البرهان في علوم القرآن للامام بد ر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الاول الطبعة الاولى 1376 ه - 1957 م دار أحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه
[ 2 ]
(جميع الحقوق محفوظة)
[ 3 ]
مقدمة 1 - بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي احد العلماء الاثبات الذين نجموا بمصر في القرن الثامن، وجهبذ من جهابذة أهل النظر وارباب الاجتهاد، وهو ايضا علم من اعلام الفقه والحديث والتفسير واصول الدين. ولد بالقاهرة سنة خمس واربعين وسبعمائة حينما كانت معمورة بالمدارس، غاصة بالفضلاء وحملة العلم، زاخرة بدور الكتب الخاصة والعامة، والمساجد الحافلة بطلاب المعرفة، والوافدين من شتى الجهات، ولم يكد يجاوز سن الحداثة حتى انتظم في حلقات الدروس، وتفقه بمذهب الشافعي، وحفظ كتاب المنهاج في الفروع للامام النووي، وصار يعرف بالمنهاجى نسبة الى هذا الكتاب.
وكان الشيخ جمال الدين الاسنوى رئيس الشافعية بالديار المصرية بدر العلماء الزاهر، وكوكبهم المتألق، وامام اهل الحديث بالمدرسة الكاملية غير مدافع، فلزمه وتلمذ له،
[ 4 ]
ونهل من علمه ما شاء الله له ان ينهل، فكان من انجب تلاميذ ه واوعاهم، وافضلهم واذكاهم، كما تخرج على الشيخ سراج الدين البلقينى، والحافظ مغلطاى، وغيرهم من شيوخ مصر وعلمائها. ثم ترامت إليه شهرة الشيخ شهاب الدين الاذرعى بحلب، والحافظ بن كثير بدمشق فشد اليهما الرحال، قصد الى حلب اولا حيث اخذ عن الاذرعى الفقه والاصول، ثم عمد الى دمشق حيث تلقى على ابن كثير الحديث، ثم عاد الى القاهرة وقد جمع اشتات العلوم، واحاط بالاصول والفروع، وعرف الغامض والواضح، ووعى الغريب والنادر، واستقصى الشإذ والمقيس، الى ذكاء وفطنة، وثقافة والمعية، فاهله كل ذلك للفتيا والتدريس، والتوفر على الجمع والتصنيف، واجتمع له من المولفات في عمره القصير ما لم يجتمع لغيره من افذاذ الرجال، وان كان هذا الفضل لم يعرفه الناس الا بعد وفاته، وحين توارت شمس حياته. وكان رضى الخلق، محمود الخصال، عذب الشمائل، متواضعا رقيقا، يلبس الخلق من الثياب، ويرضى بالقليل من الزاد، لا يشغله عن العلم شى من مطالب الدنيا، اوشوون الحياة. قال ابن حجر: (وكان مقطعا في منزله لا يتردد الى احد الا الى سوق الكتب، وإذا حضر إليها لا يشترى شيئا، وانما يطالع في حانوت الكتبى طول نهاره ومعه ظهور اوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله الى تصانيفه) (1) وحكى تلميذه شمس الدين البرماوى انه كان منقطعا الى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشى، وله اقارب يكفونه امر دنياه (2).
[ 5 ]
وكان يكتب مصنفاته بنفسه، وخطه ردئ جدا قل من يحسن استخراجه، كما اخبر بذلك ابن العماد (1)، ولهذا شاع في الكتب المنقولة عن خطه الغموض والابهام والتحريف والتصحيف، ولقى منها القراء والدارسون العناء الكثير. وتولى من المناصب خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى. وتوفى بمصر في رجب سنة اربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة بكتمر الساقى يرحمه الله. 2 - مؤلفاته * 1 - الاجابة على ايراد ما استدركته عائشة على الصحابة طبع بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة 1939، بتحقيق الاستاذ سعيد الافغاني. 2 - إعلام الساجد باحكام المساجد. منه نسخة خطية بمكتبة الجامع المقدس بصنعاء، كتبت سنة 791، وعنها نسخة مصورة على الميكرو فلم بدار الكتب المصرية. ومنه نسخة ايضا في مكتبة آصاف (2: 1148)، واخرى في مكتبة رامبور (1: 166). 3 - البحر المحيط في اصول الفقه. ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 483 - أصول.
[ 6 ]
4 - البرهان في علوم القران وياتى الكلام عليه. 5 - تخريج احاديث الشرح الكبير للرافعي (1)، المسمى بكتاب،، فتح العزيز على كتاب الوجيز،، ذكره السيوطي في حسن المحاضرة وصاحب كشف الظنون، وسماه الزركشي في
كتاب الاجابة ص 87: (الذهب الابريز، في تخريج احاديث فتح العزيز). 6 - تشنيف المسامع بجمع الجوامع طبع في مجموع شروح جمع الجوامع بمصر سنة 1322 ه، ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 489 - اصول 7 - تفسير القران ذكره السيوطي وقال: انه وصل فيه الى سورة مريم، وكذا اورده صاحب كشف الظنون 8 - تكملة شرح المنهاج للامام النووي. ذكره الاسدي في الطبقات، وابن العماد في الشذرات، وصاحب كشف الظنون وذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية بدار الكتب الظاهرية بدمشق (الجزء الثالث) برقم 345 - فقه الشافعي وكان الاستوى بدا في شرح المنهاج، وسماه (كافى المحتاج الى شرح المنهاج))
[ 7 ]
ووصل فيه الى باب المساقاة ولم يتمه، فاكمله الزركشي 9 - التنقيح لالفاظ الجامع الصحيح طبع بالمطبعة المصرية بمصر سنة 1933 م. ومنه نسخ خطية بدار الكتب المصرية بالارقام: 122، 123، 124، 125، 126، 1550، 35 م، 3 ش - حديث. 10 - خادم الرافعى والروضة في الفروع (1) ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة، ج والسيوطي في حسن المحاضزة، وابن العماد في الشذرات، وقال صاحب كشف الظنون: (ذكر في بغية المستفيد انه اربعة عشر مجلدا، كل منها خمس وعشرون كراسة، ثم انى رايت المجلد الاول منها افتتح بقوله: الحمد لله الذى امدنا بنعمائه...، وذكر انه شرح فيه مشكلات الروضة وفتح مغلقات فتح العزيز، وهو على اسلوب التوسط (2) للاذرعي، واخذه جلال الدين
السيوطي، واختصره من الزكاة الى اخر الحج ولم يتمه، وسماه تحصين الخادم). وقال ابن حجر: (جمع الخادم على طريق المهمات (3)، فاستمد من التوسط
[ 8 ]
للاذرعي، لكن شحنه بالفوائد الزوائد، من المطلب (4) وغيره). ومنه نسخة خطية نفيسة بدار الكتب المصرية برق 21602 ب تقع في خمسة عشر مجلدا. 11 - خبايا الزوايا في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: (ذكر فيه ما ذكره الرافعى والنووي في غير مظنته من الابواب، فرد كل شكل الى شكله، وكل فرع الى اصله، واستدرك عليه عز الدين حمزة بن احمد الحسينى الدمشقي المتوفى سنة 874 وسماه بقايا الخبايا. ولبدر الدين ابن السعادات محمد بن محمد البلقينى المتوفى سنة 890 حاشية عليه). ومنه نسخة خطية بالمكتبة التيمورية برقم 307 - فقه، ونسخة بمكتبة جوته برقم 981، ونسخة بمكتبة البودليانا 1: 277. 12 - خلاصة الفنون الاربعة ومنه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5320 13 - الديباج في توضيح المنهاج ذكره السيوطي، وصاحب كشف الظنون، وهو غير تكملة شرج المنهاج. ونقل الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق
[ 9 ]
في مجلد - برقم 68 فقه الشافعي. ومنه ايضا نسختان بدار الكتب المصرية برقمى 102، 1137 - فقه الشافعي. - الذهب الابريز في تخريج احاذيث العزيز = تخريج احاديث الرافعى.
14 - ربيع الغزلان في الادب ذكره الاسدي في الطبقات، وصاحب كشف الظنون. 15 - رسالة في كلمات التوحيد. منها نسخة بمكتبة البلدية بالاسكندرية برقم 87 - فنون متنوعة 16 - زهر العريش في احكام الحشيش منه نسخة خطية في مكتبة بلدية الاسكندرية برقم 3812، ونسخة بدار الكتب المصرية برقم 150 مجاميع، ونسخة في مكتبة قوله برقم 25 مجاميع، ونسخة في مكتبة برلين برقم 5486، ونسخة في مكتبة جوته برقم 2096. 17 - سلاسل الذهب في الاصول منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 22095 ب، كتبت في عصر المؤلف. 18 - شرح الاربعين النووية (1). ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة
[ 10 ]
19 - شرح البخاري ذكره السيوطي وكذا ابن حجر وقال: (شرع في شرح البخاري وترك مسودة وقفت على بعضها، ولخص منها كتاب التنقيح في مجلد) 20 - شرح التنبيه (1) للشيرازي ذكره السيوطي وصاحب كشف الظنون، ومنه نسخة خطية في مكتبة برلين برقم 4466، واخرى في باتانا 1: 91. - شرح الجامع الصحيح = شرح البخاري - شرح جمع الجوامع = تشنيف المسامع 21 - شرح الوجيز في الفروع للغزالي
ذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم 2392. 22 - عقود الجمان وتذييل وفيات الاعيان لابن خلكان ذكر العلامة احمد تيمور في مقال له عن نوادر المخطوطات بمجلة الهلال سنة 28 أن منه نسخة في خزانة عارف حكمت بالمدينة. 23 - الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر. منه نسخة خطية بمكتبة توبنجن بالمانيا، وعنها نسخة مصورة بالميكروفلم
[ 11 ]
في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. وذكر صاحب كشف الظنون انه مختصر على ثلاثة ابواب: الباب الاول في مدلول السفر، والثانى في ما يتعلق عند السفر، والثالث في الاداب المتعلقة بالسفر. - غنية المحتاج في شرح المنهاج = الديباج. 24 - فتاوى الزركشي ذكره صاحب كشف الظنون. 25 - في احكام التمنى منه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5410 26 - القواعد في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: (رتبها على حروف المعجم، وشرحها سراج الدين العبادي في مجلدين، واختصر الشيخ عبد الوهاب الاصل كما ذكر في متنه). وذكر الاستاذ الافغاني انه من (مخطوطات دمشق واسمه: القواعد والزوائد). ومنه نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية برقمى 853، 1103 - فقه شافعي، ونسخة بمكتبة الازهر برقم 151 - اصول، ونسخة بالخزانة التيمورية برقم 230 - اصول
ونسخة بمكتبة برلين برقم 4605، ونسختان في احمد الثالث برقمى 1238، 1239 27 - الآلئ المنثورة في الاحاديث المشهورة. اورده بروكلمن في الذيل، وذكره صاحب كشف الظنون غفلا من اسم المؤلف.
[ 12 ]
28 - لقطة العجلان وبلة الظمآن في اصول الفقه والحكمة والمنطق. طبع بمصر سنة 1326 ه مع تعليقات للشيخ جمال الدين القاسمي، وطبع مرة اخرى بدمشق. ومنه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 573 - اصول 29 - مالا يسع المكلف جهله. منه نسخة خطية محفوظة بمكتبة الاوسكريال برقم 707. 30 - مجموعة الزركشي - في فقه الشافعي منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 253 - فقه شافعي 31 - المعتبر في تخريج احاديث المنهاج والمختصر منه نسخة خطية في المكتبة التيمورية برقم 451 - حديث تيمور. وذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 1115 - حديث - المنثور = القواعد - النكت على البخاري = التنقيح. 32 - النكت على عمدة الاحكام. ذكره ابن تغرى بردى في المنهل الصافى. 33 - النكت على ابن الصلاح (1) ذكره السيوطي.
[ 13 ]
3 - كتاب البرهان وكتاب البرهان في علوم القرآن من الكتب العتيدة التى جمدت عصارة اقوال المتقدمين، وصفوة آراء العلماء المحققين، حول القرآن الكريم، وكتاب الله الخالد، كسره على سبعة واربعين نوعا، كل نوع يدور حول موضوع خاص من علوم القرآن ومباحثه، يستاهل كل نوع ان يكون موضوعا خاص، حاول في كل موضوع ان يؤرخ له، ويحصى الكتب التى الفت فيه، ويشير الى العلماء والمحدثين، الى مباحث الفقهاء والاصوليين، الى قضايا المتكلمين واصحاب الجدل، الى مسائل العربية واراء ارباب الفصاحة والبيان، فجاء كما شاء الله كتابا فريدا في فنه، شريفا في اغراضه، مع سداد المنهج، وعذوبة المورد، وغزارة المادة، بعيدا عن التعمية واللبس، ناوئيا عن الحشو والفضول. ولكن هذا الكتاب لم يكن معروفا عند الباحثين، ولا متداولا بين الطلاب والدارسين، عدا قلة من المشغوفين بمعرفة النوادر ورواد المكتبات، شانه شان الكثير من كتب الزركشي على عظيم خطرها، وجلالة موضوعاتها، ومقدار غنائها ونفعها، حتى جاء جلال الدين السيوطي ووضع كتابه الاتقان، فدل الناس في مقدمته عليه، واشاد به، وعده اصلا من الاصول التى بنى عليها كتابه، وتأسي طريقته، وتقيل مذهبه، وسار في الدرب الذى رسمه، ونقل كثيرا من فصوله، مرة معزوة إليه، ومرة بدون عزو، وان كان فيما نقل عنه اقتضب الكلام اقتضبابا، واختصره اختصارا، وبهذا ظفر كتاب الاتقان بمنزلة مرموقة عند العلماء، وغدا مرجعا للباحثين حقبة من
[ 14 ]
الزمان، وظل كتاب البرهان متواريا عن العيان، مطمورا في زوايا النسيان. واعان على ذلك قلة نسخة المخطوطة، وتعذر الانتفاع بها. 4 - نسخ الكتاب
وحينما تهيا لى العمل في هذا الكتاب وقفت على النسخ الاتية: 1 - نسخة مكتوبة بقلم نسخ واضح، قوبلت على اصلها، كما قوبلت على نسخة بخط المصنف، طالعها بعض العلماء واثبتوا بعض التعليقات على حواشيها، ومنهم العلامة محب الدين بن الشحنة المتوفى سنة 815 ه، مكتوبة بخط قديم ربما كان في عصر المصنف، كتبها احمد بن احمد المقدسي. والموجود من هذه النسخ الجزء الاول ينتهى بانتهاء الكلام في اقسام معنى الكلام ويقع في مائة وستين ورقة، وعدد اسطر صفحاتها سبعة وعشرون سطرا. وهى محفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت، برقم 456 - تفسير. وقد رمزت إليها بالحرف ط. 2 - نسخة وقعت في مجلدين: الاول كتب بخط نسخ واضح مضبوط بالحركات، ويبدو انه من خطوط القرن التاسع. ويقع في ست ومائتي ورقة، وعدد اسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا، وبه بياضات متفرقة في بعض المواضع. والثانى يكمل هذه النسخة بخطوط حديثة متعددة، آخره مؤرخ
[ 15 ]
في 11 ذى القعدة سنة 1335 بدون ذكر للاصل المنسوخ عنه، وبه ايضا بياضات متفرقة في بعض الاماكن ومواضع نقص. ويقع في ست وثلثمائة ورقة، وعدد اسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا وهى محفوظة بالخزانة التيمورية برقم 256 - تفسير. وقد رمزت إليها بالحرف ت. 3 - نسخة مصورة عن نسخة مكتوبة بقلم معتاد بدون تاريخ، منقولة عن نسخة اخرى جاء في آخرها انها كتبت (في رابع عشر شهر شعبان الفرد من شهور سنة تسع وسبعين وثمانمائة).
ويبدو من خطها انها مكتوبة في القرن العاشر وتقع في ثنتين وثلاثين وثلاثمائة ورقة، وعدد اسطر الصفحة واحد وثلاثون سطرا، وباولها فهرس لفصول الكتاب وابوابه واقسامه. واصل هذه النسخة محفوظ بمكتبة مدينة، الملحقة بمكتبة طوبقبوا سراى باستانبول برقم 170. وقد رمزت الى هذه النسخة بالحرف م. وقد اتخذت هذه النسخ اصلا للعمل في الكتاب، واثبت ما اخترت منها، واوضحت في الحاشية وجوه الاختلاف، كما انى رجعت الى ما تيسر لى الاطلاع عليه من الكتب التى رجع إليها المؤلف، في التفسير والحديث والفقه والنحو واللغة كالصرف والرسم والبلاغة والقراءات، فكان لها الفضل الكبير في جلاء الغامض، وتصحيح
[ 16 ]
المحرف، وتوضيح المشكل، واكمال الناقص، كما اعانتنى في الحواشى التى وشيت بها الكتاب. وما عدا العنوانات التى وضعها المؤلف جعلته بين علامتى الزيادة، والحقت بكل جزء فهارس موضاعته، اما الفهارس المفصلة العامة فسترد في آخر الكتاب ان شاء الله. وقد بذلت في تحقيقه ما استطعت من الجهد،. من الله استمد الرضا واستمنحه القبول. مصر الجديدة في 21 رمضان سنة 1276 21 أبريل سنة 1957 محمد أبو الفضل إبراهيم
[ 17 ]
نموذج لاول صفحة من نسخة تيمور (ت)
[ 19 ]
نموذج لآخر صفحة من نسخة طلعت (ط)
[ 1 ]
البرهان في علوم القران للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال الشيخ الامام العالم العلامة، وحيد الدهر، وفريد العصر، جامع أشتات الفضائل، وناصر الحق بالبرهان من الدلائل، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي، بلغه الله منه ما يرجوه. الحمد لله الذى نور بكتابه القلوب، وانزله في اوجز لفظ واعجز أسلوب، فاعيت بلاغته البلغاء، واعجزت حكمته الحكماء، وابكمت فصاحته الخطباء. احمده ان جعل الحمد فاتحة اسراره، وخاتمة تصاريفه واقداره، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبد ه ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، الظافر من المحامد بالخصل، (1)، الظاهر بفضله على ذوى الفضل. معلم الحكمة، وهادى الامة ارسله بالنور الساطع، والضياء اللامع، صلى الله عليه وعلى آله الابرار، وصحبه الاخيار. اما بعد، فان اولى ما اعملت فيه القرائح، وعلقت فيه القرائح، وعلقت به الافكار اللواقح، الفحص عن أسرار التنزيل، والكشف عن حقائق التأويل، الذى تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الامور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذى ليس بالهزل، سراج لايخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره.
[ 4 ]
بهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر ايجازه واعجازه
وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد احكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسم لفظه ومعناه، الى ماينشط السامع، ويقرط المسامع، من تجنيس انيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، وتقسيم وسيم، وتفصيل اصيل، وتبليغ بليغ، وتصدير بالحسن جدير، وترديد ماله مزيد، الى غير ذلك مما اجرى (1) من الصياغة البديغة، والصناعة الرفيعة، فلاذان باقراطه حالية، والاذهان من اسماطه غير خالية، فهو من تناسب الفاظه، وتناسق اغراضه، قلادة ذات اتساق، ومن تبسم رهره وتنسم نشره، حديقه مبهجة للنفوس والاسماع والاحداق، كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن طلعتها غرة، ومن بهجتها درة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل (2 ممن له الامر (2، فله على كل كلام سلطان وامره، بهر تمكن فواصله، وحسن ارتباط اواخره واوائله، وبديع اسارته، وعجيب انتقالته، من قصص باهرة، الى مواعظ زاجرة، وامثال سائرة، وادلة على التوحيد ظاهرة، وامثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ومواقع تعجب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار، أن كان سياق الكلام ترجية بسط، وان كان تخويفا قبض، وان كان وعدا ابهج، وان كان وعيدا ازعج، وان كان دعوة حدب، وان كان زجرة ارعب، وان كان موعظة اقلق، وان كان ترغيبا شوق، هذا، وكم فيه من زوايا وفى زواياه من خبايا ويطمع الحبر في التقاضى فيكشف الخبر عن قضايا فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بابدع معنى واغرب أسلوب.
[ 5 ]
لا يستقصى معانيه فهم، الخلق، ولا يحيط بوصفه على الاطلاق ذو اللسان الطلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكره، فهو يرتع منه في رياض، ويكرع منه في حياض.
اندى على الاكباد من قطر الندى والذ في الاجفان من سنة الكرى يملا القلوب بشرا (1)، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيى القلوب باوراده، ولهذا سماه الله روحا، فقال: (يلقى الروح من امره على من يشاء من عباده) (2)، فسماه روحا لانه يودى الى حياة الابد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح سببا للاقتدار، وعلما على الاعتبار. يزيد على طول التأمل بهجة كان العيون الناظرات صياقل وانما يفهم بعض معانية، ويطلع على اسراره ومبانيه، من قوى نظره، واتسع مجاله في الفكر وتدبره، وامتد باعه، ورقت طباعه، وامتد في فنون الادب، واحاط بلغة العرب. قال الحر الى (3) في جزء سماه: (مفتاح الباب المقفل، لفهم الكتاب المنزل): لله تعالى مواهب، جعلها اصولا للمكاسب، فمن وهبه عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خرقا نقص ضبطه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في جميع
[ 6 ]
أموره علمه وفهمه، قال: واكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، واحاطة بما شاء من علوم القران، ففيه تمام شهود ماكتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم، بما يزيل بكريم عنايته من خطا اللاعبين، إذ فيه كل العلوم. وقال الشافعي رضى الله عنه: جميع ما تقوله الامة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقران. وجميع القرآن شرح اسماء الله الحسنى، وصفاته العليا - زاد غيره - وجميع الاسماء الحسنى شرج لاسمه الاعظم - وكما انه افضل من كل كلام سواه، فعلومه افضل من كل علم عداه، قال تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى) (1). وقال تعالى: (يوتى الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) (2).
قال مجاهد (3): الفهم والاصابة في القران. وقال مقاتل (4): يعنى القران. وقال سفيان بن عيينه (5) في قوله تعالى: (سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) (6)، قال: احرمهم فهم القران. وقال سفيان الثوري (7): لا يجمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن ابدا.
[ 7 ]
وقال عبد العزيز بن يحيى الكنانى (1): مثل القران مثل الاسد لا يمكن من غيله سواه. وقال ذو النون المصرى (2): أبى الله عز وجل [ إلا ] (3) ان يحرم قلوب البطالين مكنون حكمة القران. قال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (4). وقال: (أفلا يتدبرون القران) (5). وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) (6) قال: القران، يقول: أرشدنا الى علمه. وقال الحسن البصري (7): علم (8) القران ذكر لا يعلمه إلا الذكور من الرجال. وقال الله جل ذكره: (فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول) (9). وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله) (10)، يقول: الى كتاب الله.
[ 8 ]
وكل علم من العلوم منزع من القرآن، وإلا فليس له برهان. قال ابن مسعود: من اراد العلم فليثور (1) القرآن، فان فيه علم الاولين والاخرين. (2 رواه البيهقى في المدخل وقال: اراد به اصول العلم (2. وقد كانت الصحابة رضى الله عنهم علماء،، كل منهم مخصوص بنوع من العلم كعلى رضى الله تعالى عنه بالقضاء، وزيد الفرائض، ومعاذ بالحلال والحرام، وابى بالقراءة،
فلم يسم احد منهم بحرا (3) إلا عبد الله بن عباس لاختصاصه دونهم بالتفسير وعلم التأويل، وقال فيه على بن ابى طالب: كانما ينظر الى الغيب من ستر رقيق. وقال عبد الله بن مسعود: نعم ترجمان القران عبد الله بن عباس، وقد مات ابن مسعود في سنة ثنتين وثلاثين، وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود ! نعم، كان لعلى فيه اليد السابقة قبل ابن عباس، وهو القائل: لو اردت ان املى وقر بعير على الفاتحة لفعلت. وقال ابن عطية (4): فاما (5) صدر المفسرين والمؤيد فيهم على بن ابى طالب، ويتلوه ابن عباس رضى الله عنهما، وهو تجرد للامر [ وكمله ] (6)، وتتبعه العلماء عليه، كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما. وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب الشعبى وغيرهما يعظمون القران، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لانفسهم، مع ادراكهم وتقدمهم.
[ 9 ]
ثم جاء بعدهم طبقة فطبقة، فجدوا واجتهدوا، وكل ينفق مما رزق الله، ولهذا كان (1) سهل بن عبد الله يقول: لو اعطى العبد بكل حرف من القران الف فهم لم يبلغ نهاية ما اودعه في آية من كتابه، لانه كلام الله، وكلامه صفته. وكما انه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه. وانما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه. وكلام الله غير مخلوق، ولا تبلغ الى نهاية فهمه فهو محدثه مخلوقه. ولما كانت علوم القران لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر (2) الممكن. ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على انواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة الى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى - وله الحمد - في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الانيقة، والحكم الرشيقة، مايهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لابوابه، عنوانا على
كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا على بعض اسراره ودقائقه، والله المخلص والمعين، وعليه اتوكل، وبه استعين، وسميته: (البرهان في علوم القران). وهذه فهرست أنواعه: الاول: معرفة سبب النزول. الثاني: معرفة المناسبات بين الايات. الثالث معرفة الفواصل. الرابع معرفة الوجوه والنظائر. الخامس علم المتشابه.
[ 10 ]
السادس علم المبهمات السابع في اسرار الفواتح. الثامن في خواتم السور. التاسع في معرفة المكى والمدنى. العاشر معرفة اول ما نزل. الحادى عشر: معرفة على كم لغة نزل. الثاني عشر: في كيفية انزاله. الثالث عشر في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة. الرابع عشر معرفة تقسيمه. الخامس عشر معرفة اسمائه. السادس عشر معرفة ما وقع فيه من غير لغة الحجاز. السابع عشر معرفة ما فيه من غير لغة العرب الثامن عشر معرفة غريبه. التاسع عشر معرفة التصريف.
العشرون معرفة الاحكام. الحادى والعشرون معرفة كون اللفظ أو التركيب احسن وافصح. الثاني والعشرون معرفة اختلاف الالفاظ بزيادة أو نقص. الثالث والعشرون معرفة توجيه القراءات. الرابع والعشرون معرفة الوقف والابتداء. الخامس والعشرون علم مرسم الخط. السادس والعشرون معرفة فضائله.
[ 11 ]
السابع والعشرون معرفة خواصه. الثامن والعشرون هل في القران شئ افضل من شئ. التاسع والعشرون في آداب تلاوته. الثلاثون في انه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات القران. الحادى والثلاثون: معرفة الامثال الكائنة فيه. الثاني والثلاثون معرفة احكامه. الثالث والثلاثون في معرفة جدله. الرابع والثلاثون معرفة ناسخه ومنسوخه. الخامس والثلاثون معرفة توهم المختلف. السادس والثلاثون في معرفة المحكم من المتشابه. السابع والثلاثون في حكم الايات المتشابهات الواردة في الصفات. الثامن والثلاثون معرفة اعجازه التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره. الاربعون في بيان حقيقته ومجازه.
الرابع والاربعون في الكناية والتعريض. الخامس والاربعون في اقسام معنى الكلام
[ 12 ]
السادس والاربعون في ذكر ما يتيسر من اساليب القران. السابع والاربعون في معرفة الادوات. واعلم انه من نوع من هذه الانواع إلا ولو أراد الانسان استقصاءه، لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم امره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على اصوله، والرمز الى بعض فصوله، (1 فان الصناعة طويلة والعمر قصير 1)، وماذا عسى ان يبلغ لسان التقصير ! قالوا خذ العين من كل فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين. كتاب البرهان في علوم القرآن
[ 13 ]
فصل في علم التفسير التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر على الفن الذى يغلب عله فالزجاج والواحدي في البسيط يغلب عليهما الغريب والثعلبي يغلب عليه القصص والزمخشري علم البيان والإمام فخر الدين علم الكلام وما في معناه من العلوم العقلية
[ 14 ]
واعلم أن من المعلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وأنزل كتابه على لغتهم وإنما احتيج إلى التفسير لما سنذكر بعد
تقرير قاعدة وهى أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة أحدها كمال فضيلة المصنف فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له وثانيها قد يكون حذف بعض مقدمات الأفيسة بكر أو أغفل فيها شروطا اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه وثالثها احتمال اللفظ لمعان ثلاثة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام فيحتاج الشارح الى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو منه بشر من السهو والغلط وتكرار الشئ وحذف المهم وغير ذلك فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك وإذا علم هذا فنقول إن القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين في زمن أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر من سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر كسؤالهم لما نزل ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فقالوا أينا لم يظلم نفسه ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك واستدل
[ 15 ]
عليه بقوله تعالى إن الشرك يظلم عظيم وكسؤال عائشة رضى الله عنها عن الحساب اليسير فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب وكقصة عدى ابن حاتم في الخيط الذى وضعه تحت رأسه وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه ولم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن وتأويله بجملته فنحن نحتاج إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ما لم يكونوا محتاجين إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير
ومعلوم أن تفسيره يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعول في تفسيره عليه ويرجع في تفسيره إليه من معرفة مفردات ألفاظه ومركباتها وسياقه وظاهره وباطنه وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ويدق عنه الفهم بين أقداحهم قد حديث قصير * هو سحر وما سواه كلام وفى هذا تتفاوت الأذهان وتتسابق في النظر إليه مسابقة الرهان فمن سابق بفهمه وراشق وفي كبد الرمية بسهمه وآخر رمى فأشوى وخبط في النظر خبط عشوا كما قيل وأين الدقيق من الركيك وأين الزلال من الزعاق
[ 16 ]
وقال القاضى شمس الدين الخويى رحمه الله علم التفسير عسير يسير أما عسره فظاهر من وجوه أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان للوصول إليه بخلاف الأمثال والأشعار فإن الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه أو يسمع ممن سمع منه أما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول عليه السلام وذلك متعذر إلا في آيات قلائل فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد وإنما هو عليه السلام صوب رأى جماعة من المفسرين فصار ذلك دليلا قاطعا على جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله قال واعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول كتبت هذا وما طالعت شيئا من الكتب ويظن أنه فخر ولا يعلم أن ذلك غاية النقص فإنه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل ولا مزية ما قيل على ما قاله فبماذا يفتخر ومع هذا ما كتبت شيئا إلا خائفا من الله مستعينا به معتمدا عليه فما كان حسنا فمن الله وفضله بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين وما كان ضعيفا فمن النفس الأمارة بالسوء
فصل في علوم القرآن ذكر القاضى أبو بكر بن العربي في كتاب قانون التأويل إن علوم القرآن
[ 17 ]
خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة قال بعض السلف إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومقطع وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله عزوجل قال وأم علوم القرآن ثلاثة أقسام توحيد وتذكير وأحكام فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والأمر والنهى والندب فالأول وإلهكم إله واحد فيه التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال والثانى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثالث وأن احكم بينهم ولذلك قيل في معنى كل قوله صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن يعنى في الأجر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقيل ثلثه في المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام كما ذكرنا وهذه السورة اشتملت على التوحيد ولهذا المعنى صارت فاتحة الكتاب أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة فأما التوحيد فمن أولها إلى قوله يوم الدين وأما الأحكام ف إياك نعبد وإياك نستعين وأما التذكير فمن قوله اهدنا إلى آخرها فصارت بهذا أما لأنه يتفرع عنها كل نبت
[ 18 ]
وقيل صارت أما لأنها مقدمة على القرآن بالقبلية والأم قبل البنت وقيل سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه مذكورة في مواضعها وقال أبو الحكم بن برجان في كتاب الإرشاد وجملة القرآن تشتمل على ثلاثة علوم علم أسماء الله تعالى وصفاته ثم علم النبوة وبراهينها ثم علم التكليف والمحنة قال وهو أعسر لإغرابه وقلة انصراف الهمم إلى تطلبه مكانه وقال غيره القرآن يشتمل على أربعة أنواع من العلوم أمر ونهى وخبر واستخبار وقيل سنة وزاد الوعد والوعيد وقال محمد بن جرير الطبري يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وهذه السورة تشمل التوحيد كله وقال على بن عيسى القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا الإعلام والتنبيه والأمر والنهى والوعد والوعيد ووصف الجنة والنار وتعليم الإقرار باسم الله وصفاته وأفعاله وتعليم الاعتراف بإنعامه والاحتجاج على المخالفين والرد على الملحدين والبيان عن الرغبة والرهبة الخير والشر والحسن والقبيح ونعت الحكمة وفضل المعرفة
[ 19 ]
ومدح الأبرار وذم الفجار والتسليم والتحسين والتوكيد والتفريع والبيان عن ذم الإخلاف وشرف الأداء قال القاضى أبو المعالى عزيزى وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التى قالها محمد بن جرير تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى غرائبه وعجائبه قال تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو وقال غيره علوم ألفاظ القرآن أربعة الإعراب وهو في الخبر
والنظم وهو القصد نحو واللائى لم يحضن معنى باطن نظم بمعنى ظاهر وقوله قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق كأنه قيل قالوا ومن يبدأ الخلق ثم يعيده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الله يبدأ الخلق لفظ ظاهر نظم بمعنى باطن والتصريف في الكلمة كأقسط فلا عدل وقسط جار وبعد ضد قرب وبعد هلك والاعتبار وهو معيار الأنحاء الثلاثة وبه يكون الاستنباط والاستدلال وهو كثير منه ما يعرف بفحوى الكلام ومعنى اعتبرت الشئ طلبت بيانه عبرت الرؤيا بينتها قال الله تعالى فاعتبروا بعد هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل
[ 20 ]
الكتاب من ديارهم دل على أن انتقامه بالخروج من الدار من أعظم الوجوه وأول الحشر دل على أن لها توابع لأن أول لا يكون إلا مع آخر وكان هذا في بنى النضير ثم أهل نجران ما ظننتم أن يخرجوا إلا بنبأ وأنهم يستقلون عدد من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء فيه دليل على أن الاخراج مثل العذاب في الشدة إذ جعل بدله وقد يتعدد الاعتبار نحو أتانى غير زيد أي أتياه أو أتاه غير زيد لا هو لو شئت أنت لم أفعل أمرتنى أو نهيتني قال الله تعالى لو شاء الله ما عبدنا رد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء بدليل قوله والله أمرنا بها وإذا حللتم فاصطادوا فالاعتبار إباحة ومن الاعتبار ما يظهر بآى أخر كقوله فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا فهذه تعتبر بآخر الواقعة من أن الناس على ثلاثة منازل أي أحل كل فريق في منزلة له والله بصير بمنازلهم
[ 21 ]
ومنه ما يظهر بالخبر كقوله تعالى قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله بمعنى الحديث إن اليهود قالوا لو جاء به ميكائيل لاتبعناك لأنه يأتي بالخير وجبريل لم يأت بالخير قط وأى خير أجل من القرآن ومن ضروب النظم قوله تعالى من كان يريد العزة فلله إن حمل على أن يعتبر أن العزة له لم ينتظم به ما بعده وإن حمل على معنى أن يعلم لمن العزة انتظم
[ 22 ]
النوع الأول معرفة أسباب النزول وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم على بن المديني شيخ البخاري ومن أشهرها تصنيف الواحدى في ذلك وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب ومنها الوقوف على المعنى قال الشيخ أبو الفتح القشيرى بيان سبب النزول طريق قوى في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص فإن محل السبب لا يجوز
[ 23 ]
إخراجه بالاجتهاد والإجماع كما حكاه القاضى أبو بكر في مختصر التقريب لأن دخول السبب قطعي ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود العموم أثرا ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين أحدهما أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز والثاني أن فيه عدولا عن
محل السؤال وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس على السائل واتفقوا على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة وتؤثر أيضا فيما وراء محل السبب وهو إبطال الدلالة على قول والضعف على قول ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر قال الشافعي ما معناه في معنى قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما الآية إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه قال لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والذم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذا القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل قال إمام الحرمين وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا
[ 24 ]
نستجير مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من التأويل وقد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في شأن هلال بن أمية ونزول حد القذف في رماة عائشة رضى الله عنها ثم تعدى إلى غيرهم وإن كان قد قال سبحانه والذين يرمون المحصنات فجمعها مع غيرها إما تعظيما لها إذ أنها أم المؤمنين
[ 25 ]
ومن رمى أم قوم فقد رماهم وإما للإشارة إلى التعميم ولكن الرماة لها كانوا معلومين فتعدى الحكم إلى من سواهم فمن يقول بمراعاة حكم اللفظ كان الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل ومن قال بالقصر على الأصل خرج عن الأصل في هذه
الآية بدليل ونظير هذا تخصيص الاستعاذة بالإناث في قوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد لخروجه على السبب وهو أن بنات لبيد سحرن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قال أبو عبيد وفيه نظر فإن الذى سحر النبي صلى الله عليه وسلم هو لبيد ابن الأعصم كما جاء في الصحيح وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبهاا منه من الآى رعاية لنظم القرآن وحسن السياق فذلك الذى وضعت معه الآية نازلة على سبب خاص للمناسبة إذ كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه هل هي كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآيات قطعا أولا ينتهى في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبهة به فيه احتمال
[ 26 ]
واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثاله قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن مناسبتها للآية التى قبلها وهى قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه من أهدى سبيلا النبي صلى الله عليه وسلم أو هم فقال أنتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى إلى أهلها قال ابن العربي في تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات انتهى ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول إن الله يأمركم في الفتح أو قريبا منها وبينهما ست سنين لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التى علم من الله تعالى أنها مواضعها
[ 27 ]
ومن فوائد هذا العلم إزالة الإشكال ففى الصحيح عن مروان بن الحكم أنه بعث إلى ابن عباس يسأله لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعوفقال ابن عباس هذه الآية نزلت في أهل الكتاب ثم تلا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه إلى قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله وسلم عن شئ فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه انتهى قال بعضهم وما أجاب به ابن عباس عن سؤال مروان لا يكفى لأن اللفظ أعم من السبب ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي
[ 28 ]
زور وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين وهما الفرح وحب
الحمد لا عليهما أنفسهما إذ هما من الأمور الطبيعية التى لا يتعلق بها التكليف أمرا ولا نهيا قلت لا يخفى عن ابن عباس رضى الله عنه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك فيما سبق ومن ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية وخفى عليها سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى في بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ومن ذلك قوله تعالى واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم الآية قد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة وقد بينه سبب النزول روى
[ 29 ]
أن ناسا قالوا يا رسول الله قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللائى لم يحضن من الصغار والكبار فنزلت فهذا يبين معنى آرتبتم أي إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن ومن ذلك قوله تعالى المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنا لو تركنا مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها وذلك أنها نزلت لما صلى النبي صلى عليه وسلم على راحلته وهو مستقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به فعلم أن هذا هو المراد ومن ذلك قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فإن
سبب نزولها أن قوما أرادوا الخروج للجهاد فمنعهم أزواجهم وأولادهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم أنزل في بقيتها ما يدل على الرحمة وترك المؤاخذة فقال وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم فيما نزل مكررا وقد ينزل الشئ مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة وأخرى بالمدينة وكما ثبت في
[ 30 ]
الصحيحين عن أبى عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل إلى هذا فقال بل لجميع أمتى فهذا كان في المدينة والرجل قد ذكر الترمذي أو غيره أنه أبو اليسر وسرة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود في قوله تعالى ويسألونك عن الروح أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة ومعلوم أن هذه في سورة وهى مكية بالاتفاق فإن المشركين لما سألوه عن ذى القرنين وهن أهل الكهف قيل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك فأنزل الله الجواب كما قد بسط في موضعه وكذلك ما ورد في هو الله أحد أنها جواب للمشركين بمكة وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة
[ 31 ]
وكذلك ما ورد في الصحيحين من حديث المسيب لما حضرت أبا طالب الوفاة
وتلكأ عن الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه فأنزل الله كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى وأنزل الله في أبى طالب إنك لا تهدى من أحببت وهذه الآية نزلت في آخر الأمر بالاتفاق وموت أبى طالب كان بمكة فيمكن أنها نزلت مرة بعد أخرى وجعلت أخيرا في براءة والحكمة في هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرا لهم بها وبأنها تتضمن هذه والعالم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل مع حفظه لذلك النص وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية
[ 32 ]
في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى حرث لكم وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند وكذلك مسلم وغيره وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع فصل خصوص السبب وعموم الصيغة وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ وقال الزمخشري في نفس سورة الهمزة يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه
تقدم نزول الآية على الحكم واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم وهذا كقوله تعالى قد أفلح من تزكى فإنه يستدل بها على زكاة الفطر روى البيهقى بسنده إلى ابن عمر
[ 33 ]
أنها نزلت في زكاة رمضان ثم أسند مرفوعا نحوه وقال بعضهم لا أدرى ما وجه هذا التأويل لأن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة وأجاب البغوي في تفسيره انه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد فالسورة مكية وظهور أثر الحل يوم فتح مكة حتى: قال عليه السلام أحلت لى ساعة من نهار وكذلك نزل بمكة الجمع ويولون الدبر قال عمر بن الخطاب كنت لا أدرى أي الجمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الجمع ويولون الدبر فائدة روى البخاري في كتاب الأدب المفرد في بر الوالدين عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال نزلت في أربع آيات من كتاب الله عز وجل كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا والثانية انى كنت أخذت سيفا فأعجبني فقلت يا رسول الله هب لى هذا
[ 34 ]
فنزلت عن الأنفال والثالثة أنى كنت مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى أريد أن أقسم مالى أفأوصى بالنصف فقال لا فقلت الثلث فسكت فكان الثلث بعد جائزا والرابعة أنى شربت الخمر
مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفى بلحى جمل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهى سابقة على النزول والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كالآية السابقة في الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة
[ 35 ]
النوع الثاني معرفة المناسبات بين الآيات وقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخ الشيخ أبى حيان وتفسير الإمام فخر الدين فيه شئ كثير من ذلك واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول والمناسبة في اللغة المقاربة وفلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله ومنه النسيب الذى هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما وهو القرابة ومنه المناسبة في العلة في باب القياس الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول وكذلك المناسبة في فواتح الآى وخواتمها ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلي أو حسى أو خيالي وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنى كالسبب والمسبب
والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ونحوه أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر
[ 36 ]
وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم غير الأجزاء وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط وقال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة قال القاضى أبو بكر بن العربي في سراج المريدين ارتباط آى القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله عز وجل لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه وقال الشيخ أبو الحسن الشهرابانى أحمد أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري وكان غزير العلم في الشريعة والأدب وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه الآية لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة وكان يزرى على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة انتهى
[ 37 ]
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام المناسبة علم حسن ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر
قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب بعد مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها انتهى قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف وحافظ القرآن العظيم لو استفتى في أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كرآية يقول كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير قال والذى ينبغى في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له
[ 38 ]
قلت وهو مبنى على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح كما سيأتي وإذا اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها الذي ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى كافتتاح سورة الأنعام بالحمد فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال سبحانه وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين لأن وكافتتاح سورة فاطر ب الحمد أيضا فإنه مناسب لختام ما قبلها
من قوله وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وكما قال تعالى فقطع دابر القوم وقد الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به وكافتتاح البقرة بقوله آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه إشارة إلى الصراط في قوله اهدنا الصراط المستقيم كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذى سألتم الهداية إليه هو الكتاب وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة وهو يرد سؤال الزمخشري في ذلك وتأمل ارتباط سورة لإيلاف قريش بسورة الفيل حتى قال الأخفش اتصالها بها من باب قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا
[ 39 ]
ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتى قبلها لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة البخل وترك الصلاة والرياء فيها ومنع الزكاة فذكر هنا في مقابلة البخل إنا أعطيناك الكوثر أي الكثير وفى مقابلة ترك الصلاة فصل أي دم عليها وفى مقابلة الرياء لربك أي لرضاه لا للناس وفى مقابلة منع الماعون وانحر وأراد به التصدق بلحم الأضاحى فاعتبر هذه المناسبة العجيبة وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح وسورة الكهف بالتحميد لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد يقال سبحان الله والحمد الله وذكر الشيخ كمال الدين الزملكانى في بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله والمشركون كذبوا
ذلك وقالوا كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس وعادوا وتعنتوا وقالوا صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم والسبب في الإسراء أولا لبيت المقدس ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السموات فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذى كذبوه أما الكهف فإنه لما احتبس الوحى وأرجف الكفار بسبب ذلك أنزلها الله ردا عليهم وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه وسلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة
[ 40 ]
أنواع ارتباط الآى بعضها ببعض عدنا إلى ذكر ارتباط الآى بعضها ببعض فنقول ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد وهذا القسم لا كلام فيه وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خلاف النوع المبدوء به فإما أن تكون معطوفة على ما قبلها بحرف من حروف العطف المشترك في الحكم أولا القسم الأول أن تكون معطوفة ولا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه كقوله تعالى يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وقوله والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون وفائدة العطف جعلهما كالنظيرين والشريكين وقد تكون العلاقة بينهما المضادة وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب
والرغبة بعد الرهبة وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهي وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك وقد تأتى الجملة معطوفة على ما قبلها ويشكل وجه الارتباط فتحتاج إلى شرح ونذكر من ذلك صورا يلتحق بها ما هو في معناها فمنها قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها الآية فقد يقال أي رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت والجواب من وجوه
[ 41 ]
أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شئ وأنتم تحسبونها برا الثاني أنه من باب الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج وكان هذا من أفعالهم في الحج ففى الحديث أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما يصعد به وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم ليس البر بتحرجكم علي من دخول الباب لكن البر بر من اتقى ما حرم الله وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة ونظيره في الزيادة على الجواب قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتوضئ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه من تعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت فقيل لهم ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة
ولكن البر من اتقى ذلك ثم قال الله سبحانه وأتوا البيوت من أبوابها أي باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة منه وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون فإن في السؤال اتهاما ومنها قوله سبحانه وتعالى سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام
[ 42 ]
إلى المسجد الأقصى إلى أن قال واتينا موسى الكتاب فإنه قد يقال أي رابط بين الإسراء ووآتينا موسى الكتاب ووجه اتصالها بما قبلها أن التقدير أطلعناه على الغيب عيانا وأخبرناه بوقائع من سلف بيانا لتقوم أخباره على معجزته برهانا أي سبحان الذى أطلعك على بعض آياته لتقصها حتى ذكرا وأخبرك بما جرى لموسى وقومه في الكرتين لتكون قصتهما آية أخرى أو أنه أسرى بمحمد إلى ربه كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها خائفا يترقب ثم ذكر بعده ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم قديما حيث نجاهم من الغرق إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا وأخبرهم أن نوحا كان عبدا شكورا وهم ذريته والولد سر أبيه فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم لأنه يجب أن يسيروا سيرته فيشكروا وتأمل كيف أثنى عليه وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها مع خروجها مخرج المرور عن الكلام الأول إلى ذكره ومدحه بشكره وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان بما حملهم عليه ونجاهم منه حين أهلك من عداهم وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قتلهم ثم عاد عليهم بالإحسان والإفضال كى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذى ولدهم وهم ذريته فلما صارو إلى جهالتهم وتمردوا عاد عليهم التعذيب
ثم ذكر تعالى في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة بكلمات قليلة العدد كثيرة الفوائد لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام الطويل مع ما اشتمل عليه من التدريج العجيب والموعظة العظيمة بقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم
[ 43 ]
فلها ولم ينقطع بذلك نظام الكلام إلى أن خرج إلى قوله عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا يعنى إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو ثم خرج خروجا آخر إلى حكمة القرآن لأنه الآية الكبرى وعلى هذا فقس الانتقال من مقام إلى مقام حتى ينقطع الكلام وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن العظيم على النوع المسمى بالتخلص وقد أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمى تعالى وقال ليس في القرآن الكريم منه شئ لما فيه من التكلف وليس كما قال ومن أحسن أمثلته قوله تعالى الله نور السموات والأرض الآية فإن فيها خمس تخلصات فإن وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله ثم تخلص منه الى ذكر الزجاجة وصفتها ثم رجع الى ذكر النور والزيت يستمد منه ثم التخلص منه إلى ذكر الشجرة ثم تخلص من ذكرها إلى صفة الزيت ثم تخلص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه ثم تخلص منه إلى نعم الله بالهدى على من يشاء ومنه قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع الآية فإنه سبحانه ذكر أولا عذاب الكفار وأن لا دافع له من الله ثم تخلص إلى قوله تعرج الملائكة والروح إليه بوصف الله ذى المعارج ومنه قوله تعالى واتل عليهم نبأ إبرهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون
[ 44 ]
إلى قوله فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين فهذا تخلص من قصة إبراهيم
وقومه إلى قوله هكذا وتمنى الكفار في الدار الآخرة الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل وهذا تخلص عجيب وقوله قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون انتم واباءكم عمر الاقدمون فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الذى خلقني فهو يهدين وذلك أنه لما أراد الانتقال من أحوال أصنامهم إلى ذكر صفات الله قال إن أولئك لى أعداء إلا الله فانتقل بطريق الاستثناء المنفصل وقوله تعالى إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخب ء في السموات والأرض ويعلم ما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم وقوله تعالى في سورة الصافات أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم وهذا من بديع التخلص فإنه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعد لهم إلى وصف الظالمين وما أعد لهم ومنه أنه تعالى في سورة الأعراف ذكر الأمم الخالية والأنبياء الماضين من آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى قصة موسى عليه السلام فقال في آخرها واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة إلى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وهو من بديع التخلص
[ 45 ]
واعلم أنه حيث قصد التخلص فلا بد من التوطئة له ومن بديعه قوله تعالى نقص عليك أحسن القصص يشير إلى قصة يوسف عليه السلام فوطأ بهذه الجملة إلى ذكر القصة يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحى والرمز وكقوله
سبحانه موطئا للتخلص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية ومنها قوله تعالى المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنه قد يقال ما وجه اتصاله بما قبله وهو قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها النبي الآية قال الشيخ أبو محمد الجوينى في تفسيره سمعت أبا الحسين الدهان يقول وجه اتصالها هو أن ذكر تخريب بيت المقدس قد سبق أي فلا يجرمنكم ذلك واستقبلوها فإن لله المشرق والمغرب ومنها قوله ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت الآية فإنه يقال ما وجه الجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في هذه الآية والجواب أنه جمع بينهما على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر وهو سبب تقلب وجوههم في السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم وحصن يتحصنون به ولا شئ في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا نظرى البدوى في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور
[ 46 ]
ومنها قوله تعالى هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء فيقال ارتباط بينهما وجوابه أن المبتدأ وهو خبره محذوف أي أفمن هو قائم على كل نفس تترك عبادته أو معادل الهمزة تقديره أفمن هو قائم على كل نفس كمن ليس بقائم ووجه العطف على التقديرين واضح اما الأول فالمعنى أتترك عبادة من هو قائم على كل نفس ولم يكف الترك حتى جعلوا له شركاء وأما على الثاني فالمعنى إذا انتفت المساواة بينهما فكيف تجعلون لغير المساوى حكم المساوى ومنها قوله تعالى تر إلى الذى حاج إبراهيم إلى قوله
لا يهدى القوم الظالمين أو كالذي مر على قرية عطف قصة على قصة مع أن شرط العطف المشاكلة فلا يحسن في نظير الآية تر إلى ربك أو كالذى وإن ووجه ما بينهما من المشابهة أن تر بمنزلة هل رأيت كالذى حاج إبراهيم وإنما كانت بمنزلتها لأن تر مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفى ولذلك يجاب ببلى والاستفهام يعطى النفى إذ حقيقة المستفهم عنه غير ثابتة عند المستفهم ومن ثم جاء حرف الاستفهام مكان حرف النفى ونفى النفى إيجاب فصار بمثابة رأيت غير أنه مقصود به الاستفهام ولم يمكن أن يؤتى بحرفه لوجوده في اللفظ فلذلك أعطى معنى هل رأيت فإن قلت من أين جاءت إلى ورأيت يتعدى بنفسه أجيب لتضمنه معنى تنظر القسم الثاني ألا تكون معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام وهى قرائن معنوية مؤذنة بالربط والأول مزج لفظي وهذا مزج معنوى تنزل الثانية من الأولى منزلة جزئها الثاني وله أسباب اسباب
[ 47 ]
أحدها التنظير فإن إلحاق النظير بالنظير من دأب العقلاء ومن أمثلته قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق عقب قوله أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم فإن الله سبحانه أمر رسوله أن يمضى لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون وذلك أنهم اختلفوا في القتال يوم بدر في الأنفال وحاجوا النبي صلى الله عليه وسلم وجادلوه فكره كثيرا منهم ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفل فأنزل الله هذه الآية وأنفذ أمره بها وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه ولا يعترضوا عليه فيما يفعله من شئ ما بعد أن كانوا مؤمنين ووصف المؤمنين ثم قال كما أخرجك ربك
من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يريد أن كراهيتهم لما فعلته من الغنائم ككراهتهم كما للخروج معك وقيل معناه أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق كقوله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون وقيل الكاف صفة لفعل مضمر وتأويله افعل في الأنفال كما فعلت في الخروج إلى بدر وإن كره القوم ذلك ونظيره قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم معناه كما أنعمنا عليكم بإرسال رسول من أنفسكم فكذلك أتم نعمتي عليكم فشبه كراهتهم ما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة في مخرجه من بيته وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو من نفس الكلام وأما قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين بعد قوله وقل إنى أنا
[ 48 ]
النذير المبين فإن فيه محذوفا كأنه قال أنا النذير المبين عقوبة أو عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين وأما قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به وقد اكتنفه من جانبيه قوله بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة فهذا من باب قولك للرجل وأنت تحدثه بحديث فينتقل عنك ويقبل على شئ آخر أقبل على واسمع ما أقول وافهم عنى ونحو هذا الكلام ثم تصل حديثك فلا يكون بذلك خارجا عن الكلام الأول قاطعا له وإنما يكون به مشوقا للكلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب وكان إذا نزل عليه الوحى وسمع القرآن حرك لسانه بذكر الله فقيل له تدبر ما يوحى إليك ولا تتلقفه بلسانك فإنما نجمعه لك ونحفظه عليك ونظيره قوله في سورة المائدة اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى
قوله الإسلام دينا فإن الكلام بعد ذلك متصل بقوله أولا ذلكم فسق ووسط هذه الجملة بين الكلامين ترغيبا في قبول هذه الأحكام والعمل بها والحث على مخالفة الكفار وموت كلمتهم وإكمال الدين ويدل على اتصال فمن اضطر بقوله ذلكم فسق آية الأنعام قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر
[ 49 ]
الثاني المضادة ومن أمثلته قوله تعالى في سورة البقرة إن الذين كفروا سواء عليهم الآية فإنه أول السورة كان حديثا عن القرآن الكريم وأن من شأنه كيت وكيت وأنه لا يهدى القوم الذين من صفاتهم كيت وكيت فرجع إلى الحديث عن المؤمنين فلما أكمله عقب بما هو حديث عن الكفار فبينهما جامع وهمى بالتضاد من هذا الوجه وحكمته التشويق والثبوت على الأول كما قيل وبضدها تتبين الأشياء هو فإن قيل هذا جامع بعيد لأن كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات والمقصود بالذات الذى هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن الكتاب لأنه مفتتح القول قلنا لا يشترط في الجامع ذلك بل يكفى التعلق على أي وجه كان ويكفى في وجه الربط ما ذكرنا لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به والحث على الإيمان به ولهذالما فرغ من ذلك قال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا الآية فرجع إلى الأول الثالث الاستطراد كقوله تعالى يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون قال الومخشرى وسلم هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات
وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما في العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب النقوي عنه وجعل القاضى أبو بكر في كتاب إعجاز القرآن من الاستطراد قوله تعالى
[ 50 ]
يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون وقال كأن المراد أن يجرى بالقول الأول إلى الإخبار عن أن كل شئ يسجد لله عز وجل وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص انتهى وفيه نظر ومنه الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطا للسامع كقوله تعالى في سورة ص بعد ذكر الأنبياء هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب فإن هذا القرآن نوع من الذكر لما انتهى ذكر الانبياء وهو نوع من التنزيل اراد أن يذكر نوعا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال هذا ذكر فأكد تلك الإخبارات باسم الإشارة تقول أشير عليك بكذا ثم تقول بعده هذا الذى عندي والأمر إليك وقال وإن للمتقين لحسن مآب كما يقول المصنف هذا باب يشرع في باب آخر ولذلك لما فرغ من ذكر أهل الجنة قال هذا وإن للطاغين لشر مآب فصل في اتصال اللفظ والمعنى على خلاف وقد يكون اللفظ متصلا بالآخر والمعنى على خلافه كقوله تعالى ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فقوله كأن لم تكن بينكم وبينه مودة منظوم بقوله قال قد أنعم الله على لأنه موضع الشماتة وقوله كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فإنه متصل بقوله وإن
[ 51 ]
فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إن وقوله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم جواب الشرط قوله تعالى تولوا وأعينهم تفيض من الدمع وقوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه داخل في الشرط وقوله وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلى قوله إلا قليلا فقوله إلا قليلا متصل بقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم ومثل بقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته على تأويل ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلا ممن لم يدخله في رحمته واتبعوا الشيطان لا تبعتم الشيطان ومما يحتمل الاتصال والانقطاع قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يحتمل أن يكون متصلا بقوله فيها مصباح أي المصباح في بيوت ويكون تمامه على قوله ويذكر فيها اسمه ويسبح له فيها رجال صفة للبيوت ويحتمل أن يكون منقطعا خبراا إلا لقوله ورجال لا تلهيهم ومما يتعين أن يكون منقطعا قوله ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين مستأنف لأنه لو جعل متصلا بيعزب لاختل المعنى إذ يصير عاى حد قولك ما يعزب عن ذهني إلا في كتاب أي استدراكه وقوله فيه هدى للمتقين منهم من قضى باستئنافه على أنه مبتدأ وخبر ومنهم من قضى بجعل فيه خبر وهدى نصب على الحال في تقدير هاديا
[ 52 ]
ولا يخفى انقطاع الذين يحملون العرش عن قوله أنهم أصحاب النار وكذا فلا يحزنك قولهم عن قوله سبحانه إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون
وكذلك قوله فأصبح من النادمين عن قوله من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس
[ 53 ]
الثالث معرفة الفواصل ورؤوس الآى وهى كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع وقال الدانى كلمة آخر الجملة قال الجعبرى وهو خلاف المصطلح ولا دليل له في تمثيل سيبويه يوم يأت وما كنا نبغ وليسا رأس أي لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ويلزم أبا عمرو إمالة من أعطى لأبى عمرو وقال القاضى أبو بكر الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني انتهى وفرق الإمام أبو عمرو الدانى بين الفواصل ورؤوس الآى قال أما الفاصلة فهى الكلام المنفصل مما بعده والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك
[ 54 ]
الفواصل يكن رءوس أي وغيرها وكل رأس أية فاصلة وليس كل فاصلة رأس أية فالفاصلة فيه تعم النوعين وتجمع الضربين ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافى يوم يأت وما كنا نبغ وهما غيره رأس آيتين بإجماع مع إذا يسروهو رأس آية بإتفاق انتهى وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ولم يسموها أسجاعا
فأما مناسبة فواصل فلقوله تعالى كتاب فصلت آياته وأما تجنب أسجاع فلأن أصله من سجع الطير فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشئ فيه لفظ هو أصل في صوت الطائر ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس ولأن القرآن من صفات الله عز وجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى ثم فرقوا بينهما فقالوا السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه والفواصل التى تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في نفسها قال الرماني في كتاب إعجاز القرآن وبنى عليه أن الفواصل بلاغة والسجع عيب وتبعه القاضى أبو بكر الباقلانى في كتاب إعجاز القرآن ونقل عن الأشعرية امتناع كون في القرآن سجعا قال ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه
[ 55 ]
قال وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها قال وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام ولما كان السجع قيل في موضع هارون وموسى ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه شعرا وذلك القدر يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده في الشعر وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه قال وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة الكلام على وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رددت
صوتها قال القاضى وهذا الذى يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز وكيف والسجع مما كانت
[ 56 ]
كهان العرب تألفه ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشعر وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع وليس كذلك ما أتفق مما هو في معنى السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى قال وأما ما ذكروه في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لأجل السجع ولتساوى مقاطع الكلام فمردود بل الفائدة فيه إعادة القصة الوحداة صلى بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا وذلك من الأمر الصعب الذى تظهر فيه الفصاحة وتقوى البلاغة ولهذا أعيدت كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا
[ 57 ]
ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى إلى تلك المعاني ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما
حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فعلى هذا هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذى توهموه إلى أن قال فبان بما قلنا أن الحروف الواقعة في الفواصل مناسبة موقع النظائر التى تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها في باب السجع وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان بعض مصاريعه وقال كلمتين وبعضها يبلغ كلمات ولا يرون ذلك فصاحة بل يرونه عجزا فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا نحن نعارضه بسجع معتدل فنزيد في الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده في البراعة والحسن انتهى ما ذكره القاضى والرمانى رد عليهما الخفاجى في كتاب سر الفصاحة فقال وأما قول الرماني إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله
[ 58 ]
قال وأظن أن الذى دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب والحقيقة ما قلناه ثم قال والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل فإن قيل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد كله
مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة العالية من كلامهم ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه وخصت فواصل الشعر باسم القوافى لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره لا يخرج عنها وهى في الحقيقة فاصلة لأنها تفصل آخر الكلام فالقافية أخص في الاصطلاح إذ كل قافية فاصلة ولا عكس ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب
[ 59 ]
سلب القافية أيضا عنه لأنها منه وخاصة به في الاصطلاح وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن لا تطلق الفاصالة أنه في الشعر لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه قيل وقد يقع في القرآن الإيطاء وهو ليس بقبيح فيه إنما يقبح في الشعر كقوله تعالى في سورة البقرة كأنهم لا يعلمون ثم قال في آخرين لو كانوا يعلمون ثلاث فواصل متوالية يعلمون , وهو يعلمون , يعلمون صلى الله عليه وسلم فهذا لا يقبح في القرآن قولا واحدا قيل ويقع فيه التضمين وليس بقبيح إنما يقبح في الشعر ومنه سورتا الفيل وقريش فإن اللام في لإيلاف قريش قيل إنها متعلقة إذا في آخر الفيل وحكى حازم في منهاج البلغاء خلافا غريبا فقال وللناس في الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب في الكمية وتتناسب مقاطعها على ضرب منها أو بالنقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر إلى ضرب آخر مزدوج في كل ضرب
[ 60 ]
ضرب منها أو يزيد على الازدواج ومن جهة ما يكون غير مقطع إلى مقادير بقصد تناسب أطرافها وتقارب ما بينها في كمية الألفاظ والحروف ثلاثة مذاهب منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف غير متقاربة في الطول والقصر لما فيه من التكلف إلا ما يقع به الإلمام في النادر من الكلام والثانى أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفيه وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا والثالث وهو الوسط أن السجع لما كان زينة للكلام فقد يدعو إلى التكلف فرئى ألا يستعمل في الكلام وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأى أبى الفرج قدامة قال حازم وكيف يعاب السجع على الإطلاق وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب وإنما لم يجئ على أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ولما في الطبع من الملل عليه ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد فلهذا وردت بعض أي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل واعلم أن إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر في اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من النفس تأثيرا عظيما ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها في مواضع
[ 61 ]
أحدها زيادة حرف لأجلها ولهذا ألحقت الألف ب الظنون في قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين
في الوقف فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع وتناسب نهايات الفواصل ومثله فأضلونا السبيلا وأطعنا الرسولا وأنكر بعض المغاربة ذلك وقال لم تزد الألف لتناسب رءوس الآى كما قال قوم لأن في سورة الأحزاب والله يقول الحق وهو يهدى السبيل وفيها فأضلونا السبيلا وكل واحد منها رأس آية وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك في الثاني دون الأول فلو كان لتناسب رءوس الآى لثبت من الجميع قال وإنما زيدت الألف في مثل ذلك لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك وكذلك لحاق هاء السكت في قوله ماهيه فقال في سورة القارعة هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل في هذه السورة وكان للحاقها أي في هذا الموضع تأثير عظيم في الفصاحة وعلى هذا والله أعلم ينبغى أن يحمل لحاق النون في المواضع التى قد تكلم في لحاق النون إياها نحو قوله تعالى وكل في فلك يسبحون وقوله تعالى كونوا قردة خاسئين فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود هذه النون في مقاطع هذه الأنحاء للآى راجح الأصالة في الفصاحة لتكون فواصل السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة وقوع حرفي المد واللين
[ 62 ]
وقوله تعالى وطور سينين وهو طور سيناء لقوله وشجرة تخرج من طور سيناء وقوله تعالى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون كرر لعل مراعاة لفواصل الآى إذ لو جاء على الأصل لقال لعلى أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون على الجواب الثاني حذف همزة أو حرف اطرادا كقوله تعالى والليل إذا يسر
الثالث الجمع بين المجرورات وبذلك يجاب عن سؤال في قوله تعالى لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة وهى اللام في لكم والباء في به وعلى في وكان الأحسن الفصل وجوابه أن تأخر وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض الروابط وكذلك الآيات التى تتصل بقوله ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإن فواصلها كلها منصوبة منونة فلم يكن بد من تأخير قوله لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ثنا ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة الرابع تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول لكن أخر الفاعل وهو موسى لأجل رعاية الفاصلة قلت للتأخير حكمة أخرى وهى أن النفس تتشوق لفاعل أوجس فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع
[ 63 ]
وكقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن قوله وأجل مسمى معطوف على به ولهذا رفع والمعنى ولولا كلمة سبقت من ربك في التأخير مسمى لكان العذاب لزاما لكنه قدم وأخر لتشتبك رءوس الآى قاله ابن عطية وجوز الزمخشري عطفه على الضمير في أي لكان الأجل العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأجل العاجل ومنه قوله تعالى جاء آل فرعون النذر فأخر الفاعل لأجل الفاصلة وقوله ومما رزقناهم ينفقون أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما قبلها في
قوله يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة لتوافق رءوس الآى قاله أبو البقاء وهو أجود من قول الزمخشري قدم المفعول للاختصاص ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة في قوله تعالى نعبد وإياك نستعين وهى قبل العبادة وإنما أخرت لأجل فواصل السورة في أحد الأجوبة الخامس إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى إن المتقين في جنات ونهر هذا قال الفراء الأصل الأنهار وإنما وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رءوس
[ 64 ]
الآى ويقال النهر الضياء والسعة فيخرج من هذا البالب وقوله كنت متخذ المضلين عضدا قال ابن سيده في المحكم أي أعضادا ثم وإنما أفرد ليعدل رءوس الآى بالإفراد والعضد المعين السادس جمع ما أصله أن يفرد كقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال فإن المراد ولا خلة بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآى السابع تثنية ما أصله أن يفرد كقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان قال الفراء هذا باب مذهب العرب في تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله ديار لها بلرقمتين رسول وقوله بطن المكتين وأشير بذلك إلى نواحيها أو للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت في كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة وصدرك مسرة
[ 65 ]
قال وإنما ثناهما لأجل الفاصلة رعاية للتى قبلها والتى بعدها على هذا الوزن والقوافي تحتمل في الزيادة والنقصان مالا يحتمله سائر الكلام وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال إنما يجوز في رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف فأما أن يكون الله وعد جنتين فنجعلهما ولا جنة
واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين قال ذواتا أفنان ثم قال فيها لم ولو أن قائلا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية ما كان هذا القول إلا كقول الفراء قلت وكأن الملجئ للفراء إلى ذلك قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وعكس ذلك قوله تعالى فلا يخر جنكما حدثنا من الجنة فتشقى على أن هذا قابل للتأويل فإن الألف واللام للعموم خصوصا أنه يرد على الفراء قوله أفنان الثامن تأنيث ما أصله أن يذكر كقوله تعالى كلا إنه تذكرة وإنما عدل إليها للفاصلة التاسع كقوله سبح اسم ربك الأعلى وقال في العلق اقرأ باسم
[ 66 ]
ربك الذى خلق فزاد في الأولى ابن وزاد في الثانية مراعاة للفواصل في السورتين وهى في سبح الذى خلق فسوى وفى العلق خلق الإنسان من علق العاشر صرف ما أصله ألا ينصرف كقوله تعالى قواريرا قواريرا قوله صرف الأول لأنه آخر الآية وآخر الثاني بالألف فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا فيتناسب مع بقية الآى كقوله تعالى له وأغلالا فإن ذلك سلاسلا محمد لما نظم إلى أغلالا وسعيرا إلى صرف ونون للتناسب وبقى قوارير الثاني فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه لأنه لما نون قواريرا الثاني ليتناسبا كان ولاجل هذا لم ينون قواريرا الثاني إلا من ينون قواريرا الأول وزعم إمام الحرمين في البرهان أن من ذلك صرف ما كان جمعا في القرآن ليناسب رءوس الآى كقوله تعالى سلاسلا وأغلالا
وهذا مردود لأن سلاسلا ليس رأس آية ولا قواريرا الثاني وإنما صرف للتناسب واجتماعه مع غيره من المنصرفات فيرد إلى الأصل ليتناسب معها ونظيره في مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال بدأ ثلاثى قال الله تعالى كما بدأكم تعودون وقال تعالى كيف بدأ الخلق ثم قال أولم يروا كيفف أبو يبدئ الله الخلق ثم يعيده فجاء به رباعيا فصيحا لما حسنه من التناسب بغيره وهو قوله أو
[ 67 ]
الحادى عشر إمالة ما أصله ألا يمال كإمالة ألف والضحى والليل إذا سجى ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بمابعدهما والإمالة أن تنجو بالألف نحو الياء والغرض الأصلى منها هو التناسب وعبر عنه بعضهم بقوله الإمالة للإمالة وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره كألف تلا في قوله تعالى والقمر إذا تلاها فأميلت) ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذى بعدها مما ألفه غير ياء نحو عبد عليه فإن قيل هلا جعلت إمالة أبي لمناسبة ما قبلها أعنى (قيل لأن ألف ضحاها عن واو وإنما أميل لمناسبة ما بعده الثاني عشر العدول عن صيغة المضى إلى الاستقبال كقوله تعالى ما كذبتم وفريقا تقتلون حيث لم يقل وفريقا قتلتم كما سوى بينهما في سورة الأحزاب فقال تقتلون وتأسرون فريقا وذلك لأجل أنها هنا رأس آية
[ 68 ]
تفريعات ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين ثم هنا تفريعات
الأول قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك قال سيبويه رحمه الله أما إذا ترنموا لا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون لأنهم أرادوا مد الصوت
[ 69 ]
وإذا أنشدوا ولم يترنموا فأهل الحجاز يدعون القوافى على حالها في الترنم وناس من بنى تميم يبدلون مكان المدة النون انتهى وجاء القرآن على أعذب مقطع وأسهل موقف مبنى الفواصل على الوقف الثاني إن مبنى الفواصل على الوقف ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ومنه قوله تعالى إنا خلقناهم من طين
[ 70 ]
لازب مع تقدم قوله عذاب واصب وشهاب ثاقب وكذا منهمر وقد قدر وكذا وما لهم من دونه من وال مع وينشئ السحاب الثقال وعبارة السكاكى قد تعطى اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة في الإعراب لما قبله على تقدير عدم الوقوف عليه كما يشترط ذلك في الشعر وبه صرح ابن الخشاب معترضا على قول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين يا صارفا عنى المودة * والزمان له صروف ومعنفى أن في فضح من * جاوزت تعنيف العسوف * لا تلحني فيما أتيت * فإننى بهم عروف ولقد نزلت بهم فلم * أرهم يراعون الضيوف
وبلوتهم فوجدتهم * لما سبكتهمو زيوف ألا ترى أنها إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين
[ 71 ]
والثانى مجرورا وكذا باقى القصيدة والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها لأن الغرض المجانسة بين القرائن والمزاوجة ولا يتم ذلك إلا بالوقف ولو وصلت لم يكن بد من إجراء كل القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب فعطلت عمل الساجع الله وفوت غرضهم وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون آتيك بالغدايا والعشايا مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة فما ظنك بهم في ذلك
[ 72 ]
المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه الثالث ذكر الزمخشري في كشافه القديم أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سدادها على النهج الذى يقتضيه حسن النظم والتئامه كما لا يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع السلسلة على اللسان إلا مع مجيئها منقادة للمعانى الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده على بال فليس من البلاغة في فتيل أو نقير ومع ذلك يكون قوله وبالآخرة هم يوقنون وقوله ومما رزقناهم ينفقون لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة لأن ذلك أمر لفظي لا طائل تحته وإنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف الرابع أن الفواصل تنقسم إلى ما تماثلت حروفه في المقاطع وهذا يكون في السجع
وإلى ما تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل وهذا لا يكون سجعا ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعنى المتماثل والمتقارب من أن يأتي طوعا سهلا تابعا للمعانى أو متكلفا يتبعه المعنى فالقسم الأول هو المحمود الدال على الثقافة وحسن البيان والثانى هو المذموم فأما القرآن فلم يرد فيه إلا القسم الأول لعلوه في الفصاحة وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة
[ 73 ]
مثال المتماثلة قوله تعالى والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع وقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا قأثرن قال به نقعا فوسطن به جمعا وقوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر إلى آخره وحذفت الياء من يسر طلبا للموافقة في الفواصل وقوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وجميع هذه السورة على الازدواج وقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس
[ 74 ]
وقوله تعالى فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق
وقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وقوله تعالى أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وقوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وقوله تعالى فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون وقوله تعالى كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق الآية وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ومثال المتقارب في الحروف فوله تعالى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وقوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال
[ 75 ]
الكافرون هذا شئ عجيب وهذا لا يسمى سجعا قطعا عند القائلين بإطلاق السجع في القرآن لأن السجع ما تماثلت حروفه إذا علمت هذا فاعلم أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة وبهذا يترجح مذهب الشافعي على مذهب أبى حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة وذلك لأن الشافعي المثبت لها في القرآن قال صراط الذين الخ السورة آية واحدة وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من الفاتحة قال صراط الذين أنعمت عليهم آية وغير المغضوب عليهم آية ومذهب الشافعي أولى لأن فاصلة قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا تشابه فاصلة الآيات المتقدمة ورعاية التشابه في الفواصل لازم وقوله أنعمت عليهم ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع وقد اتفق الجميع على أن الفاتحة سبع آيات لكن الخلاف
في كيفية العدد تقسيم الفواصل باعتبار المتوازي والمتوازن والمطرف الخامس قسم البديعيون عن السجع والفواصل أيضا إلى متواز ومطرف ومتوازن من وأشرفها المتوازي وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة في وقوله والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بنى إسرائيل
[ 76 ]
والمطرف أن يتفقا في حروف السجع لافى الوزن كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا والمتوازن أن يراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى ونمارق مصفوفة وزرابى بن مبثوثة وقوله تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم متوازنان وقوله فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن وقوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى وقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى إلى آخرها وقوله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها وقد تكرر في سورة حمعسق في قوله تعالى والذين يجادلون في الله من بعد
[ 77 ]
ما استجيب له إلى آخر الآيات السبع فجمع في فواصلها بين شديد وقريب
وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير على هذا الترتيب وهو في القرآن كثير وفى المفصل خاصة في قصاره ومنهم من يذكر بدله الترصيع وهو أن يكون المتقدم من الفقرتين مؤلفا من كلمات مختلفة والثانى مؤلفا من مثلها في ثلاثة أشياء وهى الوزن والتقفيه هذه وتقابل القرائن قيل ولم يجئ هذا القسم في القرآن العظيم لما فيه من التكلف وزعم بعضهم أن منه قوله تعالى إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم وليس كذلك لورود لفظة إن ولفى كل واحد من الشطرين وهو مخالف لشرط الترصيع إذ شرطه اختلاف الكلمات في الشطرين جميعا وقال بعض المغاربة سورة الواقعة من نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يدل على أن فيها موازنة قالوا وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ليكون شبيها بالشعر فإن أبياته متساوية كقوله تعالى في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية في الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثقل عنه الزائد لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأول كمن توقع الظفر بمقصوده ثم طالت قرينته الثانية كقوله والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى أو الثالثة كقوله تعالى خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة
[ 78 ]
ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه وهو إما قصير كقوله والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا أو طويل كقوله إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله
ترجع الأمور أو متوسط كقوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام السادس اعلم أن من المواضع التى يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره وإيقاع الشئ فيها بما يشاكله فلا بد أن تكون مناسبة للمعنى المذكور أولا وإلا خرج بعض الكلام عن بعض وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك لكن منه ما يظهر ومنه ما يستخرج بالتأمل للبيب وهى منحصرة في أربعة أشياء التمكين والتوشيح والإيغال والتصدير والفرق بينها أنه أن كان تقدم لفظها بعينه في أول الآية سمى تصديرا وإن كان في
[ 79 ]
أثناء الصدر سمى توشحيا سنة وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية ودلالة التوشيح معنوية الأول التمكين وهو أن تمهد قبلها تمهيدا تأتى به الفاصلة ممكنة في مكانها مستقرة في قرارها مطمئنة في موضعها غير نافذة ولا قلقة متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن فاشدد يديك به ومن أمثلته قوله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله وكفى الله المؤمنين القتال لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التى
حدثت كانت سبب رجوعهم ولم يبلغوا ما أرادوا وأن ذلك أمر اتفاقى فأخبر سبحانه في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب الممتنع وأن حزبه كذلك وأن تلك الريح التى هبت ليست اتفاقا بل هي من إرساله سبحانه على أعدائه كعادته وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر وتارة بالريح كيوم الأحزاب وتارة بالرعب كبنى النضير وطورا ينصر عليهم كيوم أحد تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا وأن النصر من عنده كيوم حنين ومنه قوله تعالى أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في
[ 80 ]
مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون فانظر إلى قوله في صدر الآية التى الموعظة فيها سمعية أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا وقال بعد ذكر الموعظة أفلا يسمعون لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع أو أخبار القرون وهو كما يسمع وكيف قال في صدر الآية التى موعظتها مرئية عمرو أولم يروا وقال بعدها أفلا يبصرون لأن سوق الماء إلى الأرض الجرز مرئى ومنه قوله تعالى قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد فإنه لما تقدم ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرشد لأن الحلم الذى يصح به التكليف والرشد حسن التصرف في الأموال فكان آخر الآية مناسبا لأولها مناسبة معنوية ويسميه بعضهم ملاءمة ومنه قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير
فإنه سبحانه لما قدم نفى إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله وهو اللطيف خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال وهو يدرك الأبصار عطف عليه قوله الخبير مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشئ لأن المدرك للشئ قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر أخبر سبحانه وتعالى
[ 81 ]
أنه يدرك كل شئ مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ضربا من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا اللطيف الخبير مناسبتين قبل لما قبلهما ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد إلى قوله لرءوف رحيم إنما فصل الأولى ب لطبف يحيى خبير لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض ولأنه خبير بنفعهم وإنما فصل الثانية ب غنى حميد لأنه قال له ما في السموات وما في الأرض أي لا لحاجة بل هو غنى عنهما جواد بهما لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه واستحق عليه الحمد فذكر الحمد على أنه الغنى النافع بغناه خلقه وإنما فصل الثالثة برؤوف الرحمن رحيم لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر لهم وتسييرهم وكان في ذلك الهول العظيم وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع حسن ختامه بالرأفة والرحمة ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة الأنعام وهو الذى جعل لكم النجوم الآيات وقوله تعالى له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى
الحميد فقال الغنى الحميد لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى عنه جواد به وإذا جاد به حمده المنعم عليه إذ حميد كثير المحاميد روى الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض فيكون غنيا مفسرا بالغنى المطلق لا يحتاج فيه لتقدير غنى عنه
[ 82 ]
ومنه قوله تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرسدا ولم إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذى تنفذ فيه الأبصار إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار النهار كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والليل كأنه لا موجود سواه إذ جعل سرمدا منسوبا إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تسمعون لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلى الذى يصلح للاستماع ولا يصلح للإبصار وكذلك قال في الآية التى تليها قل أريتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد وهو ظرف مضئ تنور فيه الأبصار وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار الليل كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والنهار كأنه لا موجود سواه إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تبصرون إذ الظرف مضئ صالح للإبصار وهذا من دقيق المناسبة المعنوية ومنه قوله تعالى في أول سورة الجاثية إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات
لقوم يعقلون فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى للمؤمنين لأنه
[ 83 ]
سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال السموات والأرض ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات وكذلك قوله في الآية الثانية لقوم يوقنون فإن سر الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ورصانته لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذى صنع العالم الكلى التى هي أجرامه وعوارض عنه ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعا مختارا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وإن احتيج إلى العقل في الجميع إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ومنه قوله تعالى أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون والمناسبة فيه قوية لأن من دل عدوه على عورة نفسه وأعطاه سلاحه
[ 84 ]
ليقتله به فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل فلهذا ختمها بقوله أفلا تعقلون
وهذه الفاصلة لا تقع إلا في سياق إنكار فعل غير مناسب في العقل نحو قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون لأن فاعل غير المناسب ليس بعاقل وقوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم وما نحن عليه من الحق وما أنتم عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك فنسأله القضاء علينا وعليكم بما يعلم منا ومنكم فصل وقد تجتمع فواصل في موضع واحد ويخالف بينها وذلك في مواضع منها في أوائل النحل وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال خلق السموات والأرض بالحق ثم ذكر خلق الإنسان فقال من نطفة وأشار إلى عجائب الحيوان فقال والأنعام ثم عجائب النبات فقال هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون فجعل مقطع هذه الآية التفكر لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار
[ 85 ]
وفيه جواب عن سؤال مقدر وهو أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك فتلك الحركات حيث حصلت فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى وهذا هو المراد بقوله تعالى وسخر لكم
الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فجعل مقطع هذه الآية العقل والتقدير كأنه قيل إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك وهو الإله القادر المختار والثانى أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة والآخر في غاية السواد فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار فعلمنا أن المؤثر قادر مختار وهذا هو المراد من قوله وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون كأنه قيل قد ذكرنا ما يرسخ في عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع بل الفاعل المختار فلهذا جعل مقطع الآية التذكر
[ 86 ]
تنبيه من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة وذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار م قال في سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم قال القاضى ناصر الدين بن المنير في تفسيره الكبير كأنه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان كونك ظلوما وكونك كفارا ولى عند إعطائها وصفان وهما أنى غفور رحيم أقابل ظلمك بغفرانى بين وكفرك برحمتي فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء انتهى وهو حسن لكن بقى سؤال آخر وهو ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف النعيم وآية إبراهيم
بوصف المنعم عليه والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم في وصف الإنسان وما جبل عليه فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه وأما آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته فناسب ذكر وصفه سبحانه فتأمل هذه التراكيب ما أرقاها أهل في درجة البلاغة ونظيره قوله تعالى في سورة الجاثية من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها
[ 87 ]
ثم إلى ربكم ترجعون وفى فصلت من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد وحكمة فاصلة الأولى أن قبلها قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون فناسب الختام بفاصلة البعث لأن قبله وصفهم بإنكاره وأما الأخرى فالختام حديث بها مناسب أي لأنه لا يضيع عملا صالحا ولا يزيد على من عمل شيئا ونظيره قوله في سورة النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ختم الآية مرة بقوله فقد افترى إثما عظيما ومرة بقوله ضلالا بعيدا لأن الأول نزل في اليهود وهم الذين افتروا على الله ما ليس في كتابه والثانى نزل في الكفار ولم يكن لهم كتاب وكان ضلاهم عند أشد وقوله في المائدة ومن لم يحكم بما أنزل الله فذكرها ثلاث مرات وختم الأولى بالكافرين والثانية بالظالمين والثالثة بالفاسقين فقيل لأن الأولى نزلت في أحكام المسلمين والثانية نزلت في أحكام اليهود والثالثة نزلت في أحكام النصارى وقيل ومن لم يحكم بما أنزل الله إنكارا له فهو كافر ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاد الحق وحكم بضده فهو ظالم ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم بضده فهو فاسق
وقيل الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد وهو الكفر عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار وقيل غير ذلك
[ 88 ]
تنبيه عكس هذا اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف كقوله تعالى في سورة النور يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم قال ابن عبد السلام في تفسيره في الأولى عليم بمصالح عباده حكيم في بيان مراده وقال في الثانية عليم بمصالح الأنام حكيم ببيان الأحكام ولم يتعرض للجواب عن حكمة التكرار تنبيه حق الفاصلة في هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا ومنه قوله تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة إنك أنت العزيز الحكيم ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه فلا بد وأن يكون حكيما فلا جرم كان اقترانهما مناسبا
[ 89 ]
وقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم وجه المناسبة في الحكم محمول على قول مجاهد إن من حضر
الموصى فرأى منه جنفا على الورثة في وصيته مع فقرهم فوعظه في ذلك وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا فلا إثم عليه وهو غفور للموصى إذا ارتدع بقول من وعظه فرجع عما هم به وغفرانه لهذا برحمته لاخفاء به والإثم المرفوع عن القائل يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق في الآية قبلها في قوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه يعنى من الموصى أي لا يكون هذا المبدل داخلا تحت وعيد من بدل على العموم لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة فلا يكون كغيره وقد أشكل على ذلك مواضع منها قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فإن قوله وإن تغفر لهم يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم وكذا نقلت عن مصحف أبى رضى الله عنه وبها قرأ ابن شنبود ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لان العزير في صفات الله هو الغالب ممن قولهم عزه يعزه إذا غلبه ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشئ في محله فالله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك والحكمة فيما فعلته وقيل وقيل لا يجوز الغفور الرحيم لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب في قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وقيل لأنه
[ 90 ]
مقام تبر فلم يذكر الضفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل في ذلك بأنه العزيز الغالب وقوله الحكيم الذى يضع الأشياء مواضعها فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة وقيل ليس هو على مسألة الغفران وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ولو قيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن
مات على شركه لا لنبى ولا لغيره وأما قوله فإنهم عبادك وهم عباده عذبهم أو لم يعذبهم فلأن المعنى إن تعذبهم تعذب من العادة أن تحكم عليه وذكر العبودية التى هي سبب القدرة كقول رؤبة: يا رب إن أخطأت أو نسيت * فأنت لا تنسى ولا تموت والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت أخطأ رؤبة أو أصاب فكأنه قال إن أخطأت تجاوزت لضعفي لأنه وقوتك ونقصي أخبرنا وكمالك ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة براءة أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم والجواب ما ذكرناه ومثله قوله تعالى في سورة الممتحنة ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ومثله في سورة غافر في قول السادة الملائكة ومن صلح من آبائهم وأزواحهم يا وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ومنه قوله تعالى والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا
[ 91 ]
فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فإن الذى يظهر في أول النظر أن الفاصلة تواب رحيم لأن الرحمة مناسبة للتوبة وخصوصا من هذا الذنب العظيم ولكن هاهنا معنى دقيق من أجله قال حكيم وهو أن ينبه على فائدة مشروعية اللعان وهى الستر عن هذه الفاحشة العظيمة وذلك من عظيم الحكم فلهذا كان حكيم بليغا في هذا المقام دون رحيم ومن خفى هذا الضرب قوله تعالى في سورة البقرة خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم وقوله في آل عمران قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم
ما في السموات وما في الأرض والله على كل شئ قدير فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة وفى آية آل عمران الختم بالعلم لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة في الآيتين وكذلك قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة مع أن ظاهر الخطاب ذو عقوبة شديدة وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته وذلك أبلغ في التهديد ومعناه لا تغتروا بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم وقريب منه رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا
[ 92 ]
وأما قوله تعالى ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر على قتال المشركين وهم زهاء ألف متوكلين على الله تعالى وقال المنافقون غر هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم في جميع أفعاله وأما قوله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فإن قيل ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه أحدها إن فسرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل فكأنه سبحانه يقول إنه كان من كبير إغفالكم لو النظر في دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك وموضع العتب قوله وكأين من دابة في السموات والأرض يمرون عليها
وهم عنها معرضون كذلك موضع المعتبة قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقد كان ينبغى أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه فهذا موضع حلم وغفران عما جرى في ذلك من الإفراط والإهمال الثاني إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه الأشياء كلها تسبحه
[ 93 ]
وتحمده ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون فالحلم والغفران للتقدير في الآية وهو العصيان يكون وفى الحديث لولا بهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا الثالث أنه سبحانه قال في أولها يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده أي أنه كان لتسابيح مع المسبحين حليما عن تفريطهم غفورا لذنوبهم ألا تراه قال في موضع آخر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم وكأنها اشتتملت سعيد على ثلاثة معان إما العفو عن ترك البحث المؤدى إلى الفهم لما في الأشياء من العبر وأنتم على العصيان أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه ومنها ما يعصيه ويخالفه فيغفر عصيانهم بتسابيحهم بكر تنبيه قد تكون الفاصلة لا نظير لها في القرآن كقوله تعالى عقب الأمر بالغض في سورة النور إن الله خبير بما يصنعون وقوله عقب الأمر بطلب الدعاء والإجابة لعلهم يرشدون وقيل فيه تعريض بليلة القدر أي لعلهم يرشدون إلى معرفتها
[ 94 ]
وإنما يحتاجون للإرشاد إلى ما لا يعلمون فإن هذه الآية الكريمة ذكرت عقب الأمر بالصوم وتعظيم رمضان وتعليمهم الدعاء فيه وأن أرحى أوقات الإجابة فيه ليلة القدر
الثاني التصدير كقوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى وقوله فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وقوله خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتى فلا تستعجلون وقوله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه وقوله كان الله ليظلهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون وقوله فما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون وقوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون فجعل لفاصلة قد يزرون لجناس وفي أوزارهم وإنما قال على ظهورهم ولم يقل على رؤوسهم لأن الظهر أقوى للحمل فأشار إلى ثقل الأوزار وقوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان عفارا
[ 95 ]
وقوله وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وقوله أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وقوله رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين الثالث التوشيح ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح ولهذا قيل فيه إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها وسماه ابن وكيع المطمع لأن صدره مطمع في عجزه كقوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وقوله إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين
فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة إذ المذكورون نوع من جنس العالمين وقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون فإنه من كان حافظا لهذه السورة متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة وسمع في صدر هذه الآية وآية لهم الليل نسلخ منه النهار علم أن الفاصلة مظلمون فإن من انسلخ النهار عن ليلة أظلم ما دامت تلك الحال
[ 96 ]
وقوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فإن قوله ليروا أعمالهم يدل على التقسيم وقوله وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وقوله ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير الرابع الإيغال وسمى به لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذى هو آخذ فيه وبلغ إلى زيادة على الحد يقال أوغل في الأرض الفلانية إذا بلغ تمنهاها كل فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه فقد أوغل كقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الكلام تم بقوله ومن أحسن من الله حكما ثم احتاج إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا وكقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن المعنى قد تم بقوله ولا تسمع الصم الدعاء ثم أراد أن يعلم تمام الكلام بالفاصلة فقال إذا ولوا مدبرين
[ 97 ]
فإن قيل ما معنى مدبرين وقد أغنى عنها ولوا قلت لا يغنى عنها ولوا فإن التولى قد يكون بجانب دون جانب بدليل قوله أعرض ونأى بجانبه وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب لينفى عنهم الفهم الذى يحصل من الإشارة فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة ثم إن التولى قد يكون بجانب مع لحاظه بالجانب الآخر فيحصل له إدراك بعض الإشارة فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولى كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا فاحتجب المخاطب عن المخاطب أو صار من وراثه فخفيت عن عينه الإشارة كما صم أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة من عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفى الإسماع البتة فهو من إيغال الاحتياط الذى أدمجت فيه المبالغة في نفى الاسماع وقد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى يحملها معنى واحد كقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله الآية وقوله فأتوا بسورة من مثله وقوله فأتوا بعشر سور مثله كما يقول الرجل لمن يجحد ما يستحق على درهما ولا دانقا ولا حبة ولا كثيرا ولا قليلا ولو قال ما يستحق على شيئا لأغنى في الظاهر لكن التفصيل أدل على الاحتياط وعلى شدة الاستتبعاد في الإنكار ومنه قوله تعالى اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون فإن المعنى تم
[ 98 ]
بقوله أجرا ثم زاد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام فصل
في ضابط الفواصل ذكره الجعبرى ولمعرفتها طريقان توقيفي وقياسي الأول التوقيفى فلا روى أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يقطع قراءته آية آية وقرأت بسم الله الرحمن الرحيم إلى الذين تقف على كل آية فمعنى يقطع قراءته آية آية أي يقف على كل آية وإنما كانت قراءته صلى الله عليه وسلم كذلك ليعلم رءوس الآى قال ووهم فيه من سماه وقف السنة لأن فعله عليه السلام إن كان تعبدا فهو مشورع لنا وإن كان لغيره فلا فما وقف عليه السلام عليه دائما تحققنا أنه فاصلة وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفهما منه أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة والوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها الثاني القياسي وهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب ولا محذور في ذلك لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل والوقف على كل كلمة جائز ووصل القرآن كله جائز فاحتاج القياسي إلى طريق تعرفه فأقول فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر وقافية البيت في النظم وما يذكر من عيوب القافية من
[ 99 ]
اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة وجاز الانتقال في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيد ومن ثم ترى يرجعون مع: عليم والميعاد غير مع الثواب والطارق أحمد مع بعد والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة في الآية والسجعة يقول المساواة ومن ثم أجمع العادون على ترك عد ويأت بآخرين وولا الملائكة المقربون بالنساء وكذب
بها الأولون بسبحان ولتبشر به المتقين بمريم ولعلهم يتقون
[ 100 ]
بطه من الظلمات إلى النور وأن الله على كل شئ قدير بالطلاق لم يشاكل طرفيه وعلى ترك عد أفغير دين الله يبغون بآل عمران أفحكم الجاهلية يبغون بالمائدة وعدوا نظائرها للمناسبة نحو الذي الألباب بآل عمران وعلى الله كذبا بالكهف ولأن بطه وقد يتوجه الأمران في كلمة فيختلف فيها فمنها البسملة وقد نزلت بعض آية في النمل وبعضها في أثناء الفاتحة في بعض الأحرف السبعة فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية ولم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص المتقدم خلافا للدانى ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها ولزمه من الإجماع على أنها سبع آيات أن يعد عوضها وهو بعد اهدنا وقد لقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين
[ 101 ]
أي قراءة الصلاة تعد منها ولا للعبد إلا هاتان والمستقيم محقق فقسمتا علي بعدها قسمين فكانت حتى عليهم الأولى وهى مماثلة في الروى لما قبلها ومنها حروف الفواتح فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب ومناسبة الروى والردف ووجه عدمه الاختلاف في الكمية والتعلق على الجزء ومنها بالبقرة تعالى عذاب أليم وإنما نحن مصلحون فوجه عده مناسبة الروى ووجه عدمه تعلقه بتاليه فإن ومنها إلى بنى إسرائيل بآل عمران حملا على ما في الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف
ومنها عمر فبشر عباد النبي بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ ومنها والرحمن وإن والحاقة كما والقارعة هو والعصر وسلم حملا على والفجر الضحى للمناسبة لكن تفاوتت في الكمية
[ 102 ]
النوع الرابع في جمع الوجوه والنظائر وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغونى وأبو الفرج بن الجوزى والدامغاني الواعظ وأبو الحسين بن فارس وسمى كتابه الأفراد فالوجوه اللفظ المشترك الذى يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة والنظائر كالألفاظ المتواطئة وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذى معناه واحد في مواضع كثيرة فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام والنظائر نوعا آخر كالأمثال وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجها أو أكثر أو أقل ولا يوجد ذلك في كلام البشر
[ 103 ]
وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثا مرفوعا لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة فمنه الهدى سبعة عشر حرفا بمعنى البيان كقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم
وبمعنى الدين إن الهدى هدى الله وبمعنى الإيمان ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وبمعنى الداعي ولكل قوم هاد وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وبمعنى الرسل والكتب فإما يأتينكم منى هدى وبمعنى المعرفة وبالنجم هم يهتدون وبمعنى الرشاد اهدنا الصراط المستقيم وبمعنى محمد صلى الله عليه وسلم إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما تبين لهم الهدى وبمعنى القرآن ولقد جاءهم من ربهم الهدى
[ 104 ]
وبمعنى التوراة ولقد آتينا موسى الهدى وبمعنى الاسترجاع أولئك هم المهتدون ونظيرها في التغابن ومن يؤمن بالله أي في المصيبة أنها من عند الله يهد قلبه للاسترجاع وبمعنى الحجة والله لا يهدى القوم الظالمين بعد قوله ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أي لا يهديهم إلى الحجة وبمعنى التوحيد إن نتبع الهدى معك وبمعنى السنة وإنا على آثارهم مهتدون وبمعنى الإصلاح وأن الله لا يهدى كيد الخائنين وبمعنى الإلهام أعطى كل شئ خلقه ثم هدى هدى كلا في معيشته وبمعنى التوبة إنا هدنا إليك أي تبنا وهذا كثير الأنواع
[ 105 ]
وقال ابن فارس في كتاب الأفراد
كل ما في كتاب الله من ذكر الأسف فمعناه الحزن كقوله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام يا أسفا على يوسف إلا قوله تعالى فلما آسفونا فإن معناه أغضبونا وأما قوله في قصة موسى عليه السلام غضبان أسفا فقال ابن عباس مغتاظا وكل ما في القرآن من ذكر البروج فإنها الكواكب كقوله تعالى والسماء ذات البروج إلا التى في سورة النساء ولو كنتم في بروج مشيدة فإنها القصور الطوال المرتفعة في السماء الحصينة وما في القرآن من ذكر البر والبحر فإنه يراد بالبحر الماء وبالبر التراب اليابس غير واحد في سورة الروم ظهر الفساد في البر والبحر فإنه بمعنى البرية والعمران وقال بعض علمائنا في البر قتل ابن آدم أخاه وفى البحر أخذ الملك كل سفينة غصبا والبخس في القرآن النقص مثل قوله تعالى فلا تخاف بخسا ولا رهقا إلا حرفا واحدا في سورة يوسف وشروه بثمن بخس فإن أهل التفسير قالوا بخس حرام وما في القرآن من ذكر البعل فهو الزوج كقوله تعالى وبعولتهن أحق
[ 106 ]
بردهن إلا حرفا واحدا في الصافات أتدعون بعلا فإنه أراد صنما وما في القرآن من ذكر البكم فهو الخرس عن الكلام بالإيمان كقوله صم بكم إنما أراد بكم عن النطق والتوحيد مع صحة ألسنتهم إلا حرفين أحدهما في سورة بنى إسرائيل عميا وبكما وصما والثانى في سورة النحل قوله عز وجل أحدهما أبكم فإنهما في هذين الموضعين اللذان لا يقدران على الكلام وكل شئ في القرآن ي بعد جثيا فمعنا جميعا إلا التى في سورة الشريعة
وترى كل أمة جاثية فإنه أراد تجثو على ركبتيها وكل حرف في القرآن حسبان فهو من العدد غير حرف في سورة الكهف حسبانا من السماء فإنه بمعنى العذاب وكل ما في القرآن حسرة فهو الندامة كقوله عز وجل يا حسرة على العباد إلا التى في سورة آل عمران ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم فإنه يعنى به حزنا وكل شئ في القرآن الدحض والداحض فمعناه الباطل كقوله حجتهم داحضة إلا التى في سورة الصافات فكان من المدحضين وكل حرف في القرآن من رجز فهو العذاب كقوله تعالى في قصة بنى إسرائيل
[ 107 ]
لئن كشفت عنا الرجز إلا في سورة المدثر والرجز فاهجر فإنه يعنى الصنم فاجتنبوا عبادته وكل شئ في القرآن من ريب فهو شك غير حرف واحد وهو قوله تعالى نتربص به ريب المنون فإنه يعنى حوادث الدهر وكل شئ في القرآن يرجمنكم ويرجموكم فهو القتل غير التى في سورة مريم عليها السلام لأرجمنك يعنى لأشتمنك قلت وقوله رجما بالغيب أي ظنا والرجم أيضا الطرد واللعن ومنه قيل للشيطان رجيم وكل شئ في القرآن من زور فهو الكذب ويراد به الشرك غير التى في المجادلة منكرا من القول وزورا فإنه كذب غير شرك وكل شئ في القرآن من زكاة فهو المال غير التى في سورة مريم وحنانا من لدنا وزكاة فإنه يعنى تعطفا
وكل شئ في القرآن من زاغوا ولا تزغ فإنه من مالوا ولا تمل غير واحد في سورة الأحزاب وإذا زاغت الأبصار بمعنى شخصت وكل شئ في القرآن من يسخرون وسخرنا فإنه يراد به الاستهزاء غير التى في سورة الزخرف ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فإنه أراد أعوانا وخدما وكل سكينة في القرآن طمأنينة في القلب غير واحد في سورة البقرة فيه سكينة
[ 108 ]
من ربكم فإنه يعنى شيئا كرأس الهرة لها جناحان كانت في التابوت وكل شئ في القرآن من ذكر السعير فهو النار والوقود إلا قوله عز وجل إن المجرمين في ضلال وسعر فإنه العناد وكل شئ في القرآن من ذكر شيطان فإنه إبليس وجنوده وذريته إلا قوله تعالى في سورة البقرة خلوا إلى شياطينهم فإنه يريد كهنتهم مثل كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب وأبى ياسر أخيه وكل شهيد في القرآن غير القتلى في الغزو فهم الذين يشهدون على أمور الناس إلا التى في سورة البقرة قوله عز وجل وادعوا شهداءكم فإنه يريد شركاءكم وكل ما في القرآن من أصحاب النار فهم اهل النار إلا قوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة فإنه يريد خزنتها وكل صلاة في القرآن فهى عبادة ورحمة إلا قوله تعالى وصلوات ومساجد فإنه يريد بيوت عبادتهم وكل صمم في القرآن فهو عن الاستماع للإيمان غير واحد في بنى اسرائيل قوله عز وجل عميا وبكما وصما معناه لا يسمعون شيئا وكل عذاب في القرآن فهو التعذيب إلا قوله عز وجل وليشهد عذابهما فإنه يريد الضرب
والقانتون المطيعون لكن قوله عز وجل في البقرة كل له قانتون
[ 109 ]
معناه مقرون وكذلك في سورة الروم وله من في السموات والأرض كل له قانتون يعنى مقرون بالعبودية وكل كنز في القرآن فهو المال إلا الذى في سورة الكهف وكان تحته كنز لهما فإنه أراد صحفا وعلما وكل مصباح في القرآن فهو الكوكب إلا الذى في سورة النور المصباح في زجاجة فإنه السراج نفسه النكاح في القرآن التزوج إلا قوله جل ثناؤه حتى إذ بلغوا النكاح فإنه يعنى الحلم النبأ والأنباء في القرآن الأخبار إلا قوله تعالى فعميت عليهم الأنباء فإنه بمعنى الحجج الورود في القرآن الدخول إلا في القصص ولما ورد ماء مدين يعنى هجم عليه ولم يدخله وكل شئ في القرآن من لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعنى عن العمل إلا التى في سورة النساء إلا ما آتاها يعنى النفقة وكل شئ في القرآن من يأس فهو القنوط إلا التى في الرعد أفلم ييئس الذين آمنوا أي ألم يعلموا قال ابن فارس أنشدني أبى فارس بن زكريا
[ 110 ]
أقول لهم بالشعب إذ ييسروننى * ألم تيئسوا أنى ابن فارس زهدم قال الصاغانى البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي وكل شئ في القرآن من ذكر الصبر محمود إلا قوله عز وجل لولا أن صبرنا
عليها وواصبروا على آلهتكم انتهى ما ذكره ابن فارس وزاد غيره كل شئ في القرآن لعلكم فهو بمعنى لكى غير واحد في الشعراء لعلكم تخلدون فإنه للتشبيه أي كأنكم وكل شئ في القرآن أقسطوا فهو بمعنى العدل إلا واحد في الجن وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره هذا باعتبار صورة اللفظ وإلا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي وكل كسف في القرآن يعنى جانبا من السماء غير واحد في سورة الروم ويجعله كسفا يعنى السحاب قطعا وكل ماء معين فالمراد به الماء الجارى غير الذى في سورة تبارك فإن المراد به الماء الطاهر الذى تناله الدلاء وهى زمزم
[ 111 ]
وكل شئ في القرآن لئلا فهو بمعنى كيلا غير واحد في الحديد لئلا يعلم أهل الكتاب يعنى لكى يعلم وكل شئ في القرآن من الظلمات الى النور فهو بمعنى الكفر والإيمان غير واحد في أول الأنعام وجعل الظلمات والنور يعنى ظلمة الليل ونور النهار وكل صوم في القرآن فهو الصيام المعروف إلا الذى في سورة مريم إنى نذرت للرحمن صوم يعنى صمتا وذكر أبو عمرو الدانى في قوله تعالى واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر أن المراد بالحضور هنا المشاهدة قال وهو بالظاء بمعنى المنع والتحويط قال ولم يأت بهذا المعنى إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى فكانوا كهشيم المحتظر قيل وكل شئ في القرآن وما أدراك فقد أخبرنا به وما فيه وما
يدريك فلم يخبرنا به حكاه البخاري رحمه الله في تفسيره واستدرك بعضهم عليه موضعا وهو قوله وما يدريك لعل الساعة قريب وقيل الإنفاق حيث وقع القرآن فهو الصدقة إلا قوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فإن المراد به المهر وهو صدقة في الأصل تصدق الله بها على النساء
[ 112 ]
النوع الخامس علم المتشابه وقد صنف فيه جماعة ونظمه السخاوى وصنف في توجيهه الكرماني كتاب البرهان والرازي درة التأويل وأبو جعفر بن الزبير وهو أبسطها في مجلدين وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة ويكثر في إيراد القصص والأنباء وحكمته التصرف في الكلام وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررا وأكثر أحكامه تثبت من وجهين فلهذا جاء باعتبارين وفيه فصول الفصل الأول المتشابه باعتبار الأفراد الأول باعتبار الأفراد وهو على أقسام
[ 113 ]
الأول أن يكون في موضع على نظم وفى آخر على عكسه وهو يشبه رد العجز على الصدر ووقع في القرآن منه كثير ففى البقرة وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفى الأعراف وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا
وفى البقرة والنصارى والصابئين وفى الحج والصابئين والنصارى في البقرة والأنعام قل إن هدى الله هو الهدى وفى آل عمران قل إن الهدى هدى الله في البقرة ويكون الرسول عليكم شهيدا وفى الحج شهيدا عليكم في البقرة وما أهل به لغير االله وباقى القرآن لغير الله به
[ 114 ]
في البقرة لا يقدرون على شئ مما كسبوا وفى إبراهيم مما كسبوا على شئ في آل عمران ولتطمئن قلوبكم به وفى الأنفال ولتطمئن به قلوبكم في النساء كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وفى المائدة كونوا قوامين لله شهداء بالقسط في الأنعام لا إله إلا هو خالق كل شئ وفى حم المؤمن خالق كل شئ لا إله إلا هو في الأنعام نحن نرزقكم وإياهم وفى بنى إسرائيل نرزقهم وإياكم في النحل وترى الفلك مواخر فيه وفى فاطر فيه مواخر في بنى إسرائيل صرفنا للناس في هذا القرآن وفى الكهف في هذا القرآن للناس في بنى إسرائيل قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم وفى العنكبوت بينى وبينكم شهيدا
[ 115 ]
في المؤمنين لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل وفى النمل لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل في القصص وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى وفى يس وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى في آل عمران قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر وفى كهيعص وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا الثاني ما يشتبه بالزيادة والنقصان ففى البقرة سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وفى يس وسواء بزيادة واو لأن ما في البقرة جملة هي خبر عن اسم إن وما في يس جملة عطفت بالواو على جملة في البقرة فأتوا بسورة من مثله وفى غيرها بإسقاط إلا للتبعيض ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول من فيها ليعلم أن التحدي واقع على جميع القرآن من أوله إلى آخره بخلاف غيرها من السور فإنه لو دخلها من لكان التحدي واقعا على بعض السور دون بعض ولم يكن ذلك بالسهل في البقرة فمن تبع هداى وفى طه فمن اتبع هداى لأجل قوله هناك يتبعون الداعي فيه
[ 116 ]
في البقرة يذبحون بغير واو على أنه بدل من ومثله في الأعراف يقتلون وفى إبراهيم ويذبحون بالواو لأنه من كلام موسى عليه السلام يعدد المحن عليهم في البقرة ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفى آل عمران ولكن أنفسهم يظلمون في البقرة فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا ثم قال
فمن كان منكم مريضا في البقرة ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير وسائر ما في القرآن بإسقاط من ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم وفى آل عمران ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم قالوا وجميع ما في القرآن من السؤال لم يقع عنه الجواب بالفاء إلا قوله تعالى في طه ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا الآية لأن الأجوبة في الجميع كانت بعد السؤال وفى طه كانت قبل السؤال وكأنه قيل إن سئلت عن الجواب فقل في الأعراف لقد أرسلنا نوحا بغير واو وليس في القرآن غيره
[ 117 ]
في البقرة ويكون الدين لله وفى الأنفال كله لله في آل عمران اشهدوا بأنا مسلمون وفى المائدة بأننا مسلمون في آل عمران جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير بباء واحدة إلا في قراءة ابن عامر وفى فاطر بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير بثلاث باءات في آل عمران هأنتم تحبونهم ولا يحبونكم وسائر ما في القرآن هؤلاء بإثبات الهاء في النساء خالدين فيها وذلك الفوز العظيم بالواو وفى براءة ذلك بغير واو في النساء فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وفى المائدة بزيادة منه في الأنعام قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك فكرر صلى لكم وقال في هود ولا أقول إنى ملك لأنه تكرر لكم في قصته أربع مرات فاكتفى بذلك
في الأنعاام وقال إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين
[ 118 ]
وفى القلم بمن ضل عن سبيله بزيادة الباء ولفظ الماضي وفى النجم هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى في الأنعام إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين وفى سورة المؤمنين بزيادة نموت وفيها أيضا إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ليس فيها غيره وفيها جعلكم خلائف الأرض وفى فاطر في الأرض بإثبات في في الأعراف ما منعك ألا تسجد وفى ص أن تسجد وفى الحجر ألا تكون مع الساجدين فزاد في الأعراف ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم بالفاء وكذا حيث وقع إلا في يونس في الأعراف لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بغير واو وفى المؤمنين وهود ولقد أرسلنا بالواو في الأعراف كذبوا من قبل وفى يونس بزيادة به في الأعراف يريد أن يخرجكم من أرضكم وفى الشعراء بزيادة بسحره
[ 119 ]
في هود وإننا لفى شك مما تدعونا وفى إبراهيم وإنا لفى شك مما تدعوننا في يوسف وما أرسلنا من قبلك وفى الأنبياء وما أرسلنا
قبلك في النحل فأحيا به الأرض بعد موتها وفى العنكبوت من بعد موتها وكذلك حذف من من قوله لكيلا يعلم بعد علم شيئا وفى الحج من بعد علم شيئا في الحج كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وفى السجدة منها أعيدوا فيها في النمل وألق عصاك وفى القصص وأن ألق عصاك في العنكبوت ولما أن جاءت رسلنا لوطا وفى هود ولما جاءت بغير أن
[ 120 ]
في العنكبوت فأحيا به الأرض من بعد موتها بزيادة ليس غيره في سورة المؤمن الساعة لآتية وفى طه أنه في النحل يدعون من دون الله وفي الأعراف دونه في المؤمنين موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وفي المؤمن بإسقاط ذكر الأخ في البقرة يذبحون أبناءكم وفي سورة إبراهيم ويذبحون بالواو ووجهه أنه في سورة إبراهيم تقدم وذكرهم بأيام الله وهي أوقات عقوبات إلى أن قال في ذلك لآيات لكل صبار شكور واللائق أن يعدد امتحانهم تعديدا يؤذن بصدق الجمع عليه لتكثير المنة ولذلك أتى بالعاطف ليؤذن بأن إسامتهم وهو العذاب مغاير لتذبيح صلى الله عليه وسلم الأبناء وسبى النساء وهو ما كانوا عليه من التسخير بخلاف المذكور في البقرة فإن ما بعد تفسير له فلم يعطف عليه ولأجل مطابقة السابق جاء في الأعراف يقتلون أبناءكم ليطابق سنقتل أبناءهم
ونستحى نساءهم الثالث التقديم والتأخير وهو قريب من الأول ومنه في البقرة يتلو عليهم
[ 121 ]
آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مؤخر وما سواه يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ومنه تقديم اللعب على اللهو في موضعين من سورة الأنعام وكذلك في القتال والحديد وقدم اللهو على اللعب في الأعراف والعنكبوت وإنما قدم اللعب في الأكثر لأن اللعب زمان الصبا واللهو زمان الشباب وزمان الصبا متقدم على زمان اللهو تنبيه ما ذكره في الحديد اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب أي كلعب الصبيان ولهو أي كلهو الشباب فقال وزينة كزينة النساء وتفاخر أي كتفاخر الإخوان وتكاثر كتكاثر السلطان وقريب منه في تقديم اللعب على اللهو قوله وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك يوم القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما به الإنسان انتهى من الحالين وأما العنكبوت فالمراد بذكرهما زمان الدنيا وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء وإن الدار الآخرة لهى الحيوان أي الحياة التى لا أبد لها ولا نهاية لأبدها فبدأ بذكر اللهو لأنه في زمان الشباب وهو أكثر من زمان اللعب وهو زمان الصبا
[ 122 ]
ومنه تقديم لفظ الضرر على النفع في الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خوفا من عقابه أولا ثم طمعا في ثوابه وحيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع وذلك في سبعة مواضع ثلاثة منها بلفظ الاسم وهى في الاعراف والرعد وسبأ وأربعة بلفظ الفعل وهى في الأنعام
ما لا ينفعنا ولا يضرنا وفى آخر يونس ما لا ينفعك ولا يضرك وفى الأنبياء ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم وفى الفرقان ما لا ينفعهم ولا يضرهم أما في الأعراف فلتقدم قوله من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء فقدم الخير على السوء وكذا قدم النفع على الضر أما في الرعد فلتقدم الطوع في قوله أو كرها أما في سبأ فلتقدم البسط في قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفى يونس قدم الضر على الأصل ولموافقة ما قبلها فإن فيها ما لا يضرهم ولا
[ 123 ]
ينفعهم وفيها وإذا مس الإنسان الضر فتكون الآية ثلاث مرات وكذلك ما جاء بلفظ الفعل فلسابقة ثنا معنى يتضمن نفعا أما الأنعام ففيها ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ثم وصله بقوله قل أندعو من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا وفى يونس تقدم قوله ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننجي لمؤمنين ثم قال ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك وفى الأنبياء تقدم قول الكفار لإبراهيم في المجادلة لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم وفى الفرقان تقدم ألم تر إلى ربك كيف مد الظل نعما جمة في الآيات ثم قال ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم فتأمل هذه المواضع المطردة التى هي أعظم اتساقا من العقود ومن أمثلته قوله تعالى واتقوا
يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ثم قال سبحانه في السورة واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا الآية وفيها سؤالان
[ 124 ]
أحدهما أنه سبحانه في الأولى قدم نفى قبول الشفاعة على أخذ العدل وفى الثاني قدم نفى قبول العدل على الشفاعة السؤال الثاني أنه سبحانه وتعالى قال في الأولى لا يقبل منها شفاعة وفى الثانية ولا تنفعها شفاعة فغاير بين اللفظين فهل ذلك لمعنى يترتب عليه أو من باب التوسع في الكلام والتنقل من أسلوب إلى آخر كما جرت عادة العرب والجواب أن القرآن الحكيم وإن اشتمل على النقل من أسلوب إلى آخر لكنه يشتمل مع ذلك على فائدة وحكمة قال الله تعالى كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ولم يقل من رحمن ور رحيم للتنصيص على أنه لا بد من الحكمة وهاتان الآيتان كلاهما في حق بنى إسرائيل وكانوا يقولون إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله أنه لا تنفعهم الشفاعة ولا تجزى نفس عن نفس شيئا وتعلق بهذه الآية المعتزلة على نفى الشفاعة كما ذكره الزمخشري وأجاب عنها أهل السنة بأجوبة كثيرة ليس هذا محلها وذكر الله في الآيتين النفس متكررة ثم أتى بضمير يحتمل رجوعه إلى الأولى أو إلى الثانية وإن كانت القاعدة عود الضمير إلى الأقرب ولكن قد يعود إلى غيره كقوله تعالى وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فالضمير في التعزير والتوقير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفى التسبيح عائد إلى الله تعالى وهو متقدم على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعاد الضمير على غير الأقرب
إذا علمت ذلك فقوله في الأولى ولا يقبل منها شفاعة الضمير راجع إلى
[ 125 ]
النفس الأولى وهي الشفاعة لغيرها فلما كان المراد في هذه الآية ذكر الشفاعة للمشفوع له أخبر أن الشفاعة غير مقبولة للمشفوع احتقارا له وعدم الاحتفاء به وهذا الخبر يكون باعثا للسامع في ترك الشفاعة إذا علم أن المشفوع عنده لا يقبل شفاعتة به فيكون التقدير على هذا التفسير لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة لو شفعت يعنى وهم لا يشفعون فيكون ذلك مؤيسا لهم فيما زعموا أن آباءهم الأنبياء ينفعونهم من غير عمل منهم وقوله ولا يؤخذ منها عدل إن جعلنا الضمير في منها راجعا إلى الشافع أيضا فقد جرت العادة أن الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده شيئا ليكون مؤكدا لقبول شفاعته فمن هذا قدم ذكر الشفاعة على دفع العدل وإن جعلنا الضمير راجعا إلى المشفوع فيه فهو أحرى بالتأخير ليكون الشافع قد أخبره بأن شفاعته قد قبلت فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسسا لحصول مقصود الشفاعة وهو ثمرتها للمشفوع فيه وأما الآية الثانية فالضمير في قوله عدل راجع إلى النفس الثانية وهي النفس التي هي صاحبة الجريمة فلا يقبل منها عدل لأن العادة بذل العدل من صاحب الجريمة يكون مقدما على الشفاعة فيه ليكون ذلك أبلغ في تحصيل مقصوده فناسب ذلك تقديم العدل الذي هو الفدية من المشفوع له على الشفاعة ففي هذه الآية بيان أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها ولا تنفعها شفاعة شافع فيها وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند من طلب ذلك منه ولهذا قال في الأولى يقبل منها شفاعة وفي الثانية تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشفاع وتنفع المشفوع له
[ 126 ]
وقال الراغب إنما كرر فيها على سبيل الإنذار بالواعظ إذا وعظ لأمر فإنه يكرر اللفظ لأجله تعظيما للآمر قال وأما تغييره النظم فلما كان قبول وأخذه وقبول الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات واختلافها فرق في المعنى وقال الإمام فخر الدين لما كان الناس متفاوتين فمنهم من يختار أن يشفع فيه مقدما على العدل الذى يخرجه ومنهم من يختار على العدل مقدما على الشفاعة ذكر سبحانه وتعالى القسمين فقدم الشفاعة باعتبار طائفة وقدم العدل باعتبار أخرى قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى الظاهر أنه سبحانه وتعالى إنما نفى قبول الشفاعة لا نفعها ونفى أصل العدل الذى هو الفداء وبدأ بالشفاعة لتيسيرها هذا على الطالب أكثر من تحصيل العدل الذى هو الفداء على ما هو المعروف في دار الدنيا وفى الآية الثانية أنه لما تقرر زيادة تأكيدها بدأ فيها بالأعظم الذى هو الخلاص بالعدل وثنى بنفع الشفاعة فقال ولا تنفعها شفاعة ولم يقل لا تقبل منها شفاعة وإن كان نفى الشفاعة يستلزم نفى قبولها لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة وتنفع لأغراض من وعد بخير وإبدال المشفوع بغيره فنفى النفع أعم فلم يكن بين نفى القبول ونفى النفع بالشفاعة تلازم كما ادعاه الراغب وكان التقدير بالفداء الذى هو نفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة شيئين مؤكدين لاستقرار ذلك في الآية الثانية ومما يدل على أن نفى الشفاعة أمر زائد نفى قبولها أنه سبحانه لما أخبر عن المشركين أخبر بنفى النفع لا بنفى القبول فقال فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال ولا تنفع الشفاعة عنده الآية وفى الحديث الصحيح أنهم قالوا يا رسول الله هل نفعت عمك
[ 127 ]
أبا طالب فقال وجدته فنقلته إلى ضحضاح من النار مع علمهم أنه لا يشفع فيه فإن قيل فقد قال في آخر السورة من قبل أن يأتي لا يوم بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فنفى الشفاعة ولم ينف نفعها قيل من باب زيادة التأكيد أيضا فإنه سبحانه ذكر في هذه الآية الأسباب المنجية
في الدنيا ونفاها هناك وهى إما البيع الذى يتوصل به الإنسان إلى المقاصد أو الخلة التى هي كمال المحبة وبدأ نفى المحبة لأنه أعم وقوعا من الصداقة والمخالة وثنى بنفى الخلة التى هي سبب لنيل الأغراض في الدنيا أيضا وذكر ثالثا نفى الشفاعة أصلا وهى أبلغ من نفى قبولها فعاد الأمر إلى تكرار الجمل في الآيات ليفيد قوة الدلالة الرابع بالتعريف والتنكير كقوله في البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق وفى آل عمران بغير حق وقوله في البقرة هذا بلدا آمنا وفى سورة إبراهيم هذا البلد آمنا لأنه للإشارة إلى قوله بواد غير ذى زرع ويكون ثم بلدا رسول هنا هو المفعول الثاني وصفته وفى إبراهيم ولا مفعول أول و آمنا الثاني وقوله في آل عمران وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وفى الأنفال إن الله عزيز حكيم وقوله في حم السجدة فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وفى الأعراف
[ 128 ]
إنه سميع عليم لأنها في حم مؤكدة بالتكرار بقوله وما يلقاها إلا الذين صبروا فبالغ بالتعريف وليس هذا في سورة الأعراف فجاء على الأصل المخبر عنه معرفة والخبر نكرة الخامس بالجمع والإفراد كقوله في سورة البقرة لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وفى آل عمران لأن الأصل في الجمع إذا كان واحد مذكر أن يقتصر في الوصف على التأنيث نحو سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة فجاء في البقرة على الأصل وفى آل عمران على الفرع السادس إبدال حرف بحرف غيره كقوله تعالى في البقرة اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا بالواو وفى الأعراف فكلا لم بالفاء وحكمته أن
في البقرة من السكون الذى هو الإقامة فلم يصلح إلا بالواو ولو جاءت الفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة والذى في الأعراف من المسكن وهو اتخاذ الموضع سكنا فكانت الفاء أولى لأن اتخاذ المسكن لا يستدعى زمنا متجددا وزاد في البقرة حدثنا لقوله وقلنا بخلاف سورة الأعراف فإن فيها وذهب قوم إلى أن ما في الأعراف خطاب لهما قبل الدخول وما في البقرة بعد الدخول ومنه قوله تعالى في البقرة وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء وفى الأعراف بالواو
[ 129 ]
في البقرة ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ثم قال بعد ذلك من بعد ما جاءك في البقرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وفى غيرها ولا هم ينظرون في البقرة وما أنزل إلينا وفى آل عمران علينا في الأنعام قل سيروا في الأرض ثم انظروا وفى غيرها قل سيروا في الأرض فانظروا في الأعراف وما كان جواب قومه بالواو وفى غيرها بالفاء في الأعراف آمنتم به وفى الباقي آمنتم له في سورة الرعد كل يجرى لأجل مسمى وفى لقمان إلى أجل مسمى لا ثانى له في الكهف ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها وفى السجدة ثم أعرض عنها في طه أفلم يهد لهم بالفاء وفى السجدة أولم يهد لهم
[ 130 ]
في القصص وما أوتيتم من شئ وفى الشورى فما أوتيتم بالفاء في الطور وأقبل بعضهم على بعض وواصبر لحكم ربك بالواو فيهما وفى الصافات فأقبل بعضهم على بعض وفى القلم فاصبر لحكم ربك بالفاء فيهما كما أن وبئس القرار وابن بالواو فيهما في ابراهيم في الأعراف قوله لبلد ميت وفي فاطر إلى بلد السابع إبدال كلمة بأخرى له في البقرة ألفينا عليه آباءنا وفي لقمان ذلك في البقرة وفي الأعراف في البقرة فأزلهما الشيطان وفي الأعراف فوسوس لهما الشيطان في آل عمران رب أني يكون لي ولد وفي مريم أني يكون لي غلام لأنه تقدم ذكره في لك غلاما زكيا
[ 131 ]
في النساء إن تبدوا خيرا أو تخفوه وفى الأحزاب شيئا أو تخفوه الأنعام يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى والثانى يخرج بالفعل في الكهف ولئن رددت إلى ربى وفى حم ولئن رجعت إلى في طه فلما أتاها وفى النمل فلما جاءها في طه وسلك لكم فيها سبلا وفى الزخرف وجعل لكم فيها سبلا في الأنبياء ما يأتيهم من ذكر من ربهم وفى الشعراء من الرحمن في النمل ويوم ينفخ في الصور ففزع وفى الزمر فصعق
في الأحزاب في أولها بما تعملون خبيرا وفيها بما تعملون بصيرا بعد وجنودا لم تروها عذابا أليما بعدليسأل الصادقين وعذابا مهينا بعد يؤذون الله ورسوله
[ 132 ]
أجرا كريما بعد تحيتهم يوم يلقونه سلام ورزقا كريما بعد نؤتها أجرها مرتين سنة الله في الذين خلوا من قبل موضعان في الأحزاب وفى سورة غافر سنة الله التى قد خلت وفى البقرة وهدى وبشرى للمؤمنين وفى النحل للمسلمين في موضعين في المائدة قل هل أنبئكم وبالنون في الكهف الثامن الإدغام وتركه في النساء والأنفال ومن يشاقق الرسول وفى الحشر بالإدغام في الأنعام لعلهم يتضرعون وفى الأعراف يضرعون
[ 133 ]
الفصل الثاني ما جاء على حرفين كان لعلكم تتفكرون في القرآن اثنان في البقرة ولكن أكثرهم لا يشكرون اثنان في يونس والنمل أن الله غفور حليم في البقرة وفى آل عمران إن الله غفور حليم وأما والله غفور حليم فواحدة في البقرة وكذلك فيها غنى حليم وليس غيره
الحكيم العليم حرفان في الزخرف وفى الذاريات فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم اثنان في قصة نوح في هود والمؤمنون في السورتين بالفاء وعذاب يوم أليم اثنان في هود والزخرف من عباده ويقدر له اثنان في العنكبوت وسبأ وأما الذى في القصص فهو من عباده ويقدر لولا أن وباقى القرآن ويقدر فقط
[ 134 ]
فلما أن حرفان في يوسف فلما أن جاء البشير وفى القصص فلما أن أراد أن يبطش ومن أظلم ممن افترى بالواو حرفان في الأنعام وفى يونس فمن أظلم بالفاء أعرض أبو حرفان في الكهف وفى السجدة إلا أن الأول فأعرض والثانى ثم أعرض أطيعوا الله والرسول من غير تكرار الطاعة حرفان وهما في آل عمران قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وجاءهم البينات بغير تاء التأنيث حرفان وهما في آل عمران وما تنفقوا من شئ حرفان في آل عمران وفى الأنفال فإن كذبوك بالفاء حرفان في آل عمران وفى الأنعام قل أرأيتكم إن أو وهما في الأنعام لا يهدى القوم الفاسقين حرفان في التوبة وفى المنافقين
[ 135 ]
إن الله لقوى عزيز بزيادة اللام حرفان في الحج حديث في ديارهم جاثمين حرفان في هود في قصة صالح وشعيب قال بعض المشايخ ما كان فيه الصيحة فهو ديارهم على الجمع وما كان فيه الرجفة فهو دارهم بالتوحيد وما كان لهم من دون الله من أولياء بتكرير من حرفان هما في هود أليس في جهنم مثوى للكافرين حرفان في العنكبوت والزمر إن في ذلك لآية للمؤمنين بلفظ التوحيد حرفان في الحجر والعنكبوت) تبع بإسقاط الألف حرفان في البقرة وآل عمران خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش حرفان في الفرقان وفى آلم السجدة إلى أجل مسمى حرفان في لقمان وحم عسق
[ 136 ]
اللهو قبل اللعب حرفان في الأعراف والعنكبوت أولم يهد بالواو حرفان في الأعراف وآلم السجدة ثم يوم القيامة حرفان في النحل والعنكبوت إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا بزيادة حرفان في آل عمران والنور إلا الذين تابوا وأصلحوا بغير من حرفان في البقرة والنساء ولله ميراث السموات والأرض حرفان في آل عمران وفى الحديد له مقاليد السموات والأرض في الزمر وحم عسق هل يجزون إلا ما كانوا يعملون إخبارا عن الجماعة الغيب حرفان في الأعراف وسبأ
أموات بالرفع في البقرة أموات بل أحياء وفى النحل أموات غير أحياء
[ 137 ]
الفصل الثالث ما جاء على ثلاثة أحرف يسيروا في الأرض ثلاثة في القرآن في الروم وفاطر والمؤمن فنجيناه بالفاء في يونس والأنبياء والشعراء قليلا ما تذكرون ثلاثة في الأعراف والنمل والحاقة لعلهم يتذكرون اثنان في الأعراف والثالث في الأنفال تتذكرون بتائين متكررتين عبد ثلاثة في الأنعام وآلم السجدة والمؤمن وما يذكر إلا أولوا الألباب في البقرة وآل عمران وإبراهيم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في النساء والتوبة والصف وباليوم الآخر بزيادة الباء في أول البقرة وفى النساء والتوبة ولكن هو فيهما بالنفى وإذ قال موسى لقومه يا قوم في البقرة وفى المائدة وفى الصف فلهم أجرهم في البقرة اثنان والثالث في التين والزيتون إلا أنه بإسقاط الهاء والميم
[ 138 ]
ولكن أكثر الناس لا يؤمنون في هود والرعد والمؤمن ولكن أكثر الناس لا يشكرون في البقرة ويوسف والمؤمن وهم بالآخرة هم كافرون في هود ويوسف والسجدة كم أهلكنا من قبلهم من قرن بزيادة من في الأنعام وص وآلم السجدة لكن بلفظ من القرون
أجمعون بالواو في الحجر والشعراء وص إن الله خبير بما تعملون في المائدة والنور والحشر إن الله عليم بذات الصدور في آل عمران والمائدة ولقمان ولو شئنا في الأعراف والفرقان وآلم السجدة من ذنوبكم بزيادة من في إبراهيم والأحقاف ونوح مبينات في النور اثنان والثالث في الطلاق لولا أنزل عليه في الرعد اثنان والثالث في يونس جنات عدن يدخلونها في الرعد والنحل وفاطر فما كان الله ليظلمهم في الروم والتوبة والعنكبوت لكن بالواو
[ 139 ]
لعلى في الحج وسبأ ونون في السموات ولا في الأرض في سبأ اثنان وفى آخر فاطر وإذ قال ربك للملائكة بواو في البقرة والحجر وص ونزلنا ثلاثة أحرف في طه والنحل وق والباقى وأنزلنا عليه فإن توليتم في المائدة ويونس والتغابن ألم يروا بغير واو في النحل والنمل ويس أمواتا بالنصب في البقرة وكنتم أمواتا وآل عمران في سبيل الله أمواتا وفى المرسلات أحياء وأمواتا أجلا بالنصب في الأنعام وبنى إسرائيل والمؤمن أئذا كنا ترابا بغير ذكر العظام في الرعد والنمل وق ولقد أرسلنا رسلا من قبلك في الرعد والروم والمؤمن
[ 140 ]
الفصل الرابع جاء على أربعة حروف من في السموات ومن في الأرض بتكرير أبي من في يونس والحج والنمل والزمر ملك السموات والأرض وما بينهما في المائدة اثنان في ص وآخر الزخرف أرسلنا قبلك بإسقاط من في بنى إسرائيل والأنبياء والفرقان وسبأ أهؤلاء بألف قبل الهاء في المائدة والأنعام والأعراف وسبأ من تحتهم في الأنعام والأعراف ويونس والكهف وأما تجرى تحتها الأنهار فموضع واحد في براءة أو أن بهمزة قبل الواو في هود أو أن نفعل وفى بنى إسرائيل أو إن يشأ يعذبكم وفى طه أو أن يطغى وفى المؤمن أو أن يظهر في الأرض الفساد
[ 141 ]
إن الله كان عليما حكيما في النساء اثنان وفى الأحزاب والإنسان آباؤهم بالرفع في البقرة أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا وفى المائدة أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا وفى هود إلا كما يعبد آباؤهم وفى يس لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم قل يأيها الناس في الأعراف وفى يونس اثنان منها وفى الحج نصرف الآيات في الأنعام ثلاثة والرابع في الأعراف إن الله لا يهدى القوم الظالمين في المائدة والأنعام والقصص والأحقاف مباركا بالنصب في آل عمران ومريم والمؤمنين وق مبارك (, في الأنعام اثنان وفي الأنبياء وص
ما كسبت بحذف الباء من أوله في البقرة وآل عمران اثنان وفى إبراهيم من ذكر أو أنثى بإثبات الهمزة قبل الواو في آل عمران والنساء والنحل وغافر ألم يروا بغير واو في الأنعام والأعراف والنمل ويس
[ 142 ]
ولبئس في البقرة اثنان ولبئس ما شروا به ولبئس المهاد وفى الحج ولبئس العشير وفى النور ولبئس المصير وأما فلبئس بالفاء فموضع واحد في النحل فلبئس مثوى المتكبرين الا قليل بالرفع في النساء والتوبة وهود والكهف أفلم يسيروا في يوسف وفى الحج وفى المؤمن وفى القتال قل سيروا في الأرض في الأنعام قل سيروا في الأرض ثم انظروا وليس في القرآن ثم غيره وفى النمل قل سيروا في الأرض فانظروا وكذا في العنكبوت والروم أفرأيت بالفاء بعد الهمزة في مريم والشعراء والجاثية والنجم اللعب قبل اللهو في الأنعام اثنان وفى القتال والحديد لآيات لقوم يعقلون بلفظ الجمع في القرة والرعد والروم والنحل
[ 143 ]
إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون على لفظ الجمع في يونس لآية لقوم يسمعون بالتوحيد في النحل كذلك وبالجمع في الروم وآلم السجدة قال الذين كفروا للذين آمنوا في مريم والعنكبوت ويس والأحقاف
وما ظلمناهم في هود والنحل اثنان وفى الزخرف وإذ قلنا للملائكة في البقرة وبنى إسرائيل والكهف وطه والأنبياء والنبيين بغير حق في آل عمران النبيين بغير حق وفيها ويقتلون الأنبياء بغير حق وفيها أيضا وقتلهم الأنبياء بغير حق وفى النساء فأما الذى في البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق فليس له نظير
[ 144 ]
الفصل الخامس ماا جاء على خمسة حروف حكيم عليم في الأنعام ثلاثة والرابع في الحجر والخامس في النمل مغفرة ورزق كريم في الأنفال اثنان وفى الحج والنور وسبأ الأرض قبل السماء في آل عمران ويونس وإبراهيم وطه والعنكبوت لآيات لقوم يتفكرون بلفظ الجمع في الرعد والروم والزمر والجاثية وبلفظ التوحيد في النحل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول بتكرير الطاعة في النساء والمائدة والنور والقتال والتغابن
[ 145 ]
وذلك هو الفوز العظيم منها حرفان بالواو في التوبة وذلك هو الفوز العظيم وكذلك في المؤمن والباقى بلا واو في يونس والدخان والحديد الفصل السادس ما جاء على ستة أحرف
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون في الأنعام والنحل والنمل والعنكبوت والروم والزمر وذلك الفوز العظيم منها بواو واحد في النساء خالدين فيها وذلك الفوز العظيم وفى المائدة ذلك الفوز العظيم ومثله في التوبة موضعان والصف والتغابن فمن أظلم بالفاء في الأنعام موضعان والأعراف ويونس والكهف والزمر ويسألونك بالواو ثلاث في البقرة وبنى إسرائيل والكهف وطه فبئس بالفاء في ص اثنان وفى الزمر وفى غافر والزخرف والمجادلة
[ 146 ]
ما بغير واو في البقرة والنساء والأنعام موضعان والحجر والإنسان قل يا أهل الكتاب في آل عمران ثلاثة وفى المائدة ثلاثة الفصل السابع ما جاء على سبعة حروف لعلهم يتذكرون في البقرة وإبراهيم والقصص ثلاثة مواضع والزمر والدخان السموات والأرض وما بينهما في مريم والشعراء والصافات وص موضعان والزخرف والدخان المرأة مكتوبة بالتاء في سبعة مواضع في آل عمران وفى يوسف موضعان امرأت العزيز وفى القصص امرأت فرعون وفى التحريم ثلاثة مواضع
[ 147 ]
الفصل الثامن
ما جاء على ثمانية حروف النفع قبل الضر في الأنعام والأعراف ويونس والرعد والأنبياء والفرقان والشعراء وسبأ يتذكر بتاء في الرعدوطه والملائكة وص والزمر والمؤمن والنازعات والفجر الفصل التاسع ما جاء على تسعة حروف من في السموات والأرض بغير تكرار من في آل عمران والرعد وفى بنى إسرائيل ومريم والأنبياء والنور والنمل والروم والرحمن
[ 148 ]
ولكن أكثرهم لا يعلمون بالهاء والميم في الأنعام والأعراف والأنفال ويونس والقصص موضعان والزمر والذى في الدخان والطور يك لا بالياء من غير نون بعد الكاف في الأنفال والتوبة والنحل ومريم والمؤمن موضعان وفى المدثر موضعان بالنون في اوله وفى القيامة ألم يك نطفة الفصل العاشر ما جاء على عشرة أحرف ولما بالواو في هود ويوسف وفى غيرهما بالفاء في هود أربعة أحرف وفى يوسف ستة أن لا تكتب في المصحف بالنون منفصلة عشرة في الأعراف موضعان والتوبة وفى هود موضعان والحج ويس والدخان والممتحنة والقلم
[ 149 ]
الفصل الحادى عشر ما جاء على أحد عشر حرفا أن أحد عشر جنات عدن في التوبة والرعد والنحل والكهف ومريم وطه والملائكة وص والمؤمن والصف ولم يكن ما في السموات والأرض في البقرة والنساء والأنعام ويونس والنحل والنور والعنكبوت ولقمان والحديد والحشر والتغابن خالدين فيها أبدا في النساء ثلاثة مواضع والمائدة والتوبة موضعان والأحزاب والتغابن والطلاق والجن والبرية وتلك بالواو في البقرة وآل عمران والأنعام وهود والكهف والشعراء والعنكبوت والزخرف والمجادلة والحشر والطلاق نعمت الله كتبت بالتاء في أحد عشر موضعا في البقرة اذكروا نعمت الله عليكم وفى آل عمران والمائدة وإبراهيم موضعان والنحل ثلاثة مواضع ولقمان وفاطر والطور
[ 150 ]
في ما كتبت منفصلة في أحد عشر موضعا في البقرة في ما فعلن في أنفسهن من معروف وفى المائدة ليبلوكم في ما آتاكم وفى الأنعام في ما أوحى إلى وفيها أيضا ليبلوكم في ما آتاكم وفى الأنبياء وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون وفى النور لمسكم في ما أفضتم وفى الشعراء أتتركون في ما هاهنا آمنين وفى الروم شركاء في ما رزقناكم
وفى الزمر تحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون وفيها أيضا أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا وفى الواقعة وننشئكم في مالا تعملون
[ 151 ]
الفصل الثاني عشر ما جاء على خمسة عشر وجها جنات تجرى من تحتها الأنهار ليس فيها على في البقرة موضعان وآل عمران والمائدة والرعد والنحل والحج موضعان والفرقان والزمر والقتال والفتح والصف والتحريم والبروج والسماء والأرض بالتوحيد في البقرة والأعراف ويونس والأنبياء موضعان وفي الحج والنمل موضعان والروم وسبأ والملائكة وص والدخان والذاريات والحديد الفصل الثالث عشر ما جاء على ثمانية عشر وجها أك نك ويك وتك بحروف المضارعة في أولها وبغير نون في آخرها في النساء وإن تك حسنة
[ 152 ]
والأنفال لم يك مغيرا وفي التوبة فإن يتوبوا يك خيرا لهم وفي هود موضعان فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء فلا تك في مرية منه إنه الحق وفي النحل موضعان ولم يك من المشركين ولا تك في ضيق
وفي مريم ثلاثة مواضع وفي لقمان وغافر أربع مواضع وفي المدثر موضعان وفي القيامة الفصل الرابع عشر فيما جاء على عشرين وجها ان في ذلك لآية على التوحيد في البقرة وآل عمران وهود والحجر وفي النحل خمسة أحرف بالتوحيد وفي الشعراء ثمانية في النمل والعنكبوت وسبأ
[ 153 ]
الفصل الخامس عشر ما جاء على ثلاثة وعشرين حرفا وذلك نزل والله في البقرة ذلك بأن الله نزل الكتاب وفي آل عمران نزل عليك الكتاب وفي النساء موضعان والكتاب الذي نزل على رسوله نزل عليكم في الكتاب وفي الأنعام وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه وفي الأعراف موضعان ما نزل الله بها من سلطان إن ولي الله الذي نزل الكتاب وفي الحجر يأيها الذي نزل عليه الذكر وفي النحل لتبين للناس ما نزل إليهم وفي بني إسرائيل وبالحق نزل وفي الفرقان ثلاثة مواضع أولها تبارك الذي نزل الفرقان ونزل الملائكة تنزيلا لولا نزل عليه القر آن
[ 154 ]
وفي الشعراء نزل به الروح الأمين وفي العنكبوت ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها وليس في القرآن من بعد موتها بزياده من غيره وفي الصافات فإذا نزل بساحتهم وفي الزمر الله نزل أحسن الحديث وفي الزخرف موضعان لولا نزل هذا القرآن والذى نزل من السماء ماء بقدر وفى القتال موضعان وآمنوا بما نزل على محمد ما نزل الله سنطيعكم وفى الحديد ما نزل من الحق وفى تبارك ما نزل الله من شئ
[ 155 ]
النوع االسادس قال علم المبهمات عن وقد صنف فيه أبو القاسم السهيلي كتابه المسمى بالتعريف والإعلام وتلاه تلميذه ابن عساكر في كتابه المسمى بالتكميل والإتمام وهو المبهمات المصنفة في علوم الحديث وكان في السلف من يعنى به قال عكرمة طلبت الذى خرج في بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت أربع عشرة سنة إلا أنه لا يبحث فيما أخبر الله باستئثاره من بعلمه كقوله وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم والعجب ممن تجرأ وقال قيل إنهم قريظة وقيل من الجن وله أسباب
[ 156 ]
الأول أن يكون أبهم في موضع استغناء ببيانه في آخر في سياق الآية كقوله تعالى مالك يوم الدين بينه بقوله وما أدراك ما يوم الدين الآية وقوله الذين أنعمت عليهم وبينه بقوله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقوله وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة والمراد آدم والسياق بينه وقوله يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين والمراد بهم المهاجرون لقوله في الحشر للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقد احتج بها الصديق على الأنصار يوم السقيفة فقال نحن الصادقون وقد أمركم الله أن تكونوا معنا أي تبعا لنا وإنما استحقها دونهم لأنه الصديق الأكبر وقوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية يعنى مريم وعيسى وقال آية ولم يقل آيتين وهما آيتان لأنها قضية واحدة وهى ولادتها له من غير ذكر والثانى أن يتعين لاشتهاره كقوله اسكن أنت وزجك الجنة ولم يقل حواء لأنه ليس غيرها
[ 157 ]
وكقوله ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه والمراد النمروذ لأنه المرسل إليه وقوله وقال الذي اشتراه من مصر والمراد العزيز وقوله واتل عليهم نبأ أبني آدم بالحق والمراد قابيل وهابيل وقوله يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين قالوا وحيثما جاء في القرآن أساطير الأولين فقائلها النضر بن الحارث بن كلدة وإنما كان يقولها لأنه دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا
أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد وإنما يحدثكم أساطير الأولين وفيه نزل قال سأنزل مثل ما أنزل الله وقتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا يوم بدر وقوله أسس على التقوى فإنه ترجح كونه مسجد قباء بقوله من أول يوم لأنه أسس قبل مسجد المدينة وحدس هذا بأن اليوم قد يراد به المدة والوقت وكلاهما أسس على هذا من أول يوم أي من أول عام من الهجرة وجاء في الحديث تفسير بمسجد المدينة وجمع بينهما بأن كليهما مراد الآية الثالث قصد الستر عليه ليكون أبلغ في إستعطافه في ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا
[ 158 ]
بلغه عن قوم شئ خطب فقال ما بال رجال قالوا كذا وهو غالب ما في القرآن كقوله تعالى أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم قيل هو مالك بن الصيف وقوله أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى والمراد هو رافع بن حريملة ووهب بن زيد وقوله ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا وقوله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب [ وقوله ] وقالت طائفة من أهل الكتاب
[ 159 ]
الرابع ألا يكون في تقيينه بن كثير فائدة كقوله تعالى أو كالذي مر على قرية والمراد بها بيت المقدس واسألهم عن القرية والمراد أيله وقيل طبرية كانت قرية والمراد نينوى فلولا كانت قرية والمراد نينوى. أتيا أهل قرية قيل برقة
فإن قيل ما الفائدة في قوله وإذ قال إبراهبم لأبيه آزر قيل آزر اسم صنم وفي الكلام حذف أي دع آزر وقيل كلمة زجر وقيل بل هو اسم أبيه وعلى هذا فالفائدة أن الأب يطلق على الجد فقال آزر لرفع المجاز الخامس التنبية على التعميم وهو غير خاص بخلاف مالو عين كقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله قال عكرمة أقمت أربع عشرة سنة أسال عنه حتى عرفته هو ضمرة بن العيص وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا فلما نزلت آية الهجرة خرج منها فمات بالتنعيم وقوله الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانيه قيل نزلت في على كان معه أربع دوانق فتصدق بواحد بالنهار وآخر باليل وآخر سرا وآخر علانية
[ 160 ]
وقوله وما علمتم من الجوارح مكلبين قيل نزلت في عدى بن حاتم كان له كلاب [ خمسة هذه ] قد سماها [ بأسماء سنة ] أعلام السادس تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم كقوله ولا يأتل أولوا الفضل منكم والمراد الصديق وكذلك والذي جاء بالصدق يعني محمدا به يعنى أبا بكر ودخل في الآية كل مصدق ولذلك قال أولئك هم المتقون السابع تحقيره بالوصف الناقص كقوله إن الذين كفروا بآياتنا وقوله إن شانئك هو الأبتر والمراد فيها العاصى بن وائل وقوله إن جاءكم فاسق والمراد الوليد بن عقبة بن أبى معيط وأما قوله يدا أبى لهب فذكره هنالك للتنبيه على أن ما له للنار ذات اللهب
تنبيهات الأول قد يكون للشخص اسمان فيقتصر على أحدهما دون الآخر لنكتة فمنه قوله تعالى في مخاطبة الكتابيين يا بنى إسرائيل ولم يذكروا في القرآن إلا
[ 161 ]
بهذا دون يا بنى يعقوب وسره أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيها من غفلتهم سموا بالاسم الذى فيه تذكرة بالله فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله سبحانه في التأويل ولهذا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قوما إلى الإسلام يقال لهم بنو عبد الله قال يا بنى عبد الله إن الله قد حسن اسم أبيكم يحرضهم بذلك على ما يقتضيه اسمه من العبودية ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره به قال يعقوب وكان أولى من إسرائيل لأنها موهبة تعقب أخرى وبشرى عقب بها بشرى فقال بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وإن كان اسم يعقوب عبرانيا لكن لفظه موافق للعربي من العقب والتعقيب فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين عمرو فإنه من العجائب وكذلك حيث ذكر الله نوحا سماه به واسمه عبد الغفار للتنبيه على كثرة نوحه على نفسه في طاعة ربه ومنه قوله تعالى حاكيا عن عيسى ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد ولم يقل محمد لأنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم على محمد فذكره عيسى به ومنه أن مدين هم أصحاب الأيكة إلا أنه سبحانه حيث اخبر عن مدين قال أخاهم شعيبا وحيث أخبر عن الأيكة لم يقل أخوهم والحكمة فيه
[ 162 ]
أنه لما عرفها بالنسب وهو أخوهم في ذلك النسب ذكره ولما عرفهم بالأيكة قبل التى أصابهم فيها العذاب لم يقل أخوهم وأخرجه عنهم
ومنه وذا النون فأضافه إلى الحوت والمراد يونس وقال في سورة القلم ولا تكن كصاحب الحوت والإضافة بذى أشرف من الإضافة بصاحب ولفظ النون أشرف من الحوت ولذلك وجد في حروف التهجى كقوله ن والقلم وقد قيل إنه قسم وليس في الآخر ما يشرفه بذلك ومنه قوله تعالى تبت يدا أبى لهب فعدل عن الاسم إلى الكنية إما لاشتهاره بها أو لقبح الاسم فقد كان اسمه عبد العزى واعلم أنه لم يسم الله قبيلة من جميع قبائل العرب باسمها إلا قريشا سماهم بذلك في القرآن ليبقى على مر الدهور ذكرهم فقال تعالى لإيلاف قريش الثاني أنه قد بالغ في الصفات للتنبيه على أنه يريد إنسانا بعينه كقوله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية قيل إنه الأخنس بن شريق وقوله ويل لكل همزة لمزة قيل إنه أمية بن خلف كان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم
[ 163 ]
الثالث قيل لم يذكر الله تعالى امرأة في القرآن وسماها باسمها إلا مريم بنت عمران فإنه ذكر اسمها في نحو ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ قال إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ولا يبتذلون أسماءهم يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحوه فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في مريم وفى أبنها ما قالت صرح الله تعالى باسمها ولم يكن عنهاا تأكيدا لأمر العبودية التى هي صفة لها وإجراء للكلام على عادة العرب في ذكر أبنائها ومع هذا فإن عيسى لا أب له واعتقاد هذا واجب فإذا تكرر ذكره منسوبا إلى الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله
الرابع وأما الرجال فذكر منهم كثيرا وقد قيل في قوله تعالى ذرنى ومن خلقت وحيدا إنه الوليد بن المغيرة وقد سمى الله زيدا في سورة الأحزاب للتصريح بأنه ليس بابن النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف إلى ذلك السجل قيل إنه كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه المراد بقوله تعالى كطى السجل للكتب
[ 164 ]
النوع السابع في أسرار الفواتح والسور اعلم أن سور القرآن العظيم مائة وأربع عشرة سورة وفيها يلغز فيقال أي شئ إذا عددته زاد على المائة وإذا عددت نصفه كان دون العشرين وقد افتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شئ من السور عنها الاستفتاح بالثناء يحيى الأول استفتاحه بالثناء عليه عز وجل والثناء قسمان إثبات لصفات المدحح الرحمن ونفى وتنزيه من صفات النقص والإثبات نحو الحمد لله في خمس سور وتبارك في سورتين الفرقان تبارك الذى نزل الفرقان والملك تبارك الذى بيده الملك
[ 165 ]
والتنزيه نحو سبحان الذى أسرى بعبده سبح اسم ربك الأعلى سبح لله ما في السموات يسبح لله كلاهما في سبع سور فهذه أربع عشرة سورة استفتحت بالثناء على الله لثبوت صفات الكمال ونصفها لسلب النقائص قلت وهو سر عظيم من أسرار الألوهية قال صاحب العجائب
سبح لله هذه كلمة استأثر الله بها فبدأ بالمصدر منها في بنى إسرائيل لأنه الأصل ثم الماضي سبح لله في الحديد والحشر والصف لأنه أسبق الزمانين ثم المستقبل في الجمعة والتغابن ثم بالأمر في سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهى أربع المصدر والماضي والمستقبل والأمر المخاطب فهذه أعجوبة وبرهان الاستفتاح بحروف التهجى وكان الثاني استفتاح السور بحروف التهجى نحو آلم المص آلمر كهيعص طه طس طسم حم حمعسق ق ن وذلك في تسع وعشرين سورة قال الزمخشري وإذا تأملت الحروف التى افتتح الله بها السور وجدتها نصف
[ 166 ]
أسامي حروف المعجم أربعة عشر الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والخاء والقاف والنون في تسع وعشرين عدد حروف المعجم ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة ثم إذا استقريت الكلام تجد هذه الحروف هي أكثر دورا مما بقى ودليله أن الألف واللام لما كانت أكثر تداورا روى جاءت في معظم هذه الفواتح فسبحان الذى دقت في كل شئ حكمته انتهى قيل وبقى عليه من الأصناف الشديدة والمنفتحة ولم وقد ذكر تعالى نصفها أما حروف الصفير فهى ثلاثة ليس لها نصف فجاء منها السين والصاد ولم يبق إلا الزاى وكذلك الحروف اللينة ثلاثة ذكر منها اثنين الألف والياء أما المكرر وهو الراء والهاوى بين وهو الألف والمنحرف وهو اللام فذكرها ولم يأت خارجا عن هذا النمط إلا ما بين الشديدة والرخوه أهل فإنه ذكر فيه أكثر من النصف وهذا التداخل موجود في كل قسم قبله ولولاه لما انقسمت هذه الأقسام كلها ووهم الزمخشري في عدد حروف القلقلة إنما ذكر نصفها فإنها خمسة ذكر منها حرفان القاف والطاء
[ 167 ]
وقال القاضى أبو بكر إنما جاءت على نصف حروف المعجم كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق واعلم أن الأسماء المتهجاة حديث في أول السور ثمانية وسبعون حرفا فالكاف والنون كل واحد في مكان واحد والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في مكانين والصاد في ثلاثة والطاء في أربعة والسين في خمسة والراء في ستة والحاء في سبعة والألف واللام في ثلاثة عشر والميم في سبعة عشر وقد جمع بعضهم ذلك في بيتين وهما: كن واحد عيهق عند اثنان ثلاثة صا * دالطاء لأنه أربعة والسين خمس علا والراء ست وسبع الحاء آل ودج * وميمها سبع عشر تم واكتملا وهى في القرآن في تسعة وعشرين سورة وجملتها من غير تكرار أربعة عشر حرفا يجمعها قولك نص حكيم قاطع له سر وجمعها السهيلي في قوله الم يسطع نور حق كره وهذا الضابط في لفظه ثقل وهو عذب في السمع ولا في اللفظ ولو قال لم يكرها نص حق سطح لكان أعذب ومنهم من ضبط بقوله طرق سمعك النصيحة وصن سرا يقطعك حمله وعلى صراط حق يمسكه وقيل من حرص على بطه كاسر وقيل سر حصين قطع كلامه ثم بنيتها ثلاثة حروف موحدة ص ق ن وعشرة مثنى طه طس يس حم واثنا عشر مثلثة الحروف آلم آلر طسم واثنان حروفها أربعة المص آلمر واثنان حروفها خمسة كهيعص حمعسق وأكثر هذه السور التى ابتدئت بذكر الحروف ذكر منها ما هو ثلاثة أحرف وما هو أربعة أحرف سورتان وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان
[ 168 ]
وأما ما بدئ بحرف واحد فاختلفوا فيه فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله اسما لشئ خاص ومنهم من جعله حرفا وقال أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها فأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف ففيه سر وذلك أن الألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة وهى أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج الحروف وهى أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف أعنى الحلق واللسان والشفتين وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التى يتفرع منها ستة عشر مخرجا ليصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها مدار كلام الخلق أجمعين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن الألف للبداية واللام للتوسط والميم للنهاية فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهى مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه مشتملة على خلق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم وأيضا فلأن الألف واللام كثرت في الفواتح دون غيرها من الحروف لكثرتها في الكلام وأيضا من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة فهى أعمق الحروف واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم فصوتها أخبرنا يملأ ما وراءها من هواء الفم والميم مطبقة لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ويرمز بهن إلى باقى الحروف كما رمز
[ 169 ]
صلى الله عليه وسلم بقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله إلى الإتيان
بالشهادتين وغيرهما مما هو من لوازمهما وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهى الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والإصمات يا والسين مهموس رخو مستقل صفير منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف وتأمل السورة التى اجتمعت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك ق والقرآن المجيد فإن السورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن ومن ذكر الخلق وتكرار القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقى الملكين وقول العتيد وذكر الرقيب وذكر السابق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعد وذكر المتقين وذكر القلب والقرن والتنقيب في البلاد وذكر القتل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسى فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وخوف الوعيد وغير ذلك وسر آخر وهو أن كل معاني السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والجهر والقلقلة والانفتاح وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة فاولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم أجعل الآلهة
[ 170 ]
إلها واحدا إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود ثم اختصامه لو ثانيا في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم وكذلك سورة ن والقلم فإن فواصلها كلها على هذا الوزن مع ما تضمنت من
الألفاظ النونية وتأمل سورة الأعراف زاد فيها ص لأجل قوله فلا يكن في صدرك حرج وشرح فيها قصص آدم فمن بعده من الأنبياء ولهذا قال بعضهم معنى المص نشرح لك صدرك وقيل معناه المصور وقيل أشار بالميم لمحمد وبالصاد للصديق وفيه إشارة لمصاحبة الصاد الميم وأنها تابعة لها كمصاحبة يكون الصديق لمحمد ومتابعته له وجعل السهيلي هذا من أسرار الفواتح وزاد في الرعد راء لأجل قوله الله الذى رفع السموات ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن كقوله الم ذلك الكتاب وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم فيسأل عن حكمة ذلك تنبيهات ثم لا بد من التنبيه على أحكام تختص بهذه الفواتح الشريفة الأول أن البصريين لم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون فمنها ما عدوه آية ومنها
[ 171 ]
ما لم يعدوه آية وهو علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور أما آلم مع فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها وهى ست وكذلك سعيد آية وآلمر لم تعد آية وليست بآية من سورها الخمس وطسم آية في سورتيها وويس بكر آيتان وطس ليست بآية وى حم قد وفي في سورها كلها وعسق آيتان وكهيعص آية واحدة وو ولم تعد واحدة منها آية وإنما عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية كما عد الرحمن وحده ومدهامتان وحدها آيتين على طريق التوقيف وقال الواحدى في البسيط في أول سورة يوسف لا يعد شئ منها آية إلا في
طه وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رءوس الآى فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها الثاني هذه الفواتح الشريفة على ضربين أحدهماا كل مالا يتأتى فيه إعراب نحو كهيص ووالثانى ما يتأتى فيه وهو إما أن يكون اسما مفردا كص وق ون أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد ك حم وطس ويس فإنها موازنة لقابيل وهابيل وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها فتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحدا كداار انجرد فالنوع الأول محكى ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران الإعراب والحكاية
[ 172 ]
الثالث أنه يوقف على جميعها وقف التمام إن حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور وينعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله تعالى آلم الله أي هذه السورة آلم ثم ابتدأ فقال الله لا إله إلا هو الحى القيوم الرابع أنها كتبت في المصاحف الشريفة على صورة الحروف أنفسها لا على صورة أساميها وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف واستمرت العادة متى تهجيت، ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح وأيضا فإن شهرة أمرها وإقامة ألسنة الأحمر والأسود لها وأن اللافظ بها غير متهجاة فلا لا يجئ بطائل فيها وأن بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التى يبنى عليها علم الخط والهجاء ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف أشار إلى هذه الأحكام المذكورة
صاحب الكشاف وقد اختلف الناس في الحروف المقطعة أوائل السور على قولين
[ 173 ]
أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به ولهذا قال الصديق رضى الله عنه في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور قال الشعبى إنها من المتشابه نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل قال الإمام الرازي وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه وتارة بما لا نقف على معناه ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم القول الثاني أن المراد منها معلوم وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها فمنها البعيد ومنها القريب أحدها ويروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه فالألف من الله واللام من لطيف والميم من مجيد أوالألف من الائه واللام من لطفه والميم من مجده قال ابن فارس وهذا وجه جيد وله في كلام العرب شاهد: * قلنا لها قفى فقالت ق * منه فعبر عن قولها وقفت بق الثاني أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذى يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب الله المنزلة باللغات المختلفة وهى أصول كلام الأمم بها يتعارفون وقد أقسم الله تعالى ب فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها
[ 174 ]
الثالث أنها الدائرة من الحروف التسعة والعشرين فليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه عز وجل أو آلائه أو بلائه أو مدة أقوام أو آجالهم فالألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون روى عن الربيع بن أنس قال ابن فارس وهو قول حسن لطيف لأن الله تعالى أنزل على نبيه الفرقان فلم يدع نظما عجيبا ولا علما نافعا إلا أودعه إياه علم ذلك من علمه وجهله من جهله الرابع ويروى عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى أنا الله أعلم وفى أنا الله أفضل وأنا الله أرى ونحوه من دلالة الحرف الواحد على الاسم العام والصفة التامة الخامس أنها أسماء للسور ف اسم لهذه واسم لتلك وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز فهكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور من غيرها ونقله الزمخشري عن الأكثرين وأن سيبويه نص عليه في كتابه وقال الإمام فخر الدين هو قول أكثر المتكلمين فإن قيل فقد وجدنا افتتح بها عدة سور فأين التمييز قلنا قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين ثم يميز بعد ذلك بصفة وقعت كما يقال زيد وزيد ثم يميزان بأن يقال زيد الفقيه وزيد النحوي فكذلك إذا قرأ القارئ الم ذلك الكتاب فقد ميزها عن آلم الله لا إله إلا هو الحى القيوم السادس أن لكل كتاب سرا وسر القرآن فواتح السور قال ابن فارس وأظن قائل ذلك أراد أنه من السر الذى لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم واختاره جماعة منهم أبو حاتم بن حبان
[ 175 ]
قلت وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى آلم غلبت الروم
فتوح بيت المقدس واستنقاذه من العدو في سنة معينة وكان كما قال السابع أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه وقال بعضهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا: منه ويكون تعجبهم سببا لاستماعهم واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة الثامن أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التى هي أ ب ت ث فجاء بعضها مقطعا وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التى يعقلونها ويبنون كلامهم منها التاسع واختاره ابن فارس وغيره أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحد فيقال إن الله جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لا على معنى واحد فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى وأن يكون الله عز وجل قد وضعها هذا الوضع فسمى بها وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين وهى مع ذلك مأخوذة من صفات الله تعالى في إنعامه وإفضاله ومجده وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن سمع وأن فيها إعلاما للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف وأن عجزهم عن الاتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة غير بينهم دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم لتلك السورة قال وهذا القول الجامع للتأويلات كلها والله أعلم بما أراد من ذلك
[ 176 ]
العاشر أنها كالمهيجة أحمد لمن سمعها من الفصحاء والموقظة بعد للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل يقول والأخذ في التفاصيل وهى بمنزلة زمجرة الرعد قبل الناظر في الأعلام لتعرف الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف
على معانيه بعد حفظ مبانيه الحادى عشر التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط ولم يعان الطريقة على ما قال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون الثاني عشر انحصارها في نصف اسماء حروف المعجم لأنها أربعة عشر حرفا على ما سبق تفصيله وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا وقال لا مركبة من اللام والألف والصحيح أنها تسعة وعشرون حرفا والنطق بلا في الهجاء كالنطق في لا رجل في الدار وذلك لأن الواضع جعل كل حرف من حروف المعجم صدر اسمه إلا الألف فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به لكونه مطبوعا على السكون فلا يقبل الحركة أصلا توصل إليه باللام لأنها شابهته الذي في الاعتداد والانتصاب ولذلك يكتب على صورة الألف إلا إذا اتصل بما بعده فإن قلت فقد تقدم اسم الألف في أول حروف الهجاء قلت ذلك اسم الهمزة لوجهين أحدهما أنه صدره والثانى أنتها لأن صدر ما تصدر من حروف المعجم لتكون صورته ثلاثا وإنما كانت صدره لأن صورتها كالمتكررة أربع مرات لأنها تلبس صورة العين وصورة الألف والواو والياء لما يعرض من الحركة والسكون ولذلك أخروا ما بعد الطاء
[ 177 ]
والظاء والعين لأن صورتها ليست متكررة وجوابه على هذا المذهب أن الحرف لا يمكن تنصيفه فيتعين سقوط حرف لأنه الأليق بالإيجاز الثالث عشر مجيئها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف فإن قلت هلا روعى صورتها كما روعى عددها قلت عرض لبعضها الثقل لفظا فأهمل فصل اعلم أنه لما كانت هذه الحروف ضرورية في النطق واجبة في الهجاء لازمة التقدم
في الخط والنطق إذ المفرد مقدم على المركب فقدمت هذه المفردات على مركباتها في القرآن فليس في المفرد ما في المركب بل في المركب ما في المفرد وزيادة ولما كان نزول القرآن في أزمنة متطاولة تزيد على عشرين سنة وكان باقيا إلى آخر الزمان لأنه ناسخ لما قبله ولا كتاب بعده جعل الله تعالى حروفه كالعلائم وقد مبينة أن هذه السورة هي من قبيل تلك التى أنزلت من عشر سنين مثلا حتى كأنها تتمة لها وإن كان بينهما مدة وأما نزول ذلك في مدد وأزمنة أو نزول سور خالية عن الحروف فبحسب تلك الوقائع وأما ترتيب وضعها في المصحف أعنى السور فله أسباب مذكورة في النوع الثالث عشر وأما زيادة بعض الحروف في بعض السور وتغيير بعضها فليعلم أن المراد الإعلام بالحروف فقط وذلك أنه متى فرض الإنسان في بعضها شيئاا مثل السجدة لزمه في مثلها مثله كألف لام ميم البقرة فلما لم يجد دله ذلك الثاني على بطلان الأول وتحقق أن هذه الحروف هي علامات المكتوب والمنطوق وأما كونها اختصت بسورة البقرة فيحتمل أن
[ 178 ]
ذلك تنبيه على السور وأنها احتوت على جملة المنطوق به من جهة الدلالة ولهذا حصلت في تسعة وعشرين سورة بعدد جملة الحروف ولو كان القصد الاحتواء على نصف الكتاب لجاءت في أربع عشرة سورة وهذا الاحتواء ليس من كل وجه بل من وجه يرجع إلى إلى النطق والفصاحة وتركيب ألفاظ اللغة العربية وما يقتضى أن يقع فيه التعجيز ويحتمل لأن يكون لمعان أخر يجدها من يفتح الله عليه بالتأمل والنظر أو هبة من لدنه سبحانه ولا يمتنع أن يكون في بقية السور أيضا كما في ذوات الحروف بل هذه خصصت بعلامات لفضيلة وجب من أجلها أن تعلم عليها السور لينبه على فضلها وهذا من باب الاحتمال والأولى أن الأحرف إنما جاءت في تسعة وعشرين سورة لتكون عدة السور دالة لنا على عدة الحروف فتكون السور من جهة العدة مؤدية إلى الحروف من جهة العدة فيعلم
أن الأربعة عشر عوض عن تسعة وعشرين 3 الاستفتاح بالنداء علي النوع الثالث من أنواع استفتاح السور النداء نحو يأيها الذين آمنوا يأيها النبي يأيها المدثر وذلك في عشر سور
[ 179 ]
4 الاستفتاح بالجمل الخبرية حتى الرابع الجمل الخبرية نحو يسألونك عن الأنفال براءة من الله أتى أمر الله إقترب للناس حسابهم قد أفلح المؤمنون سورة أنزلناها تنزيل الكتاب الذين كفروا إنا فتحنا إقتربت الساعة الرحمن علم القرآن قد سمع الله الحاقة سأل سائل إنا أرسلنا لا أقسم في موضعين عبس إنا أنزلناه لم يكن القارعة ألهاكم إنا أعطيناك فتلك ثلاث وعشرون سورة 5 الاستفتاح بالقسم الخامس القسم نحو والصافات والطور والمرسلات تعالى والنازعات والسماء ذات البروج والسماء والطارق والفجر والشمس والليل فإن والضحى والتين عمر والعاديات النبي والعصر وإن فتلك خمس عشرة سورة
[ 180 ]
الاستفتاح بالشرط السادس الشرط نحو وقعت الواقعة كما إذا جاءك المنافقون إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت السماء انشقت إذا زلزلت
اذا جاء نصر الله فذلك سبع سور الاستفتاح بالأمر ا السابع هو الاستفتااح وسلم بالأمر في ست سور قل أوحى أقرأ باسم ربك قل يأيها الكافرون هو الله أحد قل أعوذ عنه في سورتين 8 - الاستفتاح بالاستفهام الثامن لفظ الاستفهام في أتى عم يتساءلون هل أتاك ألم نشرح إن ألم تر أرأيت فتلك ست سور 9 - الاستفتاح بالدعاء إلا التاسع الدعاء في ثلاث سور ويل للمطففين ويل لكل همزة تبت يدا أبى لهب 10 - الاستفتاح بالتعليل فيه العاشر التعليل في موضع واحد نحو قريش هكذا جمع الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسي قال وما ذكرناه في قسم
[ 181 ]
الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كله خبر إلا سبح اسم ربك الأعلى فإنه يدخل أيضا في قسم الأمر وسبحان الذى أسرى بعبده يحتمل الأمر والخبر ونظم ذلك في بيتين فقال أثنى على نفسه سبحانه بثبو * ت المدح والسلب لما استفتح السورا والأمر شرط الندا التعليل والقسم الدعا حروف التهجى استفهم الخبرا
[ 182 ]
النوع الثامن في خواتم السور وهى مثل الفواتح في الحسن لأنها آخر ما يقرع الأسماع فلهذا جاءت متضمنة
للمعانى البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام حتى يرتفع معه تشوف النفس إلى ما يذكر بعد ومن أوضحه خاتمة سورة إبراهيم هذا بلاغ للناس وخاتمة سورة الأحقاف بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ولأنها بين أدعية ووصايا وفرائض ومواعظ وتحميد وتهليل ووعد ووعيد إلى غير ذلك كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة فاتحة الكتاب إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من المعاصي المسببة لغضب الله والضلال ففصل جملة ذلك بقوله الذين أنعمت عليهم والمراد المؤمنين ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كل إنعام لأن من أنعم عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة لأن نعمة الإيمان مستتبعة لجميع النعم ثم وصفهم بقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهى نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدى حدوده
[ 183 ]
وكالدعاء الذى اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة وكالوصايا التى ختمت بها سورة آل عمران بالصبر على تكاليف الدين والمصابرة لأعداء الله في الجهاد ومعاقبتهم والصبر على شدائد الحرب والمرابطة في الغزو المحضوض عليها بقوله ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم والتقوى الموعود عليها بالتوفيق في المضايق وسهولة الرزق في قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وبالفلاح لأن أنه من الله واجبة وكالوصايا والفرائض التى ختمت بها سورة النساء وحسن الختم بها لأنها آخر ما نزل من الأحكام عام حجة الوداع وكالتبجيل وهو والتعظيم الذى ختمت به المائدة لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير ولإرادة المبالغة في التعظيم أختيرت ما على من لإفادة العموم فيتناول الأجناس كلها
وكالوعد صلى الله عليه وسلم والوعيد الذى ختمت به سورة الأنعام بقوله إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ولذلك أورد على وجه المبالغة في وصف العقاب بالسرعة وتوكيد الرحمة بالكلام المفيد لتحقيق الوقوع
[ 184 ]
وكالتحريض إذا على العبادة بوصف حال الملائكة الذى ختمت به سورة الأعراف والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذى ختم به الأنفال ووصف الرسول ومدحه والاعتداد على الأمم به وتسليمه ووصيته والتهليل الذى ختمت به براءة وتسليته عليه الصلاة والسلام الذى ختم بها سورة يونس ومثلها خاتمة هود ووصف القرآن ومدحه الذى ختم به سورة يوسف والرد على من كذب الرسول الذى ختم به الرعد
[ 185 ]
ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في أنه إله واحد الذى ختمت به إبراهيم ووصيته الرسول التى ختم بها الحجر وتسلية الرسول بطمأنينته ووعد الله سبحانه الذى ختمت به النحل والتحميد الذى ختمت به سبحان وتحضيض الرسول على البلاغ والإقرار بالتنزيه والأمر بالتوحيد الذى ختمت به الكهف وقد أتينا على نصف القرآن ليكون مثالا لمن نظر في بقيته فصل في مناسبة فواتح السور وخواتمها ومن أسراره مناسبة فواتح السور وخواتمها وتأمل سورة القصص وبداءتها فقال بقصة
مبدأ أمر موسى ونصرته وقوله فلن أكون ظهيرا للمجرمين وخروجه من وطنه ونصرته وإسعافه بالمكالمة وختمها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يكون ظهيرا
[ 186 ]
للكافرين وتسليته بخروجه من مكة والوعد بعوده إليها بقوله إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قال الزمخشري وقد جعل الله فاتحة سورة المؤمنين قد أفلح المؤمنون وأورد في خاتمتها إنه لا يفلح الكافرون فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة فصل في مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها ومن أسراره مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظا كما قيل في فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش وفى الكواشى لما ختم سورة النساء أمرا بالتوحيد والعدل بين العباد أكد ذلك بقوله في أول سورة المائدة يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
[ 187 ]
النوع التاسع معرفة المكى والمدنى وما نزل بمكة والمدينة وترتيب ذلك ومن فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ والمكى أكثر من المدنى اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات أحدها أن المكى ما نزل بمكة والمدنى ما نزل بالمدينة والثانى وهو المشهور أن المكى ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة والمدنى ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة
والثالث أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتى لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا يأيها الناس وإن كان غيرهم داخلا فيها وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان فخوطبوا ب (يأيها الذين آمنوا أي وإن كان غيرهم داخلا فيهم وذكر الماوردى أن البقرة مدنية في قول الجميع إلا آية وهى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى انتهى
[ 188 ]
ونزولها هناك لا يخرجها عن المدنى بالاصطلاح الثاني أن ما نزل بعد الهجرة مدنى سواء كان بالمدينة أو بغيرها وقال الماوردى في سورة النساء هي مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكة في عثمان ابن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ياخذ منه مفاتيح الكعبة ويسلمها إلى العباس فنزلت إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والكلام فيه كما تقدم ومن جملة علاماته أن كل سورة فيها يأيها الناس فيها يأيها الذين آمنوا فهى مكية وفى الحج اختلاف وكل سورة فيها كلا فهى مكية وكل سورة فيها حروف المعجم فهى مكية إلا البقرة وآل عمران وفى الرعد خلاف وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهى مكية سوى البقرة وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت وقال هشام عن أبيه كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهى مدنية وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهى مكية وذكر أبو عمرو عثمان بن سعيد الدارمي بإسناده إلى يحيى بن سلام قال ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكى
[ 189 ]
وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وما كان من القرآن يأيها الذين آمنوا فهو مدنى وما كان يأيها الناس فهو مكى وذكر أيضا بإسناده إلى عروة بن الزبير قال ما كان من حد أو فريضة فإنه أنزل بالمدينة وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه أنزل بمكة وقال الجعبرى لمعرفة المكى والمدنى طريقان سماعي وقياسي فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والقياسي قال علقمة عن عبد الله كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو كلا أو أولها حروف تهج سوى الزهراوين والرعد في وجه أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهى مكية وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية وكل سورة فيها فريضة أو حد فهى مدنية انتهى وذكر ابن أبى شيبة في مصنفة في كتاب فضائل القرآن حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال كل شئ نزل فيه الناس فهو بمكة وكل شئ نزل فيه يأيها الذين آمنوا فهو بالمدينة وهذا مرسل قد أسند عن عبد الله بن مسعود
[ 190 ]
ورواه الحاكم في مستدركه في آخر كتاب الهجرة عن يحيى بن معين قال حدثنا وكيع عن أبيه عن الأعمش وعن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود به ورواه البيهقى في أواخر دلائل النبوة وكذا رواه البزار في مسنده ثم قال وهذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا ولا نعلم أحدا أسنده إلا قيس انتهى ورواه ابن مردويه في تفسيره في سورة الحج عن علقمة عن أبيه وذكر في آخر الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه وقد نص على هذا القول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل وغيره وبه قال كثير من المفسرين ونقله عن ابن عباس
وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها يأيها الناس اعبدوا ربكم وفيها يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا وسورة النساء مدنية وفيها يأيها الناس اتقوا ربكم وفيها إن يشأ يذهبكم أيها الناس وسورة الحج مكية وفيها يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح ولذا قال مكى هذا
[ 191 ]
إنما هو في الأكثر وليس بعام وفى كثير من السور المكية يأيها الذين آمنوا انتهى والأقرب تنزيل قول من قال مكى ومدنى على أنه خطاب المقصود به أو جل المقصود به أهل مكة يأيها الذين آمنوا كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة وفى تفسير الرازي عن علقمة والحسن أن ما في القرآن يأيها الناس مكى وما كان يأيها الذين آمنوا فبالمدينة وأن القاضى قال إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم واسمهم وجنسهم ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها انتهى فصل ويقع السؤال أنه هل نص النبي صلى الله عليه وسلم على بيان ذلك قال القاضى أبو بكر في الانتصار إنما هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم كما أنه لا بد في العادة من معرفة معظمى ثنا العالم والخطيب وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا وحال القرآن في ذلك أمثل والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا وفصله لهم ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر وإنما لم يفعله أنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ
والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه وقوله
[ 192 ]
هذا هو الأول المكى وهذا هو الآخر المدنى وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى وأن يعلموا في القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه فصل قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب التنبيه على فضل علوم القرآن من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك ثم ما نزل بمكة وحكمه مدنى وما نزل بالمدينة وحكمه مكى وما نزل بمكة في أهل المدينة وما نزل بالمدينة في أهل مكة ثم ما يشبه نزول المكى في المدنى وما يشبه نزل المدنى في المكى ثم ما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف وما نزل بالحديبية ثم ما نزل ليلا وما نزل نهارا وما نزل مشيعا وما نزل مفردا ثم الآيات المدنيات في السور المكية والآيات المكية في السور المدنية ثم ما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة ثم ما نزل مجملا وما نزل مفسرا وما نزل مرموزا ثم ما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدنى هذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى
[ 193 ]
ذكر ما نزل من القرآن بمكة ثم ترتيبه أول ما نزل من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك ثم والقلم ثم يأيها المزمل ثم المدثر ثم تبت يدا أبى لهب ثم إذا الشمس كورت ثم سبح اسم ربك الأعلى ثم والليل إذا يغشى ثم والفجر ثم والضحى ثم ألم نشرح ثم والعشر ثم والعاديات ثم إنا أعطيناك الكوثر ثم ألهاكم التكاثر ثم أرأيت الذى ثم قل يأيها الكافرون ثم سورة الفيل ثم به ثم الناس ثم قل هو الله أحد ثم والنجم إذا هوى ثم عبس وتولى ثم إنا أنزلناه ثم والشمس وضحاها ثم والسماء ذات البروج ثم والتين والزيتون ثم لايلاف قريش ثم القارعة ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم الهمزة ثم المرسلات ثم ق والقرآن ثم لا أقسم بهذا البلد ثم الطارق ثم اقتربت الساعة ثم ص والقرآن ثم الأعراف ثم الجن ثم ثم الفرقان ثم الملائكة ثم مريم ثم طه ثم الواقعة ثم الشعراء ثم النمل ثم القصص ثم بنى إسرائيل ثم يونس ثم هود ثم يوسف ثم الحجر ثم الأنعام ثم الصافات ثم لقمان ثم سبأ ثم الزمر ثم حم المؤمن ثم حم السجدة ثم حم عسق ثم حم الزخرف ثم حم الدخان ثم حم الجاثية ثم حم الأحقاف ثم والذاريات ثم الغاشية ثم الكهف ثم النحل ثم نوح ثم إبراهيم ثم الأنبياء ثم المؤمنون ثم تنزيل ثم ثم الملك ثم الحاقة ثم سأل سائل ثم عم يتساءلون ثم النازعات ثم إذا السماء انفطرت ثم إذا السماء انشقت ثم الروم واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس العنكبوت وقال الضحاك وعطاء
[ 194 ]
المؤمنون وقال مجاهد ويل للمطففين فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة وعليه استقرت الرواية من الثقات وهى خمس وثمانون سورة ذكر ترتيب ما نزل بالمدينة ى هذا وهو تسع وعشرون سورة فأول ما نزل فيها سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم محمد ثم الرعد ثم الرحمن ثم أتى ثم الطلاق ثم لم يكن ثم الحشر ثم إذا جاء نصر الله ثم النور ثم الحج ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم يأيها النبي لم تحرم ثم الصف ثم الجمعة ثم التغابن ثم الفتح ثم التوبة ثم المائدة ومنهم من يقدم المائدة على التوبة وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم المائدة في خطبة حجة الوداع وقال يأيها الناس إن آخر القرآن نزولا سورة المائدة فأحلوا حلالها وحرموا حرامها فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة وأما ما اختلفوا فيه ففاتحة الكتاب قال ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء إنها مكية وقال مجاهد مدنية واختلفوا في ويل للمطففين فقال ابن عباس مدنية وقال عطاء هي آخر ما نزل بمكة فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة وجميع ما نزل بالمدينة تسع وعشرون على اختلاف الروايات
[ 195 ]
ذكر ما نزل بمكة وحكمه مدنى منها قوله تعالى يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل الآية ولها قصة يطول بذكرها الكتاب ونزولها بمكة يوم فتحها
وهى مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة ومنها قوله في المائدة اليوم أكملت لكم دينكم إلى قوله الخاسرين نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم من هيبة القرآن وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة وهى عدة آيات يطول ذكرها ذكر ما نزل بالمدينة وحكمه مكى منه الممتحنة إلى آخرها وهى قصة حاطب بن أبى بلتعة وسارة والكتاب الذى دفعة إليها وقصتها مشهورة فخاطب بها أهل مكة ومنها قوله تعالى في سورة النحل والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا إلى آخر السورة مدنيات يخاطب بها أهل مكة ومنها سورة الرعد يخاطب أهل مكة وهى مدنية
[ 196 ]
ومن أول براءة إلى قوله إنما المشركون نجس خطاب لمشركي مكة وهى مدنية فهذا من جملة ما نزل بمكة في أهل المدينة وحكمه مدنى وما أنزل في أهل مكة وحكمه مكى ما يشبه تنزيل المدينة في السور المكية من ذلك قوله تعالى في النجم الذين يجتنبون كبائر الإثم يعنى كل ذنب عاقبته النار والفواحش يعنى كل ذنب فيه حد إلا اللمم وهو بين الحدين من الذنوب نزلت في نبهان والمرأة التى راودها عن نفسها فأبت والقصة مشهورة واستقرت الرواية بما قلنا والدليل على صحته أنه لم يكن بمكة حد ولا غزو ومنها قوله تعالى في هود وأقم الصلاة طرفي النهار الآية نزلت في أبى مقبل ا لحسين بن عمر بن قيس والمرأة التى اشترت منه التمر فراودها
ما يشبه تنزيل مكة في السور المدنية من ذلك قوله تعالى في الأنبياء لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا نزلت في نصارى نجران ومنهم السيد والعاقب
[ 197 ]
ومنها سورة والعاديات ضبحا في رواية الحسين بن واقد وقصتها مشهورة ومنها قوله تعالى في الأنفال وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق الآية ما نزل بالجحفة قوله عز وجل في سورة القصص إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد نزلت بالجحفة والنبى صلى الله عليه وسلم مهاجر ما نزل ببيت المقدس قوله تعالى في الزخرف واسأل من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون نزلت عليه ليلة أسرى به ما نزل بالطائف قوله تعالى في الفرقان ألم تر إلى ربك كيف مد الظل الآية ولذلك قصة عجيبة وقوله في إذا السماء انشقت بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعدون فبشرهم بعذاب أليم يعنى كفار مكة ما نزل بالحديبية قوله تعالى في الرعد وهم يكفرون بالرحمن نزلت بالحديبية حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى اكتب
[ 198 ]
بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ما نعرف الرحمن الرحيم ولو نعلم
أنك رسول الله لتابعناك فأنزل الله تعالى وهم يكفرون بالرحمن إلى قوله متاب ما نزل ليلا قوله تعالى في أول سورة الحج يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم نزلت ليلا في غزوة بن المصطلق وهم حى من خزاعة والناس يسيرون وقوله تعالى في المائدة والله يعصمك من الناس نزلت في بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس كل ليلة رسول قال عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحرسنا الليلة فأتاه حذيفة وسعد في آخرين معهم الحجف والسيوف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة من أدم فباتوا على باب الخيمة فلما أن كان بعد هزيع من الليل أنزل الله عليه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الخيمة فقال يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ومنها قوله إنك لا تهدى من أحببت الآية قالت عائشة رضى الله عنها نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في اللحاف ونزل عليه أكثر القرآن نهارا
[ 199 ]
ما نزل مشيعا سورة الأنعام نزلت مرة واحدة شيعها سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السموات والأرض لهم زجل بالتسبيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله وخر ساجدا قلت ذكر أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه أن الخبر المذكور جاء من حديث أبى ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وفى إسناده ضعف ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روى ما يخالفه فروى أنها لم ينزل جملة واحدة بل نزل منها آيات بالمدينة اختلفوا
في عددها فقيل ثلاث هي قوله تعالى قل تعالوا الخ الآيات وقيل ست وقيل غير ذلك وسائرها نزل بمكة وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك وآية الكرسي نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك ولا وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا نزلت ومعها عشرون ألف ملك وسائر القرآن نزل به جبريل بلا تشييع الآيات المدنيات في السور المكية منها سورة الأنعام وهى كلها مكية خلا ست آيات واستقرت بذلك الروايات وما قدروا الله حق قدره نزلت هذه في مالك بن الصيف إلى آخر الآية والثانية والثالثة
[ 200 ]
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا نزلت في عبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة حين قال سأنزل مثل ما أنزل الله وذلك أنه كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله جل ذكره ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فأملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ قوله ثم أنشأناه خلقا آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فتبارك الله الخ الآية فقال إن كنت نبيا فأنا نبى لأنه خطر ببالى ما أمليت على فلحق كافرا وأما قوله أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ فإنه نزل في مسيلمة الكذاب حين زعم أن الله سبحانه أوحى إليه وثلاث آيات من آخرها قل تعالوا إلى قوله تتقون سورة الأعراف مكية إلا ثلاث آيات واسألهم عن القرية التى كانت إلى قوله وإذ نتقنا الجبل
سورة إبراهيم مكية غير آيتين نزلتا في قتلى بدر ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا الخ الآيتين سورة النحل مكية إلى قوله والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا والباقى مدنى
[ 201 ]
سورة بنى إسرائيل مكية غير قوله وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك يعنى ثقيفا وله قصة سورة الكهف مكية غير قوله واصبر نفسك نزلت في سلمان الفارسى وله قصة سورة القصص مكية غير آية الذين آتيناهم الكتاب يعنى الإنجيل من قبله هم به يؤمنون يعنى الفرقان نزلت في أربعين رجلا من مؤمنى أهل الكتاب
[ 202 ]
قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا ولهم قصة سورة الزمر مكية غير قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية الحواميم كلها مكيات غير آية في الأحقاف نزلت في عبد الله بن سلام قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به الآيات المكية في السور المدنية لم منها قوله تعالى في الأنفال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية يعنى أهل مكة حتى يخرجك من بين أظهرهم استقرت به الرواية سورة التوبة مدنية غير آيتين لقد جاءكم الخ السورة سورة الرعد مدنية غير قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال إلى قوله جميعا
سورة الحج مدنية وفيها أربع آيات مكيات قوله وما أرسلنا من قبلك من
[ 203 ]
رسول ولا نبى إلا إذا تمنى إلى قوله عقيم وله قصة سورة مكية إلا قوله فويل للمصلين إلى آخرها فإنها مدنية كذا قال مقاتل بن سليمان ما حمل من مكة إلى المدينة اول سورة حملت من مكة إلى المدينة سورة يوسف انطلق بها عوف بن عفراء في الثمانية الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وهم أول من أسلم من الأنصار قرأها على أهل المدينة في بنى زريق فأسلم يومئذ بيوت من الأنصار روى ذلك يزيد بن رومان عن عطاء عن ابن يسار عن ابن عباس ثم حمل بعدها قل هو الله أحد إلى آخرها ثم حمل بعدها الآية التى في الأعراف قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا إلى قوله حدثنا فأسلم عليها طوائف من أهل المدينة وله قصة ما حمل من المدينة إلى مكة من ذلك الأنفال التى في البقرة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية وذلك حين أورد عبد الله بن جحش كتاب مسلمى مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المشركين عيرونا ابن قتل ابن الحضرمي وأخذ الأموال والأسارى في الشهر
[ 204 ]
الحرام فكتب بذلك عبد الله بن جحش إلى مسلمى مكة إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا بكم ثم حملت آية الربا من المدينة إلى مكة في حضور ثقيف وبنى المغيرة إلى عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فقرأ عتاب عليهم يأيها الذين
آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا فأقروا بتحريمه وتابوا وأخذوا رءوس الأموال ثم حملت مع الآيات من أول سورة براءة من المدينة إلى مكة قرأهن على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم النحر على الناس وفى ترتيبها قصة ثم حملت من الدينة إلى مكة الآية التى في النساء إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان إلى قوله عفوا غفورا فلا تعاقبهم على تخلفهم عن الهجرة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إلى مسلمى مكة قال جندع بن ضمرة الليثى ثم الجندعى لبنيه وكان شيخا كبيرا ألست من المستضعفين وأنى لا أهتدى إلى الطريق فحمله بنوه على سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موته فقالوا لو لحق بنا لكان أكمل لأجره فأنزل الله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله إلى قوله غفورا رحيما
[ 205 ]
ما حمل من المدينة إلى الحبشة هي ست آيات بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جعفر بن أبى طالب في خصومة الرهبان والقسيسين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فقرأها جعفر بن أبى طالب عليهم عند النجاشي فلما بلغ قوله ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا قال النجاشي صدقوا ما كانت اليهودية والنصرانية إلا من بعده ثم قرأ جعفر إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية قال النجاشي اللهم إنى ولى لأولياء إبراهيم وقال صدقوا والمسيح ثم أسلم النجاشي وأسلموا
[ 206 ]
النوع العاشر معرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل
فأما أوله ففى صحيح البخاري في حديث بدء الوحى ما يقتضى أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك ثم المدثر وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث عائشة رضى الله عنها صريحا وقال صحيح الإسناد ولفظ مسلم أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم ووقع في صحيح البخاري إلى قوله وربك الأكرم وهو مختصر وفى الأول زيادة وهى من الثقة مقبولة وقد جاء ما يعارض هذا ففى صحيح مسلم عن جابر أول ما نزل من القرآن سورة المدثر وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء الوحى فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك نعم هي أول ما نزل بعد سورة وفترة الوحى لما ثبت في الصحيحين أيضا عن جابر
[ 207 ]
رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحى قال في حديثه بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فرجعت فقلت زملوني زملوني فأنزل الله تبارك وتعالى يأيها المدثر قم فأنذر فقد أخبر في هذا الحديث عن الملك الذى جاءه بحراء قبل هذه المرة وأخبر في حديث عائشة أن نزول كان في غار حراء وهو أول وحى ثم فتر بعد ذلك وأخبر في حديث جابر أن الوحى تتابع بعد نزول يأيها المدثر فعلم بذلك أن أول ما نزل مطلقا وأن سورة المدثر بعده وكذلك قال ابن حيان في صحيحه لا تضاد
بين الحديثين بل أول ما نزل اقرأ باسم ربك الذى خلق بغار حراء فلما رجع إلى خديجة رضى الله عنها وصبت عليه الماء البارد أنزل الله عليه في بيت خديجة يأيها المدثر فظهر أنه لما نزل عليه اقرأ قوله رجع فتدثر فأنزل عليه يأيها المدثر وقيل أول ما نزل سورة الفاتحة روى ذلك من طريق أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا وذكر نزول الملك عليه وقوله قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقال القاضى أبو بكر في الانتصار وهذا الخبر منقطع وأثبت الأقاويل باسم ربك ويليه في القوة يأيها المدثر وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات اقرأ باسم ربك وأول ما نزل من أوامر التبليغ يأيها المدثر وأول ما نزل
[ 208 ]
من السور سورة الفاتحة له وهذا كما ورد في الحديث أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى فيه الدماء وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه من المظالم التى بين العباد الدماء وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة وقيل أول ما نزل للرسالة يأيها المدثر وللنبوة اقرأ باسم ربك فإن العلماء قالوا قوله تعالى اقرأ باسم ربك دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن النبوة عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص وقوله تعالى يأيها المدثر قم فأنذر دليل على رسالته صلى الله عليه وسلم لأنها عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام وذكر القاضى في الانتصار رواية ثم نزل بعد سورة ثلاث آيات من أول نوح وثلاث آيات من أول المدثر وعن مجاهد قال أول سورة أنزلت اقرأ ثم نوح وذكر الحاكم في الإكليل أن أول آية أنزلت في الإذن بالقتال قوله تعالى إن
الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وروى في المستدرك عن ابن عباس أول آية أنزلت فيه أذن للذين يقاتلون الآية
[ 209 ]
وأما آخره فاختلفوا فيه فعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا جاء نصر الله وعن عائشة سورة المائدة وقيل واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وقال السدى آخر ما نزل فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وفى صحيح البخاري في تفسير سورة براءة عن البراء بن عازب رضى الله عنهما آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة وفى رواية غيره آخر سورة أنزلت كاملة سورة براءة وآخر آية نزلت خاتمة النساء وذكر ابن الأنباري عن أبى إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت من القرآن يستفتونك قل الله يفتبكم ذلك في الكلالة ثم قال وأخطأ أبو إسحاق ثم ساق سنده من طرق إلى ابن عباس آخر آية أنزلت واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وكان بين نزولها ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما وقيل تسع ليال انتهى وفى مستدرك الحاكم عن شعبة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأها إلى آخر السورة ورواه أحمد في المسند عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن ابى بن كعب رضى الله عنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأ إلى وهو رب العرش العظيم قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالذى
[ 210 ]
لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وتعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا انا فاعبدون وقال بعضهم روى البخاري آخر ما نزل آية الربا وروى مسلم آخر سورة نزلت جميعا إذا جاء نصر الله قال القاضى أبو بكر في الانتصار وهذه الأقوال ليس في شئ منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن وليس العلم بذلك من فرائض الدين حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذى مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو لمفارقته له ونزول الوحى عليه بقرآن بعده ويحتمل أيضا أن تنزل الآية التى آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل آخرا وتلاوته فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب
[ 211 ]
النوع الحادى عشر معرفة على كم لغة نزل ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقرأنى جبريل على حرف فراجعته ثم لم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف زاد مسلم قال ابن شهاب بلغني أن تلك السبعة إنما هي في الأمر الذى يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام واخرجا أيضا من حديث عمر بن الخطاب قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ
سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وفى رواية على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله اقرأ فقرأ القراءة التى سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت ثم قال لى اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه وأخرج مسلم نحوه عن أبى بن كعب وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإنى أرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثانية
[ 212 ]
اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتى وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام وأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه من حديث المقبرى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة وأما ما رواه الحاكم في المستدرك عن سمرة يرفعه أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فقال أبو عبيد تواترت الأخبار بالسبعة إلا هذا الحديث قال أبو شامة يحتمل أن يكون معناه إن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كحذره والرهب والصدق فيقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءة المشهورة أو أراد أنزل ابتداء على ثلاثة ثم زيد إلى سبعة ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وأكثر إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معناها وقال ابن العربي لم يأت في معنى هذا السبع نص ولا أثر واختلف الناس في تعيينها
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستى اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا وقد وقفت منها على كثير فذهب بعضهم إلى أن المراد التوسعة على القارئ ولم يقصد به الحصر والأكثر على أنه محصور في سبعة ثم اختلفوا هل هي باقية إلى الآن نقرؤها
[ 213 ]
أم كان ذلك أولا ثم استقر الحال بعده على قولين وقال القرطبى إن القائلين بالثاني وهو أن الأمر كان كذلك ثم استقر على ما هو الآن هم أكثر العلماء منهم سفيان بن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوى ثم اختلفوا هل استقر في حياته صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته والأكثرون على الأول واختاره القاضى أبو بكر بن الطيب وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم ورأوا أن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه أي على طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الآخرة واستقر على ما هو عليه الآن فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التى تلقاها الناس ويشهد لهذا الحديث الآتى من مراعاة التخفيف على العجوز والشيخ الكبير ومن التصريح في بعضها بأن ذلك مثل هلم وتعال القول في القراءات السبع والقائلون بأنها كانت سبعا اختلفوا على أقوال أحدها أنه من المشكل الذى لا يدرى معناه لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا وتسمى القصيدة بأسرها كلمة والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة والحرف أيضا المعنى والجهة قاله أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي
[ 214 ]
والثانى وهو أضعفها أن المراد سبع قراءات وحكى عن الخليل بن أحمد والحرف هاهنا القراءة وقد بين الطبري في كتاب البيان وغيره أن أختلاف القراء إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وهو الحرف الذى كتب عثمان عليه المصحف وحكى ابن عبد البر عن بعض المتأخرين من أهل العلم بالقرآن أنه قال تدبرت وجوه الاختلاف في القرآن فوجدتها سبعة منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل هن أطهر لكم وأطهر لكم ويضيق صدري ويضيق صدري ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته كقوله ربنا باعد بين أسفارنا وربنا باعد بين أسفارنا ومنها ما يتغير معناه بالحروف واختلافها ولا تتغير صورته كقوله كيف ننشزها وننشرها
[ 215 ]
ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه كالعهن المنفوش والصوف المنقوش ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل طلح منضود وطلع ومنها بالتقديم والتأخير ك وجاءت سكرة الموت بالحق وسكرة الحق بالموت ومنها الزيادة والنقصان مثل حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقراءة محمد ابن مسعود تسع وتسعون نعجة أنثى وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين وكان كافر قال أبو عمرو وجه حسن من وجوه معنى الحديث إلى وقال بعض المتأخرين هذا هو المختار قال والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة والآخر مثل قراءة ابن مسعود وأبى الدرداء والذكر والأنثى كما ثبت في الصحيحين ومثل قراءة ابن مسعود إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك
أنت الغفور الرحيم وقراءة عمر فامضوا إلى ذكر الله والكل حق والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ورسم الحروف واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف وهو بضعة عشر حرفا مثل الله الغفور وإن الله هو الغفور
[ 216 ]
والثالث سبعة أنواع كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن بخلاف غيره من أنحائه فبعضها أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وغيره قال ابن عبد البر وفى ذلك حديث رواه ابن مسعود مرفوعا قال كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على وجه واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه واعتبروا بأمثاله وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا قال وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت وهو مجمع على ضعفه وذكره القاضى أبو بكر بن الطيب وقال هذا التفسير منه صلى الله عليه وسلم للأحرف السبعة ولكن ليست هذه التى أجاز لهم القراءة بها على اختلافها وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة كقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف وقال ابن عبد البر قد رده من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران قال من أوله بهذا فهو فاسد لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه أو يكون حلالا لا ما سواه لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله أو حرام كله أو أمثال كله حكاه الطحاوي عنه أنه سمعه منه وقال هو كما قاله وقال ابن عطية هذا القول ضعيف لأن هذه لا تسمى أحرفا وأيضا فالإجماع على
[ 217 ]
أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال ولا تحليل حرام ولا في تغيير شئ من المعاني
المذكورة وقال الماوردى هذا القول خطأ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام وقال البيهقى في المدخل وقد روى هذا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا مرسل جيد وأبو سلمة لم يدرك ابن مسعود ثم ساقه بإسقاط ابن مسعود ثم قال فإن صح هذا فمعنى قوله سبعة أحرف أي سبعة أوجه وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف ولكن المراد به اللغات التى أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التى نزل القرآن عليها والرابع أن المراد سبع لغات لسبع قبائل من العرب وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه هذا ما لم يسمع قط أي نزل على سبع لغات متفرقة في القرآن فبعضه نزل بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وكذلك سائر اللغات ومعانيها في هذا كله واحدة وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يحيى ثعلب وحكاه ابن دريد عن أبى حاتم السجستاني وحكاه بعضهم عن القاضى أبى بكر
[ 218 ]
وقال الأزهري في التهذيب إنه المختار واحتج بقول عثمان حين أمرهم بكتب المصاحف وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم وقال البيهقى في شعب الإيمان إنه الصحيح أي أن المراد اللغات السبع التى هي شائعة في القرآن واحتج بقول ابن مسعود سمعت القراء فوجدتهم متقاربين اقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع فإنما هو كقول أحدهم هلم وتعال وأقبل قال
وكذلك قال ابن سيرين قال لكن إنما تجوز قراءته على الحروف التى هي مثبتة في المصحف الذى هو الإمام بإجماع الصحابة وحملوها عنهم دون غيرها من الحروف وإن كانت جائزة في اللغة وكأنه يشير إلى أن ذلك كان عند إنزاله ثم استقر الأمر على ما أجمعوا عليه في الإمامة وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا القول وقالوا لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش لقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه قال ابن قتيبة ولا نعرف في القرآن حرفا واحدا يقرأ على سبعة أوجه وغلطه ابن الأنباري بحروف منها وعبد الطاغوت وقوله أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وقوله باعد بين أسفارنا وقوله بعذاب بئيس وغير ذلك
[ 219 ]
وقال ابن عبد البر قد أنكر أهل العلم أن يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر لأن ذلك من لغته التى طبع عليها وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي وقد اختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته ثم اختلف القائلون بهذا في تعيين السبع فأكثروا وقال بعضهم أصل ذلك وقاعدته قريش ثم بنو سعد بن بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع فيهم ونشأ وترعرع وهو مخالط في اللسان كنانة وهذيلا وثقيفا وخزاعة وأسدا وضبة وألفافها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها ثم من بعد هذه تميما وقيسا ومن أنضاف إليهم وسكن جزيرة العرب قال قاسم بن ثابت إن قلنا من الأحرف لقريش ومنها لكنانة ولأسد وهذيل وتميم وضبة وألفافها وقيس لكان قد أتى على قبائل مضر في قراءات سبع تستوعب
اللغات التى نزل بها القرآن وهذه الجملة هي التى انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل ويسرها الله لذلك ليظهر أنه نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه ويثبت سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تفرقها الأمم وقيل هذه اللغات السبع كلها في مضر واحتجوا بقول عثمان نزل القرآن بلسان مضر قالوا وجائز أن يكون منها لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لضبة ولطابخة كان فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد قال أبو عمر بن عبد البر وأنكر آخرون كون كل لغات مضر في القرآن لأن
[ 220 ]
فيها شواذ لا يقرأ بها مثل كشكشة قيس وعنعنة تميم فكشكشة أبو قيس يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في جعل ربك تحتك سريا ربش تحتش وعنعنة تميم ويقولون في أن عن فيقرءون فعسى الله عن يأتي بالفتح وبعضهم يبدل السين تاء فيقول في الناس النات وهذه لغات يرغب بالقرآن عنها وما نقل عن عثمان معارض بما سبق أنه نزل بلغة قريش وهذا أثبت عنه لأنه من رواية ثقات أهل المدينة وقد يشكل هذا القول على بعض الناس فيقول هل كان جبريل عليه السلام يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات فيقال له إنما يلزم هذا إن قلنا إن السبعة الأحرف تجتمع في حرف واحد ونحن قلنا كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمر سبعة وقال الكلبى خمسة منها لهوازن وثنتان لسائر الناس والخامس المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وأنظر وأخر وأمهل ونحوه وكاللغات أو التى في أف ونحو ذلك قال ابن عبد البر وعلى هذا القول أكثر أهل العلم وأنكروا على من قال إنها لغات لأن العرب لا تركب لغة بعضها بعضا ومحال أن يقرئ النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بغير لغته وأسند عن أبى بن كعب أنه كان يقرأ كلما أضاء لهم
مشوا فيه سعوا فيه قال فهذا معنى السبعة الأحرف المذكورة في الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة وابن وهب ومحمد بن جرير الطبري والطحاوى وغيرهم وفى مصحف عثمان الذى بأيدى الناس منها حرف واحد
[ 221 ]
وقال الزهري إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد وليست تختلف في حلال ولا حرام واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بن صرد عن أبى بن كعب قال قرأ أبى آية وقرأ ابن مسعود آية خلافها وقرأ رجل آخر خلافهما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألم تقرأ آية كذا وقال ابن مسعود ألم تقرأ آية كذا فقال كلكم محسن مجمل وقال يا أبى إنى أقرئت القرآن فقلت على حرف أو حرفين فقال لى الملك على حرفين فقلت على حرفين أو ثلاثة فقال على ثلاثة هكذا حتى بلغ سبعة أحرف ليس فيها إلا شاف قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا حكيما أو قلت عليما حكيما أو قلت عزيزا حكيما أي ذلك قلت فإنه كذلك قال أبو عمر إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا يكون في شئ منها معنى وضده ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التى هي خلاف العذاب وضده وكذلك حديث ابى بكرة قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف فقال ميكائيل استزده فقال على حرفين فقال ميكائيل استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال اقرأه فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب وآية عذاب بآية رحمة نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل وروى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب أنه كان يقرأ للذين آمنوا انظرونا أمهلونا أخرونا ارقبونا وكلما أضاء لهم مشوا فيه مروا فيه سعوا فيه
قال أبو عمر إلا أن مصحف عثمان الذى بأيدى الناس اليوم هو فيها حرف واحد وعلى هذا أهل العلم
[ 222 ]
قال وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال قيل لمالك أترى أن تقرأ مثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله قال جائز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ومثل يعلمون وتعلمون قال مالك لا أرى باختلافهم بأسا وقد كان الناس ولهم مصاحف قال ابن وهب سألت مالكا عن مصحف عثمان فقال لى ذهب وأخبرني مالك قال أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فجعل الرجل يقول طعام اليتيم فقال طعام الفاجر فقلت لمالك أترى أن يقرأ بذلك قال نعم أرى أن ذلك واسعا قال أبو عمر معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة لأن ما عداا) مصحف عثمان لا يقطع عليه وإنما يجرى مجرى خبر الآحاد لكنه لا يقدم أحد على القطع في رده وقال مالك رحمه الله فيمن قرأ في صلاة بقراءة ابن مسعود وغيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه قال وعلماء مكيون مجمعون على ذلك إلا شذوذا لا يعرج عليه منهم إلا عثمان وهذا كله يدل على أن السبعة الأحرف التى أشير إليها في الحديث ليس بأيدى الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذى جمع عثمان عليه المصاحف
[ 223 ]
السادس أن ذلك راجع إلى بعض الآيات مثل قوله أف لكم فهذا على سبعة أوجه بالنصب والجر والرفع وكل وجه التنوين وغيره وسابعها الجزم ومثل
قوله تساقط عليك ونحوه ويحتمل في القرآن تسعة أوجه ولا يوجد ذلك في عامة الآيات قال ابن عبد البر وأجمعوا على أن القرآن لا يجوز في حروفه وكلماته وآياته كلها أن تقرأ على سبعة أحرف ولا شئ منها ولا يمكن ذلك فيها بل لا يوجد في القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل مثل وعبد الطاغوت وتشابه علينا وعذاب بئيس ونحوه وذلك ليس هذا وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة وهذا المجموع في المصحف هل هو جميع الأحرف السبعة التى أقيمت القراءة عليها أو حرف واحد منها ميل القاضى أبى بكر إلى أنه جميعها وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضى فيما جمعه أبو بكر وإلى قول الطبري فيما جمعه عثمان رضى الله عنه والسابع اختاره القاضى أبو بكر وقال الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الأئمة وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف
[ 224 ]
وأخبروا بصحتها وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى وليست متضادة ولا منافية والثامن قول الطحاوي أن ذلك كان في وقت خاص لضرورة دعت إليه لأن كل ذى لغة كان يشق عليه أن يتحول عن لغته ثم لما كثر الناس والكتاب ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم الأحرف السبعة وعاد ما يقرأ به إلى حرف واحد والتاسع أن المراد علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء علم الإثبات والإيجاد كقوله تعالى إن في خلق السموات والأرض وعلم التوحيد كقوله تعالى قل هو الله أحد وإلهكم إله واحد
وعلم التنزيه كقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق ليس كمثله شئ وعلم صفات الذات كقوله ولله العزة الملك القدوس وعلم صفات الفعل كقوله واعبدو الله واتقوا الله وأقيموا الصلاة لا تأكلوا الربا
[ 225 ]
وعلم العفو والعذاب كقوله ومن يغفر الذنوب إلا الله نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وعلم الحشر والحساب كقوله إن الساعة لآتية اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وعلم النبوات كقوله رسلا مبشرين ومنذرين وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه والإمامات عبد كقوله يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولى الأمر منكم ومن يشاقق الرسول كنتم خير أمة والعاشر أن المراد سبعة أشياء المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وأقسامه حكاه أبو المعالى بسند له عن أئمة الفقهاء والحادي عشر حكاه عن أهل اللغة أن المراد الحذف والصلة والتقديم والتأخير والقلب والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب والثانى عشر وحكاه عن النحاة أنها التذكير والتأنيث والشرط والجزاء والتصريف
[ 226 ]
والإعراب والأقسام وجوابها والجمع والتفريق والتصغير والتعظيم واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى وما لا يختلف في الأداء واللفظ جميعا والثالث عشر حكاه عن القراء أنها من طريق التلاوة وكيفية النطق بها من
إظهار وإدغام وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتخفيف وتليين وتشديد والرابع عشر وحكاه عن الصوفية أنه يشتمل على سبعة أنواع من المبادلات والمعاملات وهى الزهد والقناعة مع اليقين والحزم والخدمة مع الحياء والكرم والفتوة مع الفقر والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة وقال ابن حبان قيل أقرب الأقوال إلى الصحة أن المراد به سبع لغات والسر في إنزاله على سبع لغات تسهيله على الناس لقوله ولقد يسرنا القرآن للذكر فلو كان تعالى أنزله على حرف واحد لانعكس المقصود قال وهذه السبعة التى نتداولها عليه اليوم غير تلك بل هذه حروف من تلك الأحرف السبعة كانت مشهورة وذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم لكن لما خافت الصحابة من اختلاف القرآن رأوا جمعه على حرف واحد من تلك الحروف السبعة ولم يثبت من وجه صحيح تعين كل حرف من هذه الأحرف ولم يكلفنا الله ذلك غير أن هذه القراءة الآن غير خارجة عن الأحرف السبعة وقال بعض المتأخرين الأشبه بظواهر الأحاديث أن المراد بهذه الأحرف اللغات وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم من الإظهار والإدغام
[ 227 ]
والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد وغير ذلك من وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة فإن الحرف هو الطرف والوجه كما قال تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على وجه واحد وهو أن يعبده في السراء دون الضراء وهذه الوجوه هي القراءات السبع التى قرأها القراء السبعة فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى جمع عليه عثمان المصحف وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءة ما هو الأحسن عنده والأولى ولزم طريقة منها ورواها وقرأ بها واشتهرت عنه ونسبت إليه فقيل حرف
نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره بل سوغه وحسنه وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران وأكثر وكل صحيح وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عنهم وكان الإنزال على الأحرف السبعة توسعة من الله ورحمة على الأمة إذ لو كلف كل فريق منهم ترك لغته والعدول عن عادة نشئوا عليها من الإمالة والهمز والتليين والمد وغيره لشق عليهم ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أبى بن كعب أنه لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال يا جبريل إنى بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط فقال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف وقال حسن صحيح
[ 228 ]
النوع الثاني عشر في كيفية أنزاله قال تعالى شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن وقال سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر واختلف في كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال أحدها أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد النبوة والقول الثاني أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة وقيل في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة وقيل في خمس وعشرين ليلة قدر من خمس وعشرين سنة في كل ليلة ما يقدر سبحانه إنزاله في كل السنة ثم ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
والقول الثالث أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات والقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين
[ 229 ]
وأخرج النسائي في تفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنياا أبي فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وحسان هو ابن أبى الأشرس وثقة النسائي وغيره وبالثانى قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمى في المنهاج والماوردي في تفسيره (وبالثالث قال الشعبى وغيره واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل واختلفوا في معنى الإنزال فقيل معناه إظهار القرآن وقيل إن الله أفهم كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان والتنزيل له طريقان أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل والثانى أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه والأول أصعب الحالين ونقل بعضهم عن السمرقندى حكاية ثلاثة أقوال في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أحدها أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل وهذا معنى قول الغزالي إن هذه
الأحرف سترة لمعانيه
[ 230 ]
والثانى أنه إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب وإنما تمسكوا بقوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنه أنزل به كذلك بعد ذلك فإن قيل ما السر في إنزاله جملة إلى السماء قيل فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجماا ما بسبب الوقائع لأهبطه لا إلى الأرض جملة فإن قيل في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها قلت قال الشيخ أبو شامة الظاهر أنه قبلهاا أن وكلاهما محتمل فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر فإن قلت فقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر من جملة القرآن الذى نزل جملة أم لا فإن لم يكن منه فما نزل جملة وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة قلت ذكر فيه وجهين أحدهما أن يكون معنى الكلام ما حكمنا بإنزاله في القدر وقضائه وقدرناه في الأزل ونحو ذلك والثانى أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال أي ينزل جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر واختير لفظ الماضي إما لتحققه وكونه لا بد منه وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضى في معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة
[ 231 ]
فإن قلت ما السر في نزوله إلى الأرض منجما وهلا نزل جملة كسائر الكتب
قلت هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه فقال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم الله بقوله كذلك أي أنزلناه كذلك مفرقا لنثبت به فؤادك أي لنقوى به قلبك فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام وقيل معنى لنثبت به فؤادك لنحفظه فإنه عليه السلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه لييسر على عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة فإن قلت كان في القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم دفعة قلت ليس كل ممكن لازم الوقوع وأيضا في القرآن أجوبة عن أسئلة فهو سبب من أسباب تفرق النزول ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا وقال ابن فورك قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبى يقرأ ويكتب وهو موسى وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبى أمي وقيل مما لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ ومنه ما هو جواب لمن يسأل عن أمور ومنه ما هو إنكار لما كان انتهى
[ 232 ]
وكان بين أول نزول القرآن آخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة وهو مبنى على الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة فقيل عشر وقيل ثلاث عشرة وقيل خمس عشرة ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر وكان كلما أنزل عليه شئ من القرآن أمر بكتابته ويقول في مفترقات الآيات ضعوا هذه في
سورة كذا وكان يعرضه جبريل في شهر رمضان كل عام مرة وعام مات مرتين وفى صحيح البخاري قال مسروق عن عائشة عن فاطمة رضى الله عنهما أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة وأنه عارضنى العام مرتين ولا أراه إلا حضور أجلى وأسنده البخاري في مواضع وقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف فاعتكف عشرين بعد أن كان يعتكف عشرا
[ 233 ]
النوع الثالث عشر في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة رضى الله عنهم جمع القرآن على عهد أبى بكر روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر بيوم اليمامة بقراء القرآن وإنى أخشى أن يستحر القتل بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر والله إن هذا خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك وقد رأيت في ذلك الذى رأى عمر قال زيد وقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا أتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه قال زيد فوالله لوكلفنى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور
[ 234 ]
الرجال حتى وجدت آخر التوبة لقد جاءكم مع أبى خزيمة الأنصاري الذى جعل
النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين لم أجدها مع أحد غيره فألحقتها في سورتها فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى قبض ثم عند حفصة بنت عمر وفى رواية ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت يقول فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فألحقناها في سورتها وخزبمة الله الأنصاري شهادته بشهادتين وقول زيد لم أجدها إلا مع خزيمة ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها في سورة الأحزاب بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك غيره من الصحابة ثم نسيها فلما سمع ذكره وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم وسيأتى أن الذين كانوا يحفظون القرآن من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة والمراد أن هؤلاء كانوا اشتهروا به فقد ثبت أن غيرهم حفظه وثبت أن القرآن مجموعة محفوظ كله صدور الرجال أيام حياة النبي صلى الله عليه وسلم مؤلفا على هذا التأليف إلا سورة براءة قال ابن عباس قلت لعثمان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وتنزل عليه السور وكان إذا نزل عليه شئ دعا بعض من كان يكتبه فقال ضعوا هذه الآيات في السورة
[ 235 ]
التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل من المدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر
بسم الله الرحمن الرحيم ثم كتبت فثبت أن القرآن كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ترك جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعض فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين نسخ القرآن في المصاحف واعلم أنه قد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع المصاحف وليس كذلك لماا بينااه قال بل أول من جمعها في مصحف واحد الصديق ثم أأمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى المصاحف هكذا نقله البيهقى قال وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي عليه وسلم = وروينا عنه أن الجمع في المصحف كان في زمن أبى بكر والنسخ في المصاحف في زمن عثمان وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم بما كان مثبتا في صدور الرجال وذلك كله بمشورة من حضره من الصحابة وارتضاه على بن أبى طالب وحمد أثره فيه وذكر غيره أن الذى استبد به عثمان جمع الناس على قراءة محصورة والمنع من غير ذلك قال القاضى أبو بكر في الانتصار لم يقصد عثمان قصد أبى بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت
[ 236 ]
مع تنزيل ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد انتهى وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم
في القراء وقال حذيفة لعثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل في كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق وفى هذه إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير زيادة ولا نقص والذى حملهم على جمعه ما جاء في الحديث أنه كان مفرقا في العسب واللخاف وصدور الرجال فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته وكتبوه كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا وهذا الترتيب كان منه صلى الله عليه وسلم بتوقيف لهم على ذلك وأن هذه الآية عقب تلك الآية فثبت أن سعى الصحابة في جمعه في موضع واحد لا في ترتيب فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى هو في مصاحفنا الآن أنزله الله جملة واحدة إلى سماء الدنيا