليسير منهم الذي سهله عليهم ويسر فعله لهم، وان يترك الاستقصاء عليهم في ذلك، وهذا يكون في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى وللناس وغيرها. وهو في معنى
الخبر عن النبي صلى الله عليه واله " رحم الله سهل القضاء سهل الاقتضاء ". ولا ينافي ذلك ان لصاحب الحق والديون وغيرها استيفاء الحق وملازمة صاحبه حتى يستوفيه، لان ذلك مندوب إليه دون ان يكون واجبا. وقد يكون العفو في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة بالاساءة. وقوله " وامر بالعرف " يعني بالمعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع، ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء. وقوله عز وجل " وأعرض عن الجاهلين " امر بالاعراض عن الجاهل: السفيه الذي إن كلمه سفه عليه وآذاه بكلامه. وأمره إذا أقام عليهم الحجة وبين بطلان
[ 63 ]
ما هم عليه من الكفر والمعاصي أن يعرض عنهم ولا يجاوبهم في مكروه يسمعه، صيانة لنفسه عنهم. وقال عطا العفو: الفضل. وقال مجاهد: العفو من اخلاق الناس، وعفو أموالهم من غير تجسس عليهم. وقال: ما عفا لك من أموالهم، وذلك قبل فرض الزكاة. وقال السدي: نسخ ذلك بآية الزكاة وقال ابن زيد: امره بالاعراض عنهم ثم نسخ بقوله " واغلظ عليهم " (1). وروي عن النبي صلى الله عليه واله في قوله: " وامر بالعرف " أن جبرائيل قال له معناه تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. قوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (199) آية. النزغ ادنى حركة تقول: نزغته إذا حركته. والمعنى ان نالك يا محمد من الشيطان ادنى حركة من معاندة وسوء عشرة " فاستعذ بالله " اي سل الله ان يعيذك، ويحفظك منه فانه سميع للمسموعات وعالم بالخفيات يسمع دعاء من يدعوه ويعلم
دعاءه وما يستحقه بذلك من الله. والنزغ الفساد ايضا يقال: نزغ فلان بيننا اي افسد، ومنه قوله تعالى: " نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي " (2) ونزع ينزع ونغز ينغز إذا افسد. وموضع ينزغنك جزم ب (إن) التي للجزاء الا انه لا يبين فيه الاعراب، لانه مبني مع نون التأكيد على الفتح وإذا كانت مشددة لابد من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين والنزغ الازعاج بالاغواء واكثر ما يكون ذلك عند الغضب واصل النزغ الازعاج بالحركة نزغته انزغه نزغا.
(1) سورة 9 التوبة آية 74 وسورة 66 التحريم آية 9 (2) سورة 12 يوسف آية 100 (*)
[ 64 ]
قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (200) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير واهل البصرة والكسائي " طيف " بغير الف وبغير همز. الباقون بألف بعدها همزة. قال الحسن: الطيف في كلام العرب اكثر من طائف. وقال أبو زيد: طاف الرجل يطوف طوفا إذا اقبل وادبر واطاف يطوف طوفا إذا جعل مستدبر القوم ويأتيهم من نواحيهم. وطاف الخيال طيفا إذا ألم في المنام. وقال أبو عبيدة: طيف من الشيطان بأن يلم به، لما يقال منه: طفت اطيف طيفا. وقال قوم: الطائف ما أطاف بك من وسوسة الباطل. والطيف اللمم والمس. وقال أبو عمرو ابن العلا: العطيف الوسوسة. وحكى الرماني: ان الطيف اصله طوف من الواو مثل سيد وميت، فخفف، وانشد أبو عبيدة للاعشى في الالمام. ونصبح عن غب السرى وكأنما * ألم بها من طائف الجن اولق (1)
وكأن معنى الاية إذا مسهم من ينظر لهم نظرة من الشيطان. ويكون طائف مثل العاقبة والعافية، مما جاء المصدر منه على فاعل وفاعلة، فالطيف اكثر لان المصدر على هذا الوزن اكثر منه على وزن فاعل، والطائف كالخاطر. وقال الحسن معناه يطوف عليهم الشيطان بوساوسه، فيقبل بعض وحبه من يعصي الله. وقوله " تذكروا " أي تذكروا ما عندهم من المخرج والتوبة " فإذا هم مبصرون " قد تابوا. وقال مجاهد: هم المؤمنون إذا مسهم طيف أي غضب تذكروا. وقال سعيد ابن جبير: هو الرجل يغضب الغضب فيذكر فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله تعالى فيتركه.
اخبر الله تعالى بأن الذين يتقون الله باجتناب معاصيه إذا وسوس إليهم الشيطان واغراهم بمعاصيه تذكروا، فعرفوا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبونه ويتركونه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الطيف الغضب. وقال ابن عباس والسدي: هي الزلة التي إذا ارتكبها تاب منها. و " إذا " الاولى بمنزلة الجزاء ولها جواب، والثانية بمعنى المفاجأة كقولك خرجت، فإذا زيد. وقال ابن عباس الطيف النزغ. وقال أبو عمرو بن العلا: الوسوسة. وقال غيره هو المم. قوله تعالى: وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (201) آية. قرئ " يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم عن نافع. الباقون بفتح الياء وضم الميم ومعنى الاية أن إخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي، ومعناه يزيدونهم في الغواية، والاضلال، ويزينون لهم ما هم فيه. ثم اخبر ان هؤلاء مع ذلك " لا يقصرون " كما يقصر الذين اتقوا إذا مسهم
طيف من الشيطان. وهو قول ابن عباس والسدي وابن جريج وابي علي، وأكثر المفسرين. وقال مجاهد: هم إخوان المشركين من الشياطين. وقال قتادة قوله " ثم لا يقصرون " يعني الشياطين " لا يقصرون " عن استغوائهم ولا يرحمونهم. وقصرت واقصرت لغتان، والقراءة على لغة اقصرت، ومن ضم الياء من " يمدونهم " فلقوله تعالى " إنما نمدهم به من مال وبنين " (1) وقوله عز وجل " وأمددناهم بفاكهة " (2) وقوله " اتمدونني بمال " (3) ومن فتح الياء فلقوله تعالى " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (4). وأمددت فيما يستحب، ومددت فيما يكره. قال أبو زيد: امددت القائد بالجند وامددت الدواة وامددت القوم بالمال والرجال. وقال أبو عبيدة
(1) سورة 23 المؤمنون آية 55 (2) سورة 52 الطور آية 22 (3) سورة 27 النمل آية 36 (4) سورة 2 البقرة آية 15 (*)
[ 66 ]
" يمدونهم في الغي " اي يزينون لهم يقال: مد له في غيه. هكذا يتكلمون به ووجه قراءة نافع قوله تعالى " فبشرهم بعذاب أليم ". قوله تعالى: وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (202) آية. معنى الاية انك يا محمد إذا لم تأتهم بآية يقتر حونها، قالوا: لم لا تطلبها من الله فيأتينا بها. وقوله " لولا " معناه هلا " اجتبيتها " معناه اختلقتها واقتلعتها من قبل نفسك في قول الزجاج، والفراء والحسن، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، وابن عباس. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة: معناه هلا اخذتها من ربك وتقبلتها
منه. ويكون الاجتباء بمعنى الاختيار. وقال الفراء: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا اقتعلته من قبل نفسك. وقال أبو عبيدة: اخترعته مثل ذلك. وقال أبو زيد: هذه الحروف تقولها العرب للكلام يبتدؤه الرجل لم يكن اعده قبل ذلك في نفسه. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله أن يقول لهم إني لست آتي بالايات من عندي وإنما يفعلها الله ويظهرها على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك لا بحسب اقتراح الخلق، وإنما اتبع ما يوحي إلي. وقوله " هذا بصائر من ربكم " يعني هذا القرآن حجج وبراهين وأدلة من ربكم. والبصائر جمع بصيرة، وهي البراهين الواضحة والحجج النيرة. وتكون البصائر جمع بصيرة. وهي طريق الدم. والبصيرة الرأس ايضا. وجمها بصائر، ومعناه ظهور
[ 67 ]
الشئ وبيانه. وإنما قال " هذا بصائر " لان المراد به القرآن، وقوله تعالى " وهدى " يعني بيان وحجة ورحمة لقوم يؤمنون، فأضافه إليهم لانهم هم المنتفعون بها، دون غيرهم من الكفار، وان كان بيانا للكل. وقال الجبائي قوله " هذا بصائر " إشارة إلى الادلة الدالة على توحيده وصفاته وعدله وحكمته وصحة نبوة النبي وصحة ما أتى به النبي صلى الله عليه واله. قوله تعالى: وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (203) آية بلا خلاف. امر الله تعالى المكلفين بأنه إذا قرئ القرآن ان يسمعوا له ويصغوا إليه ليفهموا معانيه ويعتبروا بمواعظه وان ينصتوا لتلاوته ويتدبروه ولا يلغوا فيه ليرحمهم بذلك ربهم، وباعتبارهم به وإتعاضهم بمواعظه.
واختلفوا في الوقت الذي أمروا بالانصات والاستماع: فقال قوم: امروا حال كون المصلي في الصلاة خلف الامام الذي يأتم به. وهو يسمع قراءة الامام، فعليه أن ينصت ولا يقرأ ويتسمع لقراءته. ومنهم من قال: لانهم كانوا يتكلمون في صلاتهم ويسلم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل وهم في الصلاة قال لهم كم صليتم فيخبرونه وكان مباحا فنسخ ذلك، ذهب إليه عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة والزهري وعطا عبيد الله بن أبي عمير ومجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وابراهيم وعامر الشعبي وابن عباس وابن زيد، واختاره الجبائي. وقال قوم: هو امر بالانصات للامام إذا قرأ القرآن في خطبته. روي ذلك عن مجاهد. وقال قوم: هو امر بذلك في الصلاة والخطبة. وروي ذلك عن مجاهد
[ 68 ]
ايضا، والحسن. واقوى الاقوال الاول. لانه لا حال يجب فيها الانصات لقراءة القرآن إلا حال قراءة الامام في الصلاة، فان على المأموم الانصات لذلك والاستماع له. فأما خارج الصلاة فلا خلاف أنه لا يجب الانصات والاستماع. وعن أبى عبد الله عليه السلام انه في حال الصلات وغيرها. وذلك على وجه الاستحباب. وقال الجبائي: يحتمل ان يكون اراد الاستماع إذا قرأ النبي صلى الله عليه واله عليهم ذلك، فانه كان فيهم من المنافقين من لا يستمع. والاول اكثر فائدة وأعم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الامر بالاستماع للقرآن للعمل بما فيه وان لا يتجاوزه كما تقول سمع الله لمن حمده بمعنى أجاب الله دعاه، لان الله سميع عليم. والانصات السكوت مع الاستماع، قال الطرماح يصف وحشا، وحذرها الصيادين: يخافتن بعض المضغ من خشية الردى * وينصتن للسمع إنصات القناقن (1)
والقناقن عراف الماء. قوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدوو الاصال ولا تكن من الغافلين (204) آية. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله أن يذكره على حال التضرع والمراد به الامة. ونصب " تضرعا " على الحال، وعلى وجه الخوف من عذابه، والخيفة هو الخوف ويكون دعاؤه خالصا لله ويفعل هذا الدعاء " بالغدو " وهو أول النهار، " والاصال " وهو جمع اصل. والاصل جمع الاصيل، فالاصال جمع الجمع وتصغيره أصيلال على بدل النون. وقال قوم: هو جمع اصل، والاصل يقع على الواحد والجمع ومعناه
(1) اللسان (نصت) (*)
[ 69 ]
العشيات، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. وقال ابن زيد: الخطاب متوجه إلى المستمع للقران إذا تلي ثم اكد توصيته له في الدعاء بقوله " ولا تكن من الغافلين " والمعنى لا تكن من الغافلين عما امرتك به من الدعاء له والذكر لله. وقال الجبائي: في الاية دليل على ان الذين يرفعون اصواتهم بالدعاء ويجهرون بها مخطؤن على خلاف الصواب. ومن قرأ " خفية " اراد اخف الدعاء واترك الاجهار، وهو تأكيد لما امر به من الدعاء إخفاء وقوله " ودون الجهر " يعني دعاء باللسان في خفاء الاجهار. وقال قوم: الاية متوجهة إلى من أمر بالاستماع للقرآن والانصات له الذين كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا اصواتهم بالدعاء عند ذكر الجنة أو النار - ذهب إليه ابن زيد ومجاهد وابن جريج، واختاره الطبري - والاولى ان يكون ذلك متوجها
إلى النبي، والمراد به جميع الامة، فانه اكثر فائدة. وإنما امره بالذكر في النفس وإن كان لا يقدر عليه العبد لامرين: أحدهما - ان المراد به التعرض للذكر من جهة الفكر، وهذا في الذكر المضاد للسهو الثاني - انه امر بالذكر الذي هو القول فيما يخفى كحديث النفس. قوله تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (205) آية بين الله تعالى ان الذين عنده، وهم الملائكة، ومعناه انهم عنده بالمنزلة الجليلة لا بقرب المسافة، لانه تعالى ليس في مكان ولا جهة فيقرب غيره منه، لان ذلك من صفات الاجسام، وهذا حث منه على الطاعة والاستكانة والخضوع له، لان الملائكة مع فضلها وارتفاع منزلتها إذا كانت لا تستكبر عن عبادته بل تسبحه دائما وتسجد
[ 70 ]
مثل ذلك فبنوا آدم بذلك اولى واحق ولهم أوجب والزم. قال الجبائي معنى " عند ربك " إنهم في المكان الذي لا يملك فيه الحكم بين الخلق سواه لانه ملك عباده الحكم في الارض على وجه حسن. قال: ويجوز ان يكون المراد بذلك أنهم رسله الذين يبعثهم في أمور الانس، وإذا كانوا رسله جاز أن ينسبهم إلى نفسه فيقول: إنهم عنده، كما يقال: عند الخليفة جيش كثير، ولا يراد به في مكانه، ولا بالقرب منه، وإنما يراد انهم اصحابه وإن كانوا متفرقين في البلاد. وقال الزجاج: من قرب من رحمة الله وفضله فهو عند الله اي قريب من تفضله وإحسانه. وهذا اول سجدات القرآن، وهي - عندنا - مستحبة غير واجبة وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
وسبب نزول الاية ان قريشا لما قالت: وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا ؟ ! نزلت هذه الاية.
[ 71 ]
8 - سورة الانفال هذه السورة مدنية في قول قتادة وابن عباس ومجاهد وعثمان، وقال: هي اول ما نزل على النبي صلى الله عليه واله بالمدنية، وحكي عن ابن عباس: انها مدنية إلا سبع آيات: أولها " وإذ يمكر بك الذين كفروا) إلى آخر سبع آيات بعدها. وهى خمس وسبعون آية في الكوفي، وسبع وسبعون آية في الشامي، وست وسبعون في المدنيين والبصري. بسم الله الرحمن الرحيم يسئلونكم عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) آية. اختلف المفسرون في معنى الانفال - ههنا - فقال بعضهم: هي الغنائم التي غنمها النبي صلى الله عليه واله يوم بدر، فسألوه لمن هي ؟ فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: هي لله ولرسوله - ذهب إليه عكرمة ومجاهد والضحاك وابن عباس وقتادة وابن زيد - وقال قوم: هي أنفال السرايا - ذهب إليه علي بن صالح بن يحيى - وقال قوم: وهو ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو جارية من غير قتال أو ما اشبه ذلك - عن عطا - وقال: هو للنبي صلى الله عليه واله خاصة يعمل به ما يشاء. وروي عن ابن عباس - في رواية اخرى - انه ما سقط من المتاع بعد قسمة
[ 72 ]
الغنائم من الفرس والدرع والرمح. وفي رواية اخرى - أنه سلب الرجل وفرسه
ينفل النبي صلى الله عليه واله من شاء. وقال قوم: هو الخمس، روي ذلك مجاهد، قال: قال المهاجرون: لم يرفع منا هذا الخمس ويخرج منا ؟ فقال الله: هو لله والرسول. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (أن الانفال كل ما اخذ من دار الحرب بغير قتال إذا انجلى عنها أهلها). ويسميه الفقهاء فيئا، وميراث من لا وارث له، وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، والاجام وبطون الاودية والموات وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. وقالا: هو لله وللرسول وبعده للقائم مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ومن يلزمه مؤنته ليس لاحد فيه شئ. وقالا: إن غنائم بدر كانت للنبي صلى الله عليه واله خاصة، فسألوه أن يعطيهم. وفي قراءة اهل البيت: " يسألونك الانفال " فأنزل الله تعالى قوله " قل الانفال لله والرسول " ولذلك " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " ولو سألوه عن موضع الاستحقاق لم يقل لهم: اتقوا الله. والانفال جمع نفل والنفل هو الزيادة على الشئ، يقال: نفلتك كذا إذ ازدته قال لبيد بن ربيعة: إن تقوى ربنا خير نفل * وباذن الله ريثي والعجل (1) والنفل هو ما أعطيته المرء على البلاء، والفناء على الجيش على غير قسمة. وكل شئ كان زيادة على الاصل فهو نفل ونافلة، ومنه قيل لولد الولد: نافلة، ولما زاد على فرائض الصلاة نافلة. واختلفوا في سبب نزول هذه الاية، فقال قوم: نزلت في غنائم بدر، لان النبي صلى الله عليه واله كان نفل أقواما على بلاء فأبلى اقوام وتخلف آخرون مع النبي صلى الله عليه واله فلما انقضى الحرب اختلفوا، فقال قوم: نحن اخذنا، لانا قتلنا. وقال آخرون:
(1) تفسير القرطبى 8 / 361 واللسان (نفل) ومجاز القرآن 1 / 240. (*)
[ 73 ]
نحن احطنا بالنبي صلى الله عليه واله ولو أردنا لاخذنا. وقال آخرون: نحن كنا وراءكم نحفظكم فأنزل الله هذه الاية يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه واله ماض جائز - ذهب إليه ابن عباس وعكرمة وعبادة بن الصامت -. وقال قوم: نزلت في بعض اصحاب النبي صلى الله عليه واله سأل من المغنم شيئا قبل قسمتها فلم يعطه إياها إذ كان شركا بين الجيش، فجعل الله جميع ذلك للنبي صلى الله عليه واله روي ذلك عن سعد بن مالك، وهو ابن ابي وقاص. قال: وكان سيف سعد بن العاص لما قتله اخوته، وكان يسمى ذا الكثيفة، قال سعد أتيت النبي صلى الله عليه واله فسألته سيفا فقال: ليس هذا لي ولا لك فوليت عنه. قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه واله خلفي فقال: إن السيف قد صار لي فأعطانيه، ونزلت الاية. وروي عن ابي أسيد مالك بن ربيعة قال: اصبت سيف ابن عابد، وكان يسمى المرزبان فألقيته في النفل، فقام الارقم بن ابي الارقم المخزومي، فسأل رسول الله فأعطاه إياه. وقال آخرون: إن أصحاب النبي صلى الله عليه واله سألوه أن يقسم غنيمة بدر عليهم يوم بدر، واعلمهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونهم ليس لهم فيه شئ. وقالوا معنى " عن " ههنا معنى " من " وكان ابن مسعود يقرأه " يسألونكم الانفال " على هذا التأويل. وهذا مثل ما رويناه عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وروي ذلك عن الاعمش، والضحاك عن ابن مسعود، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جريح وعمرو ابن شعيب عن ابيه عن جده وعن الضحاك، وعكرمة، واختاره الطبري وهو قول الحسن. وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أيما سرية خرجت بغير إذن إمامها فما أصابت من شئ، فهو غلول. وقال الزجاج: كانت الغنائم قبل النبي صلى الله عليه واله حراما، فسألوا النبي عن ذلك، فنزلت الاية، وهذا بعيد.
واختلفوا هل هي منسوخة أم لا ؟ فقال قوم: هي منسوخة بقوله " واعلموا انما غنمتم من شئ.. " الاية وروي
[ 74 ]
ذلك عن مجاهد وعكرمة والسدي وعامر الشعبي واختاره الجبائي. وقال آخرون: ليست منسوخة، ذهب إليه ابن زيد واختاره الطبري، وهو الصحيح، لان النسخ محتاج إلى دليل، ولا تنافي بين هذه الاية وبين آية الخمس، فيقال انها نسختها. واختلفوا هل لاحد بعد النبي صلى الله عليه واله ان ينفل احدا - ذكرناه في الخلاف - فقال سعيد بن المسيب لا نفل بعد رسول الله. وبه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وعندنا وعند جماعة من الفقهاء واختاره الطبري: أن للائمة أن يتأسوا بالنبي صلى الله عليه واله في ذلك. وقوله " فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم " امر من الله للمكلفين أن يتقوا معاصيه ويفعلوا طاعاته ان يصلحوا ذات بينهم. واختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ان النبي صلى الله عليه واله كان ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفار إذا قتله، فلما نزلت الاية امرهم أن يرد بعضهم على بعض، ذهب إليه قتادة وابن جريج. وقال قوم: هذا نهي من الله للقوم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة يوم بدر. ذهب إليه مجاهد وابن عباس وسفيان والسدي. واختلفوا لم قال " ذات بينكم " فأنث، والبين مذكر ؟ فقال قوم: أراد " ذات بينكم " للحال التي للبين، كما يقولون ذات العشاء يريدون الساعة التي فيها العشاء، ولم يصفوا مذكرا لمؤنث ولا مؤنثا لمذكر. قال الزجاج: اراد الحال التي يصلح بها أمر المسلمين. وقال الاخفش: جعله " ذات " لان بعض الاشياء يوضع
عليه اسم المؤنث وبعضه يذكر مثل الدار والحائط انث الدار وذكر الحائط. وقوله " واطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " امر من الله للخلق ان يطيعوه ولا يعصوه، ويطيعوا رسوله فيما يأمرهم به إن كانوا مصدقين لرسوله فيما يأتيهم به من قبل الله، لانهم متى لم يطيعوه ولم يقبلوا منه لم يكونوا مؤمنين.
[ 75 ]
وروي: ان رسول الله صلى الله عليه واله قسم غنائم بدر بينهم عن تواء، يعني سواء، ولم يخمس وإنما خمس بعد ذلك. وقال الزجاج: " ذات بينكم " معناه حقيقة وصلكم، والبين الوصل، لقوله تعالى " لقد تقطع بينكم " اي وصلكم. قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم اياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) ثلاث آيات بلا خلاف. استدل - من قال: إن الايمان يزيد وينقص وان أفعال الجوارح قد تكون إيمانا - بهذه الايات، فقالوا: نفى الله ان يكون المؤمن إلا من إذا ذكر الله وجل قلبه وإذا تليت عليه آياته أي قرئت زادتهم الاية إيمانا، بمعنى أنهم يزدادون عند تلاوتها ايمانا، وانهم على الله يتوكلون في جميع أمورهم " الذين يقيمون الصلاة " بمعنى يأتون بها على ما بينها النبي صلى الله عليه واله وينفقون مما رزقهم الله في ابواب البر. وإخراج الواجبات من الزكاة وغيرها. ثم وصفهم بأن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الاوصاف هم المؤمنون حقا، يعني الذين اخلصوا الايمان، لاكمن كان له اسمه على
الظاهر، وإن لهم الدرجات عند الله وهي المنازل التي يتفاضل بها بعضهم على بعض وإن لهم المغفرة والرزق الكريم فدل على أن من ليس كذلك ليس له ذلك. ومن خالف في ذلك قال: هذه اوصاف افاضل المؤمنين، وخيارهم، وليس
[ 76 ]
يمتنع أن يتفاضل المؤمنون في الطاعات وان لم يتفاضلوا في الايمان، يبين ذلك انه قال في اول الاية " إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " ووجل القلب ليس بواجب بلا خلاف، وانما ذلك من المندوبات. وقوله " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون " لانه إذا صدق بآية آية انها من عند الله، فلا شك ان معارفه تزداد وإن لم يزد بفعل الجوارح. وقوله " الذين يقيمون الصلاة " يدخل في ذلك الفرائض والنوافل، ولا شك أن الاخلال بالنوافل لا يخرج من الايمان ولا ينقص منه عند الاكثر. والانفاق أيضا قد يكون بالواجب والنفل. والاخلال بما ليس بواجب منه لا يخرج من الايمان بلا خلاف. وقوله " أولئك هم المؤمنون حقا " يبين ذلك انه اشار به: إلى خيارهم وافاضلهم، لان هذه اوصافهم فمن اين ان غيرهم وإن كان دونهم في المنزلة لا يكون مؤمنا ؟ ! وقال ابن عباس: اراد ان المنافق لا يدخل قلبه شئ من ذلك عند ذكر الله. وأن هذه الاوصاف منتفية عنه. والوجل والخوف والفزع واحد، يقال وجل فلان يوجل وجلا، ويقال ياجل وييجل وأفصحها يوجل. قال الله تعالى " لا توجل " أي لا تخف وقال الشاعر: لعمرك ما ادري وإني لا وجل * على أينا تعدوا المنية أول (1) وإنما وصفهم بالوجل - ههنا - وباطمئنان القلوب في قوله: " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله " (2) لان الوجل يكون بالخوف من عقابه وبارتكاب معاصيه.
والاطمئنان بذكر الله معناه: ينعمه وعدله، ووصفهم بالوجل يكون في دار الدنيا، وأما في الاخرة فانه " لا يحزنهم الفزع الاكبر " (3)
(1) قطر الندى 23 الشاهد 6 باب المعرب والمبني. (2) سورة 13 الرعد آية 30 (3) سورة 21 الانبياء آية 103 (*)
[ 77 ]
وقال الربيع: معنى زادتهم إيمانا زادتهم حسنة، والدرجات عند الله، قال قوم: معناه أعمال رفيعة وقضائل استحقوها في أيام حياتهم - ذهب إليه مجاهد - وقال غيره: معناه لهم مراتب رفيعة. والرزق الكريم، قال قتادة: هو الجنة. وقال غيره: هو ما اعد الله ووعدهم به في الجنة من انواع النعيم والمغفرة يعني لذنوبهم ومعاصيهم سترها الله عليهم. وقوله " حقا " منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، وهي قوله " اولئك هم المؤمنون " والمعنى احق ذلك حقا. والتوكل هو الثقة بالله في كل امر يحتاج إليه تقول وكلت الامر إلى فلان، إذا جعلت إليه القيام به، ومنه الوكيل القائم بالامر لغيره. والكريم القادر على النعم من غير مانع، ولم يزل الله كريما بهذا المعنى. قوله تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) آيتان من مد الف (كما) فلان المد يقع في حروف اللين، وهي الالف والواو والياء، فإذا كان الحروف منها قبل همزة، وكانت الواو والياء ساكنتين والالف لا تكون الا ساكنة مدوا الالف كألف هذه الكلمة، وكقوله " من السماء من ماء " (1) بمد
الف السماء والف مساء، والياء نحو قوله " وما ينطق عن الهوي ان هو الاوحي يوحي " (2) بمد الياء من الهوي، والواو نحو قوله " " قالوا أانت فعلت هذا " (3) بمد الواو.
(1) سورة 2 البقرة آية 164 (2) سورة 53 النجم آية 3 - 4 (3) سورة 21 الانبياء آية 62 (*)
[ 78 ]
واختلفوا في الكاف من قوله " كما " إشارة إلى ماذا ؟ فقال الزجاج وغيره: قوله " كما أخرجك " معطوف على قوله " قل الانفال لله والرسول " والمعنى في ذلك أن رسول الله لما جعل النفل لمن جعله له وسلمه المؤمنون لذلك على كراهية بعضهم له كراهية طباع، فقال " الانفال لله والرسول " فامض لذلك، وإن كرهه قوم كما مضيت " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق " وهم كارهون أيضا لانهم كانوا كرهوا خروجه الكراهية التي ذكرناها، وليس على المؤمنين في هذه الكراهية حرج، إذا سلموا الامر لله ورسوله وعملوا بما فيه طاعاتهما. وقال غيره: ذلك معطوف على قوله " يسألونك عن الانفال " كأنه قال: يسألونك الانفال كما جادلوك عند ما اخرجك ربك من بيتك، فذلك قوله " يجادلونك في الحق بعد ما تبين ". وقال قوم: يجوز أن يكون الكاف عطفا على قوله " اولئك هم المؤمنون حقا.. كما اخرجك ربك من بيتك بالحق ". قال بعضهم " كما أخرجك ربك من بيتك.. فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم ". وقال مجاهد " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق.. يجادلونك في الحق من بعد ما تبين " يعني يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به. وقال الفراء: قوله " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق " جواب قوله " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " فقال: فامض لامرك في الغنائم على ما شئت " كما أخرجك ربك " مجاز اليمين كأنه، قال والذي اخرجك ربك، فتكون " ما "
في موضع الذي كقوله " وما خلق الذكر والانثى " (1) وتقديره والذي خلق الذكر، وقال أبو عبيدة معمر بن المبنى: " ما " في قوله " كما اخرجك " كما في قوله " وما بناها " (2) اي وبنائها. وقال عكرمة: المعنى " اتقوا الله واصلوا ذات بينكم " فان ذلك خير لكم " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " وكان خير لكم. وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) كأنه قال: إمض على الذي اخرجك
(1) سورة 92 الليل آية 3 (2) سورة 91 الشمس آية 5 (*)
[ 79 ]
من بيتك. والحق الذي جادلوا فيه هو القتال في قول مجاهد. و " بيتك " يراد به المدينة، اخرجه الله إلى بدر - في قوله ابن جريج، وابن ابي نجيح واكثر المفسرين - ووجه كراهية القتال - ما ذكره ابن عباس - من ان أبا سفيان لما اقبل بعير قريش من الشام فيها أموالهم، ندب النبي صلى الله عليه واله المسلمين إلى الخروج إليها، قال لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب إليهم، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، ولم يظنوا أن رسول الله ملقي كيدا ولا حزنا، وهو قول السدي والمفسرين. واختلفوا في المؤمنين الذين كرهوا القتال، وجادلوا النبي صلى الله عليه واله. فقال قوم: أراد به أهل الايمان يوم بدر - ذكر ذلك عن ابن عباس، وابن اسحاق - وقال قوم: عنى المشركين - ذهب إليه ابن زيد - وقال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعوهم إلى الاسلام، وهم ينظرون، قال وتكون هذه صفة مبتدأة لاهل الكفر. وقول ابن عباس هو الظاهر، وعليه اكثر المفسرين، وهو ان هذا صفة للمؤمنين لكن كرهوا ذلك كراهية الطبع، لكونهم غير مستعدين للقتال، ولقلتهم وكثرة المشركين، ويقوي ذلك قوله بعد هذه الاية " وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم " فبين بذلك انهم كانوا يودون العير دون الحرب.
وقوله " بعد ما تبين " انك يا محمد لا تصنع إلا ما امرك الله به. وقال ابن عباس معناه يجادلونك في القتال بعد ما امرت به. والجدل شدة الفتل ومنه قولهم: جدلت الزمام إذا شددت فتله، والاجدل الصقر لشدته. وقوله " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " معناه كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدو في كراهتهم للقتال إذا دعوا إليه وصعوبته عليه بمنزلة من يساق إلى الموت، وهم يرونه أو يتوقعونه. والسوق الحث على السير عجلة. والاخراج في الاية معناه الدعاء إلى الخروج الذي يقع به، تقول: اخرجه فخرج اي دعاه فخرج، ومثله اضربت زيدا عمرا،
[ 80 ]
فضربه وسمي البيت بيتا لانه جاء مهيئا للبيتوتة فيه. وقوله " من بيتك " قال الحسن وابن ابي برة وابن جريج معناه من المدينة. قوله تعالى: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) آيتان تقدير الاية واذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا. قال الحسن كان المسلمون يريدون العير، ورسول الله يريد ذات الشوكة لما وعده الله. وقوله " إحدى الطائفتين " يعني عير قريش أو قريشا، وكان الله وعد نبيه حصول احداهما. وقوله " إحد الطائفتين " في موضع نصب ب " يعدكم الله " وقوله " إنها لكم " نصب بدل من قوله " إحدى الطائفتين " ومثله " هل ينظرون إلا الساعة أن
تأتيهم بغتة " (1) فانها في موضع نصب بدلا من (الساعة). ومثله: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ان تطؤهم " (2) قال الزجاج: تقديره لو لا أن تطؤهم. وقوله " وتودون " معناه وتحبون " ان غير ذات الشوكة " يعني القتال. وانما قال " ذات الشوكة " فأنث لانه عنى الطائفة، والشوكة الجد، يقال: ما اشد شوكة بني فلان، وفلان شاك في السلاح وشائك وشاك - بتشديد الكاف - من الشكة.
(1) سورة 43 الزخرف آية 66 (2) سورة 48 الفتح آية 25 (*)
[ 81 ]
ومثله شاك في قوله الشاعر: فيو هموني انني هوذاكم * شاك سلاحي في الحوادث معلم وقال الضحاك، وغيره: كرهوا القتال واعجبهم أن يأخذوا العير. وقوله " ويريد الله ان يحق الحق " معناه إن الله يريد أن يظهر محمد صلى الله عليه واله ومن معه على الحق " ويبطل الباطل " اي يبطل ما جاء به المشركون. وقيل: هذه الاية نزلت قبل قوله " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق " وهي في القراءة بعدها - ذكره البلخي والحسن - وفي الاية دلالة على ان الله لا يريد الباطل ولا يريد ابطال الحق بخلاف ما يقول المجبرة من ان كل ما في الارض من باطل وسفه وفسق فان الله يريده لان ذلك خلاف الاية. وقوله " ويقطع دابر الكافرين " معناه يريد الله ان يجتث الجاحدين من اصلهم والدابر المأخر، وقطعه الاتيان على جميعهم - وهو قول ابن زيد وغيره - وقال قوم: الحق في هذا الموضع القرآن. والباطل ابليس. وقيل الحق الاسلام، والباطل الشرك.
وقال ابن عباس: كان عدة اهل بدر مع النبي صلى الله عليه واله ثلثمائة وثلاث عشر رجلا وروي ان النبي صلى الله عليه واله لما بلغه خروج قريش لحماية العير شاور اصحابه، فقال قوم: خرجنا غير مستعدين للقتال. وقال المقداد: امض لما امرك الله به، فو الله لو خضت بنا الجمر لتبعناك، فجزاه خيرا. وأعاد الاستشارة، فقال سعد بن معاذ (رحمه الله) يا رسول الله تريدنا ؟ قال: نعم فقال سعد: إنا آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لنخوضنه معك، فسر رسول الله صلى الله عليه واله بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال سيروا على بركة الله وابشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الان انظر إلى مصارع القوم.
[ 82 ]
و (الحق) وقوع الشئ في موضعه الذي هو له فإذا اعتقد شئ بضرورة أو حجة فهو حق، لانه وقع موقعه الذي هو له، وعكسه الباطل. وروي ان احدا لم يشاهد الملائكة يوم بدر إلا رسول الله صلى الله عليه واله. ومعنى قوله " ليحق الحق " ليظهر تحقيق الحق للمخلوقين، ويبطل الباطل، لا أنهما لم يكونا كذلك عنده. قوله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالف من الملئكة مردفين (2) آية بلا خلاف. قرأ أهل المدينة ويعقوب " مردفين " بفتح الدال. والباقون بكسرها. قال أبو علي: من قرأ بكسر الدال احتمل شيئين: أحدهما - ان يكونوا مردفين مثلهم. كما تقول: اردفت زيدا دابتي فيكون المفعول الثاني محذوفا في الاية وذلك كثير.
الثاني - ان يكون معنى " مردفين " جاءوا بعدهم. قال أبو الحسن: تقول العرب بنو فلان يردفوننا أي هم يجيئون بعدنا. وهو قول ابي عبيدة. وردفني وأردفني واحد. قال الشاعر: إذا الجوزاء اردفت الثريا * ظننت بآل فاطمة الظنونا (1) وقال قوم: ردفه صار له ردفا واردفه جعله له ردفا. ويكون أردفت الثريا الجوزاء. ومعنى البيت ان الجوزاء إذا طلعت في شدة الحر لم يبق حينئذ احد من
(1) قائله خزيمة بن مالك وهو من قدماء شعراء الجاهلية الاغاني 13 / 75 طبعة دار الثقافة. ومعجم ما استعجم 19، وسمط اللالى 100 واللسان (قرظ)، (ردف). (*)
[ 83 ]
البوادي في مناجعهم، لان مياه الغدر ان يبست فتفرق الحلل بعد اجتماعها فتفترق ظنونه في امر فاطمة انها اي ماء تأخذ لتعلق قلبه بها، وهي فاطمة بنت حل بن عدي. وقول ابي عبيدة: ردفني وأردفني واحد أقوى لقوله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممد كم بألف من الملائكة مردفين " اي جاء من بعد إستغاثتكم ربكم ف " مردفين " على هذه صفة للالف الذين هم الملائكة. ومن قرأ بفتح الدال فمعناه اردفوا الناس أي انزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في " ممدكم " مردفين بألف من الملائكة، والعامل في (إذ) يحتمل شيئين: احدهما - ويبطل الباطل (إذا) والثاني - بتقدير اذكروا (إذ) فعلى الوجه الاول يكون متصلا بما قبله وعلى الثاني يكون مستأنفا. والاستغاثة طلب المعونة وهو سد الخلة في وقت شدة الحاجة. وقيل: في معنى " تستغيثون ربكم " تستجيرون به من عدوكم والاستجابة موافقة المسألة بالعطية، وأصله طلب الموافقة بالارادة وليس في الاجابة معنى الطلب من هذه الجهة.
وقيل في معنى " مردفين " ثلاثة أقوال: قال ابن عباس: مع كل ملك ملك ردفا له، وقال الجبائي: هم ألفان لان مع كل واحد واحد ردفا له. والثاني - قال السدي وقتادة: إن معناه متتابعين: والثالث - قال مجاهد ممدين بالارداف وامداد المسلمين بهم. ويقال هذه دابة لا ترادف. ولا يقال تردف، ويقال: أردفت الرجل إذا جئت بعده. وكان يجوز أن يقرأ بتشديد الدال وفتح الراء وضمها - لان الاصل مرتدفين، وقرئ في الشواذ - بضمها - فمن فتح الراء نقل فتحة التاء إليها، ومن كسرها فلاجتماع الساكنين ومن ضمها فللاتباع. أخبر الله تعالى عن حال اهل بدر انهم لقلة عددهم استغاثوا بالله والتجأوا إليه فأمدهم الله بألف من الملائكة مردفين، رحمة لهم ورأفه بهم، وهو قول ابن عباس،
[ 84 ]
وقال: الداعي كان رسول الله صلى الله عليه واله وهو قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وابي صالح وهو المروي عن عمر بن الخطاب. وقيل: إنهم قتلوا يومئذ سبعين واسر واسبعين. وقال الحسن: جميع ما امدوا به من الملائكة خمسة آلاف: ما ذكر هنا، وما ذكر في آل عمران. وقال غيرهم: جميعهم ثمانية آلاف. وقال الحسن: اردف بهؤلاء الالف الثلاثة آلاف الذين ذكرهم في آل عمران ثم أردفهم بألف آخر فصاروا خمسة آلاف. قوله تعالى: وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) آية. الهاء في قوله " جعله الله " يحتمل أن تكون عائدة إلى الامداد، لانه معتمد الكلام. وقال الفراء: هي راجعة إلى الارداف.
ويحتمل أن تكون عائدة على الخبر بالمدد، لان تقديم ذلك إليهم بشارة في الحقيقة اخبر الله تعالى أنه لم يجعل هذه الذي أخبر به من إمداد الملائكة إلا بشرى. وإنما جعله بأن اراده به فقلبه إلى هذا المعنى. وقيل: جعله بشرى بأن امر الملائكة أن تبشر به، والجعل على ضروب: اولها - أن يكون بمعنى القلب، كقولك: جعلت الطين خزفا. وبمعنى الحكم كقولك: جعله الحاكم فاسقا. وبمعنى الظن كقولك جعلته كريما بحسن ظني به. وبمعنى الامر كقولك جعله الله مسلما بمعنى امره بالاسلام. وقوله " ولتطمئن به قلوبكم " فالاطمئنان الثقة ببلوغ المحبوب، وهو خلاف الانزعاج. والطمأنينة: السكون والدعة. وقوله " وما النصر إلا من عند الله " معناه لا يكون النصر وقهر الاعداء من الكفار إلا بفضل من عند الله ونصر من جهته. وليس ذلك بشدتكم وقوة بأسكم
[ 85 ]
وإنما أضافه إلى الله، لئلا يظن أنه من قبل الملائكة من غير امره. فأما الغلبة بكثرة العدد، فقد ينفق للكافر والمبصل، فعلى هذا المؤمن وان قتل، فهو منصور غير مخذول، والكافر وإن غلب وقتل فهو مخذول. وهل قاتلت الملائكة يوم بدر قيل فيه قولان: قال أبو علي الجبائي: ما قاتلت، وإنما أراد الله بالامداد البشارة بالنصر واطمئنان القلب ليزول عنهم الخوف الذي كان بهم، قال لان ملكا واحدا يقدر ان يدمر على جميع المشركين كما اهلك جبرائيل قريات لوط. وروي عن ابن مسعود: أنها قاتلت. وقيل: سأل أبو جهل من اين كان يأتينا الضرب ولا نرى الشخص، قالوا له: من قبل الملائكة، فقال هم غلبونا لا أنتم. وقوله " إن الله عزيز " يعني قادر لا يغالب " حكيم " في أفعاله ليثقوا بوعده.
قوله تعالى: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام (11) آية. قرأ ابن كثيروا أبو عمرو " يغشاكم " بفتح الياء وسكون الغين وبألف مخفف. وقرأه اهل المدينة - بضم الياء وسكون الغين وكسر الشين مخفا من غير الف. الباقون بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين وكسرها من غير الف. وكلهم نصب النعاس إلا ابن كثير وابو عمرو، فانهما رفعاه. وحجة من فتح الياء قوله " أمنة نعاسا يغشى " (1). فكما اسند الفعل إلى النعاس والامنة، كذلك ههنا. ومن قرأ بضم الياء وشدد الشين أو خففها، فالمعنى واحد.
(1) سورة 3 آل عمران اية 154 (*)
[ 86 ]
قال الله تعالى " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " (1) وقال " فغشاها ما غشى " (2) وقال " كأنما اغشيت وجوههم " (3) وحجتهما أنه أشبه بما بعده. لانه قال " وينزل عليكم من السماء ماء " فكما أن (ينزل) مسند إلى اسم الله كذلك " يغشي ". و " الغشيان " لباس الشئ ما يتصل به، ومنه غشي الرجل إمرأته، فكأن النعاس قد لا بسهم بمخالطته إياهم. و " النعاس " ابتداء حال النوم قبل الاستثقال فيه، وهو السنة، تقول: نعس ينعس نعاسا فهو ناعس. وحكى الفراء أنه سمع نعسان. و " الامنة " الدعة التي تنافي المخافة، تقول: أمن أمنا وأمانا وأمنة. وانتصب " أمنة " بأنه المفعول له، والعامل فيه " يغشى ". وقوله " وينزل عليكم من السماء ماء " يعني مطرا وغيثا. وقوله: " ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " قال ابن عباس: معناه
يذهب منكم وسوسة الشيطان، بأنه غلبكم على الماء المشركون حتى تصلوا وانتم مجنبين، لان المسلمين باتوا ليلة بدر على غير ماء، فأصبحوا مجنبين، فوسوس إليهم الشيطان، فيقول: تزعمون أنكم على دين الله وانتم على غير الماء تصلون مجنبين، وعدوكم على الماء، فأرسل الله عليهم السماء، فشربوا واغتسلوا وأذهب به وسوسة الشيطان، وكانوا في رمل تغوص فيه الاقدام، فشدده المطر حتى تثبت عليه الرجال فهو قوله " ويثبت به الاقدام ". والهاء في " به " راجعة إلى الماء. وقال ابن زيد: يذهب بوسوسته أنه ليس لكم بهؤلاء طاقة. وقال الجبائي: لان الاحتلام بوسوسة الشيطان. وقوله " وليربط على قلوبكم " معناه ليشد عليها بما يسكنها وقوله " ويثبت به الاقدام " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وأكثر المفسرين: لتلبيده الرمل
(1) سورة 36 يس آية 9 (2) سورة 53 النجم آية 54 (3) سورة 10 يونس آية 27 (*)
[ 87 ]
الذي لا يثبت عليه القدم. والثاني - الصبر الذي افرغه عليهم عند ذلك حتى ثبتوا لعدوهم - في قول ابي عبيدة والزجاج -. و " إذ " في موضع نصب على معنى وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت، ويجوز على تقدير إذكروا " إذ يغشاكم ". قوله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملئكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان (12) آية
معنى الاية اذكروا " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم " يعني بالمعونة والنصرة، كما يقال: فلان مع فلان بمعني ان معونته معه. وذكر الفراء قال: كان الملك يأتي الرجل من اصحاب النبي صلى الله عليه واله فيقول سمعت المشركين يقولون، والله لئن حملوا علينا لنكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم فيقوي انفسهم بذلك و " الايحاء " إلقاء المعنى إلى النفس من وجه يخفى، وقد يكون ذلك بنصب دليل يخفى إلا على من إلقي إليه من الملائكة. وقوله " فثبتوا الذين آمنوا " قيل في معناه قولان: احدهما - احضروا معهم الحرب. والثاني - قال الحسن: قاتلوا معهم يوم بدر. وقال قوم: معنى ذلك الاخبار بأنه لا بأس عليهم من عدوهم. وقوله " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " اخبار من الله تعالى انه يلقي في قلوب الكفار الرعب، وهو الخوف. تقول: رعبته ارعبه رعبا ورعبانا، فانا راعب، وذاك مرعوب. و " الرعب " إنزعاج النفس بتوقع المكروه. واصل الرعب التقطيع من قولهم رعبت السنام ترعيبا: إذا قطعته مستطيلا. والرعب يقطع حال
[ 88 ]
السرور بضده من انزعاج النفس بتوقع المكروه. وجارية رعبوبة إذا كانت شطنة مشبهة بقطعة من السنام. ورعب السيل فهو راعب: إذا امتلا منه الوادي، لانه انقطع إليه من كل جهة. والرعيب من الرجال النصير. قال الراجز: ولا أجيب الرعب ان دعيت (1) وقوله " فاضربوا فوق الاعناق " قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - اضربوا الاعناق - ذهب إليه عطية - وقال غيره اضربوا على الاعناق. وقال قوم اضربوا فوق جلدة الاعناق. وقوله " واضربوا منهم كل بنان " قال ابن جريج والضحاك والسدي:
أراد بنان الاطراف من اليدين والرجلين والواحد بنانة. ويقال: للاصبع بنانة. واصله اللزوم من قولهم: أبنت السحابة إبنانا إذا لزمت. وأبن بالمكان إذا لزمه فسمي البنان بنانا، لانه يلزم به ما يقبض عليه، قال الشاعر: ألا ليتني قطعت مني بنانة * ولا قيته في البيت يقظان حاذرا (2) وقال الفراء: أعلمهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والايدي والارجل. وقال الزجاج: اباح الله قتلهم بكل نوع يكون في الحرب. و " إذ " في موضع نصب على قوله " وليربط.. إذ يوحي " ويجوز على تقدير واذكروا. قوله تعالى: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب (13) آية. أخبر الله تعالى أنه فعل بهؤلاء الكفار، ما فعل وامر بقتلهم وضرب اعناقهم
(1) قائله رؤبة. اللسان (رعب) ويروى (إن رقبت) (2) قائله عباس بن مرداس اللسان والتاج (بنن) ومجاز القرآن 1 / 242 (*)
[ 89 ]
وقطع بنانهم جزاء بما شاقوا الله ورسوله. قال الزجاج: معناه جانبوا الله، اي صاروا في جانب غير جانب المؤمنين، ومثله حاربوا الله. و " الشقاق " اصله الانفصال من قولهم: انشق انشقاقا، وشقه شقا، واشتق القوم إذا مر بينهم، وشاقه شقاقا إذا صار في شق عدوه عليه، وتشقق تشققا، وشقق تشقيقا، ومنه اشتقاق الكلام لانه انفصال الكلمة عما يحتمله الاصل. ومعنى " شاقوا الله " شاقوا اولياء الله كما قال " ان الذين يؤذون الله ورسوله " (1). وقوله " ومن يشاقق الله " يجوز في العربية الاظهار والادغام، فاما أن يأتي على الاصل للحاجة إلى حركة الاول، وإما ان يحرك الثاني - لالتقاء الساكنين - بالكسر. ويجوز الفتح والاول اجود مع
الالف واللام لتأكد سببه. وقوله " فان الله شديد العقاب " شدة العقاب عظمه بجنس فوق جنس أدنى منه، لان العظم على ضربين: احدهما - بالتضاعف في المرتبة الواحدة. والثاني - بالترقي إلى مرتبة بجنس يخالف الجنس الذي في ادنى مرتبة. قوله تعالى: ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) آية. العامل في " ذلكم " يحتمل احد وجهين: أحدهما - الابتداء على تقدير الامر " ذلكم "، قال الزجاج: من قال: إنه يرفع " ذلكم " بما عاد عليه من الهاء أو بالابتداء وجعل " فذوقوه " الخبر، فقد أخطأ، لان ما بعد الفاء لا يكون خبر المبتدأ لا يجوز " زيد فمنطلق " ولا " زيد فاضربه " الا ان تضمر هذا كقول الشاعر: وقائله خولان فانكح فتاتهم * وأكرومة الحيين خلو كما هيا (2) أي هذه خولان. الثاني - أن يكون نصبا بذوقوا، كما تقول: زيدا فاضربه.
(1) سورة 33 الاحزاب آية 57 (2) اللسان (خلا) (*)
[ 90 ]
والكاف في قوله " ذلكم " لا موضع له من الاعراف لانه حرف خطاب، ولو كان اسما لجاز أن يؤكد بالنفس وذلك غير جائز اجماعا. والاشارة بذلك إلى ما تقدم من انواع العقوبات، وانما ضم إلى الكاف الميم، لانه خطاب للمشركين. وقوله " فذوقوه " فالذوق طلب ادراك الطعم بتناول اليسير بالفم كما ان الشم طلب ادراك الرائحة بالانف، وليس بالادراك، لانه يقال ذقتة فلم أجد له طعما، وشممته فلم اجد له رائحة، وانما قال " فذوقوه " والذوق اليسير من الطعام، لان المعنى كونوا للعذاب كالذائق للطعام، لان معظمه بعده. وقيل: لان الذائق أشد احساسا بالطعم من المستمر عليه، فكأن حالهم ابدا حال الذائق في شدة احساسه
نعوذ بالله منه. وقوله " وأن للكافرين " فموضع " أن " يحتمل النصب والرفع، فالرفع بالعطف على ذلكم كأنه قال " ذلكم، فذوقوه " وذلكم " ان للكافرين عذاب النار " مع ذا والنصب من وجهين: احدهما - وبان للكافرين، والاخر - واعلموا ان للكافرين، كما انشده الفراء: تسمع للاحشاء منه لغطا * ولليدين جسأة وبددا (1) اي وترى لليدين وانما قدم الخبر في قوله: " وأن للكافرين " على الاسم لدلالته على الكفر الذي هو السبب للعذاب. ومرتبة السبب قبل المسبب. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار (15) آية.
(1) معاني القرآن للفراء 1 / 405. (اللغط) الاصوات المبهمة، والجسأة - بضم الجيم - الخشونة والصلابة والغلظ. والبدد تباعد ما بين اليدين. (*)
[ 91 ]
هذا خطاب للذين آمنوا من بين المكلفين ناداهم الله ليقبلوا إلى امر الله بما يأمرهم به وانتهائهم عما ينهاهم عنه بالتأمل له والتدبر لموجبه ليعملوا به ويكونوا على يقين منه. وقوله " إذا لقيتم الذين كفروا " فالالتقاء الاجتماع على وجه المقاربة لان الاجتماع قد يكون على غير وجه المقاربة، فلا يكون لقاء كاجتماع الاعراض في المحل الواحد. و " الذين كفروا " هم الذين جحدوا نعم الله أو من كان بمنزلة الجاحد. فالمشرك كافر، لانه في حكم الجاحد لنعم الله إذا عبد غيره. وقوله " زحفا " نصب على المصدر، فالزحف هو الدنو قليلا قليلا والتزاحف التداني، زحف يزحف زحفا، وازحفت القوم إذا دنوت لقتالهم وثبت لهم، والمزحف
من الشعر الذى قد تدانت حروفه على ما ابطلت وزنه. وقوله: " فلا تولوهم الادبار " نهي لهم عن الفرار عند لقائهم الكفار وقتالهم اياهم. قوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير (16) آية اخبر الله تعالى ان " من يولهم " يعني الكفار " يومئذ " يوم القتال " دبره فقد باء بغضب من الله ". والتولية جعل الشئ يلي غيره وهو متعد إلى مفعولين. ولاه دبره إذا جعله يليه، ومنه ولاه البلد من ولاية الامارة، وتولى هو إذا قبل الولاية واولاه نعمة، لانه جعلها تليه. وقوله " يومئذ " يجوز اعرابه وبناؤه، فاعرابه لانه متمكن اضيف على تقدير الاضافة الحقيقية، كقولك هذا يوم ذلك، وأما البناء فلانه اضيف إلى مبني اضافة غير حقيقية، فأشبه الاسماء المركبة، وقوله " الا متحرفا لقتال " فالتحرف الزوال
[ 92 ]
من جهة الاستواء إلى جهة الحرف. تقول تحرف تحرفا، وانحرف انحرافا وحرفه تحريفا واحترف احترافا، لانه يقصد جهة الحرف لطلب الرزق، مثل ابعد في طلب الرزق، والمحارف المحدود من جهة الرزق إلى جهة الحرف. ومنه حروف الهجاء لانها اطراف الكلمة كحرف الجبل، ونحوه. وقوله " أو متحيزا إلى فئة " فالتحيز طلب حيز يتمكن فيه، تحيز تحيزا وانحاز انحيازا وحازه يحوزه حوزا، والحيز المكان الذي فيه الجوهر. والفئة القطعة من الناس، وهي جماعة منقطعة عن غيرها. وذكر الفئة في هذا الموضع حسن جدا، وهو من فأوت راسه بالسيف إذا قطعته.
وفي تناول الوعيد لكل فار من الزحف خلاف. فقال الحسن وقتادة والضحاك: انما كان ذلك يوم بدر خاصة. وقال ابن عباس: هو عام، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام. ثم اخبر تعالى ان من ولي دبره على غير وجه التحرف للقتال، أو التحيز إلى الفئة انه باء بغضب من الله. أي رجع بسخطه تعالى واستحقاق عقابه. وان مستقره " جهنم وبئس المصير " هي لمن صار إليها. وقوله " متحرفا لقتال " نصب على الحال، وتقديره الا ان يتحرف لان يقاتل، وكذلك " متحيزا " نصب على الحال وتقريره حال تحيزه إلى فئة، ويجوز النصب فيهما على الاستثناء، تقديره الا رجلا متحيزا أو يكون متفردا، فينحاز ليكون مع المقاتلة. واصل متحيز متحيوز فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء. قوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) آية بلا خلاف.
[ 93 ]
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف " ولكن الله قتلهم. ولكن الله رمى " بالتخفيف فيهما ورفع اسم الله فيهما. والباقون بتشديد النون ونصب " الله ". نفى الله ان يكون المؤمنون قتلوا المشركين يوم بدر فقال " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " وإنما نفى القتل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي إليه من إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم فيه، والقاء الرعب في قلوب اعدائهم المشركين حتى خذلوا وقتلوا على شركهم عقابا لهم. وقوله " وما رميت إذا رميت
ولكن الله رمى " مثل الاول في انه نفى الرمى عن النبي صلى الله عليه واله وإن كان هو الرامي وأضافه إلى نفسه من حيث كان بلطفه، واقداره. وهذه الرمية ذكر جماعة من المفسرين، كابن عباس وغيره: أن النبي صلى الله عليه واله أخذ كفا من الحصباء فرماها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فقسمها الله تعالى على ابصارهم، وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون، وقتلوهم كل مقتل. وقال بعضهم: ارد بذلك رمي النبي صلى الله عليه واله أبي امية بن الخلف الجمحي يوم احد فأصابه فقتله. وقال آخرون: اراد بذلك رمية سهمه يوم خيبر، فأصاب ابن ابي الحقيق في فراشة رأسه، فقتله. والاول أشهر الاقوال. فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة، بأن قال: لما قال " ولكن الله رمى " - وكان النبي هو الرامي - دل ذلك على انه هو الله تعالى، فهو جهل وقلة معرفة بوجوه الكلام لانه لو كان على ما قالوه لكان الكلام متناقضا، لانه خطاب للنبي صلى الله عليه واله بأنه لم يرم، فان كان هو الله تعالى فالى من توجه الخطاب ؟ وإن توجه إليه الخطاب دل على ان الله غيره. وأيضا فإذا كان هو الله فقد نفى عنه الرمي فإذا أضافه بعد ذلك إلى الله كان متناقضا على انه قد دلت الادلة العقلية على ان الله ليس بجسم، ولا حال في جسم، فبطل قول من قال إن الله كان حل في محمد صلى الله عليه واله وليس هذا موضع نقضه. وقد ذكرنا الكلام في ذلك واستوفيناه في الاصول.
[ 94 ]
وأما من قال: إن الفعل واجد، وهو من الله تعالى بالايجاد، ومن العبد بالاكتساب فباطل، لانه خلاف المفهوم من الكلام، ولو كان كذلك لم يجز أن ينفى عنه إلا بتقييد كما لا ينفى عن الله الا بتقييد. وقوله " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " معناه لينعم عليهم نعمة حسنة. والمعنى ولينصرهم الله نصرا جميلا ويختبرهم بالتي هي احسن، ومعنى يبليهم - ههنا -
يسدي إليهم. وقيل للنعمة بلاء وللمضرة أيضا مثل ذلك، لان أصله ما يظهر به الامر من الشكر أو الصبر، ومنه يبتلي بمعنى يختبر ويمتحن وسميت النعمة بذلك لاظهار الشكر، والضر لاظهار الصبر الذي يجب به الاجر. وقوله " إن الله سميع عليم " معناه انه يسمع دعاء من يدعوه ويعلم ماله فيه من المصلحة فيجيبه إليه. قوله تعالى: ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) آية. قرأ ابن عامر وحمزة الكسائي وأبو بكر عن عاصم: " موهن " خفيفة منونة. وقرا أبو عمرو وابن كثير ونافع شديدة. وقرأ حفص عن عاصم خفيفة مضافة وخفض " كيد ". وقرأ الباقون بنصب كيد. تقول: وهن الشئ واوهنته انا كما تقول: فرح وافرحته، وخرج واخرجته فمن قرأ " موهن " مخففا فمن اوهن اي جعله واهنا، ومن شدد فمن قولهم: وهنته كما تقول خرج وخرجته وعرف وعرفته. ومنه قوله " فما وهنوا لما اصابهم " (1) وتقول: وهن يهن مثل ومق يمق وولي يلي، وهو أيضا ينقل بالهمزة وتثقيل العين ايضا والامران جميعا حسنان، واختار الاخفش القراءة بالتخفيف. والوهن الضعف ومنه قولهم: توهن توهنا اي ضعف، ومن قال قوله " ذلكم " في موضع رفع قال
(1) سورة 3 آل عمران آية 146 (*)
[ 95 ]
الزجاج: تقديره الامر " ذلكم وأن الله " والامر ان الله. وقوله " ذلكم " اشارة إلى قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم وامكانهم من قتلهم واسرهم فعلنا الذي فعلناه. ومعنى " وأن الله موهن كيد الكافرين " يضعف مكرهم حتى يذلوا ويهلكوا. وفي فتح
" أن " من الوجوه ما في قوله " ذلكم " فذوقوه، وأن للكافرين عذاب النار " - وقد بيناه - والكيد يقع بأشياء منها الاطلاع على عوراتهم، ومنها إبطال حيلتهم، ومنها إلقاء الرعب في قلوبهم، ومنها تفريق كلمتهم، ومنها نقض ما ابرموا باختلاف عزومهم قوله تعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) آية قرأ نافع وابن عامر وحفص " وان الله " بفتح الالف. الباقون بالكسر، من فتح الهمزة فوجهه " ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت " ولان الله مع المؤمنين اي لذلك لا تغني عنكم فئتكم شيئا. ومن كسر قطعه عما قبله واستأنفه، وقوي ذلك لما روي ان في قراءة ابن مسعود " والله مع المؤمنين ". والكسر اختيار الفراء، ومن نصب فعلى ان موضعه نصب بحذف حرف الجر، ويجوز ان يكون عطفا على قوله " وأن الله موهن ". والاستفتاح طلب النصرة التي بها يفتح بلاد العدو كأنه قال ان تستنصروا على اعدائكم فقد جاءكم النصر بالنبي صلى الله عليه واله. وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد استحكموا لان الاستفتاح الاستقضاء. ويقال للقاضي: الفتاح، والمعنى فقد جاءكم الحكم من عند الله، وهو قول الضحاك وعكرمة ومجاهد والزهري، والاول قول
[ 96 ]
ابن عباس وغيره، والمعنيان متقاربان. وقيل في معنى الاية قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد والزهري والضحاك والسدي والفراء: انه خطاب للمشركين لانهم استنصروا بان قالوا: اللهم اقطعنا للرحم، واظلمنا لصاحبه فانصرنا عليه روي ان ابا جهل قال ذلك.
الثاني - قال أبو علي: هو خطاب للمؤمنين والمعنى وان تعودوا إلى مثل ما كان منكم يوم بدر في الاشر والبطر بالنعمة بعد الانكار عليكم. وقال الحسن وان تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه واله نعد عليكم بالقتل والاسر يا معشر قريش وجماعة الكفار وان تنتهوا عن الكفر بالله العظيم ورسوله وعن قتال نبيه فهو خير لكم وانفع لكم واقرب إلى مرضاة الله. والانتهاء ترك الفعل لاجل النهي عنه، تقول نهيته عن كذا فانتهى، وامرتة فاتمر، على فعل المطاوع وقد يطاوع بأن يقال: كسرته فانكسر، وقد يكون الانتهاء بمعنى بلوغ الغاية. وقوله تعالى " ولن تغني عنكم فئتكم شيئا " معناه انه لن يغني عنكم جمعكم في الدفاع عنكم والنصرة - وان كانوا كثيرين - وإن الله مع المؤمنين بالنصرة لهم والمعونة قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) آية. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين، وإنما خصهم بالخطاب، لان غيرهم بمنزلة من لا يعتد به في العمل بما يجب عليه مع ما في إفراده إياهم بالخطاب من إعظام لهم واجلال ورفع من اقدارهم، وإن دخل في معناه غيرهم. والايمان: هو التصديق بما اوجب الله على المكلف أو ندبه إليه.
[ 97 ]
وقال الرماني: هو التصديق بما يؤمن من العقاب مع العمل به. امر الله تعالى المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله، والطاعة هي امتثال امره وموافقة إرادته الجاذبة إلى الفعل بطريق الرغبة أو الرهبة، والاجابة موافقة الارادة
فيما يعمل من اجلها. وقوله " ولا تولوا عنه وانتم تسمعون " معناه ولا تعرضوا عن امره ونهيه وانتم تسمعون دعاءه لكم، فنهاهم عن التولي في هذه الحال. وقال الحسن: معناه وانتم تسمعون الحجة. قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) آية. " ولا تكونوا " في موضع جزم وحذف النون دلالة على الجزم. نهى الله تعالى المؤمنين الذين خصهم بالذكر في الاية الاولى عن ان يكونوا كالذين قالوا سمعناوهم لا يسمعون، وفي الكلام حذف المنهي عنه، لانه قد دل عليه من غير جهة الذكر له، وفي ذلك غاية البلاغة، والتقدير ولا يكونوا في قولهم المنكر هذا " كالذين " والتشبيه على ثلاثة اوجه: أعلى وأدنى واوسط، فالاعلى هو الذي حذف معه أداة التشبيه، كقولهم للانسان: هذا الاسد، والاوسط تثبت معه مجردة كقوله " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة " (1) والادنى تأتي معه مقيدة كقولهم الجسم كالعرض في الحدوث. ومعنى قوله " قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " معناه سمعنا سماع عالم قابل، وليسوا كذلك، وهو من صفة المنافقين في قول ابن اسحاق وابي علي. وقال الحسن: يعني به أهل الكتاب. وقيل: هو من صفة المشركين، فجعلوا بمنزلة من لا يسمع في أنهم لم ينتفعوا بالمسموع. وقال أبو علي: هي نفي القبول من قولك
(1) سورة 24 النور آية 39 (*)
[ 98 ]
سمع الله لمن حمده. وقال الزجاج: يعني الذين قالوا " لو نشاء لقلنا مثل هذا " فسماهم الله لا يسمعون لانهم استمعوا استماع عداوة وبغضاء فلم يتفهموا ولم يتفكروا فكانوا بمنزلة من لم يسمع. وقال ابن اسحاق: أراد به الذين يظهرون الايمان
ويسرون النفاق. قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى " إن شر الدواب عند الله الصم " والشر إظهار السوء الذي يبلغ من صاحبه وهو نقيض الخير. وقيل الشر الضر القبيح، والخير النفع الحسن. وقيل الشر الضر الشديد. والخير النفع الكثير، واصل الشر الاظهار من قول الشاعر: كما اشرت بالاكف المصاحف (1) اي أظهرت، وشر الرجل يشر شرا وشروت الثوب إذا بسطته في الشمس وشرر النار ما تطاير منه لظهوره بانتشاره وتفرقه، ومنه الشر وهو ما يظهر من الضرر كشرر النار. والدواب جمع دابة وهي مادب على وجه الارض إلا انه تخصص في العرف بالخيل دب يدب دبيبا. فبين ان هؤلاء الكفار شر مادب على الارض من الحيوان. ثم شبههم بالصم
(1) نسب إلى كعب بن جعيل. وقيل هولا بن الحمام المري. وقيل لابن جهمة الاسدي راجع: وقعة صفين: 336، 411، واللسان " شرر " وروايته: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أشرت بالاكف المصاحف واشرت - بتشديد الراء المفتوحة، مبني للمفعول - اي أظهرت بكثرة. (*)
[ 99 ]
البكم الذين لا يعقلون من حيث لم ينتفعوا بما كانوا يسمعون من وعظ الله ولا يتكلمون بكلمة الحق، والصم آفة في الاذن تمنع السمع، ثم يصم صمما وهو اصم. وصمم على الامر إذا حقق العزم عليه وتصام عن القول إذا تغافل عنه. وعود اصم خلاف
المجوف وأصله المطابقة من غير خلل. والبكم الخرس: الذي يولد به صاحبه لانه قد يكون لافة عارضة، وقد يكون لافة لازمة. وقال أبو جعفر عليه السلام نزلت الاية في بني عبد الدار لم يكن اسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له سويبط. وقيل: نزلت الاية في النضر ابن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي. قوله تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا لا سمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) آية. معنى الاية ان الله تعالى اخبر انه لو علم فيهم. يعني هؤلاء الكافرين انهم يصلحون بما يورده عليهم من حججه وآياته لا سمعهم إياها ولم يخلف عنهم شيئا منها وإن كان قد أزاح علتهم في التكليف بما نصب لهم من الادلة الموصلة إلى الحق، ولكنهم لا يصلحون بل يتولون وهم معرضون. وقال ابن جريج وابن زيد: لا سمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهم. وقال أبو علي: لا سمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم من قصي بن كلاب وغيره وقال الزجاج: لا سمعهم جواب كل ما يسألون عنه. والاعراض خلاف الاقبال وهو الانصراف بالوجه عن جهة الشئ والاقبال الانصراف بالوجه إلى جهته والاستماع إيجاد السماع بايجاده والتعريض له. فان الله تعالى يسمعهم بأن يوجد السماع لهم. والانسان يسمعهم بأن يعرضهم للسماع
[ 100 ]
الذي يوجدلهم، هذا على مذهب من قال: إن الادراك معنى، ومن قال: انه ليس بمعنى، فمعنى الاسماع هو ان يوجد من كلامه الدال على ما يجب أن يسمعوه لكونهم أحياء لا آفة بهم في حواسهم.
وقال الزجاج المعنى " ولو علم الله فيهم خيرا لا سمعهم " كلما يسألون عنه ولو اسمعهم كلما يخطر ببالهم لتولوا وهم معرضون. وقال الحسن: هو إخبار عن علمه كما قال " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (1). وفي الاية دلالة على بطلان قول من يقول: يجوز ان يكون في مقدوره لطف لو فعله بالكافر لامن. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) آية. أمر الله المؤمنين ان يجيبوا الله والرسول إذا دعاهم وان يطلبوا موافقته والاستجابة طلب موافقة الداعي فيما دعا إليه على القطع به. وقال أبو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا اجيبوا. وقال كعب بن سعد الغنوي. وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (2) اي لم يجبة. والفرق بين الدعاء إلى الفعل وبين الامر به أن الامر فيه ترغيب في الفعل المأمور به، ويقتضي الرتبة. وهي ان يكون متوجها إلى من دونه، وليس
(1) سورة 6 الانعام آية 28 (2) مر هذا البيت في 1 / 86 و 2 / 131 و 3 / 88. (*)
[ 101 ]
كذلك الدعاء لانه يصح من دونك لك. وقوله " إذا دعاكم لما يحييكم " قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - دعاكم إلى احياء امركم بجهاد عدوكم مع نصر الله إياكم، وهو قول ابن اسحاق والفراء والجبائي. وقال البلخي: معناه لما يبقيكم ويصلحكم ويهديكم
ويحيي امركم. الثاني - معناه لما يورثكم الحياة الدائمة في نعيم الاخرة من اتباع الحق: القرآن الثالث - معناه لما يحييكم بالعلم الذي تهتدون به من اتباع الحق، والاقتداء بما فيه. وقوله " واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ان يفرق بين المرء وقلبه بالموت أو الجنون وزوال العقل. فلا يمكنه استدراك ما فات. والمعنى بادروا بالتوبة من المعاصي قبل هذه الحال. الثاني - ان معناه بادروا بالتوبة لانه اقرب إلى المرء من حبل الوريد لا يخفى عليه خافية من سره وعلانيته وفي ذلك غاية التحذير. والثالث - تبديل قلبه من حال إلى حال لانه مقلب القلوب من حال الامن إلى حال الخوف ومن حال الخوف إلى حال الامن على ما يشاء. وروي عن ابي عبد الله عليه السلام في معنى قوله " يحول بين المرء وقلبه " قال لا يستيقن القلب أن الحق باطل أبدا ولا يستيقن أن الباطل حق ابدا. فأما من قال من المجبرة: إن المراد إن الله يحول بين المرء والايمان بعد امره إياه به فباطل، لانه تعالى لا يجوز عليه أن يأمر أحدا بما يمنعه منه ويحول بينه وبينه، لان ذلك غاية السفه، تعالى الله عن ذلك. وايضا فلا احد من الامة يقول: إن الايمان مستحيل من الكافر، فانهم وان قالوا إنه لا يقدر على الايمان يقولون يجوز منه الايمان ويتوقع منه ذلك، ومن ارتكب ذلك فقد خرج من الاجماع.
[ 102 ]
ويحتمل ان يكون المراد ان امر الله بالموت يحول بين المرء وقلبه، كما قال " هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله " (1) أي أمر الله.
وقال قوم: يجوز ان يكون معناه يحول بينه وبين قلبه بان يسلبه قلبه فيبقى حيا بلا قلب وهذا قريب من معنى زوال العقل، قالوا: يجوز أن يكون المراد: انه عالم بما ينظرون إليه، وما يضمره العبد في نفسه من معصيته فهو في المعنى كأنه حائل بينه وبينه، لان العبد لا يقدر على اضمار شئ في قلبه إلا والله عالم به، وهذا وجه حسن وروي في التفسير أن الله يحول بين المؤمن وبين الكفر. والمعنى في ذلك ان الله يحول بينه وبين الكفر بالوعد والوعيد، والامر والنهي، والترغيب في الثواب والعقاب. فأما ما روي عن سعيد بن جبير وغيره من ان الله يحول بين الكافر والايمان فقد بينا ان ذلك لا يجوز على الله. والعقل مانع منه. ولو صح ذلك لكان الوجه فيه ان الله يحول بين الكافر وبين الايمان في المستقبل بان يميته، لانه لا يجب تبقيته حتى يؤمن، بل لو ابقاه لكان حسنا، وان لم يبقه كان ايضا حسنا. وقوله تعالى " وانه إليه تحشرون " معناه انكم تحشرون يوم القيامة للجزاء على اعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلذلك يجب المبادرة بالطاعة والاقلاع عن المعصية بالتوبة وترك الاصرار على القبائح. قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25) آية امر الله تعالى المكلفين من خلقه أن يتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منهم خاصة والفتنة البلية التي يظهر بها باطن امر الانسان فيها. والفتنة الهرج الذي يركب فيه
(1) سورة 2 البقرة آية 210 (*)
[ 103 ]
الناس بالظلم قال ابن عباس امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقال عبد الله: هو من قوله تعالى " إنما اموالكم وأولادكم
فتنة " (1) وقال الحسن: الفتنة البلية. وقال ابن زيد: هي الضلالة. وقال الجبائي: هي العذاب. " لا تصيبن " فالاصابة الايقاع بالشئ بحسب الارادة، وضده الخطأ. يقال: أصاب الغرض أو أخطأه. وقوله " لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " معناه انها تعم لان الهرج إذا وقع دخل ضرره على كل أحد. ويجوز أن يقال يخص الظالم، ولا يعتد بما وقع بغيره للعوض الذي يصل إليه. ويحتمل أن يكون اراد إن هذه العقوبة على فتنتكم لا تختص بالظالمين منكم بل كل ظالم منكم كان أو من غيركم فستصيبه عقوبة ظلمه وفسقه وفتنته واراد بذلك تحذير الناس كلهم، وأنهم سواء في المعصية، وما توجبه من العقوبة ليكون الزجر عاما. وفي دخول النون الثقيلة في " تصيبين " قولان: احدهما - قال الفراء: لانه نهي بعد أمر وفيه معنى الجزاء كقوله " يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده " (2) ومثله لا ارينكم ههنا. والثاني - أن يكون خرج مخرج جواب القسم. وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نهيا بعد أمر وتقديره اتقوا فتنة، ثم نهى، فقال " لا تصيبن الذين ظلموا " أي لا يتعرض الذين ظلموا لما ينزل معه العذاب. ومثله قال في قوله " لا يحطمنكم " فيكون لفظ النهي لسليمان، ومعناه النمل، كما يقول القائل لا أرينك ههنا، فلفظ النهي لنفسك، والمراد لا تكون ههنا، فاني اراك. و " الخاصة " للشئ ما كان له دون غيره ونقيضة العامة.
(1) سورة 8 الانفال آية 28 وسورة 64 التغابن آية 15 (2) سورة 27 النمل آية 18 (*)
[ 104 ]
وقوله " واعلموا أن الله شديد العقاب " معناه لمن لم يتق معاصيه ولم
يتبع أو امره، وقال الحسن والسدي ومجاهد وابن عباس: نزلت هذه الاية في أهل الجمل. وقال قتادة قال الزبير: لقد نزلت وما نرى ان أحدا منا يقع فيها ثم اختلفنا حتى اصابتنا خاصة. وروي ذلك عن الزبير من جهات. قوله تعالى: واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآويكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) آية. الذكر ضد السهو، وهو إحضار المعنى للنفس. وإنما أمروا بالتعرض له، لان إحضار المعنى بقلوبهم ليس من فعلهم. وقوله " إذ انتم قليل " فالقلة النقصان عن المقدار في العدد وكان اصحاب النبي صلى الله عليه واله قليلين في الاصل فلطف الله لهم حتى كثروا وعزوا، وقل اعداؤهم وذلوا وكانوا مستضعفين، فقووا. والاستضعاف طلب ضعف الح شئ بتهوين حاله. والضعف خلاف القوة. والاستضعاف استجلاب ضعفه بتحقير حاله، فامتن الله عليهم بذلك وبين انهم كانوا قليين فكثرهم وكانوا مستضعفين، فقواهم بلطفه. وقوله " تخافون أن يتخطفكم الناس " فالتخطف الاخذ بسرعة انتزاع، تخطف تخطفا وخطف خطفا واختطف اختطافا، فبين انهم كانوا خائفين من ان ينال منهم العدو. وقوله " فآواكم " اي جعل لكم مأوى حريزا ترجعون إليه وتسكنون فيه
[ 105 ]
وقال السدي " آواكم " إلى المدينة. وقوله " وأيدكم بنصره " يعني بالانصار في
قول السدي وقيل في المعني بقوله " الناس " قولان: احدهما - مشركوا قريش في قول عكرمة وقتادة. وقال وهب بن منية يعني فارس والروم، وقوله " ورزقكم من الطيبات " أي أطعمكم غنيمتكم حلالا طيبا " لعلكم تشكرون " أي لكي تشكروه على هذه النعم المترادفة والا لاء المتضاعفة. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانا تكم وأنتم تعلمون (27) آية. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم ان يخونوا الله والرسول. والخيانة منع الحق الذي قد ضمن التأدية فيه. وهي ضد الامانة. وأصل الخيانة ان تنقص من ائتمنك أمانته، قال زهير: بارزة الفقاوة لم تخنها * قطاف في الركاب ولاخلاء (1) أي لم تنقص من فراهتها. والمعنى لا تخونوا مال الله الذي جعله لعباده فلا يخن بعضكم بعضا فيما ائتمنه عليه في قول ابن عباس. وقال الحسن، والسدي: لا تخونوه كما صنع المنافقون. وقال الجبائي: نهاهم ان يخونوا الغنائم. وقال ابن زيد: الامانة ههنا الدين، نزلت في بعض المنافقين. والامانة مأخوذة من الامن من منع الحق وهى حال يؤمن معها منع الحق الذي تجب فيه التأدية وقوله " وأنتم تعلمون " قيل في معناه قولان: أحدهما - وأنتم تعلمون انها امانة من غير شبهة.
(1) مقاييس اللغة 1 / 79 (*)
[ 106 ]
والثاني - وانتم تعلمون ما في الخيانة من الذم والعقاب بخلاف الجهال
بتلك المنزلة. وقوله: " وتخونوا " موضعه الجزم بتقدير، ولا تخونوا في قول ابن عباس وقال السدي: هو نصب على الظرف (1) أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم. قال الفراء، ومثله قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأت مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم (2) وحكى الفراء في بعض القراآت: " ولا تخونوا أمانتكم " وقال جابر بن عبد الله: نزلت الاية في بعض المنافقين حين انذر أبا سفيان بخروج النبي لاخذ العير. وقال الزهري: نزلت في ابي لبابة في قصة بني قريظة وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام). قوله تعالى: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) آية. أمر الله تعالى المكلفين ان يعلموا ويتحققوا ان اموالهم واولادهم فتنة. وإنما يمكنهم معرفة ذلك بالنظر والفكر في الادلة المؤدية إليه، وهو ما يدعوا إليه الهوى في الاموال والاولاد، وما يصرف عنه فمن تفقد ذلك وتحرز منه نجاه من مضرته والمراد بالفتنة ههنا المحنة التي يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه فيخلص حاله للجزاء بالثواب أو العقاب بحسب الاستحقاق.
(1) المقصود من الظرف كونه بعد الواو التي بمعنى (مع) (2) قطر الندى 77 الشاهد 23 وقد مر في أماكن كثيرة من هذا الكتاب (*)
[ 107 ]
والولد حيوان يتكون من حيوان بخلق الله له، فعلى هذا لم يكن آدم ولدا وكان عيسى ولد مريم. والمال هو النصاب الذي تتعلق به الزكاة من ذهب أو
فضة أو ابل أو بقر أو غنم عند بعض المفسرين. وأصله الكسر من العين والورق. و (العظيم) استحقاق الصفة بالغنى. فالكثير عظيم للاستغناء به عن القليل من جنسه، والقليل لا يستغنى (به) عنه. بين الله تعالى ان الاموال والاولاد في هذه الدنيا محنة وبلاء وان الله تعالى عنده الثواب العظيم على الطاعات وترك المعاصي. وروي عن ابن مسعود انه قال: ليس احد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة لقوله " واعلموا أنما اموالكم واولادكم فتنة " فاسألوا الله تعالى ان يعيذكم منها. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) آية. هذا خطاب للمؤمنين خاطبهم الله بأنهم ان يتقوا معاصيه ويمتثلوا طاعاته ويتقوا عقابه باجتناب معاصيه يجعل لهم اجرا على ذلك " فرقانا ". وقيل في معنى الفرقان اقوال: - احدها - قال ابن زيد وابن اسحاق يجعل هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل. وقال مجاهد: معناه يجعل لكم محرجا في الدنيا والاخرة. وقال السدي: معناه يجعل لكم نجاة. وقال الفراء: يجعل لكم فتحاو نصرا
[ 108 ]
وعزا كقوله: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (1) وقال الجبائي: يجعل لكم نصر وعزا وثوابا لكم، وعلى اعدائكم خذلانا وذلا وعقابا كل ذلك يفرق بينكم وبينهم في الدنيا والاخرة. وانما جاز الشرط في اخبار الله مع اقتضائه شك المخبر منا من حيث ان الله
تعالى يعامل عباده في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل ولذلك جازت صفة الابتلاء والاختبار لما في ذلك من البيان ان الجزاء على ما يظهر من الفعل دون ما في المعلوم مما لم يقع منه. ثم بين انه يضيف إلى ذلك تكفير سيئاتهم وغفران ذنوبهم وسترها عليهم تفضلا منه تعالى. وقوله " والله ذو الفضل العظيم " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: معناه ان من ابتدأكم بالفضل العظيم لانه كريم لنفسه لا يمنعكم ما استحقيتموه بطاعاتكم له. الثاني - انه الذي يملك الفضل العظيم فينبغي ان يطلب من جهته. قوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) آية. خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله فقال: واذكر " إذ يمكر بك الذين كفروا " والمكر الفتل إلى جهة الشر في خفى وأصله الالتفاف من قول ذي الرمة. عجزاء ممكورة خمصانة قلق * عنها الوشاح وتم الجسم والقصب (2) اي ملتفة. والمكر والختل والغدر نظائر. والفرق بين المكر والغدر ان الغدر نقض العهد الذي يلزم الوفاء به، والمكر قد يكون ابتداء من غير عقد.
(1) سورة 8 الانفال آية 41 (2) مقايس اللغة 4 / 133 (*)
[ 109 ]
ووصف الله تعالى بأنه ما كر يحتمل وجهين: احدهما - انه سمى الجزاء على المكر مكرا للازدواج، كقوله " الله يستهزئ بهم " (1) اي يجازيهم على الاستهزاء فيكون التقدير والله خير المجازين
على المكر، ذكره الزجاج، والثاني - ان يكون على غير تضمن الحيلة لكن على اصل اللغة. قال أبو علي: ومكره بهم حق وصواب " وهو خير الماكرين " مكرا. وقوله " ليثبتوك " قيل في معناه قولان: احدهما - ليثبتوك في الوثاق، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: والثاني - قال عطا وعبد الله بن كثير، والسدي " ليثبتوك " في حبس وقال أبو علي الجبائي: معناه ليخرجوك، يقال: اثبته في الحرب إذا جرحه جراحة ثقيلة. وقوله " أو يخرجوك " قال الفراء: أو يخرجوك علي بعير تطرد به حتى تهلك أو يكفيكموه بعض العرب. وهو قول ابي البختري وهشام. وكان سبب ذلك أنهم تآمروا في دار الندوة، فقال عمرو بن هشام: قيدوه تتربصون به ريب المنون. وقال البختري: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم. وقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه بان يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد، فترضى حينئذ بنو هاشم بالدية فصوب إبليس هذا الرأي وخطأ الاولين وزيفهما، فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه واله بذلك فأمره بالخروج، فخرج إلى الغار، في قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة، وهو قوله " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " ولا خلاف بين المفسرين أنه بات علي تلك الليلة، وهي الليلة التي أمر النبي صلى الله عليه واله بالخروج على فراشه إلى أن اصبح، وكانوا يحرسونه إلى الصباح، ولما طلع الفجر ثاروا إليه
(1) سورة 2 البقرة آية 15 (*)
[ 110 ]
فإذا علي، قالوا له أين صاحبك ؟ قال: لا أدري، فتركوه وخرجوا في أثره.
قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الاولين (31) آية. اخبر الله تعالى عن عناد هؤلاء الكفار ومباهتتهم للحق بأنهم بلغوا في ذلك إلى رفع الحق بما ليس فيه شبهة. وهو أنه " إذا تتلى عليهم آياته " يعني القرآن قالوا " لو نشاء لقلنا مثل هذا " وقد أبان التحدي كذبهم في ذلك وتخرصهم فيه بما ظهر من عجزهم عن سورة مثله، وانما قالوا " لو نشاء لقلنا مثل هذا " ولم يجز أن يقولوا لو نشاء لقلبنا الجماد حيوانا، لانه يتموه هذا على كثير من الناس ولا يتموه ذلك، على أن قوم فرعون ظنوا أن السحرة يمكنهم قلب الجماد حيوانا. وقوله " قد سمعنا " معناه أدركناه بآذاننا. والسماع إدراك الصوت بحاسة الاذن، ولو لم نذكر الصوت لا نتقض بالحرارة والبرودة والالام واللذة إذا ادرك بها، ولا يسمى سماعا. وعلى هذا إذا قيل: ما الرؤية بالبصر ؟ ينبغي أن يقال: هي ادراك المرئيات بها، لانه قد يدرك الحرارة والبرودة بها. فإذا قلنا المرئيات لم ينتقض بذلك. ثم أخبر الله تعالى عن قولهم بأن قالوا ليس هذا الذي سمعناه " إلا أساطير الاولين " والاساطير جمع واحده أسطورة في قول الزجاج. وقال غيره: هو جمع أسطر، واسطر جمع سطر، وزيدت الياء للمد، كما قالوا دراهم، وارادوا ما هذا إلا ما سطره من الاحاديث بكتبه سطرا بعد سطر. قوله تعالى: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
[ 111 ]
حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) آية بلا خلاف.
تقديره واذكر يا محمد إذ قال هؤلاء الكفار " إن كان هذا " القرآن " هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم " شديد مؤلم. قال سعيد ابن جبير، ومجاهد: كان الطالب لذلك النضر بن الحارث بن كلدة لانه كان سمع سجع اهل الحيرة وكلام الرهبان، فقتله النبي صلى الله عليه واله يوم بدر صبرا فقال: يا رسول الله من للصبيه ؟ قال النار وقيل عقبة بن ابي معيط، والمطعم بن عدي، قتل هؤلاء الثلاثة صبرا من جملة من أسر، وفي النضر نزل قوله " سأل سائل بعذاب واقع للكافرين " (1) يعني ما سأله ههنا. وهذا القول من قائله يجوز أن يكون عنادا، فان المعاند قد تحمله شدة عداوته للحق على اظهار مثل هذا القول. ليوهم انه على بصيرة في أمره. ويجوز أن يكون ذلك لشبهة تمكنت في نفوسهم. وقال الجبائي: ذلك دليل على اعتقادهم خلاف الحق الذي اتى به النبي صلى الله عليه واله وهو حجة اهل المعارف، لانهم لو عرفوا بطلان ما هم عليه، لما قالوا مثل هذا القول. فان قالوا كيف طلبوا بالحق من الله العذاب وانما يطلب به الخير والثواب ؟. قلنا: لانهم قالوا ذلك على أنه ليس بحق من الله عندهم. وإذا لم يكن حقا من الله لم يصبهم البلاء الذي طلبوه. فان قيل لم قالوا " امطر علينا حجارة من السماء " والامطار لا يكون إلا من السماء ؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - أن امطار الحجارة يمكن ان يكون من عل دون السماء. والثاني - ان يكون على ججة البيان ب (من).
(1) سورة 70 المعارج آية 1 - 2 (*)
[ 112 ]
والحجارة واحد الاحجار، وهو ما صلب من الاجسام، يقال استحجر الطين إذا صلب، فصار كالحجر. واكثر ما يقال حجر للمدر، مع ذلك فالياقوت حجر ولذلك يقال الياقوت افضل الحجارة، ولا يقال الياقوت افضل الزجاج، لانه ليس من الزجاج وكل شئ من العذاب يقال امطرت ومن الرحمة يقال مطرت. وقوله " هو " يجعل عمادا في ظننت واخواتها. ويسميه البصريون صلة زائدة وتوكيدا كزيادة (ما) ولا يزاد إلا في كل فعل لا يستغنى عن خبره، وفي لغة تميم يرفع ذلك كله، فيقولون " إن كان هذا هو الحق " وكذلك قوله " ولكن كانوا هم الظالمين " (1) و " تجدوه عند الله هو خيرا واعظم اجرا " (2) كل ذلك يرفعونه. وعلى الاول ينصب ما بعدها ومثله قوله " ويرى الذين اوتوا العلم " إلى قوله " هو الحق " (3). قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) آية اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله على وجه الامتنان عليه واعلامه منزلته عنده انه لا يعذب احدا من هؤلاء الكفار بهذا العذاب الذي اقترحوه على وجه الفساد للحق " وانت " يا محمد " فيهم " موجود. والتعذيب تجديد الالام حالا بعد حال، لان اصله الاستمرار، فالعذب من استمرار الشئ لما فيه من الملاذ. والعذاب من استمراره لما فيه من الالام واللام في قوله " ليعذبهم " لام الجحد. واصلها لام الاضافة. وإنما دخلت في النفي
(1) سورة 43 الزخرف آية 76 (2) سورة 73 المزمل آية 20 (3) سورة 34 سبأ آية 6 (*)
[ 113 ]
ولم تدخل في الايجاب لتعلق الخبر بحرف النفي، كما دخلت الباء في خبر (ما) ولم تدخل في الايجاب. وإنما لم يعاقب الله تعالى الخلق مع كون النبي صلى الله عليه واله فيهم على سلامته مما ينزل بهم، لانه تعالى أرسله رحمة للعالمين. وذلك يقتضي ألا يعذبهم وهو فيهم. وقوله " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " قيل في معناه أقوال: احدها - ان النبي صلى الله عليه واله لما خرج من مكة بفي فيها بقية من المؤمنين يستغفرون، وهو قول ابن عباس، وعطية، وابي مالك، والضحاك، واختاره الجبائي. وقال آخرون: اراد بذلك لا يعذبهم بعذاب الاستئصال في الدنيا، وهم يقولون يا رب غفرانك. ويعذبهم على شركهم في الاخرة، وذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وهو قول أبي موسى، ويزيد بن رومان، ومحمد بن مبشر. الثالث - أنهم لو استغفروا لم يعذبوا، وفي ذلك استدعاء إلى الاستغفار روي ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وبه قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. وقال الزجاج: معناه لا يعذب الله من يؤل إلى الاسلام. وقال الحسن وعكرمة: هذه الاية منسوخة بالتي بعدها. قال الرماني: هذا غلط، لان الخبر لا ينسخ. قوله تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم
[ 114 ]
لا يعلمون (34) آية. (ما) في قوله " وما لهم ان لا يعذبهم الله " خرجت مخرج الاستفهام ومعناه إيجاب العذاب، وجاز ذلك، لانه ابلغ في معنى الايجاب، من حيث انه لا جواب - لمن سأل عن مثل هذا - يصح في نفي العذاب، والمعنى لم لا يعذبهم وهذا فعلهم. وموضع (أن) نصب بمعنى أي شئ لهم في أن لا يعذبهم، لكن لما حذف الجار عمل معنى الفعل من الاستقرار، وجاز الحذف مع (أن) ولم يجز مع المصدر لطول (أن) بالصلة اللازمة من الفعل والفاعل، وليس كذلك المصدر. وحكي عن الاخفش ان (أن) زائدة مع عملها. وقوله " وهم يصدون عن المسجد " والصد المنع، والصد الاعراض عن الشئ من غير حيلولة بينه وبين غيره والمراد ههنا المنع. وقوله: " وما كانوا اولياءه " جمع ولي وهو الذي يستحق القيام بأمر الشئ ويكون احق به من غيره، فعلى هذا الله تعالى ولي المتقين دون المشركين. وقال أبو جعفر عليه السلام والحسن قال المشركون: نحن اولياء المسجد، فرد الله ذلك عليهم، فقال " وما كانوا اولياءه ". ثم اخبر الله تعالى " إن اولياؤه " بمعنى ليس أولياء المسجد إلا المتقون الذين يتركون معاصي الله ويجتنبونها. وقال قوم: المعنى إن اولياء الله إلا المتقون والاول احسن: لانه مما يقتضيه الانكار. وقيل في معنى (لا) قولان: احدهما - ان معناها الجحد اي ما لهم في الامتناع من العذاب. وقيل هي صلة، لان المعنى ايجاب العذاب، كما قال الشاعر: لو لم تكن غطفان لا دنوت لها * إذن للام ذووا احسابها عمرا (1)
والاول احسن، لان المعنى لم لا يعذبهم الله. فان قيل: كيف تجمعون بين الايتين على قول من لا ينسخ الاولى، فان في الاولى نفى ان يعذبهم الله وهم يستغفرون وفي الثانية اثبت ذلك ؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: احدها - ان يكون أراد وما لهم ان لا يعذبهم الله في الاخرة والثاني - ان يكون يعني بالاولى عذاب الاستئصال كما فعل بالامم الماضية وبالثانية اراد عذاب السيف والاسر وغير ذلك ويكون قوله " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " اي انه لا يعذبهم بعذاب الدنيا، والاخرة إذا تابوا واستغفروا. الثالث - أنه لا يعذبهم ما دام النبي فيهم وما داموا يستغفرون وإن كانوا يستحقون العذاب بكفرهم وعنادهم. وقوله: " ولكن اكثرهم لا يعلمون " دليل على بطلان قول من قال المعارف ضرورة. قوله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) آية. روى الحسين العجفي عن ابي بكر " صلاتهم " نصبا " إلا مكاء وتصدية " رفع فيها. والصواب ما عليه القراء، لان " صلاتهم " معرفة و " مكاء وتصدية " نكرة ولا يجوز ان يجعل اسم كان نكرة وخبره معرفة. ومن قرأ كذلك فلان الصلاة لما كانت مؤنثة ولم يكن في كان علامة التأنيث اضاف الفعل إلى المذكور وهو " مكاء ". وهذا ليس بصحيح، لان " صلاتهم " لما كان مضافا إلى المذكر جاز ان يذكر كما ان المذكر إذا اضيف إلى المؤنث جاز ان يؤنث، نحو قولهم: ذهبت بعض اصابعه.
[ 116 ]
ومعنى الاية الاخبار من الله تعالى أنه لم تكن صلاة هؤلاء الكفار الصادين عن المسجد الحرام " إلا مكاء " لئلا يظن ظان ان مع كونهم مصلين ومستغفرين لا يعذبهم الله، كما قال في الاية الاولى، فبين ان صلاتهم كانت مكاء وتصدية. والمكاء صفير كصفير المكاء. وهو طائر يكون بالحجاز وله صفير قال الشاعر: ومكابها فكأنما يمكو بأعصم عاقل (1) وأصل المكاء جمع الريح للصفير. ويقال مكا يمكوا مكاء إذا صفر بفيه ومنه يمكوا است الدابة إذا انتفخت بالريح. والاست: الكوة، والمكو ان يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح. ومنه قول عنترة: وحليل غانية تركت مجدلا * تمكو فريضته كشدق الاعلم (2) اي يصفر بالريح لما طعنه والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه. ومنه الصدى صوت الجبل، ونحوه. ومنه تصدى للملك إذا تعرض له ليكلمه. وقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وعطية، ومجاهد، وقتادة والسدي: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، قال الراجز: ضنت بخد وجلت عن خد * فأنا من غرو الهوى أصدي أي اصفق بيدي تعجبا. والغرو: العجب. وقال أبو علي الجبائي: كان بعضهم يتصدى لبعض ليراه بذلك الفعل، وكان يصفر له. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: التصدية صدهم عن البيت الحرام. وقيل: إنهم كانوا يخلطون ويشوشون بذلك على النبي صلى الله عليه واله. وإنما سمي مكاؤهم بأنه صلاة لامرين:
احدهما - انهم كانوا يقيمونه فعلهم الصفير والتصفيق مقام الصلاة والدعاء والتسبيح. والاخر - انهم كانوا يعملون كعمل الصلاة مما فيه هذا. وقوله " فذوقوا العذاب " قال الحسن، والضحاك، وابن جريج، وابن اسحاق: إن معناه عذاب السيف. وقال أبو علي الجبائي: يقال لهم في الاخرة " ذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " في دار الدنيا وهو قول البلخي. والمعنى باشروه وليس المراد به من ذوق الفم. قوله تعالى: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون * والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) آية في الكوفي والمدنيين وآيتان في البصري خاصة. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار بأنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وغرضهم المنع عن سبيل الله. وسبيل الله ههنا، هو دين الله الذي أتى به محمد صلى الله عليه واله وسمي سبيل الله ههنا، لان بسلوكه واتباعه يبلغ ما عند الله، وإن لم يعلموا أنها سبيل الله لانهم قصدوا إلى الصد عنها، وهي سبيل الله على الحقيقة. ويجوز أن يقال قصد الصد عن سبيل الله، وإن لم يعلم. ولا يجوز قصد أن يصد من غير أن يعلم، لان (أن) تفسر الوجه الذي منه قصد، فلا يكون إلا مع العلم بالوجه كقولك قصد أن يكذب، وقصد الكذب من غير ان يعلم أن كذب.
وإنما قال " ينفقون " ثم قال " فسينفقونها "، لان الاول معناه ان من
[ 118 ]
شأنهم ان ينفقوا للصد، والثاني - معناه انه سيقع الانفاق الذي يكون حسرة بما يرونه من الغلبة. والحسرة الغم بما انكشف من فوت استدراك الخطيئة. والاصل الكشف من قولهم حسر عن ذراعه يحسر حسرا والحاسر خلاف الدارع. وحسر حسرة وهو حسير قال المراد: ما انا اليوم على شئ خلا * يا بنة القين تولي يحسرا (1) وكان الانفاق المذكور في الاية القائم به أبو سفيان: صخر بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الاحابيش من كنانة في قول سعيد، وابن ابرى، ومجاهد والحكم ابن عيينة. وفي ذلك قال كعب بن مالك: وجئنا إلى موج من البحر وسطه * احابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين ان كثرن فأربع (2) وقال الضحاك: إنما عنى بالاية الانفاق يوم بدر. وفي الاية دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه واله لانه اخبر بالشئ قبل كونه فكان على ما اخبر به. قوله تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) آية بلا خلاف.
قرأ حمزة والكسائي " ليميز " مضمومة الياء مشددة، والباقون بفتح الياء خفيفا. اخبر الله تعالى انه يحشر الكفار إلى جهنم " ليميز الخبيث " الذي هو الكافر " من الطيب " الذي هو المؤمن. (والتمييز) هو إخراج الشئ عما خالفه مما ليس منه، وإلحاقه بما هو منه. تقول مازه يميزه، وميزه تمييزا. وامتاز امتيازا وانماز انميازا والخبيث الردئ من كل شئ. وضده الطيب. ومنه خبث الحديد وخبث الفضة، وخبث الانسان خبثا، وتخبث تخبثا، وتخابث تخابثا وخبثه تخبيثا و (الطيب) المستلذ من الطعام والطيب الحلال من الرزق، والطيب من الولد الذي يفرح به والطيب نقيض الخبيث، وهو الجيد من كل شئ. وقيل المعنى ليميز الله ما انفقه المؤمنون في طاعة الله مما انفقه المشركون في معاصيه. وقوله " ويجعل الخبيث بعضه على بعض " معناه إن الكافر يكون على اسوء حال كالمتاع والركام، هوانا، وتحقيرا، وإذلالا. وقوله " فيركمه جميعا " معناه تراكب بعضه فوق بعضه. كالرمل الركام وهو المتراكب. ركمه يركمه ركما وتراكم تراكما وارتكم ارتكاما. ومنه قوله تعالى في صفة السحاب " ثم يجعله ركاما " (1) وقال الحسن يركمهم الله مع ما انفقوا في جهنم، كما قال " يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم " (2) ثم اخبر انه إذا ركمه جميعا يجعله في جهنم واخبر عنهم بأنهم الخاسرون نفوسهم باهلاكهم اياها بارتكاب المعاصي والكفر المؤدي إلى عذاب الابد. قوله تعالى:
قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن
(1) سورة 24 النور آية 43 (2) سورة 9 التوبة آية 36 (*)
[ 120 ]
يعودوا فقد مضت سنت الاولين (38) آية. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يقول للكفار إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف والمعنى إن انابوا عن الكفر والمعاصي وتابوا منها توبة خالصة، لان الكف عن المعاصي مع الاصرار لا يوجب الغفران. وإنما اطلق الوعد في الاية بالانتهاء عن المعصية، لان الانتهاء عنها لا يكون مع الاصرار عليها، لان الاصرار معصية. وقوله " وان يعودوا فقد مضت سنة الاولين " معناه وان يعودوا، ويرجعوا إلى المعصية " فقد مضت سنة الاولين " في تعجيل العقاب لهم في الدنيا بعذاب الاستئصال وما جرى مجراه من الاسر والقتل، يوم بدر، وبالنصر من الله، من قول الحسن ومجاهد، والسدي. والسلوف: التقدم، تقول سلف يسلف سلوفا واسلف إسلافا وتسلف تسلفا وسلفه تسلفا وتسليفا واستسلف استسلافا، والسالفة اعلى العنق، والسلافة اخلص الخمر واجودها. والسلفان المتزوجان باختين والسنة الطريقة التي يجري عليها الامر، ومنه قولهم هذا مستمر على سنن واحد. قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فان الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولكم نعم المولى ونعم النصير (40) آيتان. أمر الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه واله والمؤمنين ان يقاتلوا الكفار " حتى لا تكون فتنة " وهي الكفر من غير اهل العهد، وما جرى مجراه من البغي، لانهم
يدعون الناس إلى مثل حالهم بتعززهم على اهل الحق وتطاولهم فيفتنونهم في دينهم.
[ 121 ]
وقال ابن عباس، والحسن: معناه حتى لا يكون شرك. وقال ابن اسحاق حتى لا يفتن مؤمن عن دينه. والفرق بين قوله " حتى لا يكون فتنة " وبين قوله حتى لا يكون كفر هو ان الذليل والاسير والشريد لا يفتن الناس في دينهم لان الذل لا يدعوا إلى حال صاحبه كما يدعو العز. وقوله " ويكون الدين كله لله " معناه ان يجمع اهل الباطل وأهل الحق على الدين الحق فيما يعتقدونه ويعملون به، فيكون الدين كله حينئذ لله بالاجتماع على طاعته وعبادته، والدين ههنا الطاعة بالعبادة. وقوله " فان انتهوا فان الله بما تعملون بصير " معناه فان رجعوا عن الكفر وانتهوا عنه فان الله يجازيهم مجازاة البصير بهم وبأعمالهم باطنها وظاهرها لا يخفى عليه شئ منها. وقوله " وإن تولوا فاعلموا ان الله مولاكم " قيل في معناه قولان: احدهما - وان تولى هؤلاء الكفار واعرضوا عن الدين الحق واتباعه فثقوا بالله وتذكروا ما وعدكم به ايها المؤمنون تسكينا لنفوسهم وتمكينا للحق عندهم. والثاني - فاعلموا ان الله ينصركم عليهم على طريق الامر بعلم هذا ليكونوا على بصيرة في ان الغلبة لهم وقوله " وإن تولوا " شرط. وقوله " فاعلموا أن الله " امر في موضع الجواب، وإنما جاز ذلك لان فيه معنى الخبر، فلم يخرج من ان يجب الثاني بالاول، كأنه قال فواجب عليكم العلم بأن الله مولاكم أو فينبغي ان تعلموا ان الله مولاكم. والمولى ههنا هو الناصر. وهو الذي يوليكم عن الغلبة. والمولى على اقسام بمعنى الناصر وبمعنى الحليف، وبمعنى المعنق والمعتق. وبمعنى الاولى والاحق
كما قال لبيد: فقدت كلا الفرحين يحسب انه * مولى المخافة خلفها وامامها (1)
(1) مقاييس اللغة 2 / 212 (*)
[ 122 ]
ومنه قول النبي صلى الله عليه واله " ايما امراة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل "، اي من هو اولى بالعقد عليها. وقال الاخطل يمدح عبد اللملك بن مروان: فاصبحت مولاها من الناس كلهم * واحرى قريش ان تهاب وتحمدا (1) وقال أبو عبيدة: ومنه قوله " النار مولاهم " معناه الاولى بهم واستشهد ببيت لبيد المتقدم ذكره. وقد استوفينا اقسام مولى في غيره هذا الموضع (2) فلا نطول بذكره ههنا. والتولي عن الدين هو الذهاب عنه إلى خلافه وهو والاعراض بمعنى واحد والتولي في الدين هو الذهاب إلى جهة الحق ومتابعة النبي صلى الله عليه واله والنصرة له والمعونة له. قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى المساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير (41) آية. الغنيمة ما اخذ من اموال اهل الحرب من الكفار بقتال. وهي هبة من الله تعالى للمسلمين. والفئ ما اخذ بغير قتال في قول عطا بن السائب، وسفيان الثوري وهو قول الشافعي، وهو المروي في اخبارنا. وقال قوم: الفئ والغنيمة واحد. وقالوا هذه الاية ناسخة للتي في
الحشر من قوله " ما افاء الله على رسوله من اهل القرى، فلله وللرسول ولذي
(1) مر هذا البيت في 3 / 187 (2) في 3 / 186، 187. (*)
[ 123 ]
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " (1) لانه بين في هذه الاية ان الاربعة اخماس للمقاتلة. وعلى القول الاول لا يحتاج إلى هذا، وعند اصحابنا ان مال الفئ للامام خاصة يفرقه فيمن شاء بعضه في مؤنة نفسه وذوي قرابته. واليتامى والمساكين وابن السبيل من اهل بيت رسول الله ليس لسائر الناس فيه شئ. واما خمس الغنيمة، فانه يقسم عندنا ستة اقسام: فسهم الله، وسهم لرسوله للنبي، وهذان السهمان مع سهم ذي القربى، للقائم مقام النبي صلى الله عليه واله ينفقها على نفسه وأهل بيته من بني هاشم، وسهم لليتامى: وسهم للمساكين: وسهم لابناء السبيل من أهل بيت الرسول لا يشركهم فيها باقي الناس لان الله تعالى عوضهم ذلك عما اباح لفقراء المسلمين ومساكينهم وابناء سبيلهم من الصدقات إذا كانت الصدقات محرمة على أهل بيت الرسول عليهم السلام وهو قول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن على الباقر ابنه عليهم السلام رواه الطبري باسناده عنهما. وقال الحسين بن علي المغربي حاكيا عن الصابوني من اصحابنا، إن هؤلاء الثلاثة فرق لا يدخلون في سهم ذي القربى وإن كان عموم اللفظ يقتضيه، لان سهامهم مفردة، وهو الظاهر من المذهب. والذين يستحقون الخمس عندنا من كان من ولد عبد المطلب، لان هاشما لم يعقب إلا منه: من الطالبيين والعباسيين والحارثيين واللهبيين، فاما ولد عبد مناف من المطلبيين، فلا شئ لهم فيه، وعند اصحابنا الخمس يجب في كل فائدة تحصل للانسان من المكاسب وأرباح التجارات والكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. ويمكن الاستدلال على ذلك بهذه الاية، لان جميع ذلك يسمى غنيمة.
وقال ابن عباس، وابراهيم، وقتادة، وعطا: الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم الله وسهم الرسول واحد. وقال قوم: يقسم أربعة أقسام سهم لبني هاشم وثلاثة للذين ذكروا بعد ذلك
(1) سورة 59 الحشر آية 7 (*)
[ 124 ]
من سائر المسلمين، ذهب إليه الشافعي. وقال اهل العراق: يقسم الخمس ثلاثة اقسام، لان سهم الرسول صرفه الائمة الاربعة إلى الكراع والسلاح. وقال مالك: يقسم على ما ذكره الله. ويجوز للامام ان يخرج عنهم حسب ما يراه وإنما جاء على طريق الاولى في بعض الاحوال. وقال أبو العالية - وهو رجل من صالحي التابعين - يقسم ستة اقسام، فسهم الله للكعبة، والباقي لمن ذكر بعد ذلك. وقال ابن عباس ومجاهد: ذو القربى هم بنو هاشم، وقد بينا نحن ان المراد بذي القربى اهل بيت النبي صلى الله عليه واله: وبعد النبي القائم مقامه، وبه قال علي بن الحسين عليه السلام وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه واله انهم بنو هاشم، وبنوا المطلب واختاره الشافعي وقال الحسن وقتادة: سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى لولي الامر من بعده وهو مثل مذهبنا. وقال أبو علي الجبائي: إن الائمة الاربعة جعلوا سهم الرسول وذي القربى في الكراع والسلاح واجمعوا على ان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل شائع في الناس بخلاف ما قلناه. واليتيم من مات أبوه وهو صغيرقبل البلوغ. وكل حيوان يتيم من قيل أمه إلا ابن آدم، فانه من قبل ابيه. واما ابن السبيل، فهو المنقطع به في سفره. وإنما قيل ابن السبيل بمعنى اخرجه إلى هذا المستقر، كما يخرجه ابوه من مستقره لقي محتاجا.
والمسكين المحتاج الذي من شأنه ان تسكنه الحاجة عما ينهض به الغنى. وقوله " فأن الله خمسه " قيل في فتح (ان) قولان: احدهما - فعلى ان لله خمسه وحذف حرف الجر فنصب. الثاني - انه عطف على (ان) الاولى وحذف خبر الاولى لدلالة الكلام عليه، وتقديره اعلموا ان ما غنمتم من شئ يجب قسمته واعلموا ان لله خمسه. قال الفراء: إنه جزاء بمنزلة " الم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم خالدا " (1) قال الرماني: هذا غلط
[ 125 ]
لان (ان) لا تدخل على الجزاء إلا مع العماد، كما لا تدخل (ان) إلا على هذا الوجه. وقوله " إن كنتم آمنتم بالله واما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " معناه اعلموا أنما غنمتم من شئ لهؤلاء الذين ذكرناهم ان كنتم مؤمنين بالله مصدقين له في اخباره وما انزله على عبده محمد صلى الله عليه واله من القرآن. وقال الزجاج يجوز ان يكون قوله " إن كنتم آمنتم بالله " متعلقا بقوله " فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير. ان كنتم آمنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان " اي فايقنوا ان الله ناصركم إذ كنتم شاهدتم من نصره ما شاهدتم. ومعنى " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " يوم بدر وسمي يوم الفرقان لانه تميز اهل الحق مع قلة عددهم من المشركين مع كثرة عددهم بنصر الله المؤمنين. وقيل كان يوم السابع عشر من شهر رمضان وقيل التاسع عشر، سنة اثنتين من الهجرة ؟ وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام ثم قال " والله على كل شئ قدير " اي هو قادر على مجازاة من اطاعه بجزيل الثواب، وعلى عقاب من عصاه بأليم العذاب. قوله تعالى:
إذا أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولوتو اعدتم لا ختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا (42) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (43)
(1) سورة 9 التوبة آية 64 (*)
[ 126 ]
آيتان في المدنيين والبصري اية وآواحدة في الكوفي. قرأ ابن كثير وابو عمرو (بالعدوة) بكسر العين، الباقون بضمها وهما لغتان قال الراعي في الكسر: وعينان حمر مآقيهما * كما نظر العدوة الجؤذر (1) وقال أوس بن حجر في الضم: وفارس لا يحل الحي عدوته * ولوا سراعا وما هموا باقبال (2) والعدوة شفير الوادي. وقال البصريون: الكسر اكثر اللغات. وقال احمد ابن يحيي: بالضم اكثر. وقال قوم: هما لغتان سواء، وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وابن كثير في رواية البزي وشبل " حيي " باظهار الياءين. وقرأ الباقون بالادغام وإنما جاز الادغام في (حيي) للزوم الحركة في الثاني يجري مجرى (ردوا) إذا اخبروا عن جماعة قالوا: حيوا فخففوا وقد جاء مدغما، فقالوا حيوا ومن اختار الاظهار، فلامتناع الادغام في مضارعه من يحيي فجرى على شاكلته قال الزجاج، لان الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياء تقول حيي يحيى فاما احيا يحيي فلا يجوز فيه الادغام عند البصريين، لان الثاني إذا سكن في الصحيح من المضاعف في نحو لم يردد كان الاظهار أجود فالمعتل بذلك أولى، لان سكونه ألزم فلذلك وجه الاظهار في (يحيي) لانه أحق من (لم يردد) لان السكون له ألزم
وقد أجاز الفراء الادغام في يحيي وانشد بيتا لايعرف شاعره: وكانها بين النساء سبيكة * تمشي بشدة بأنها فتعي (3) تقدير معنى الاية واذكروا أيها المؤمنون " إذ انتم بالعدوة " وهي الجهة التي هي نهاية الشئ من احد جانبيه. ومنه قولهم عدوتا الوادي. وهما شفيراه وجانباه. و (الدنيا) بمعنى الادنى إلى المدينة. و (القصوى) بمعنى الاقصى
(1) تفسير الطبري 13 / 565 (3) معاني القرآن 1 / 412 (*)
[ 127 ]
منها إلى جهة مكة، وذلك ان النبي صلى الله عليه واله واصحابه نزلوا بالجانب الادنى إلى المدينة. وقريش نزلت بالجانب الاقصى منها إلى مكة فنزلا الوادي بهذه الصفة، قد اكتنفا شفيريه. وقوله " والركب اسفل منكم " يعني ابا سفيان واصحابه في موضع اسفل منكم إلى ساحل البحر. وإنما نصب اسفل، لان تقديره بمكان اسفل. فهو في موضع خفض، ونصب لانه لا ينصرف وكان يجوز الرفع على تقدير والركب أشد سفلا منكم، ومن نصب يجوز ان يكون اراد والركب مكانا اسفل منكم بجعله ظرفا. والذي حكيناه، هو قول الحسن، وقتادة، وابن اسحاق ومجاهد والسدي. واصل الدنيا الدنو بالواو، بدلالة قولهم دنوت إلى الشئ أدنو دنوا، فقلبت الواو ياء. ولم تقلب مثل ذلك في القصوى، لانه ذهب بالدنيا مذهب الاسم في قولهم الدنيا والاخرة، وان كان اصلها صفة، فخففت. لان الاسم احق بالتخفيف. وتقول: ادناه ادناء واستدناه استدناء، وتدانوا تدانيا. وداناه مداناة. و (العلو) قرار تحته قرار. و (السفل) قرار فوقه قرار، تقول: سفل يسفل سفلا، وتسفل تسفلا وتسافل تسافلا وسفل تسفيلا، وسافله مسافلة، وهو الاسفل، وهي السفلى.
وقوله " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " والمواعدة وعد كل واحد من الاثنين الاخر وتواعدوا تواعدا. و (الاختلاف) مذهب كل واحد من الشيئين في نقيض الاخر، ومنه الاختلاف في الميعاد لذهاب كل واحد من الفريقين فيما يناقض الميعاد من التقدم والتأخر والزيادة والنقصان عما انعقد به الميعاد. وقيل: اختلافهم في الميعاد بمعنى " لو تواعدتم " أيها المؤمنون على الاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخر تم فنقضتم الميعاد، في قول ابن اسحاق. ووجه آخر " ولو تواعدتم " من غير لطف الله لكم " لا ختلفتم " بالعوائق والقواطع فذكر الميعاد لتأكيد امره في الاتفاق ولو لا
[ 128 ]
لطف الله مع ذلك لوقع على الاختلاف كما قال الشاعر: جرت الرياح على محل ديارهم * فكانما كانوا على ميعاد وقوله " ليقضي الله امرا كان مفعولا " معناه ليفصل الله امرا كان مفعولا من عز الاسلام وعلو اهله على عبدة الاوثان وغيرهم من الكفار بحسن تدبيره ولطفه. وقوله " ليهلك من هلك عن بينة " معناه ليهلك من هلك عن قيام حجة عليه بما رأى من المعجزات الباهرات للنبي صلى الله عليه واله في حروبه وغيرها " ويحيى من حي عن بينة " يعني ليستبصر من استبصر عن قيام حجة، فجعل الله المتبع للحق بمنزلة الحي، وجعل الضال بمنزلة الهالك. وقوله: " وإن الله لسميع عليم " معناه " سميع " لما يقوله القائل في ذلك " عليم " بما يضمره، فهو يجازيه بحسب ما يكون منه. قوله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أريكهم كثيرا
لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (44) آية. التقدير واذكر يا محمد " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " والهاء والميم كناية عن الكفار الذين قاتلوه يوم بدر " ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر " وهذه الرؤية كانت في المنام عند اكثر المفسرين. والرؤيا في المنام تصور يتوهم معه الرؤية في اليقظة والرؤيا على اربعة اقسام: رؤيا من الله عز وجل، ولها تأويل ورؤيا من وسوسة الشيطان، ورؤيا من غلبة الاخلاط، ورؤيا من الافكار، وكلها أضغاث أحلام إلا الرؤيا من قبل الله تعالى التي هي إلهام في المنام يتصور به الشئ
[ 129 ]
كأنه يرى في اليقظة. ورؤيا النبي صلى الله عليه واله هذه بشارة له، وللمؤمنين بالغلبة وقال الحسن: معنى " في منامك " في عينك التي تنام بها، وليس من الرؤيا في النوم، وهو قول البلخي، وهو بعيد، لانه خلاف الظاهر من مفهوم الكلام. قال الرماني: ويجوز أن يريه الله الشئ في المنام على خلاف ما هو به، لان الرؤيا في المنام يخيل له المعنى من غير قطع وإن جاء معه تطلع من الانسان على المعنى وإنما ذلك على مثل تخييل السراب ماء من غير تطلع على أنه ماء، فهذا يجوز ان يفعله الله. ولا يجوز ان يلهمه إعتقاد الشئ على خلاف ما هو به. لان ذلك يكون جهلا، ولا يجوز أن يفعله الله تعالى. والنوم ضرب من السهو يزول معه معظم الحس، تقول نام ينام نوما ونومه تنويما وأنامه إنامة وتناوم تناوما واستنام استنامة. و (المنام) موضع النوم والمضطجع موضع الاضطجاع. و (القلة) نقصان عن عدد، كما أن الكثرة زيادة على عدد يقال: قل يقل قلة وقلله تقليلا، واستقل استقلالا وتقلل تقللا. والشئ يكون قليلا بالاضافة إلى
ما هو اكثر منه. ويكون كثيرا بالاضافة إلى ما هو أقل منه. وأقله إقلالا إذا أطاقه فصادفه قليلا في طاقته، فهو مشتق من هذا واستقل من المرض إذا قوي قوة يزول بها المرض اي وجده قليلا في قوته لا يعتد به. وقوله " لفشلتم " فالفشل ضعف الوجل لان الضعف قد يكون لمرض من غير فزع وقد يكون من فزع. فالفشل إنما هو الضعف عن فزع. وفشل يفشل فشلا فهو فاشل، وفشله تفشيلا: إذا نسبه إلى الفشل، وتفاشلوا تفاشلا. وقوله " ولتنازعتم " فالتنازع الاختلاف الذي يحاول كل واحد منهم نزع صاحبه مما هو عليه تنازعوا تنازعا، ونازعه منازعة ونزع عن الامر ينزع نزوعا، واستنزعه إذا طلب نزوعه. وانتزعه إذا اقتلعه عن مكانه. وقوله " ولكن الله سلم " فالسلامة النجاة من الافة. سلم يسلم سلامة وأسلمه
[ 130 ]
إسلاما إذا دفعه على السلامة، وأسلم الانسان إذا دخل في السلامة من جهة الدين وسلمه تسليما إذا نجاه. واستسلم استسلاما إذا سلم نفسه للامر، وتسلم تسلما إذا طلب السلامة، واستلم الحجر إذا طلب لمسه على السلامة وسالمه مسالمة، وتسالما تسالما. وقوله " إنه عليم بذات الصدور " فالصدر الموضع الاجل لكون القلب فيه. وصدر المجلس أجله، لانه موضع الرئيس، وصدر الدار مشبه بصدر الانسان لانه المستقبل منه كاستقباله من الانسان يقال صدر يصدر صدورا واصدره اصدارا وتصدر تصدرا وصدره تصديرا وصادره مصادرة، وتصادروا تصادرا. ففائدة الاية إن الله لطف للؤمنين بما لو لم يكن لفشلوا ولاضطرف امرهم واختلفت كلمتهم. ولكن سلمهم الله من ذلك بلطفه لهم واحسانه بهم حتى بلغوا ما ارادوه من عدوهم.
قوله تعالى: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور (45) آية التقدير اذكروا أيها المؤمنون إذ يريكموهم، فالهاه والميم كناية عن المشركين، والكاف والميم كناية عن المؤمنين، أرى الله تعالى الكفار قليلين في أعين المؤمنين ليشتد بذلك طمعهم فيهم وجرأتهم عليهم، وقلل المؤمنين في أعين الكفار لئلا يتأهبوا ولا يستعدوا لقتالهم ولا يكترثوا بهم ويظفر بهم المؤمنون. والمراد بالرؤية ههنا الرؤية بالبصر، وهو الادراك بحاسة البصر والرائي هو المدرك. والعين حاسة يدرك بها البصر، والعين مشتركة، فمنها عين الماء، وعين الميزان، وعين الركبة، وعين الذهب، والعين النفس، والالتقاء اجتماع الاتصال، لان الاجتماع
[ 131 ]
على وجهين: اجتماع الاتصال واجتماع في معنى من غير اتصال كاجتماع القوم في الدار، وان لم يكن هناك اتصال. ويقال للعسكرين إذا تصافا التقيا لوقوع العين على العين. فان قيل كيف قللهم الله في أعينهم مع رؤيتهم لهم ؟ قلنا: بأنه يتخيلوهم بأعينهم قليلا من غير رؤية على الصحة لجميعهم وذلك بلطف من ألطافه تعالى مما يصد به عن الرؤية من قتام يستر بعضهم ولا يستر بعضا آخر. وروي عن ابن مسعود انه قال رأيناهم قليلا حتى قلت لمن كان إلى جانبي أتراهم سبعين رجلا ؟ فقال لي هم نحو المئة. فلما اسرنا رجلا منهم سألناه كم كانوا، فقال ألفا. وقوله " ليقصي الله امرا كان مفعولا " إنما كرره في هذه الاية مع ذكره في الاية الاولى، لاختلاف الفائدة، فمعناه في الاية الاولى " ولو تواعدتم
لاختلفتم في الميعاد. ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا " من الالتقاء على الصفة التي حصلتم عليها. ومعناه في الثانية يقلل كل فريق في عين صاحبه " ليقضي الله امرا كان مفعولا " من اعزاز الدين بجهادكم على ما دبره لكم. وإنما قال " كان مفعولا " والمعنى يكون مفعولا في المستقبل لتحقيق كونه لا محالة حتى صار بمنزلة ما قد كان إذ قدم علم الله انه كائن لا محالة. وقوله تعالى " والى الله ترجع الامور " اي ترجع الامور إلى ملكه وتدبيره خاصة، ويزول ملك كل من ملكه في دار الدنيا. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (46) آية بلا خلاف.
[ 132 ]
هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين خاصة يأمرهم بأنهم إذا لقوا جماعة من الكفار لحربهم أن يثبتوا ويذكروا الله كثيرا، ويستنصروه عليهم لكي يفلحوا ويفوزوا بالظفر بهم، وبالثواب عند الله يوم القيامة. وقد بينا ان معنى الايمان هو التصديق بما أوجبه الله على المكلفين أو ندبهم إليه. والفئة الجماعة المنقطعة من غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته. والثبوت حصول الشئ في المكان على استمرار، يقال لمن استمر على صفة: قد ثبت كثبوت الطين. والذكر ضد السهو، وقد يكون الذكر القول من غير سهو. والفئة المذكورة في الاية وان كانت مطلقة، فالمراد بها المشركة أو الباغية، لان الله لا يأمر المؤمنين بالثبوت لقتال احد الا من هو بهذه الصفة، ولا يأمر بقتال المؤمنين. قوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (47) آية. أمر الله تعالى هؤلاء المؤمنين الذين ذكرهم بأن يطيعوا الله ورسوله، ولا يختلفوا فيضعفوا عن الحرب. والعامل في " فتفشلوا " الفاء التي هي بدل من (أن) على معنى جواب النهي كقولك لا تأت زيدا فيهينك، ولذلك عطف بالنصب في قوله " وتذهب ريحكم " عليه. وقوله " وتذهب ريحكم " معناه كالمثل أي ان لكم ريحا تنصرون بها يقال ذهب ريح فلان اي كان يجري في امره على السعادة بريح تحمله إليها، فلما ذهبت وقف امره، فهذه بلاغة حسنة. وقيل: المعنى ريح النصرة التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله، في قول قتادة وابن زيد. وقيل: تذهب دولتكم، من قولهم ذهب ريحه، أي ذهبت دولته. في قول ابي عبيدة وابي علي. وقال عبيد
[ 133 ]
ابن الابرص: كما حميناك يوم النعف من شطب * والفضل للقوم من ريح ومن عدد (1) اي من ريح عز ومن عدد. وقال أبو جعفر عليه السلام: هذه الاية نزلت حين أشار خباب بن المنذر على النبي صلى الله عليه واله ان ينتقل من مكانه حتى ينزلوا على الماء ويجيؤهم من خلفهم، فقال بعضهم لاتنغفر معصاتك يا رسول الله. فتنازعوا، فنزلت الاية وعمل النبي صلى الله عليه واله على قول خباب. قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (48) آية. نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الاية ان يكونوا مثل " الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس " وهم قريش، لما خرجت لتحمي العير، فلما نجا أبو
سفيان ارسل إليهم ان ارجعوا، فقد سلمت عيركم وهم بالجحفة: فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا وننحر جزرا، ونشرب خمرا وتعزف علينا القيان ويرانا من غشينا من اهل الحجاز، ذكره ابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وابن اسحاق. والبطر الخروج عن موجب النعمة - من شكرها، والقيام بحقها - إلى خلافه. وأصله الشق فمنه البيطار الذي يشق اللحم بالمبضع، وبطر الانسان بطرا وابطره كثرة النعمة عليه إبطارا وبطره تبطيرا. والرئاء اظهار الجميل مع ابطان القبيح تقول: راءى يرائي مراءاة ورياء. والمرائي رجل سوء لما بينا. والنفاق اظهار الايمان مع ابطان الكفر. والصد المنع. وقيل هو جعل ما يدعو إلى الاعراض
(1) ديوانه: 49 والطبري 13 / 575 واعجاز القرآن للباقلاني: 131 و (النعف) ما انحدر من حزونة الجبل و (شطب) اسم جبل.
[ 134 ]
فهؤلاء يصدون عن سبيل الله بما يدعون الناس إلى الاعراض عنها من معادات اهلها وقتالهم عليها وتكذيبهم بما جاء به الداعي إليها. والفرق بين الصد والمنع أن المنع ما يتعذر معه الفعل والصد ما يدعو إلى ترك الفعل. وقوله " والله بما تعملون محيط " معناه يحتمل أمرين: احدهما - انه يحيط علمه بما يعملونه. الثاني - انه قادر على جزاء ما يعملونه من ثواب أو عقاب. قوله تعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (49) آية. التقدير: واذكر " إذ زين لهم " يعني المشركين " زين لهم الشيطان اعمالهم
بمعنى حسنها في نفوسهم والتزيين هو التحسين. والمعنى أن ابليس حسن للمشركين أعمالهم وحرضهم على قتال محمد، وخروجهم من مكة، وقوى نفوسهم، وقال لهم " لا غالب لكم اليوم من الناس ". تقول غلب يغلب غلبة، فهو غالب، وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا وغلبه تغليبا. والغلبة القهر للمنازع، والملك لامره. وقوله " وإني جار لكم " حكاية عما قال ابليس للمشركين، فانه قال لهم اني جار لكم، لانهم خافوا بني كنانة لما كان بينهم، فأراد إبليس بأن يسكن خوفهم، والجار هو الدافع عن صاحبه السوء أجاره يجيره جوارا. ومنه قوله " وهو يجير ولا يجار عليه " (1) اي يعقد لمن احب دفع الضرر عنه من كل احد
(1) سورة 23 المؤمنون آية 89 (*)
[ 135 ]
ولا يعقد عليه، فالجار المجير. وقوله " فلما تراءت الفئتان " معناه، فلما التقتا ورأى بعضهم بعضا " نكص " يعني ابليس " على عقبيه " والنكوص هو الرجوع ققهرى خوفا مما يرى. نكص ينكص نكوصا، قال زهير. هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا (1) واختلفوا في ظهور الشيطان لهم حتى رأوه، فقال ابن عباس، والسدي وقتادة، وابن اسحاق: ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي في جماعة من جنده، وقال لهم: هذه كنانة قد أتتكم نجدة، فلما رأى الملائكة " نكص على عقبيه " فقال الحارث بن هشام إلى اين يا سراقة، فقال " اني أرى ما لا ترون " وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل إنه راى جبرائيل بين يدي النبي صلى الله عليه واله. وقال أبو علي الجبائي حوله الله على صورة إنسان علما للنبي صلى الله عليه واله بما يخبر به عنه. وقال الحسن والبلخي: إنما هو يوسوس من غير ان يحول في صورة انسان.
وقوله " اني اخاف الله والله شديد العقاب " حكاية عن قول ابليس حين ولى فقال لقريش اني ارى من الملائكة ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب. وانما خافه من ان يأخذه في تلك الحال بعقوبته دون ان يكون خاف معصيته فامتنع منها. قال الحسن: إبليس عدو الله لا يخاف الله لكن كلما استؤصل جند من جنوده وقعت بذلك عليه مخافة وذلة. وقال البلخي هو كقولك للرجل جمعت بين الفريقين حتى إذا وقع الشر بينهم خليتهم وانصرفت، وقلت اعملوا ما شئتم وتريد بذلك انك خليت بينهم دون ان يكون هناك قول، والاول هو المشهور في التفاسير.
(1) ديوانه 159 من قصيدته في هرم بن سنان. والطبري 14 / 11 و (حبيك البيض) طرائق حديد. و (البيض) الخوذ من سلاح المحارب. و (حموا) من الحمية، وهي الانفة والغضب. (*)
[ 136 ]
والواو دخلت في قوله " واذ زين لهم الشيطان " للعطف على خروجهم بطرا ورئاء الناس، فعطف حالهم في تزيين الشيطان اعمالهم على حالهم في خروجهم بطرا. قوله تعالى: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (50) آية. العامل في " إذ " يحتمل أن يكون شيئين: احدهما - الابتداء والتقدير ذاك " إذ يقول " والاخر بتقدير اذكر " إذ يقول المنافقون " وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الايمان " والذين في قلوبهم مرض " الشاكين في الاسلام مع اظهارهم كلمة الايمان، وهم بمكة جماعة خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا هذا القول، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة (1) والحارث بن زمعة
وعلي بن أمية والعاص بن المنبه بن الحجاج، هذا قول مجاهد، والشعبي وقال الحسن: المرض الشرك " والذين في قلوبهم مرض " المشركون. وقال أبو علي فصلوا في الذكر لان المنافقين كانوا يضمرون عداوة النبي صلى الله عليه واله والمؤمنين، وكانوا هؤلاء مرتبتين وكلهم في معنى المنافقين، لان الشك في الاسلام كفر. وقوله " غر هؤلاء دينهم " معناه ان المسلمين اغتروا بالاسلام. والغرور: اظهار النصح مع إبطان الغش تقول: غره يغره غرورا واغتر به اغترارا ومنه الغرر، لانه عمل بما لا يؤمن معه الغرور. وقوله " ومن يتوكل على الله " معناه ومن يسلم لامر الله ويثق به ويرضى بفعله، لان التوكل على الله هو التسليم لامره مع الثقة والرضا به، تقول: وكل امره إلى الله، يكل واتكل عليه يتكل اتكالا وتوكل توكلا وتواكل القوم تواكلا إذا اتكل بعضهم على بعض، ووكل توكيلا. وقوله
(1) في بعض النسخ (أبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة) (*)
[ 137 ]
" فان الله عزيز حكيم " معناه انه قادر لا يغالب واضع للاشياء مواضعها قوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (51) آية. قرأ ابن عامر " إذ تتوفى " بتأءين فأدغم احدهما في الاخرى هشام عنه. الباقون بالياء والتاء. من قرأ بالتاء أسند الفعل إلى الملائكة كقوله " إذ قالت الملائكة " (1) ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله يقول الله تعالى له: " ولو ترى " الوقت الذي تتوقى الملائكة الذين كفروا بمعنى انهم يقبضون أرواحهم على استيفائها، لان الموت انما يكون باخراج الروح على تمامها. وجواب " لو " محذوف، وتقديره
لرأيت منظرا عظيما أو امرا عجيبا أو عقابا شديدا، وحذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الكلام يدل عليه. والمرئي ليس بمذكور في الكلام لكن فيه دلالة عليه لان تقديره: لو رأيت الملائكة يضربون من الكفار الوجوه والادبار، وحذفه ابلغ وأوجز مع أن الكلام يدل عليه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: معنى أدبارهم استاههم لكنه كنى عنه. وقال الحسن: معناه ظهورهم. وقال أبو علي: المعنى ستضربهم الملائكة عند الموت. قال الرماني: وهذا غلط، لانه خلاف الظاهر، وخلاف الاجماع المتقدم أنه يوم بدر. وروى الحسن: ان رجلا قال يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشرك، فقال: ذاك ضرب الملائكة. وروي عن مجاهد ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه واله اني حملت على رجل من المشركين فذهبت لاضربه فبدر رأسه. فقال: سبقك إليه الملائكة. وعن ابن عباس انه كان يوم بدر.
(1) سورة 3 آل عمران آية 45 (*)
[ 138 ]
وقوله: " وذوقوا عذاب الحريق " تقديره، ويقولون يعني الملائكة للكفار يقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق يوم القيامة وحذف لدلالة الكلام عليه. ومثله قوله " ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا " (1) أي يقولون ربنا أبصرنا، ودل الكلام عليه. والحريق تفريق الاجسام الكبيرة العظيمة بالنار العظيمة يقال: احترق احتراقا واحرق إحراقا وتحرق تحرقا وحرقه تحريقا، وجواب " لو " محذوف، وتقديره لرأيت منظرا هائلا وإنما حذف جواب " لو " لان ذكره يخص وجها ومع الحذف يظن وجوه كثيرة فهو أبلغ. قوله تعالى: ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (52) آية. قوله " ذلك " إشارة من الملائكة للكفار إلى ما تقدم ذكره من قولهم " ذوقوا
عذاب الحريق " قالوا ذلك العذاب " بما قدمت ايديكم " وموضع " بما قدمت ايديكم " يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - الرفع بأنه خبر ذلك. والثاني - النصب بأنه متصل بمذوف، وتقديره ذلك جزاؤكم " بما قدمت أيديكم " وإنما قيل بما قدمت ايديكم مع أن اليد لا تعمل شيئا لتبين أنه بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب، وإن كان بها معتمد العصيان، لانه قصد إظهار ما يقع به الجنايات في غالب الامر وتعارف الناس. والتقديم ترتيب الشئ أولاء قبل غيره: قدمه تقديما وتقدم تقدما واستقدم استقداما وتقادم عهده تقادما واقدم على الامر إقداما. وقوله: " ان الله ليس بظلام للعبيد " العامل في " ان " يحتمل شيئين: احدهما - أن يكون موضعه نصبا بتقدير وبأن الله أو خفضا على الخلاف فيه. والثاني - ان يكون رفعا بمعنى وذلك ان الله كما تقول ذلك هذا.
(1) سورة 32 الم السجدة آية 12 (*)
[ 139 ]
وإنما نفى المبالغة في الظلم عنه تعالى دون نفي الظلم رأسا، لانه جاء على جواب من اضاف إليه فعل جميع الظلم، ولان ما ينزل بالكفار لو لم يكن باستحقاق لكان ظلما عظيما، ولكان فاعله ظلاما. قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (53) آية. العامل في قوله: " كدأب آل فرعون " الابتداء وتقديره دأبهم كدأب آل فرعون، فموضعه رفع، لانه خبر المبتدأ، كما تقول زيد خلفك، فموضع خلفك رفع بأنه خبر المبتدأ، ولفظه نصب بالاستقرار، فكذلك الكاف في
" كدأب ". والداب العادة والطريقة تقول ما ذلك دأبه ودينه وديدنه. والمعنى انه جوزي هؤلاء بالقتل والاسر كما جوزي آل فرعون بالغرق. وقال الزجاج الدأب إدامة الفعل داب يدأب في كذا إذا دام عليه، ودأب يداب دابا ودؤبا فهو دائب يفعل كذا اي يجري فيه على عادة. وقال خداش بن زهير العامري: وما زال ذاك الداب حتى تجادلت * هوازن وارفضت سليم وعامر (1) وآل فرعون المراد به اتباعه فيما دعاهم إليه من ربوبيته. سموا " آل " لان مرجع امرهم إليه بسبب اكيد. والفرق بين " آل فلان " و " الاصحاب " ان الاصحاب مأخوذ من الصحبة لطلب علم أو غيره. كالاصحاب في السفر، وكثر في الموافقة على المذهب، كما يقولون اصحاب مالك واصحاب الشافعي يراد به الموافقة في المذهب، لا يوصفون بأنهم آل الشافعي أو ابي حنيفة. والال يرجعون إليه بالسبب الاوكد الاقرب.
(1) روح المعاني 10 / 17، ومجاز القرآن 1 / 248. (*)
[ 140 ]
وقوله: " إن الله قوي " معناه قادر وقد يكون القوي بمعني الشديد، وذلك لا يجوز اطلاقة على الله، وكذلك لا يوصف بأنه شديد العقاب وإنما وصف عقابه بأنه شديد دون الله تعالى. فمعني الاية تشبيه حال المشركين في تكذيبهم بآيات الله التى اتى بها محمد صلى الله عليه واله بحال آل فرعون في التكذيب بآيات الله التي اتى بها موسى عليه السلام لان تعجيل العقاب لهؤلاء بالاهلاك كتعجيله لاولئك بعذاب الاستئصال. قوله تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (54) آية.
الاشارة بقوله: " ذلك " إلى ما تقدم ذكره من اخذ الله الكفار بالعقاب فكأنه قال ذلك العقاب المدلول عليه بأن الله لا يغير النعمة إلى النقمة إلا بتغيير النفس إلى الحال القبيحة، ف " ذلك " ابتداء وخبره " بان الله " كما يقول القائل: العقاب بذنوب العباد، والكاف في " ذلك " للخطاب و " ذلك " إشارة إلى البعيد و " ذاك " إشارة إلى ما دونه، و " ذا " اشارة إلى ما هو حاضر. وقوله " لم يك " اصله يكون فحذفت الواو للجزم وإلتقاء الساكنين، ثم حذفت النون استخفافا لكثرة الاستعمال مع انه لا يقع بالحذف إخلال بالمعنى، لان " كان ويكون " أم الافعال الا ترى أن كل فعل فيه معناها، لانك إذا قلت ضرب معناه كان ضرب: ويضرب معناه يكون يضرب فلما قربت بأنها ام الافعال وكثر الاستعمالها احتمل الحذف ولم يحتمل نظائرها، وذلك مثل لم يجز ولم يصن كما جاز فيما. والتغيير تصيير الشئ على خلاف ما كان بما لو شوهد لشوهد على خلاف ما كان. وانما قيل بما لو شوهد لشوهد على خلاف ما كان للتفريق بينه وبين ما يصير على خلاف ما كان بالحكم فيه بما لم يكن عليه،
[ 141 ]
ألا ترى ان المعلوم بعد ان لم يكن معلوما لا يتغير بهذا العلم، لانه لو شوهد لم يشاهد على خلاف ما كان، والقدرة شوهدت على خلاف ما يشاهد العجز. وفي الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانها تدل على انه لا يكون العقاب الا بتغيير النفس إلى ما لا يجوز ان يغير إليه، وهذا يبين انه لا يحسن من الله العقاب الا لمن فعل قبيحا أو اخل بواجب، وذلك يبطل قول من قال: يجوز ان يعاقب الله البرئ بجرم السقيم، وجملة معنى الاية إنا اخذنا هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، وتغييرهم نعمة الله عليهم من بعث رسوله وتكذيبهم إياه واخراجهم له من بين اظهرهم، ففعلنا بهم مثل ما فعلنا بالماضين من الكفار.
قوله تعالى: كداب آل فرعون والذين من قبلهم بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (55) آية انما اعاد قوله: " كداب آل فرعون والذين من قبلهم " لا على وجه التكرار بلا فائدة بل لوجهين: احدهما - قال أبو علي: لانه على نوعين مختلفين من العقاب. وقال الرماني: فيه تصريف القول في الذم بما كانوا عليه من قبح الفعل وتقدير الكلام: دأب هؤلاء الكفار مثل داب آل فرعون. ويحتمل ان يكون كناية عن هؤلاء الكفار " كذبوا بآياتنا ". والتكذيب نسبة الخبر إلى الكذب، فالتكذيب بالحق مذموم، والتكذيب بالباطل - لانه باطل - ظاهره امره محمود، وانما وجب في التكذيب بآيات الله تعجيل العقوبة، ولم يجب ذلك في غيره، لما في تعجيل عقوبتهم من الزجر لغيرهم، فيصلحون به مع علم الله بأنه ليس فيهم من يفلح - على مذهب من يقول: لو علم الله ان فيهم
[ 142 ]
من يؤمن، لابقاه. وانما كان التكذيب بآيات الله من اعظم الاجرام، لما يتبعه من تضييع حقوق الله فيما يلزم من طاعاته التي لا تصح الا بالتصديق بآياته التي جاءت بها رسله. اخبر الله انه كما اهلك هؤلاء الكفار بتكذيبهم النبي صلى الله عليه واله كذلك اهلك من الكفار قوما آخرين بتكذيبهم بآيات الله، واغرق آل فرعون بمثل ذلك، ثم اخبر ان كل هؤلاء كانوا ظالمين لنفوسهم بارتكاب معاصي الله وبترك طاعاته. قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (56) آية الشر الرامي بالمكاره كشرر النار ومثله الضرر، وضد الشر الخير وضد الضرر النفع. والدابة ما من شأنه ان يدب على الارض لكن بالعرف لا يطلق إلا على الخيل،
ومن ذلك قوله " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها (1) " وقوله " عند الله " معناه في معلوم الله وفي حكمه. وأصل " عند " أن يكون ظرفا من ظروف المكان إلا أنه قد تصرف فيها على هذا المعنى. والفاء في قوله " فهم لا يؤمنون " عطف جملة على جملة، وهو من الصلة، كأنه قال: كفروا مصممين على الكفر " فهم لا يؤمنون " وانما حسن عطف جملة من ابتداء وخبره على جملة من فعل وفاعل، لما فيها من التأدية إلى معنى الحال وذلك ان صلابتهم بالكفر ادى إلى الحال في انهم لا يؤمنون. فاخبر الله تعالى في هذه الاية ان شر خصلة يكون الانسان عليها هو الكفر لما في ذلك من تضييع نعم الله التي توجب اعظم العقاب. والاية متناولة لمن علم الله منه انه لا يؤمن، لان قوله " فهم لا يؤمنون " اخبار عن نفى ايمانهم فيما بعد.
(1) سورة 11 هود آية 6. (*)
[ 143 ]
قوله تعالى: الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (57) آية. قال مجاهد: هذه الاية نزلت في بني قريظة، لما نقضت عهد النبي صلى الله عليه واله في ألا يحاربوه ولا يمالؤا عليه، فنقضوا عهده، ومالؤا عليه، وعاونوا قريشا يوم الخندق، فانتقم الله منهم. والمعاهدة المعاقدة على أمر يتقدم فيه للوثيقة به بالايمان المؤكدة على ما يعقد عليه، ونقض العهد مثل نقض الوعد لانه حق للمعاهد كما ان ذلك حق للموعود. ونقض العزم هو الرجوع عما عزم عما عزم عليه. والنقض يكون بشيئين: احدهما - فيما كان من بناء وشبهه. الثاني - في عقد أو امر يعزم عليه. وقوله تعالى " ثم ينقضون " عطف المستقبل على الماضي، لان الغرض ان من شأنهم
نقض العهد مرة بعد اخرى في مستقبل اوقاتهم بعد العهد إليهم. وقوله " فهم لا يتقون " معناه نقضوا عهدك من غير ان يتقوا عقاب الله عاجلا وآجلا. قوله تعالى: فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (58) آية معنى " تثقفن " تصادفن وتلقين. واصله الادراك بسرعة تقول ثقف الكلمة فهو ثقف، وثقفه إذا قومه وثاقفة مثاقفة إذا تدارك كل واحد منهما امر صاحبه بسرعة ودخلت نون التأكيد لما دخلت " ما " ولو لم تدخله لما حسن دخول النون، لان دخول " ما " كدخول القسم في أنه علامة تؤذن أنه من مواضع التأكيد المطلوب من التصديق، لان النون تدخل لتأكيد المطلوب فيما يدل على المطلب، وهي في
[ 144 ]
ستة مواضع: الامر، والنهي، والاستفهام، والعرض، والقسم، والجزاء مع " ما " وقوله " فشرد بهم من خلفهم " يحتمل معنيين: احدهما - إذا اسرتهم فنكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفا منك، وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد. الثاني - افعل بهم من القتل ما يفرق من خلفهم، في قول الزجاج. والتشريد التفريق على اضطراب، شرد يشرد شرودا وشرده تشريدا وتشرد تشردا. ودابة شرود. والتشريد والتطريد والتبديد والتفريق نظائر. وقوله " لعلهم يذكرون " معناه لكي يفكروا فيتعظوا وينزجروا عن الكفر والمعاصي. وروي في الشواذ " من خلفهم " والمعنى نكل بهم انت يا محمد من ورائهم والاول اجود. وعليه القراء. قوله تعالى:
وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (59) آية. بني المضارع مع نون التأكيد، لان النون لما أبطلت السكون اللازم للجزم الذي هو أمكن في الفعل، كانت على إبطال غيره من الاعراب أقوى. وإنما بني على الفتح لسلامتها من البابين الكسرة والضمة في المؤنث والجمع، في قولهم لا تحسبن يا امرأة، ولا تحسبن يا قوم. وتثبت الالف مع الجازم في (أما تخافن) ولم تثبت مع الجازم في قولك (لا تخف القوم) لان الحركة في هذا عارضة، لان التقاء الساكنين من كلمتين. أمر الله تعالى نبيه انه متى خاف - ممن بينه وبينه عهد - خيانة أن ينبذ إليه عهده على سواء. والخيانة نقض العهد فيما ائتمن عليه، تقول: خانه يخونه خيانة، واختان
[ 145 ]
المال اختيانا. وتخونه تخونا وخونه تخوينا. و (النبذ) القاء الخبر إلى من لا يعلمه بما يوجب أنه حرب بنقض عهد أو إقامة على بغي تقول: نبذ ينبذ نبذا وانتبذ انتباذا وتنابذ القوم تنابذا، ونابذه منابذة. وقوله " على سواء " قيل في معناه قولان: احدهما - على استواء في العلم به أنت وهم في انكم حرب لئلا يتوهموا أنك العهد بنصب الحرب. والثاني - ان معناه على عدل من قول الراجز: فاضرب وجوه الغدر الاعداء * حتى يحيوك على السواء (1) أي على العدل. ومنه قيل للوسط سواء، لاعتداله إلى الجهات، كما قال حسان بن ثابت: يا ويح انصار النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد (2) اي في وسطه. وقال الوليد بن مسلم: معناه على مهل وهذا بعيد، لانه لا يعرف
في اللغة. فان قيل كيف جاز نبذ العهد ونقضه بالخوف من الخيانة ؟ قيل: انما فعل ذلك لظهور امارات الخيانة التي دلت على نقض العهد ولم تشتهر ولو اشتهرت لم يجب النبذ، كما حارب رسول الله صلى الله عليه واله أهل مكة، لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه واله فلما فعلوا ذلك فعلا ظاهرا مشهورا أغنى ذلك عن نبذ العهد إليهم، ولو نقضوه على خفى لم يكن بد من نبذ العهد إليهم، لئلا ينسب إلى نقض العهد والغدر. وقوله " ان الله لا يحب الخائنين " معناه انه يبغضهم وانما عبر بحرف النفي، لان صفة النفي تدل على الاثبات إذا كان هناك ما يدل عليه، وهو أبلغ في هذا الموضع لان معناه: انهم حرموا محبة الله بخيانتهم واوجب ذلك بغضه اياهم. ومحبة الله للخلق ارادة منافعهم وبغضه اياهم ارادة عقابهم.
(1) تفسير الطبري 14 / 27 والقرطبي 8 / 33 (2) تفسير القرطبي 8 / 33 وقد مر في 1 / 405 من هذا الكتاب. (*)
[ 146 ]
والايتان معا نزلتا في بني قريظة، قال الواقدي: نزلت هذه الاية في بني قينقاع، وبهذه الاية سار النبي صلى الله عليه واله إليهم. قوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (60) آية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص وأبو جعفر " ولا يحسبن " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن عامر " انهم " بفتح الهمزة. الباقون بكسرها. قال أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء جعل " الذين كفروا " المفعول الاول و " سبقوا " المفعول الثاني، وموضعه النصب، وهو واضح. ومن قرأ بالياء احتمل ثلاثه اشياء:
احدها - (لا يحسبن الذين كفروا) وهو قول أبي الحسن. الثاني - أن يكون أضمر المفعول الاول وتقديره: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقونا واياهم سبقوا الثالث - ان يقدر على حذف (أن) كانه قال: ولا يحسبن الذين كفروا ان سبقوا. قال الزجاج يقوي ذلك، ان في قراءة ابن مسعود " إنهم لا يعجزون " فعلى هذا يكون ان سبقوا سد مسد المفعولين، كما ان قوله " أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا " (1) كذلك. ومن فتح الهمزة جعل الجملة متعلقة بالجملة الاولى والتقدير ولا تحسبنهم سبقوا، لانهم لا يفوتون فهم يجازون على كفرهم. ومن كسر استأنف الكلام، قال أبو عبيدة: سبقوا معناه فاتوا، فانهم لا يعجزون اي لا يفوتون، ومثله " أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا " ثم استأنف، فقال: " ساءما يحكمون (2)
(1) سورة 29 العنكبوت آية 2. (2) سورة 29 العنكبوت آية 4. (*)
[ 147 ]
فكذلك ها هنا استأنف الكلام. وانما امتنع الاقتصار على احد المفعولين في (حسب) لان المفعول الثاني خبر عن الاول، والفعل متعلق بما دلت عليه الجملة فهو بخلاف (اعطيت) في هذا. والحسبان هو الظن. وقال الرماني: هو شك يقوى فيه احدى النقيضين لقوة المعنى في حيز القولين. وأصله الحساب، لان المعنى فيه داخل فيما يحسب به ويعمل عليه. والاحتساب قبول الحساب والاعتداد به وفي المضارع لغتان، فتميم تفتح السين وأهل الحجاز يكسرونها. والسبق تقدم الشئ على طالب اللحوق به: سبق يسبق سبقا وتسابقا تسابقا، وسابقة مسابقة واستبقوا استباقا وسبقه تسبيقا إذا أعطاه السبق. والسابق والمصلي في صفة الفرس. والاعجاز ايجاد ما يعجز عنه: أعجزه إعجازا
وعجزه تعجيزا وعاجزه معاجزة واستعجز استعجازا. وقال أبو عبيدة: معنى " لا يعجزون " لا يفوتون. وقال الحسن: معنى لا يعجزون الله لا يفوتونه حتى لا يثقفنهم يوم القيامة. وقال الجبائي: معناه لا يعجزونك حتى يظفرك الله بهم. وقال الزجاج: المعنى لا يحسبن من أفلت من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة. وقال الزجاج: يجوز أن تكون (لا) صلة على ضعف فيه. والمعنى لا يحسبن الذين كفروا انهم يعجزون. اي يفوتون. قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (61) آية. امر الله تعالى المؤمنين ان يعدوا ما قدروا عليه من السلاح وآلة الحرب والخيل وغير ذلك. والاعداد اتخاذ الشئ لغيره مما يحتاج إليه في امره ولو اتخذه له في
[ 148 ]
نفسه محبة له لم يكن اعدادا وهو مما يعد فيما يحتاج إليه من غيره والاستطاعة معنى تنطاع بها الجوارح للفعل مع انتفاء المنع، تقول: استطاع استطاعة، وطاوع مطاوعة واطاع طاعة، وتطوع تطوعا، وانطاع انطياعا. وقوله تعالى " من قوة " اي مما تقوون به على عدوه. وقيل: معناه من الرمي، ذكره الفراء. ورواه عن النبي صلى الله عليه واله عقبة بن عامر، على ما ذكره الطبري. وقال عكرمة: اراد به الحصون. وقوله تعالى: " ومن رباط الخيل " فالرباط شد ايسر من العقد. ربطه يربطه ربطا ورباطا وارتبطه ارتباطا ورابطه مرابطة. وقوله " ترهبون به عدو الله وعدوكم " فالهاء في (به) راجعة إلى الرباط وذكره لانه على لفظ الواحد وان كان في معنى الجمع، لانه كالجراب والقراب
والذراع. والارهاب ازعاج النفس بالخوف تقول: ارهبه ارهابا ورهبه ترهيبا ورهب رهبة وترهب ترهبا واسترهبه استرهابا، وقال طفيل: ويل ام حي دفعتم في نحورهم * بني كلاب غداة الرعب والرهب (1) والعدو المراصد بالمكاره لتعديتها إلى صاحبها والعدو ضد الولي. وقوله " وآخرين من دونهم " لا تعلمونهم تقديره وترهبون آخرين، فهو نصب ب (ترهبون) يجوز ان يكون نصبا بقوله: (وأعدوا لهم) وللاخرين من دونهم. وقيل في المعنيين بذلك خمسة اقوال: احدها - قال مجاهد: هم بنو قريظة وقال السدي. هم اهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون. الرابع - الجن، وهو اختيار الطبري، قال: لان الاعداد للاعداء دخل فيه جميع المتظاهرين بالعداوة فلم يبق إلا من لا يشاهد. الخامس - قال الجبائي: كل من لا تعرفون عداوته داخل فيه. ومعنى " لا تعلمونهم " لا تعرفونهم فلذلك لم يكن معه المفعول الثاني. وقوله: " الله يعلمهم " معناه يعرفهم كما قال الشاعر:
(1) ديوانه: 65 ومجاز القرآن 1 / 249. (*)
[ 149 ]
فان الله يعلمني ووهبا * وإنا سوف نلقاه كلانا (1) وقوله تعالى: " وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون " يعني ما من شئ تنفقونه في الجهاد إلا والله يوفيكم ثوابه على ذلك بأتم الجزاء ولا تبخسون، فمعنى الاية الامر باعداد السلاح والكراع لاخافة اعداء الله بما يملا صدورهم من الاستعداد لقتالهم مع تضمن اخلاف ما انفق في سبيل الله بأحوج ما يكون صاحبه إليه بما تربح فيه تجارته. قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع
العليم (62) آية. قرأ أبو بكر عن عاصم " السلم " بكسر السين. الباقون بفتحها وفي ذلك ثلاث لغات: الفتح والكسر مع سكون اللام، وفتح السين واللام معا ومعناها المسالمة ولذلك أنث قال رجل من اليمن جاهلي: أنا بل انني سلم * لاهلك فاقبلي سلمى (2) قال أبو الحسن: السلم فيها الكسر والفتح لغتان. وقال غيره: السلم بفتح السين واللام على ثلاثة أوجه. تقول: أخذت الاسير سلما اي على الاستسلام. والسلم السلف على السلامة. والسلم شجر واحده سلمة، تقول له بالسلامة. وقوله: " وان جنحوا للسلم " معناه ان مالوا إلى المسالمة، تقول: جنح يجنح جنوحا وجنحت السفينة إذا مالت إلى الوقوف، ومنه جناح الطائر لانه يميل به في
احد شقيه. ولا جناح عليه في كذا اي لا ميل إلى مأثم، قال أبو زيد: جنح يجنح جنوحا إذا اعطى بيده أو عدل إلى ما يحب القوم، وجنح العدو والخيل، وجنحت الابل إذا اخفضت في السير. وليس في الاية ما يدل على ان الكفار إذا ما لو إلى الهدنة وجب اجابتهم إليها على كل حال، لان الاحوال تختلف في ذلك، فتارة تقتضي الاجابة، وتارة لا تقتضي، وذلك إذا وتروا المسلمين بأمر يقتضي الغلظة مع حصول العدة والقوة. فان قيل: إذا جازت الهدنة مع الكفار فهلا جاز المكافة في أمر الامامة حتى يجوز تسليمها إلى من لا يستحقها ؟ قلنا: تسليم الامامة إلى من لا يستحقها فساد في
الدين كفساد تسليم النبوة إلى مثله. وقوله " وتوكل على الله " اي فوض امرك إليه تعالى وثق بأنه لايدبره الا على ما تقتضيه الحكمة. واختلفوا هل في الاية نسخ ؟ فقال الحسن وقتادة وابن زيد: نسخها قوله: " اقتلوا المشركين " (1) وقال قوم: ليست منسوخة، لانها في الموادعة لاهل الكتاب والاخرى في عباد الاوثان، والصحيح أنها ليست منسوخة، لان قوله: " اقتلوا المشركين " نزلت في سنة تسع وبعث بها رسول الله إلى مكة ثم صالح اهل نجران بعد ذلك على الفي حلة: ألف في صفر وألف في رجب. وقوله " إنه هو السميع العليم " معناه انه يسمع دعاء من يدعوه عليم بما تقتضي المصلحة من اجابته وحسن تدبيره قوله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض
(1) سورة 9 التوبة آية 6. (*)
[ 151 ]
جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) آيتان في الكوفي والمدني، وآية في البصري. هذا خطاب للنبي صلى الله عليه واله يقول له: " ان يريدوا " يعني الكفار. وقيل هم بنو قريظة، ومعناه ان قصدوا بالصلح خديعتك. والخديعة اظهار المحبوب في الامر للاستجابة له مع ابطان خلافه: خدع خدعا وخديعة واختدعه اختداعا وتخادع له تخادعا. وانخدع انخداعا. وقوله " فان حسبك الله " معناه، فان الله كافيك يقال: اعطاني ما احسبني اي كفاني. واصله الحساب، وانما اعطاه بحساب ما يكفيه. وقوله " هو الذي ايدك بنصره " وبالمؤمنين " فالتأييد التكمين من الفعل على اتم ما يصح فيه، تقول: ايده تأييدا وتأيد تأيدا. والايد القوة. والمعنى ان الله
قواه بالنصر من عنده، بالمؤمنين الذين ينصرونه على اعدائه. وقوله " وألف بين قلوبهم " والتأليف الجمع على تشاكل، فلما جمعت قلوبهم على تشاكل فيما تحبه وتنازع إليه كانت قد الفت، ولذلك قيل: هذه الكلمة تأتلف مع هذه، ولا تأتلف. والمراد بالمؤمنين الانصار وبتأليف قلوبهم ما كان بين الاوس والخزرج من العداوة والقتال، هذا قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وبشر بن ثابت الانصاري وابن اسحاق. وقال مجاهد: هو في كل متحابين في الله. وانما كان الجمع على المحبة تأليفا بين القلوب، لانه مأخوذ من الالفة وهي الاجتماع على الموافقة في المحبة، ولا يجوز في الجمع على البغضاء ان يمسى بذلك. وقوله " لو انفقت ما في الارض جميعا " فالانفاق اخراج الشئ عن الملك. والمعنى " لو انفقت ما في الارض جميعا " لتجمعهم على الالفة ما تم لك ذاك، ولكن الله الف بينهم بلطف من الطافه وحسن تدبيره، وبالاسلام الذي هداهم الله إليه. ونصب " جميعا " على الحال. وقوله " انه عزيز حكيم " معناه قادر لا يمتنع عليه شئ يريد فعله " حكيم عليم " لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة فعلى ذلك جمع قلوبهم على الالفة.
[ 152 ]
قوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) آية. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يقول له: يكفيك ان يكون ناصرك على اعدائك الله تعالى، والذين اتبعوك من المؤمنين من المهاجرين والانصار، وانما كرر قوله " حسبك " مع انه قد ذكر فيما قبل، لان المعنى هناك إن أرادوا اخداعك كفاك الله امرهم. وهاهنا معناه عام في كل ما يحتاج فيه إلى كفاية الله اياه. وقوله " ومن اتبعك " يحتمل اعرابه وجهين: احدهما - ان يكون نصبا. والمعنى ويكفي من اتبعك على التأويل، لان
الكاف في موضع خفض بالاضافة لكنه مفعول به في المعنى، فعطف على المعنى، وليس ذلك بكثير. واجاز الفراء الرفع لقوله " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين " ومثله قوله " انا منجوك واهلك " (1) وقال الشاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك سيف مهند (2) وهو معنى قول الشعبي وابن زيد. وقال الحسن: هو عطف على اسم الله، فيكون رفعا. والكسائي، والفراء، والزجاج أجازوا الوجهين وحمل عليهما معا أبو علي الجبائي. والاتباع موافقة الداعي فيما يدعوا إليه من اجل دعائه. والمؤمنون يوافقون النبي صلى الله عليه واله في كل ما دعا إليه. وقال الواقدي: نزلت هذه الاية في بني قريظة وبني النضير لما قالوا له: نحن نسلم ونتبعك. قوله تعالى: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) آية. وهذا ايضا خطاب للنبى صلى الله عليه واله يأمره الله بأن يحرض المؤمنين على قتال المشركين. والتحريض والحث نظائر، وهو الدعاء الاكيد بتحريك النفس على أمر من الامور. وضده التفتير. والمعنى حثهم على القتال. والتحريض الحث على الشئ الذي يعلم معه انه حارض إن خالف وتأخر. والحارض هو الذي قارب الهلاك. ومنه قوله:
" حتى تكون حرضا " اي حتى تذوب غما على ذلك وتقارب الهلاك " أو تكون من الهلالكين " (1) وحارض فلان على أمره إذا واظب عليه. والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه. والقتال محاولة الصد والمنع بما فيه تعرض للقتل. والمجاهدة ان يقصد إلى قتل المشركين بقتاله، ومن يدفع عن نفسه فليس كذلك. والصبر هو حبس النفس عما تنازع إليه من صد ما ينبغي أن يكون عليه وضده الجزع، وقال الشاعر: فان تصبروا فالصبر خير مغبة * وان تجزعا فالامر ما تريان (2) والغلبة الظفر بالبغية في المحاربة قتلا أو اسرا أو هزيمة. وقد يقال في الظفر بالبغية في المنازعة بالغلبة. ومعنى " لا يفقهون " هاهنا انهم على جهالة، خلاف من يقاتل على بصيرة، وهو يرجو به ثواب الاخرة. وقال قوم: معناه لا يعلمون ما لهم من استحقاق الثواب بالقتال. وقوله " ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين " وان كان بلفظ الخبر، فالمراد به الامر، ويدل على ذلك قوله " الان خفف الله عنكم " لان التخفيف لا يكون الا بعد المشقة.
(1) سورة 12 يوسف آية 85 (2) مجمع البيان 2 / 556 (*)
[ 154 ]
قوله تعالى: ألان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) آية. قرأ اهل الكوفة " إن يكن.. مئة. وان يكن.. الف " بالياء فيهما وافقهم اهل البصرة في الاولى. وقرأ اهل الكوفة الا الكسائي " ضعفا " بفتح الضاد
الباقون بضمها، ولكنهم سكنوا العين الا ابا جعفر، فانه فتحها ومد وهمز على وزن " فعلاء " على الجمع. ومن قرأ " ان يكن " بالياء فلان المراد به المذكر بدلالة قوله " يغلبوا " وكذلك ما وصف به المئة بقوله " صابرة " لانهم رجال: حملا على المعنى كما حمل على المعنى في قوله " فله عشر أمثالها " (1) فأنث لما كانت في المعنى حسنات. ومن قرأ بالتاء فلان اللفظ التأنيث. ومن قرأ الاول بالتاء والثاني بالياء فلان القراءة بالتاء في الاولى أشد مشاكلة لقوله " مئة صابرة " وليس كذلك في الاخرى، لانه اخبر عنهم بقوله " يغلبوا ". وقال سيبويه يقال: ضعف ضعفا فهو ضعيف. قال وقالوا الفقر كما قالوا الضعف، فعل ذلك انهما لغتان. هذه الاية نسخت حكم ما تقدمها، لان في الاولى كان وجوب ثبات الواحد للعشرة والعشرة للمئة، فلما علم الله تعالى ان ذلك يشق عليهم وتغيرت المصلحة في ذلك نقلهم إلى ثبات الواحد للاثنين والمئة للمئتين، فخفف ذلك عنهم، وهو قول ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد والسدي وعطا والبلخي والجبائي والرماني، وجميع المفسرين. والتخفيف رفع المشقة بالخفة. والخفة نقيض الثقل والخفة والسهولة بمعنى واحد. والضعف نقصان القوة، وهو من الضعف لانه ذهاب بعض القوة
(1) سورة 6 الانعام آية 160 (*)
[ 155 ]
وقوله " باذن الله " فالاذن الاطلاق في الفعل، لانه يسمع بالاذن، ومنه الاذان والايذان والاستئذان، وقوله " الان " مبني مع الالف واللام لانه خرج عن التمكن بشبه الحرف، لانه ينكر تارة ويعرف أخرى، فاستبهم استبهام الحروف بأنه للفصل بين الزمانين على انتقال معناه إلى الذي يليه من الوقت كما ينتقل امس، فالامس والغد والان نظائر واحكامها مختلفة لعلل لزمتها. وقوله تعالى " والله مع الصابرين " معناه انه معهم بالمعونة لهم. والمعنى ان
معونة الله مع الصابرين وحقيقة " مع " ان تكون للمصاحبة للجهة بالمعونة وذلك لا يجوز عليه تعالى. وقيل هذه الاية نزلت بعد الاولى بمدة. قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم (67) آية. قرأ اهل البصرة وابن شاهي " ان تكون " بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ أبو جعفر " أسارى " ومن الاسارى - بفتح الهمزة منهما وبألف بعد السين - وافقه أبو عمرو في الثاني. الباقون بفتح الهمزة وسكون السين من غير الف فيهما. من قرأ بالتاء فلان لفظ الاسرى لفظ التأنيث، فحمله على اللفظ. ومن قرأ بالياء فلان الفعل متقدم والاسرى المراد به المذكورون. وايضا فقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر الفعل معه، مثل جاء الرجل وحضر القاضي امرأة، فإذا اجتمعت هذه الاشياء كان التذكير اولى. واختار الاخفش التذكير. وقال أبو علي الفارسي: الاسرى اقيس من الاسارى لان اسير فعيل بمعنى مفعول، وما كان كذلك لا يجمع بالواو
[ 156 ]
والنون، ولا بالالف والتاء. وإنما يجمع على فعلى مثل جريح وجرحى وقتيل وقتلى وعفير وعفرى، ولديغ ولدغى، وكذلك لك من اصيب في بدنه مثل مريض ومرضى واحمق وحمقى وسكران وسكرى. ومن قرأ اسارى شبهه بكسالى وقالوا كسلى شبهوه باسرى. واسارى في جمع اسير ليس على بابه، وقال أبو الحسن: الاسرى ما لم يكن موثقا والاسارى موثوقون. قال: والعرب لا تعرف ذلك بل هما عندهم سواء. وقال الازهري: الاسارى جمع اسرى فهو جمع الجمع، والاسر الشد على
المحارب بما يصير به في قبضة الاخذ له. واصله الشد، يقال: قتب مأسور اي مشدود وكانوا يشدون الاسير بالفداء. والمعنى: ما كان لنبي ان يحبس كافرا للفداء والمن حتى يثخن في الارض، والاثخان في الارض تغليظ الحال بكثرة القتل. وقال مجاهد: الاثخان القتل. والثخن والغلظ والكثافة نظائر. وقوله " يريدون عرض الدنيا " يعني تريدون الفداء والعرض متاع الدنيا وسماه عرضا لقلة لبثه لانه بمعنى العرض في اللغة. وقوله " والله يريد الاخرة " معناه والله يريد عمل الاخرة من الطاعات التي تؤدي إلى الثواب وإرادة الله لنا خير من إرادتنا لانفسنا. وقوله " والله عزيز حكيم " معناه يريد عمل الاخرة، فانه يعزكم ويرشدكم إلى اصلاحكم، لانه عزيز حكيم، فلا تخافوا قهرا مع إعزازه اياكم. وهذه الاية نزلت في اسارى بدر قبل ان يكثر الاسلام، فلما كثر المسلمون قال الله تعالى " فاما منا بعد وإما فداء " (1) وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال فادوهم بأربعة الاف، وفي الاية دليل على بطلان مذهب المجبرة لانه تعالى فصل إرادة نفسه من إرادتهم، ولو كان يريد ما ارادوه لم يصح هذا الفعل من التفصيل فان قيل: كيف يكون القتل فيهم كان اصلح وقد اسلم منهم جماعة، ومن علم الله من حاله انه يؤمن يجب تبقيته ؟ ! قلنا: في ذلك خلاف، فمن قال:
(1) سورة 47 محمد آية 4 (*)
[ 157 ]
لا يجب ذلك لا يلزمه السؤال. ومن قال: ذلك اوجب قال: ان الله اراد ان يأمرهم بأخذ الفداء وإنما عاتبهم على ذلك لانهم بادروا إليه قبل ان يؤمروا به. قوله تعالى: لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) آية.
قيل في معنى قوله " لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم " قولان: قال الحسن لولا ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من انه لا يعذبهم على ذلك. وقال غيره: لولا ما كتب الله فيه انه يغفر لاهل بدر ما تقدم وما تأخر. الثاني - قال مجاهد: يعني ما ذكره من قوله " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (1) فكأنه قال: لا اعذب إلا بعد المظاهرة في البيان وتكرير الحجة به. وقال قوم " لو لا ما كتبه الله " من ان الفدية ستحل لهم فيما بعد، ذهب إليه سعيد ابن جبير. ومعنى الاية " لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم " من فداء الاسرى والغنيمة عذاب عظيم، لانهم اخذوه قبل ان يؤذن لهم. وقد كان سبق ان الله سيحله لهم في قول ابن عباس والحسن، وقال الجبائي: والمعنى " لو لا كتاب من الله سبق " وهو القرآن الذي آمنتم به واستحقيتم لذلك غفران الصغائر لمسكم فيما اخذتم به من الفداء عذاب عظيم. ولا يجوز ان يكون المراد به الا الصغائر لانهم قبل الغفران لم يكونوا فساقا اجماعا. قال الجبائي: وقد كان من النبي صلى الله عليه واله في هذا معصية اجماعا من غير تعيين ما هي، واظن انها في ترك قتل الاسرى وهذا الذي ذكره غير صحيح، لانه لا إجماع في ذلك بل عندنا لا يجوز على النبي صلى الله عليه واله فعل شئ من القبائح صغيرا كان أو كبيرا لما في ذلك من التنفير عنه على ما بيناه
(1) سورة 17 الاسرى آية 15 (*)
[ 158 ]
في غير موضع. واكثر المفسرين على ان النبي صلى الله عليه واله لم يقع منه خلاف لامر الله وقد روي ان النبي صلى الله عليه واله كره اخذ الفداء حتى راى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال يا رسول الله هذا اول حرب لقينا فيه المشركين اردت ان يثخن فيهم القتل حتى لا يعود احد بعد هذا إلى خلافك وقتالك، فقال رسول الله: قد كرهت ما كرهت، ولكن رايت ما صنع القوم، فالمعصية في ذلك كانت من قوم
من الصحابة الذين مالوا إلى الدنيا واخذ الفداء. وقد قال البلخي ايضا إن اجلاء الصحابة براء من ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه اله انه قال إن الغنائم احلت لي ولم تحل لنبي قبلي. ومعنى " لو لا " امتناع الثاني لوقوع الاول كقولك: لو لا زيد بالمكان الذي هو به لاتيتك، فامتنع الاتيان لمكان زيد. والسبق يكون تقدما في الزمان والمكان والرتبة بأن يكون له وإن لم يكن فيها. والمس مماسة يقع معها إدراك، وهو كاللمس في الحقيقة. والعظيم ما يصغر فيه قدر غيره، ويكون ذلك بعظم الجثة تارة وبعظم الشأن أخرى. والعظيم هو المستحق للصفة بأن قدر غيره صغير عنده. وقال أبو جعفر عليه السلام كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أوقية من فضة والاوقية أبعون مثقالا إلا العباس فان فداءه كان مئة اوقية وكان أخذ منه حين أسر اثنين وعشرين اوقية ذهبا، فقال النبي صلى الله عليه واله ذاك غنيمة ففاد نفسك وابني اخيك عقيل ونوفل بن الحارث، فقال: ليس معي، فقال: اين الذهب الذي سلمته إلى ام الفضل وقلت: ان حدث بي حدث، فهو لك وللفضل وعبد الله وميثم، فقال من اخبرك بهذا ؟ قال: الله، قال: اشهد انك رسول الله، والله ما اطلع على هذا احد إلا الله تعالى. قوله تعالى: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور
[ 159 ]
رحيم (69) آية. أباح الله تعالى للمؤمنين بهذه الاية أن يأكلوا مما غنموه من اموال المشركين بالقهر من دار الحرب. ولفظه وإن كان لفظ الامر. فالمراد به الاباحة ورفع الحظر. والغنيمة ما أخذ من دار الحرب بالقهر. والفئ ما رجع إلى المسلمين، وانتقل إليهم
من المشركين. والاكل تناول الطعام بالفم مع المضغ والبلع، فمتى فعل الصائم هذا فقد أكل في الحقيقة. والفرق بين الحلال والمباح ان الحلال من حل العقد في التحريم والمباح من التوسعة في الفعل وان اجتمعا في الحل والطيب المستلذ، وشبه الحلال به فسمي طيبا. واللذة نيل المشتهى. قال الزجاج: الفاء في قوله " فكلوا " على تقدير قد أحللت لكم الفداء فكلوه. وقوله " واتقوا الله " معناه اتقوا معاصيه فان الله غفور رحيم لمن اطاعه وترك معاصيه. قوله تعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) آية قرأ أبو عمرو وحده من السبعة وابو جعفر " الاسارى " الباقون " الاسرى " وابو عمرو جمع المذهبين في الاول والثاني. وحمله الباقون على النظير في المعنى. وقد فسرنا فيما مضي الاسير من اخذ من دار الحرب من أهلها، ولو اخذ مسلم لكان قد فك اسره. خاطب الله بهذه الاية نبيه صلى الله عليه واله وامره ان يقول لمن حصل في يده من الاسرى يعني من حصل في وثاقه وسماه في يده لانه بمنزلة ما
[ 160 ]
قبض على يده بالاستيلاء عليه ولذلك يقال في الملك المتنازع فيه لمن اليد ؟ وقوله " ان يعلم الله في قلوبكم خيرا " يعني اسلاما. وقيل معناه إن يعلم منكم خيرا في المستقبل بأن يفعلوه فيعلمه الله موجودا، لان ما لم يفعل لا يعلمه موجودا والخير النفع العظيم، وهو هاهنا البصيرة في دين الله وحسن النية في امر الله. وقوله " يؤتكم خيرا " يعني يعطيكم خيرا " مما اخذ منكم " من الفداء. وقال الحسن
اطلقهم بالفداء، ولو لم يسلمو لم يتركهم. وقوله " ويغفر لكم " يعني زيادة مما يؤتيهم يغفر لهم معاصيهم ويسترها عليهم لانه غفور رحيم. وروي عن العباس انه قال: كان معي عشرون اوقية فأخذت مني فاعطاني مكانها عشرين عبدا ووعدني بالمغفرة. وقال العباس في نزلت وفي اصحابي هذه الاية، وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم: قوله تعالى: وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) آية. معنى الاية ان هؤلاء الاسارى ان علم الله في قلوبهم خيرا اخلف عليهم خيرا مما اخذ منهم. وان عزموا على الخيانة، ونقض العهد وفعلوا خلاف ما وقع عليه العقد من تأدية فرض الله، فقد خانوا الله من قبل هذا. والمعنى فقد خانوا أولياء الله، لان الله لا يمكن ان يخان، لانه عالم بالاشياء كلها لا يخفى عليه خافية. والخيانة هاهنا نقض الطاعة لله ورسوله التى شهدت بها الدلالة. وقوله " فامكن منهم " المعنى لما خانوا بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين، فقد امكن الله منهم بان غلبوا واسروا. فان خانوا ثانيا فيمكن الله منهم مثل ذلك. والامكان هو القدرة على الشئ مع ارتفاع المانع، وما لو حرص عليه صاحبه اتم الحرص لم
[ 161 ]
يصح ان يقع منه لا يكون امكانا، فالامكان ينافي المنع والالجاء كما ينافي العجز القدرة. وقوله " والله عليم حكيم " معناه عالم بما تقولونه وما في نفوسكم وبجميع الاشياء " حكيم " فيما يفعله. والحكيم هو العالم بوجوه الحكمة في الفعل مما يصرف عن خلافها والاصل في الحكمة المنع فهي تمنع الفعل من الخلل والفساد.
قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله الذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) آية. قرأ حمزة " ولايتهم " بكسر الواو. الباقون بفتحها. قال الزجاج: إنما جاز الكسر لانه يشبه الصناعة كالخياطة والقصارة والحياكة، وقال الشاعر في الفتح: دعيهم فهم ألب علي ولاية * وحفرهم ان يعلموا ذاك دائب (1) قال أبو عبيدة: بفتح الواو مصدر المولى تقول: مولى بين الولاية وإذا كسرت فهو من وليت الشئ. قال أبو الحسن: يفتح الواو من الولاية إلا الولاية في السلطان بكسر الواو، وكسر الواو في الاخرى لغة. وقرأ الاعمش بكسر الواو من الولاية في الدين هنا. قال أبو علي الفارسي: الولاية هاهنا في الدين والفتح أجود. قال أبو الحسن. وهي قراءة الناس. وعن الاعمش أنه كسر الواو، وهي لغة. وليست
(1) معاني القرآن 1 / 419 (*)
[ 162 ]
بذلك. قال المبرد عن الاصمعي: ان الاعمش لحن في كسره لذلك. قال أبو علي: إذا كان ذلك لغة لا يكون لحنا. قال الفراء: والكسر أحب الي، لانها ولاية المواريث. وقال الازهري: في النصرة والنسب بفتح الواو. وفي الامارة بكسرها. اخبر الله تعالى في هذه الاية عن احوال المؤمنين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بقوله " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله " وعن احوال الانصار بقوله " والذين آووا ونصروا " يعني النبي صلى الله عليه واله. ثم
قال " اولئك " يعني المهاجرين والانصار " بعضهم اولياء بعض " والهجرة فراق الوطن إلى غيره من البلاد فرارا من المفتنين في الدين، لانهم هجروا دار الكفار إلى دار الاسلام. والجهاد تحمل المشاق في قتال اعداء الدين جاهد جهادا وجهده الامر جهدا واجتهد اجتهادا، وجاهد مجاهدة. والايواء ضم الانسان صاحبه إليه بانزاله عنده وتقريبه له، تقول: آواه يؤويه ايواء واوى يأوي اويا، وأويت معناه رجعت إلى المأوى. والولاية عقد النصرة للموافقة في الديانة. ثم اخبر الله تعالى عن الذين آمنوا ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة فقال " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ " وقيل في معناه قولان: احدهما - ولاية القرابة نفاها عنهم لانهم كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الرحم - في قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي - وعن ابي جعفر عليه السلام انهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. الثاني - انه نفي الولاية التي يكونون بها يدا واحدة في الحل والعقد، فنفى عن هؤلاء ما اثبته للاولين حتى يهاجروا. ثم قال " وإن استنصروكم " اي طلبوا نصركم " في الدين " يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا " فعليكم النصر " اي نصرهم بسبب الايمان الذي يجب علكيم ان تنصروهم على الكفار " إلا على قوم بينكم " وبينهم ميثاق، يعني موادعة ومهادنة تقتضيه من جهة ان عقدهم بخلاف عقدهم.
[ 163 ]
وقيل انه نسخ ذلك بقوله " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض " (1). وقوله " والله بما تعملون بصير " يعني عالم بما يعملونه. قوله تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير (73) آية.
اخبر الله تعالى عن الكافرين أن بعضهم اولياء بعض بمعنى النصرة، لانه ينصر بعضهم بعضا. وقوله " الا تفعلوه " الهاء عائدة إلى معنى ما أمروا به في الاية الاولى والثانية، ومخرجه مخرج الخبر والمراد به الامر، وتقديره الا تفعلوا ما امرتم به من التناصر والتعاون والبراءة من الكفار " تكن فتنة في الارض وفساد كبير " على المؤمنين الذين لم يهاجروا. فالفتنة هاهنا المحنة بالميل إلى الضلال لانه إذا لم يتوال المؤمن المؤمن على ظاهر حاله من الايمان والفضل، ولم يدعه إلى التبري من الضلال ادى ذلك إلى الضلال. والفساد ضد الصلاح وهو الانقلاب إلى الضرر القبيح. والصلاح جريان الشئ على استقامة. والولي هو المختص بالعقد على النصرة في وقت الحاجة، وقد يعقد بالعزم، وقد يعقد بالحكم. وقيل في معنى قوله " والذين كفروا بعضهم اولياء بعض " قولان: احدهما - في الميراث، في قول ابن عباس، وابي مالك. والثاني - قال قتادة وابن اسحق في النصرة. قوله تعالى والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق
(1) سورة 9 التوبة آية 72 (*)
[ 164 ]
كريم (74) آية. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله وهاجروا من ديارهم وأوطانهم، يعني من مكة إلى المدينة، وجاهدوا مع ذلك في سبيل الله وقتال اعدائه. والذين آووا من الانصار ومعناه ضموهم إليهم ونصروا النبي صلى الله عليه واله بأنهم المؤمنون حقا، وقيل في معناه قولان: احدهما انهم المؤمنون الذين حققوا ايمانهم
لما يقتضيه من الهجرة والنصرة بخلاف من اقام بدار الشرك. الثاني - قال أبو علي الجبائي: معناه انهم المؤمنون حقا، لان الله حقق ايمانهم بالبشارة التي بشرهم بها، ولو لم يهاجروا ولم ينصروا لم يكن مثل هذا. واختلفوا في هل تصح الهجرة في هذا الزمان أو لا ؟ فقال قوم: لا تصح لان النبي صلى الله عليه واله قال: لاهجرة بعد الفتح ولان الهجرة انتقال من دار الكفر إلى دار الاسلام على هجر الاوطان، وليس يقع مثل هذا في هذا الزمان لاتساع بلاد الاسلام إلا أن يكون نادرا لا يعتد به. وقال الحسن: بقيت هجرة الاعراب إلى الامصار إلى يوم القيامة. والاقوى أن يكون حكم الهجرة باقيا، لان من أسلم في دار الحرب ثم هاجر إلى دار الاسلام كان مهاجرا، وسمي الجهاد في سبيل الله لانه طريق إلى ثواب الله في دار كرامته. وقوله " لهم مغفرة ورزق كريم " اخبار منه تعالى أن لهؤلاء المغفرة لذنوبهم والرزق الكريم يعني العظيم الواسع والكريم الذي يصح منه الكرم من غير مانع. والكرم الجود العظيم والشرف قال الشاعر: تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وقيل: الرزق الكريم هنا طعام الجنة لانه لا يستحيل إلى أجوافهم نجوا بل يصير كالمسك ريحا.
[ 165 ]
قوله تعالى: والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاولئك منكم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم (75) آية.
اخبر الله تعالى بأن الذين هاجروا بعد هجرة من هاجر، وقيل أراد بعد الفتح وجاهدوا مع المؤمنين بأن قال " فأولئك منكم " ومعناه حكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ومواريثهم ونصرتهم. وقوله " وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " قيل في معنى " كتاب الله " قولان: احدهما - في كتاب الله من اللوح المحفوظ، كما قال " ما أصاب من مصيبة في الارض، ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " (1). والثاني - قال الزجاج: يعني في حكم الله. ومعنى " أولوا " ذووا، واحده ذو، ولا واحد له من لفظه. وفي الاية دلالة على ان من كان قرباه أقرب إلى الميت كان أولى بالميراث سواء كان عصبة اولم يكن أو له تسمية أو لم يكن لان مع كونه اقرب تبطل التسمية. ومن وافقنا في توريث ذوي الارحام يستثني العصبة، وذوي السهام. وهذه الاية نسخت حكم التوارث بالنصرة والهجرة فانهم كانوا لا يورثون الاعراب من المهاجرين على ما ذكره في الايات الاول. ومن قال: الولاية في الاية الاولى ولاية النصرة دون الميراث يقول: ليست هذه ناسخة لها بل هما محكمتان. ودخلت الفاء في قوله: " فاولئك " كما تقول الذي يأتيني فله درهم، لان فيه معنى المجازات وقال مجاهد: في هذه الايات الثلاث ذكر ما ولاية رسول الله بين
(1) سورة 57 الحديد آية 22 (*)
[ 166 ]
المهاجرين والانصار في الميراث، ثم نسخ ذلك بآخرها من قوله " وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " وقال عبد الله بن الزبير نزلت في العصبات كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وارثك فنزلت " وأولو الارحام " إلى آخرها. وقال الحسن: والذين آمنوا من بعد يعني بعد فتح مكة. وقوله " منكم "
معناه مؤمنون مثلكم، ولا هجرة بعد فتح مكة، وقال: الهجرة إلى الامصار قائمة إلى يوم القيامة. وكان الحسن يمنع ان يتزوج المهاجر إلى اعرابية. وروي عن عمر انه قال: لا تنكحوا أهل مكة، فانهم اعراب. وأكثر هذه السورة في قصة بدر. وكانت في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة، من شهد هذه الواقعة فله الفضل.
[ 167 ]
9 - سورة براءة وتسمى سورة التوبة مدنية وهي مئة وتسع وعشرون آية في الكوفي وثلاثون في البصري والمدنيين قال مجاهد وقتادة وعثمان: هي آخر ما نزلت على النبي صلى الله عليه واله بالمدينة وروي عن حذيفة انه قال: كيف يسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب ؟ ! وروي عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة قال: تلك الفاضحة ما زالت تنزل وفيهم حتى خشينا الا تدع احدا. قال وسورة الانفال نزلت في بدر، وسورة الحشر في بني النضير. قوله تعالى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) آية. قيل في علة ترك افتتاح هذه السورة ب (بسم الله الرحمن الرحيم) قولان: احدهما - ما روي عن ابي بن كعب أنه ضمت هذه السورة إلى الانفال بالمقاربة، فكانتا كسورة واحدة لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع لعهود. وقال عثمان لاشتباه قصتهما، لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع لعهود. وقال المبرد: لان " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان وبراءة نزلت لرفع الامان.
ويحتمل رفع " براءة " وجهين: احدهما - ان يكون خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره هذه الايات براءة.
[ 168 ]
والثاني - ان يكون مبتدأ وخبره الظرف في قوله " إلى الذين ". والاول اجود لانه يدل على حصول المدرك كما تقول لما تراه حاضرا: حسن والله اي هذا حسن. ومعنى البراءة انقطاع برئ براءة وابرأه ابراءا وتبرأ تبرؤا وبرئت من المرض وبرأت أبرأ وأبرؤ وبرأ تبريئا. وروى أهل اللغة برأت أبرؤ برءا، ولم يجئ من المهموز (فعلت أفعل) إلا في هذا الحرف الواحد وبريت القلم أبريه بريا بغير همز، وبراه السير إذا هزله. وبرئ له يبرئ أذا تعرض له، وباراه إذا عارضه وأبرأت البعير إذا جعلت لانفه براه بالالف. ومعنى الاية برئ الله من المشركين ورسوله " إلا الذين عاهدتم من المشركين " من اعطائتم الامان، والعهود والوفاء لهم بها إلا إذا نكثوا، لانهم كانوا ينكثون ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله، فأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه واله ان ينبذ ايضا إليهم عهدهم. وقوله " إلا الذين عاهدتم من المشركين " فالعهد العقد الذي يتقدم به لتوثيق الامر عهد عهدا وعاهد معاهدة وتعاهد الامر تعاهدا وتعهده تعهدا وقوله: " عاهدتم " انما جاء بلفظ الخطاب، لان فيه دلالة على الامر بالنبذ إلى المشركين برفع الامان ولو لا ذلك لجاز عاقدنا، لان معاقدة النبي صلى الله عليه واله انما هي عن الله عز وجل. ويجوز رفع الامان والبراءة من غير نقض العهد إذا كان مشروطا إلى ان يرفعه الله إليهم. قوله تعالى: فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي
الله وأن الله مخزي الكافرين (2) آية. السيح السير في الارض على مهل تقول: ساح يسيح سيحا وسياحة وسيوحا
[ 169 ]
وسيحانا وإنساح الماء إنسياحا وسيحه تسييحا. امر الله تعالى في هذه الاية ان يقال لهؤلاء المشركين أن يسيحوا في الارض أربعة اشهر آمنين وإنما احلهم هذه الاشهر لانها الاشهر الحرم إلى آخر المحرم من أول شوال، في قول ابن عباس والزهري. وقال الفراء: كانت المدة إلى آخر المحرم لانه كان فيهم من كان مدته خمسين ليلة، وهو من لم يكن له عهد من النبي صلى الله عليه واله فجعل الله ذلك له. قال: ومعنى الاشهر الحرم المحرم وحده وإنما جمعه لانه متصل بذي الحجة وذي القعدة فكأنه قال: فإذا انقضت الثلاثة أشهر. وقال أبو عبد الله عليه السلام اول الاربعة الاشهر يوم النحر وآخرها العاشر من شهر ربيع الاخر، وهو قول محمد بن كعب القرطي ومجاهد، وقال الحسن: إنما جعل لهم هذه المدة، لان منهم من كان عهده اكثر من اربعة اشهر فحط إليها. ومنهم من كان اقل فرفع إليها. وقال أبو علي الجبائي: كان يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الاول، لان الحج كان تلك السنة في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع، وكان سبب ذلك النسئ الذي كان في الجاهلية. وقرأ براءة على الناس يوم النحر بمكة علي بن ابي طالب عليه السلام لان أبا بكر كان على الموسم في تلك السنة فاتبعه النبي صلى الله عليه واله بعلي عليه السلام، وقال: لا يبلغ عني الارجل منى - في قول الحسن وقتادة ومجاهد والجبائي - وروى أصحابنا ان النبي صلى الله عليه واله كان ولاه ايضا الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أو بكر فقال: يا رسول الله انزل في قرآن ؟ فقال: لا، ولكن لا يؤدي إلا أنا
أو رجل مني. وروى الشعبي عن محرز بن ابي هريرة: قال: قال أبو هريرة: كنت أنادي مع علي عليه السلام حين أذن المشركين فكان إذا اضمحل صوته مما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا ابه اي شئ كنتم تقولون ؟ قال: كنا نقول لا يحج بعد عامنا هذا
[ 170 ]
مشرك - قال وما حج بعد عامنا مشرك - ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا مؤمن ومن كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه واله مدة فان اجله إلى اربعة اشهر فإذا انقضت اربعة اشهر فان الله برئ من المشركين ورسوله. وفتحت مكة سنة ثمان ونزلت براءة سنة تسع وحج رسول الله صلى الله عليه واله حجة الوداع سنة عشر. وقوله " واعلموا انكم غير معجزي الله " معناه انكم غير فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لانكم حيث ما كنتم في سلطان الله وملكه والاعجاز ايجاد العجز والعجز ضد القدرة عند من أثبته معنى. وقوله " وان الله مخزي الكافرين " فالاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة والعار. والخزي النكال ضح. قوله تعالى: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله (3) فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (4) آية في الكوفي والمدني، وآيتان في البصري. الاذان الاعلام في قول ابن زيد والزجاج والجبائي، تقول: أذنني فلان كذا فأذنت اي اعلمني فعلمت. وقال بعضهم: معناه النداء الذي يسمع بالاذن. وقال الفراء والزجاج: انما ارتفع لانه عطف على قوله " براءة " وقيل معناه عليكم اذان، لان فيه معنى الامر. والحج المقصد إلى اعمال المناسك على ما امر
الله به وقد بينا شرائط الحج واركانه وفرائضه في كتب الفقه، ولا نطول بذكره هاهنا والحج الاكبر قال عطا، ومجاهد، وعامر وبشر بن عبادة: هو ما فيه الوقوف
[ 171 ]
بعرفه، والاصغر العمرة، وقال مجاهد: الحج الاكبر هو القران، والحج الاصغر هو الافراد. وقيل في معنى " يوم الحج الاكبر " ثلاثة اقوال: احدها - ما روي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: عرفة، وهو المروي عن عمر وابن عباس بخلاف فيه وبه قال عطا ومجاهد وابن الزبير وابو حنيفة. الثاني - في رواية اخرى عن النبي صلى الله عليه واله وعلي عليه السلام وابن عباس وسعيد ابن جبير، وعبد الله بن ابي أوفى، وابراهيم ومجاهد أنه يوم النحر، وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام. وسمي بالحج الاكبر لانه حج فيه المشركون والمسلمون ولم يحج بعدها مشرك. الثالث - قال مجاهد وشعبة: هو جميع ايام الحج. اعلم الله تعالى في هذه الاية المشركين انه ورسوله برئ من المشركين وانه ان تبتم ورجعتم إلى الايمان وطاعة الرسول " فهو خير لكم " وان اعرضتم وتوليتم فاعلموا انكم لا تفوتون الله وان الله يبشر الكافرين بعذاب اليم اي شديد مؤلم. قال الحسن الحج الاكبر ثلاثة ايام الحج اجتمعت في تلك الايام الثلاثة اعياد المسلمين واعياد اليهود واعياد النصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لم يكن فيما خلا ولا يكون إلى يوم القيامة. قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (5) آية اجماعا.
استثنى الله تعالى من براءته عز وجل، وبراءة ورسوله صلى الله عليه واله من المشركين من كان لهم العهد، في قول الزجاج. وقال الفراء: هذا استثناء في موضع نصب، وهو
[ 172 ]
قوم من بني كنانة كان قد بقي من اجلهم تسعة اشهر، فقال الله تعالى " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " لا تحطوهم إلى الاربعة اشهر، وقال مجاهد: عنى بذلك جماعة من خزاءة ومدلج. وقال ابن عباس: توجه ذلك إلى كل من كان بينه وبين رسول الله عهد قبل براءة. وينبغي أن يكون ابن عباس اراد بذلك من كان بينه وبينه عقد هدنة أو إلى قوم من المشركين لم يتعرضوا له صلى الله عليه واله بعداوة ولا ظاهروا عليه عدوه، لان النبي صلى الله عليه واله صالح اهل هجر واهل البحرين وايلى ودومة الجندل، وادرج، واهل معنا، وهم ناس من اليهود في توجهه إلى تبوك أو في مرجعه منها، وله عهود الصلح والحرب غير هذه، ولم ينبذ إليهم بنقض عهد، ولا حاربهم بعد ان صاروا اهل ذمة إلى ان مضى لسبيله. ووفى لهم بذلك من بعده، فمن حمل ذلك على جميع العهود فقد اخطأ. وقال الحسن: هذا استثناء من قوله تعالى " اقتلوا المشركين "، " إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " ثم نقلت إلى هاهنا وباقي الناس على خلافه. وقوله " ثم لم ينقصوكم شيئا " النقصان حط العدة عن عدة، والزيادة الحاق العدة بعدة. والمعنى ثم لم ينقصوكم من شروطكم العهد شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا فالمظاهرة المعاونة على العدو للظهور عليه فهؤلاء إن لم يعاونوا عليكم احدا من اعدائكم ولا نقصوكم شيئا من حقكم في عهدهم فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، وهو أمن من الله تعالى إلى ان يبلغوا المدة التي وافقهم عليها. قال قتادة: وهم مشركوا قريش كانوا عاهدوه في الحديبية وبقي من مدتهم اربعة اشهر بعد يوم النحر. والاتمام بلوغ الحد في العدة من غير زيادة ولا نقصان فهنا معناه امضاء
الامر على ما تقدم به العهد إلى انقضاء اجل العقد. والمدد زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مددت له في الاجل للمهلة. والمعنى إلى انقضاء مدتهم. وقرأ عطاء " ثم لم ينقضوكم " بالضاد المعجمة وهي شاذة (وأن) بفتح الهمزة، لان تقديره بأن الله برئ عمن المشركين، ولا يجوز أن يكون المراد نبذ العهد إلى
[ 173 ]
مكة، لان مكة فتحت سنة ثمان وصارت دار الاسلام، ونبذ العهد كان في سنة تسع فعلم بذلك ان المراد غيرهم. قوله تعالى: فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله عفور رحيم (6) آية. الانسلاخ اخراج الشئ مما لابسه، وكذلك سلخ الشاة إذا نزع الجلد عنها وسلخنا شهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا. وقيل في الاشهر الحرم قولان: احدهما - رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد الثاني - الاشهر الاربعة التي جعل لهم ان يسيحوا فيها آمنين، وهي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الاول، وعشر من ربيع الاخر، في قول الحسن والسدي وغيرهما. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله والمؤمنين انه إذا انقضت مدة هؤلاء المعاهدين، وهي الاربعة اشهر ان يقتلوا المشركين حيث وجدوهم. قال الفراء: سواء كان في الاشهر الحرم أو غيرها وسواء في الحل أو في الحرم، وان يأخذوهم، ويحصروهم والحصر المنع من الخروج عن محيط واحصر الرجل إحصارا وحاصره العدو
محاصرة وحصارا، وحصر في كلامه حصرا وانحصر الشئ انحصارا. والحصر والحبس والاسر نظائر. وقوله " واقعدوا لهم كل مرصد " يعني كل موضع يرقب فيه العدو والمرصد الطريق ومثله المرقب والمربأ، يقال: رصده يرصده رصدا، ونصب كل
[ 174 ]
مرصد على تقدير على كل مرصد - على قول الاخفش - كما قال الشاعر: نغالي اللحم للاضياف نيا * ونرخصه إذا نضج القدور (1) اي نغالي باللحم. وقال الزجاج هو ظرف كقولك ذهبت مذهبا وقال الشاعر: إن المنية للفتى بالمرصد (2) فجعله بمنزلة المحدود، والمرصد مبهم، والطريق محدود، فهذا فرق ما بينهما واستدل بهذه الاية على ان تارك الصلاة متعمدا يجب قتله، لان الله تعالى اوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين: احدهما - ان يتوبوا من الشرك. والثاني - ان يقيموا الصلاة، فإذا لم يقيموا الصلاة وجب قتلهم. قوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (7) آية قوله " احد " ليست التي تقع في النفي في مثل قولك (ما جاءني احد) لان الايجاب لا يصح فيه اعم العام الذي هو هو على الجملة والتفصيل كقولك: ليسوا مجتمعين، ولا متفرقين. ولا يصح مثل ذلك في الايجاب، ويصح في الاستفهام لان فيه معنى النفي، ولولا ذلك لم يصح جوابه ب " لا " والتقدير وإن استجارك احد من المشركين استجارك فاضمر الفعل، ولم يجز في الجواب ان يقول: إن يقوم احد زيد يذهب، لقوة " إن " إنها للفعل خاصة ومثله انشد الاخفش: لا تجزعي إن منفسا اهلكته * فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (3)
(1) مر تخريج هذا البيت في 1 / 470 تعليقة 3 (2) تفسير القرطبي 8 / 73 ومجاز القرآن 1 / 253 (3) القرطبي 8 / 77. نسبه للنمير بن تولب. (*)
[ 175 ]
فاخبر، ثم جزم على جواب الجزاء، لانها شرط وليس كذلك الجواب، لانه قد يكون بالفاء ولا يجوز اضمار الفعل في شئ من حروف المجازاة إلا في " إن " لانها ام الباب، وهي الاصل الذي يلزمه، قال الشاعر: فان انت تفعل فللفاعلي * ن انت المجيرين تلك الغمارا (1) واما قول الشاعر: فمتى واغل ينبهم يحيو * ه ويعطف عليه كأس الساقي فانما هو ضرورة، لا يجوز مثله في الكلام قال الفراء " استجارك " في موضع جزم، وانه فرق بين الجازم والمجزوم ب " احد " وذلك جائز في " ان " خاصة وقد يفرق بينهما وبين المجزوم بالمنصوب والمرفوع، فالمنصوب مثل قولك: إن اخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله تعالى " إن امرؤ هلك ليس له ولد " (2) امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله انه متى استجارك احد من المشركين الذين امرتك بقتالهم اي طلب منه الجار في رفع الاذى عن صاحبه. وقيل: المعنى ان استأمنك احد فأمنه " حتى يسمع كلام الله " والمشرك يصح ان يسمع كلام الله على الحقيقة لان حكاية كلام الله يطلق عليه الاسم بأنه كلام الله لظهور الامر فيه، ولا يحتاج ان يقدر اصل له، كما يقال: كلام سيبويه وغيره. ومن ظن ان الحكاية تفارق المحكي لاجل هذا الظاهر فقد غلط، لان المراد ما ذكرناه فيما يقال في العرف انه كلام الله. وقوله " ثم ابلغه مأمنه " فالابلاغ النصيير إلى منتهى الحد. والابلاغ والاداء نظائر. وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها
لو كانت كذلك لما كان لطلب ما هو عالم به معنى. ومعنى قوله " لا يعلمون " اخبار عن جهلهم في افعالهم، لا انهم لا يعقلون، وإنما اراد لا ينتفعون بمثله. ولا يعرفون مالهم وعليهم من الثواب والعقاب.
(1) معاني القرآن 1 / 422. نسبه للكميت. (2) سورة 4 النساء آية 175 (*)
[ 176 ]
قوله تعالى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (8) آية. قال الفراء: هذا على التعجب كما تقول: كيف تستبقي مثلك ؟ ! اي لا ينبغي ان يستبقى، وفي قراءة عبد الله: كيف يكون لهم عهد عند الله، ولا ذمة، فادخل الكلام " لا " مع الواو، ولا معنى الاول جحد. وقال غيره: في الكلام حذف لان الكلام خرج مخرج الانكار عليهم. وتقديره كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله مع اضمار الغدر في عهدم، فجاء الانكار ان يكون لهم عهد مع ما ينبذ من العهد على ذلك، وذلك يقتضي اضمار الغدر فميا وقع من العهد. ثم استثنى من ذلك " الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " فكان ذلك ايجابا فيهم لان ما قبله في معنى النفي، والتقدير ليس للمشركين عهد الا الذين. وموضع " الذين " يحتمل الجر والنصب. وحكى الكسائي: اين كنت لتنجو مني اي ما كنت. و " المسجد " الموضع المهيأ لصلاة الجماعة، والمراد هاهنا مسجد مكة خاصة
واصله موضع السجود كالمجلس موضع الجلوس و " الحرام " المحظور بعض احواله فالخمر حرام لحظر شربها وسائر انواع التصرف فيها. والام حرام بحظر نكاحها والمسجد الحرام لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله ما يبتذل به غيره. وقوله " فما استقاموا لكم " معناه ما استمروا لكم على العهد. والاستقامة الاستمرار على جهة الصواب. ومتى كان الاستمرار على وجه الخطأ لا يسمى استقامة. ومعنى " فاستقيموا لهم " استمروا لهم على العهد مثلهم والمراد بالذين عوهدوا عند المسجد
[ 177 ]
لحرام، قيل فيهم ثلاثة اقوال: قال مجاهد: هم خزاعة. وقال ابن اسحاق: هم قوم من بني كنانة. وقال ابن عباس: هم قريش. وقوله " ان الله يحب المتقين " اخبار منه تعالى انه يحب من يتقي معاصيه ويعمل بطاعاته وانه يريد ثوابه ومنافعه. وفي الاية دليل على ان تمكين الحربي من المقام في دار الاسلام بعد قضاء حاجته ليس بجائز. قوله تعالى: كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (9) آية. تقدير الاية كيف لهم عهد وكيف لا تقتلونهم وحذف، لان قوله في الاية لاولى " كيف يكون للمشركين عهد " دل على ذلك ومثله قول الشاعر: وخبر تماني أنما الموت في القرى * فكيف وهاتا هضبة وقليب (1) ويروى وهذي اي كيف مات وليس في قرية. وقال الحطيئة في حذف الفعل بعد كيف: فكيف ولم أعلمهم خذلوكم * على معظم ولا اديمكم قدوا (2) أي كيف تلومونني على مدح قوم وتذمونهم. والمعنى كيف لهم يعني لهؤلاء
المشركين عهد، وهم إن يظهروا عليكم بمعنى يعلوا عليكم بالغلبة، لان الظهور هو العلو بالغلبة. واصله خروج الشئ إلى حيث يصح ان يدرك " لا يرقبوا فيكم " معناه لا يراعون فيكم، والرقوب هو العمل في الامر على ما تقدم به العهد. والمراقبة
(1) قائله كعب بن سعد الغنوي. الاصمعيات 99 وتفسير الطبري 14 / 145 وأمالي القالي 2 / 151 ومعاني القرآن 1 / 424 (2) معاني القرآن 1 / 424 (*)
[ 178 ]
والمراعاة نظائر في اللغة. وقوله: " إلا ولا ذمة " قيل في معنى الئل ستة اقوال: اولها - قال مجاهد وابن زيد: إن معناه العهد. والثاني - في رواية اخرى عن مجاهد أنه اسم الله. ومنه قول أبي بكر لما سمع كلام مسيلمة: لم يخرج هذا من إل، فأين يذهب بكم. الثالث - قال ابن عباس: هو القرابة. الرابع - قال الحسن: هو الجوار. الخامس - قال قتادة: هو الحلف. السادس - قال أبو عبيدة: هو التميز. والاصل في جميع ذلك العهد وهو مأخوذ من الاليل وهو البريق، يقال: أل يؤل إذا لمع والالة الحربة للمعانها، وأذن مؤللة مشبهة بالحربة في تحديدها وقال الزجاج: اصله التحديد قال الشاعر: وجدناهم كاذبا إلهم * وذو الال والعهد لا يكذب (1) أي ذو العهد، وقال ابن مقبل: أفسد الناس خلوف خلفوا. * قطعوا الال واعرق الرحم (2) يعني القرابة، وقال حسان: لعمرك إن إلك في قريش * كال السقب من رأل النعام (3) وقوله " يرضونكم بأفواههم " معناه يقولون قولا يرضيكم بذلك في الظاهر وتأبى قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم. ثم اخبر الله تعالى عن حالهم
لان الفاسق هو الخارج من الشئ من قولهم فسقت الرطبة. وإنما كان اكثر هم بهذه الصفة ولم يكن جميعهم وإن كانوا كلهم فاسقين لان المراد به رؤساءهم.
قوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (10) آية. قيل في من نزلت هذه الاية بسببه قولان: قال مجاهد: نزلت في ابي سفيان لما جمعهم على طعامه فاطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه واله. وقال أبو علي الجبائي: نزلت في قوم من اليهود دخلوا في العهد فيما دلت عليه هذه الصفة. ومعنى " اشتروا بآيات الله " استبدلوا بحجج الله وبيناته العظيمة الشأن " ثمنا قليلا " اي عرضا قليلا. واصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن، ونقيضه البيع، وهو العقد على تسليم المتاع بالثمن. والثمن ما كان من العين والورق - في الاصل - ثم قيل لما اخذوه بدل آيات الله ثمن، لانه بمنزلته في أنه يستبدل به. وقوله " فصدوا عن سبيله " اي صدوا عن الاسلام، ومعنى هذه الفاء كمعنى جواب الجزاء، لان اشتراءهم هذا اداهم إلى الصد عن سبيل الله. والصد هو المنع. ثم اخبر تعالى عنهم انهم بئس ما كانوا يعملونه من هذا الاستبدال. قوله تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (11) آية.
قد بينا ان المراقبة هي المراعاة لما تقدم من العهد الذي يلزم الديانة، لئلا يقع اخلال بشئ منه. والئل العهد. والذمة عقد الجوار، وهما متقاربان. وفصل بينهما بأن الذمة عقد قوم يذم نقضه. والئل الذي هو العهد عقد يدعو إلى الوفاء والبيان الذي فيه، لانه يلوح المعنى الذي يدعوا إلى الوفاء إذا ضل كل واحد
[ 180 ]
منهما يقتضي هذا. وانما اعيد ذكر " لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة " لانه في صفة " والذين اشتروا بآيات الله ثمنا " والاول في صفة جميع الناقضين للعهد. وقال في الثاني " فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين "، فلذلك كرر بوصفين مختلفين. وقال الجبائي: لانه في صفة اليهود خاصة، والاول في صفة الناقضين عامة، وإنما ذموا بترك المراقبة، لان مع تركها الغالب ان يقع إخلال بما تقدم من العقد، فلزمت المراقبة لهذه العلة. وترك المراقبة في عهد المؤمن أعظم منها في ترك عهد غيره لكثرة الزواجر عن الغدر بالمؤمن، لانه ليس من شأنه الغدر. اخبر الله تعالى عن هؤلاء المشركين انهم لا يراعون في المؤمن عقد العهد ولا ذمة الجواز، وانهم مع ذلك معتدون. والاعتداء الخروج من الحق واصله المجاوزة، ومنه التعدي وهو تجاوز الحد ومعاداة القوم مجاوزة الحد في البغضة وكذلك العداوة. والاستعداء طلب معاملة العدو في الايقاع به، والعدو مجاوزة حد السعي. والغرض بالاية حث المسلمين على قتالهم، وأن لا يبقوا عليهم كما انهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا عليهم. قوله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة فاخوانكم في الدين ونفصل الايات لقوم يعلمون (12) آية. شرط الله لهؤلاء المشركين بأنهم إن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشرك إلى
طاعة الله والاعتراف بوحدانيته، والاقرار بالنبي صلى الله عليه واله، وأقاموا الصلاة المفروضة على ما شرعها الله واعطوا الزكاة الواجبة عليهم، فانهم يكونون اخوان المؤمنين في الدين، والايمان وتقديره فهم اخوانكم. والتوبة هي الندم على القبيح لقبحه مع العزم على ترك العود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال إلى مثله في صفته
[ 181 ]
فمن قال ذلك قال توبة المجبوب من الزنا هي الندم على الزنا مع العزم على ترك المعاودة إلى مثله على ما يصح ويجوز من الامكان، وهو انه لو رد الله عز وجل عضوه ما زنى، فاما من نسي الذنب فان توبته صحيحة لا يؤاخذ بالذنب، لانه مكلف قد ادى جميع ما عليه في الحال، فقد تخلص بذلك من العقاب. فان قيل لم شرط مع التوبة من الشرك وحصول الايمان ايتاء الزكاة ؟ مع انه ليس كل مسلم عليه الزكاة ! قلنا: انما يجب عليه بشرط الامكان فإذا اقر بحكم الزكاة مع التعذر عليه دخل في حكم الصفة التي يجب بها. وقوله " ونفصل الايات " معناه نبينها ونميزها بخاصة لكل واحد منها بما يتميز به من غيرها حتى يظهر مدلولها على اتم ما يكون من الظهور فيها " لقوم يعلمون " ذلك ويثبتونه دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله. قوله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (13) آية. قرأ أهل الكوفة وابن عامر " أئمة " بهمزتين، إلا هشاما عن ابن عامر فانه فصل بين الهمزتين بالف. والباقون بهمزة واحدة وياء بعدها. وفصل بينهما بالف أبو جعفر والمرى عن المسيبي والسوسنجرذي عن يزيد بن اسماعيل. وقرأ ابن عامر والحسن " لا إيمان لهم " بكسر الالف. الباقون بفتحها. والكسر يحتمل
وجهين: احدهما - انهم ارتدوا، ولا إسلام لهم، ذكره الزجاج قال: ويجوز " لا إيمان لهم " على المصدر، وتقديره لاتأمنوهم بعد نكثهم العهد. والاخر - لانهم كفروا " لا إيمان لهم " ويحتمل أن يكون المراد أنهم آمنوا إيمانا لا يفون به فلا إيمان لهم. ومن فتح الهمزة فلقوله: " وان نكثوا ايمانهم " ولقوله
[ 182 ]
" عهدهم " وأثبت لهم الايمان. فان قيل كيف نفى فقال " إنهم لا أيمان لهم " وقد اثبتها في الاول من الاية بقوله " وان كثوا أيمانهم " ؟ ! قلنا: اليمين التي اثبتها هي ما حلفوا بها وعقدوا عليها، ولم يفوا، وانما المراد به انهم لا أيمان لهم يفون بها، ويتمسكون بموجبها. وقال أبو علي النحوي " أئمة " على وزن " افعلة " جمع إمام نحو مثال وامثلة فصار أئمة، واجتمع همزتان الف أفعلة، والهمزة التي هي فاء الفعل، والتي هي فاء الفعل ساكنة فنقل إليها حركة التي بعدها ليمكن النطق بها. فمن خففها اتى بالهمزتين الاولى مفتوحة والثانية مكسورة. ومن كره ذلك قلب الثانية ياء ولم يجعلها بين بين، لان همزة بين بين في تقدير التحقيق وذلك مكروه عندهم. وقال الرماني: انما جاز اجتماع الهمزتين في كلمة، لئلا يجتمع على الكلمة تغيير الادغام والانقلاب مع خفة التحقيق لاجل ما بعده من السكون، وهو مذهب ابن ابي اسحاق من البصريين. والباقون لا يجيزونه، ذكره الزجاج، قال لانه يلزم عليه ان يقرأ " أأم " بهمزتين وذلك باطل بالاتفاق. وعلى هذا القول هذا أأم بهمزتين، قال: وانما قلبت الهمزة في أئمة على حركتها دون حركة ما قبلها، لان الحركة إنما نقلها إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة، فلو ذهبت تقلبها على ما قبلها لكان مناقضا للغرض فيها وإذا بنيت من الامامة هذا افعل من هذا قلت هذا أوم من هذا في قول المازني - لان اصله كان أأم فلم يمكنه ان يبدل منها الفاء لاجتماع الساكنين، فجعلها واوا
كما قالوا في جمع آدم أوادم. قال الزجاج: وهو القياس وهذا ايم من هذا في قول الاخفش، قال: لانها صارت الياء في أيمة بدلا لازما. وقوله " وان نكثوا ايمانهم " فالنكث نقض العهد الذي جعل لتوثيق الامر وذلك بالخلاف لما تقدم من العزم. و " الايمان " جمع يمين، وهو القسم والقسم هو قول عقد بالمعنى لتأكيده، وتغليظ الامره فيه نحو والله ليكونن وتالله ما كان، فيجوز أن يكون من اعطى صفقة بمينه، ويجوز أن يكون من يمن
[ 183 ]
التيسير في فعله. وقوله " وطعنوا في دينكم " فالطعن هو الاعتماد بالعيب. واصله الطعن بالرمح، ونحوه في الشئ لنقض بنيته. وقوله " فقاتلوا أئمة الكفر " امر من الله تعالى بقتال أئمة الكفر، وهم رؤساء الضلال والكفار، والامام هو المتقدم الاتباع، فأئمة الكفر رؤساء الكفر والامام في الخير مهتد هاد، وفي الشر ضال مضل، كما قال تعالى " وجعلناهم ائمة يدعون إلى النار " (1) والمني بائمة الكفر رؤساء قريش، في قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: هم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وابو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا باخراجه، وكان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه الاية. وروي عن ابي جعفر عليه السلام انها نزلت في اهل الجمل وروي ذلك عن علي عليه السلام وعمار، وغيرهما. ويقول حذيفة قال يزيد بن وهب: قوله " انهم لا أيمان لهم " معناه لا تأمنوهم. ومن كسر معناه، لانهم كفروا لا إيمان لهم. وقوله " لعلهم ينتهون " معناه لكي ينتهوا. وفي الاية دلالة على ان الذمي إذا اظهر الطعن في الاسلام فانه يجب قتله، لان عهده معقود على أن لا يطعن في الاسلام، فإذا طعن فقد نكث عهده.
قوله تعالى: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (14) آية. قوله " ألا " كلمة موضوعة للتحضيض على الفعل، وأصلها " لا " دخلت عليها
(1) سورة 28 القصص آية 41. (*)
[ 184 ]
الف الاستفهام، فصارت تحضيضا كما انها إذا دخلت على " ليس " صارت تقريرا و " ألا " موافقة للتحضيض بالاستقبال و " أليس " إنما هي للحال، فهي موافقة للحال بهذا المعنى. وإذا قال: " ألا تقاتلون " كان معناه التحضيض على قتالهم وإذا قال: " الا قاتلتم " كان ذلك تأنيبا، لان ما يلزم إذا ترك ذم على تركه ويحض على فعله قبل وقته. حض الله تعالى المؤمنين على قتال الكفار الذين " نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول " من مكة اي قصدوه. والهم مقاربه الفعل بالعزم من غير اتباع له، وقد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم وقد يستعمل الهم على مقاربة العزم. وقوله " وهم بدؤكم اول مرة " فالبدوء فعل ما لم يتكرر والمرة الفعلة من المر، والمرة والكرة والدفعة نظائر. ومعنى " بدؤكم اول مرة " بدؤا حلفاء النبي صلى الله عليه واله بالقتال من خزاعة، في قول الزجاج، وقال ابن اسحاق والجبائي: بدؤوا بنقض العهد. وقال الطبري: بدؤهم بخروجهم إلى بدر، لقتالهم. وقوله " اتخشونهم " معناه اتخافونهم. ثم قال: " والله احق ان تخشوه " اي تخافوه " ان كنتم مؤمنين " وفي ذلك غاية الفصاحة لانه جمع بين التقريع والتشجيع. والمعنى أتخشون ان ينالكم من قتالهم مكروه، فالله احق ان تخشوا عقابه في ارتكاب معاصيه إن كنتم مصدقين بعقابه وثوابه.
قوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (15) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (16) آيتان. هذه امر من الله تعالى للمؤمنين بأن يقاتلوا هؤلاء الناقضين للعهد البادئين
[ 185 ]
بقتال حلفاء النبي صلى الله عليه واله من خزاعة، فانهم إذا قاتلوهم يعذب الله الكفار بأيديهم يعني بأيدي المؤمنين الذين يقاتلونهم، وينصركم ايها المؤمنون ينصركم الله " عليهم ويشف " بذلك " صدور قوم مؤمنين " وفي ذلك دليل على انه اشتد غضب جماعة المؤمنين لله، فوعدهم الله النصر، في قول قتادة والزجاج. وفيها دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه واله لانه وعده النصر فكان الامر على ما قال. وقوله " ويذهب غيظ قلوبهم " قيل المراد بهم خزاعة الذين قاتلوهم، في قول السدي وغيره، لانهم كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه واله. والتعذيب ايقاع العذاب لصاحبه والعذاب الم يستمر به، قال عبيد ابن الابرص: والمرء ما عاش في تكذيب * طول الحياة له تعذيب ومعنى " يعذبهم الله بأيديكم " اي انكم إذا تناولتموهم بالسلاح من السيوف والنبل والرماح انزل الله بهم العذاب. وقال أبو علي: ذلك مجاوز والمعنى انه لما كان ذلك بأمر الله اضافه إلى نفسه، وهو احسن من الاول. وقوله " ويخزهم " معناه يذلهم والاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة على صاحبه خزي خزيا واخزاه الله إخزاء. ويجوز في " ويخزهم " ثلاثة أوجه من الاعراب: الجزم باللفظ وعليه القراء. والنصب على الظرف، والرفع على الاستئناف ولم يقرأ بهما.
وقوله " ويشف صدور قوم مؤمنين " فالشفاء سلامة النفس بما يزيل عنها الاذى، فكلما وافق النفس وأزال عنها الهم فهو شفاء وقيل " ويشف صدور قوم مؤمنين " يعني خزاعة، لانهم نقضوا العهد بقتالهم - في قول مجاهد والسدي - والصدور جمع الصدر وهو الموضع الاجل الذي يصدر عنه الامر، ومنه الايراد والاصدار. وقوله " ويذهب غيظ قلوبهم " معناه يبطل غيظهم ويعدمه. والاذهاب جعل الشئ يذهب والذهاب الانتقال عن الشئ، والمجئ الانتقال إلى الشئ، والغيظ نقض الطبع بانزعاج النفس. تقول: غاظه يغيظه غيظا واغتاظ اغتياظا وغايظه مغايظة.
[ 186 ]
وقوله " ويتوب الله على من يشاء " معناه يقبل الله توبة من يشاء من عباده. ووجه اتصال قوله " ويتوب الله على من يشاء " بما قبله من وجهين: احدهما - بشارتهم بأن فيهم من يتوب ويرجع عن الكفر إلى الايمان. والاخر - انه ليس في قتالهم اقتطاع لاحد منهم عن التوبة. ورفع " ويتوب " بخروجه عن موجب القتال فاستأنفه. وقوله " والله عليم حكيم " معناه عليم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا ويرجعوا، لان أفعاله كلها صواب وحكمة. قوله تعالى: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (17) آية. قوله " ام حسبتم " من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل ب (أم) ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام ولو كان المراد الابتداء لكان اما بالالف أو ب (هل) كقوله " هل اتى على الانسان " (1) والمعنى ظننتم أن تتركوا. والظن
والحسبان نظائر، والحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع، وهو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به " ان تتركوا " معنى الترك هو ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه. ويستعمل بمعنى (ألا يفعل) كقوله " وتركهم في ظلمات لا يبصرون " (2) وقوله " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " إذا قيل: لما يفعل، فهو نفي للفعل مع تقريب لوقوعه. وإذا قيل: لم يفعل، فهو نفي بعد اطماع في
(1) سورة 76 الدهر آية 1. (2) سورة 2 البقرة آية 17 (*)
[ 187 ]
وقوعه. والمعنى ولما يجاهدوا ويمتنعوا ان يتخذوا وليجة ويعلم الله ذلك منكم فجاء مجئ نفي العلم لنفي المعلوم، لانه متى كان علم الله انه كائن. وكان ابلغ وأوجز، لانه اتى على طريقة نفي صفات الله تعالى. وقوله " ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجه " تقديره ولما يعلم الله الذين آمنوا لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجه، فالوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم تقول: ولج يلج ولوجا وأولج إيلاجا وتولج تولجا بمعنى الدخول. والوليجة والدخيلة والبطانة نظائر. وكل شئ دخل في شئ وليس منه فهو وليجة، قال طرفة: فان القوافي يتلجن موالجا * تضايق عنها ان تولجها الابر (1) وقال آخر: متخذا من ضعوات تولجا * متخذا فيها ايادا دولجا (2) يعني الكأس. وقال الفراء: نهوا ان يتخذوا بطانة يفشون إليهم اسرارهم. وقال الجبائي: اتخاذ الوليجة من دون الله ودون رسوله هو النفاق. نهوا أن يكونوا منافقين، وهو قول الحسن، فانه قال: الوليجة هي الكفر والنفاق. وفي الاية دلالة على انه لا يجوز ان يتخذ من الفساق وليجة، لان في ذلك تأليفا بالفسق
يجري مجرى الدعاء إليه مع ان الواجب معاداة الفساق والبراءة منهم، ومع ذلك فهو غير مأمون على الاسرار والاطلاع عليها. قال الزجاج: كانت براءة تسمى الحافرة، لانها حفرت عن قلوب المنافقين، لانه لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي اعداءهم. قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم
(1، 2) مجاز القرآن 1 / 254 واللسان (ولج) (*)
[ 188 ]
بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (18) آية. قرأ ابن كثير وابو عمرو " مسجد الله " على التوحيد. الباقون على الجمع، فمن قرأ على التوحيد، قال الحسن اراد به المسجد الحرام وبه قال الجبائي. ويحتمل ان يكون اراد المساجد كلها، لان لفظ الجنس يدل على القليل والكثير. ومن قرأ على الجمع يحتمل ان يكون اراد جميع المساجد. ويحتمل ان يكون اراد المسجد الحرام. وإنما جمع لان كل موضع منه مسجد يسجد عليه. والقراءتان متناسبتان. والاصل في المسجد هو موضع السجود في العرف يعبر به عن البيت المهيأ لصلاة الجماعة فيه. اخبر الله تعالى انه ليس لمشرك ان يعمر مسجد الله. والعمارة ان يجدد منه ما استرم من الابنية، ومنه قولهم: اعتمر إذا زار، لانه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال. وقوله " شاهدين على أنفسهم بالكفر " نصب على الحال، فالشهادة خبر عن علم مشاهد بأن يشاهد المعنى أو يظهر ظهور ما يشاهد كظهور المعنى في شهادة أن لا إله إلا الله. والمعني بذلك أحد شيئين: احدهما - ان فيما يخبرون به دليلا على كفرهم، لان أنهم يقولون نحن
كفار، ولكن كما يقال للرجل ان كلامك ليشهد انك ظالم - هذا قول الحسن. والثاني - قال السدي: ان النصراني إذا سئل ما انت ؟ قال نصراني واليهودي يقول انا يهودي وعابد الوثن يقول مشرك فذلك شهادتهم على انفسهم بالكفر. وقال الكلبي: معناه شاهدين على النبي بالكفر، وهو من انفسهم. وقوله " اولئك حبطت اعمالهم وفي النار هم خالدون " اخبار منه تعالى ان اعمال هؤلاء الذين شهدوا على انفسهم بالكفر باطلة بمنزلة ما لم يعمل، لانهم اوقعوها على وجه لا يستحق بها الثواب، وانهم مع ذلك مخلدون في نار جهنم معذبون بأنواع العذاب.
[ 189 ]
قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (19) آية اخبر الله تعالى في هذه الاية انه ينبغي الا " يعمر مساجد الله " إلا " من آمن بالله " واقر بوحدانيته واعترف باليوم الاخر يعني يوم القيامة ثم اقام بعد ذلك " الصلاة " بحدودها. وأعطى " الزكاة " الواجبة - ان وجبت عليه - مستحقيها ولم يخف سوى الله احدا من المخلوقين، فإذا فعلوا ذلك فانهم " يكونون من المهتدين " إلى الجنة ونيل ثوابها، لان عسى من الله واجبة ليست على طريق الشك، وهو قول ابن عباس والحسن. وقال قوم: انما قال عسى ليكونوا على طريق الحذر، مما يحبط اعمالهم، ويدخل في عمارة المساجد عمارتها بالصلاة فيها، والذكر لله. والعبادة له، لان تجديد احوال الطاعة لله من أو كد الاسباب التي تكون بها عامرة، كما ان اهمالها من اوكد الاسباب في اخرابها، وذكر قوله " وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله " بعد ذكر قوله " من آمن بالله واليوم الاخر " يدل على ان
الايمان لا يقع على افعال الجوارح، لانه لو كان الايمان متناولا لذلك اجمع لما جاز عطفف ما دخل فيه عليه. ومن حمل ذلك على ان المراد به التفصيل وزيادة البيان فيما يشتمل على الايمان تارك للظاهر. والخشية انزعاج النفس لتوقع ما لا يؤمن من الضرر تقول: خشي يخشى خشية فهو خاش، ومثله خاف يخاف خوفا ومخافة، فهو خائف. والخاشي نقيض الامن. والاهتداء المذكور في الاية هو التمسك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة وفاعلها يسمى مهتديا.
[ 190 ]
قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (20) آية. خاطب الله تعالى بهذه الاية قوما جعلوا القيام بسقي الحجيج وعمارة المسجد الحرام من الكفار مع مقاومهم على الكفر مساويا أو افضل من ايمان من آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله، فأخبر تعالى انهما لا يستويان عند الله في الفضل لان الذي آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله افضل ممن يسقي الحجيج ولم يفعل ذلك. وفي الاية حذف احد امرين: احدهما - ان يكون تقديره كايمان من آمن بالله وأقام الاسم مقام المصدر، لان اصل السقاية مصدر كما قال الشاعر: لعمرك ما الفتيان ان تنبت اللحى * ولكنما الفتيان كل فتى ندى (1) اي فتيان نبات. والسقاية آلة تتخذ لسقي الماء. وقيل كانوا يسقون الحجيج الماء والشراب. وبيت البئر سقاية ايضا قال الرماني المشبه لا يجوز ان يكون مجاهدا في سبيل الله لانه لا يعرف الله فيتبع امره في ذلك والمجاهد إذا عرف الله صح ان يكون مطيعا بالجهاد لاتباعه امر الله فيه. وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان الاية نزلت في
امير المؤمنين عليه السلام والعباس. وروى الطبري باسناده عن ابن عباس انها نزلت في العباس حين قال يوم بدر: إن سبقتمونا إلى الاسلام والهجرة لم تسبقونا إلى سقاية الحاج وسدنة البيت، فأنزل الله الاية. وروى الطبري باسناده عن الحسن انها نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة. وقال الشعبي: نزلت في علي والعباس، وبه قال ابن وهب والسدي.
(1) تفسير الطبري 14 / 172 ومعاني القرآن 1 / 427 (*)
[ 191 ]
وقوله " والله لا يهدي القوم الظالمين " اخبار منه تعالى انه لا يهدي احدا ممن ظلم نفسه وكفر بآيات الله، وجحد وحدانيته إلى الجنة كما انه يهدي إليها من كان عارفا بذلك فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته. واختلفوا في سبب نزول الاية فقال قوم: سأل المشركون اليهود فقالوا: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل ام محمد واصحابه ؟ فقالت اليهود لهم: انتم افضل، عنادا للنبي صلى الله عليه واله والمؤمنين. وقال آخرون: تفاخر المسلمون الذين جاهدوا والذين لم يجاهدوا. فنزلت الاية، ذكره الزجاج. قوله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (21) آية. موضع " الذين " رفع بالابتداء وخبره اعظم درجة. اخبر الله تعالى ان الذين آمنوا يعني صدقوا بالله واعترفوا بوحدانيته، وأقروا بنبوة نبيه، وهاجروا عن اوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله. ومعناه يتضاعف فضلهم عند الله مع شرف الجنس. ولو قال اعلى درجة افاد شرف الجنس فقظ.
وقوله " اولئك هم الفائزون " اخبار منه تعالى ان من وصفه هم الذين يظفرون بالبغية ويدركون الطلبة، لان الفوز هو الظفر بالبغية وهو والفلاح والنجاح نظائر. وقيل: إنه يلحق بمثل منزلة المجاهدين من لم يجاهد بأن يجاهد في طلب العلم الديني فيتعلمه ويعلم غيره ويدعو إليه والى الله. وربما كانت هذه المنزلة فوق تلك فان قيل كيف قال " اعظم درجة " من الكفار بالساقية والسدانة ؟ قلنا: على ما روينا عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وابن عباس وغيرهم لا يتوجه السؤال عن
[ 192 ]
ذلك لان المفاضلة جرت بينهم، لان لجميعهم الفضل عند الله ومن لا يقول ذلك يجيب بجوابين: احدهما - انه على تقدير ان لهم بذلك منزلة كما قال تعالى " اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا " (1) هذا قول الحسن وأبي علي. والثاني - قال الزجاج المعنى اعظم من غيرهم درجة. و (الذي) يجوز وصفها ولا يجوز وصف " من " إذا كانت بمعنى الذي، لان " من " تكون تارة معرفة موصولة فلذلك افترقا. وقيل معنى " الفائزي " انهم الظافرون بثواب الله الذي استحقوه على طاعتهم. قوله تعالى: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (22) آية. في الاية اخبار من الله تعالى بالبشارة واعلام للذين آمنوا وهاجروا برحمة من جهته تعالى، والبشرى والبشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه تقول بشرته أبشره بشرى وابشر ابشارا واستبشر استبشارا وتباشر تباشرا وبشره تبشيرا فاما باشره مباشرة، فبمعنى لاقاه ببشر ورضوان. وهو معنى يستحق بالاحسان، يدعو إلى الحمد على ما كان، ويضاد سخط الغضبان، تقول: رضي رضا ورضوانا وأرضاه إرضاء وترضاه ترضيا وارتضاه ارتضاء واسترضاه استرضاء
وتراضوه تراضيا. وقوله " وجنات " يعني البساتين التي يجنها الشجر، وأما الرياض فهي الموطأة للخضرة التي قد ينبت فيها نبات الزهر ومنه الرياضة لانها توطئة لتقريب العمل. وقوله " لهم فيها نعيم مقيم " فالنعيم لين العيش اللذيذ، وهو مشتق من النعمة
(1) سورة 25 الفرقان آية 24 (*)
[ 193 ]
وهي اللين، وأما النعمة بكسر النون، فهي منفعة يستحق بها الشكر لانها كنعم العيش والمقيم الدائم بخلاف الراحل فكأنه قال: المقيم ابدا. قوله تعالى: خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (23) آية. " خالدين " نصب على الحال من الهاء والميم في قوله: " لهم " والخلود في العرف الدوام في الشئ كالخلود في الجنة مأخوذ من قولهم: خلد هذا الكتاب في الديوان على تقدير الدوام من غير انقطاع. والابد الزمان المستقبل من غير آخر كما أن (قط) للماضي تقول: ما رأيته قط، ولا أراه ابدا وجمع الابد آباد وأبود تقول لا أفعل ذلك أبدا، وتأبد المنزل إذا اقفر وأتى على الابد، والا وابد الوحوش سميت بذلك لطول أعمارها وبقائها. وقيل: لم يمت وحش حتف أنفه وانما يموت بآفة، وجاء فلان بأبدة اي بداهية وأتان آبد تسكن القفر متأبدة. وقوله " ان الله عنده أجر عظيم " اخبار منه تعالى ان عنده الجزاء أي في مقدوره الجزاء الذي يستحق بالاعمال تقول: أجره يأجره أجرا وآجره إجارة واستأجره استئجارا ومنه الاجير. وقوله " عظيم " يعني كبير متضاعف لا تبلغه نعمة غيره من الخلق، والابد
قطعة من الدهر متتابعة في اللغة قال الحر بن البعيث: أهاج عليك الشوق اطلاق ذمنة * بناصفة البردين أو جانب الهجل اتى ابد من دون حدثان عهدها * وجرت عليها كل نافحة شمل (1) ومن الدليل على أن الايد قطعة من الدهر أنه ورد مجموعا في كلامهم. قالت صفية بنت عبد المطلب تخاطب ولدها الزبير: وخالجت آباد الدهور عليكم * وأسماء لم تشعر بذلك أيم
(1) اللسان " شمل " (*)
[ 194 ]
فلو كان زبر مشركا لعذرته * ولكن زبرا يزعم الناس مسلم ويقال: تأبد الربيع إذا مر عليه قطعة من الدهر وليس يعنون انه مر عليه أبد لا غاية له قال مزاحم العقيلي: أتعرف بالغريق دارا تأبدت * من الحي واستبقت عليها العواصف فأما الخلود، فليس في كلام العرب ما يدل على انه بقاء لا غاية له وإنما يخبرون به عن البقاء إلى مدة كما قال المخبل السعدي: الا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم (1) اراد دفع الرياح عن النؤي إلى هذا الوقت هذه الاثافي التي بقيت إلى هذا الوقت. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون (24) آية. روي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان هذه الاية نزلت في حاطب بن بلتعة حيث كتب إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليه واله حين أراد فتح مكة.
هذه خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ آبائهم وإخوانهم أولياء متى استحبوا الكفر. وآثروه على الايمان. و " الاتخاذ " هو الافتعال من اخذ الشئ. والاتخاذ اعداد الشئ لامر من الامور. واتخاذهم اولياء: هو ان يعتقدوا موالاتهم ووجوب نصرتهم فيما ينوبهم، وليس ذلك بمانع من صلتهم. والاحسان إليهم، لانه تعالى حث على ذلك، فقال: " وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا
(1) مر هذا البيت في 2 / 28 (*)
[ 195 ]
معروفا (1). والاب والوالد نظائر. والاخ الشقيق في النسب من قبل الاب والام، وكل من رجع مع آخر إلى واحد في النسب من والد ووالد ة، فهو أخ. والاولياء جمع ولي وهو من كان مختصا بايلاء التصرف في وقت الحاجة. وقال الحسن: من تولى المشرك. فهو مشرك. وهذا إذا كان راضيا بشركه، ويكون سبيله سبيل من يتولى الفاسق أن يكون فاسقا. وقوله " إن استحبوا الكفر على الايمان " معناه إن طلبوا محبة الكفر على الايمان. وقد يكون استحب بمعنى أحب كما ان استجاب بمعنى اجاب. ثم اخبر تعالى ان من استحق الكفار على المؤمنين فانهم أيضا ظالمون نفوسهم والباخسون حظها من الثواب، لانهم وضعوا الموالاة في غير موضعها. قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشير تكم وأموال اقتر فتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم
الفاسقين (25) آية. قرأ أبو بكر عن عاصم و " عشيراتكم " على الجمع. الباقون على التوحيد. من جمع فلان كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فإذا جمع قال وعشيراتكم. ومن افرد قال العشيرة تقع على الجمع. وقال أبو الحسن: العرب لا تجمع العشيرة عشيرات. وانما تقول عشائر.
(1) سورة 31 لقمان آية 15 (*)
[ 196 ]
أمر تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه واله أن يخاطب هؤلاء الذين تخلفوا عن الهجرة إلى دار الاسلام. وأقاموا بدار الكفر، وقال الجبائي: هو خطاب للمؤمنين أجمع وتحذير لهم من ترك الجهاد وحث لهم عليه، فأمره أن يقول لهم " إن كان (باؤكم " الذين ولدوكم " وأبناؤكم " الذين ولدتموهم، وهم الاولاد الذكور " وأزواجكم " جمع زوجة وهي المرأة التي عقد عليها عقدة نكاح صحيح، لان ملك اليمين والمعقود عليها عقد شبهة لا تسمى زوجة " وعشيرتكم " وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد كعقد العشرة. ومنه المعاشرة، وهي الاجتماع على عقد يعم. ومنه العشار النوق التي أتى على حملها عشرة أشهر " وأموال جمع مال " اقترفتموها " أي اقتطعتموها واكتسبتموها، ومثله الاحتراف. والاقتراف اقتطاع الشئ عن مكانه إلى غيره " وتجارة تخشون كسادها " يعني ما اشتريتموه طلبا للربح تخافون خسرانها ووقوفها " ومساكن " جمع مسكن وهي المواضع التي تسكنونها وترضونها " أحب اليكم من الله ورسوله " يعني آثر في نفسوكم وأقرب إلى قلوبكم. والمحبة إرادة خاصة للشئ فمن أحب الجهاد فقد أراد فعله ومن أحب الله أراد شكره وعبادته ومن أحب النبي أراد إجلاله وإعظامه. والذي اقتضى نزول هذه الاية محبتهم التي منعتهم الهجرة. وقوله " فتربصوا " اي فتثبتوا. والتربص التثبت في الشئ
حتى يجئ وقته. والتربص والتنظر والتوقف نظائر في اللغة. ونقيضه التعحل بالامر. وقال مجاهد قوله " حتى يأتي الله بأمره " من عقوبة عاجلة أو آجلة. وقوله " والله لا يهدي القوم الفاسقين " معناه إنه لا يهديهم إلى الثواب والجنة لانه تعالى قد هداهم إلى الايمان فقال " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " (1) قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم
(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 17 (*)
[ 197 ]
كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (26) آية. أقسم الله تعالى في هذه الاية - لان لام " لقد " لام القسم - بأنه نصر المؤمنين في مواطن كثيرة ومواطن في موضع جر ب " في " وانما نصب، لانه لا ينصرف لانه جمع لا نظير له في الاحاد، فلا ينصرف. وجر كثيرة على المواضع وأنثه على اللفظ. ومواطن جمع موطن. ومعنى النصر الغلبة على العدو. والمعونة قد تكون في حمل الثقيل، وتكون في شراء متاع وتكون في قضاء حاجة، ولا يكون النصر إلا المعونة على العدو خاصة. والمواطن هو الموضع الذي يقيم فيه صاحبه وإنما قد أقاموا في هذه المواطن للقتال. ومعنى كثيرة روي عن أبي عبد الله عليه السلام انها كانت ثمانين موطنا، والكثيرة عدة زائدة على غيرها فهي كثيرة بالاضافة إلى ما دونها قليلة بالاضافة إلى ما فوقها. وقوله " ويوم حنين "، وحنين اسم واد بين مكة والطائف في قول قتادة. وقال عروة: هو واد إلى جانب ذي المجاز، فلذلك صرف، ويجوز ترك صرفه على انه اسم للبقعة قال الشاعر:
نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الابطال (1) وقوله " إذ أعجبتكم كثرتكم " فالاعجاب السرور بما يتعجب منه، والعجب السرور بالنفس على الفخر بما يتعجب منه. وقال قتادة: إنه كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين يوم حنين لانهم كانوا اثني عشر ألفا، فقال: لن نغلب اليوم عن قلة. فانهزموا بعد ساعة. وقيل: إنهم كانوا عشرة آلاف. وقال بعضهم: ثمانية آلاف والاول أشهر. ولما انهزموا لم يبق مع النبي صلى الله عليه واله الا تسعة نفر من بني هاشم وأيمن ابن ام ايمن. والعباس بن عبد
المطلب. وابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام في آخرين، فأخذ النبي صلى الله عليه واله كفا من الحصباء فرماهم به، وقال شاهت الوجوه فانهزم المشركون. وقوله " فلم تغن عنكم شيئا " معناه لم تغن كثرتكم شيئا، والاغناء اعطاء ما يرفع الحاجة. ولذلك قيل في الدعاء أغناك الله " فلم تغن عنكم شيئا " معناه لم تعطلكم ما يرفع حاجتكم. وقوله " وضاقت عليكم الارض بما رحبت " معناه ليس فيها موضع يصلح لكم لفراركم عن عدوكم. والضيق مقدار ناقص عن مقدار، والرحب السعة في المكان وقد يكون في الرزق. والسعة في النفقة. وقوله " ثم وليتم مدبرين " فالادبار الذهاب إلى جهة الخلف والاقبال إلى جهة القدام. والمعنى وليتم عن عدوكم منهزمين. وتقديره وليتموهم الادبار. وكانت غزوة حنين عقيب الفتح في شهر رمضان أو في شوال سنة ثمان. فان قيل كيف قال انه نصرهم في مواطن كثيرة ؟ والمؤمنون منصورون في
جميع الاحوال ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك اخبار بأنه نصرهم دفعات كثيرة ولا يدل على انه لم ينصرهم في موضع آخر، والثاني - لانهم لما انهزموا لم يكونوا منصورين وكان ذلك منهم خطأ وإن وقع مكفرا. قوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (27) آية.
[ 199 ]
اخبر الله تعالى أنه حين انهزم المسلمون وبقي النبي صلى الله عليه واله في نفر من قومه أنه أنزل السكينة، وهي الرحمة التي تسكن إليها النفس ويزول معها الخوف حتى رجعوا إليهم. وقاتلوهم وهزمهم الله تعالى بأن أنزل النصر وأنزل السكينة. وقيل السكينة هي الطمأنينة والامنة. وقال الحسن: هي الوقار قال الشاعر: لله قبر غالها ماذا يجن * لقد اجن سكينة ووقارا (1) وقوله " وأنزل جنودا لم تروها " والجنود هي الجموع التي تصلح للحروب. والمراد بها هاهنا الملائكة، جند واجناد وجنود، فانزل الله الملائكة مدادا للمؤمنين وقال الجبائي: إنما نزلت الملائكة يوم حنين من جهة الخاطر الذي يشجع قلوبهم ويجبن عنهم اعداءهم، ولم تقاتل إلايوم بدر خاصة. وقوله " وعذب الذين كفروا " معناه - هاهنا - القتل والاسر وسلب الاموال مع الاذلال والصغار. ثم قال " وذلك " يعني ذلك العذاب " جزاء الكافرين " من جحد نعم الله وانكر وحدانيته، وجحد نبوة نبيه مع ما أعده لهم من عذاب النار. قوله تعالى:
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (28) آية معنى (ثم) هاهنا العطف على الفعل الاول، وقد ذكرت (ثم) في ثلاثة مواضع متقاربة: فالاول - عطف على ما قبلها. والثانية - عطف على " وليتم مدبرين، ثم انزل الله سكينته " والثالثة - عطف على (أنزل.. ثم يتوب) وانما حسن عطف المستقبل على الماضي لانه مشاكله فان الاول تذكير بنعمه والثاني وعد بنعمه. والتوبة هي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله إما في
(1) مجاز القرآن 1 / 286 (*)
[ 200 ]
الجنس أو في القبح على الخلاف فيه، فشرط الندم بالعزم، لان الندم إنما هو على الماضي والعزم على ما يستقبل، فلو لم يجتمعا لم تكن توبة. ومعنى " ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " انه يقبل التوبة من بعد هزيمة من انهزم. ويجوز أن يكون المراد بعد كفر من كفر يقبل توبة من يتوب ويرجع إلى طاعة الله والاسلام ويندم على ما فعل من القبيح " على من يشاء " وإنما علقه بالمشيئة، لان قبول التوبة واسقاط العقاب عندها تفضل - عندنا - ولو كان ذلك واجبا لما جاز تعلق ذلك بالمشيئة كما لم يعلق الثواب على الطاعة والعوض على الالم في موضع بالمشيئة. ومن خالف في ذلك قال: إنما علقها بالمشيئة، لان منهم من له لطف يؤمن عنده فالله تعالى يشاء أن يلطف له مع صرف العمل في ترك التوبة إلى الله. وقوله " والله غفور رحيم " معناه انه ستار للذنوب لا يفضح احدا على معاصيه بل يسترها عليه إذا تاب منها، وهو رحيم بعباده. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنواإنما المشركون نجس لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من
فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (29) آية. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يخبرهم فيه أن المشركين انجاس ويأمرهم ان يمنعوا المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي الذي أشار إليه، وهي سنة تسع من الهجرة التي نبذ فيها براءة المشركين. وكانت بعده حجة الوداع - وهو قول قتادة وغيره من المفسرين - والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله - في قول عطاء وغيره - وكل شئ مستقذر في اللغة يسمى نجسا، فإذا استعمل مفرد قيل: نجس - بفتح النون والجيم معا - ويقع على الذكر والانثى سواء. وظاهر
[ 201 ]
الاية يقتضي أن الكفار أنجاس، ولا يجوز مع ذلك أن يمكنوا من دخول شئ من المساجد، لان شركهم أجري مجرى القذر الذي يجب تجنبه، وعلى هذا من باشر يد كافر، وجب عليه ان يغسل يده إذا كانت يده أو يد المشرك رطبة. وإن كانت ايديهما يا بستين مسحها بالحائط. وقال الحسن: من صافح مشركا فليتوضأ، ولم يفصل. واختلفوا في هل يجوز دخولهم المسجد الحرام بعد تلك السنة أم لا ؟ فروي عن جابر ابن عبد الله، وقتادة أنه لا يدخله احد إلا أن يكون عبدا أو أحدا من اهل الذمة. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام، ولا يدخل احد من اليهود والنصارى شيئا من المساجد بحال. وهذا هو الذي نذهب إليه. وقال الطبري وقتادة: سموا انجاسا، لانهم لا يغتسلون من جنابة. وقوله " فان خفتم عيلة " فالعيلة الفقر، تقول: عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل (1) وكانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين، فقال الله تعالى " وإن خفتم عيلة " يعني فقرا بانقطاعهم، فالله يغنيكم من فضله إن شاء - في قول قتادة ومجاهد - وإنما علقه بالمشيئة لاحد أمرين: أحدهما - لان منهم من لا يبلغ هذا المعنى الموعود
به، لانه يجوز ان يموت قبله - في قول ابي علي - والثاني - لتنقطع الامال إلى الله تعالى، كما قال " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمين " (2). وقوله " أن الله عليم حكيم " معناه عالم بمصالحكم حكيم في منع المشركين من دخول المسجد الحرام. قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون
(1) مر هذا البيت في 3 / 109 وهو في مجاز القرآن 1 / 255 (2) سورة 48 الفتح آية 27. (*)
[ 202 ]
ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون (30) آية. قوله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر " امر من الله تعالى لنبيه وللمؤمنين بأن يقاتلوا الذين لا يعترفون بتوحيد الله، ولا يقرون باليوم الاخر والبعث والنشور. وذلك يدل على صحة مذهبنا في اليهود والنصارى وأمثالهم انه لا يجوز أن يكونوا عارفين بالله وإن أقروا بذلك بلسانهم. وانما يجور أن يكونوا معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم. والاية صريحة بأن هؤلاء الذين هم أهل الكتاب الذين تؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر وانه يجب قتالهم " حتى يعطوا الجزية عن يد ". ومن قال: إنهم يجوز أن يكونوا عارفين بالله تعالى، قال: الاية خرجت مخرج الذم لهم، لانهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الجرم. كما انهم بمنزلة المشركين في عبادة الله بالكفر. وقال الجبائي: لانهم يضيفون إليه ما لا يليق به فكأنهم لا يعرفونه. وانما جمعت هذه الاوصاف لهم ولم يذكروا بالكفار من اهل الكتاب للتحريص على قتالهم بما هو عليه من
صفات الذم التي توجب البراءة منهم والعداوة لهم. وقوله " ولا يدينون دين الحق " يدل على ان دين اليهودية والنصرانية غير دين الحق، وذلك يقوي انهم غير عارفين بالله، لانهم لو كانوا عارفين كانوا في ذلك محقين، فأما اعتقادهم لشريعة التوارة فانما وصف بأنه غير حق لامرين: احدهما - انها نسخت فالعمل بها بعد النسخ باطل غير حق. الثاني - ان التوراة التي هي معهم مغيرة مبدلة لقوله " يحرفون الكلم عن مواضعه " (1) ويقلبونه عن معانيه. وقوله " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " معناه انهم لا يعترفون بالاسلام.
(1) سورة 4 النساء آية 45 وسورة 5 المائدة آية 14 (*)
[ 203 ]
الذي هو الدين الحق، ولا يسلمون لامر الله الذي بعث به نبيه محمد صلى الله عليه واله في تحريم حرامه وتحليل حلاله. والدين في الاصل الطاعة قال زهير: لئن حللت بجو في بني اسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك (1) وقوله " حتى يعطوا الجزية عن يد " فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر بالله على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه واله على أهل الذمة - وهو على وزن جلسة، وقعدة - لنوع من الجزاء. وإنما قيل " عن يد " ليفارق حال الغصب على اقرار أحد. وقال أبو علي: معناه يعطونا من ايديهم يجيئون بها بنفوسهم لا ينوب عنهم فيها غيرهم إذا قدروا عليه. فيكون أذل لهم. وقال قوم: معناه عن نقد كما يقال: باع يدا بيد. وقال آخرون: معناه عن يد لكم عليهم ونعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية منهم. وقال الحسين بن علي المغربي: معناه عن قهر، وهو قول الزجاج. وقوله " وهم صاغرون " فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه، صغر يصغر صغارا، فهو صاغر. وقيل: الصغار اعطاء الجزية قائما، والاخذ جالس ذهب
إليه عكرمة والجزية لا تؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس. وأما غيرهم فلا يقبل منهم غير الاسلام أو السبي. وانما كان كذلك لما علم الله تعالى من المصلحة في اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم، لان هؤلاء على كفرهم يقرون بألسنتهم بالتوحيد وبعض الانبياء، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين. واولئك يجحدون ذلك كله، فلذلك فرق بينهما. فان قيل: اعطاء الجزية منهم لا يخلوا أن يكون طاعة أو معصية، فان كان معصية فكيف أمر الله بها ؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله. قلنا: إعطاؤهم ليس بمعصية. وأما كونها طاعة لله فليس كذلك، لانهم انما يعطونها دفعا للقتل عن انفسهم لا طاعة لله. فان الكافر لا يقع منه طاعة عندنا
بحال، لانه لو فعل طاعة لله لاستحق الثواب والاحباط باطل، فكان يجب ان يكون مستحقا للثواب وذلك خلاف الاجماع. قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (31) آية. قرأ " عزير " بالتنوين عاصم والكسائي وعبد الوارث عن ابي عمرو. الباقون بترك التنوين. وقرأ عاصم وحده " يضاهؤن " بالهمزة. الباقون بغير همزة. من ترك التنوين في " عزير " قيل في وجه ذلك ثلاثة أقوال: أحدها - انه اعجمي معرفة لا ينصرف. والثاني - لان ابن هاهنا صفة بن علمين والخبر محذوف والتقدير معبودنا أو نبينا عزير ابن الله. الثالث - انه حذف التنوين لالتقاء الساكنين تشبيها بحرف اللين، كما قال الشاعر:
فالفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا (1) هذا الوجه قول الفراء: وعند سيبويه هو ضرورة في الشعر قال أبو علي: من نونه جعله مبتدأ وجعل ابنا خبره، ولابد مع ذلك من التنوين في حال السعة والاختيار، لان ابا عمرو وغيره يصرف عجميا كان أو عربيا. ومن حذف التنوين يحتمل وجهين: أحدهما - أنه جعل الموصوف والصفة بمنزلة اسم واحد، كما يقال: لارجل ظريف. وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين، كما يحرك يا زيد العاقل، لان الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة، فحذف الاول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال. والوجه الاخر -
(1) مر تخريجه في 2 / 76 تعليقة 3 (*)
[ 205 ]
أن يجعل مبتدأ والاخر الخبر مثل من نون وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعلى هذا قراءة من قرأ " قل هو الله احد الله " فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. فان قيل كيف أخبر الله عن اليهود بانهم يقولون عزير ابن الله واليهود تنكر هذا ؟ ! قلنا: إنما اخبر الله بذلك عنهم، لان منهم من كان يذهب إليه، والدليل على ذلك ان اليهود في وقت ما انزل الله القرآن سمعت هذه الاية فلم تنكرها. وهو كقولك: الخوارج تقول بتعذيب الاطفال، وإنما يقول بذلك الازارقة منهم خاصة. قال ابن عباس: القائل لذلك جماعة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه واله، فقالوا له ذلك، وهم سلام ابن مشكم، ونعمان بن اوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فانزل الله فيهم الاية. وقوله " ذلك قولهم بأفواههم " معنا انه لا يرجع إلى معنى صحيح: فهو لا يجاوز افواههم، لان المعنى الصحيح ما رجع إلى ضرورة العقل أو حجته أو برهانه أو دليل سمعي. وقوله " يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل " معناه يشابهون. ومنه
قولهم امرأة ضهياء التي لا تحيض، ولا يخرج ثدياها اي اشبهت الرجال. وقال أبو علي الفارسي: ليست يضاهؤن من قولهم امرأة ضهياء، لان هذه الهمزة زائدة غير اصلية لانه ليس في الكلام شئ على وزن (فعيآء) ويشبه ان يكون ذلك لغة، كما قالوا ارجأت وأرجيت. واختار الزجاج أن تكون الهمزة أصلية، كما جاء كثير من الاشياء على وزن لا يطرد نحو (كنهبل) وهو الشجر العظام، وكذلك (قر نفل) لا نظير له. ووزنه (فعنلل). وقال ابن عباس " الذين كفروا " اراد به عبدة الاوثان، وقال الفراء: يشابهونهم في عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى. وقال قوم في قولهم: الملائكة بنات الله. وقال الزجاج: شابهوهم في تقليدهم اسلافهم في هذا القول. وقوله " قاتلهم الله " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس معناه لعنهم الله. الثاني - معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله من السوء. الثالث -
[ 206 ]
كالمقاتل لغيره في عداوة الله. وقوله " انى يؤفكون " معناه كيف يصرفون عن الحق إلى الافك الذي هو الكذب، ورجل مأفوك عن الخير وارض مأفوكة صرف عنها المطر قال الشاعر: أنى الم بك الخيال تطيف قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (32) آية. اخبر الله تعالى عن هؤلاء اليهود والنصارى الذين حكى حكايتهم انهم اتخذوا احبارهم، وهو جمع حبر، وهو العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان
وقيل حبر وحبر - بفتح الباء وكسرها - حكاه الفراء. والرهبان جمع راهب وهو الخاشي الذي يظهر عليه للناس الخشية. وقد كثر استعماله في متنسكي النصارى وروي عنه صلى الله عليه واله أن معنى اتخاذهم أربابا أنهم قبلوا منهم التحريم والتحليل بخلاف ما أمر الله تعالى، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، فسمى الله ذلك اتخاذهم إياهم أربابا من حيث كان التحريم والتحليل لا يسوغ إلا الله تعالى. وهو قول أكثر المفسرين. وقوله " والمسيح ابن مريم " عطف على الارباب أي واتخذوا عيسى ربا. وقوله " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا " معناه ان الله تعالى لم يأمر هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. ثم أخبر فقال " لا إله إلا هو سبحانه " يعني تنزيها عما يشركون. ومعنى سبحانه براءة الله من السوء كما قال الشاعر:
[ 207 ]
أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر (1) والاية تدل على أن المشرك مع الله في التحليل والتحريم على مخالفة امر الله كالمشرك في عبادة الله، لان استحلال ما حرم الله كفر بالاجماع. وكل كافر مشرك ولا يلزم على ذلك أن يكون من قبل من الشيطان باغوائه فارتكب المعاصي أن يكون كافرا على ما استدل به بعض الخوارج، لانه إذا قبل من الشيطان ما يعتقد انه معصية ولا يقصد بذلك طاعة الشيطان ولا تعظيمه يكون فاسقا، ولا يكون كافرا. وليس كذلك من ذكره الله تعالى في الاية، لانهم كانوا يقبلون تحريم علمائهم واحبارهم ويقصدون بذلك تعظيمهم. ولا يلزم على ذلك قبول المعاصي من العالم، لان العامي يعتد بالرجوع إلى العالم فيقبل منه ما أدى اجتهاده إليه وعلمه، فإذا قصد العالم وافتاه بغير ما علمه فهو المخطئ دون المستفتي. وليس كذلك هؤلاء، لانهم ما كانوا
تعبدوا بالرجوع إلى الاحبار والقبول منهم لانهم لو كانوا تعبدوا بذلك لما ذمهم الله على ذلك. قوله تعالى: يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (33) آية. اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى انهم " يريدون ان يطفؤا نور الله بافواههم " والاطفاء اذهاب نور النار. ثم استعمل في اذهاب كل نور. و " نور الله " القرآن والاسلام، في قول المفسرين: السدي والحسن. وقال الجبائي: نور الله: الدلالة والبرهان، لانه يهتدى بها كما يهتدى بالانوار. وواحد الافواه فم في الاستعمال، وأصله فوه فحذفت الهاء وأبدلت من الواو
(1) قائله الاعشى. وقد مر تخريجه في 3 / 81 (*)
[ 208 ]
ميم، لانه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها. ولما سمى الله تعالى الحجج والبراهين نورا سمى معارضتهم له اطفاء. وأضاف ذلك إلى الافواه، لان الاطفاء يكون بالافواه، وهو النفخ، وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم، لان النفخ يؤثر في الانوار الضعيفة دون الاقباس العظيمة ذكره الحسين بن علي المغربي. وقوله " ويأبي الله الا ان يتم نوره " الاباء الامتناع مما طلب من المعنى. قال الشاعر: وإن أرادوا ظلمنا أبينا أي منعناهم من الظلم، وليس الاباء من الكراهة في شئ على ما يقول المجبرة لانهم يقولون: فلان يأبى الضيم، فيمدحونه، ولا مدحة في كراهة الضيم لتساوي الضعيف والقوي في ذلك. وإنما المدح في المنع خاصة، ولذلك مدح عورة بن الورد
بأنه أبى للضيم بمعنى أنه ممتنع منه، وقوله (وإن ارادوا ظلمنا أبينا) يدل على ذلك لانه لا مدحة في ان يكرهوا ظلم من يظلمهم. وإنما المدحة في منع من أراد ظلمهم. والمنع في الاية يمنع الله إلا إتمام نوره. وإن كره الكافرون. ولا يجوز على قياس " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أن تقول: ضربت إلا أخاك، لان في الاباء معنى النفي، فكأنه قال: لا يمكنهم الله إلا أن يتم نوره. وإذا لم يكن في اللفظ مستثنى منه لم تدخل " إلا " في الايجاب، وتدخل في النفي على تقدير الحذف قال الشاعر: وهل لي أم غيرها ان تركتها * أبى الله إلا أن اكون لها ابنما (1) والتقدير في الاية ويأبى الله كل شئ الا اتمام نوره. في قول الزجاج، وأنكر أن يكون في الاية معنى الجحد.
(1) تفسير القرطبي 8 / 121 ومعاني القرآن 4331. (*)
[ 209 ]
قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (34) آية. اخبر الله تعالى انه " هو الذي ارسل رسوله " صلى الله عليه واله وحمله الرسالة التي يؤديها إلى امته " بالهدى " يعني بالحجج والبينات والبيان لما يؤديهم العمل به إلى ابواب الجنة. و " دين الحق " هو الاسلام وما تضمنه من الشرائع، لانه الذي يستحق عليه الجزاء بالثواب. وكل دين سواه باطل لانه يستحق به العقاب. ومن شأن الرسول أن يكون أفضل من جميع أمته من حيث يجب عليهم طاعته وامتثال ما يأمرهم به بما هو مصلحة لهم، ولانه رئيس لهم في الدين، ويقبح تقديم المفضول على
الفاضل فيما كان أفضل فيه. وقوله " ليظهره على الدين كله " معناه ليعلي دين الاسلام على جميع الاديان بالحكم والغلبة والقهر لهم. وقال البلخي: ظهوره على جميع الاديان بالحكم، لان جميع الاديان نال المسلمون منهم وغزوا فيهم وأخذوا سبيهم وجزيتهم. وفي الاية دلالة على صدق نبوته صلى الله عليه واله لانها تضمنت الوعد بظهور الاسلام على جميع الاديان، وقد صح ظهوره عليها. وقال أبو جعفر عليه السلام ان ذلك يكون عند خروج القائم عليه السلام. وقال ابن عباس: إن الهاء في " ليظهره " عائدة إلى الرسول صلى الله عليه واله أي ليعلمه الله الاديان كلها حتى لا يخفى عليه شئ منها. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين
[ 210 ]
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (35) آية. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يعلمهم أن كثيرا من احبار اليهود وعلمائهم ورؤسائهم، وكثيرا من رهبان النصارى ليأكلون أموال الناس بالباطل من حيث كانوا يأخذون الرشا في الاحكام - في قول اسحاق والجبائي - وأكل المال بالباطل تملكه من الجهات التي يحرم منها اخذه. وقيل في معنى " ليأكلون اموال الناس بالباطل " وجهان: احدهما - انهم يتملكون. وفوضع يأكلون موضعه لان الاكل غرضهم. والثاني - يأكلون اموال الناس من الطعام، فكأنهم يأكلون الاموال، لانها من المأكول، كما قول الشاعر: ذر الا كلين الماء لوما فما أرى * ينالون خيرا بعد أكلهم الماء (1)
اي ثمن الماء. وقوله " ويصدون عن سبيل الله " معناه يمنعون غيرهم من اتباع الاسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم إلى سلوكها. والغرض بذلك التحذير من اتباعهم والتهوين على المسلمين مخالفتهم. وقوله " والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله " معناه الذين يخبؤن أموالهم من غير ان يخرجوا زكاتها، لانهم لو اخرجوا زكاتها وكنزوا ما بقي لم يكونوا ملومين بلا خلاف. وهو قول ابن عباس: وجابر، وابن عمر، والحسن والسدي، والجبائي. قال: وهو إجماع. واصل الكنز كبس الشئ بعضه على بعض. ومنه قولهم كنز التمر والطعام قال الهذلي: لادر دري إن أطعمت نازلكم * قرف الحتي وعندي البر مكنوز (2)
الحتي سويق المقل. وقوله " ولا ينفقونها في سبيل الله " إنما لم يقل ولا ينفقونهما لاحد أمرين: احدهما - ان تكون الكناية عائدة إلى مدلول عليه وتقديره ولا ينفقون الكنوز أو الاموال. والاخر - ان يكون اكتفى بأحدهما عن الاخر للايجاز ومثله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " (1) وقال حسان: إن شرخ الشباب والشعر الاس * ود ما لم يعاص كان جنونا (2) وقال الاخر: نحن ما عندنا وانت بما * عندك راض والرأي مختلف (3) وكان يجب ان يقول راضيان. ومعنى البيت نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض وحذف الخبر من الاول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الاول عليه في قوله " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (4) والتقدير
والذاكرات الله. ومثل ذلك الاية. وتقديرها والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل الله ويكنزون الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. وموضع " والذين يكنزون " يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - ان يكون نصبا بالعطف على اسم (إن) وتقديره: يأكلون والذين يكنزون الذهب: والثاني - ان يكون رفعا على الاستئناف. وقال ابن عمر كل ما اخرجت زكاته فليس بكنز، وبه قال عكرمة. وقال الجبائي وغيره: " الذين يكنزون " نزلت في مانعي الزكاة من أهل الصلاة. وقال قوم: نزلت في المشركين، والاولى أن تحمل الاية على العموم في الفريقين. وقوله " فبشرهم بعذاب اليم " قيل في معناه قولان: أحدهما - ان اصل البشرى مما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غم، إلا
(1) سورة 62 الجمعة آية 11 (2) تفسير القرطبي 8 / 128 ومجاز القرآن 1 / 258 (3) تفسير القرطبي 8 / 128 ومعاني القرآن 1 / 434، 445. (4) سورة 33 الاحزاب آية 35. (*)
[ 212 ]
انه كثر استعماله في الفرح كما قال الجعدي. وأراني طربا في إثرهم * طرب الواله اء كالمختبل (1) لان أصل الطرب ما يستخف من سرور أو حزن. والثاني - انه وضع الوعيد بالعذاب الاليم موضع البشرى بالنعيم. وروي عن علي عليه السلام انه قال: كلما زاد على أربعة الاف، فهو كنز. أديت زكاته أو لم تؤد، وما دونها فهو نفقة. وقال أبو ذر: من ترك بيضاء أو صفراء كوي بها وسئل رسول الله صلى الله عليه واله عند نزول هذه الاية أي مال يتخذ، فقال: لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين احدكم على دينه.
قوله تعالى: يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (36) آية. قوله " يوم يحمى " متعلق بقوله " فبشرهم بعذاب اليم " في يوم يحمى عليها. ومعناه انه يدخل الذهب والفضة إلى النار فيوقد عليها يعني على الكنوز التى كنزوا فالهاء في قوله " عليها " عائدة على الكنوز أو الفضة. والاحماء جعل الشئ حارا في الاحساس، وهو فوق السخان، وضده النبريد تقول: حمى حما وأحماه احماء إذا امتنع من حر النار. وقوله " فتكوى " فالكي إلصاق الشئ الحار بالعضو من البدن. ومنه قولهم اخر الداء الكي لغلظ أمره كقطع العضو إذا عظم فساده تقول: كواه يكويه ؟ ؟ ؟
(1) مقاييس اللغة 3 / 445 واللسان (خيل). (*)
[ 213 ]
واكتوى اكتواء. وقوله " جباههم " جمع جبهة وهي صفحة اعلى الوجه فوق الحاجبين. وجبهه بالمكروه يجبهه جبها إذا استقبله به " وجنوبهم " جمع جنب والجنب والضلع والابطل نظائر " وظهورهم " جمع ظهر، وهو الصفحة العليا من خلف، المقابلة للبطن يقال: كتب في ظهر الدرج وبطنه إذا كتب في جانبيه. والمعنى ان الله يحمي هذه الكنوز بالنار ليكوي بها جباه من كنزها ولم يخرج حق الله منها وجنوبهم وظهورهم، فيكون ذلك اشد لعذابهم وأعظم لخزيهم. وقوله " هذا ما كنزتم " اي يقال لهم: هذا ما ذخرتموه لانفسكم " فذقوا ما كنتم تكنزون " ومعناه فاطعموا جزاء ما كنتم تدخرونه من منع الزكوات والحقوق الواجبة في أموالكم.
قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (37) آية. قرأ أبو جعفر " اثنا عشر " و " أحد عشر " و " تسعة عشر " بسكون الشين فيهن إلا أن النهرواني روى عنه حذف الالف التي قبل العين. لما ذكر الله تعالى وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير اخراج الزكاة وغيرها من الحقوق التي لله منه اقتضى ذلك ان يذكر النهي عن مثل حاله، وهو الظلم في الاشهر الحرم التي تؤدي إلى مثل حاله أو شر منها في سوء المنقلب، فأخبر تعالى " ان عدة الشهور " في السنة على ما تعبد الله المسلمين بأن يجعلوه لسنتهم دون ما يعتبره مخالفوا الاسلام " إثنا عشر شهرا " وانما قسمت السنة اثني عشر شهرا لتوافق أمر
[ 214 ]
الاهلة مع نزول الشمس في اثني عشر برجا تجري على حساب متفق، كما قال: " الشمس والقمر بحسبان " (1) والشهر مأخوذ من شهرة أمره لحاجة الناس إليه في معاملاتهم ومحل ديونهم وحجهم وصومهم، وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشريعة. وقوله " في كتاب الله " معناه فيما كتبه الله في اللوح المحفوظ وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقوله " يوم خلق السماوات والارض " متصل ب " عند الله " والعامل فيها الاستقرار. ثم بين أمر هذه الاثني عشر شهرا " منها أربعة حرم " وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سرد وواحد فرد كما يعتقده العرب.
ومعنى " حرم " انه يعظم انتهاك المحارم فيها اكثر مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى ان الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه لحرمته. وانما جعل الله تعالى بعض الشهور اعظم حرمة من بعض لما علم في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، فعظم منزلتها، وانه ربما أدى ذلك إلى ترك الظلم اصلالا نطفاء النائرة تلك المدة وانكسار الحمية، فان الاشياء تجر إلى اشكالها. وقوله " ذلك الدين القيم " معناه التدين بذلك هو الدين المستقيم. وقوله " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " نهي منه تعالى لخلقه عن أن يظلموا انفسهم لان من فعل قبيحا يستحق عليه العقاب، فقد ظلم نفسه بذلك بادخال الضرر عليها وقال أبو مسلم: معناه لا تدعوا قتال عدوكم في هذه الاشهر بأجمعكم، ولا تمتنعوا من أحد الا من دخل تحت الجزية والصغار، وكان من أهلها بدلالة قوله " وقاتلوا المشركين كافة " وكافة مشتقة من كفة الشئ وهي طرفه وانما أخذ من أن الشئ إذا انتهى إلى ذلك كف عن الزيادة، ولا يثنى كافة ولا يجمع. وقوله " وقاتلوا المشركين كافة " امر منه تعالى بقتال المشركين أجمع: امر
(1) سورة 55 الرحمان آية 5 (*)
[ 215 ]
الله تعالى المؤمنين بأن يقاتلوهم كما أن المشركين يقاتلونهم كذلك، والضمير في قوله " فيهن " يحتمل أن يكون عائدا على الشهور كلها على ما قال ابن عباس، ويحتمل أن يعود على الاربعة الحرم على ما قال قتادة لعظم أمرها. واختار الفراء رجوعه إلى الاشهر الحرم. قال لانه لو رجع إلى الاثني عشر لقال فيها. والصحيح ان الجميع جائز وانما خص الاربعة اشهر بذلك في قول قتادة لتعاظم الظلم لان أن الظلم يجوز فعله على حال من الاحوال.
وقوله " ذلك الدين القيم " معناه ذلك الحساب الصحيح هو الدين القيم لا ما كانت عليه العرب من النسئ. وقيل: معناه ذلك التدين هو الدين القيم. وقوله " كافة " نصب على المصدر، ولا يدخل عليها الالف واللام، لانه من المصادر التي لا تنصرف لوقوعه موقع معا وجمعا بمعنى المصدر الذي هو في موضع الحال المذكورة، فهو في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة. وقوله " واعلموا ان الله مع المتقين " لمعاصيهم وما يؤدي إلى عقابه ويكون معهم بالنصرة والولاية دون الاجتماع في مكان أو محل، لان الله لا يجوز عليه ذلك لانه من امارت الحدث. قوله تعالى: إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (38) آية قرأ أبو جعفر وابن فرج عن البزي " انما النسي " من غير همز قلب الهمزة ياء وادغم الياء الاولى فيها فلذلك شدد.. الباقون " النسئ " ممدود مهموز على وزن فعيل. وروي عن ابن مجاهد وابن مسعود عن عبيد بن عقيل عن شبل عن ابن كثير
[ 216 ]
" النس ء " على وزن النسع. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر " يضل " بضم الياء وفتح الضاد. وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح الياء وكسر الضاد قال أبو علي: وجه قراءة ابن كثير إذا قرأت على وزن النسع ان (النسئ) التأخير. قال أبو زيد: نسأت الابل في ظمئها يوما أو يومين أو اكثر من ذلك، والمصدر " النسئ " ويقال: الابل نسأتها على الحوض وأنا أنسأنها نسئأ إذا اخرتها عنه. قال: وما روي عن ابن كثير من قراءته بالياء فذلك على ابدال الياء من
الهمزة، ولا أعلمها لغة في التأخير، كما ان ارجيت لغة في ارجأت. وما روي فيه من التشديد فعلى تخفيف الهمز، لان النسي بتشديد الياء على وزن فعيل بالتخفيف قياسي. وسيبويه لا يجيز نحو هذا القلب الذي في النسئ الا في ضرورة الشعر. وابن زيد يراه ويروي كثيرا عن العرب. ومن قرأ بالمد والهمز فلانه اكثر هذا في المعنى. قال أبو زيد: أنسأته الدين إنساء إذا أخترته واسم ذلك النسيئة والنسأ. وكان النسئ في الشهور تأخير حرمة شهر إلى شهر ليست له تلك الحرمة فيحرمون بهذا التأخير ما أحل الله ويحلون ما حرم الله. والنسئ مصدر كالنذير والنكير وعذير الحي. ولا يجوز أن يكون (فعيلا) بمعنى مفعول لانه حمل على ذلك كأن معناه انما المؤخر زيادة في الكفر. المؤخر الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وانما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة. وقال أبو عبيدة فيما روى عن الثوري من قوله: انما النسئ زيادة في الكفر، قال: كانوا قد وكلوا قوما من بني كنانة يقال لهم: بنوا فقيم وكانوا يؤخرون المحرم وذلك نساء الشهور لا يفعلون ذلك الا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي مناد أن افعلوا ذلك لحاجة أو لحرب، وليس كل سنة يفعلون ذلك، فان ارادوا ان يحلوا المحرم نادوا هذا صفر وان المحرم الاكبر صفر، وربما جعلوا صفرا محرما مع ذي القعدة حتى يذهب الناس إلى منازلهم إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمون المحرم صفرا ويقدمون ويقدمون صفرا سنة ويؤخرونه.
[ 217 ]
وقال الفراء: والذي يتقدم به رجل بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء فيقولون: نعم صدقت انسئنا شهرا اوأخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر وأحل المحرم فيفعل ذلك. وانما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة اشهر حرم لا يغيرون فيها وكان معاشهم في
الغارة. والذي كان ينسأها حين جاء الاسلام هو جنادة بن عوف بن ابي امية وكان في بني معدإن قبل بنو كنانة قال الشاعر: ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما (1) وقال ابن عباس كانوا يجعلون المحرم صفرا وقال أبو علي: كانوا يؤخرون الحج في كل سنة شهرا وكان الذين ينسؤن بنو سليم، وغطفان، وهو ازن، ووافق حج المشركين في السنة التي حج فيها أبو بكر في ذي القعدة، فلما حج النبي صلى الله عليه واله في العام المقبل وافق ذلك في ذي الحجة فلذلك قال: ألا إن الزمان قد استدركه كهيئة يوم خلق السماوات والارض وقال مجاهد: فكان النسئ المنهي عنه في الاية تأخير الاشهر الحرم عما رتبها الله، وكانوا في الجاهلية يعملون ذلك وكان الحج يقع في غير وقته واعتقاد حرمة الشهر في غير أوانه، فبين تعالى أن ذلك زيادة في الكفر. قال أبو علي: من قرأ " يضل " بفتح الياء وكسر الضاد قال الذين كفروا لا يخلوا أن يكونوا مضلين لغيرهم أوضالين هم في انفسهم فإذا كان كذلك لم يكن في حسن اسناد الضلال في قوله " يضل " اشكال، ألا ترى أن المضل لغيره ضال بفعله اضلال غيره كما ان الضال في نفسه الذي لم يضله غيره لا يمتنع اسناد الضلال إليه ومن ضم الياء وكسر الضاد فمعناه ان كبراءهم واتباعهم يضلونهم بأمرهم اياهم بحملهم على هذا التاخير في الشهور. وروي في التفسير ان رجلا من كنانة يقال له أبو ثمامة كان يقول للناس في منصرفهم من الحج إن آلهتكم قد اقسمت
(1) قائله الكميت. تفسير القرطبي 8 / 138 (*)
[ 218 ]
لنحر من. وربما قال لنحلن هذا الشهر يعني المحرم فيحلونه ويحرمون صفرا وان حرموه احلوا صفرا وكانوا يسمونهما الصفرين فهذا اضلال من هذا المنادي. ومن قرأ بضم الياء وفتح الضاد - وقيل انها قراءة ابن مسعود - يقوي ذلك قوله
" زين لهم سواء اعمالهم " اي زين ذلك لهم حاملوهم عليه وداعوهم إليه. وعلى هذه القراءة يكون " الذين كفروا " في موضع رفع بانهم فاعلون والمفعول به محذوف وتقديره يضل منسؤا الشهور الذين كفروا تابعيهم والاخذين لهم بذلك. ومعنى قوله " ليواطئوا " فالمواطأة موافقة امر التوطئة المعنى ليواطئوا العدة في الاربعة اشهر. وقوله " زين لهم اعمالهم " قال الحسن وأبو علي المزين لهم انفسهم والشيطان وقيل: زين بالشهوة وليجتنبوا المشتهى فذكر ذلك للتحذير والاعتراف به. والتزيين يكون بمعنى الفعل له ويكون بمعنى تقبل الطبع. وإنما سمي انساؤهم زيادة في الكفر من حيث أنهم اعتقدوا أن ذلك صحيح وصواب فلذلك كان كفرا فلا حجة في ذلك ان تكون افعال الجوارح كفرا. وقوله " والله لا يهدي القوم الكافرين " معناه انه لا يهديهم إلى طريق الجنة إذ كانوا كفارا مستحقين لعذاب الابد. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الاخرة إلا قليل (39) آية. هذا خطاب من الله تعالى لجماعة من المؤمنين وعتاب وتوبيخ لهم بأنهم إذا قيل لهم على لسان رسوله " انفروا في سبيل الله " ومعناه اخرجوا في سبيل الله يعني الجهاد
[ 219 ]
وسماه سبيل الله، لان القيام به موصل إلى معنى الجنة ورضا الله تعالى والنفر الخروج إلى الشئ لامر هيج عليه وضده الهدوء تقول: نفر إلى الثغر ينفر نفرا ونفيرا ولا يقال النفور إلا في المكروه كنفور الدابة عما تخاف، وقوله " اثاقلتم إلى الارض "
اصله تثاقلتم وادغمت التاء في الثاء لمناسبتها لها وادخلت الف الوصل ليمكن الابتداء بها ومثله اداركوا قال الشاعر: تولى الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما اتابع القبل (1) والتثاقل تعاطي اظهار ثقل النفس ومثله التباطئ وضده التسرع. ومعنى " اثاقلتم إلى الارض " قيل فيه قولان: احدهما - إلى المقام بارضكم ووطنكم. الثاني - لما اخرج من الارض من الثمر والزرع. قال الحسن ومجاهد: دعوا إلى الخروج إلى غزوة تبوك بعد فتح مكة وغزوة الطائف، وكان ايام ادراك الثمرة ومحبة القعود في الظل فعاتبهم الله على ذلك. والاية مخصوصة بقوم من المؤمنين دون جميعهم، لان من المعلوم ان جميعهم لم يكن بهذه الصفة من التثاقل في الجهاد، وهو قول الجبائي وغيره. فقال الله تعالى لهم على جهة التوبيخ، والتعنيف ارضيتم بالحياة الدنيا على الاخرة، آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة الاخرة الباقية. وهو استفهام، والمراد به الانكار. والرضا هو الارادة غير انها لا توصف بذلك إلا إذا تعلقت بما مضى من الفعل والارادة توصف بما لم يوجد بعد قال تعالى مخبرا " فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل " اي ليس الانتفاع بما يظهر للحواس الاقيل ومنه قولهم: تمتع بالرياض والمناظر الحسان. ويقال للاشياء التي لها أثمان: متاع تشبيها بالانتفاع به.
(1) معاني القرآن 1 / 438 والطبري 14 / 252 (استاف) الشئ قرب منه وشمه، و (القبل) - بضم القاف - جمع قبلة. (*)
[ 220 ]
قوله تعالى:
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير (40) آية. هذا تحذير من الله تعالى لهؤلاء الذين استبطأهم ووصفهم بالتثاقل عن سبيل الله بقوله " إلا تنفروا " أي إن لم تخرجوا الى سبيل الله التي دعيتم إليها من الجهاد " يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم " يقومون بنصرة نبيه ولا يتثاقلون فيه. والاستبدال جعل أحد الشيئين بدل الاخر مع الطلب له والتعذيب بطول وقت العذاب، لانه من الاستمرار وقد يكون عقابا وغير عقاب. وقوله " ولا تضروه شيئا " قيل فيمن يرجع إليه قولان: احدهما - انه يعود على اسم الله في قول الحسن. قال: لانه غني بنفسه عن جميع الاشياء والاخر - قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه واله لان الله عصمه من جميع الناس وقوله " والله على كل شئ قدير " معناه قادر على الاستبدال بكم وعلى غيره من الاشياء. وفيه مبالغة. قوله تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا تاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (41) آية.
[ 221 ]
قرأ يعقوب وجده " وكلمة الله هي العليا " بالنصب على تقدير وجعل كلمة الله هي العليا ومن رفع استأنف، وهو أبلغ لانه يفيد أن كلمة الله العليا على كل حال. وهذا ايضا زجر آخر وتهديد لمن خاطبه في الاية الاولى بانهم إن لم ينصروا
النبي صلى الله عليه واله ولم يقاتلوا معه ولم يجاهدوا عدوه " فقد نصره الله " أي قد فعل الله به النصر حين اخرجه الكفار من مكة " ثاني اثنين ". وهو نصب على الحال اي هو ومعه آخر، وهو أبو بكر في وقت كونهما في الغار من حيث " قال لصاحبه " يعني ابا بكر " لا تحزن " اي لا تخف. ولا تجزع " ان الله معنا " أي ينصرنا. والنصرة على ضربين: احدهما - يكون نعمة على من ينصره. والاخر - لا يكون كذلك، فنصرة المؤمنين تكون إحسانا من الناصر إلى نفسه لان ذلك طاعة لله ولم تكن نعمة على النبي صلى الله عليه واله. والثاني - من ينصر غيره لينفعه بما تدعوا إليه الحكمة كان ذلك نعمة عليه مثل نصرة الله لنبيه صلى الله عليه واله ومعنى " ثاني اثنين " أحد اثنين يقولون هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة، لانه مشتق من المضاف إليه. وقد يقولون خامس اربعة أي خمس الاربعة بمصيره فيهم بعد أن لم يكن. والغار ثقب عظيم في الجبل. قيل: وهو جبل بمكة يقال له ثور، في قول قتادة. وقال مجاهد: مكث النبي صلى الله عليه واله في الغار مع ابي بكر ثلاثا. وقال الحسن: أنبت الله على باب الغار ثمامة، وهي شجيرة صغيرة. وقال غيره: الهم العنكبوت ؟ ؟ ؟ ؟ على باب الغار. وأصل الغار الدخول إلى عمق الخباء. ومنه قوله " إن أصبح ماؤكم غورا " (1) وغارت عينه تغور غورا إذا دخلت في رأسه. ومنه أغار على القوم إذا أخرجهم من أخبيتهم بهجومه عليهم. وقوله " فأنزل الله سكينته عليه " قيل فيمن تعود الهاء إليه قولان: احدهما - قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه واله. والثاني - قال الجبائي: تعود على أبي بكر
(1) سورة 67 الملك آية 30 (*)
[ 222 ]
لانه كن الخائف واحتاج إلى الامن لان من وعد بالنصر فهو ساكن القلب. والاول
أصح، لان جميع الكنايات قبل هذا وبعده راجعة إلى النبي صلى الله عليه واله ألا ترى أن قوله " إلا تنصروه " الهاء راجعة إلى النبي صلى الله عليه واله بلا خلاف، وقوله " فقد نصره الله " فالهاء أيضا راجعة إلى النبي صلى الله عليه واله وقوله " إذا اخرجه " يعني النبي صلى الله عليه واله " إذ يقول لصاحبه " يعني صاحب النبي صلى الله عليه اله ثم قال " فأنزل الله سكينته عليه " وقال بعده " وأيده بجنود " يعني النبي صلى الله عليه واله فلا يليق أن يتخلل ذلك كله كناية عن غيره وتأييد الله إياه بالجنود ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربه ومن القاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين. وقوله " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " أي جعلها نازلة دنية وأراد بذلك أن يسفل وعيدهم النبي صلى الله عليه واله وتخويفهم إياه فأبطل وعيدهم ونصر رسول الله والمؤمنين عليهم فعبر عن ذلك بأنه جعل كلمتهم كذلك، لا انه خلق كلمتهم كما قال " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " (1). وقيل: إن كلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله التوحيد، وهي قول: لا اله الا الله. وقيل: كلمتهم هو ما تغامزوا عليه ومن قتله. و " كلمة الله " ما وعد به من النصر والنجاة. ثم أخبر ان " كلمة الله هي العليا " المرتفة اي هي المنصورة بغير جعل جاعل، لانها لا يجوز أن تدعو إلى خلاف الحكمة. وقوله " والله عزيز " معناه قادر لا يقهر " حكيم " واضع الاشياء مواضعها ليس فيها وجه من وجوه القبح. وليس في الاية ما يدل على تفضيل أبي بكر، لان قوله " ثاني اثنين " مجرد الاخبار أن النبي صلى الله عليه واله خرج ومعه غيره، وكذلك قوله " إذ هما في الغار " خبر عن كونهما فيه، وقوله " إذ يقول لصاحبه " لا مدح فيه أيضا، لان تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة ألا ترى أن الله تعالى قال في صفة المؤمن والكافر " قال له صاحبه وهو
(1) سورة 43 الزخرف آية 19. (*)
[ 223 ]
يحاوره أكفرت بالذي خلقك " (1) وقد يسمون البهيمة بأنها صاحب الانسان كقول الشاعر (وصاحبي بازل شمول) وقد يقول الرجل المسلم لغيره: ارسل اليك صاحبي اليهودي، ولا يدل ذلك على الفضل، وقوله " لا تحزن " إن لم يكن ذما فليس بمدح بل هو نهي محض عن الخوف، وقوله " إن الله معنا " قيل إن المراد به النبي صلى الله عليه واله، ولو أريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة، لانه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يفعل القبيح لا تفعل إن الله معنا يريد أن متطلع علينا، عالم بحالنا. والسكينة قد بينا أنها نزلت على النبي صلى الله عليه واله بما بيناه من ان التأييد بجنود الملائكة كان يختص بالنبي صلى الله عليه واله فأين موضع الفضلية للرجل لولا العناد، ولم نذكر هذا للطعن على ابي بكر بل بينا أن الاستدلال بالاية على الفضل غير صحيح. قوله تعالى: إنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (42) آية. هذا امر من الله تعالى للمؤمنين أن ينفروا إلى جهاد المشركين خفافا وثقالا وقيل في معنى " خفافا وثقالا " ثمانية أقوال: احدها - قال الحسن ومجاهد والضحاك والجبائي: إن معناه شبانا وشيوخا. وثانيها - قال صالح: معناه أغنياء وفقراء. وثالثها - قال ابن عباس وقتادة: نشاطا وغير نشاط. ورابعها - قال أبو عمرو: ركبانا ومشاة. وخامسها - قال ابن زيد: ذا صنعة وغير ذي صنعة. وسادسها - قال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. وسابعها - قال الفراء: ذو العيال، والميسرة: هم الثقال، وذو العسرة وقلة العيال هم الخفاف. وثامنها - ان يحمل
(1) سورة 18 الكهف آية 38 (*)
[ 224 ]
على عمومه فيدخل فيه جميع ذلك، وهو الاولى والاليق بالظاهر، وهو اختيار الطبري، والرماني ويكون ذلك على حال خفة النفير وثقله لان هذا الذي ذكر يجري مجرى التمثيل لما يعمل هذا العمل به. وقوله " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " أمر من الله لهم بأن يجاهدوا في قتال اعدائه بأموالهم وأنفسهم. والجهاد بالمال واجب كالجهاد الانفس، وهو الانفاق في سبيل الله، وظاهر الاية يدل على وجوب ذلك بحسب الامكان. فمن لم يطق الجهاد إلا بالمال فعليه ذلك يعين به من ليس له مال. وظاهر الاية يقتضي وجوب مجاهدة البغاة كما يجب مجاهدة الكفار، لانه جهاد في سبيل الله، ولقوله " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى امر الله " (1) فأوجب قتال البغاة إلى حين يرجعوا إلى الحق. وقوله " ذلكم خير لكم " إشارة إلى الجهاد وتقديره ذلك الجهاد خير لكم. وإنما قال " خير لكم " وان لم يكن في ترك الجهاد خير، لاحد أمرين: احدهما - خير من تركه إلى المباح. والثاني - ان فيه الخير لكم لا في تركه، فلا يكون خير بمعنى أفعل من كذا. وقوله " إن كنتم تعلمون " معناه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير. وقال أبو علي: معناه " ان كنتم تعلمون " صدق الله فيما وعد به من الثواب الدائم. وقال أبو الضحى: أول ما نزل من سورة براءة " انفروا ". وقال مجاهد: أول ما نزل قوله " لقد نصركم الله. وقال ابن عباس: نسخ هذه الاية قوله " وما كان المؤمنون لينفروا كافة " (2). وقال جعفر بن قيس: هذا ليس بمنسوخ، لان المنسوخ ما لا يجوز فعله. وهذا ليس بصحيح، لانه يجوز أن يكون وجوبه زال إلى الندب أو الاباحة.
(1) سورة 49 الحجرات آية 9 (2) سورة 9 التوبة آية 123 (*)
[ 225 ]
قوله تعالى: لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا تبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (43) آية. هذه الاية في قوم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه واله ولم يخرجوا معه إلى غزوة تبوك. وحسن الكناية عنهم وإن لم يجر لهم ذكر لكونهم داخلين في جملة الذين أمروا بالخروج مع النبي صلى الله عليه واله إلى الجهاد وأن ينفروا معه. والمعنى لو كان المدعو إليه عرضا قريبا من الغنيمة وما يطمع فيه من المال " وسفرا قاصدا " معناه سفرا سهلا باقتصاده من غير طول في آخره. وسمي العدل قصدا، لانه مما ينبغي أن يقصد " لا تبعوك " يعني خرجوا معك وبادروا إلى اتباعك " ولكن بعدت عليهم الشقة " اي بعدت عليهم المسافة، لانهم دعوا إلى الخروج إلى تبوك ناحية الشام، فالشقة القطعة من الارض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها. ويحتمل أن يكون من الشق ويحتمل ان يكون من المشقة. والشقة السفر والمشاقة. وقريش يضمون الشين، وقيس يكسرونها. وقريش يضمون العين من (بعدت). وقوله " وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم " اخبار منه تعالى ان هؤلاء الذين ذكرهم يحلفون ويقسمون على وجه الاعتذار اليك ويقولون فيما بعد " لو استطعنا لخرجنا معكم " اي لو قدرنا وتمكنا من الخروج لخرجنا معكم ثم اخبر تعالى انهم " يهلكون أنفسهم " بذلك واخبر تعالى انه يعلم انهم يكذبون في هذا الخبر الذي أقسموا عليه. وفي الاية دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل لانهم لا يخلون من احد امرين: إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج وقادرين
عليه ولم يخرجوا اولم يكونوا قادرين عليه وإنما حلفوا أنهم لو قدروا في المسقبل
[ 226 ]
لخرجوا، فان كان الاول فقد ثبت ان القدرة قبل الفعل، وإن كان المراد الثاني فقد أكذبهم الله في ذلك وبين انه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا، وفي ذلك أيضا تقدم القدرة على المقدور، وليس لهم أن يجعلوا الاستطاعة على آلة السفر وعدة الجهاد، لان ذلك ترك الظاهر من غير ضرورة فان حقيقة الاستطاعة القدرة وإنما يشبه غيرها بها على ضرب من المجاز، على انه إذا كان عدم الالة والعدة يعذر صاحبه في التأخر فمن ليس فيه قدرة اولى بأن يكون معذورا وفي الاية دلالة على النبوة لانه اخبر انهم سيحلفون في المستقبل على ذلك بالله " لو استطعنا لخرجنا معكم " فجاؤا فيما بعد وحلفوا على ما اخبر به. قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (44) آية. هذه خطاب فيه بعض العتاب للنبي صلى الله عليه واله في إذنه من استأذنه في التأخر فأذن له، فأخبر الله بأنه كان الاولى ان لا تأذن لهم وتلزمهم الخروج معك حتى إذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم، لانه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم بالنفاق كان تأخر هم أم بغيره. وكان الذين استأذنوه منافقين. وحقيقة العفو الصفح عن الذنب، ومثله الغفران، وهو ترك المؤاخذة على الاجرام. وقد كان يجوز أن يعفو الله عن جميع المعاصي كفرا كان أو غيره، غير أنه أخبر أنه لا يعفو عن عقاب الكفر، لاجماع الامة على ذلك، وما عداه من الفسق باق على ما كان عليه من الجواز. وانما قال " عفا الله عنك " على غير لفظ المتكلم لانه أفخم من الكناية لان هذا الاسم من اسماء التعظيم كما أن قولك إن رأي الامير افخم من قولك إني رأيت.
وقال أبو على الجبائي: في الاية دلالة على ان النبي صلى الله عليه واله كان وقع منه ذنب
[ 227 ]
في هذا الاذن. قال: لانه لا يجوز أن يقال لم فعلت ما جعلت لك فعله ؟ كما لا يجوز أن يقول لم فعلت ما أمرتك بفعله. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لان قوله " عفا الله عنك " إنما هي كلمة عتاب له صلى الله عليه واله لم فعل ما كان الاولى به أن لا يفعله، لانه وان كان له فعله من حيث لم يكن محظورا فان الاولى ان لا يفعله، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخاله: لم عاتبته وكلمته بما يشق عليه ؟ وان كان له معاتبته وكلامه بما يثقل عليه. وكيف يكون ذلك معصية وقد قال الله في موضع آخر: " فان استاذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم " وإنما اراد الله أنه كان ينبغي أن ينتظر تأكيد الوحي فيه. ومن قال هذا ناسخ لذلك فعليه الدلالة. وقوله " لم أذنت " فالاذن رفع التبعة، عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله لم أذن لقوم من المتأخرين عن الخروج معه إلى تبوك وإن كان له اذنهم لكن كان الاولى ان لا يأذن " حتى يتبين لك " حتى يظهر لك " الذين صدقوا " في قولهم لو استطعنا لخرجنا معكم، لانه كان فيهم من اعتل بالمرض والعجز وعدم الحمولة " وتعلم الكاذبين " منهم في هذا القول. قوله تعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (45) آية. أخبر الله تعالى نبيه بعلامة المنافقين والكاذبين بأن بين أنه لا يستأذن احد النبي صلى الله عليه واله في التأخر عنه والخروج معه إلى جهاد أعدائه ولا يسأله الاذن في التأخر القوم الذين يؤمنون بالله ويصدقون به ويقرون بوحدانيته ويعترفون باليوم الاخر. والاستئذان طلب الاذن من الاذن. ومعنى قوله " أن يجاهدوا " فيه حذف
وتقديره لان لا يجاهدوا بحذف (لا) لان ذمهم قد دل عليه - هذا قول ابي علي
[ 228 ]
الجبائي - وقال الحسن: تقديره كراهية أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. وقال الزجاج: هو في موضع نصب، لان تقديره في أن يجاهدوا، فلما حذف حرف الجر انتصب، وعند سيبويه وغيره هو في موضع الجر. وقوله " والله عليم بالمتقين " اخبار منه تعالى بانه يعلم من يتقي معصية الله ويخاف عقابه، ومن لا يتقيه. قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد وعذر للمؤمنين، فقال: لم يذهبوا حتى يسأذنوه. والمعنى انه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا انه علم أنهم ليسوا منهم. فان قيل أي الجهادين أفضل: أجهاد السيف أم جهاد العلم ؟ قيل: هذا بحسب الحاجة إليه والمصلحة فيه، وكذلك الجهاد بالمال والجهاد بالنفس. وإنما يقع التفاضل مع استواء الاحوال الا بمقدار الخصلة الزائدة من خصال الفضل. وأجاز الرماني الجهاد مع الفساق إذا عاونوا على حق في قتال الكفار لانهم يطيعون في ذلك الفعل كما هم مطيعون في الصلاة والصيام وغير ذلك من شريعة الاسلام. والظاهر من مذهب أصحابنا أنه لا يجوز ذلك إلا ما كان على وجه الدفع عن النفس وعن بيضة الاسلام. قوله تعالى: إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (46) آية. أخبر الله تعالى في هذه الاية بانه إنما يستأذن النبي صلى الله عليه واله في التأخر عن الجهاد والقعود عن القتال معه القوم " الذين لا يؤمنون بالله " اي لا يصدقون بالله ولا يعترفون به " واليوم الاخر " يعني بالبعث والنشور " وارتابت قلوبهم " يعني اضطربت
وشكت. والارتياب هو الاضطراب في الاعتقاد بالتقدم مرة والتأخر اخرى. والريبة
[ 229 ]
شك معه تهمة: رابني ريبا وريبة وارتاب ارتيابا، واستراب استرابة. وقوله " فهم في ريبهم يترددون " معناه فهم في شكهم يذهبون ويرجعون والتردد هو التصرف بالذهاب والرجوع مرات متقاربة، مثل المتحير، رده ردا وردده ترديدا، وتردد ترددا وارتد ارتدادا، وراده مرادة، وتراد القوم تردادا، واسترده استردادا. وقوله " في ريبهم يترددون " يدل على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لانه تعالى أخبر أنهم في شكهم يترددون، صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس على بصيرة من أمره. وقيل في معنى اليوم الاخر قولان: احدهما - انه آخر يوم من أيام الدنيا والمؤذن بالكرة الاخيرة. الثاني - وهو الاقوى - انه يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة وهو الاظهر من مفهوم هذه اللفظة. قوله تعالى: ولو أرادوا الخروج لا عدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (47) آية. اخبر الله تعالى ان هؤلاء المنافقين لو ارادوا الخروج مع النبي صلى الله عليه واله نصرة له ورغبة في جهاد الكفار كما أراد المؤمنون ذلك لا عدوا للخروج عدة، وهو ما يتهيأ لهم معها الخروج، ولكن لم يكن لهم في ذلك نية وكان عزمهم على أن النبي صلى الله عليه واله ان لم يأذن لهم في الاقامة فخرجوا، أفسدوا عليك وضربوا بين أصحابك، وأفسدوا قلوبهم، فكره الله خروجهم على هذا الوجه، لان ذلك كفر ومعصية. والله لا يكره الخروج الذي أمرهم به، وهو أن يخرجوا لنصرة نبيه وقتال عدوه والجهاد في سبيله كما خرج المؤمنون كذلك، فثبطهم الله عن الخروج الذي عزموا عليه ولم
يثبطهم عن الخروج الذي أمرهم به، لان الاول كفر. والثاني طاعة. وقوله " وقيل اقعدوا مع القاعدين " يحتمل شيئين: أحدهما - أن يكون
[ 230 ]
القائلون لهم ذلك أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي نصرة له ورغبة في الجهاد. والثاني - ان يكون ذلك من قول النبي صلى الله عليه واله لهم على وجه التهديد لا على وجه الاذن، ويجوز أن يكون إذنه لهم في القعود الذي عاتبه الله عليه. وأنه كان الاولى أن لا يأذن لهم فيه، ولا يجوز أن يكون ذلك من قول الله، لانه لو كان كذلك لكان مباحا لهم التأخر. اللهم إلا أن يكون ذلك على وجه التهديد، فيجوز أن يكون ذلك من قول الله. والعدة والاهبة والالة نظائر. والانبعاث الانطلاق بسرعة في الامر، ولذلك يقال: فلان لا ينبعث في الحاجة أي ليس له نفاذ فيها. والتثبط التوقف عن الامر بالتزهيد فيه ومثله التعقيل. وقوله " مع القاعدين " يعني مع النساء والصبيان والمرضى والزمنى، ومن ليس به حراك. وقال ابن اسحاق: كان الذين استأذنوه اشرافا ورؤساء كعبد الله بن أبي بن ابي سلول والحد بن قيس. وزاد مجاهد رفاعة بن التابوت وأوس بن قبطي. قوله تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (48) آية. بين الله تعالى في هذه الاية الوجوه في كراهية انبعاثهم ووجه الحكمة في نثبيطهم عن ذلك وهو ما علم من ان في خروجهم مفسدة للمؤمنين، لانه قال " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا " قال الفراء: لو قال ما زادكم يريد خروجهم لكان جائزا، وهذا من سعة العربية. والخبال الفساد، والخبال الموت، والخبال
لاضطراب في الرأي بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لاخرين ليختلفوا وتفترق كلمتهم. قوله " ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة " والايضاع الاسراع في السير بطرح العلق
[ 231 ]
قال الشاعر: أرانا موضعين لامر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب (1) وقال آخر: ياليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع (2) وربما قالوا للراكب: وضع بغير الف، ومنه وضعت الناقة تضع وضعا، وأوضعتها إيضاعا. ومعنى الايضاع هاهنا إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب بنقل الكلام على وجه التخويف. قال الحسن: معناه مشوا بينكم بالنميمة، لافساد ذات بينكم. وقوله " وفيكم سماعون لهم " قيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة وابن اسحاق: فيكم القابلون منهم عند سماع قولهم، وقوله " إلا خبالا " استثناء منقطع وتقديره ما زادوكم قوة ولكن طلبوا لكم الخبال ويحتمل أن يكون المعنى إنهم على خبال في الرأي فيعقده حتى يصير خبالا فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا. الثاني - قال مجاهد وابن زيد: لهم عيون منهم ينقلون أخباركم إلى المشركين. وقوله " يبغونكم الفتنة " معناه يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة والفرقة. قال الحسن: يبغونكم أن تكونوا مشركين. وأصل الفتنة إخراج خبث الذهب بالنار، تقول: بغيتك كذا بمعني بغيت لك ومثله جلبتك وجلبت لك و " خلالكم " أي بينكم مشتق من التخلل، وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي صلى الله عليه واله تراصوا في الصفوف لايتخللكم اولاد الخذف. وقوله: " والله عليم بالظالمين " معناه - هاهنا - عالم بمن يستأذن
(1) مر تخريجه في 1 / 372 (2) قائله دريد بن الصمة قاله يوم حنين: اللسان (وضع) وسيرة ابن هشام 4 / 82 وتفسير الطبري 14 / 278 (*)
[ 232 ]
النبي صلى الله عليه واله في التأخر شكا في الاسلام ونفاقا، وعالما بمن سمع حديث المؤمن وينقله إلى المنافقن فان هؤلاء ظالمون انفسهم وباخسون لها حظها من الثواب. قوله تعالى: لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لكم الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (49) آية. اقسم الله تعالى أن هؤلاء المنافقين " ابتغوا " أي طلبوا إفساد ذات بينكم وافترق كلمتكم في يوم أحد حتى انصرف عبد الله بن أبي بأصحابه وخذل النبي صلى الله عليه واله وكان هو وجماعة من المنافقين يبغون للاسلام الغوائل قبل هذا، فسلم الله المؤمنين من فتنتهم وصرفها عنهم. وقوله " وقلبوا لك الامور " فالتقليب هو تصريف الشئ بجعل أسفله أعلاه مرة بعد أخرى، فهؤلاء صرفوا القول في المعنى للحيلة والمكيدة وقوله " حتى جاء الحق " أي حتى اتى الحق " وظهر أمر الله وهم كارهون " أي في حال كراهتهم لذلك، فهي جملة موضع الحال. والظهور خروج الشئ إلى حيث يقع عليه الادراك وقد يظهر المعنى للنفس إذا حصل العلم به. قوله تعالى: ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (50) آية. قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: نزلت هذه الاية في ألحد بن قيس، وذلك ان النبي صلى الله عليه واله لما دعا الناس إلى الخروج إلى غزوة تبوك لقتال الروم جاءه ألحد
ابن قيس، فقال: يا رسول الله إني رجل مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الاصفر، قال الفراء: سمي الروم أصفر، لان حبشيا غلب على ناحية الروم، وكان له بنات
[ 233 ]
قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرا لعسا، فنزلت هذه الاية فيه. وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وأبو علي والزجاج: معنى ولا تفتني ولا تؤثمني بالعصيان في المخالفة التي توجب الفرقة، فتضمنت الاية ان من جملة المنافقين من استأذن النبي صلى الله عليه واله في التأخر عن الخروج، والاذن رفع التبعة في الفعل، وهو والاباحة بمعنى، وقال له " لا تفتني " اي لا تؤثمني بأن تكلفني المشقة في ذلك فأهم بالعصيان أو لا تفتني ببنات أصفر على ما حكيناه، فقال الله تعالى " ألا في الفتنة سقطوا " أي وقعوا في الكفر والمعصية بهذا القول وبهذا الفعل. والسقوط الوقوع إلى جهة السفل ووقوع الفعل حدوثه وسقوطه أيضا. وقوله " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " اخبار منه تعالى أن جهنم مطيفة بما فيها من جميع جهاتها بالكافرين. والاحاطة والاطافة والاحداق نظائر في اللغة. ولا يدل ذلك على انها لا تحيط بغير الكفار من الفساق الا ترى أنها تحيط بالزبانية والمتولين للعقاب، فلا تعلق للخوارج بذلك. قوله تعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (51) آية. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله بأن هؤلاء المنافقين الذين ذكر هم متى نال النبي صلى الله عليه واله والمؤمنين حسنة أي نعمة من الله تعالى وظفر باعدائهم وغنيمة ينالونها ساءهم ذلك وأحزنهم، وإن تصبهم مصيبة أي آفة في النفس أو الاهل أو المال - وأصلها الصوب - وهو الجري إلى الشئ، يقال: صاب يصوب صوبا، ومنه
صوب الاناء إذا ميله للجري، والصواب اصابة الحق " يقولوا " يعني هؤلاء المنافقين " قد أخذنا أمرنا من قبل " ومعناه قد حذرنا واحترزنا، في قول مجاهد وغيره، ومعناه
[ 234 ]
اخذنا امرنا من مواضع الهلكة فسلمنا مما وقعوا فيه " ويتولوا " اي يعرضوا " وهم فرحون " يعني فرحين بتأخرهم وسلامتهم مما نال المؤمنين من المصيبة. والاصابة وقوع الشئ بما قصد به. قوله تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (52) آية. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يقول لهؤلاء المنافقين الذين يفرحون بمصيبات المؤمنين وسلامتهم منها " لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " وقيل في معناه قولان: احدهما - ان كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو مما كتبه الله في اللوح المحفوظ من أمرنا، وليس على ما تظنون وتتوهمون من اهمالنا من غير أن نرجع في أمرنا إلى تدبير ربنا، هذا قول الحسن. الثاني - قال الجبائي والزجاج: يحتمل أن يكون معناه لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا. وقال البلخي: يجوز ان يكون (كتب) بمعنى علم ويجوز ان يكون بمعنى حكم، والاولان أقوى. فان قيل: ما الفائدة في كتب ما يكون من افعال العباد قبل كونها ؟ قلنا في ذلك مصلحة للملائكة ما يقابلون به فيجدونه متفقا في الصحة، مع ان تصور كثرته اهول في النفس وأملا للصدر. وقوله: " هو مولانا " يحتمل معنيين: احدهما - انه مالكنا ونحن عبيده. والثاني - فان الله يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا. وقوله " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " امر منه تعالى للمؤمنين ان يتوكلوا
عليه تعالى دون غيره. والتوكل تغويض الامر إلى الله والرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره. كما قال " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " (1) وحرف الجر الذي في
(1) سورة 63 الطلاق آية 3. (*)
[ 235 ]
معنى الظرف متعلق بالامر في قوله " فليتوكل " وتقديره فليتوكل على الله المؤمنون وانما جاز تقديمه لانه لا يلبس، ولا يجوز تقديمه على حرف الجزاء لانه يلبس بالجزاء في الجواب. قوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (53) آية. روى ابن فليح والبزي إلا النقاش " هل تربصون " بتشديد التاء، وجهه أنه أراد تتربصون فادغم احد التاءين في الاخرى. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يقول لهؤلاء المنافقين " هل تربصون بنا " والتربص التمسك بما ينتظر به مجئ حينه ولذلك قيل تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره، وقوله " إلا احدى الحسنيين " واحدى الشيئين واحدد منهما، واحد العشر واحد منها، واحدى النساء معناه واحدة منهن. والحسنيان عظيمان في الحسن من النعم ومعانيهما هاهنا إما الغلبة بنصر الله عز وجل والشهادة المودية إلى الجنة، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم. و (هل) حرف من حروف الاستفهام والمراد هاهنا التقريع بالتربص المؤدي صاحبه إلى كل ما يكرهه من خيبته وفوز خصمه. وقوله " ونحن نتربص بكم " أي قل لهؤلاء: ونحن ايضا نتوقع بكم ان يوقع بكم عذابا " من عنده " يهلككم به " أو بأيدينا " بأن ينصرنا
عليكم فيقتلكم بأيدينا. وقوله " فتربصوا " صورته صورة الامر والمراد به التهديد كما قال: " اعملوا ما شئتم " (1) " واستفزز من استطعت " (2) وانما قلنا ذلك لان
(1) سورة 41 حم السجدة آية 40 (2) سورة 17 الاسرى آية 64 (*)
[ 236 ]
تربص المنافقين بالمؤمنين تمسك بما يؤدي إلى الهلاك وذلك قبيح لا يريده الله ولا يأمر به. وقال الفراء: العرب تدغم لام هل وبل في التاء خاصة وهو كثير في كلامهم قوله تعالى: قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (54) آية. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ان يقول لهؤلاء المنافقين " انفقوا " وصورته صورة الامر وفيه ضرب من التهديد وهو مثل قوله " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (1) وانما هو بيان عن توسعة التمكين من الطاعة والمعصية، وقال قوم: معناه الخبر الذي تدخل (إن) فيه للجزاء كما قال كثير: اسيئي بنا أو احسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية ان تقلت (2) كأنه قال: إن أحسنت أو أسأت لم تلامي، وإنما حسن ان يأتي بصيغة الامر على معنى الخبر بتوسعة التمكين لانه بمنزلة الامر في طلب فعل ما يتمكن الذي قد عرفه المخاطب، كأنه قيل اعمل بحسب ما يوجبه الحق فيما مكنت من الامرين. ووجه آخر أن كل واحد من الضربين كالمأمور به في انه لا يعود وبال العائد الا على المأمور. وقوله " طوعا " فالطوع الانقياد بارادة لمن عمل عليها. والكره فعل الشئ بكراهة حمل عليها. وقوله " لن يتقبل منكم " معناه لا يجب لكم به الثواب على ذلك مثل تقبل الهدية ووجوب المكافاة وتقبل التوبة وايجاب الثواب عليها، ومثله في كل طاعة.
وقوله " إنكم كنتم قوما فاسقين " اخبار منه تعالى وخطاب لهؤلاء المنافقين بأنهم كانوا فاسقين متمردين عن طاعة الله، فلذلك لم يقبل نفقاتهم وإنما كانوا ينفقون
(1) سورة 18 الكهف آية 29. (2) معاني القرآن 1 / 441 وقد مر في 1 / 327 (*)
[ 237 ]
أموالهم في سبيل الله المرياء دفعا عن انفسهم. قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (55) آية. قرأ اهل الكوفة الا عاصما " ان يقبل " بالياء. الباقون بالتاء. وجه قراءة من قرأ بالياء ان التأنيث ليس بحقيقي فجاز أن يذكر كقوله " فمن جاء موعظة " (1) ومن قرأ بالتاء فعلى ظاهر التأنيث. والمنع أمر يضاد الفعل وينافيه. والمعنى هاهنا أن هؤلاء المنافقين منعوا انفسهم ان يفعل بهم قبول نفقاتهم، كما يقول القائل: منعته بري وعطائي. وقوله " ان تقبل " في موضع نصب، وتقديره وما منعهم من أن تقبل وحذف (من). وقوله " إلا أنهم كفروا بالله ورسوله " انهم في موضع رفع والعامل في اعراب انهم يحتمل احد امرين: احدهما - ما منعهم من ذلك إلا كفرهم. والثاني - أن يكون تقديره ما منعهم الله منه إلا لانهم كفروا بالله. وعندنا ان الكافر لا يقع منه الانفاق على وجه يكون طاعة، لانه لو أوقعها على ذلك الوجه لاستحق الثواب. والاحباط باطل، فكان يؤدي إلى ان يكون مستحقا للثواب. وذلك خلاف الاجماع وعند من خالفنا من المعتزلة وغيرهم يصح ذلك، غير انه ينحبط بكفره فأما الصلاة فلا يصح أن تقع منهم على وجه تكون طاعة بلا خلاف،
لان الصلاة طريقها الشرع فمن لا يعترف بالشرع لا يصح أن يوقعها طاعة، وليس كذلك الانفاق، لان العقل دال على حسنه غير انهم وإن علموا ذلك لا يقع منهم
(1) سورة 2 البقرة آية 275 (*)
[ 238 ]
كذلك على ما بيناه. وقوله " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى " اي يقومون إليها على وجه الكسل وذلك ذم لهم بانهم يصلون الصلاة على غير الوجه الذي امروا به، من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها دون الايمان الذي يبعث على النشاط لها. وقوله " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " اخبار منه تعالى بأنهم لا ينفقون ما ينفقونه لكونه طاعة بل ينفقونه كارهين لذلك وذلك يقوي ما قلناه. قوله تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (56) آية. هذا نهي للنبي صلى الله عليه واله والمراد به المؤمنون والمعنى: لا يروق ناظر كم ايها المؤمنون ظاهر حسنها يعني اموال المنافقين والكفار واولادهم تستحسنونه بالطبع البشري. وانما قلنا ذلك. لان النبي صلى الله عليه واله مع زهده لا يجوز ان يعجب بها اعجاب مشته لها. وقوله " إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا " وقيل في معنى ذلك وجوه: احدها - قال ابن عباس وقتادة والفراء: ان فيه التقديم والتأخير والتقدير فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في الاخرة، فيكون الظرف على هذا متعلقا بأموالهم وأولادهم، ومثله قوله تعالى " فالقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون " (1) وتقديره فالقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم الثاني - قال ابن زيد: معناه انما يريد الله ليعذبهم
بحفظها والمصائب فيها مع حرمان النفقة بها. والثالث - قال الجبائي: تقديره انما
(1) سورة 27 النمل آية 28 (*)
[ 239 ]
يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا عند تمكن المؤمنين من اخذها وغنمها فيتحسرون عليها ويكون ذلك جزاء على كفرهم نعم الله تعالى بها. والرابع - قال البلخي والزجاج: ان معناه فلا تعجبك اموالهم، فانها وبال عليهم، لان الله يعذبهم بها اي بما يكلفهم من انفاقها في الوجوه التي امرهم بها فتزهق انفسهم لشدة ذلك عليهم لانفاقهم، وهم مع هذا كله كافرون وعاقبتهم النار فيكون قوله " وهم كافرون " اخبارا عن سوء احوالهم وقلة نفع المال والولد لهم ولا يكون عطفا على ما مضى. والخامس - أن يكون المعنى أن مفارقتها وتركها والخروج عنها بالموت صعب عليهم شديد، لانهم يفارقون النعم ولا يدرون إلى ماذا يصيرون بعد الموت فيكون حينئذ عذابا عليهم. بمعنى ان مفارقتها غم وعذاب. ومعنى " وتزهق انفسهم " اي تهلك وتذهب بالموت يقال: زهق بضاعة فلان اي ذهبت اجمع. السادس - قال الحسن: اخبر الله تعالى عن عاقبتهم انهم يموتون على النفاق. وقال: ليعذبهم بزكاتها وانفاقها في سبيل الله، وهو قول البلخي ايضا والزجاج مع اعتقادهم ان ذلك ليس بقربة، فيكون ذلك عذابا أليما. واللام في قوله " ليعذبهم " يحتمل ان يكون بمعنى (أن) والتقدير إنما يريد الله أن يعذبهم. والزهق الخروج بصعوبة. وأصله الهلاك، ومنه قوله " قل جاء " الحق وزهق الباطل " (1) وكل هالك زاهق، زهق يزهق زهوقا. والزاهق من الدواب السمين الشديد السمن، لانه هالك يثقل بدنه في السير والكر والفر. وزهق فلان بين ايدي القوم إذا زهق سابقا لهم حتى يهلك منهم. والاعجاب السرور بما يعجب منه تقول: اعجبني حديثه اي سرني بظرف حديثه.
وليس في الاية ما يدل على ان الله تعالى اراد الكفر على ما يقوله المجبرة، لان قوله " وهم كافرون " في موضع الحال كقولك اريد ان تذمه وهو كافر واريد ان تضربه وهو عاص وأنت لا تريد كفره ولا عصيانه بل تريد ذمه في حال
(1) سورة 17 الاسرى آية 81 (*)
[ 240 ]
كفره وعصيانه، وتقديره الاية إنما يريد الله عذابهم وازهاق انفسهم اي اهلاكها في حال كونهم كافرين، كما يقول القائل للطبيب: اختلف الي كل يوم وأنا مريض، وهو لا يريد المرض، ويقول لغلامه: اختلف الي وأنا محبوس، ولا يريد حبس نفسه. قوله تعالى: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (57) آية. اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم يقسمون بالله انهم لمنكم يعني من المؤمنين وعلى دينهم الذي يدينون به. ثم قال الله تعالى مكذبا لهم " وما هم منكم " اي ليسوا مؤمنين مثلكم ولا مطيعين لله في اتباع دينه كما انتم كذلك، ولكنهم قوم يفرقون اخبار منه تعالى ان هؤلاء المنافقين يفرقون من اظهار الكفر لئلا يقتلوا والفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر. وأصله من مفارقة الامن إلى حال الانزعاج. قوله تعالى: لو يجدون ملجا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (58) آية. قرأ يعقوب " أو مدخلا " بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها. وقرأ شاذ " مدخلا " بضم الميم وسكون الدال.
اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم لو وجدوا ملجأ. ومعناه لو ادركوا مطلوبهم، يقال: وجدت الضالة وجدانا ووجدت على الرجل وجدا وموجدة. والملجأ الموضع الذي يتحصن فيه ومثله المعقل والموئل، والمعتصم والمنتصر. وقال
[ 241 ]
ابن عباس: معناه هاهنا حرزا. وقال مجاهد: أي حصنا، ومثله يستعمل في الناصر والمساعد. وقوله " أو مغارات " اي لو وجدوا مغارات، وهي جمع مغارة وهي المداخل الساتر من دخل فيه. وقال ابن عباس: معناه المغارات والغيران والغار الثقب الواسع في الجبل، ومنه غارت العين من الماء إذا غابت في الارض، وغارت عينه إذا دخلت في رأسه. والمدخل المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه وهو مفتعل من الدخول كالمتلج من الولوج. وأصله متدخل. وقال ابن عباس وأبو جعفر عليه السلام والفراء: المدخل الاسراب في الارض. وقوله " لولوا إليه وهم يجمحون " فالجماح مضي الماء مسرعا على وجهه لا يرده شئ عنه. وقال الزجاج: فرس جموع، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام. وقيل: هو المشئ بين المشيين قال مهلهل: لقد جمحت جماحا في دمائهم * حتى رأيت ذوي أجسامهم جمدوا وقال الزجاج: معنى (مدخلا) اي لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم أو قوما يدخلونهم في جملتهم يعتصمون بهم لفعلوا. قوله تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (59) آية. قرأ يعقوب " يلمزك " بضم الميم. الباقون بكسرها، وهما لغتان، وهذه الاية فيها اخبار أن من جملة المنافقين الذين ذكرهم من يلمزك يا محمد صلى الله عليه واله في الصدقات اي يعيبك. وفي قول الحسن. واللمز العيب على وجه المساترة، والهمز العيب - بكسر
العين وغمزها - في قول الزجاج - تقول: لمزه يلمزه ويلمزه - بالكسر والضم - وهي صفتهم قال الشاعر:
[ 242 ]
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة * وان تغببت كنت الهامز اللمزه (1) وقال رؤبة: قالت بين عنقي وجمزي * في ظل عصري باطلي ولمزي (2) وقال أبو عبيدة: يلزمك معناه يعيبك. وقال قتادة: معناه يطعن عليك. والهمز الغيبة. ومنه قوله " هماز مشاء بنميم " (3). وقيل لاعرابي: أتهمز الفأزة ؟ قال: الهر يهمزها، فأوقع الهمز على الاكل، والهمز كاللمز، ومنه قوله " أيحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا " (4) والصدقات جمع صدقة وهي العطية للفقير على وجه البر والصلة، والصدقة الواجبة في الاموال حرام على رسول الله وأهل بيته كأنهم جعلوا في تقدير الاغنياء، فأما البر على وجه التطوع فهو مباح لهم. وقوله " فان أعطوا منها رضوا " يعني من الصدقات رضوا بذلك وحمدوك عليه وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " يعني إذا لم يعطوا ما طلبوه من الصدقات سخطوا وغضبوا. والصدقة محرمة على من كان غنيا. واختلفوا في حد الغني، فقال قوم: هو من ملك نصابا من المال. وقال آخرون: هو من كانت له مادة تكفيه، ملك النصاب أو لم يملك، والذي كان يلمز النبي صلى الله عليه اله في الصدقات بلتعة بن حاطب، وكان يقول: إنما يعطي محمد الصدقات من يشاء فربما أعطاه النبي صلى الله عليه واله فيرضى وربما منعه فسخط، فتلكم فيه، فنزلت الاية فيه. قوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتيهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا
(1) قائله زياد الاعجم مجاز القرآن 1 / 263 واللسان " همز " ومقاييس
اللغة 6 / 66 وتفسير الطبري 14 / 301 وفيه اختلاف كثير في الرواية. (2) ديوانه: 64 وتفسير الطبري 14 / 300 (3) سورة 68 القلم آية 11 (4) سورة 49 الحجرات آية 12 (*)
[ 243 ]
الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (60) آية. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك الصدقات وعابوك بها لو رضوا بما اعطاهم الله ورسوله " وقالوا " مع ذلك " حسبنا الله " اي كفانا الله وانه سيعطينا الله من فضله وانعامه ويعطينا رسوله مثل ذلك وقالوا " انا إلى الله راغبون " والجواب محذوف والتقدير لكان خيرا لهم وأعود عليهم وحذف الجواب في مثل هذا ابلغ لانه لتأكيد الخبر به استغنى عن ذكره. قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (61) آية. اخبر الله تعالى في هذه الاية انه ليست الصدقات التي هي زكاة الاموال إلا للفقراء والمساكين ومن ذكرهم في الاية. واختلفوا في الفرق بين الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد: الفقير المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، ذهبوا إلى أنه مشتق من المسكنة بالمسألة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال (ليس المسكين الذي ترده الاكلة والاكلتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى فيغنيه ولا يسأل الناس إلحافا) وقال قتادة: الفقير ذو الزمانة من اهل الحاجة. والمسكين من كان صحيحا محتاجا. وقال قوم: هما بمعنى واحد إلا
انه ذكر بالصفتين لتأكيد امره قال الشاعر: انا الفقير كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد (1)
(1) اللسان (وفق). الحلوبة: الناقة التي تحلب (وفق العيال) على قدر = (*)
[ 244 ]
ويسمى المحتاج فقيرا تشبيهابأن الحاجة كأنها قد كسرت فقار ظهره يقال: فقر الرجل فقرا وأفقره الله افقارا وافتقر افتقارا، وتفاقر تفاقرا. وسمي المسكين بذلك تشبيها بأن الحاجة كأنها سكنته عن حال اهل السعة والثروة. قال الله تعالى " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " (1) فمن قال: المسكين أحسن حالا احتج بهذه الاية. ومن قال هما سواء قال: السفينة كانت مشتركة بين جماعة لكل واحد منهم الشئ اليسير. وقوله " والعاملين عليها " يعني سعاة الزكاة وجباتها، وهو قول الزهري وابن زيد وغيرهم. وقوله " والمؤلفة قلوبهم " معناه أقوام أشراف كانوا في زمن النبي صلى الله عليه واله فكان يتألفهم على الاسلام ويستعين بهم على قتال غيرهم ويعطيهم سهما من الزكاة. وهل هو ثابت في جميع الاحوال ام في وقت دون وقت ؟ فقال الحسن والشعبي: ان هذا كان خاصا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله. وروى جابر عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ذلك. واختار الجبائي انه ثابت في كل عصر الا ان من شرطه ان يكون هناك امام عدل يتألفهم على ذلك. وقوله " وفي الرقاب " يعني المكاتبين واجاز اصحابنا ان يشترى به عبد مؤمن إذا كان في شدة ويعتق من مال الزكاة، ويكون ولاؤه لارباب الزكاة، وهو قول ابن عباس وجعفر بن مبشر. وقوله " والغارمين " قال مجاهد وقتادة والزهري وجميع المفسرين، وهو قول ابي جعفر عليه السلام انهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا إسراف فتقضى عنهم
ديونهم، و " في سبيل الله " يعني الجهاد بلا خلاف. ويدخل فيه عند أصحابنا جميع مصالح المسلمين، وهو قول ابن عمر وعطاء. وبه قال البلخي، فانه قال: تبنى به المساجد والقناطر وغير ذلك، وهو قول جعفر بن مبشر. و " ابن السبيل " وهو المسافر
= حاجتهم و (السبد) كناية عن القليل وأصله الوبر وهو الشعر الضعيف. (1) سورة 18 الكهف آية 80. (*)
[ 245 ]
المنقطع به فانه يعطى من الزكاة وان كان غنيا في بلده من غير ان يكون دينا عليه، وهو قول مجاهد وقتادة قال الشاعر: انا ابن الحرب ربتني وليدا * إلى ان شبت واكتهلت لداتي (1) وقال بعضهم: جعل الله الزكاة لامرين: احدهما - سد خلة. والاخر - تقوية ومعونة لعز الاسلام. واستدل بذلك على ان المؤلفة قلوبهم في كل زمان. واختلفوا في مقدار ما يعطى الجابي للصدقة، فقال مجاهد والضحاك: يعطى الثمن بلا زيادة. وقال عبد الله بن عمر بن العاص والحسن وابن زيد: هو على قدر عمالته، وهو المروي في اخبارنا. وقال ابن عباس وحذيفة وعمر بن الخطاب وعطاء وابراهيم وسعيد بن جبير، وهو قول ابن جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان لقاسم الزكاة ان يضعها في اي الاصناف شاء. وكان بعض المتأخرين لا يضعها الا في سبعة أصناف لان المؤلفة قد انقرضوا. وان قسمها الانسان عن نفسه، ففي ستة لانه بطل سهم العامل، وزعم انه لا يجزي في كل صنف أقل من ثلاثة. وعندنا ان سهم المؤلفة والسعاة وسهم الجهاد قد سقط اليوم، ويقسم في الخمسة الباقية كما يشاء رب المال وان وضعها في فرقة منهم جاز. وقوله " فريضة من الله " نصب على المصدر اي فرض ذلك فريضة وكان يجوز الرفع على الابتداء ولم يقرأ به، ومعناه ان ما فرضه الله وقدره واجب عليكم.
وقوله " والله عليم حكيم " معناه عالم بمصالحكم حكيم فيما يوجبه عليكم من اخراج الصدقات وغير ذلك. قوله تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين
(1) تفسير الطبري 14 / 320 (*)
[ 246 ]
يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم (62) آية. قرأ نافع " أذن خير " بالتخفيف الباقون بالتثقيل. وكلهم أضاف. ورفع " ورحمة " الا أبا عمرو فانه جر (ورحمة) وكان يجوز النصب على (ورحمة) يفعل ذلك، ولم يقرأ به أحدا، قال أبو علي: تخفيف " أذن " من أذن قياس مطرد نحو طنب وطنب، وعنق وعنق وظفر وظفر لان ذلك تخفيف وتثقيل لاتفاقهما في الوزن وفي جمع التكسير تقول: آذان وأطناب وأعناق وأظفار، فأما الاذن في الاية فانه يجوز ان يطلق على الجملة وان كان عبارة عن جارحة فيها، كما قال الخليل في الناب من الابل سميت به لمكان الناب البازل، فسميت الجملة كلها به. ويجوز أن يكون (فعلا) من اذن ياذن إذا استمع. ومعناه انه كثير الاستماع مثل شلل وأنف وشحح، قال أبو زيد: رجل اذن ويقن إذا كان يصدق بكل ما يسمع فكما ان (يقن) صفة كبطل كذلك (اذن) كشلل، ويقولون: اذن يأذن إذا استمع، ومنه قوله " وأذنت لربها " (1) اي استمعت، وقوله " ائذن لي " (2) اي استمع. وفي الحديث (ما اذن الله لشئ كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن) قال الشاعر: في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ما ذي مشار (3) والمعنى - في الاضافة - مستمع خير لكم وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر
وفساد. ومن رفع (رحمة) فالمعنى فيه أذن خير ورحمة اي مستمع خير ورحمة فجعله للرحمة لكثرة هذا المعنى فيه، كما قال " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (4) ويجوز ان يقدر حذف المضاف من المصدر. وأما من جر فعطفه على (خير) كأنه قال اذن خير ورحمة، وتقديره مستمع خير ورحمة. وجاز هذا كما جاز مستمع
(1) سورة 84 الانشقاق آية 2 (2) سورة 9 التوبة آية 50 (3) اللسان (اذن) نسبه إلى (عدي) والماذي المشار: العسل المصفى (4) سورة 21 الانبياء آية 107. (*)
[ 247 ]
خير، لان الرحمة من الخير وإنما خص تشريفا، كما قال " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ثم قال " خلق الانسان من علق " (1) وان كان قوله تعالى " خلق " عم الانسان وغيره. والبعد بين الجار وما عطف عليه لا يمنع من العطف ألا ترى ان من قرأ " وقيله يا رب " انما جعله عطفا على " وعنده علم الساعة " (2) وعلم قيله. وروي ان الاعمش قرأ قل " اذن خير ورحمة " وهي قراءة ابن مسعود. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان من جمله هؤلاء - المنافقين الذين وصفهم وذكرهم - من يؤذي النبي صلى الله عليه واله والاذى هو ضرر ربما تنفر منه النفس في عاجل الامر وانهم يقولون هو اذن يعنون النبي صلى الله عليه واله. ومعنى (اذن) انه يصغي إلى كل احد فيقبل ما يقوله - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك - وقيل اصله من اذن إذا استمع على ما بيناه قال عدي بن زيد: ايها القلب تعلل بددن * ان همي في سماع واذن (3) وقيل السبب في ذلك: ان قوما من المنافقين تكلموا بما ارادوه، وقالوا ان بلغه اعتذرنا إليه، فانه اذن يسمع ما يقال له، فقال الله تعالى " قل " يا محمد " اذن خير لكم " لا اذن شر، وليس بمعنى أفعل. وانما معناه أذن صلاح ولو رفع خيرا
لكان معناه أصلح، وهي قراءة الحسن والاعشى والبرجمي. وانما قال بعد ذلك " يؤمن بالله " لان معناه انه لايمانه بالله يعمل بالحق فيما يسمع من غيره. وقيل يصغي إلى الوحي من قبل الله. وقوله " ويؤمن للمؤمنين " قال ابن عباس: معناه ويصدق المؤمنين. وقيل دخلت اللام كما دخلت في قوله " درف لكم " (4) وتقديره ردفكم، واللام مقحمة ومثله " لربهم يرهبون " (5) ومعناه يرهبون ربهم. واللام مقحمة.
(1) سورة 96 العلق 2. (2) سورة 43 الزخرف آية 88، 85 (3) اللسان (اذن) وامالي المرتضى 1 / 33 وتفسير الطبري 14 / 325 (4) سورة 27 النمل آية 72 (5) سورة 7 الاعراف آية 153. (*)
[ 248 ]
وقال قوم: دخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وايمان الامان. وقوله " ورحمة للذين آمنوا منكم " يعني ان النبي صلى الله عليه واله رحمة للمؤمنين منكم وانما خص المؤمنين بالذكر وان كان رحمة للكفار أيضا من حيث انتفع المؤمنون به دون غيرهم من الكفار. ثم قال " والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم " اي مؤلم موجع جزاء لهم على أذاهم للنبي صلى الله عليه واله. وقال ابن اسحاق: نزلت هذه الاية في نبتل بن الحارث كان يقول: إني لا نال من محمد ما شئت، ثم آتيه اعتذر إليه وأحلف له فيقبل، فجاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: انه يجلس اليك رجل ادلم ثائر شعر الرأس اسفع الخدين احمر العينين كأنهما قدر ان من صفر كبده اغلظ من كبد الجمل ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره وكان ذلك صفة نبتل بن الحارث من منافقي الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه واله من اختار أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث، ذكره ابن اسحاق.
قوله تعالى: يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (63) آية. اخبر الله تعالى أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أنهم على دينكم وأن الذي بلغكم عنهم باطل " ليرضوكم " ومعناه يريدون بذلك رضاكم لتحمدوهم عليه. ثم قال تعالى " والله ورسوله أحق أن يرضوه " أي الله ورسوله أولى بأن يطلبوا مرضاتهما " ان كانوا مؤمنين " مصدقين بالله مقرين بنبوة نبيه، والفرق بين الاحق والاصلح ان الاحق قد يكون موضعه غير الفعل كقولك: زيد أحق بالمال، والاصلح لا يقع هذا الموقع لانه من صفات الفعل وتقول: الله أحق أن يطاع ولا تقول اصلح، وقيل في رد ضمير الواحد في قوله " والله ورسوله أحق أن يرضوه " قولان:
[ 249 ]
احدهما أنه لما كان رضى رسول الله رضى الله ترك ذكره، لانه دال عليه والتقدير والله احق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه كما قال الشاعر: نحن بما عندك وانت بما * عندك ارض والرأي مختلف (1) والثاني - أنه لا يذكر على طريق المجمل مع غيره تعظيما له بافراد الذكر المعظم بما لا يجوز إلا له، ولذلك قال النبي صلى الله عليه واله لمن سمعه يقول: من أطاع الله ورسول هدى (ومن يعصمه فقد غوى) وانما أراد ما قلناه. قوله تعالى: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (64) آية. يقول الله تعالى على وجه التهديد والتقريع والتوبيخ لهؤلاء المنافقين " ألم يعلموا " أي أو ما علموا " انه من يحادد الله " اي يتجاوز حدود الله التي أمر المكلفين ان
لا يتجاوزوها، فالمحادة مجاوزة الحد بالمشاقة ومثله المباعدة. والمعنى مصيرهم في حد غير حد أولياء الله. فالمخالفة والمحادة والمجانبة والمعاداة نظائر في اللغة. وانما قال: لمن لا يعلم " ألم يعلموا " لاحد أمرين: أحدهما - على وجه الاستبطاء لهم والتخلف عن علمه. والاخر - انه يجب ان تعلموا الان هذه الاخبار. وقال الجبائي: معناه ألم يخبرهم النبي صلى الله عليه واله بذلك. وقوله " فان لم نار جهنم خالدا فيها " يحتمل أن يكون على التكرير، لان الاولى للتأكيد مع طول الكلام، وتقديره فله نار جهنم أو فان له نار جهنم. قال الزجاج: ولو قرئ (فان) بكسر الهمزة على وجه الاستئناف كان جائزا، غير أنه لم يقرأ به احد. وقوله " ذلك الخزي العظيم " معناه ذلك الذي ذكرناه
(1) انظر 1 / 172. و 5 / 211 (*)
[ 250 ]
من أن له نار جهنم هو الخزي يعني الهوان بما يستحى من مثله. تقول: خزي خزيا إذا انقمع للهوان فأخزاه إخزاء وخزيا. قوله تعالى: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (65) آية. قيل في معنى يحذر المنافقون قولان: احدهما - قال الحسن ومجاهد واختاره الجبائي: ان معناه الخبر عنهم بأنهم كانوا يحذرون ان تنزل فيهم آية يفتضحون بها لانهم كانوا شاكين، حتى قال بعضهم: لوددت ان اضرب كل واحد منكم مئة ولا ينزل فيكم قرآن، ذكره أبو جعفر وقال: نزلت في رجل يقال له مخشى بن الحمير الاشجعي. الثاني - قال الزجاج: انه تهديد ومعناه ليحذروا، وحسن ذلك لان موضوع
الكلام على التهديد. والحذر اعداد ما يتقي الضرر، ومثله الخوف والفزع تقول: حذرت حذرا وتحذر تحذرا وحاذره محاذرة وحذارا وحذره تحذيرا. والمنافق الذي يظهر من الايمان خلاف ما يبطنه من الكفر واشتق ذلك من نافقاء اليربوع لانه يخفي بابا ويظهر بابا ليكون إذا أتي من احدهما خرج من الاخر. وقوله " تنبئهم بما في قلوبهم " أي تخبرهم، غير أن (تنبئهم) يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بمنزلة أعلمت. وقوله " قل استهزؤا " أمر للنبي صلى الله عليه واله أن يقول لهؤلاء المنافقين (استهزؤا) اي اطلبوا الهزء. والهزء إظهار شئ وابطان خلافه للتهزئ به، وهو بصورة الامر والمراد به التهديد. وقوله " ان الله مخرج ما تحذرون " إخبار من الله تعالى أن الذي تخافون من ظهوره فان الله يظهره بأن يبين لنبيه صلى الله عليه واله باطن حالهم ونفاقهم.
[ 251 ]
قوله تعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (66) آية. خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله فأقسم، لان اللام لام القسم بأنك يا محمد صلى الله عليه واله إن سألت هؤلاء المنافقين عما تكلموا به " ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " قال الحسن وقتادة: هؤلاء قالوا في غزاة تبوك: أيرجو هذا الرجل ان يفتح قصور الشام وحصونها - هيهات هيهات - فأطلع الله نبيه صلى الله عليه واله على ما قالوه، فلما سألهم النبي عن ذلك على وجه التأنيب لهم والتقبيح لفعلهم: لم طعنتم في الدين بالباطل والزور ؟ فأجابوا بما لا عذر فيه بل هو وبال عليهم: بأنا كنا نخوض ونلعب. والخوض دخول القدم فيما كان مائعا من الماء أو الطين هذا في الاصل ثم كثر حتى صار في كل دخول منه أذى وتلويث. واللعب فعل ما فيه سقوط المنزلة لتحصيل
اللذة من غير مراعاة الحكمة كفعل الصبي، وقالوا: ملاعب الاسنة اي انه لشجاعته يقدم على الاسنة كفعل الصبي الذي لا يفكر في عاقبة امره. فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله: " قل " لهم " أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن " قال أبو علي: ذكر الاستهزاء هاهنا مجاز، لانه جعل الهزء بالمؤمنين وبآيات الله هزءا بالله. والهزء ايهام امر على خلاف ما هو به استصغارا لصاحبه. قوله تعالى: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (67) آية. قرأ عاصم " ان نعف " بنون مفتوحة وضم الفاء " نعذب " بالنون وكسر
[ 252 ]
الذال " طائفة " بالنصب. الباقون بضم الياء في (يعف تعذب طائفة) بضم التاء ورفع طائفة. من قرأ بالنون فلقوله " ثم عفونا عنكم " (1). ومن قرأ بالتاء فالمعنى ذاك بعينه. وأما " تعذب " فمن قرأ بالتاء، فلان الفعل في اللفظ مسند إلى مؤنث. قوله تعالى: " لا تعتذروا " صورته صورة النهي والمراد به التهديد. والمراد ان الله تعالى امر نبيه صلى الله عليه واله أن يقول لهؤلاء المنافقين الذين يحلفون بأنهم ما قالوه إلا لعبا وخوضا على وجه النهزئ بآيات الله " لا تعتذروا " بالمعاذير الكاذبة فانكم بما فعلتموه " قد كفرتم " بعد أن كنتم مظهرين الايمان الذي يحكم لمن اظهره بأنه مؤمن، ولا يجوز ان يكونوا مؤمنين على الحقيقة مستحقين للثواب ثم يرتدون، لما قلناه في غير موضع: ان المؤمن لا يجوز عندنا أن يكفر لانه كان يؤدي إلى اجتماع استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم، لبطلان التحابط. والاجماع يمنع من ذلك. والاعتذار اظهار ما يقتضي العذر، والعذر ما يسقط الذم
عن الجناية. وقوله " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة " اخبار منه تعالى أن ان عفا عن قوم منهم إذا تابوا يعذب طائفة أخرى لم يتوبوا. والعفو رفع التبعة عما وقع من المعصية وترك العقوبة عليها. ومثله الصفح والغفران. وقوله " بانهم كانوا مجرمين " معناه انه انما يعذب الطائفة التي يعذبها لكونها مجرمة مذنبة مرتكبة لما يستحق به العقاب. والاجرام الانقطاع عن الحق إلى الباطل. واصله الصرم تقول: جرم الثمر يجرمه جرما وجراما إذا صرمه. والجرم مصرم الحق بالباطل وتجرمت السنة إذا تصرمت قال لبيد: دمن تجرم بعد عهد انيسها * حجج خلون حلالها وحرامها (2) قال الزجاج والفراء: نزلت الاية في ثلاثة نفر فهرئ إثنان وضحك واحد
(1) سورة 2 البقرة آية 52. (2) اللسان " جرم " (*)
[ 253 ]
قال ابن اسحاق: كان الذي عفا عنه مخشى بن حصين الاشجعي حليف بني سلمة لانه انكر منهم بعض ما سمع فجعلت طائفة للواحد ويراد بها نفس طائفة. وأما في اللغة فيقال للجماعة طائفة، لانهم يطيفون بالشئ. وقوله تعالى " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (1) يجوز أن يراد به واحد على ما فسرناه. قوله تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (68) آية. أخبر الله تعالى بأن المنافقين الذين يظهرون الايمان ويسرون الكفر بعضهم من بعض. والمعنى إن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، كما يقول القائل
لغيره: أنت مني وأنا منك والمعنى إن أمرنا واحد لا ينفصل. وقيل: بعضهم من بعض فيما يلحقهم من مقت الله وعذابه أي منازلهم متساوية في ذلك. ثم أخبر أن هؤلاء المنافقين يأمرون غيرهم بالمنكر الذي نهى الله عنه وتوعد عليه من الكفر بالله ونبيه وجحد آياته " وينهون عن المعروف " يعني الافعال الحسنة التي أمر الله بها وحث عليها، وانهم يقبضون ايديهم اي يمسكون أموالهم عن انفاقها عن طاعة الله ومرضاته وهو قول قتادة، وقال الحسن ومجاهد: أراد إمساكها عن الانفاق في سبيل الله. وقال الجبائي: أراد به إمساك الايدي عن الجهاد في سبيله الله. وقوله " نسوا الله فنسيهم " معناه تركوا امر الله يعني صار بمنزلة المنسي بالسهو عنه فجازاهم الله بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وذكر ذلك لازدواج الكلام. وقال قتادة: اي نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر. ثم اخبر
(1) سورة 24 النور آية 2 (*)
[ 254 ]
تعالى فقال " إن المنافقين " الذين يخادعون المؤمنين باظهار الايمان مع ابطانهم الكفر " هم الفاسقون " الخارجون عن الايمان بالله وبرسوله وعن طاعاته. قوله تعالى: وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (69) آية. اخبر الله تعالى بأنه " وعد المنافقين والمنافقات " الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر " نار جهنم " يعاقبون فيها أبد الابدين وكذلك الكفار الذين يتولونهم، وهم على ظاهر الكفر. فلذلك أفردهم بالذكر ليعلم أن الفريقين معا يتناولهم الوعيد وتقول: وعدته بالشر وعيدا ووعدته بالخير وعدا وأوعدته إيعادا وتوعدته توعدا في الشر لا بالخير، وواعدته مواعدة، وتواعدوا تواعدا وقوله
" هي حسبهم " يعني نار جهنم والعقاب فيها كافيهم، ولعنهم الله يعني أبعدهم الله من جنته وخيره " ولهم " مع ذلك " عذاب مقيم " ومعناه دائم لا يزول وقيل معنى " هي حسبهم " أي هي كفاية ذنوبهم، ووفاء لجزاء عملهم. واللعن الابعاد من الرحمة عقابا على المعصية، ولذلك لا يقال لعن البهيمة كما لا يدعا لها بالعفو قوله تعالى: كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك هم الخاسرون (70) آية.
[ 255 ]
الكاف في قوله " كالذين " في موضع نصب، والتقدير احذروا أن يحل بكم من العذاب والعقوبة كالذين. ويحتمل أن يكون المراد وعدكم الله على الكفر كما وعد الذين من قبلكم، فشبه المنافقين في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع بلذات الدنيا بمن قبلكم مع أن عاقبة امر الفريقين يؤل إلى العقاب مع أن الاولين كانوا أشد من هؤلاء قوة في ابدانهم وأطول اعمارا واكثر اموالا وأشد تمكينا فلم يقدروا ان يدفعوا عن نفوسهم ماحل بهم من عقاب الله. وقوله " فاستمتعوا بخلاقهم " فالاستمتاع هو طلب المتعة وهي فعل ما فيه اللذة من المآكل والمشارب والمناكح. ومعناه انهم تمتعوا بنصيبهم من الخير العاجل وباعوا بذلك الخير الاجل فهلكوا بشر استبدال، كما تمتعتم ايها المنافقون بخلاقكم اي بنصيبكم والخلاق النصيب سواء كان عاجلا أو آجلا. وقوله " وخضتم كالذي خاضوا " خطاب للمنافقين بأن قيل لهم خضتم في الباطل والكذب على الله كالذين تابعوهم على ذلك من المنافقين وغيرهم من الكفار
" حبطت اعمالهم " لانهم كانوا أو قعوها على خلاف ما أمرهم الله به فلم يستحقوا عليها ثوابا بل استحقوا عليها العقاب، فلذلك كانوا خاسرين أنفسهم ومهلكين لها بفعل المعاصي المؤدي إلى الهلاك وروي عن ابن عباس انه قال في هذه الاية: ما أشبه الليلة بالبارحة كذلك من قبلكم هؤلاء بنوا اسرائيل لشبهنا بهم لا أعلم إلا انه قال (والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم حجر ضب لدخلتموه) ومثله روي عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وعن ابي سعيد الخدري مثله. قوله تعالى: ألم يأتهم نبا الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم