ربع قرن مع العلامة الأميني شذرات من حياته الشريفة تأليف حسين الشاكري
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الكتاب: ربع قرن مع العلامة الأميني تأليف: حسين الشاكري الناشر: المؤلف: الطبعة: الأولى - 1417 ه. ق العدد: 1500 نسخة الفلم والزنك: ليتوغرافي تيزهوش صف الحروف: ايمن عبيد عنوان المؤلف الجمهورية الإسلامية الايرانية / قم المقدسة زنبيل آباد 30 متري آستانه بلاك 76 - كد 37166 هاتف: 26990 - 718771 / كد 0098251
[ 3 ]
العلامة الأميني قدس سره طابع تذكاري، خمسة عشر عاما على وفاته، 1970 - 1985 م = 1390 - 1405 ه
[ 5 ]
المؤلف بين العلامة الأميني والعلامة السيد محمد الحيدري في 15 / 3 / 1965 م
[ 7 ]
العلامة الاميني وآية الله السيد بني صدر.
[ 9 ]
ذهب الذين احبهم وبقيت وحدي المؤلف
[ 11 ]
المقدمة: الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق اجمعين، ثم الصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمد وآله الطاهرين. وبعد: وجدت لزاما علي أن أذكر جانبا من حياة العلامة الأميني (قدس سره)، بحكم مرافقتي وعلاقتي الوثيقة معه سنين طويلة، تنيف على العشرين عاما. وخوفا من أن تدركني المنية بادرت إلى سرد بعض ما أتذكره وما ثبت في ذهني ورسخ من الوقائع التي مرت، وما حدثني به نفسه (قدس سره)، أنقله بالمعنى. مع شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره): آية الله، شيخ الحفاظ والمحققين، العلامة الفذ، نادرة الزمان ويتيمة الدوران، الشيخ عبد الحسين الأميني نجل آية الله الشيخ أحمد الأميني التبريزي النجفي (رحمهما الله) أسكنهما الفسيح من جنانه وأنزل على رمسيهما شآبيب رحمته.
ورد في الحديث الشريف: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يستغفر له، أو علم ينتفع به الناس، أو صدقة جارية ". والعلامة الأميني: جمع الخصال الثلاثة، وخلفها بعد رحيله إلى جوار ربه، فخلف أولادا صالحين، ومؤلفات قيمة ك " الغدير "، وصدقات جارية ك " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة ".
[ 12 ]
العلامة الأميني (قدس سره) غني عن التعريف، كان عملاقا بكل ما في الكلمة من معان سامية، ولقد صانع الأميني وجها كفاه الوجوه وجعله عملاقا في كل شئ، وزاده بسطة في العلم والجسم، وصيره نبراسا ومتراسا يدافع به عن دينه، وجعل الكلمة طوع بنانه، والبيان طي لسانه، وجعل هيبته في نفس من عرفه ومن سمع به، ولمس آثاره، بل وهابه كل شئ. كان عملاقا... في فهمه، وإدراكه. كان عملاقا... في علمه، وتحقيقاته، وتتبعاته. كان عملاقا... في تفكيره، وتخطيطه، وعزمه. كان عملاقا... في تآليفه، وكتاباته، وتعليقاته. كان عملاقا... في صبره، وجلده، ومثابرته. كان عملاقا... في شجاعته، وتصميمه، وإقدامه. كان عملاقا... في جهاده، وجهوده. كان عملاقا... في جوده، وسخائه. كان عملاقا... في إخلاصه، وصدقه حتى مع نفسه. كان عملاقا... في تفانيه، وولائه. كان عملاقا... في فصاحته وبلاغته.
كان عملاقا... في عبادته، وتهجده، وبكائه. كان عملاقا... في محاججاته، وحججه، وبراهينه. كان عملاقا... في خلقه، وتواضعه. كان (قدس سره) يذوب حبا وتفانيا في السادة الكرام من آل علي وفاطمة - صلوات الله عليهم - وكانت له مواقف عديدة وعديدة، مشهودة، مواقف ولفتات نادرة ذكية، قلما يدركها المعاصرون من أقرانه. ولقد أنسى الأميني بمواقفه الفذة، وأعماله الرائعة، الأفذاذ من أترابه، وأتعب المتأخرين عن إدراكه.
[ 13 ]
قال الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): " قيمة كل امرئ ما يحسنه ". ولقد أحسن الأميني وأجاد في أعماله الجبارة، ونتاجه العظيم الرائع، مما يدل على عظمته، وعلو همته. قام الأميني باعمال عظيمة، ومشاريع ضخمة كبيرة، عجز عن القيام بها عشرات الرجال الأفذاذ، على الرغم مما يتمتعون به من امكانات مالية هائلة، وتفكير صائب وهمم عالية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مشروعين، وهما: موسوعته العلمية التاريخية " الغدير "، الذي أصبح من المصادر المعول عليها عند المحققين، والكتاب، والمؤلفين، والخطباء في السيرة، والتأريخ، والفقه، والأدب، والشعر، والثقافة العامة، والمعارف، والمناظرات، والمحاججات. والذي أصبح لابد لكل عالم متتبع، وباحث محقق وخطيب مفوه، وشاعر مصقع، وأديب بارع من الرجوع إليه والأخذ منه. وكل من جاء بعده وكتب في حقله فهو عيال عليه، منه أخذ، وبه اقتدى.
المشروع الثاني: تأسيسه مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف (1) الذي بذل من روحه ومهجته وكل ما يملك من ملكات وإمكانات حتى اظهر المكتبة من العدم إلى الوجود، وحتى جعلها صرحا شامخا ثقافيا عالميا شاخصا من الصروح التي يشار إليها بالبنان، ولسان صدق في الآخرين. وخلال السنوات العشر الأخيرة من عمره الشريف ونيف جاب أرجاء العالم الإسلامي، باحثا في أروقة المكتبات العامة والمراكز الثقافية، وبين رفوفها العديدة، وفي بطون الموسوعات والصحاح والمسانيد والسير الموسعة، مفتشا عن تراثنا التليد من المصادر الحديثة، والروايات الموثقة، والمسانيد الصحيحة التي
(1) حاولت السلطات الرسميه - حينذاك - بكل ما اوتيت من وسائل الضغط والتأثير المباشر وغير المباشر، التأثير على سماحته في تغيير اسم المكتبة الحالي إلى غيره، لكنه أصر على موقفه كالطود الشامخ أمام تلكم الضغوط، والتيارات العاتية، فكان كما أراد. (*)
[ 14 ]
كان كتابنا وباحثونا وعلماؤنا ومؤلفونا يشيرون إليها، ويستندون عليها دون أن يملكوا شيئا منها. اقول: لقد جاب (قدس سره) تلكم البلدان، والتقط من تلكم الخزائن الجواهر الثمينة الشئ الكثير، لاستنساخها بيده الشريفة، وتصوير الكثير منها على الورق الحساس " المايكروفيلم " وطبع أفلامها على الورق، ثم جلد تلكم الأوراق، حتى أصبحت كتابا يحاكي النسخة الأصلية، وجلبها إلى مكتبته العامة، وجعلها في متناول أيدي المحققين، والباحثين، والكتاب، والدارسين، والتي كانت المكتبات الشيعية - لا سيما في النجف الأشرف - تفتقر إليها. ولقد حصل لي الشرف - آنذاك - إذ كنت من المساهمين في تأسيسها، ومن المتولين عليها.
وبهذه المناسبة، بودي أن أذكر لك عزيزي القارئ سبب إقدامي على تصوير تلك الكتب والمصادر، وقد ذكر ذلك نجله العلامة حجة الإسلام الشيخ رضا الأميني بكلمته الرائعة التي سوف نذكرها فيما بعد. ما أعظمك أيها الأميني، وما عساني أن أقول فيك ! !، وقد عجز القلم عن وصف صفاتك الحميدة، ومزاياك المجيدة، وفضائلك المشهودة. قضى الأميني عمره المديد المبارك في خدمة الإسلام، وتثبيت دعائم الدين، والولاء للرسول العظيم وعلي أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن. الى هنا اكتفي بهذا القدر من هذه المقدمة لأدخل في صلب البحث وأترجم بعضا من معالم شخصية العلامة الأميني الفذة سائلا المولى القدير أن يتغمده برحمته الواسعة ويحشره مع من تولى من النبي وأهل بيته الطاهرين - صلوات الله عليهم أجميعن - وان يرزقنا شفاعتهم، فإنه أرحم الراحمين. حسين الشاكري
[ 15 ]
شذرات من حياة العلامة الأميني الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ نجف قلي، الملقب ب " أمين الشرع " (1) ابن الشيخ عبد الله، الملقب ب " سرمست "... إلى آخر آبائه (رحمهم الله). أ - ولد العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره) في مدينة تبريز من مدن إيران عام 1320 ه، ونشأ في بيت علم وتقى، وورث المجد كابرا عن كابر. توفي في طهران في ربيع الأول من سنة 1390 ه، وشيع جثمانه الطاهر في طهران تشييعا مهيبا قلما يشيع مثله من العظماء، وقد هبت العاصمة الإيرانية عن بكرة أبيها وأغلقت الأسواق أبوابها، ثم نقل جثمانه الزكي بالطائرة من طهران إلى
بغداد، كما استقبل الجثمان في مطار بغداد إلى حرم الإمامين الجوادين في الكاظمية، ومن ثم إلى كربلاء حرم سيد الشهداء، لتجديد العهد به، وبعدها نقل إلى مثواه الأخير في النجف الأشرف بعد زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتجديد العهد معه، ودفن في المقبرة التي أعدها في حياته، وهي جنب مكتبة الإمام امير المؤمنين العامة. ب - ولد والده المغفور له الشيخ ميرزا أحمد الأميني في " سردها " القريبة من تبريز عام 1278 ه، ثم هاجر إلى تبريز للتحصيل عام 1304 ه، وأصبح من فقهاء عصره، وفضلاء مصره، وتسنم الذروة في الزهد والأخلاق والتقى في سلوكه، وكان أحد اعلام أئمة الجماعة في تبريز عام 1360 ه، وقد تشرفت بزيارته عند آخر زيارة له للنجف الأشرف، وكان حينذاك أوان بلوغي.
(1) ومنه لقبت العائلة بالأميني. (*)
[ 16 ]
ج - ولد جده العلامة الشيخ " نجف قلي " في " سردها " من نواحي تبريز عام 1257 ه، ثم هاجر إلى تبريز واستوطنها، وكان من أجلاء أعلام زمانه، ورعا، تقيا، عابدا، جمع رداء الفضائل من اطرافه. انتقل إلى رحمة الله في تبريز عام 1340 ه وأودع تربتها أمانة، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف ودفن في وادي السلام. وقد ذكر حجة الإسلام الشيخ رضا الأميني في مقدمة الجزء الأول من كتاب " الغدير " الطبعة الرابعة في طهران سنة 1396 ه = 1976 م ترجمة مفصلة عن المرحوم والده، وجده وجد أبيه، وعن حياتهم العلمية والاجتماعية، سنتناولها فيما بعد. أما ما خلف من البنين، فثلاثة أولاد - عدا البنات - من المرحومة زوجته الأولى، وهم:
الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني، الذي ما انفك ولا يزال منهمكا في التحقيق والتأليف. والثاني من ولده: حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا الأميني، الذي كان في خدمة والده أينما حل وارتحل، وكان ملازما له ملازمة الظل صاحبه، لاسيما في سفراته التي قام بها (قدس سره) إلى الهند، وسوريا، وتركيا، وغيرها من البلدان الإسلامية، التي شد الرحال إليها للبحث عن المصادر الإسلامية النادرة والمخطوطة في شتى العلوم التي تخص الباحثين والمحققين. وكان الشيخ رضا المدير العام لأعمال والده، في حله وترحاله (1). أما ولده الثالث المرحوم محمد صادق الأميني، فكان كاسبا منذ نعومة أظفاره، ومتفانيا في الولاء تفانيا منقطع النظير (رحمه الله). أما أولاده من زوجته الثانية - العلوية المصونة بنت السيد علي الخلخالي - فهم، ولله الحمد سائرون على هدى والدهم ونهجه القويم، يرتقون سلم المجد كابرا
(1) ذكر جانبا من رحلته الى الهند في اعداد مجلة المكتبة. (*)
[ 17 ]
عن كابر، لنيل العلوم والمعارف ودراستها، وهم الشيخ احمد والشيخ محمد الأميني. الى هنا اختتم كلمتي واحيل البقية الى نجله حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا الأميني ليحدثنا عن سيرته الشريفة. كانت ولادة شيخنا الوالد - طاب ثراه - عام 1320 ه بمدينة تبريز، ونشأ بها في بيت علم وتقى، وتربى على والد زاهد مولع بالعلم، مغرم بالمعارف والكمال، بين اسرة محافظة على الطقوس الدينية، مواظبة على السنن الإسلامية، ومنذ نعومة أظفاره ويانع عمره كان على جانب كبير من الشوق إلى طلب العلم، وهو يتحلى
بنبوغ فكري، ويقظة ذهنية، وقوة وقادة في الحفظ. دراسته: بدأ أولياته عند والده ودرس عليه، ثم تتلمذ على آخرين بتردده إلى مدرسة الطالبية، وهي من أهم مراكز الثقافة ومعاهد العلم المعروفة بتبريز يوم ذاك، وما زالت قائمة حتى الآن. فقرأ مقدمات العلوم، وأنهى سطوح الفقه والاصول على عدد من أجلة علماء تبريز، أمثال: 1 - آية الله السيد محمد بن عبد الكريم الموسوي الشهير بمولانا. من أئمة التقليد والفتيا البارزين في تبريز، ذو أخلاق فاضلة، وملكات حميدة، تخرج عن آيات الله: الفاضل الشربياني، والشيخ هادي الطهراني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، وتتلمذ في المعقول على آية الله الميرزا أحمد الشيرازي. ألف وصنف بحوثا هامة في التفسير والفقه والاصول. توفي في 18 جمادى الاولى 1363 ه. 2 - آية الله السيد مرتضى بن أحمد بن محمد الحسيني الخسروشاهي. من اساطين العلم، وجهابذة الفقه، وكبار علماء تبريز.
[ 18 ]
كان ناسكا، ورعا، تقيا، صلبا في دينه، خشنا في ذات الله. تخرج على فطاحل الفقه ونوابغ الأصول أمثال: آية ألله الميرزا حسين النائيني، وآية الله الشيخ عبد الكريم الحائري، وآية الله السيد ميرزا أبي الحسن الأنكجي. له آثار علمية ومآثر فكرية تنم عن طول باعه وسعة اطلاعه. توفي عام 1376 ه.
3 - آية الله الشيخ حسين بن عبد علي التوتنچي. فقيه بارز، وعالم جليل، من أساطين الفقه والأصول، واساتذة العقائد والكلام. كان على جانب كبير من الزهد والورع والاخلاق، ذو مرتبة سامية في الاوساط العلمية. ولد عام 1290 ه، وأمضى أولياته عند والده، ثم هاجر إلى النجف الأشرف للتزود من حوزتها المقدسة، وقضى بها أحد عشر عاما، وكان معظم تتلمذه على شيخ الشريعة الاصفهاني، وحضر على آية الله النهاوندي، وآية الله الشيخ محمد حسن المامقاني، وآية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي. له بحوث شيقة، وتآليف ممتعة في أصول الدين، والفقه وأصوله. توفي في 16 ذي القعدة 1360 ه. 4 - العلامة الحجة الشيخ ميرزا علي أصغر ملكي. عالم بارع، وفقيه فاضل، نال مكانة سامية في العلم، ومرتبة رفيعة في الأدب. تلمذ على جمع من أبناء مصره، وتخرجوا عليه. كان جليل القدر، رفيع المنزلة، من أبرز بيوتات تبريز وأثراها، وكان حسن الأخلاق ورعا، تقيا، زاهدا، ثقة. عاش ردحا من عمره في مسقط رأسه، ثم هاجرها إلى النجف الأشرف واستوطنها إلى أن توفي بها.
[ 19 ]
سفره إلى النجف: وبعد أن بلغ شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء الفطاحل مرتبة سامية، وأنهى دراسة الدور الذي يدعى بالسطوح، وتأهل للحضور في مرحلة درس الخارج، غادر مسقط رأسه، ميمما الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " فحلها، واستوطن بلدة باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معتكفا على طلب العلم، ساهرا على
تحصيل المعارف من فيض تلك البقعة المقدسة، جادا في بلوغ مراتب الكمال والفضيلة، فحضر على جمع من مهرة الفن، وجهابذة العصر، وتلقى الينبوع الصافي من لدن عمالقة الفقه والأصول والكلام أمثال: 1 - آية الله السيد محمد باقر الحسيني الفيروزآبادي المتوفى 1345 ه. من كبار علماء الإمامية، ومراجع التقليد والفتيا، ومن فحول الفقهاء، وأعاظم الاساتذة في الفقه والأصول، تتلمذ على آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، والشيخ محمد كاظم الخراساني. وكان إلى جانب تبحره في الفقاهة زاهدا، ورعا، عابدا، له تحقيقات علمية في الفقه والأصول. وتآليف ممتعة فيهما. 2 - آية الله السيد أبو تراب بن أبي القسام الخوانساري. من فحول العلماء، وأكبار الفقهاء، عالم عامل، ومحقق مدقق، فقيه أصولي، ومحدث رجالي، جمع بين المعقول والمنقول، وتبحر في علوم شتى، كالحساب، والجغرافيا، والرياضيات، والهندسة. كان من أساطين عصره، وجهابذة قرنه، مرجعا للعام والخاص، عابدا، تقيا، زاهدا، كريم النفس، سخي الطبع، ملازما للعمل بأداء المسنونات الشرعية كالصلوات المندوبة والصيام والاعتكاف. له تآليف كثيرة في مختلف العلوم التي كان يتقنها. توفي في النجف الأشرف عام 1346 ه ودفن بها. 3 - آية الله الميرزا علي بن عبد الحسين الايرواني. من أساطين الفقه، وأئمة الأصول. عالم فاضل، ومرجع زاهد، حاز منصة
[ 20 ]
التقليد والفتيا والتدريس، وتخرج من مدرسته أساتذة أفذاذ، وعباقرة، وعمالقة، كان لكل منهم دوره الفعال، وأثره البالغ، وخطواته المشرفة في تطوير الحركة
الفكرية، وبث الدعوة الإسلامية، وإصلاح المجتمع بالبيان والبنان أينما حل وحيثما ارتحل. وللمترجم له (قدس سره) تحقيقات علمية، وتآليف ثمينة، تستوعب آراءه ونظرياته الفريدة في بحوث الفقه والأصول. توفي في النجف الأشرف عام 1354 ه. 4 - آية الله الميرزا أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني. من أكابر علماء العصر، وعمالقة رجال هذا القرن. فقيه نحرير، ومدرس كبير، جامع للمعقول والمنقول، ربان الفقه والأصول. كان من فحول أساتذة النجف الأشرف، وفطاحل مدرسيها، محقق مدقق. تخرج عليه امة من أساطين العلم والمعرفة، وتتلمذ عنده جمع من قادة الأصول والفقاهة، له تآليف رصينة، وتحقيقات عميقة في الفقه والأصول. توفي في الكاظمية عام 1358 ه، إثر مرض ألم به، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن بها. عودته إلى تبريز: قضى شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء العباقرة أعواما، انتهل من فيض علومهم، وتزود من معارفهم، وتلقى منهم الفضائل والكمال، ونال درجة رفيعة من العلم، ورتبة سامية من المعرفة، وحظا وافرا من الأدب، ثم عاد إلى مسقط رأسه، وحط بها رحل المقام فترة غير قصيرة. كان له بها مجالس وعظ وارشاد في تهذيب النفوس وتوجيهها توجيها إسلاميا، وتغذية أبناء مدينته ببنات أفكاره وآرائه من المعارف الدينية، على ضوء الكتاب السماوي القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وأحاديث أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وقد تركت تلك المدارس
[ 21 ]
الإصلاحية، وتوجيهاته الدينية، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أطيب الأثر في نفوس هواة محافله ومجالسه، وأبقت له ذكرا خالدا إلى الأبد. وفي ثنايا تلك الخطوات الاصلاحية، وأداء الواجب الديني، عكف على المطالعة والتحقيق والتأليف، وخصص لها شطرا من وقته كل يوم، وكانت ثمراتها اليانعة تأليفه النفيس " تفسير فاتحة الكتاب "، وهو أول خطوة خطاها في هذا الميدان المقدس، وقد قام بتدريس بحوث كتابه هذا في المجالس التي كان يحاضر بها. توطنه النجف الأشرف: وبعد برهة رآى أن روحه التواقة للعلم، وشغفه النفسي يهفوان به إلى المزيد من الفضل والكمال، ويدفعانه إلى مركز القداسة والعظمة " النجف الأشرف "، حيث التزود من قدسية تلك المدينة الطيبة، والبقعة المشرفة التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، والاستفاضة من حلقات دروسها، والانتهال من ندواتها الزاخرة التي تتجلى فيها أنواع العلوم بأسمى حقائقها وأعمق مراحلها، لذلك عاد إليها، قاصدا توطنها، تاركا خلفه جل ما هيئ له في وطنه من رغد العيش، والمقام الرفيع والجاه والمنزلة، غير مكترث بالرئاسة الروحية التي كانت لوالده (رحمه الله)، والمنزلة التي كانت تتحلى بها اسرته. اساتذته واجتهاده: وفي هذه المرة، وبعد أن حل تلك التربة الزكية، واستوطن تلك المدينة الطيبة حضر على جمع من حجج الله وآياته، وفطاحل العلم، وجهابذة الفكر، وصيارفة العلوم، وحسنات الدهر، وأروى ظمأ قلبه من بنات أفكارهم، وبرد غليله من يانع علومهم، وبلغ بدراسته المرتبة التي كان يطلبها، وأحرز درجة عالية في الفلسفة والكلام، واجتهادا في الفقه، وتبحرا في الأصول، وألف بهما،
[ 22 ]
وجمع محاضرات أساتذته في الفقه والأصول، وعلق عليهما، شأن غيره من تلامذة تلك العاصمة الدينية، والمركز العالمي للثقافة الإسلامية، وبلغ رتبة الاجتهاد في المعقول والمنقول، وحاز على شهاداتهما ممن كانت الزعامة الشيعية منوطة بهم، وأزمة القيادة العلمية مفوضة إليهم، وعرفان مقدرة المتعلم في ذلك الصرح العلمي، ومكانته من استنباط الأحكام، ومقامه من خوض البحوث الإسلامية - بشتى صنوفها - منوط برأيهم. وقد عرف أساطين العصر، وقادة العلم في ذلك اليوم ما ناله شيخنا الوالد (قدس سره) من مراتب العلم، وما حازه من مدارج الفضيلة والكمال، ووقفوا على طول باعه، وغزير علمه، وفضله الكثير في الصنوف التي خاض غمارها، فقلد وسام الاجتهاد، ومنح استقلال الرأي والإفتاء من لدن: 1 - آية الله المرحوم السيد ميرزا علي ابن المجدد الشيرازي. من حسنات الدهر، وعباقرة العلم، وكبار علماء الإمامية، ومبرزي فقهائها. كان عابدا، ناسكا، زاهدا، تقيا، كريم النفس، سخي الطبع، حسن الاخلاق تتلمذ على أساطين عصره أمثال: الشيخ الميرزا محمذ تقي الشيرازي، والسيد محمد فشاركي، والشيخ محمد كاظم الخراساني. وتخرج عليهم، فنال رتبة عالية في الفقه والأصول، ومترتبة سامية في المعقول والمنقول، فذاع صيته في الأوساط، وطبقت شهرته الآفاق، وأصبح مرجع أمة من الشيعة في التقليد والافتاء. وإلى جانب تضلعه في الفقه والأصول، كان متبحرا في الكلام والحكمة والطب والتأريخ والفنون الأدبية. توفي في النجف الأشرف 18 ربيع الأول سنة 1355 ه.
2 - آية الله المرحوم الشيخ الميرزا حسين النائيني النجفي. معلم الفقهاء، واستاذ العلماء، من فحول اساطين الفقه والأصول والحكمة والكلام.
[ 23 ]
كان موصوفا بكثرة التحقيق، وعمق التدقيق، وفصاحة البيان، وحسن الخط والكتابة، وكان مرجعا للتقليد في كثير من البلاد الإسلامية. هاجر إلى العراق بعد أن حضر في اصفهان على فطاحل العلماء أمثال: الشيخ محمد باقر الاصفهاني، والميرزا أبي المعالي الكلباسي، والشيخ جهانكير خان القشقائي، والشيخ محمد تقي المعروف بآغا نجفي، والشيخ محمد حسن الهزار جريبي النجفي. وأقام في سامراء، وكربلاء، واستوطن النجف الأشرف، وتخرج على آيات الله وحججه، سادات الأمة، وشيوخ الشريعة أمثال: السيد ميرزا حسن المجدد الشيرازي، والسيد إسماعيل الصدر، والسيد محمد الفشاركي الاصفهاني. توفى في النجف الأشرف عام 1355 ه ودفن بها. 3 - آية الله المرحوم الشيخ عبد الكريم بن المولى محمد جعفر اليزدي الحائري. من فحول علماء الإمامية، وفي الرعيل الأول من شيوخ العلم وأساطين الدين، ومن كبار الفقهاء وأجلائهم، له في العلوم الإسلامية قدم راسخ، وباع طويل، تنم عنها تآليفه وتصانيفه. أقام بمعاهد العلم في النجف الأشرف، وكربلاء، وسامراء، وتزود من حلقات دروسها، واعترف بمكانته وتضلعه فحول علماء عصره. انيطت به مرجعية الشيعة، والزعامة العامة، وهبط مدينة قم فنظم تلك
الحوزة العلمية وأعاد مجدها الغابر، وأنشأ بها مدارس، ومكتبات، ومستشفيات، وقام بشؤون جميع المعاهد الدينية في بلاد إيران، وبذل النفس والنفيس دون نشر الثقافة الإسلامية في يومه العصيب. توفي بقم سنة 1355 ه ودفن بمقبرة خاصة في روضة السيدة الطاهرة فاطمة المعصومة سلام الله عليها. 4 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن بن السيد محمد الموسوي الاصفهاني. شخصية فذة، ذو عبقرية نادرة، فريد دهره، ووحيد عصره، حامل لواء
[ 24 ]
الشيعة، وقطب رحى الشريعة، من فحول علماء القرن الحاضر. كان محققا، مدققا، فقيها، أصوليا، خبيرا بتراجم الرجال وسير التأريخ، بارعا في المعقول والمنقول، نابغة في الفروع والأصول. جليل القدر، عظيم المنزلة، حوى صفات الكمال وخصال الخير، فتأهل للزعامة الدينية والرئاسة الروحية، وسار حديثه في الأوساط، طبقت شهرته الآفاق، حتى انيطت به القيادة الفكرية والمرجعية العامة في التقليد، فقام بأعبائها، واستقل بإدارتها، وتكفل تسيير شؤون المعاهد العلمية وحوزات التدريس في إيران والعراق والهند وباكستان والافغان وغيرها. كان مجلس درسه ملتقى البارزين من رجال العلم وفضلاء الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف ". توفي ببغداد عام 1365 ه، وشيع جثمانه الطاهر تشييعا مهيبا الى النجف الأشرف، ودفن فيها، وكان يوما مشهودا. 5 - آية الله المرحوم الشيخ محمد حسين بن محمد حسن الاصفهاني النجفي الشهير بالكمپاني. من فلتات الدهر، ونوابغ العصر، وفلاسفة القرن. بحر العلم والكمال، عملاق الفروع والأصول، جامع المعقول والنقول.
كان العلم الماثل، والدعامة الكبرى في التفسير والفقه والفلسفة والكلام... إلى غير ذلك من العلوم الإسلامية العقلية والنقلية، وله أشواط بعيدة في الأدب العربي. شاعر فحل، ذو قريحة وقادة، له قصائد وشعر كثير بالعربية والفارسية، امتاز ببراعة النثر وسلاسة النظم، ويمتاز شعره بدقة في المعاني ورقة في الأسلوب. عالم نحرير عامل، ومفكر محقق، قضى عمره في التحقيق والتأليف، جليل القدر، عظيم المنزلة، ازدهرت الجامعة الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " في عصره بآرائه الناضجة، وأفكاره العميقة، واستنارت ببحوثه محاضراته، استقل بالتدريس في شتى الفنون، إلا أنه امتاز بتدريس الفلسفة واشتهر بها لتسلطه
[ 25 ]
وطول باعه فيها. تخرج عليه جمع من ذوي الفكر والرأي والاجتهاد، فكان لكل منهم دوره البالغ وأثره الرفيع في تطوير الحركة الفكرية، وقيادة النهضة الثقافية، وخطوات مشرفة للجامعة الإسلامية النجف الأشرف وتقدمها، توفي في النجف عام 1361 ه، ودفن بها. 6 - آية الله المرحوم الشيخ محمد الحسين بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء. علم من أعلام الشيعة، وإمام من أئمة الإصلاح، ومن فحول آيات الله وفطاحل حججه، ومن أبرز الشخصيات العالمية للطائفة في القرن الحاضر. فقيه حجة، واصولي متتبع، وفيلسوف بارع، ومحدث ثقة، وخطيب مصقع، أديب لامع، جمع بين المعقول والمنقول، وحوى الأصول والفروع، وهبه الله آيات الكمال وسمات الرفعة والجلال. غاص في بحر العلوم، وخاض ميادين التأليف والتحقيق، ونشر في
صحائف تآليفه الكثيرة الضخمة بحوثا علمية، ودراسات فكرية، تتدفق جوانبها بالفلسفة والعبقرية، وغزارة العلم، وعمق النظر، وسعة الاطلاع. كان وجه الطائفة وعمادها، ومرجعا في الملمات، ومأوى جميع الطبقات، ناضل دون المبدأ ودافع عن حقه، وأعلن إلى العالم حقائقه وواقعه، وتجشم دون ذلك الشدائد والعناء، فساهم في المؤتمرات الإسلامية الدولية، ومثل أمته بها، وكشف عن معتقداتها المتخذة من القرآن الكريم والسنة النبوية، بخطبه الارتجالية البليغة، وفي كل خطبة له وقف الحاضرون أمام بحر خضم من العلم والمعرفة، فاعترفوا بفضله، وانقادوا لأمره، واستسلموا لنهجه، وأخذوا بأقواله وآرائه. توفى بكرند - من مصايف إيران - في 15 ذي القعدة 1373 ه ونقل إلى النجف الأشرف، ودفن بها.
[ 26 ]
مشايخه في الرواية: تيمنا بالدخول في سلك حملة أحاديث آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وتبركا بالانخراط في سلك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ولاتصال مروياته من الأخبار بالنبي الطاهر وأهل بيته الأطياب صلوات الله عليهم أجميعن، وصيانتها عن القطع والارسال، منح من المشايخ الأجلة وأئمة الحديث الاذن في رواية ما اثر عن المعصومين صلوات الله عليهم، ولكل من هؤلاء المشايخ والمحدثين طرقه المتعددة في رواية الحديث من فطاحل المحدثين وجهابذة الراوين إلى النبي الأعظم وأهل بيته (عليهم السلام). وقد صدرت تلكم الاجازات الرفيعة من معاقد العلم والتقى، ومعادن الزهد والورع، وهي - كسالفاتها - تشهد لشيخنا الراحل الأميني بالمكانة الرفيعة، والمقام المحمود من الثقة والأمانة والحفظ في نقل الحديث وروايته، وتنبئ عن سمو مكانته
ورفيع منزلته لديهم. وقد حررت هذه الوثائق التأريخية منمقة بخطوط مصدريها وموشحة بتواقيعهم، وهم: 1 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن الموسوي الاصفهاني. 2 - آية الله المرحوم السيد الميزا علي الحسيني الشيرازي. 3 - آية الله المرحوم الشيخ علي أصغر ملكي التبريزي (1). 4 - آية الله المرحوم السيد آغا حسين القمي: والعلامة القمي، فقيه متضلع، واصولي بارع، وزعيم روحي معبد، من مراجع التقليد الأفذاذ. كان زاهدا، ناسكا، كثير العبادة، على درجة رفيعة من التقى. حاز الرئاسة والزعامة مع اجتنابه لها واعراضه عنها، وأحرز مكانة
(1) مر الايعاز إلى ترجمة هؤلاء الثلاثة آنفا. (*)
[ 27 ]
مرموقة في نفوس العامة، لقدسيته وورعه. جاهد دون الدين، وصمد أمام مناوئيه بكل بطولة وشجاعة، غير مكثرت بمغبة الأمور، لا تأخذه في الله لومة لائم. لم أقف على نص إجازة هذا الحجة لشيخنا الوالد في الرواية، إلا أنه (رحمه الله) ذكر في " الغدير " ج 4 / 44 ما لفظه: (قال الأميني: وأنا أروي هذا الكتاب " مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) تأليف أخطب خوارزم " عن فقيه الطائفة في علوم الشيعة آية الله الحاج آقا حسين القمي، المتوفى 14 ربيع الأول 1366 ه). ثم ترجم شيخنا الوالد للمجيز ترجمة ضافية ذكر فيها مكانته العلمية، وورعه وتقاه وجهاده في سبيل الحق وإعلاء كلمة الدين.
5 - الحجة المرحوم الشيخ علي بن إبراهيم القمي: من أولياء الله الأبرار، وصالح عباده الأبدال، عالم فاضل، وحجة ورع، مضطلع بالفقه والأصول، بارع في الحديث. نذر نفسه لامور الدين، وشغل اوقاته به. كان تقيا، ناسكا، كثير العبادة والزهد، شديد الورع والتقى، قسم وقته بين الكتابة - بحثا وتدريسا - وبين المحراب لإمامة الجماعة والوعظ والارشاد، وكان إرشاده بقلمه أكثر منه بكلامه، حتى اشتهر بذلك أمره، وذاع في الأوساط صيته، ومال الناس إليه، على اختلاف طبقاتهم، فكانت له محبة في القلوب، وود في الأفئدة، للخصال التي كان يتحلى بها، من علو الهمة، وكرامة النفس، وحسن الخلق، ورحابة الصدر، ونكران الذات. توفي سنة 1373 ه في النجف الأشرف، ودفن بها. 6 - الشيخ محمد علي الغروي الاوردوبادي: عالم جليل، وفقيه حجة، واستاذ الحكمة والفلسفة، ومن فحول الأدباء، وفطاحل الشعراء. حضر على مشايخ الطائفة، وأساطين الجامعة الإسلامية الكبرى النجف
[ 28 ]
الأشرف، وتتلمذ على قادتها في المعقول والمنقول، فنبغ فيهما وحاز قصب السبق، واشتهر في الاوساط العلمية بنبوغه، فأكبره قادة الفكر، وبجل مقامه أئمة العلم، وتقبل آراءه الصائبة صيارفة النقد التحليل، فتوجهت إليه الأنظار، وحضر عليه جمع من فحول المؤلفين والمحققين في الفقه والتفسير والفلسفة والكلام والرجال والتأريخ، للاستفادة من نظرياته، والتزود من علمه، والاقتطاف من أدبه. له تحقيقات وتآليف تنم عن خبرته وتضلعه وضبطه للبحوث بدقة واتقان.
توفي سنة 1380 ه في النجف الأشرف، ودفن بها. كانت بين المترجم وشيخنا الوالد (رحمهما الله) صلة وثيقة، وعلاقة أخوية، دامت أكثر من نصف قرن. وقف خلالها على جل تآليف شيخنا الوالد، وسبرها مطالعة تحقيق وتمحيص، وسجل في مفتتح " شهداء الفضيلة " قصيدة عصماء في تقريظه، وله في مقدمة الجزء الثالث من " الغدير " كلمة عسجدية ضافية حول الكتاب. أما اجازته الروائية لشيخنا الوالد (قدس سره) فقد منحها له في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة 1350 ه وهي اجازة كبيرة تقع في 51 صفحة. تحوي فوائد أدبية، وفرائد تأريخية، ودرر رجالية. 7 - الحجة المرحوم الشيخ محمد محسن (آقا بزرگ) الطهراني: عالم محقق، وفقيه مدقق، محدث ثقة، ورجالي متتبع، مشارك في شتى العلوم. جليل القدر، عظيم المنزلة، ذو همة عالية، وعزم راسخ، وسعي متواصل. أتعب نفسه دون العلم والمعرفة، وبذل جهوده لإيحاء أخبار الماضين، وصرف طاقاته للوقوف على تراث الغابرين. اهتم بأخبار رجالات أمته ومآثرهم، حتى وفق إلى ابعد أشواطها، ونال أقصى مراحلها، فكان أوحديا لم يسبقه في ذلك السلف، ولم يضاهه الخلف. كان وحيد عصره في تحقيقه وتتبعه، مجدا في عمله، مثابرا بإيمان وإخلاص، لم يتوان في حياته من المطالعة ليل نهار، ولم يفارق الكتاب لحظة واحدة.
[ 29 ]
تحرى المكتبات العامة والخاصة في الأقطار الإسلامية دون هدفه السامي، ووقف على محتوياتها من تراث سلفنا الصالح، وعلى إثر ذلك كان هو (رحمه الله) في ذاته دائرة معارف لأخبار علماء الشيعة ومآثرهم الفكرية.
تتلمذ على أساطين العصر، ومشايخ الأمة، ونال حظا وافرا، وقسطا كبيرا من العلم والمعرفة، فكان طويل الباع، واسع الاطلاع في تصانيفه غني عن وصفه وإطرائه، وفي تآليفه كفاية عن تمجيده وتعريفه. كان قوي الصلة بشيخنا الوالد (رحمهما الله)، وكانا إلفين تحابا في الله وتواصلا، واستمر ذلك طول حياتهما. عاش زاهدا، ناسكا، ورعا تقيا، سعيدا في حياته لخدماته العلمية، وخطواته الثقافية المشرقة. توفي عام 1389 ه، ودفن بداره في النجف الأشرف (1). اجاز شيخنا الوالد اجازة روائية كبيرة، تقع في سبعة صحائف، نمقها بخط يده المعهود في النعومة مع سطور مندمجة، أسماها: " مسند الأمين في مشايخ الرجاليين "، كتبها في شهر محرم الحرام سنة 1353 ه. 8 - الحجة المرحوم الشيخ الميرزا يحيى بن اسد الله الخوئي. علامة في الفقه وأصوله، وفهامة في الحديث والتأريخ، من اشهر افراد مدينة خوي، جليل الذكر، بعيد الصيت، ذو مكانة علمية مرموقة، وفضيلة رفيعة، مغرما بالأدب، معروفا بحسن الخط. تتلمذ على جمع من أعلام خوي وتبريز، وتخرج على فطاحل زعماء النجف الدينيين، أجاز جمعا في الرواية، ومنهم المرحوم شيخنا الوالد، وإجازته هذه مختصرة، تقع في صحيفتين، كتبها في شهر جمادي الأولى سنة 1308 ه، وذكر فيها بعض اجازاته ممن يروي عنهم، أمثال: آية الله الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي
(1) أوقف المرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني مكتبته التحتية في حياته على مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف إذا تعرضت الى الزوال وعدم الانتفاع بها. غير ان الورثة بعد وفاته (رحمه الله) ارتأوا أن تبقى المكتبة في داره إلى جنب رمسه، لتكون نواة لمكتبة عامة. المؤلف الشاكري (*)
[ 30 ]
المتوفى 1312 ه، وآية الله الشيخ محمد الكاظمي المتوفى 1308 ه، وآية الله الشيخ فتح الله الاصفهاني النمازي المتوفى 1339 ه. توفي المترجم له في طهران سنة 1364 ه، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف، ودفن بها. زهده: وبعد أن بلغ شيخنا الوالد - طاب ثراه - منزلة الاجتهاد الرفيعة، ونال فيها المقام المحمود، عكف على التدريس والتصنيف والتحقيق، وقضاء أكثر ساعاته في الليل والنهار بالمطالعة، والتزود من التراث العلمي الإسلامي، حتى أضحى مرجعا للاستفسار عن معضلات العلوم الإسلامية، وصار ملجأ في حل مشكلات البحوث الفكرية، وصاحب رأي ونظر في التفسير والحديث والتاريخ وعلم الرجال، ومأوى للمنقبين عن المؤلفين والموسوعات. وفي المراحل التي قضاها - رضوان الله عليه - كان ملازما للزهد والتقى، ورعا، متعبدا، على جانب كبير من الصلابة الدينية، كريم النفس، رحب الصدر، حسن الخلق، عالي الهمة، عفيف الطبع، لم يأمل اي أنسان، متوكلا على خالقه بانقطاع، رغدا في عيشه البسيط، وحياته المتواضعة، شاكرا ما منحه الله من رزق ليومه، غير مكترث بالدنيا وما فيها، معرضا عنها، مقبلا على الآخرة، لا يبرح من ترتيل آى الذكر الحكيم في ذم هذه الحياة الفانية، مطمئن النفس بالدرجات الرفيعة الباقية في الدار الخالدة: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * (1). وكان يعظ بهذا أسرته وتلامذته وصحبه والوافدين عليه.
(1) القصص: 83. (*)
[ 31 ]
عباداته: وكان (رحمه الله) ولوعا بقراءة القرآن والدعاء والصلوات المسنونة، إذا قرب الفجر قام إلى صلاة الليل وقرنها بفريضة الصبح، ثم جلس إلى قراءة القرآن حتى ينهي جزءا كاملا كل يوم، مرتلا آياته بتدبر وإمعان، متزودا من حججه وبيناته، وبعد تناول طعام الصبح يأوي إلى مكتبته الخاصة، ويعكف على المطالعة حتى يحضر عنده تلامذته للتزود من بيانه العذب، ونظرياته الصائبة، وآرائه الحرة في الفقه والاصول، ويبقى مستمرا على التدريس والبحث حتى يحين أذان الظهر، فيقوم إلى أداء الفريضة، ثم يتناول طعامه، ويأخذ من الراحة زهاء ساعة واحدة، ثم يعود للعمل في مكتبته حتى منتصف الليل. وفي فترات خاصه من النهار كان لي شرف الحضور عنده، لتلقي دروسي في المرحلة الابتدائية. وكان كثير الزيارة للحرم العلوي الشريف، يقصده في أوقات مختلفة، فإذا استأذن بالزيارات المنصوصة ودخل الحرم المطهر تنكر لكل أحد وهيمن عليه الخضوع والخشوع، والكآبة والحزن، جلس قبالة وجه الإمام سلام الله عليه، وبدأ ببعض الفاظ الزيارات المعهودة مخاطبا مولاه بكلماته، والدموع تسيل على لحيته الكريمة، لا تنقطع حتى يبارح ذلك المشهد المقدس، وكانت زيارته تستغرق ساعة من الوقت فأكثر. وكثيرا ما كان يقصد زيارة سيد شباب أهل الجنة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه في كربلاء راجلا، طلبا لمزيد الأجر، ومعه ثلة من صفوة المؤمنين من خلص أصدقائه، يقضي طريقه خلال ثلاثة أيام أو أكثر، وهي لا تزيد عن 78 كيلو مترا، لا يفتر فيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والارشاد،
وإلقاء مواعظ وتوجيهات دينية على أهل القرى والرساتيق التي يمر بها، حتى يصل كربلاء المشرفة، وعندها لم يكن له هم سوى المثول بمشهد الإمام الشهيد، فيدخله ودموعه تنحدر على وجناته من لوعة المصاب.
[ 32 ]
وكانت زياراته في حالات تخص به، لم يعهد مثلها من غيره، كما أن حاله في مجالس الأئمة المعصومين كانت خاصة به، لكثرة بكائه وجزعه. وكان (رحمه الله) إذا حل شهر رمضان المبارك عطل جل أعماله، وتفرغ للصيام والعبادة في النجف الأشرف، أو بكربلاء المشرفة، وعند ذلك يلزم نفسه قراءة خمسة عشر ختمة من القرآن، يهدي ثواب أربعة عشر منها إلى المعصومين الأربعة عشر، ويخص والديه بواحدة، وكان دؤوبا على ذلك حتى السنوات الأخيرة من حياته. وإلى جانب هذه السيرة الإسلامية، والخلق المحمود لم ينس فروضه الاجتماعية تجاه ذوي الحاجات والمعوزين والبائسين، فكان كثير البر، وصولا لابناء نحلته، مساهما في احزانهم، لم يرد سائلا، ولم يخيب آملا، يحمل نفسه المتاعب والعناء حتى ينهي مشكلة بائس أو فقير، ويتفقد حال أرباب الحرف الضعيفة في حارته، ويستكشف همومهم، ثم يبذل جهده في رفعها ما أوتي الى ذلك سبيلا. مستنسخاته: وخلال انشغاله بالبحث والتدريس والمطالعة والتحقيق، وجد نفسه بحاجة إلى اقتناء بعض الكتب المخطوطة من تراثنا الفكري في البحوث الإسلامية، ولم يتأت ذلك بالشراء والاستعارة، فجد في القيام باستنساخ جملة من الكتب التي كان بحاجة إليها آنذاك، وبذل قصارى جهده في كتابتها بخطه الرائع الجميل، وكان مما
استنسخه: 1 - " دعائم الإسلام " في معرفة الحلال والحرام والقضايا والأحكام المأثورة عن أهل البيت. تأليف القاضي نعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون المغربي المصري، المتوفى 363 ه.
[ 33 ]
2 - " الأمالي ". لشيخ الأمة محمد بن محمد بن النعمان، أبي عبد الله، الشيخ المفيد، المتوفى 413 ه. 3 - " المزار الكبير ". للشيخ ابي عبد الله محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري. 4 - " إيضاح دفائن النواصب ". تأليف الشيخ أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفقيه القمي. 5 - " الطرف ". تأليف رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن طاووس الحسيني الحلي، المتوفى 446 ه. 6 - " اليقين في إمرة أمير المؤمنين ". تأليف رضي الدين علي بن موسى بن طاووس، أيضا. 7 - " نوادر الأثر في أن عليا خير البشر ". للشيخ الجليل ابي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي، نزيل الري. والكتب الأربعة الأخيرة (كتب المجموعة) كتب شيخنا الوالد (رحمه الله) بحثا
ضافيا، وتحقيقا كافيا حول محتوياتها، وأسانيد أحاديثها، يقع في 18 صفحة بالقطع الكبير، جاء في أوله بعد الحمد والصلاة ما لفظه: " أما بعد، يقول العبد الحقير الغريق في بحر العصيان، الراجي من الله العفو والغفران، عبد الحسين بن أحمد بن نجف قلي، الملقب بأمين الشرع، ابن الشيخ عبد الله المدعو بسرمست، ابن الحاج محمد بن الله يار، عفى الله عنهم يوم البوار، وحشرهم مع الأئمة الأطهار: هذه مجموعة وجيزة، واطروفة عزيزة، مشتملة على كتب معتمدة لطيفة، وأسفار معتبرة شريفة... ". 8 - " خصائص الأئمة ". تأليف الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي البغدادي،
[ 34 ]
المتوفى 406 ه. 9 - كتاب " السقيفة ". تأليف سليم بن قيس الهلالي العاملي الكوفي، المتوفى حدود سنة 90 ه. 10 - " الاجازة الكبيرة لعلماء الحويزة ". للمجيز السيد عبد الله بن السيد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري، المتوفى 786 ه. 11 - " المسائل الأربعون الكلامية ". تأليف الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، المستشهد عام 786 ه. 12 - " جذوة السلام في نظم مسائل الكلام ". للعلامة الشيخ محمد بن طاهر السماوي، المتوفى 1370 ه. 13 - " جمل الآداب ". نظم العلامة المرحوم الشيخ محمد بن طاهر السماوي.
نظم الشاعر في قصيدته هذه كتاب عيسى بن داب - المتوفى 171 ه - في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي تحتوي على سبعين منقبة، أولها: " الحمد لله العلي البادي * والصلوات في مدى الآباد " آخرها: " فان معجزاته لا تخرم * وهذه لزوم ما لا يلزم " وهناك كتب أخرى قام باستنساخها المرحوم شيخنا الوالد، يأتي الايعاز إليها عند ذكر سفره إلى الهند، ومستنسخات أخرى من مكتبة الظاهرية في دمشق الشام، لا يسعني الآن الوقوف عليها والكتابة عنها. تآليفه وتحقيقاته: وأسفرت جلادة شيخنا الوالد في المطالعة، ومثابرته في التحقيق، وجده في التمحيص، وولعه الشديد في مسامرة الكتاب ليل نهار، وقضاء أكثر أوقاته في سبر الأسفار العلمية، والوقوف على الآراء والمعتقدات في البحوث الإسلامية، عن
[ 35 ]
خطوات علمية خالدة، وتآليف فكرية غالية أتحف بها المكتبة الإسلامية العربية، وكل واحدة منها تنم عن علمه المتدفق، وفضله الكبير، واطلاعه الواسع، وما يتحلى به من طاقة وخبرة تؤهلانه لخوض هذا الميدان المقدس، واعطاء رأيه فيه بكل حزم وصلابة، وتتلخص جهوده العلمية، وجهاده الفكري في تأليف: 1 - تفسير فاتحة الكتاب: يبحث هذا الكتاب حول سورة الفاتحة في فصلين: الأول: في تفسير السورة. والثاني: في تحليل السورة، وبيان شئ من دقائقها، وتوضيح ما يستفاد منها في التوحيد، والقضاء والقدر، والجبر والتفويض، مستدلا في كل هذه
البحوث بما اثر من غرر الكلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما روي من أحاديث أهل بيته (عليهم السلام). طبع في طهران سنة 1395 ه. 2 - شهداء الفضيلة: كتاب تأريخي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، يحوي تراجم شهداء علمائنا الأعلام من القرن الرابع الهجري إلى العصر الحاضر، وهم مائة وثلاثون شهيدا، نالوا هذه الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية في الدفاع عن ناموس الإسلام المقدس، والذب عن حرم الدين. طبع في النجف الأشرف سنة 1355 ه. 3 - كامل الزيارة: تأليف فقيه الطائفة وشيخها المقدم أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى 367 ه. حقق هذا الأثر القيم شيخنا الوالد، وقام بطبعه في النجف الأشرف سنة 1356 ه وكتب في آخره ما لفظه: (لقد تحرينا غاية الصحة في طبع هذا الكتاب القيم بمقابلته مع نسخ عريقة في الصحة، منها: نسخة عتيقة مصححة بتصحيح العلامة ثقة الإسلام النوري،
[ 36 ]
ونسخة اخرى مكتوبة في أوائل القرن التاسع، وغيرهما من النسخ التي وقفنا عليها في العراق وإيران، ولم يقنعنا ذلك حتى راجعنا في تصحيح جميع ما في الكتاب من الأحاديث - متنا وإسنادا - الكتب المتأخرة الناقلة عن الكتاب، ك " الوسائل " و " البحار " و " المستدرك "، وكتب الرجال المعتبرة لأصحابنا - رضوان الله عليهم - وعلقنا عليه ما لا غنية عنه للباحث). 4 - أدب الزائر لمن يمم الحائر:
رسالة موجزة فيما يلزم أن يتحلى به زائر بقعة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه من الآداب المسنونة في الزيارة. مأخوذة كلها من أحاديث آل البيت الطاهر سلام الله عليهم. طبع في النجف الأشرف سنة 1362 ه. 5 - سيرتنا وسنتنا: هذا الكتاب جواب ضاف لسؤال وجه إلى شيخنا الوالد في حلب حول غلو الشيعة في حب آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقامة المآتم العزائية لسيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)، ودأبهم بالتأبين له كل يوم، والتعبد بتربته، والالتزام بالسجدة عليها. وقد ذكر المؤلف (رحمه الله) أربعة وعشرين مأتما أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ريحانته في بيوت امهات المؤمنين، وفي مسجده، وفي مجتمع الصحابة، فيريهم الحسين الرضيع وتربة كربلائه في يده ويقول لهم: إن امتي يقتلون هذا، وهذه تربة كربلاء، وهو باك وعيونه تدمع. وفي الكتاب بحث في خصوص السجدة وما يصح السجود عليه، والسجدة على تربة كربلاء، وبرهان صحة ذلك. طبع في النجف الأشرف سنة 1384 ه، وفي طهران عام 1386 ه. 6 - تعاليق في أصول الفقه على كتاب " الرسائل " للشيخ الأنصاري. (خ). 7 - تعاليق في الفقه على كتاب " المكاسب " للشيخ الأنصاري. (خ). 8 - المقاصد العلية في المطالب السنية. (خ).
[ 37 ]
تحت هذا العنوان بحوث ضافية في التفسير لشيخنا الوالد. في تحليل آيات من الذكر الحكيم وهي: 1 - قوله تعالى: * (ربنا امتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين...) * (1).
2 - قوله تعالى: * (ولله الأسماء الحسنى...) * (2). 3 - قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم...) * (3). 4 - قوله تعالى: * (وكنتم أزواجا ثلاثة...) * (4). 9 - رياض الأنس (خ): يقع هذا الكتاب في جزأين: الجزء الأول: زهاء 700 صفحة، وفيه آثار فكرية من النظم والنثر، عربية وفارسية، لجمع من أعلام الشعر، وكما أن فيه ذكرا لبعض الحوادث التأريخية، وفي هذا الجزء ذكر شيخنا الوالد (رحمه الله) بعض ما قام به من العبادات المسنونة، مثل: صلاة ألف ركعة في كل ليلة من شهر رمضان، وعدد ختمه للقرآن في سنوات معلومة، وزيارة أعتاب أئمة الهدى آل بيت النبي الطاهر صلوات الله عليهم، وما قام بأدائه من عبادات فيها. والجزء الثاني: يقع في 1012 صفحة، ويحوي مقتطفات من التفسير والحديث والتأريخ والآراء والمعتقدات، وهي مذكرات كتبها لبحوث أجزاء كتابه " الغدير " خلال مطالعاته. 10 - رجال آذربيجان (خ): فيه ترجمة لمائتين وأربعة وثلاثين عالما وأديبا وشاعرا من رجال آذربايجان، مرتبا على حروف التهجي، أولهم: ميرزا إبراهيم بن ابي الفتح الزنجاني، وآخرهم: عز الدين يوسف بن الحسن التبريزي الحلاوي.
11 - ثمرات الأسفار: في جزأين: الأول: ويحتوي على مقتطفات من الكتب التي طالعها بمكتبات الهند العامة، والثاني: فيه منتخبات من الكتب التي وقف عليها في سوريا. 12 - العترة الطاهرة في الكتاب العزيز - أو - الآيات النازلة في العترة الطاهرة: كان المرحوم شيخنا الوالد قد حرر دراسة للآيات النازلة في آل بيت النبي (عليهم السلام)، ووضع خطوطها، فذكر الآية وأشار إلى نصوص علماء التفسير والحديث والكلام في ذلك، وتأكيدهم على نزولها في علي وعترته الغر الميامين. والموضوع هذا كان يتطلب جهدا كبيرا في المطالعة والتمحيص، وانشغال شيخنا الوالد بموسوعته الخالدة " الغدير " لم يدع له أي فراغ ومجال من الوقت، لذلك وبعد أن أفرد بحثا ضافيا في " الغدير " لتصحيح أسانيد ما اثر من المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته الهادين في بحث " مسند المناقب ومرسلها " دمج بحوث تلك الآيات في ذلك، واستغنى عن تصنيف كتاب مستقل فيه. 13 - الغدير: الغدير الغدير، ذلك سفر * خالد في الحياة قدس سفرا دبجته يراعة الناقد الفحل * فلم تبق فيه للب قشرا أظهرت ما اختفى وأخفت عيوبا * قدست في الورث خداعا ومكرا إن يكن يصلح الخلود وساما * فالأميني، فيه أولى وأحرى (1) هذا الكتاب هو كل حياة شيخنا الراحل وجل جهوده، وهو انموذج طاقته الخلاقة، ودليل جلده في تحمل الصعاب لنيل الهدف السامي، وعنوان شخصيته العلمية، والشعلة الوضاءة لبيانه، ومعجزات بنانه.
كتاب قضى عليه ليله ونهاره، به بدأ الحياة، ومن ورائه تطلع إلى بحار البحوث الإسلامية التي لا نهاية لها، وقبل إنهاء بحثه ختم سجل تاريخه، وطوى
(1) من قصيدة للمرحوم العلامة الحجة السيد محمد جمال الهاشمي. (*)
[ 39 ]
دفتر أيامه. تطلب منه تأليفه المرور بعشرات الألوف من الكتب المطبوعة والمخطوطة، ومطالعة عشرات الآلاف من المجلدات بجميع صحائفها، مطالعة تمحيص وتدقيق، فأجاب الطلب ولبى النداء بكل عزم وصلادة، ووطد نفسه للصعاب، ورضخ أمام الواقع، وكابد الموانع والحواجز فاستسلمت له وانزاحت عن طريقه، وتركت له ميدان المعركة خلوا من كل شاغل، ليصول بها ويجول، ثم يدفع أشعة عينيه، وقواه الفكرية، وطاقاته الجسميه ثمن ذلك، ويخرج من المعركة ظافرا، قد خلد في سجل التأريخ الحقيقة ناصعة وضاءة، مشرقة كالشمس. لم ينته شيخنا الوالد من طبع كتابه " شهداء الفضيلة " عام 1345 ه حتى رآى أن موسوعته الخالدة " الغدير " تطلب منه التفرغ له بكله، وبذل جل جهوده في سبيله، وليتسنى له إخراجه إلى عالم الوجود. لذلك ترك البحث والتدريس، وغلق على نفسه باب التردد على الأندية والمجتمعات، وجلس في داره معتكفا بمكتبته الخاصة، متفرغا للجهاد في هذا الميدان الديني المقدس، محتما على نفسه الكتابة والمطالعة ست عشرة ساعة في الليل والنهار، وإن كانت الطريقة هذه في الحياة مجهدة وخارجة عن القدرة الفردية، كل ذلك ولها منه، وتعشقا إلى رسالته الخالدة في الدفاع عن ناموس الإسلام، ورد كيد الباغين عليه، وأداء للمسؤولية الدينية التي كان يحس بها، ولم يشعر في الحياة بخطورة أمر أكثر منها.
ولم ير فرحا مستبشرا طيلة انشغاله في بحث كتابه هذا، إلا عند عثوره على مصدر من المصادر التي كان يهمه الوقوف عليها، أو إنهائه تصحيح سند من اسانيد الأحاديث النبوية التي كان يعمل فيها، أو التعرف على ترجمه صحابي أو محدث مجهول، أو إسناد حديث مرسل، وربما قضى في ترجمة رجل في سند حديث نبوي أو تصحيح لفظه أكثر من عشرة أيام يصرف عليه ليله ونهاره. وعلى إثر هذه الخطوة المجهدة والعمل المضني لم تكن حياة شيخنا الوالد
[ 40 ]
- طاب ثراه - إلا عناء، فقد أمضى نصف قرن من عمره في تأليف سفره هذا " الغدير ". مطالعته: وما إن خطا خطوته الأولى في هذا السبيل حتى أخذ طريقه إلى مكتبات النجف العامة والخاصه، وراح يقضي بها جل نهاره، ويستنسخ من نفائسها كراريس لبحثه، ثم يقوم بتنظيمها في مكتبته الخاصه، غير مكترث بالعوامل الزمنية من الحر والبرد وما شاكل ذلك. وكان هو من بين المتأخرين ممن ادركوا نفائس ما تبقى من مخطوطات المكتبة الحيدرية " الخزانه الغروية " وسبر محتوياتها، ووقف على أوراقها المبعثرة بدقة وإمعان. كما تسنى له مطالعة ما تضمه سائر مكتبات النجف الأشرف الأثرية الخاصة، وهي تحتفظ - آنذاك - في خزائنها على أنفس المخطوطات الفكرية، وأثمن التحف العلمية، التي كانت في مكتبات السلف الصالح من أساطين العلم، وجهابذة الفكر، وعمالقة تلك الجامعة الإسلامية الكبرى وغيرهم من علماء الإسلام. فقد طالع جل محتويات: مكتبة المرحوم آية الله السيد جعفر ابن السيد محمد باقر بحر العلوم النجفي،
المتوفى 1377 ه. ومكتبة المرحوم آية الله الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء النجفي، المتوفى 1373 ه. ومكتبة الحجة السيد محمد صادق ابن السيد حسن بحر العلوم النجفي دام ظله. ومكتبة العلامة الشيخ محمد بن طاهر السماوي، المتوفى 1370 ه. ومكتبة العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي (قدس سره). ومكتبة الحسينية التسترية.
[ 41 ]
والأخيرة هي المكتبة الوحيدة العامة في النجف يوم ذاك، وكان شيخنا الوالد (رحمه الله) يكثر التردد إليها، للاستفادة من كنوزها، ولما رآى أن من العسير عليه التزود من تراث تلك المكتبة الأثرية، لكونها في زاوية حسينية معرضة لإقامة الحفلات في المواسم الدينية، واجتماع الناس بها لتشييع الجنائز أو للتأبين في أكثر الأوقات، وهذا ما يحول بينه وبين المطالعة، فلم ير بدا سوى الذهاب إليها ليلا، فأخذ يؤمها في أول الليل ومعه قوته ويدخل المكتبة ويغلق مديرها الباب عليه، فيبقى بها طول الليل ساهرا بالمطالعة والاستنساخ، ولم يعلم بالوقت الا حين يفتح له الباب لأداء فريضة الصبح، ثم يعود إلى الدار حيث العمل بالمكتبة الخاصة. واستمر على هذا مدة حتى وقف على كل كبيرة وصغيرة من كتب تلك الخزانة القديمة. وبعد أن قضى وطره من مكتبات النجف الأشرف، أخذ يتجول في مدن العراق، فوقف في كربلاء على ما تضمه: خزانة المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني.
ومكتبة المرحوم الخطيب الشيخ محسن أبو الحب الحائري. ووقف على بعض المخطوطات الأثرية في البيوتات القديمة. وفي الكاظمية وبغداد إطلع على جل ما تحويه: مكتبة المرحوم آية الله السيد حسن الصدر الكاظمي، التوفى 1354 ه. ومكتبة المرحوم الشيخ مهدي ابن الحاج حسن كبة. ومكتبة السيد عيسى العطار. ومكتبة الوجيه الشيخ محمد رضا شالچي موسى (الخالصي). ومكتبة حسينية آل الحيدري. ووقف في سامراء على المحتويات العلمية النفيسة لمكتبة المرحوم الحجة الشيخ الميرزا محمد العسكري الطهراني، المتوفى 1371 ه، واطلع على التراث العلمي في غير هذه من مكتبات بغداد والحلة والبصرة العامة والخاصة. وبعد ان استوعب العلامة الأميني (قدس سره) معظم ما في المكتبات في المدن المذكورة
[ 42 ]
من الكتب، وطالعها مطالعة تحقيق وتدقيق، يمم شطر البلدان الإسلامية العريقة بتراثها الضخم، التي تدخره في خزائنها العتيدة من كنوز الكتب الخطية النادرة. مبتدئا سفره بالقارة الهندية، ومن ثم قصد البلد الشقيق سوريا، واردفه بتطوافه بمكتبات العاصمة الإسلامية السابقة القسطنطينية " تركيا " ومكتباتها العريقة في مدن استانبول، وانقرة، وازمير، وغيرها. بالرغم مما كان يعاني من الآلام المبرحة من جراء المرض العضال، الذي ألم به حتى ارداه صريعا بين براثن المنون. انا لله وانا إليه راجعون. سوف نذكر ذلك في الفصل التالي الخاص برحلاته وثمرات اسفاره.
[ 43 ]
ربع قرن مع شيخنا كان المرحوم العلامة الأميني صديقا حميما للمرحوم والدي، وقد حدثني الشئ الكثير عنه، إذ توفي والدي وأنا لم ابلغ الحلم، ولم اعرف عن خصوصياته إلا النزر اليسير، وإليك هذه الحادثة الطريفة التي حدثني بها سماحته: قال (قدس سره): في سنة 1355 ه = 1935 م وفقني الله لحج بيته الحرام، وفي تلك السنة حج آية الله العظمى السيد عبد الحسين الحجة، وكان من أبرز علماء كربلاء المقدسة ومراجعها، وكان موقفنا الشرعي في الحج يختلف عن الموقف السعودي، وكان من الصعب على الحجاج الشيعة - آنذاك - أن يقفوا موقفا مخالفا لموقفهم - الموقف الاضطراري - وإذا وقف الحاج ربما يعرض نفسه للهلاك، وما يقف الموقف الاضطراري إلا الحجاج المخضرمين، الذين يعرفون كيف يسلكون بأنفسهم لنجاتهم، لأن الحكومة السعودية منعت ذلك منعا، باتا وأرسلت دوريات عسكرية تجوب المنطقة لمنع ذلك، وهي تنادي " ألا برئت الذمة ممن تخلف ". لا يزال الحديث لشيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره)، قال: هرع الحجيج يوم التروية (1) إلى عرفات، وخرجنا مع من خرج، وكنت أنا شخصيا قلقا من عدم توافق الموقفين أتوكف الأخبار وأستشف الأنباء من هنا وهناك، وأسأل وأستفسر من الذين ألاقيهم من معارفي، لعلي أجد عندهم الجواب الشافي لأخرج من المأزق الحرج، ولأتخذ الموقف الصحيح.
(1) التروية يعني يوم الثامن من ذي الحجة الحرام. (*)
[ 44 ]
وكان المرجع الديني " الحجة " ثابت على موقفه المخالف للموقف السعودي، والحجاج الشيعة في بلبلة وحيرة، ولا يدرون ما يعملون، حتى حل وقت العصر من يوم عرفة وضاق الوقت، وجاء من يخبرني بأن " الحاج محمد الشاكري " -
يعني المرحوم والدي - يدعي رؤية الهلال وسوف يقف مع الموقف السعودي، فقلت للذي أخبرني: إذا كان حقا ذلك فإن شهادته عندي بشهادتين، إذهب وابحث عنه لعلنا نجد عنده الجواب الشافي، فذهب يبحث عنه فلم يعثر عليه ولم يرجع المخبر، فازدادت حيرتي، واشتد قلقي، ومالت الشمس إلى المغيب، وأنا غارق في بحر تفكيري، حيران ذاهل عن التوجه والتضرع في الدعاء تلك الساعة الفريدة وأقول: إلهي ما العمل ؟ عند ذلك توجهت إلى الكعبة المشرفة، ودعوت الله سبحانه وتضرعت إليه مناجيا ربي: إلهي نحن ضيوفك هذه الليلة، ونريد أن نتفرغ لعبادتك ومناجاتك والتقرب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي، لا تسلبني مناجاتك والتوجه إليك، إلهي أين أجد الآن " الحاج محمد الشاكري " في هذا البحر المتلاطم بأمواج الحجيج، لأسأله ؟ ! ويحلف (قدس سره) قائلا: ما إن أتممت دعائي والتفت خلفي وإذا " بالحاج الشاكري " أمامي، فتعانقنا وتصافحنا، ثم قلت له: سمعت من ينقل عنك إنك رأيت الهلال وثبت عندك الموقف مع السعودية ؟ ! ! قال: معاذ الله: ما قلت ذلك أبدا، وسوف أقف الموقف الاضطراري. واتفقنا معا، ووقفا الموقف المطلوب الصحيح. رحمهما الله تعالى. كنت معجبا بشخصية العلامة الأميني (قدس سره) الفذة منذ صباي، وقبل أن أعرف نفسي، وكنت أزوره في مكتبته، التي هي عبارة عن غرفة مستقلة من داره البسيطة المتواضعة، فأجده غارقا في بحر متلاطم من الكتب في العلوم، والمعارف، والمفاهيم الإسلامية، وغائصا في اعماق التاريخ من خلال المصادر، والأسانيد والموسوعات العظيمة المحيطة به. وكلما تقدم الزمن وعرفت نفسي انفتحت لي منافذ جديدة على شخصيته
[ 45 ]
الرائعة، وعلمه الجم، وتعمق ارتباطي الروحي به والانسجام النفسي معه. وصار مثلي الأعلى في سيرتي وسلوكي وأخلاقي، وبادلني الشعور بالمثل، فأحاطني بلطفه ورعايته، حتى أصبحت موضع سره واعتماده، فكان يبثني همومه وشكواه، ويكشف لي عوالج نفسه وكل ما كان يختزنه في وجدانه، فكنت أعيش همومه ومحنته واشاطره آلامه ومشاعره. إليك عزيزي القارئ هذه الباقة العطرة مما ثبت في ذاكرتي من شذى أحاديثه، وشذرات طيبة مما تركه في نفسي وخاطري من أحاديثه الشيقة القيمة (قدس سره)، وما عشته وشاهدته في أيامه، ومما سمعته من الآخرين في حقه. وسوف أذكر بعضها بالمعنى لا بالنص: عندما كان يتشرف سماحته بزيارة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) وقضاء بعض أعماله، كان يشرفني وينزل في داري ببغداد ومن معه معززا مكرما، وكان أولادي مشغوفين به، يستقبلونه كما يستقبل الأطفال جدهم الحنون، ويرحبون بقدومه ويأنسون به، ويتسابقون إلى لثم أنامله وتقبيل يديه الكريمتين، وكان بدوره يحضنهم ويضمهم إلى صدره " الحنون "، وإن ولدي عدي - وهو أصغرهم سنا - كان طفلا يأتي إليه ويأخذ يده يقبلها، ثم يمد يده الصغيرة إلى فم سماحته ليقبلها بدوره مثل ما يعمل هو، ثم يأخذه سماحته ويضمه إلى صدره. القصة الأولى: التفاتة ذكية وفقني الله لخدمة أحد المرضى المؤمنين في معالجته، وبعد شفائه قدم لي هدية جميلة تذكارية، وكان ذلك في سنة 1955 م = 1375 ه ق، والهدية عبارة عن لوحة خشبية محفور عليها الآية القرآنية، التي تخص الصيام بالحروف البارزة: بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم) *. كانت اللوحة جميلة ورائعة حقا، فلم أجد مكانا في جدران غرفة
[ 46 ]
الاستقبال ولا في الصالون الداخلي في الدار لأضعها، غير جدار في صدر غرفة الطعام، فوضعتها هناك دون قصد، وكان ذلك قبيل شهر الصيام المبارك بأيام. فلما شرفني في تلك الأيام سماحة العلامة الأميني، وجلس على مائدة الطعام، حانت منه إلتفاتة وشاهد اللوحة أمامه، وقبل أن يتناول طعامه قال: ما هذه اللوحة ؟ ! ! محتجا ومستفسرا، قلت ببساطة: هذه لوحة قرآنية اهديت لي توا، قال بحدة مازحا: إرفعها حالا، امتثلت للأمر فرفعتها من الجدار، ثم قلت له مستفسرا: لماذا ؟ وأنا غافل قال: كيف تريدني أن آكل وهذه الآية تأمرني بالصيام، فتبسم وتبسمت فعرفت مغزى كلامه. القصة الثانية: حدثني سماحة العلامة الأميني (قدس سره) عندما تشرف لحج بيت الله الحرام (1) بهذه الحادثة، قال: تشرفت بحج بيت الله الحرام، ولما صارت ليلة التروية خرجت من مكة المكرمة قاصدا عرفة، وبت تلك الليلة في منى، وبعد صلاة الفجر من يوم عرفة استأجرت مكاري لحمل أمتعتي، قاصدا عرفة، ولما وصلتها وجدت الموقف عاجا بالحجيج، وكلما حاولت - عبثا - أن أحصل على مكان ما ولو بمقدار نصب خيمتي فما استطعت، وصرت أدور في مكاني يمينا وشمالا، حتى حانت مني التفاتة، وشاهدت من بعيد سرادقا كبيرا أمامه فسحة واسعة مفروشة بالبحص الناعم، محاطا بالعسكر والحرس، قصدته، فلما وصلت المكان أمرت المكاري أن ينزل أمتعتي، فأعطيته أجرته وذهب، ثم باشرت في نصب خيمتي وحدي، وصاح بي
العسكري وناداني من بعيد ليمنعني، فلم أعره أذني ولم أهتم به، حتى ولم ألتفت إليه، جاء العسكري حتى وصل إلى جنبي وأمسك بيدي ليمنعني من قصدي، فوقفت وقلت: ما تريد ؟ ولماذا تمنعني من نصب خيمتي ؟ متجاهلا ما حولي، قال
(1) الظاهر أن سماحته تشرف بحج بيت الله الحرام مرتين، الاولى سنة 1355 ه = 1935 م، والثانية سنة 1375 ه = 1955 م. (*)
[ 47 ]
العسكري: (ممنوع)، فقلت: لماذا ؟ ! مستغربا قال: ألم تر، هنا سرداق الأمير، فصحت بأعلى صوتي ليسمعني من في السرداق، مستغربا ومحتجا، وقلت: أمير ؟ ! ! قل لأميرك: " فليرحل من أرضنا " هذه أرض العبيد، " وليس للأمراء مكان هنا "، فذهل العسكري واسقط ما في يده، وذهب ليبلغ أميره كلام " العلامة الأميني "، فعرف عند ذلك الأمير أن المتكلم ليس بالرجل العادي فهابه ولم يعد لمنعه، " لأن كلام الملوك ملوك الكلام ". القصة الثالثة: وعلى ذكر الحج، في المدينة المنورة: في سنة 1955 م = 1375 ه تشرفت بحج بيت الله الحرام، ومن حسن الصدف كان سماحة العلامة الأميني (قدس سره) قد تشرف هو أيضا بحج بيت الله في نفس السنة، وكان بمعيته المرحوم أخوه وولده الشيخ رضا الأميني، وقد زرت سماحته عدة مرات بالمدينة المنورة. وكان من أصدقاء المرحوم والدي في المدينة المنورة السيد عبد الرسول ابن السيد عمران الحبوبي دعاني في بيته، وعمل مأدبة عشاء فخمة، ودعا إليها بعض الأصدقاء من الحجاج العراقيين ومن أهل المدينة، ثم قال لي السيد الحبوبي ادع من شئت من أصدقائك من الحجاج ومعارفك، فقلت: ما عندي أحد غير الشيخ
الأميني، وهو يتحرج من الحضور في أي مكان خشية وتقية، لأنه مؤلف كتاب " الغدير ". قال السيد الحبوبي: دلني عليه وما عليك، فذهبنا معا إلى مسكن سماحة الشيخ الأميني عصرا، وكان على وشك الخروج من البيت لزيارة الحرم النبوي المطهر، فعرفت السيد الحبوبي لسماحة الشيخ وتعانقا، ثم دعاه السيد لحضور مأدبة العشاء، فاعتذر وامتنع من إجابة الدعوة، قال السيد الحبوبي لسماحة الشيخ بدون مقدمات: ألست تدعي أنك خادم جدتي الزهراء ؟ ! قال الشيخ: بلى والله،
[ 48 ]
وأتشرف بذلك، قال: إذن أقسم عليك بجدتي الزهراء أن تلبي دعوتي، قال: سمعا وطاعة، ثم التفت إلي وقال: ما هي إلا فتنتك، فتبسم، وقبل الدعوة وكانت مأدبة عامرة بحضارها وطعامها، وامسية روحانية شيقة رائعة. القصة الرابعة: حدثني شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره) بتأريخ 1385 ه = 1964 م بالنجف الأشرف، قائلا: رأيت فيما يرى النائم كأني دعيت إلى حضور حفلة استقبال عظيمة في محل عام واسع، كأنه مسجد الكوفة، ولما حضرت الاجتماع وأشرفت على محل الاحتفال، وجدت الاف المدعوين جالسين على الأرض، بعضهم في حجر بعض من شدة الزحام، وكأن على رؤوسهم الطير، ولا يمكن زحزحة أحدهم قيد أنملة. وشاهدت في صدر المجلس منصة ترتفع عن رؤوس الجالسين قليلا، وكان عليها خمسة كراسي جلس عليها خمسة أشخاص، في الوسط سيد جليل القدر مهيب الجانب يشع من وجهه نور ساطع، وإلى يمينه رجل كهل ممتلئ الجسم، مربوع القامة، كث اللحية، ذو هيبة وحيوية ووقار، وإلى جانبه شاب جميل
الصورة نوراني الطلعة، وإلى يسار السيد الجليل سيدة مبرقعة الوجه متوشحة بلباسها، وإلى جانبها شاب جميل الصورة نوراني الوجه، كما رأيت خلفهم رجلا طويل القامة، أسمر الوجه، مشرب بحمرة، ذا عينين براقتين حادتين، وعلى رأسه قلنسوة هرمية كأنه لباس أهل تركستان. تصورت - عند ذلك - أن السيد الجليل هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجالس في الوسط، والجالس إلى يمينه الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلى جنبه الإمام الحسن (عليه السلام)، والجالسة إلى جنب السيد الجليل هي السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإلى جنبها الإمام الحسين (عليه السلام)، والواقف خلفهم هو مولاهم قنبر (1).
(1) هذا الوصف مما رسخ في ذهني وتخيلته في ذاكرتي. (*)
[ 49 ]
لا يزال الحديث لسماحة العلامة الأميني (قدس سره)، قال: فلما أشرفت على محل الحفل قام الكهل - الذي حسبته الإمام عليا (عليه السلام) - من على المنصة وأشار إلي بيده واستدعاني من دون الناس، فتوجهت إليه أتخطى رقاب الجالسين، محاذيا الجدار حتى صرت خلف المنصة، ولما أردت الصعود قامت السيدة - التي حسبتها فاطمة الزهراء - وأدارت ظهرها للجالسين واستقبلتني، رافعة البرقع من على وجهها النوراني، ولما رأيتها صعقت وأخذتني الرجفة، واستيقظت من نومي فزعا مرعوبا، وكان ذلك قبيل الفجر بقليل. الحديث لا يزال لسماحة العلامة الأميني، قال: ثم قمت من فراشي لأسبغ الوضوء استعدادا للصلاة والعبادة، ولكني مازلت ذاهلا مرتبكا من جراء الحلم، وقد أخذ مني كل مأخذ، حتى طلوع الشمس، عند ذلك ارتديت ملابسي وخرجت قاصدا أحد العلماء من أصدقائي، له اطلاع بتفسير الأحلام، فقصصت عليه ما رأيت في المنام " الحلم "، وبعد الانتهاء، من
حديثي تبسم، وقال: أبشر سوف تصاهر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتتزوج إحدى بناتها. وفعلا تحقق الحلم، بعد فترة قصيرة سافر العلامة الأميني إلى إيران وتزوج العلوية بنت المرحوم آية الله السيد علي الخلخالي، وأنجب منها أولادا صالحين. بعد أن استمعت القصة كاملة من سماحته، قلت له مازحا ومعلقا: شيخنا الجليل، كل خدماتك التي قمت بها لا تشفع لك عند أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليها السلام) حتى تصاهرهم وتتزوج ابنتهم، فتبسم سماحته وعرف مغزى تعليقي ومزاحي. القصة الخامسة: من رؤى العلامة الأميني على حوض الكوثر... حدثني شيخي واستاذي آية الله العلامة الورع السيد محمد تقي الحكيم عافاه
[ 50 ]
الله - صاحب كتاب " الاصول العامة للفقه المقارن " - في النجف الأشرف، بعد وفاة العلامة الأميني رضوان الله عليه قال: حدثني أحد علماء خوزستان الأجلاء ذكر اسمه - ولكني نسيت اسمه - قال: رأيت فيما يرى النائم، كأن القيامة قد قامت، والناس في المحشر يموج بعضهم في بعض، وهم في هلع شديد، وفي هرج ومرج، كل واحد منهم مشغول بنفسه، ذاهل عن أهله وأولاده، ويصيح: إلهي نفسي نفسي النجاة، وهم في أشد حالات العطش، ورأيت جماعة من الناس يتدافعون على غدير كبير، من الماء الزلال، تطفح ضفتاه، وكل واحد منهم يريد أن يسبق الآخر لينال شربة من الماء، كما رأيت رجلا نوراني الطلعة، مربوع الجسم، مهيب الجانب يشرف على الغدير، يقدم هذا ويسمح لذاك أن ينهل ويشرب، ويذود آخرين ويمنعهم من الورود
والنهل. " الحديث لا يزال للشيخ الخوزستاني ": قال: عند ذلك علمت أن الواقف على الحوض والمشرف على الكوثر هو الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتقدمت وسلمت على الإمام (عليه السلام) فاستأذنت منه لأنهل من الغدير وأشرب، فأذن لي فتناولت قدحا مملوءا من الماء فشربته، ونهلت. وبينما أنا كذلك إذ أقبل العلامة الأميني (قدس سره) فاستقبله الإمام بكل حفاوة وتكريم معانقا إياه، وأخذ كأسا مملوءا بالماء وهم ان يسقيه بيده الشريفة، فامتنع الأميني في بادئ الأمر، تأدبا وهيبة، ولكن الإمام (عليه السلام) أصر على أن يسقيه بيده الكريمة، فامتثل الأميني للأمر وشرب. قال الشيخ: فلما رأيت ذلك تعجبت، وقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين، أراك رحبت بالشيخ الأميني، وكرمته بما لم تفعله معنا، وقد أفنينا أعمارنا في خدمتكم وتعظيم شعائركم، واتباع أوامركم ونواهيكم، وبث علومكم ؟ ! ! فالتفت إلي الإمام (عليه السلام) وقال: " الغدير غديره " فاستيقظت من نومي وقد عرفت
[ 51 ]
- حينذاك - ما للعلامة الأميني من منزلة عند الله عز وجل وعند رسوله الكريم وعند أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين. معجزة للإمام (عليه السلام) شاهدها الأميني: سمعت ممن سمع من العلامة الأميني (قدس سره) يقول: كنت في ليلة من ليالي القدر في حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد منتصف الليل، ولعلها كانت ليلة القدر، ليلة شهادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكنت مشغولا بالعبادة والتهجد، إذ دخل الحرم رجل قروي حاملا ابنه الكسيح، فأنزله
من على متنه وربطه بالضريح المطهر وجلس عنده برهة، ثم قال لولده باللهجة الدارجة: " بوي آني رايح آكل فرني من باب الصحن وأجيك أشوفك علي طيبك "، أي: " إني ذاهب إلى خارج الصحن لأتناول قليلا من المحلبي ثم أعود إليك لأرى أن الإمام علي (عليه السلام) قد شافاك من مرضك ". فتركه في مكانه وخرج من الحرم، يقول الشيخ الأميني: ولقد لفت نظري كلام القروي الذي قال لولده بضرس قاطع، وكأنه على موعد من الإمام (عليه السلام) في شفاء ولده الكسيح حتما، وذلك بإذن الله تعالى، لما لأمير المؤمنين من منزلة رفيعة عنده. ثم أردف الأميني قائلا: سلبني كلام هذا القروي توجهي، وأصبحت أتوقع حدثا مهما، وما أن انقضت ساعة إلا وقام الصبي الكسيح من عند الضريح على قدميه وهو يصرخ وينادي والده: " بوي إنت وين عفتني ؟ " أي: " لماذا تركتني وحدي ؟ "، وفي هذه الأثناء دخل القروي والد الكسيح إلى الحرم، وشاهد ولده واقفا على قدميه، فناداه: " ها بوي طيبك علي ؟ " أي: " يا ولدي شافاك الإمام علي (عليه السلام) ؟ "، فأمسك ولده بيده ماشيا على قدميه وخرجا من الحرم المطهر، وكأن شيئا لم يكن، وكأنه لم تحدث معجزة ولا كرامة لأمير المؤمنين (عليه السلام).
[ 52 ]
نكتة طريفة: كنت على مائدة سماحة العلامة الأميني (قدس سره) ظهر يوم من الأيام نتناول طعام الغداء، وكان يحدثني بتخطيطه للمراحل التي ما بعد إكمال بناية المكتبة، وتأثيثها، وأنا مأخوذ بأحاديثه الشيقة، استمع إليها، فجأة توقف عن حديثه وابتسم، فلفت انتباهي، وقال: احدثك هذه النكتة الطريفة: دخلت يوما الدار فوجدت الأطفال - من أحفادي وأسباطي - يلعبون في ساحة الدار ولم يشعروا بورودي، وكان بيد
أحدهم " مصباح كهربائي عاطل "، وكان معتزا به، فقال له الآخر: اخفيه عن جدنا إذا حضر، ولا تدعه يراه، فقال الذي بيده المصباح لماذا ؟ ! ! قال: أخشى إن رآه عندك يأخذه منك، ويذهب به إلى المكتبة ؟ أقول: ما ترك الشيخ الأميني شيئا ذا قيمة وشأن في داره إلا وأخذه إلى المكتبة، حتى الأطفال اصبحوا يشعرون بذلك، لذلك كان الأطفال يحذر بعضهم البعض. بادرة جديرة بالذكر: حدثني العلامة الأميني (قدس سره) قال: بعدما أنهيت أعمالي اليومية خرجت إلى السوق الذي هو قريب من دار سكناي (1)، لأشتري ما أحتاجه للبيت من طعام، وكنت واقفا على محل القصاب لأشتري اللحم، وكان إلى جنب القصاب دكان بقالة لسيد ضعيف الحال، فانتهز هذا السيد وقوفي ونزل من دكانه ليحدثني في مسألة، وهم أن يتكلم في حاجته ولكن بعض الطلبة المحيطين بي حال دون ذلك فانشغلت وما استمعت لحديث السيد وطلبه. وما أن وصلت الدار تذكرت فتركت ما اشتريت من لحم وخضروات ورجعت إلى السيد مسرعا، لأستمع إلى طلبه وما يريده، فلما وصلت قام السيد
(1) وهو سوق الحويش - أحد أسواق النجف الاربع حينذاك يقع في الجنوب ينتهي إلى باب قبلة الصحن الشريف. (*)
[ 53 ]
البقال وطلب من الشيخ الأميني أن يدخل دكانه، قال الشيخ: لما صرت داخل دكانه، قام وأدار ظهره إلى السوق وفتح حزامه الذي هو حبل من ليف، وقال للشيخ: انظر ما على جسمي غير هذا الرداء المهلهل والعلويات اللواتي في بيتي لا يملكن سوى عباءة واحدة يتناوبن عليها لأداء فريضة الصلاة، وليس لهن ما
يسترن أجسادهن به. يقول الشيخ - وهو الذي يذوب حبا في خدمة السادة من أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) قال: لما سمعت كلام السيد استشطت غضبا وقلت: أين الأغنياء وأهل الحقوق الشرعية وسهم السادة ؟ ! ! فأمسكت بيد السيد وأنزلته من دكانه وقلت: تعال معي، وقصدت به مسرعا إلى الحرم المطهر، لأشكوا إلى جده الإمام من ظلم من يأكل الحقوق الشرعية، وما ان وصلت باب الصحن الشريف، وإذا بالحاج عبد الحسين أبو الريحة " البستاني " (1) يناديني، وقد سلمني مبلغ ثلاثين دينارا - وكان يومذاك مبلغا كبيرا - وقال: إن الشيخ الفلاني - وهو من رؤساء العشائر المحيطة بالنجف الأشرف - قدم هذا المبلغ هدية لك لتستعين به على امورك، قال العلامة الأميني: أخذت المبلغ فورا وسلمته بكامله إلى السيد، وقلت له: خذ هذا المبلغ، أرسله لك جدك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخذ السيد المبلغ وكاد يطير فرحا وذهب مسرورا إلى داره وعياله. أقول: علما أن هذا المبلغ كبير جدا بالنسبة لذلك اليوم، وربما يكفيه لمصرف سنة كاملة، ومع ذلك لم يبق الشيخ منه شيئا لنفسه مع شدة حاجته. زيارة المكتبة: في سنة 1387 ه = 1966 م زرت سماحة العلامة الأميني، في مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة بالنجف الأشرف، لأهنئه بمناسبة عيد الغدير، وكان من المهنئين
(1) المرحوم والد الدكتور محمود البستاني، والدكتور محمد جواد البستاني - الصيدلي وغيرهم في قم والدكتور عباس البستاني في كندا حاليا. (*)
[ 54 ]
صديقنا الدكتور حسين محفوظ، وبعد الانتهاء من مراسم الزيارة والتهنئة، قال لي الدكتور محفوظ: هل ترغب بزيارة الشيخ أغا بزرگ الطهراني ؟ (1) قلت: لا بأس،
فإنه كان صديق المرحوم والدي، ولما دخلنا عليه قدمني الدكتور محفوظ له وعرفه بي، فرحب بي وجلست إلى جانبه، أحببت أن اعرفه بنفسي أكثر قلت له إني ابن الحاج محمد الشاكري، فلما سمع اسم المرحوم والدي قام من مجلسه " بصعوبة لعجزه " وعانقني مجددا، وقال: المرحوم والدك كان صديقا لي، وانتزع خاتما من خنصره، كان عقيقا أحمر مسطحا مكتوبا عليه اسمه ولقبه، وكان يختم به رسائله ومستنداته الشخصية، وقال: هذا الخاتم أهداه والدك لي قبل أكثر من خمسين سنة، وحفر عليه اسمي بنفسه (2)، ومنذ ذلك الوقت وللآن أنا استعمله واستفيد منه وأدعو له، فتعجب الدكتور محفوظ، بهذه العلاقة والحرفة معا. والمرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني كان من أبرز المحققين والمصنفين في علم الرجال ومعرفة الكتب من بين العلماء في النجف الأشرف، وعنده مكتبة عامرة كما وكيفا وقد أوقفها في حياته إلى مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجف الأشرف، لتنقل إلى المكتبة بعد وفاته (رحمه الله)، وقد قرأت الوقفية بنفسي. المبادئ الهدامة: في زمن الشاه المقبور غزت المبادئ الهدامة الوافدة منها والمتوطنة، جميع أنحاء إيران ومرافقها الرسمية وغيرها، وتغلغلت في النفوس، لا سيما الشباب منهم، وكانت لهذه الجمعيات مراكز لبث سمومها، ومحافل علنية لعقد اجتماعاتها، منتشرة في المدن الكبيرة والمناطق الحساسة، وكانت مجازة من قبل السلطات الحاكمة حينذاك رسميا. وأبرز تلك الجمعيات نشاطا وتأثيرا: الماسونية، والبهائية، ومن ثم
(1) صاحب كتاب موسوعة " الذريعة في تصنيف أعلام الشيعة ". (2) حرفة المرحوم والدي كانت الحفر على الاحجار الكريمة وتجارتها. (*)
[ 55 ]
الشيوعية، والصهيونية، وأخيرا غزا البلاد المذهب الوهابي الضال المضل، كل ذلك كان يجري تحت سمع ونظر الشاه، وبتشجيع من الوزارة التي كان يرئسها البهائي الماسوني " عباس هويدا "، وأصبح دعاة هذه المبادئ الهدامة والجمعيات بيدهم المعاول الفتاكة، لهدم وتخريب المبادئ الفاضلة، والقيم، والاخلاق التي بشر بها الإسلام، حتى تركت هذه الهجمة الشرسة، والغزو البربري المتحلل من كل القيم والأخلاق بصماته، وخلق البلبلة في نفوس الشباب المثقف منهم خاصة، وقد عجز العلماء، والخطباء، والمرشدون عن الوقوف بوجه هذا التيار، بل الإعصار الجارف المدمر. فضعفت المقاومة الإسلامية شيئا فشيئا، واعترى بعض حملة شعار الدين الضعف، وأصابهم الفتور، وتسرب إليهم الخمول، وكادت الكارثة أن تحل بعامة المسلمين، ومال بعض المثقفين إلى العلمانية وارتدوا عن الإسلام. غير أنه تصدى بعض الغيارى من العلماء والمثقفين الواعين لجهاد الملحدين، وشمروا عن ساعد الجد للوقوف بوجه العاصفة، والتصدي لحملة المبادئ الضالة المضلة، وكان في طليعتهم آية الله المجاهد العلامة الأميني رضوان الله عليه، وتسنم الصدارة في الخطابة من على منابر خراسان واصفهان (1) والمدن المهمة المحيطة بها إلى شيراز، حيث وفد المذهب الوهابي من السعودية عبر الخليج مدعوما بالأموال الطائلة. وبقي العلامة الأميني شهرين أو أكثر يصعد المنبر كل ليلة في إصفهان ولمدة ساعتين أو ثلاث، ليلقي بياناته وحججه في تثبيت دعائم الإسلام، وتفنيد المبادئ الوافدة التي بعثتها قوى الصليبية والصهيونية العالمية واتخذوا النظام الماسوني، والبهائي، والوهابي والشيوعي مخلب قط بوجه حملة الإسلام ومبادئه، كما فضح العلامة الأميني أساليبهم الملتوية الهدامة، والقوى الشريرة الملحدة، كما ورد في
الحديث الشريف: " الكفر ملة واحدة " وكرر تلك الكلمة السيد الخميني (قدس سره).
(1) كانت بدعوة المرحوم السيد حسين خادمي لزيارة اصفهان. (*)
[ 56 ]
حتى استطاع - بعد هذه الجهود الجبارة المضنية - أن يمسك بيده المبادرة، ويعيد معظم الشباب المنحرف إلى جادة الصواب، وإلى التمسك بعرى دينه، وقيمه، وأخلاقه. هذا ما حدثني به سماحة العلامة الأميني، بعد عودته إلى النجف الأشرف من سفرته إلى إيران، والتي دامت أكثر من أربعة أشهر. وهذه واحدة من بطولاته في ساحات الجهاد، التي تعددت إلى عدة جبهات. من سن سنة سيئة: حدثني شيخي واستاذي العلامة الأميني (قدس سره) في داري ببغداد (1) قائلا: كان في طهران جماعة من التجار المؤمنين، الذين يتصدون لأعمال الخير، وكانت عند أحدهم قطعة أرض واسعة في مكان مهم وحساس من طهران، وكان يفكر أن يشيد على القطعة مسجدا ومحلات ومكاتب تجارية يدر ريعها على المسجد ومشاريعه. غير أن بعض أصدقائه، الذين ينظرون إلى الأمور بالمنظار المادي البحت، رجح له أن يشيد عليها دارا للسينما ومحلات ومكاتب تجارية، ثم من وارداتها يصرف على الأمور الخيرية. أخذت الفكرة منه موقع الاستحسان، بالإضافة إلى غريزة حب المال والتكاثر المتأصلة في نفس الإنسان، ووسوة الشيطان، فأقدم على تشييد دار للسينما وملحقاتها، وجنى منها أموالا طائلة. مرت السنون والأعوام، ثم توفي الرجل وترك ثروته الطائلة لورثته، ومنها دار السينما، وأسدل الستار ونسوا مورثهم.
وفي يوم من الأيام دعا الورثة أحد أصدقاء والدهم من الذين يعتزون به - وهو لا يقل عن والدهم ثروة وتدينا وعطاء - دعاهم إلى داره على مائدة طعام، فلما حضروا وأكلوا ونهلوا وشبعوا، قال لهم: أتدرون لماذا دعوتكم ؟ قالوا: أنت
(1) انقل القصة بالمعنى. (*)
[ 57 ]
مثل والدنا تتلطف علينا، ثم سألهم: هل إن والدكم قصر في حقكم وفي تربيتكم، وتعليمكم، والصرف عليكم ؟، قالوا: لا، بل تفضل، ونحن دائما نذكره بالخير ونترحم عليه ثم أخذ يبين لهم حقوق الأبوين، ويحثهم على البر بهما، حيين كانا أو ميتين، وما احوجهما إليهم بعد وفاتهما إلى البر بهما. ثم قال لهم: إني رأيت والدكم قبل أيام، كما يرى النائم، أنه في حال سيئة للغاية يرثى لها ومعذب بأشد العذاب، كل ذلك بسبب بنائه دار السينما، ويقول: كل عرض فيلم يقام في دار السينما يقيمون ملائكة جهنم له حفلا مثلها، وهو الآن يستصرخكم، ويناشدكم بحق الأبوة التي له عليكم أن تنقذوه من هذا العذاب وتخلصوه من هذه الورطة، وهو يطلب منكم أن تهدموا دار السينما. وجم الورثة لما سمعوا طلب أبيهم، وصار كل واحد منهم ينظر بوجه الآخر وهم في ذهول ودهشة ! ! أخيرا طلب كبيرهم مهلة، لينظروا في أمرهم ويتشاوروا فيما بينهم، وقد مر الاسبوع والأسبوعان والثلاثة، وما حرك واحد منهم ساكنا، إلى أن دعاهم مرة ثانية، وعمل لهم وليمة فاخرة، وسألهم عما توصلوا إليه من رأي ؟ أجابه كبيرهم مستفسرا من الحاج: أليس المرحوم والدنا هو الذي بنى دار السينما ؟ قال: نعم، ولكنه ندم على غلطته وتحمل عذابه، وهو ينشدكم الله أن تنقذوه. قالوا: هو الذي غلط وهو الذي يتحمل غلطته ! ! ونتائجها ! ونحن لا يسعنا
أن نهدم هذا الصرح الشامخ. تعجب الحاج وبهت من جواب الورثة، وصارت له هذه الحادثة المؤلمة درسا وعبرة، أهكذا يكون جوابهم، وهل من الوفاء أن يتركوا أباهم يعذب عدة مرات باليوم وهم يتنعمون بما خلفه لهم ! ! وبالتالي سيلحقهم العذاب مثله. فليعتبر المعتبرون ؟ ! ! " ومن سن سنة سيئة " إلى آخر الحديث.
[ 58 ]
الأميني يتحدى الظالمين: حدثني العلامة الأميني (قدس سره) في داره بالنجف الأشرف، أو في داري ببغداد سنة 1965 م، لا أتذكر ذلك أنقلها بالمعنى: قال: اجتمع بعض المعممين من رجال الدين من أبناء العامة، وبعض من الشخصيات المرموقة في أجهزة الدولة، ومن العسكريين، والقضاة حينذاك وغيرهم. اجتمعوا بالحاكم الطائفي " نور الدين النعساني " بعد أن طغى وتجبر باحكامه العرفية بالأبرياء من الشباب المؤمنين، حينذاك، وطلبوا منه إحالة " العلامة الأميني " على القضاء ومحاكمته بإثارة الطائفية، والتفرقة بين المسلمين بسبب تأليفه كتاب " الغدير "، الذي أثار الشبهات على الخلفاء الثلاثة بأحاديث الغدير وغيره. وأخذ هؤلاء النفر يحرضونه على الانتقام منه عن طريق القانون. قال الحاكم " النعساني ": آتوني كتابه حتى أقرأه ثم اجيبكم على طلبكم، فلما جاؤوه بالأجزاء المطبوعة من كتاب " الغدير " طلب منهم مهلة ليقرأه، وليجد بعض الثغرات القانونية، والمواد الجرمية، وليقدمه إلى المحاكمة ويحكم عليه بأقسى مواد القانون دون رحمة أو شفقة.
مرت أيام وتبعتها أسابيع والنعساني لم يتطرق إلى كتاب " الغدير " بشئ، على الرغم من الاجتماع بهم الذي كاد يكون يوميا، ولما طال بهم الانتظار طالبه بعضهم بالجواب. قال: باستطاعتي الحكم عليه بالإعدام وتنفيذه وحرق كتبه ومصادرة أمواله وكل ممتلكاته، وإجراء أشد التنكيل به وبمن يلوذ به بشرط واحد، هل تستطيعون تحقيقه ؟ فتحمس المجتمعون وقالوا كلهم: نعم ننفذ ونحقق كلما تطلبه منا. عند ذلك قال: الشرط هو أن تحرقوا جميع مصادركم، ومسانيدكم،
[ 59 ]
وكتبكم، وصحاحكم، حتى لا تكون له الحجة علينا عند تقديمه للمحاكمة. فبهت الذين ضلوا وانحرفوا، واسقط ما في أيديهم وقالوا مستفسرين: كيف يمكن ذلك ؟ ! ! قال: لأن جميع الأحاديث والروايات التي نقلها هي من صحاحكم، ومسانيدكم، وسيركم. وأثبتها في كتابه " الغدير " في محاججاته، ومناظراته، ومناقشاته. عند ذلك اسقط ما في أيديهم ورجعوا بخفي حنين، خائبين مخزيين مخذولين - ألا لعنة الله على القوم الظالمين - والعاقبة للمتقين. ولأجل توضيح خلفيات هذه الحادثة، بودي أن أشرح لكم بعض الحيثيات والظروف والملابسات المحيطة بها، حتى تكونوا على بينة من واقع الأمر. أقول: إني - شخصيا - أعرف معظم رجال هذه العصابة المجرمة وأدوارهم في معاداتهم المؤمنين الشيعة، والوقوف بوجه تقدمهم، والحد من نشاطاتهم في كل المرافق، لا سيما في أجهزة الدولة، الذين يعتبرون أنفسهم هم وحدهم ورثة الحكم
البغيض العثماني، وإليكم الموجز: كان ديدن رجال الحكم المتقاعدين، ومن في الحكم، قد أسسوا جمعية غير رسمية، منذ تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، التي ورثوها من مخلفات الحكم الطائفي العثماني البغيض المقبور. وكان منهم عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء سابقا. كانوا يجتمعون عصر كل يوم ومساءه في بيت أحدهم (1) يسمونه " القبولي "، وفي هذه الاجتماعات يتسامرون ويلعبون الورق " القمار " أحيانا، ويستعرضون ما استجد من الأمور في أجهزة الحكم في الدولة ومؤسساتها، عسكرية كانت أو برلمانية أو إدارية في الوزارات كافة، يقدمون هذا من جماعتهم ويؤخرون ذاك
(1) معظم هولاء يسكنون الاعظمية، وهي أحدى محلات بغداد مقابل الكاظمية يفصلها عنها نهر دجلة. (*)
[ 60 ]
ممن لا يروق لهم، أو يضعون الخطط في ترسيم سياسة كل وزارة، وغيرها، حتى وصل الأمر إلى تقريرهم قبول طلاب الكليات وعدمه، ودائما يدفعون جماعتهم إلى المراكز المهمة والحساسة في الدولة، ويدفعون الشيعة عنها. وأما إذا تقدم أحد الشباب النابه في جهاز الدولة من الشيعة غفلة عنهم، عسكريا كان أو في الوزارات، أو في البرلمان، لا سيما إذا كان التعيين في مكان حساس، تقوم قيامتهم، فيقومون بخلق المشاكل والعراقيل، والتخطيط للإطاحة به، حتى لا يصل إلى مستواهم من المراكز المهمة الحساسة، حتى لو كان هذا ممن يسايرهم، كل ذلك يجري بواسطة أولادهم وذويهم المتمركزين في أجهزة الدولة، وكان الحاكم النعساني أحدهم. كما أن غلق " جامعة الكوفة " ومطاردة مؤسسيها تم عن هذا الطريق، وكاتب هذه السطور أحد الضحايا.... فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الأميني في الأعظمية: كان العلامة الأميني (قدس سره) مشغولا في تأليف موسوعته " الغدير "، وقد وصل إلى فصل مهم من فصول الكتاب - وأظنه - " نوادر الأثر في علم عمر " أو غيره من الفصول المهمة، ولغرض جمع الأحاديث وربطها مع بعضها، والتي تخص البحث الذي بيده، وصل إلى طريق مسدود، لأن الكتاب الذي فيه تتمة بحثه مفقود وتعطل البحث لفقدان الحلقة التي تربط سلسلة أحاديثه بعضها بالبعض (1). ولما عجز عن ذلك قصد حرم أمير المؤمنين، واقفا أمام الضريح المطهر شاكيا إليه معاناته في الحصول على هذا لمصدر، ولسان حاله يقول: سيدي الكتاب كتابك وقد عجزت عن الحصول على المصدر المطلوب، فإن كان لك حاجة بالكتاب هيئ لي مصدره، " وخطاب الأميني لإمامه يختلف عن خطابي أو خطاب أي رجل عادي ". وفي اليوم الثاني زاره - حسب العادة - العلماء والفضلاء، وهو بدوره يسألهم
(1) هذه واحدة من معاناته في تأليفه، في البحث عن المصادر التي ربما تأخذ منه أشهر. (*)
[ 61 ]
عن الكتاب المفقود - قال أحدهم: الكتاب الذي تبحث عنه في الأعظمية عند أحد علماء السنة - قال لي الشيخ اسمه ولكني نسيته - والذي أظنه أحد الثلاثة: إما أن يكون نجم الدين الواعظ، أو عبد الجبار الأعظمي، أو شخصا من بيت الآلوسي - على كل حال - وأردف المخبر: إن هذا الرجل متعصب جدا وناصبي، بالاضافة إلى أنه ضنين بكتابه لا يعيره لأقرب المقربين إليه، فكيف تستطيع الحصول عليه ؟ ! ! قال العلامة الأميني (قدس سره): أستعين بالله عليه. قال: في اليوم الثاني عزمت السفر إلى الكاظمية، وكان ذلك في شهر رمضان والوقت صائف وحار جدا، خرجت من النجف الأشرف فجرا قاصدا زيارة سيد
الشهداء (عليه السلام) في كربلاء، وكنت صائما ثم فطرت على الماء فقط، ومن ثم قصدت الإمامين الجوادين (عليهما السلام) في الكاظمية، وبعد أداء مراسم الزيارة توجهت إلى الأعظمية، لأبحث عن الكتاب المفقود وصاحبه. وصلت الأعظمية ضحى، سألت عن دار الشيخ فدلني أحدهم عليه، فلما طرقت الباب خرج الشيخ بنفسه، وما أن رأيته سلمت عليه مصافحا وأقبلت عليه معانقا، فبهت الرجل واستوليت على كيانه ومشاعرة، وكان نحيف الجسم قصير القامة (1)، بعد ذلك قلت له: علمت أن في مكتبتك الكتاب الفلاني، وقد جئت من النجف لاطالعه وأقرأه، اخذ الرجل وبهت ولم يحر جوابا، وبحكم الهيمنة عليه ما استطاع أن يعتذر مني أو يردني، فقال: تفضل شيخي واصعد إلى المكتبة لتطلع على ما تريد، وصعد معي - والحديث لا يزال للعلامة الأميني - قال دخلت المكتبة وشاهدت الغبار يعلو جميع أجزاء المكتبة، والكتب مبعثرة هنا وهناك، وكأنها مهجورة منذ زمن بعيد ولم تمسها يد منذ أشهر وربما سنين، تركني صاحب المنزل وحدي ونزل، عند ذلك فتحت حزامي - عادة يكون من قماش - ووضعت عمامتي وقبائي فيها وغطيتها عن الغبار، وابتدأت بتنظيف الكتب، وإزالة الغبار وعزلها، وأنا أتصبب عرقا من شدة الحر والجو الخانق، لا مروحة، ولا ماء، حتى
(1) بينما كان العلامة (قدس سره) مديد القامة، عريض ما بين المنكبين، ذا هيبة وجاذبية. (*)
[ 62 ]
ولا طعام، واختلط الغبار بالعرق على رأسي ووجهي وأطرافي، وأنا مشغول في مطالعاتي واستنساخي، حتى العصر وأخذني الإعياء، ولم اصل فريضتي الظهر والعصر، ولا مر علي أحد، وقد احتجت إلى الماء لأشرب وأتطهر. عند ذلك طرقت الباب الداخلي فجاء الشيخ والنعاس في عينه فارتبك لما رآني بهذه الحالة، ثم قال: أنت لا تزال هنا ؟ ! ! وما هذا الغبار الذي يعلو رأسك
ووجهك. فو الله لقد نسيت أنك لا تزال هنا بهذا الحر، ونسيتك تماما، وقد تغدينا ولم يبق عندنا شئ نقدمه لك من الطعام إلا القليل. قال الشيخ: لا بأس عليك، آتني بماء لأشرب وأتوضأ، فنزل مسرعا وجاء بالماء، وبعد أن أتم الشيخ صلاته جاءه بالطعام معتذرا لقلته، وقال: هذا الذي فضل من غدائنا - مما يدل على أن شهر الصيام لم يصل إلى دارهم بعد - وهناك كلام كثير حول هذا، ولكني أطوي عنه، روما للاختصار. وعلى أي حال فقد حصل سماحته على بغيته، واستنسخ ما يريد استنساخه بعد العمل المضني الشاق، وهكذا يكون طريق ذات الشوكة من الأولياء، والمجاهدة في سبيل تحقيق ما يصبون إليه، وهذه واحدة من المعاناة التي تحملها العلامة الأميني في تثبيت ركائز ودعائم الدين والولاء. فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، وحشره مع المجاهدين الصابرين. زارني الليلة وهي ليلة الجمعة الخامس من شهر الصيام 1416 ه في داري بقم المشرفة، العلامة المجاهد الشيخ محمد مهدي الآصفي، وجرى حديث شيق عن العلماء والكتب والكتاب والمؤلفين، كما جرى ذكر العلامة الاميني (قدس سره) فذكرت شذرات من حياته الشريفة، فانبرى سماحة الشيخ الآصفي وحدثني قصة سمعها عن المرحوم العلامة الأميني نقلا عن حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد النوري الذي كان ملازما له ومكتبته في النجف الأشرف، وقد سمع القصة منه (قدس سره) مباشرة - انقلها بالمعنى - قال العلامة الأميني: كنت في احدى ليالي الجمع زائرا حرم امير
[ 63 ]
المؤمنين (عليه السلام) مشغولا بالزيارة والدعاء، طالبا من الله سبحانه وتعالى وبشفاعة امير المؤمنين ان يهيئ لي كتاب درر السمطين النادر في حينه قبل أن يطبع لإكمال
بحث مهم من فصول الغدير، وبينا كنت مشغولا بالدعاء إذ حضر قروي لزيارة الامام (عليه السلام) طالبا من حضرته ان يقضي حاجته ويشافي بقرته، وبعد اسبوع جاء القروي نفسه لزيارة الإمام (عليه السلام) ليشكره ويشكره على استجابة طلبه وقضاء حاجته. ومن حسن الصدف أني كنت حاضرا بالحرم الشريف اجدد العهد واقوم بواجب اداء الزيارة، ولما سمعت كلام القروي هزتني الحادثة، لأن الإمام (عليه السلام) قضى حاجة القروي ولم يقض حاجتي وطلبي. أخذت مني هذه الحادثة مأخذها وانفعلت، فقلت مخاطبا الإمام: استجبت طلب القروي وقضيت حاجته، ! ! وانا صار لي مدة اتوسل الى الله بحقك ان احصل على الكتاب المفقود ولم احصل عليه، وهل ان الكتاب اريده لنفسي أو لكتابك الغدير ؟ بكيت وجرت دموعي، ثم خرجت من الحرم وأنا في حالة نفسية سيئة وتلك الليلة ما اكلت شيئا من شدة تأثري واويت الى فراشي ارقا، رأيت كما يرى النائم اني تشرفت بخدمة أمير المؤمنين، قائلا لي: القروي ضعيف الايمان وما يصبر عن حاجته. نهضت من نومي وأنا فرح مستبشر وفي الصباح وانا على مائدة الافطار إذ طرق الباب جار لنا وكان شغله بناء، فلما دخل سلم وقال: شيخنا اني اشتريت دارا جديدة أوسع من هذه، ونقلت معظم فرشي فوجدت هذا الكتاب القديم وكان عندنا في زاوية الغرفة، قالت لي زوجتي: هذا الكتاب ما ينفعك ولا تقرأه، قدمه هدية الى جارنا الشيخ الأميني لعله يستفيد منه. قال الأميني اخذت الكتاب ونفضت ما عليه من غبار، وإذا به نفس الكتاب الخطي الذي كنت ابحث عنه من مدة غير قصيرة. عند ذلك سجدت لله شكرا على هذه النعمة.
[ 64 ]
لقاء بين علمين: في حديث لشيخنا الوالد - طاب ثراه - قال: وقفت في (جريدة الساعة) البغدادية الصادرة في شهر محرم عام... (1) على قصيدة عصماء للاستاذ حسين علي الأعظمي وكيل عميد كلية الحقوق ببغداد في رثاء الحسين (عليه السلام) واشار في التعليق على بعض أبياتها إلى أن له مؤلفا في حياة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحببت أن اقف عن كثب على تأليفه وأسبر طريقته في ذلك. وإن وجدت لديه نظما في واقعة (الغدير) جعلته ضمن شعراء القرن الرابع عشر الهجري. فقصدت داره وكانت على مقربة من احدى سفارات الدول الغربية، فطرقت الباب فخرج الي خادمه فسألته عن الاستاذ فأجاب نعم هو موجود في الدار، فطلبت مواجهته فخرج الي الاستاذ وما أن رآني اخذ يفكر في السر الذي دعاني الى زيارته، لم قصد هذا العالم الشيعي زيارتي ؟ أهو بحاجة للتوسط في قبول ابنائه في الجامعة ؟ أم للتوسط في توظيف أحد منسوبيه في احدى الدوائر ؟ فبدأته بالسلام وقلت: أنا أخ لك في الدين، فان كنت في شك من اسلامك فأنا قبل كل شئ اعترف باسلامك وايمانك لما سبرته في قصيدتك العصماء في رثاء سيدنا السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) من نزعة دينية. وإن كنت في شك من اسلامي فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق. فخرج الاستاذ إلى خارج الدار ومد يده للمصافحة، عند ذلك بسطت له ذراعي واحتضنته فتبادلنا القبلات وسار بي الى الغرفة الخاصة باستقبال زائريه. عند ذلك افتتحت الحديث بالكلام حول قصيدته، وتطرقت الى ما اشار إليه في التعليق على بعض ابياتها وأن له مؤلفا حول الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وانني قصدته من النجف الأشرف لأشكره على قصيدته ورؤية مؤلفه. خلال بحثنا فيما عرضته عليه دخل الغرفة بكل أدب اشباله الثلاثة، وكانوا
من ذوي الثقافة العالية عليهم سيماء العلم والأدب. وبعد المصافحة وتبادل عبارات
(1) لم يحضرني التاريخ بصورة دقيقة واكثر ظني أنه كان بين اعوام 65 - 1367 هجرية. (*)
[ 65 ]
الترحيب، اغتنم الاستاذ الأعظمي الفرصة واراد أن يستخبر ميزان ثقافتي وعلمي، وما أتحلى به من العلوم الاسلامية فقال: شيخنا ما رأيكم حول كتاب (عبقرية الامام) تأليف الاستاذ المصري عباس محمود العقاد ؟ ولم يكن مضى على عرض كتابه في الاسواق التجارية سوى اشهر عديدة، وقد لاقى اقبالا كبيرا بين الشباب العربي والاسلامي. قلت: لا اخال أن الاستاذ العقاد كتب ما يشفي الغليل، إذ ليس بوسعه ولا بوسع امة من امثاله عرفان شخصية الامام على حقيقتها مهما جدوا واجتهدوا في ذلك. وبهذا طرأ على الاستاذ وابنائه استغراب وتفكير، واستغرق ذلك شيئا من الوقت في جو يسوده الهدوء. فتقدمت بالكلام وقلت: تسمحون لي، قد اكون انا في كلامي اوجدت نزاعا بينكم. إذ بعد أن اترك الدار ستقوم القائمة بينكم، فتعترضون على والدكم قائلين: يا بابا ! كيف يتسنى لشخص بهذه البزة وهذا الهيكل أن يقف على الغث والسمين ويتعرف على ما جاء في كتاب (عبقرية الامام) ؟ وستكون اجابة الاستاذ إليكم: كلا يا ابنائي، ليس الأمر كما تزعمون، بل إن الرجل عالم من علماء امة من المسلمين، وعلى علم بكل شئ، الا أنه لا يروقه أن يثنى على كتاب اديب سني مخالف لنزعته الدينية، وحتى لا اكون اضرمت نار الفتنة بينكم سأقوم بحسم النزاع بعد ان اعرض على الاستاذ شواهد كلامي، وان كنت مخطئا فسيتولى مناقشتي برأيه الصائب ويقضي بالحق وهو استاذ القضاء ومربي رجالاته. عند ذلك سألت الاستاذ الأعظمي قائلا: هل يسعنا أن نقيس الاستاذ العقاد
في الفكر والنظر بواحد من العلماء امثال: أبي نعيم الاصفهاني، الفخر الرازي، ابن عساكر، الكنجي الشافعي، أو أخطب خوارزم واضرابهم ممن كتبوا حول الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) مؤلفا خاصا، أو تطرقوا الى ناحية من حياته في تآليفهم ؟ أجاب الاستاذ قائلا: شيخنا، من الجفاء بحق العلم والعلماء ان نقيس مائة من امثال العقاد بواحد ممن ذكرتم، إذ ان اولئك اساطين العلم وجهابذة الفكر
[ 66 ]
الاسلامي، ولا يتسنى لانسان أن يسبر ما كانوا عليه من مكانة سامية في الحديث والتفسير والحكمة والفلسفة وسائر العلوم الاسلامية. قلت: إذن ما السر في أن اولئك حينما يتطرقون الى ذكر الامام (عليه السلام) لم يتفوهوا في وصفه ببنت شفة بآرائهم الخاصة، بل يذكرونه بما وصفه الوحي الالهي وما روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه ؟ قال الاستاذ الأعظمي: هذه نظرية مبتكرة نرجو توضيحها كي نستفيد منها ونقف على السر الكامن فيها. قلت: ألم نكن في دراستنا للمنطق قرأنا قول علمائه: يشترط في المعرف أن يكون أجلى من المعرف ؟. فالصحابة وأئمة الحديث حيث وقفوا على قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): " علي ممسوس بذات الله " (1). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا علي ما عرف الله الا انا وانت، وما عرفني الا الله وانت، وما عرفك الا الله وأنا " (2). اهتدوا الى أن وجودا، هذا جزء يسير من خصائصه وصفاته، من العسير على الامة عرفان حقيقته الا بما وصفه المولى عز وجل به. فاعلنوا الى الملأ أن عليا من المعنيين بقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (3).
وقوله تعالى: * (قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى) * (4). وقوله تعالى: * (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (5).
(1) حلية الاولياء ج 1: 68. (2) مناقب ابن شهر اشوب ج 1 باب مناقب علي (عليه السلام). (3) سورة الاحزاب: الآية 33. سنن البيهقي ج 22: 5، صحيح الترمذي ج 2: 209، مستدرك الحاكم ج 2: 416. (4) سورة الشورى: الآية 23. تفسير الطبري ج 25: 16، حلية الاولياء ج 3: 20، مستدرك الحاكم ج 3: 172، اسد الغابة ج 5: 367. (5) سورة المائدة: الآية 55. تفسير الطبري ج 6: 186، اسباب النزول ص 148، كنز العمال ج 6: 319، = (*)
[ 67 ]
وقوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) * (1). وان خير معرف للامام (عليه السلام) وخصائصه الذاتية هو ما أصحر به النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " (2). وقوله: " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق مع علي حيثما دار " (3). وقوله: " علي خير البشر من أبى فقد كفر " (4). وقوله: " علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " (5). ونرى الاستاذ العقاد قبل اشهر عديدة نشر كتابا حول الشاعر ابن الرومي وهو من رجال القرن الثالث الهجري، وله تراجم مسهبة في كتاب التاريخ والسير، ولم يتحل بشئ من الخصائص فوق خصائص الإنسان في حين أخذ العلماء
والاساتذة عليه شطحات كثيرة، ونشروا حولها مقالات مسهبة لعدم عرفانه بسيرة الرجل وسلوكه، أو اخطائه في تحليل تاريخ حياته، أو بعده عن دراسة نفسيته، أو سوء تفهمه لفلسفة الرجل وشعره. فمؤلف هذا مبلغه من العلم في الكتابة عن انسان في شاكلته، وهذه سعة اطلاعه عمن انبرى مئات من الكتاب في الكتابة عنه، كيف يتسنى له أن يعرف بفكره ونظره شخصية ممسوسة بذات الله، وان يكتب عن قطب رحى الحق الذي يدور الحق معه حيثما دار ؟ وان كنت أنت أيها الاستاذ قد اتبعت في تأليفك طريقة العقاد فأراني في غنى
= تهذيب التهذيب ج 11: 439. (1) سورة السجدة: الآية 17. تفسير الطبري ج 21: 68، اسباب النزول ص 263، الرياض النضرة ج 2: 206. (2) الغدير ج 1: 14 - 16. (3) صحيح الترمذي ج 3: 166، تاريخ بغداد ج 14: 321. (4) تاريخ بغداد ج 7: 421، تهذيب التهذيب ج 9: 419، كنوز الحقايق ص 98. (5) المعجم الصغير للطبراني ج 1: 255. (*)
[ 68 ]
عن مطالعته، وان اتبعت في كتابك سيرة السلف واعتمدت في بحثك على كتاب الله وسنة نبيه فسأكون شاكرا لك لو سمحت لي بمطالعته. اجاب الاستاذ الاعظمي قائلا: كلا يا شيخ، انا سرت في كتابي على كتاب الله وسنة نبيه، وسأكون شاكرا لك مدى الحياة لو سبرت كتابي بدقة وأخذت علي ما فاتني مع ما افضته علي من حديثك العلمي. قلت له: هات بحثك وأظهر رؤوس عناوينه. فاوعز الى أحد انجاله بذلك
فأحضر ملفا ضخما كبيرا وقال: أنا قمت بتحليل شخصية الامام شرحا وبيانا في الكلام حول اربعة أحاديث. الاول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيثما دار ". قلت له: أترى هذه فضيلة تخص عليا سلام الله عليه ؟ قال: بلى، ولم يشاركه فيه أي ابن انثى. قلت: فما تقول في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار " ؟ وأوعزت الى مصادر الحديث. وجم الاستاذ حينما سمع ذلك، وطأطأ برأسه وطرأ على الحفل هدوء مشفوع بتأثر مزعج، وبعد دقائق رفع الاستاذ رأسه وقال: شيخنا نسفت ربع البحث بحديثك وقضيت على الحول الذي بذلته دونه. قلت له: بل أحييت لك كتابك وأظهرت لك بالحديث الذي ذكرته ما خفي عنك وعن الصحابة قبلك السر الكامن فيه. قال: وما ذلك ؟ قلت: عندما أصحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثه حول علي سلام الله عليه، لم يدرك المجتمع الاسلامي الناحية الهامة الكامنة في الحديث، لذلك أصحر بحديثه حول عمار ليدرك المجتمع مكانة علي سلام الله عليه الالهية بذلك. ففي حديث علي (عليه السلام) جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا محورا للحق وقطب رحاه، قال: " علي مع الحق والحق مع
[ 69 ]
علي يدور الحق مع علي حيثما دار علي ". وفي حديث عمار قال: " عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار الحق ".
وبهذا اراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين للعالم أن عليا (عليه السلام) هو قطب رحى الحق، والحق يدور معه حيثما دار هو سلام الله عليه، وكل طالب للحق عليه أن يكون على صلة في علي (عليه السلام) كي يتسنى له أن يعرف الحق ويتصل به ويسير على نهجه. هنا طرأ على الاستاذ وانجاله فرحة وسرور فقالوا بصوت عال: الله أكبر، الله أكبر، ما أحلاه من شرح وتوضيح يقام له ويقعد. الى هنا اختتم ما سمعت من حديث شيخنا الوالد - طاب ثراه - وما رسخ في بالي - ومنه سبحانه وتعالى استمد العون والتسديد. والحمد لله رب العالمين - رضا الأميني منقبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بحق العلامة الأميني حدثني آية الله السيد عباس الكاشاني، عندما تشرفت بزيارته في داره بقم المقدسة، يوم ولادة الإمام الرضا (عليه السلام) مساء الثلاثاء 11 ذي القعدة الحرام من سنة 1415 ه مهنئا له، ومستفسرا عن صحته، ومستعيرا منه " معجم رجال الفكر "، لأطلع على ما كتب فيه بحق العلامة الأميني (قدس سره). وجرى الحديث عن حياة العلامة الأميني، فحدثني عن نادرتين سمعهما منه مباشرة. قال ما معناه: زرت يوما العلامة الأميني (رحمه الله) في داره بالنجف الأشرف، بمعية آية الله السيد مصطفى الكشميري، عم آية الله السيد عبد الكريم الكشميري - الموجود حاليا في قم - بحضور آية الله الشيخ محمد علي السنقري، من أجلاء علماء كربلاء. قال السيد الكاشاني: حدثني العلامة الأميني قائلا: عندما وصلت في تأليفي الى الجزء السادس من " الغدير " احتجت لبعض
[ 70 ]
الأحاديث والروايات المهمة في كتاب " ربيع الأبرار " للزمخشري، وهذا الكتاب - قبل أن يطبع وينشر - كان خطيا ونادرا ولا يوجد منه إلا ثلاث نسخ خطية، واحدة منها عند الإمام يحيى في اليمن، والثانية في المكتبة الظاهرية بدمشق، والنسخة الثالثة عند أحد الآيات العظام في النجف الأشرف، ولما توفي هذا العالم (رحمه الله)، ورث المكتبة - بما فيها هذا الكتاب - ولده. " الحديث لا يزال للعلامة الأميني (قدس سره) ". قصدته بنفسي وطلبت منه أن يعيرني كتاب " ربيع الأبرار " ثلاثة أيام، فامتنع، قلت له: أعرنيه يومين، امتنع، أو يوم واحد، امتنع. بعدها قلت له: أعرنيه ثلاث ساعات امتنع، وأخيرا قلت له: اسمح لي أن اطالعه عندك في دارك، امتنع كذلك ! ! اسقط ما في يدي، وتحيرت، ماذا أعمل، ولمن أذهب ؟ ! ! قصدت بعدها المرجع الديني الأعلى السيد أبو الحسن الأصفهاني يومذاك، ليشفع لي في إعارة الكتاب، كذلك امتنع عجيب ! ثم ذهبت الى آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لعله يعيره الكتاب، فامتنع عن إعارته. وبعد أن أصابني اليأس قصدت الحرم المطهر وشكوت أمري الى أمير المؤمنين، ثم ذهبت الى داري مهموما مغموما، وبعد سهر الليل، أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فشكوت إليه حالي وما عانيت بسبب الحصول على الكتاب المزبور، قال لي الإمام (عليه السلام): جواب سؤالك عند ولدي الحسين. فاستيقظت على أثر ذلك وقمت من فراشي، وأسبغت الوضوء - وكان ذلك قبيل الفجر - وارتديت لباسي قاصدا حرم سيد الشهداء في كربلاء، استأجرت
سيارة من موقف السيارات، وما أن وصلت كربلاء حتى قصدت الحرم المطهر، وبعد أداء فريضة الصبح ومراسيم الزيارة شكوت للإمام أبي عبد الله الحسين حالي وما أمرني به أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
[ 71 ]
وبعد ذلك خرجت من الحرم متجها إلى حرم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وبعد أداء مراسيم الزيارة، شكوت له حالي كما شكوت قبل ذلك الى أبيه وأخيه، لعلي أجد ضالتي، ثم خرجت الى الصحن الشريف، وكان ذلك أو ان شروق الشمس، وما أن جلست في أحد الأواوين وأنا احدث نفسي إذ أقبل إلي الخطيب المفوه الشيخ محسن أبو الحب - وهو أبرز خطيب في كربلاء في حينه - فسلم علي وعانقني مرحبا بي، ثم دعاني الى داره القريبة للاستراحة ولتناول فطور الصباح، فأجبت الدعوة وذهبت معه، وكان الوقت صائفا. فجلسنا في المكان المعد لنا في حديقة داره، وبعد استراحة قصيرة قلت له: أرني مكتبتك، قال: إن شاء الله بعد أن نتناول الفطور، قلت: إني آنس بالمكتبة والكتاب أكثر مما آنس بالجنينة وأزهارها، فامتثل الشيخ محسن أبو الحب، فرافقني الى مكتبته، وإذا بها مكتبة عامرة كما وكيفا، فصرت أجول بين الكتب: اقلب هذا، وأتفحص ذاك، واطالع الآخر، حتى عثرت على ضالتي المنشودة، ووجدت الكتاب الذي أبحث عنه " ربيع الأبرار " للزمخشري. ولما مسكته بيدي عرفت سر أمر الإمام (عليه السلام)، ثم خنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء، فجاءني صاحب الدار مستغربا، ومستفسرا عن سر بكائي ! فحدثته عن مجريات الامور مفصلا، وقلت له: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمرني وحولني على ابنه أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام) حولني بدوره عليك.
فلما سمع الشيخ محسن أبو الحب ذلك بكى ثم هزته الأريحية، فأمسك بالكتاب وقال: شيخنا الجليل، هذا الكتاب الخطي يعتبر من النوادر، وإن قاسم محمد الرجب (1) - الناشر وصاحب مكتبة المثنى ببغداد - دفع لي به مبلغ ألف دينار (2) لشرائه حتى يطبعه فما أعطيته إياه.
(1) قاسم محمد الرجب رجل من أهل السنة، وصاحب أكبر مكتبة في بغداد ومن أوائل الناشرين في العراق، ويمتلك ثروة طائلة من جراء تجارته بالكتب واحتكاره لها. أنا أعرفه شخصيا. المؤلف. (2) كانت الألف دينار في حينه مبلغا كبيرا، يمكن شراء دار محترمة به. (*)
[ 72 ]
فأخرج القلم من جيبه وكتب عليه إهداءه الى العلامة الأميني، وقال: هذا جواب حوالة سيدي الامامين أمير المؤمنين علي، والحسين (عليهما السلام). وبعد أن افتتح العلامة الأميني مكتبته العامة في النجف الأشرف " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة " أوقفه باسمه الأول " الشيخ محسن أبو الحب " رحمهما الله (1). انتهت هذه المكرمة، ولله الحمد أولا وآخرا. القصة الثانية: التي حدثني بها سماحة السيد الكاشاني، نقلا عن العلامة الأميني (قدس سره) مباشرة " ما معناه ": قال: حدثني العلامة الأميني شخصيا بنفسه قال: ركبت مرة إحدى البواخر المتجهة الى ميناء جدة، قاصدا حج بيت الله الحرام، وكنت بزي أعرابي لابسا الكوفية - الغترة - نازعا العمامة، وقبل أن تقلع الباخرة صعدها شيخ وقور محاط بالحشم والخدم، ولما صارت الباخرة تمخر عباب البحر، قصدته مسلما عليه، وجلست عنده، فسألني: من أين الشيخ ؟ قلت له: من خدمة أهل العلم في النجف
الأشرف، قال: لعلك رافضي ؟ قلت: الحمد لله على الإسلام. قال: إني أكره الرافضة أشد الكره وأمقتهم " بدون مجاملة "، لأن أول اسم للشيعي " ش "، وهو مفتاح كل شر، وشؤم، وشماتة، وغيرها من الكلام التافه. ورأيت أن اجيبه على مقدار عقله وما يحمله من الحقد، والضغينة، وعدم الأدب في اسلوب المحادثة والمجاملة.
(1) اقول: ان قصص وحوادث احتياج " العلامة الأميني " الى المصادر المهمة النادرة تكررت بالفاظ مختلفة، وبأزمان ومناسبات متعددة، طيلة سنين تأليفه " لكتاب الغدير " ولعل تكرار ذلك كان صحيحا. والله العالم. الشاكري (*)
[ 73 ]
قلت: إذا كان ذلك، فإن أول اسم السني " س " وهو مفتاح كل سوء، وسؤم، وسقر، وسم، و. و. وإلى غير ذلك، فلما سمع ذلك عجز عن الجواب، ارتعدت فرائصه، وغضب وشاط وصاح بي: قم عني أيها... ! ! وصدرت منه كلمات بذيئة يترفع عنها أهل العلم، وحتى لا تناسب العامة من الناس هكذا منطق أهل الباطل. سبب تأسيس المكتبة: كانت في النجف الأشرف مكتبات كبيرة تضم الكثير من المصادر والمخطوطات، غير أنها كانت شخصية وخاصة ببعض البيوتات العلمية، ولا يمكن الاستفادة منها بصورة عامة، لا سيما إذا كان المؤلف أو المحقق بعيدا عن الاسرة، فإنه لا يمكن أن يرى المخطوطة فضلا عن أن يطالعها أو يستنسخ منها شيئا. وفعلا فقد لاقى العلامة الشيخ الأميني (قدس سره) - عند تأليفه لسفره الخالد كتاب " الغدير " - الأمرين والعنت والجهد الجهيد في الحصول على المصادر المطلوبة فقد
كان (رحمه الله) يبثني همومه وشكواه، وما يعانيه من الحصول على المصادر العلمية وغيرها، وقد ضاق بهذا الأمر ذرعا، وتحسس ما كان يعانيه المحقق أو المؤلف من مرارة البحث والتنقيب، خاصة والنجف الأشرف هو المركز العلمي والديني في العالم الإسلامي. عند ذلك انقدحت عنده فكرة تأسيس مكتبة عامة في النجف الأشرف، تضم أمهات المصادر لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك تحقيقا لأمنيات رجال البحث والتحقيق والتأليف. فبادر - رضوان الله تعالى عليه - فور وضوح الرؤيا لديه بكل همة ونشاط، واتصل بالمؤمنين من أصحاب الإمكانات الذين يدركون أحاسيسه، وفاتحهم بمشروعه القيم وسعيه في إخراجه إلى حيز الوجود، فلقي من بعضهم الرغبة الصادقة في المساهمة بإنجاز المشروع. وأول ما ابتدأ به شراء دارين متجاورتين في محلة الحويش وفي آخر سوقه،
[ 74 ]
واستمر بشراء ما يمكنه شراؤه من الدور المجاورة، تمهيدا لتشييد مكتبة ضخمة تليق باسم النجف الأشرف ومركزه العلمي في العالم الإسلامي والشيعي، وتليق باسم صاحبها أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي سنة 1375 ه = 1955 م بوشر بحفر الأسس وبناء (السرداب) والمخازن تحت الأرض، وقد تحمل (رحمه الله) الكثير من قلة ذات اليد، ولكن الله سدد خطاه بإكمال التصميم الذي وضعه، وأصبح جهاده ذا شقين: الأول: جمع المال لإكمال البناء وشراء بقية الدور المجاورة. والثاني: الحصول على المصادر من الكتب، الخطية وغيرها، فكان يسافر كل سنة إلى إيران وغيرها من الدول الإسلامية بنفسه أو يراسل من هناك لإنجاز هذا المشروع العظيم.
وبعد أن مضى على هذا العمل الدؤوب أكثر من سبع سنوات تم إنجاز المرحلة الأولى من بناء المكتبة، وتم افتتاحها في يوم الغدير، تيمنا باسم صاحب المكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سميت باسم " مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة " ومع الأسف لم يكن في النجف من يتحسس بأحاسيسه، ويشعر بشعوره إلا القليل، على الرغم مما يضم النجف الأشرف من فطاحل العلماء والمحققين والأدباء والتجار وغيرهم. وكان (رحمه الله) يطلعني على كل شاردة وواردة من شؤون المكتبة، ويبثني همه وحزنه وشكواه، شفاها مرة وتحريرا أخرى. وكنت أعيش محنته وهمومه، وأشاركه باليسير الذي استطيع إنجازه من الناحية العمرانية والمالية. وعندما كمل البناء سجله مع الدور المجاورة التي بحوزته - والتي لم تدخل في البناء بعد - في دائرة التسجيل العقاري وفي دائرة الأوقات بالنجف الأشرف. وبما أنه إيراني الجنسية ولا يمكن أن يكون هو الواقف فقد جعل هيئة التولية والواقفين باسم عراقيين، وهم ثلاثة: عبد الحسين النجم، وكاتب الحروف (حسين الشاكري)، وهاشم عبد الباقي الطيار، وذلك لما لمسه منا - نحن الثلاثة - من
[ 75 ]
الإخلاص الصادق في إنجاز بعض شؤون المكتبة وبنائها، وتحسسنا بشعوره، كما أنه عين متولين شرعيين من المساهمين في إيران، وعددهم تسعة أشخاص، وهم: العراقيون: الحاج حسين الحاج محمد الشاكري هاشم الحاج عبد الباقي الطيار عبد الحسين الحاج علي النجم الايرانيون:
الحاج اسماعيل سيگاري الحاج فرج موحدي الحاج سيد مصطفى عالي نسب الحاج محمد علي بوستي الحاج حسين عليزاده كاغذي الحاج ابراهيم رمضاني الحاج حسين كاشاني الحاج الشيخ رضا الاميني النجفي الحاج مجيد پركار وبعد افتتاح المكتبة وانتهاء مراسم التولية والتسجيل في الدوائر الرسمية بالعراق، سافر بصحبة ولده الشيخ رضا إلى الهند لزيارة معالمها الأثرية الإسلامية، لا سيما جامعاتها ومكتباتها الضخمة التي تضم عشرات الألوف من أنفس المصادر، لا سيما مكتبة جامعة علي گر، وغيرها المنتشرة في طول الهند وعرضها. وكان موضع استقبال كبير منقطع النظير، وعاد بعد ثلاثة أشهر بصيد سمين من أثمن مصادرنا ومعالمنا الدينية، سواء (بالمايكروفيلم) أو الاستنساخ باليد، وذلك سنة 1382 ه = 1962 م، وثمرة السفرة هذه ألف كتابا خاصا أسماه " ثمرات الأسفار ".
[ 76 ]
وفي السنة الثانية، أو بعد أشهر من عودته من الهند سافر إلى إيران، لنفس الغرض، ومع أن تردده إلى إيران ما كان يثير انتباه أحد، غير أنه كان يعود إلى النجف محملا بالكتب والأثاث والسجاد الثمين وغيره، لأن كثيرا من أهل العلم والمال والمنصب يعرفون مقامه ومنزلته العلمية والجهادية. وفي سنة 1964 قرر السفر إلى دمشق الشام ومعه ولده الشيخ رضا، لمتابعة
جولته في الاطلاع على التراث الإسلامي بين رفوف مكتباتها القديمة والأثرية، كالمكتبة الظاهرية وغيرها، فقمت بتهيئة متطلبات السفر لهما من قطع تذاكر السفر جوا إلى الشام وغير ذلك، كما اتصلت بالحاج محمود الشيرازي في دمشق هاتفيا لاستقبال العلامة الشيخ الأميني وتهيئة سكن مريح ولائق به، ليكون في خدمته بإنجاز متطلباته الأخرى، والحاج محمود هذا صديق لي وتاجر متصد لمثل هذه الامور الخيرية. وبعد فترة قصيرة سافرت إلى فرانكفورت بألمانيا الغربية لاغراض صناعية وعند عودتي لم يدر في خلدي أن أعرج على دمشق الشام وأنا في طريقي إلى بغداد، لأنه كان من الصعوبة بمكان دخول العراقي إلى سوريا، نتيجة للوضع السياسي حينذاك. غير أنني قررت فجأة ذلك، وكأن هاتفا يهتف بي أن اعرج على دمشق، وفعلا قدمت دمشق، وفور وصولي اتصلت بالعلامة الأميني وزرته في مقر إقامته وعمله، وعند اجتماعي به في الجناح المخصص له لمتابعة أعماله ومطالعاته في المكتبة الظاهرية، وجدته يواصل بحثه واثار التعب والإرهاق بادية على محياه. وعندما استقر بنا المقام اطلعني على إنجازاته العظيمة في استنساخ الكتب القيمة، والتي تعتبر من أهم مصادرنا ومراجعنا في الفقه والحديث، والتي طالما كنا نسند إليها الروايات وهي ليست في أيدينا، وكان سماحته قد استنسخ منها بيده الشريفة ما يناهز الألف وثمانمائه ورقة كبيرة (فولسكاب). كما أطلعني على قائمة كبيرة من الكتب الخطية القديمة والمطبوعة بالحجر، والتي تضم أهم معالم تراثنا وأسانيدنا، بحيث لا يمكن استنساخها باليد حتى لو
[ 77 ]
طال الأمد إلى سنين عديدة، لكثرتها، وشرح لي تفاصيل مشروعة، فأعجبت به كثيرا، وفورا أجبته بأن تكون جميع تكاليفه على حسابي الخاص، فنظر إلي وبكى
وقال: الحقيقة تريد يا حاج ؟ إني كنت قد قررت تصوير كل الكتب الخطية (بالمايكروفيلم) على شكل أشرطة، ومن ثم تظهيرها على الورق الحساس وتجليدها، فتصبح بذلك كتابا يحاكي النسخ الأصلي، ولكن هذا المشروع كان يكلف مبالغ طائلة ومجهودا كبيرا، ولما لم أكن أملك المال اللازم لذلك، بقيت متحيرا لا أدري ما أفعل، وأخذت تدور في ذهني تساؤلات وتساؤلات.. هل أراسل تجار إيران وأفاتحهم بذلك ؟ هل أؤجل المشروع أم أتركه بالمرة ؟ هل أصبر حتى يفتح الله لي بابا ؟ هل ؟ هل ؟.. ولما لم أجد حلا ووصلت إلى الطريق المسدود، توجهت إلى الله بنية صادقة وتوسلت بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد توسلي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طالبا منهم إنجاز مشروعي هذا، وأخيرا تركت الأمر إلى تدبير الله جل وعلا.. وطالما سألته تعالى أن تكون المساهمة في هذا المشروع على يد نظيفة وخالصة لوجهه سبحانه، فها أنت نلت هذا الشرف والتوفيق، فهنيئا لك. جعل الله يدك هي العليا، ولا يجعلها السفلى. أما كمية الكتب المراد تصويرها فكانت تربوا على الربع مليون ورقة، وتكون عشرات الكتب الضخمة، غير أن التوفيق لم يستعفنا في تصويرها كلها فصورنا ما يمكن تصويره، وفعلا رصدت المبالغ اللازمة للمشروع، وبعد الاجتماع بالسيد أنيس عمار المتصدي للتصوير والاستنساخ بحضور ومعرفة الشيخ رضا الاميني، تم الاتفاق معه، فباشر بتصوير الكتب المطلوبة من يومها. وبعد سنتين أو ثلاث أصبحت الكتب جاهزة للمطالعة، وهيئت لها خزانات خاصة لحفظها، وختم على جميعها هدية الحاج حسين الشاكري إلى مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة. وتمر الأيام والمكتبة تزخر شيئا فشيئا بالكتب والمصادر. وكانت وفود علمية وأدبية أو سياسية - في بعض الأحيان - تزور العراق، وكانت الحكومة تجعل لضيوفها برنامجا لزيارات العتبات المقدسة، وفي مقدمتها النجف الأشرف، لأنها
[ 78 ]
عاصمة التشيع وإحدى أهم المدن الرئيسية العلمية، فهي كالجامع الأزهر بالقاهرة، وجامعة القرويين بتونس، وجامعة الزيتونة بفاس في المغرب، وعند زيارتهم النجف الأشرف بعد الحرم المطهر للإمام علي (عليه السلام) يزورون أهم معالمها ومن جملتها مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذات مرة كنت في اجتماع في المكتبة وإذا باتصال هاتفي - وكان المتكلم قائم مقام النجف - يخبر الشيخ رضا الأميني بوصول وفد إلى النجف الأشرف ويريد زيارة المكتبة، وعند سماعي الخبر غادرت المكتبة، لأفسح المجال للشيخ بالتوجه إليهم والاستعداد لملاقاتهم أولا، وثانيا لأني ماكنت أحب الظهور في مثل هذه المناسبات. وفي الأسبوع الثاني - عند زيارتي - حدثني فضيلة الشيخ رضا الأميني عن زيارة الوفد قائلا: كان الوفد يتألف من رئيس الجامعة العربية بالقاهرة، ورئيس جامعة ام درمان بالسودان، وممثل اليونسكو في الشرق الأوسط، وكان بمعيتهم الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، ومدير المكتبات العام في بغداد، وقد حدثهم عن تاريخ تأسيس المكتبة وما تحتويه من الكتب القيمة والآثار النفيسة، والأشياء النادرة، ولا سيما بعد مشاهدتهم المصورات وأفلام المايكروفيلم، التفت ممثل اليونسكو إلى مدير المكتبات العام متسائلا: تقولون إن عمر المكتبة لا يتجاوز عشر سنوات وليس لها أي مورد ؟ ! فأجابه الدكتور محيي الدين: نعم. فقال رئيس الوفد: هذا مستحيل، كيف يكون ذلك مع عدم وجود الموارد الثابتة ؟ فأجابه الشيخ رضا: نعم، وهكذا معظم مشاريعنا، وبعد ذلك سأل عن اسم المتبرع لهذه المجموعة من الكتب المصورة والمثبت اسم هاديها عليها، هل هو زعيم أو شخصية علمية ومثرية كبيرة ؟ فلما أجابه بأن المهدي لهذه المجموعة من الكتب هو شخص كاسب اعتيادي، اندهش أكثر وقال: إذا كان الرجل البسيط والكاسب منكم
يتحسس بهذه الأحاسيس ويتبرع بهذه المجموعة الضخمة، فكيف بالأكبر منه ؟ ! لقد ثبت عندي أن هذا الشعب حي لا يموت.
[ 79 ]
الأميني يودع الدنيا: وتمضي بنا الأيام، وأنا على ما عليه من النشاط ومواصلة العمل الدؤوب بتشعباته، حتى ابتلى العلامة الشيخ الأميني بمرضه الذي لازم بسببه الفراش ابتداء من سنة 1968 م حتى وفاته في صيف سنة 1970 م. وعلى الرغم من عرضه على عدة أطباء اختصاصيين في بغداد، وإدخاله المستشفى مرات عديدة، إلا أن ذلك لم يجد نفعا، وأخيرا سافر إلى طهران لإتمام علاجه حيث العناية والأطباء الماهرون هناك أكثر وأوفر. وبعد سنة من العلاج الطبي، وبناء على طلب أولاده سافرت إلى طهران سنة 1969 م، لزيارة مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) أولا، وزيارته ثانيا، وعند زيارتي له في المستشفى وجدت المرض قد أثر فيه وأصبح نصف مشلول، يغشى عليه ساعة بعد ساعة، واليك تفصيل ذلك. زيارة الوداع للأميني: عصر أحد الأيام من أوائل سنة 1390 ه اتصل بي هاتفيا أحد الذين يتصلون بالعلامة الأميني في داري ببغداد، وقال: وصلت توا من طهران بأمر مهم يخص العلامة لاستشارتك، وأنا الآن منتظرك في المكتب (1) قلت: خلال نصف ساعة سأكون عندكم. فلما وصلت المكتب كانوا في انتظاري، فلما استقر بي المقام سألته: خيرا إن شاء الله، ما الذي جاء بك ؟ ! قال: تعلم إن سماحة الشيخ لا يزال في إحدى مستشفيات طهران وقد
تدهورت صحته، ورغب بعضنا نقله إلى بغداد وإدخاله في إحدى مستشفياتها، حتى إذا توفي يكون قريب رمسه وبجوار قبره، والبعض الآخر يعارضون ذلك، كما أن أصدقاء الشيخ يعارضون ذلك، وأخيرا تم الاتفاق على مشورتك بحضورهم
(1) وكان مكتبي حينذاك في بغداد في شارع الرشيد قرب الشورجة. (*)
[ 80 ]
جميعا أن آتيك وأستشيرك، والرأي الأخير لك فما تراه ؟ ! ! وقد وافق الجميع على هذا الاقتراح. بعدما سمعت كلامه. قلت للموفد: أسألك بعض الأسئلة، أجبني عنها بصراحة. قال: تفضل. قلت: هل إن العناية الطبية رديئة في المستشفى والإدارة مقصرة في حقه ؟ قال: لا، أما المستشفى من أرقى مستشفيات طهران، والعناية فيها فائقة جدا ومركزة، خاصة في خدمة سماحة الشيخ. قلت: هل إن القائمين بتحمل مصاريف العلاج في المستشفى شعرتم منهم بعض التباطؤ، أو الملل في الدافع ؟ قال: بل العكس إنهم يتفادونه بكل غال ونفيس، ويعارضون أشد المعارضة في إخراجه من المستشفى ونقله إلى العراق. قلت: هل تتصور إن مستوى العلاج في العراق أرقى منه في إيران ؟ قال: لا، بل مستوى العلاج في إيران أرقى بكثير ومتقدم بمراحل. قلت: إذا نقلته إلى العراق، فهل تضمن وصوله سالما أو يموت بالطريق ؟ قال: لا أضمن ذلك، والله العالم. قلت: إذا نقلته إلى مستشفيات بغداد ووصل سالما من الذي يقوم بتغطية
نفقات علاجه الباهض وتكاليفه ؟ ! قال: ننقله إلى دارنا في النجف، لأننا يئسنا من شفائه، وأحب أن يموت على فراشه في النجف. قلت: إذا نقلته إلى داره بالنجف فمن يقوم بخدمته وتمريضه، هل تقوم بذلك زوجته العجوز، أو زوجات أولاده وهن في إيران أو ماذا ؟ ! ومن ؟ ! قال: ننقله إلى مستشفى الكوفة. قلت مستغربا مستشفى الكوفة ؟ ! !، وهل مستواه يساوي عشر مستوى
[ 81 ]
المستشفيات العادية ؟ أنت تعلم أن الصحيح إذا دخل مستشفى الكوفة يخرج منها مريضا. عند ذلك سكت ولم يعلق على كلامي. هنا تدخل أحد الحضور الذي جاء معه وقال: الحق مع الحاج الشاكري، وان كلامه صحيح ومنطقي. قال الموفد: إذا ما العمل ؟ وبدون أن أجيبه على قوله: أخرجت ورقة برقية وكتبت عليها العبارة التالية: سماحة الشيخ يبقى في المستشفى، وسأكون عندكم خلال يومين إن شاء الله. وقلت له: خذ هذه البرقية وأبرقها حالا إلى طهران. وخرجنا معا من مكتبي، وأوصلته إلى مركز البريد والهاتف بسيارتي وذهبت إلى داري وأنا منفعل ومتأثر جدا، وكلي قلق واضطراب. وفي اليوم الثاني أرسلت جواز سفري بيد أحد الموظفين لأخذ الويزة من السفارة الإيرانية ببغداد، وقطعت بطاقة سفر على أول طائرة متجهة إلى طهران، وحينما وصلت طهران توجهت رأسا الى المستشفى " بيمارستان آريا مهر " استقبلني نجله الشيخ رضا الأميني وشرح لي كل أبعاد القضية وما يتعلق بصحة سماحة الشيخ وخلفياتها، وما يتعلق بأمور أخرى وأبعادها.
ثم صعدنا معا إلى غرفته، ووقفت أمام سريره، وكان في حالة إعياء يغمى عليه ساعة ويفيق ساعة، ودار الشيخ رضا إلى الجهة الثانية من السرير وكلم والده وأخبره بقدومي، ففتح عينه ونظر إلي، ولما شاهدني انفجر باكيا حتى اخظلت بدموعه لحيته والوسادة، ثم قال " بالفارسية " ولسانه ثقيل نسبيا: " آمدي آمدي " أي: " أتيت أخيرا أتيت "، وأنا واقف أمامه متبسما في وجهه، " ولكن والله يعلم كانت نياط قلبي تتقطع وتقطر دما وأقول في نفسي: هذا الرجل العملاق هكذا يصرعه المرض ؟ فلتخسأ الدنيا وما فيها، وبعد أن هدأ روعه قلت له بلهجة كلها حنان وعطف وبلسان لين هادئ: سيدي تعز بعزاء الله، أحدث لله شكرا على ما ابتلاك به كما ابتلى نبيه أيوب فصبر وأعطاه الله أجر الصابرين، وما هذه الامتحانات إلا لتزكية أعمالك ورفع درجاتك.
[ 82 ]
ثم بقيت عنده إلى المساء، واتصل الشيخ رضا هاتفيا ببعض أهله ومعارفه وخلص أصحابه يخبرهم بقدومي، فحضر بعضهم، وكان من بينهم أعضاء هيئه تولية مكتبة " الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) " بالنجف الأشرف: الحاج فرج موحدي، والحاج حسين كاشاني، والحاج إسماعيل سيكاري، وغيرهم من الساكنين في طهران. وبقيت مع سماحة الشيخ ثلاثة أيام تحسنت صحته خلالها تحسنا ملموسا ثم استأذنت منه لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) وبعد يومين رجعت لأجد صحة سماحته قد تحسنت من الأرض إلى السماء مما تعجب به الأطباء المشرفون على علاجه، وقد عزوا ذلك إلى حالته النفسية بسبب قدومي وبعثي الأمل في نفسه، وقد طلب مني بعض المتولين على المكتبة أن افاتح سماحة الشيخ باناطة إدارة المكتبة إلى المتولين في حياته، لأنهم لم يجرأوا على مفاتحته.
وقبل عودتي إلى بغداد كانت صحته جيدة والبشر يطفح على وجهه، انتهزت الفرصة فقلت له: شيخنا الجليل الحمد لله الذي من عليك بالشفاء مما ألم بك، وأرجو أن تكون هذه بداية التحسن المطرد لصحتكم، وإني أرجو أصالة عن نفسي ونيابة عن اخواني المتولين بإناطة إدارة المكتبة والاعتماد علينا بحسب الخطة التي رسمتموها لنا وتحت إشرافكم عندما سمع كلامي أطلق آهة وزفرة من أعماق نفسه، كأنما نكأت الجرح، ثم قال: والله يا حاج هذا هو الهم الذي يشغل بالي وليس المرض الذي ألم بي. قلت: سنكون عند حسن ظنكم إن شاء الله. ثم اتخذ القرار بعد سفري، وتحسن صحة سماحته بأن يجمع الشيخ رضا المتولين المتواجدين في طهران بخدمة سماحته، ليخطب فيهم ثم ينيط أمر إدارة المكتبة إليهم شرعا. وفعلا اجتمعت هيئه التولية بخدمته ورسم لهم الخطة التي في نفسه لاداره المكتبة وشروطها، وبعدها اصدر كتابا في تخويل المتولين اناطة ادارتها في حياته، وأرسلت صورة من القرار لي مع ترجمتها بالعربية وقد تركتها في ارشيف مكتبي في بغداد.
[ 83 ]
ثم أمر سماحته نجله الشيخ رضا أن يقرأ عليه الجزء الثاني عشر - والذي لم يطبع بعد - لتقويم النص وتصحيح فصوله وأبوابه، وكذلك الجزأين الأخيرين الثالث عشر والرابع عشر من بعده. إلى هنا فقد ودعت سماحة العلامة الأميني مستأذنا بالعودة إلى بغداد، على أمل اللقاء به في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدت إلى بغداد، وما كان يدور في خلدي أن يكون هذا الوداع هو الوداع الأخير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبعد أسبوعين سافرت إلى اليابان، لحضور المعرض الدولي العالمي، وبعد الانتهاء عرجت إلى هونگ كونگ، ومن ثم إلى كانتون عاصمة الصين الشعبية
التجارية لحضور معرضها السنوي، ومنها إلى تايلند " سيام "، ومنها إلى البحرين ثم الكويت ثم بيروت، وبعد عودتي إلى بغداد باسبوع، انتقل إلى جوار ربه الإمام السيد محسن الحكيم الى الرفيق الأعلى في احد مستشفياتها، فارتجت العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بالفاجعة المؤلمة، وحصل لي شرف المساهمة في مراسيم التشييع وإقامة المآتم والفواتح. وبعد اسبوع من هذا الحدث المؤلم داهمت مكتبي ثلة من جلاوزة السلطة البعثية الصدامية واقتادوني إلى داري، وبعد تفتيش داري تفتيشا دقيقا ابلغت بحكم اعتقالي، واخذت إلى إحدى زنزانات المباحث " الأمن " تحت مجهر التحقيق الرهيب، بتهمة " النشاط الرجعي " وبقيت رهن التحقيق زهاء ثلاثة أشهر. وفي هذه الفترة لبى نداء ربه العلامة الأميني، ونقل جثمانه الطاهر من طهران إلى النجف الأشرف - وأنا منعزل عن العالم الخارجي كله، ولا علم لي بما يدور حولي خارج الزنزانة الانفرادية التي اودعت فيها نعم في هذه الفترة استدعيت للتحقيق وسئلت عن علاقتي " بالعلامة الأميني ". وبعد إطلاق سراحي علمت بوفاته وما جرى له من تشييع مهيب في طهران وبغداد والكاظمية وكربلاء والنجف إلى رمسه الأخير وحفرته المباركة - في جنب مكتبته الخالدة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ 84 ]
كلمتي الأخيرة: مات الأميني، والصلاة بين شفتيه، والايمان والولاء مل ء جنبيه، غارقا في بحر الإيمان واليقين، متفكرا ومتأملا في الحكمة والبيان. قاصدا الحقيقة والعرفان. مات الأميني، بعدما حاز قصب السبق في مضمار علمه وعمله، كما بز أقرانه في كشف سبل الزيف والانحراف.
ذهب الأميني، بعدما ترك لوعة في قلوب أهله وطلابه، وعارفي فضله. راح الأميني، بعدما ترك فراغا لا يملأ، وثلمة لا تسد، وكسرا لا يجبر، وحياة لا تعوض. ارتحل الأميني، وانتقل إلى جوار ربه قرير العين. بعدما جاهد كل باطل وتدليس، وصارع كل رذيلة، وكافح كل موبقة، إلا المرض الخبيث الذي هجم عليه هجوم الصاعقة، وألم به الألم فصرعه، وأرداه إلى المصير الذي لابد أن يصير إليه كل حي. فإنا لله وإنا إليه راجعون. فسلام عليه يوم ولد، ويوم درس ودرس، ويوم ألف وكتب، ويوم بلغ وجاهد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا، ويوم يفد على ربه، ورسوله، وإمامه، ليشرب من حوض الكوثر وغديره، ويجاور ساداته في مقعد صدق عند مليك مقتدر. هذا ما كان مني وما خطر على بالي، وعند الله سبحانه احتسبه الذي لا تضيع ودائعه، ولا يضل ولا ينسى سجل أعماله، كما قال سبحانه وتعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) *. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
[ 85 ]
المكتبة والمكتبات (1) بقلم الشيخ رضا الاميني مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة: المشروع الثقافي الضخم الذي أحست الطبقات المثقفة - وفي مقدمتها الحوزة العلمية بفطاحل علمائها وأفاضل كتابها - بحاجتها الماسة إليه.
وبقيت آمادا طويلة تنتظر مثل هذا المشروع المبارك بفارغ الصبر، حتى قيض الله سماحة آية الله العلامة الأميني (قدس سره) لتحقيق هذه الأمنية. وما خطا خطوته الاولى نحو تأسيس هذه المكتبة إلا وكانت يد الشاكري أول يد امتدت لمساعدة هذا المشروع، ولا غرو فالشاكري - كما عرفناه - ربيب مؤسسها - طاب ثراه - وغذي روحه، وقوة عينه، وهو قبل ذلك وبعد ابن النجف البار والمتحسس بآلامها، والغارق بأحلامها وآمالها. ولمعرفة الشيخ وثقته به واعتماده على هديه وعقله، فقد انتخبه عضوا متميزا في هيئة التولية، وكان من رعايته لهذه المؤسسة أن قام بما يلي: أ - ساهم في عمارة المكتبة الحالية. ب - وساهم في دفع قسم من رواتب العمال الذين يقومون بإدارتها. ج - كما قام بتصوير مجموعة من الكتب الخطية النفيسة والنادرة المنتقاة من كنوز المكتبات العامة في سوريا وتركيا وغيرهما، وجلبهما من خارج العراق. وبداية حديث الكتب المصورة هذه له قصة طريفة، وهي من دلائل توفيق الله وفضله على فضيلة الحاج الشاكري دام عزه.
(1) آثرنا طبع هذا الموضوع ملخصا حفظا من الضياع فانه طبع من قبل في وريقات سرعان ما يأكل الدهر عليها. (*)
[ 86 ]
ففي عام (1384 هجري قمري) عزم شيخنا الوالد (قدس سره) على السفر إلى سوريا، وكان غرضه من تلك الرحلة هو البحث عن المصادر التي لا تزال مخطوطة، ولم يقدر لها أن تخرج إلى عالم النور وتحتل مكانتها بين المطبوعات، وتعتبر من أهم الأسانيد والمصادر التي نشير إليها في مطبوعاتنا وكتبنا ونرجع إليها، وهي من نفائس آثار السلف ومن كنوز التراث الإسلامي، وتزخر بها مكتبات دمشق،
كالمكتبة الظاهرية ومكتبة الأوقاف، وكان غرضه من وراء كل ذلك إنجاز سفره الخالد وموسوعته الكبرى " الغدير ". وكان الأستاذ الشاكري عمدة تهيئة متطلبات السفر وإقامة شيخنا الوالد في الشام، حيث أقام فيها زهاء أربعة اشهر، وعرضت للشاكري في تلك الفترة سفرة إلى أوربا في بعض شؤونه التجارية، وعند عودته إلى بلده عرج على دمشق بدافع رباني ليطمئن على صحة الوالد ويلبي حاجاته، وماإن هبطت الطائرة في مطار دمشق حتى أسرع توا إلى المكتبة الظاهرية، حيث يقيم الوالد في غرفة خاصة خصصت له من قبل الأساتذة الأفاضل أعضاء المجمع العلمي وأسرة المكتبة، تكريما له واعترافا بمكانته العلمية. وحينما دخل عليه في غرفته الخاصة تلك شاهد العلامة الكبير غارقا بين مئات الكتب النفيسة مشتغلا بالمطالعة، فسلم عليه وما أن رفع الوالد طرفه الكريم ليرد عليه السلام حتى قام من مكانه وضمه إلى صدره، وعانقه معانقة الوالد الولهان لولده متبسما في وجهه، وقد أولاه من عطفه الأبوي ما يملأ النفس ارتياحا. وكان يسأل عن أفراد عائلته ويتفقد أحوالهم واحدا واحدا، كما هو ديدنه في رسائله وعندما يجتمع معه. وبعد أن استقر به المجلس وتجاذبا أطراف الحديث - والحديث ذو شجون - وأراه إنتاجه الجبار الرائع، ومنه أنه (رحمه الله) استنسخ من نفائس الكتب الخطيه بيده الشريفة زهاء ألف وثمانمائة صفحة بالحجم الكبير (فولوسكاب) وطالع مئات الكتب الخطيه والمراجع والمصادر.
[ 87 ]
وبعد أن أكمل حديثه حانت من الولد البار الشاكري التفاتة إلى والده الروحي، فوجد إحدى عينيه حمراء ملتهبة كأنها علق دم من كثرة الكتابة
والمطالعة، وشاهده في حالة يرثى لها من الإجهاد والانهيار والتعب، فقال له: شيخنا، الله الله في صحتك، ورفقا بحالك وحالنا، أنتم اليوم لستم ملكا لأنفسكم فحسب بل لأمير المؤمنين (عليه السلام) وللأمة الإسلامية كلها. قال له هذه الكلمات وهو ينظر إليه ويرى آيات التعب والنصب قد بدت على محياه، غير أنه (قدس سره) ذلك البطل العملاق، بل ذلك الجبل الأشم، عرفه كل من عرفه لا يعبأ بمثل هذه الأتعاب ولا تحركه العواصف، ولا يخضع إلا أمام هدفه السامي المقدس، الذي تحدوه إليه عقيدة راسخة وقدم ثابت في ميدان الولاء للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل بيته الأطهار (عليهم السلام). فهو شديد الولاء عميق الإيمان متفان في حب أهل البيت (عليهم السلام)، لا يبالي في تحقيق أهدافهم أن تدك السماء أو تصعد الأرض إلى السماء. فقال الشاكري لسماحته: هل لكم من عمل أقوم بإنجازه خدمة لسيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ فرمى إليه الشيخ بطرفه الكريم وقد انفتحت أسارير وجهه، وعلته ابتسامة وتهلل فرحا وهو يقول: نحن الآن في أمس الحاجة إلى تصوير كمية من هذا التراث الإسلامي ونقله إلى جامعة النجف الأشرف، ليقف عليه الباحثون من رجالاتنا هناك. وحين أعلمه الشاكري أنه مستعد لدفع ثمن ذلك مهما كلف. استبشر الوالد وانشرح صدره وظهرت عليه آيات السرور، وكأن هما ثقيلا قد ازيح عنه، وقال: كنت قبل قليل أدعو الله وأتضرع إليه بحق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقيض لي رجلا من مواليه ومحبيه يقوم بهذه المهمة، ولم أنته من دعائي وتضرعي إلا وأنت قائم على رأسي، فهنيئا لك، ودعا له بالتوفيق وقبول الأعمال. فقال الشاكري: ما كان بالحسبان أن أزوركم في دمشق، فإني كنت على وشك أن أعود إلى العراق، ولكن بجذب ملكوتي خطر في ذهني أن أزوركم أولا ثم
[ 88 ]
أرجع إلى بغداد، وليس هذا إلا من فضل ربي. هذا ما حدث في بدء العمل بتصوير المخطوطات التي قامت المكتبة ولا تزال مستمرة بتصويرها وجلبها من مختلف البلدان. وكان من المقرر أن يصور من هذه النفائس أكثر من نصف مليون صفحة، ولكن الظروف الصعبة حالت دون ذلك. ولا زال الشاكري الفتى المؤمن يشارك في المشاريع الخيرية والجمعيات الدينية والمحافل الثقافية، ومن كان لله كان الله له. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين النجف الأشرف الشيخ رضا الأميني 1390 ه = 1969 م
[ 89 ]
مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): غير خفي ما للمكتبات العامة من الأثر البليغ والنفع الجلي في تنمية العقول والأذهان، ومالها من الفائدة المحسوسة في تعميم الثقافة ونشر العلوم والآداب بين أفراد أي مجتمع حظي بوجودها ووفق للاستفادة منها، وهذا البلد الأمين، النجف الأشرف، بلد العلم والدين والأدب قد تأسست فيه هذه المكتبة العظيمة والمعهد الثقافي الجليل - أعني بها مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة - بفضل جهود مؤسسها، والساعي لتدعيم كيانها، الحجة المجاهد شيخنا الأكبر العلامة (الأميني) دام ظله، حتى كمل بناؤها المشيد بجميع مرافقه ومشتملاته فجاءت فريدة في هندستها وآية في زخرفها. وهي لا زالت، ولم تزل، سائرة بخطى واسعة نحو التقدم وإلى الأمام في توارد
هدايا الكتب إليها من جميع الاقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد كتبها المطبوعة حتى اليوم ما ينيف على نصف مليون عنوان كتاب بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان كتاب خطي (1)، وكلها هدايا دعاة الفضيلة ومقدري العلم والفن والأدب، وإن الأمل وطيد في أن نفتح أبوابها للمطالعين والمستفيدين في القريب العاجل إن شاء الله، ليتسنى لهم الارتشاف من معينها الزاخر، والارتواء من زلالها العذب، ولتقر بها عيون الامة الإسلامية، راجين حسن التوفيق لمؤسسها القائم في شؤونها، والله من وراء القصد. استخلص ما جاء في صحائف المكتبة، بأعدادها الثلاثة التي صدرت في النجف الأشرف وطهران باللغتين العربية والفارسية خلال عشر سنين، ابتداء من سنة 1373 - 1385 ه. ومما جاء في العدد الأول من الصحيفة المذكورة الصادرة سنة 1373 ه ق.. ص 36، قال مدير المكتبة: ان المتبرعين بالمال في تأسيس المكتبة وتوطيدها،
(1) مثلا كل دورة من البحار تحت عنوان واحد. (*)
[ 90 ]
وتشييد بنائها الضخم الفخم، فجلهم من ايران، وقد ذكرنا اسمائهم في الصحيفة المنشورة باللغة الفارسية كما يلي. والمساعد الوحيد من العراق الذي يعد من مؤسسي المكتبة، هو الثقافي الشهم النبيل الحاج حسين الحاج محمد الشاكري النجفي نزيل بغداد، له خطوات واسعة في مؤازرة هذا المشروع المقدس تذكر وتشكر مع الأبد. واما غيره من العراقيين فاليك اسماء اولئك ومقدار ما تبرعوا به، وللجميع الشكر المتواصل ولهم الفضل. وفي صفحة 38 باللغة الفارسية اسماء المتبرعين في الدرجة الأولى خمسة
اشخاص منهم الحاج حسين الشاكري النجفي البغدادي. بسم الله الرحمن الرحيم * (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) *. * (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آيآته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) *. نهنئ الامة المسلمة - تعالى جدها - بمبعث نبينا الأعظم، أفضل الأنبياء والرسل، أولهم ميثاقا، وآخرهم مبعثا، ونحمد الله الذي استنقذنا به من الهلكة، وهدانا به من الضلالة، ونورنا به من الظلمة، جزاه الله عنا من مبعوث أفضل ما جزى نبيا عن امته، ورسولا عمن ارسل إليه، وصلى الله عليه وآله، والسلام عليهم. مديرية المكتبة
[ 91 ]
ملخصا عن المكتبة والمكتبات بقلم العلامة المؤسس: بسم الله الرحمن الرحيم صدق الخبر الخبر، ونجز الوعد الصدق، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، وتحققت الأنباء والبشائر الصادقة، وجاء من بعد عيسى نبي اسمه أحمد، وبعث صاحب الرسالة الخاتمة، وازدانت الدنيا بالتجلي الأعظم، بمبعث خير الوجود علة الخليقة، وجوهرة الإنسانية السامية. فهذا أسعد يوم تتباهى به الامم، تجلى فيه سر * (إني أعلم ما لا تعلمون) *، بعث فيه النبي الأقدس، رحمة للعالمين، وفي يمناه الكتاب العزيز، يدعو الناس لما يحييهم، يتلو عليهم آيات ربه، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة. فالعالم برحبه وسعته مكتب تعليمه وتربيته، وبين شرق الأرض وغربها
مدرسة، وكتابه الكريم المفعم بالحقائق والدقائق الرقائق، المشحون بالغرر والدرر من المعارف والمعالم الإلهية، بمفرده يتكفل بتزكية النفوس، وإصلاح الدنيا، وكسح العراقيل عن مسير الإنسان، وبوحدته يحدو البشر على السعادة الأبديه، ويهديهم مهيع الحق، ومنهج السعد الخالد. فبالكتاب والحكمة يتأتى تتميم مكارم الأخلاق، وهو الغاية المتوخاة من البعثة الشريفة، كما جاء في حديث الصادع الكريم، وبهما يكافح كل مبدأ هدام لنواميس الشريعة، وتجتث أصول جراثيم الفساد عن صالح المجتمع العام. وبالتدبر في آي القرآن الكريم ومحكماته يعلم قيمة العلم والكتاب في سوق الاعتبار، ويبين ما للتعليم والتربية الدينية من الأهمية الكبرى في حياة الانسان الروحية والمادية، ومراحل سيره إلى الخلود، والفوز الدائم، والحياة مع الأبد. ولا منتدح عن العلم قط لأي أحد، حتى لمن لم يرد إلا الحياة الدنيا، وسعى فيها سعيها، وما أكثر من علوم يحتاج إليها الإنسان من الطبيعيات، والرياضيات، والاجتماعيات والاقتصاديات، والطبيات، والفلكيات، والنجوميات
[ 92 ]
والمنطقيات، والأدبيات، والأخلاقيات، والتأريخيات، والصناعيات.. إلى ضروب من العلوم والفنون التي يفتقر إليها المجتمع البشري، وإن لم يعتنق فضيلة الدين، ولم يأبه لحياة الآخرة، ولم يقتف أثر علومها الناجعة. فمن الضروري عندئذ: عد فكرة الكتاب والمكتبة من أكبر ما يهتم به عظماء الدنيا والدين من قديم الزمان، وأهم ما تصرف دونه همم الرجال منذ القدم، تدور عليهما عظمة الدول والحكومات العالمية، عند من يشعر بالحياة الإنسانية، عند من يتحلى بروح الثقافة الحية الشاعرة، عند من يملك عرق الفضيلة النابض.
الكتاب والمكتبة رمز رقي كل ملة، وسمة تقدم كل نحلة، ومقياس رشد الامم وسادتها، بهما تتأتى طلبة الإنسان وما يتوخاه من عوامل النجاح والفلاح، والفوز في العاجل والآجل. المكتبة تؤدي رسالات الأنبياء، وتقيم الأود والعوج ببلاغات الأوصياء، وتمثل الحقائق ورجالاتها، وتصور أمثلتها نصب العين بدروس سير الأولياء، وتطهر درن القلوب بعظات الأصفياء، وتزيح علل النفوس بكلم رجال الصدق وحكمهم، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. المكتبة دار التوجيه والإرشاد، دار الفنون والعلوم والمعلمين العالية، أينما تولي وجهك تتراءى لك في كل جناح منها جامعة، وفي كل صفح كلية، وفي جوانبها معاهد للعلوم، وصفوف للفنون، فيها بغية الطالب، ومنية المريد، وامنية المستفيد. المكتبة محتشد رهيب يحفل فيها علماء ربانيون، وحكماء محنكون، وأعلام فنيون، وفلاسفة إلهيون، وأساتذة الصنائع، ومدارس الخطابة والوعظ، وصيارفة الآداب والأخلاق، وعباقرة العلوم والفنون، وجهابذة التأليف والتصنيف، ورجال السياسة والقادة، صفا صفا كأنهم بنيان مرصوص.
[ 93 ]
المكتبة مخزن حافل، يحتوي ما انتجته الأفكار الراقية في مختلف الأمصار والأعصار، ويجمع من ولائد أنظار المفكرين في كل علم وفن كل تليد وطارف، ويضم ما جادت به الكليات العالمية في أدوارها الغابرة من فوائد وفرائد من كل علم ناجع، وما أتحفته تلكم الكليات للمجتمع البشري من الأزهار والأنوار من حدائق الفنون، وتحتفظ شوارد ما أثمرته العقول الرصينة، والأفكار الناضجة،
والهمم القعساء، من اناس قضوا في سبيل الفضيلة حياتهم، ومنوا دون السعي وراء صالح الامة بكوارث وشدائد مدلهمة. المكتبة تشكل صفوف التعليم والتربية، وتمثل صنوف العلوم والفنون الحاصلة في الأدوار الخالية، وتضم ذخائر كل امة ونحلة من كل نفيس وثقل من التراث العلمي، وهي وسيط، تجمع بين القارئ وبين آلاف مؤلفة من حسنات الدهر، ورجالات العصر، في قرونه الماضية، على عدد ما يوجد فيها من التآليف والكتب والمعاجم والموسوعات والصحف المكرمة، لا لغو فيها ولا تأثيم، لا سأم فيها ولا ملل. المكتبة تمون وتمد الحياة الروحية، وتتكفل إصلاح المجتمع البشري من كل ما يدنس الغرائز، وتدعوه إلى الصالح العام، وتحدوه إلى الأمام والتقدم، إلى الإنسانية السامية، إلى المكارم والمعالم، إلى الفواضل والفضائل، إلى الخير والصلاح، وتزحزح الملأ عما يفسد النفوس، عما يبيد الملكات الفاضلة، عما يشوه النفسيات الكريمة، عما يدنس ذيل الإنسان من كل رذيلة وذميمة. المكتبة تعالج النفوس من أدواء الجهل المفضية إلى الدمار والبوار، والجهل بذرة كل شقاق وشغب، وشر ونفاق وافتراق وتفكك وتبعثر وتبدد، وجرثومة كل الميول والأهواء والشهوات والنزعات المبيدة، ومادة كل داء يميت روح الإنسانية، ويبث في الملأ عوامل الفساد، ويجر على الأمة دائرة السوء، ويسف أبناء الشعب إلى حضيض التعاسة، ويفتر الجوارح والجوانح العاملة للبقاء، ويسوق صاحبها إلى الهلاك والفناء.
[ 94 ]
المكتبة تنور الأفكار، وتحد البصائر، وتزكي الأرواح، وتطهر القلوب، وتصلح الخلائق، وتوطد للشعب جواد الصلاح، وتبلط لهم سبل الخير، وتبوئ
الإنسان مقاعد الصدق، وتجعل الإنسان إنسانا، فيغدو والنور قائده، والسلام والفضيلة مهده، والحياة الروحية التي لا نفاد لها غايته ومنتهاه، فيجد في العاجل والآجل انس الاستقرار وسلامة المقام، ودعة المصير، ونجاح البداية والنهاية. المكتبة تعقم السرائر، وتزيل عنها أوساخ الغباوة، ودنس الغية، وظلم الشبه، ومعرة السدر في وادي الجهل، وتبصر الإنسان مواقع الانحطاط والتسافل، وتوجهه إلى الحياة السعيدة، والفوز مع الخلود. المكتبة شارة البلاد، وحدائق ذات بهجة لرواد الفضيلة، ونادي حفل النبلاء، ومنتدى زمرة الثقافة، ومعقل كل بحاثة إذا أعضل به البحث، ومنتجع كل ذي فن إذا أشكلت عليه المزاعم، ومكتب الصلة والتعارف بين فضض من أساتذة العلوم والفنون، ورجال البحث والتنقيب، تجمع شملهم، وتوحد صفوفهم، وتؤلف بين قلوبهم، إخوانا على سرر متقابلين، وتوقف كلا منهم على فكرة الآخرين، كل هذه تومي إلى صالح الامة، وما للشعب عنها محيص. هذه هي المكتبة، غير أن من المأسوف عليه جدا أن دروس هذا الموضوع الخطير لم تبين بعد عند المسلمين، وما درسوها دراسة كاملة، فأهملوا هذه الاثارة، وخسروا هذه البضاعة، وافتقدوا هذه الثروة الطائلة، وماقدروها حق قدرها، وما عرفت هي اليوم عند الشرقي على ما هي عليه من القيم، ولم يدر ما هي وما خطرها، ولم يقتف الخلف أثر السلف في تقديرها، والإعجاب بها، والاهتمام بشأنها. فجاء اناس بعداء آخرون عرفوا قيمة هذه الفضيلة، وعلموا من أين تؤكل الكتف، فجاسوا خلال الديار، وأغاروا على كل تراث علمي - كبقية نواميس الشرق - ووجدوها غنيمة باردة، وبذلوا دون جمعها النفس والنفيس، ومضوا على ضوء الثقافة، وشعروا وسائل رقي البلاد بلادهم، وحنكتهم الأيام، ودربتهم
[ 95 ]
بحبائل الاستعباد، فاحتنكوا الجوامح، وركبوا المصاعب، حتى خلى جيد الشرق وجسمه من الحلي والحلة، وصلفر وطابه، وراحت نفائسه وآثاره ومآثره ضحيه الجهل والغفلة والذهول، وشروها بثمن بخس دراهم معدودة، وأضاعوا ما جمعته يمنى الأولين من أعلام الامة، وقصرت يدنا مما انتجته أيدي رجالنا الفطاحل، وازدانت به مكتبات الغرب، هل هناك من تسوؤه الحالة، أو هل هناك اذن واعية ؟ والشقة اليوم في مستوى الفكرة بين الشرقي والغربي مراحل شاسعة بعد المشرقين، هذا نابه يقظان يسير ليلا ونهارا، ولا يتخذ لنفسه معرسا، وذاك هاجع راقد، إن انتبه يوما ما من رقدته فخطفة لا تدوم، وبرق خلب لا يبض حجره. هذا يركض وراء صالحه بكل مستطاع عدوا لا تدركه الطوارف، وذاك لا سهدة ولا يقظة، ولا رغبة ولا ركزة، يهدده خطر الأمر، وتحذره قلة المنة، ويقعده قصر التفكير، وضؤولة الرأى، ويفشله التواني في العزم والإرادة، وحول كل فكرة صالحة مزاعم وجلبة ولغط، ووراء كل عمل صالح ناجع مثبت صاخة وصخب، وردف كل نهضة علمية دينية اجتماعية حصائد الألسنة، وقذائف بالتهم، ومحافل سوء، والرجل العامل النابه غاص بالغصص، يغضي على القذى، ويصول بيد جذاء، ويتحرك حركة مذبوح، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هلم معي إلى الشهادة: هذه قرى الغرب هذه عدد نفوسها هذه كتب مكتباتها العامة اشفيلد 109872 , 13 يرسلفيل 760787 , 11 مانيستو 379571 , 8
كيتي 599462 , 6 هولند 700247 , 2 هذه نماذج من مكتبات القرى، وأما المكتبات العامة في المدن، فتعد كتبها
[ 96 ]
بالملايين، خذ [ واشنطن ] مقياسا، فإنها تحتوي 164 مكتبة عامة امهات شعب، منها مكتبة " الكونجرس "، فإنه بحسب الإحصائيه المنتشرة في مجلة العرب السورية تحتوي سبعة وعشرين مليون كتابا، مساحتها 662 / 162 مترا مربعا، وقس عليها مكتبات اوربا العامة، وذلك في سنة 1950 فكيف بها الآن ؟ ! هذه هي، وهذه نجفنا: لا نجف العراق فقط، ولا نجف الشيعة فحسب، بل نجف الدنيا عامة، نجف المسلمين جمعاء، نجف من يقول بالخلافة الراشدة، نجف مئات ملايين مسلمي العالم، القائلين بولاية سيد العترة، المقرونة بولاية الله وولاية رسوله في الكتاب الكريم، مرتكز تلك الخلافة ومنبثق أنوار المعالم والمعارف العالية، وعاصمة الإسلام المقدس، ومدرسته الكبرى المؤسسة منذ عشرة قرون، فأكبر مكتبة عامة شاهدنا فيها إنما هي مكتبة الششترية، وهي عبارة عن غرفة في زاوية حسينية، مساحتها 30 / 4 ب 60 / 5 بارتفاع 5 أمتار، عدد كتبها المطبوعة والمخطوطة - باحصائية اليوم - تناهز أربعة آلاف مجلد، يدير جميع شؤونها رجل واحد، هو المدير، هو الخادم، هو الناظم، هو المحاسب، هو المرتب، هو المفهرس، هو وحده وحده لا شريك له. وقس على النجف الأشرف معظم بلاد العراق الشاغرة عن الآثار العلمية، الفارغة عن مظاهر الفضيلة، الخالية عن المكتبات الراقية العامة الكبرى. هذه مجالي حياتنا الروحية، هذه مظاهر رقينا وتقدمنا بين الامم، هذه
معاهدنا العلمية المعربة عن عظمتنا، هذه ثروتنا من الثقافة والانسانية السامية، هذه ذخائرنا من التراث العلمي ادخرناها للأجيال القادمة، هذه بضاعتنا من منابع العلم والفضيلة، هذه أشواطنا البعيدة وخطواتنا الواسعة وراء حياة امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المرحومة، هي آثارنا تدل علينا، نعم، تدل علينا، تدل على ما نحن فيه من الانحطاط والتسال، من قصر الباع، وصغر الطوية، من ضعف النفس،
[ 97 ]
وضالة التفكير، من تشتت الآراء، وكثرة الأهواء السائدة. هي آثارنا، هي جلية أمرنا، هي هي، وأين هي من دعاوينا الفارغة، وفخفختنا في الملأ بنحن نحن ؟ * (إنما فتنتم أنفسكم وغركم بالله الغرر) * * (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) * (1). المؤسس عبد الحسين الاميني النجف الأشرف 1379 ه مقدمة مدير المكتبة الشيخ رضا الأميني نجل المؤسس: مرت على النجف الأشرف حقب وأعوام، وهي في أمس الحاجة إلى مكتبة عامة عامرة عالمية، تكون منتجعا لرواد العلم، ومرجعا لبغاة الفضيلة، ومنهلا لمن تورد الرافدين، ورية لحملة العلوم والفضائل، وحقلة تؤتي اكلها كل حين، وتستفاد بها آناء الليل وأطراف النهار. كما أنها تجبي إليها ثمرات الأفكار المدونة من كل حدب وصوب، فيكون فيها ريا لظمأ المعارف، ورواء لجلية الحقائق. لم تزل هذه الفكرة تنجم وتخبو بين نوايا المفكرين، وتلهج بها حملة الآراء
السديدة، حبا لنشر العلم طورا، وإحياء لروح الثقافة الصادقة آونة، وإعلاء لكلمة الحق العليا حينا، وخدمة لمجتمع الإنسانية تارة، وتوجيها للناشئة الجديدة اخرى، وقبل الكل إشادة بمقام باب مدينة العلم مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم تكن هذه الفكرة وليدة اليوم ولا الأمس، وإنما نحن على يقين من أنها كانت عند السلف الماضين من أعلام النجف الأشرف، ورجالها الفطاحل، إذ
(1) سورة محمد: آية 38. (*)
[ 98 ]
الحاجة الماسة إليها في كل دور من أدوار الحوزة العلمية مفهومة واضحة، لا تخفى على أي أحد، بل حاجة المجتمع أمس كانت أشد وأكثر من اليوم، من ناحية كثرة تلامذة هذه المدرسة الكبرى، وضيق نطاق الطباعة والنشر يوم ذاك، وإن كان افتقار ناشئة اليوم أعظم وأكثر من نواحي كثيرة، نظرا إلى تطور العالم الحديث. غير أن الامور مرهونة بأوقاتها، ولله فيها تقادير، ولكل أمر كتاب، ولكل كتاب أجل، والله يختار لكل عمل فادح بار، وخير عظيم ناجع، اناسا من عباده الصالحين، ويمنح للمصطفين من خيرته ما شاء، ذلك تقدير العزيز العليم، فلما آن لهذه النفسية الكريمة أن تتبلج فتضئ العالم بأنوارها، فقيض المولى سبحانه لها فئة صالحة من المجتمع الديني، هم في الذروة والسنام، وحيث يتبوأ فيه المجد والشرف، من معاقد رجالات الامة، يقدمهم الساعي وراء كل صالح ديني، والعاقد لواء التقدم في مناجح الطائفة، شيخنا المجاهد، العلامة الحجه، اية الله، الأميني النجفي، صاحب كتاب " الغدير " الأغر، المعروف بعلمه الجم، وفضله الكثار، وفكرته الناضجة، وهمته القعساء، ودعوته الإصلاحية، ويده الناصعة في الحجاج، وولائه الخاص للعترة الطاهرة.
فكأن هذه المنحة الكبيرة، والحركة العلمية المشكورة، كانت نصيب شيخنا الأوحد الأميني الأمين، وكان يستسهل هذه النهضة الباهظة، والعب ء الفادح، لم يك يستصعب أمرا كهذا، بل كان يستصغره من أول يومه بقوله: الله أقوى وأعظم، وكل شئ على الله سهل يسير، وكل صعب مستصعب دون ولاء سيدنا المفدى أمير المؤمنين (عليه السلام) أسهل ما يرام، وأيسر ما يتصور. ولعمر الحق يستأهل حامل هذه الروح الطاهرة، والطوية الطيبة، والنية الصالحة والإيمان الصادق، والمتفاني في ولاء أهل البيت الطاهر، أن يأخذ المولى سبحانه بعضده - وقد فعل - ويسهل له المسير، ويعززه بنصره، والله من وراء القصد * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) *. وكأن الامة المسلمة كانت في انتظار هذه النهضة العلمية من هذا البطل
[ 99 ]
الديني العظيم، فلبى دعوته كل من قرعت سمعه عقيرته، وبادر كل ذي شعور حي عارف لصالح الأمة، إلى المساهمة والمؤازرة، دون هذا المشروع المقدس، وليست هذه كلها إلا أثر الإخلاص في العمل، وتجرد النية عن كل ما يشوبها ويشينها، وهي آية الثقة بالله، والتوكل الصحيح عليه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يتق الله يجعل له من أمره مخرجا. فشمرت هذه الفئة الكريمة الصالحة للنهوض بهذا العب ء الثقيل بكل ما اوتوا من حول وطول، وأرخصوا لهذه الفكرة كل غال، وأنفقوا دونها كل نفيس، والأمل في الله جلت قدرته أن تكون هذه المكتبة نسيجة وحدها بين المكتبات العالمية بتأييد من الله سبحانه، وبما أتاح جل وعلى لمؤسسيها من التفاني في هذه الغاية الكريمة، والدأب على التقدم بهمة قصية المرمى، وإلى المولى نبتهل أن يصحبهم التوفيق للثبات على القصد، إنه ولي ذلك.
ونحن على يقين من أن هذه الفكرة الميمونة كبذرة تولد في رجالات الامة العاملين النابهين، أفكارا راقية تحيى بها روح الملأ الديني، ويمضي بضوئها الشعب المسلم إلى النجاح والفلاح، والله ولي التوفيق. صورة مصغرة عن المكتبة: تحوي اليوم [ مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ] من الكتب بشتى اللغات ما يناهز نصف مليون عنوان (1) بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان من الكتب الخطية. كما تمتلك عشرة دور مشتراة من سنة 1374 ه شيدت المكتبة على بعض منها والباقي ارض، تنتظر توسعه البناء. وأهم ما اشترط: أن المتولين - في أي طبقة كانوا - إن عجزوا عن القيام بواجبها ولم يمكنهم إدارة شؤونها، فعليهم التقاعد عنها وتعيين آخرين من رجال
(1) العنوان - يعني كل دورة كامله تعتبر عنوانا واحدا. (*)
[ 100 ]
يسعهم النهوض بإدارتها، وإن افتقد - والعياذ بالله - من يمكنه حمل أعبائها فعليهم إحالة أمرها إلى مديرية مكتبة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وضمها إليها في التولية، والمتولي أمر تلك المكتبة له أن يقوم بإدارة هذه المكتبة، مشروطا ببقائها في النجف الأشرف، وعدم جواز حملها إلى غيرها من البلاد بأي مسوغ. تأسست المكتبة في غرة جمادى الاولى سنة 1373 الهجرية، وقال العلامة السيد محمد الحلي النجفي مؤرخا: ومكتبة قد علت رفعة * وباسم علي سمت مرتبه أراد الأميني تأسيسها * فأرخ: له تمت المكتبة " 1373 " وقال مؤرخا أيضا بالميلادي:
قام الأميني لإخلاصه * وحبه للعترة الطيبه بخير مشروع تسامى علا * باسم علي صاحب المنقبه لذا غدا يصدح تاريخه: * ازدهر الغري بالمكتبة " 1958 " مضت عليها أعوام وهي في دور الإنشاء، حتى افتتحت باليمن والسعادة في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجه الحرام سنة 1379، ونشر في نبأ الافتتاح والدعوة إليه من أرجاء العراق منشور هذا نصه وفصه: (1) الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. في هذا اليوم النير السعيد، عيد تتويج سيد العترة بيد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعمامته " السحاب " رمز الولاية الكبرى، في حشد من الأمة، مائة ألف أو يزيدون، نبشر رجال الثقافة، ورواد العلم والفضيلة، بافتتاح:
[ 101 ]
مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة: للمطالعة والاستفادة، والاستثمار من حقله اليانع، والاستضاءة بضوئها والاقتباس من نورها الزاهر، وذالك فضل من الله ما أكبره وما أعظمه ! ! ونرحب بالوافدين لزيارة المكتبة العامرة من ليلة 18 ذي الحجة إلى 22، لسنة 1379 خمس ليال متواليات، ومن يوم السبت 23 من الشهر يستمر الدوام إن شاء الله تعالى باليمن والسعادة، والله ولي التوفيق. فحري لكل مسلم صحيح يحمل روح الإنسانية السامية، ويشعر بعوامل الرقي والتقدم، ويبتغي الحياة السعيدة الروحية التي لا نفاد لها، أن يساهم في هذا السرور، بالحضور، ويكحل البصر بالنظر إلى جمالها البهي، ويباهي بهذا المشروع
المقدس ويعتز به، ويهنئ كل فرد صاحبه بهذه المنحة الكبرى، ولوليها الحمد أولا وآخرا. ذي الحجة الحرام 1379 مديرية المكتبة الشيخ رضا الأميني صورة من طرة الباب الرئيسي، صنع إيران، من قاشاني معرق نفيس جدا، مكتوبة فيها بقلم الاستاذ الشهير الحاج ميرزا أحمد الزنجاني عدة أبيات من مقطوعة للنطاسي المفضال الأديب الشيخ ميرزا محمد الخليلي النجفي صاحب كتاب " معجم ادباء الأطباء "، أرخ بها بناية المكتبة، وإليك المقطوعة: هاهنا معهد علم شاده * رجل الحزم الذي عز قرينا معهد قد قام في إنشائه * عزم فرد قد سما علما ودينا من غدا رائده الحق وقد * فتح الله له فتحا مبينا من تفانا في ولا حيدرة * وبنيه الطيبين الطاهرينا شيخنا الحبر الأميني الذي * راح في حفظ الولا يطوي السنينا بحره أجرى غدير الفضل كي * ترتوي منه الملا عذبا معينا
[ 102 ]
رام أن يرفع للعلم الذرى * ببنا مكتبة تحوي الفنونا ورجا باسم علي أن يرى ال * - عون فيها فرأى الله المعينا شادها بيتا رفيعا ساميا * خلدت فيه مساعيه قرونا فإذا ما جاءها مستفهم * عن بناها وأتاها الوافدونا باسم من قد انشئت أرخ: بلى * انشأت باسم أمير المؤمنينا " 1376 ه " (1)
الآن حصحص الحق من صحيفة المكتبة - بقلم العلامة الاميني المؤسس بعث نبي الإسلام، نبي العظمة، صاحب الرسالة الخاتمة، ليتم مكارم الأخلاق ويدعو الناس لما يحييهم، ويحدوهم إلى الحياة السعيدة، ويقودهم إلى سعادة الأبد، ويهديهم إلى الصراط السوي، إلى مهيع الجدد، إلى الطريق اللاحب، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي يمناه كتابه الكريم، * (كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) *. * (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) *. * (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى من رب العالمين) *. * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) *. * (إن في ذلك لرحمة وذكرى للمؤمنين، فيه آيات بينات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولو الألباب) *. ضم كتاب الله العزيز بين دفتيه دروسا عالية تشريعية وتكوينية فيها حياة الإنسان السامية، وسعادته الخالدة الأبدين، فيها علم البداية وعرفان النهاية، هي بغية العلماء، ومأرب الفقهاء، ونشدة الأخلاقي المحنك، وطلبة الحكماء والفلاسفة،
[ 103 ]
ومقصد رواد التأريخ الصحيح، ومرمى العارف النابه السليم، ومنتجع الخطيب المفوه، والقول الفصل: إنه مشرع المجتمع البشري، ومصحف الملأ الانساني أجمع. حث سبحانه وتعالى على السير في أرجاء الأرض والجولة في ربوع العالم، وإمعان النظر في آثار قدرته، ومجالي رحمته، ومحال كبريائه، ومظاهر عظمته،
ومعالم قدسه، وعجائب صنعه، ولطائف حكمه، ودقائق ملكه، ورقائق أمره، وجوامع خلقه، ومهاد كرامته، وبدائع سلطانه، وسبحات وجهه، وعواطف رأفته، وسوابغ نعمه، ونفحات جلاله وجماله وكماله، ومجاري منحه ومننه، وبينات فضله، وآيات طوله، وطرائق إرادته، ومشاهد مجده وحمده، سبحانه وتعالى، سبحانه وتقدس. يلمس السائح النابه البصير باليد منبض الملأ، ويعرف علل انحطاط البشر وبواعث الانحلال في جامعة الإسلام المقدس، ويكون على بصيرة من أدواء المجتمع وجراثيم العيث والفساد، ويعلم ما هي عوامل سرعة السير إلى التقدم والرقي، وما هي موجبات تأخر الامم عن صالحها، وتشتت شملها، وتبدد جمعها، واستئصال شأفتها، ويطلع على مواقف العظة والعبر، ويتخذ تجربة من تدهور الآثار، وتقلبات الدول والحكومات، وتكثر الآراء والمعتقدات، فيتجرد للسعي وراء الحقيقة الراهنة، ويتفرغ لابتغاء ما فيه رشده وهداه. تفتح للسائح النبيل أبواب العلم، ويكشف عنه غطاؤه، فيغدو - وهو أوعى من كل وعي - نضيج الرأى، صالح الفكرة، راجح العقل، رخي اللب، ثابت الحصاة، حصيف النظر، بعيد الهمة، قوي الحنكة، عظيم الإرادة، حفيا محنكا حازما، يقتحم عظائم الامور، ويعرف الورد من الصدر، ويعلم من أين تؤكل الكتف. يحتفل الرحال الثقافي بجهابذة العلم، وصيارفة الكلام، ويجتمع مع رجالات الدين والفقه والتفسير والحديث والأخلاق والتأريخ، إلى أساتذة علوم وفنون لا مندوحة لإنسان عنها، إلى الحكماء والفلاسفة، إلى الساسة والقادة، إلى نوابغ،
[ 104 ]
ومداره، ومصاقع، ومهرة الخطابة والبيان والأدب والقريض، فيقتنص من العلوم
شواردها، ومن الفنون فرائدها، ومن الصنائع بدائعها، ويؤوب إلى بيئته وقد ظفر بمبتغاه مهما كان بعيد المدى، ولم يجمح به مراده مهما كان قصي المرمى. عبد الحسين أحمد الأميني
[ 105 ]
رحلاته العلمية وثمرات اسفاره سفره إلى إيران: سافر إلى إيران عدة سفرات ووقف فيها على التراث الفكري المودع في خزائن تلك الدول الشيعية، وتسنى له مطالعتها مطالعة محقق مدقق لما تحويه: مكتبة مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، في خراسان. ومكتبة مجلس شوراي ملي (البرلمان الوطني)، في طهران. ومكتبة مدرسة سپهسالار، في طهران. ومكتبة الحاج حسين ملك، في طهران. وكتابخانه ملي (المكتبة الوطنية)، في طهران. ومكتبة الزعيم الديني المرحوم آية الله البروجردي (يوم كان في بروجرد). ومكتبة الفقية الحجة المرحوم الشيخ سردار الكابلي، المتوفى 1372 ه، في كرمانشاه. وحدا به الطلب دون تحقيق هدفه السامي، ونيل بغيته لاكمال بحثه، تعقيبه هواة الكتب. والسؤال عما تحويه مكاتبهم، ولا غرو إذا قلنا أن إلحاحه في الطلب من أصحاب المكتبات الخاصة، ومواصلته التردد على المكتبات العامة أوقات عملها - منذ افتتاحها وحتى آخر لحظة من دوامها - أثارت عليه أرباب الكتب وامناء المكتبات، إلا أنه لم يعر اهتماما لما كان يلاقيه من شدة وقسوة دون مأربه، لسمو هدفه ونبيل غايته، بل كان يتلقى تلكم الشدائد برحابة صدر وابتسامة، إذ لم
[ 106 ]
ير في الحياة ألذ من مسامرة الكتاب - مطالعته واستنساخه - تاركا وراءه جل لذائذ العيش، غير مكترث بصحته العامة، وحال عائلته وشؤونهم. وانقضت أعوام وأعوام وهو لا يعبأ بوقت الأكل ونوعه وكيفيته، ولم يتناول قوته اليومي إلا بعد نداء ممل ممن كانوا بانتظاره على المائدة في وجبة غداء أو عشاء، كل هذا تلهفا منه وشوقا لقضاء شوط كبير من تأليفه كل يوم. وكلما تقدم في البحث ازداد نشاطا، وتلقى العمل منه صبرا وجلادة في العزم، وشكيمة في أداء الواجب الديني. ومرت السنون بمثل هذا النضال المرير، والجهد المضني، والعمل المتواصل بكل القوى ليل نهار، حتى أصدر أحد عشر جزءا من الكتاب وفي غضونه بحوث إسلامية عالية، ودروس دينية ثمينة في التفسير، والحديث، والتأريخ، والآراء والمعتقدات، مقرونة بالتحقيق والتمحيص، والتقصي والاستقراء الشامل، مدعمة بالمصادر العلمية، بعيدة عن العصبية والتطرف. واستقبل الكتاب من لدن العلماء، وجهابذة الرأي، وأساتذة الجامعات، ورجالات الفكر، وصيارفة النقد والتحليل، وملايين المثقفين العرب والمسلمين في العالم بكل وله وشوق، واحتل الصدارة في صحف البلاد العربية والإسلامية. وكلما صدر جزء انهالت على المؤلف (قدس سره) عاصفة من رسائل التقريظ والتقدير والإعجاب والتأييد، وإبداء التلهف للوقوف على بقية أجزائه، لما في بطونها من علم غزير، وبحوث عالية، وحقائق دينية ناصعة، وكشف لأحاديث ووقائع اسدل عليها ستار الشبه، وسترتها يد الأهواء، حتى ظل يجهلها أكثر المؤرخين والباحثين، وخفيت على جميع المسلمين. وما نشر في الأجزاء المطبوعة من كلمات رصينة، وتقاريض عسجدية تنم
عن أهمية الكتاب الذي احتل مكانا مرموقا في المكتبة العربية، ومدى ما تضمره الأوساط العلمية، والدينية، والثقافية من إكبار وتقدير للكتاب، وتأثير في العالم الإسلامي وتأثرها ببحوثها، وترى فيه طريقا مهيعا لجمع شمل المسلمين وتوحيد
[ 107 ]
صفوفهم، لما حققته هذه الثروة الفكرية من انتصارات ضخمة في شتى حقول الدراسات الإسلامية الجديدة التي تناولتها. وبعد أن أكمل شيخنا الوالد طبع الجزء الحادي عشر من موسوعته الأثرية، وقد طاولت زهاء نصف قرن منذ ابتدائه في تأليف الكتاب وحتى صدور هذا الجزء، وانتهى البحث فيه بذكر جمع من شعراء القرن الثاني عشر الهجري ممن نضموا هذه الاثارة التأريخية في قصائدهم، انقطع عرى البحث وذلك لكثرة ما تحويه قصائد بقية شعراء ذلك القرن، والذي يليه، والذي بعده من مناقب العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، الصادرة فيهم من لدن صاحب الرسالة الكبرى الصادق الأمين صلوات الله عليه، وللرابطة الوثيقة بين تلكم الأحاديث والتأريخ الإسلامي في كل جوانبه من جهة، ولصلتها الوثيقة بالخلافة الإسلامية من جهة اخرى، ولأهميتها الكبرى في الملأ الإسلامي، رأى شيخنا الوالد أن من الضروري إفراد دراسة ضافية حول اسناد تلكم المناقب والماثر المبثوثة في غضون كتب التفسير، والحديث، والسير، والمعتقدات. ولم يرقه - قدس الله روحه الزكية - الركون والاعتماد على ما نقل عن الأصول المخطوطة من تراث السلف، بل أخذ على نفسه الوقوف على تلك المصادر ذاتها، قطعا للعذر، وابطالا للتشكيك. ومثل هذا العمل يعد خطوة لا تنوء به إلا العصبة أولو القوة، فالمصادر تلك قد شتتها الأحداث التأريخية المتعاقبة، وجعلتها أيدي سبأ موزعة في المكتبات
العامة والخاصة في مختلف أرجاء المعمورة. إلا أن هذا لم يصد شيخنا الوالد عن تنفيذ خطته، ولم يصبه كلل في عزمه وإرادته. فشد ساعد الجد للترحال إلى أقصى البقاع والأمكنة، للوقوف على مصادر بحثه، والتزود من يانع فيض تراثنا الفكري الإسلامي الغابر.
[ 108 ]
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر: قال الشيخ رضا الأميني: كنت أرى منذ مدة غير قريبة كثرة الخوض من قبل سماحة سيدنا ومولانا آية الله المصلح المجاهد والدنا الأجل الأميني في الحديث عن الثروات العلمية والآثار والماثر الاسلامية المودعة في الديار الهندية، وكنت أشعر منه شوقا أكيدا، ورغبة شديدة في السفر إلى تلكم البلاد المعجبة من جل نواحيها، غير أن اشتغاله بطبع كتابه " الغدير " يرجأه عن غايته المتوخاة، وكانت نهضته العلمية الدينية هذه عاقته عن أن يولي وجهه إلى تلك السفرة الميمونة الناجعة، وينتهز الفرصة، ويراه قريبا ونحن نراه بعيدا، ولينصرن الله من ينصره. وبعد انجاز تأسيس [ مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة ] في عاصمة الفقه والعلم والدين، ومرتكز لواء الخلافة الإسلامية الكبرى، ومهبط حملة الثقافة من أرجاء العالم من الحواضر الإسلامية، ومحط رحال العرب والعجم، وسروات المجد والنبل من مختلف الامم. ولدت هذه الخاطرة رحلاته المتتابعة وراء جمع مدارك كتابه " الغدير "، فقام حياه الله وبياه بأعبائها، وشمر ساعد الجد والاجتهاد لتحقيق أمله، ونيل مناه، وهو أمل المجتمع البشري، وبغية كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وامنية كل مثقف يحمل شعور الرقي والتقدم، ومأرب المصلح النابه الشاعر بجراثيم العيث
والفساد، أحس ضرورة المكافحة عن صالح امته. ولبى دعوته رجال عاملون وجدوا تلك الفكرة السامية بذرة الحياة، فريضة الخدمة للإنسانية، وراء النهوض بذلك المشروع المقدس من الصالحات الباقيات، والمؤازرة دونه تحفظا على الحياة السعيدة، فمهدوا له السبل بكل ما اوتوا من حول وطول حتى بنيت لها بناية ضخمة فخمة عامرة، بناية زاهرة زادت تلك الساحة المقدسة بهاء وجمالا وعظمة وكرامة. فغدت هذه الهاجسة السامية الثانية بمفردها داعية قوية إلى الرحلة المباركة
[ 109 ]
نحو القطر الهندي، وكان ذلك قدرا مقدورا، فحقق الله أمله، وتأهب للسفر، وكان من عظيم ما من المولى سبحانه به علي أن اختارني لخدمة بطل دينه المدافع عن ناموس الإسلام المقدس، والناهض دون هدي العترة الطاهرة، واختصني بهذه الكرامة، وحباني بهذه النعمة السابغة، وغمرني فضل سيدي الوالد العظيم باستصحابي في سفره هذا، كما كنت أقوم بخدمته في جل رحلاته قبل، وذلك ذخري في حياتي منذ نعومة أظفاري، وبفضله اباهي وأفتخر، وما التوفيق إلا بالله، وله الحمد على ما أنعم. وقد استغرقت هذه الجولة المباركة أربعة أشهر، بدأت يوم 24 شعبان المعظم وانتهت بالخامس والعشرين من ذي الحجه الحرام 1380، ولم تمض لنا تلكم الأيام السعيدة إلا ونحن ننقب في خزائن الكتب في مختلف الأمصار، وقد طلبت امة كبيرة من بلاد العرب والعجم، وفي مقدمها الهيأة المؤسسة لمكتبة الإمام أمير المؤمنين والهيئات التي اسست في الحواضر الإسلاميه لقراءة " الغدير " والأخذ من دروسه العالية، نشر تفاصيل هذه السفرة الميمونة، ونحن وإن لم يسعنا المجال لنشرها والتوجه إلى جميع نواحيها واستقصائها والبحث عنها على ما يروم
ذلك الجم الغفير، غير اننا نأخذ منها في هذه العجالة نبذة يهم الملأ الثقافي أن يقف عليها، ونحيل البحث عنها على وجه يحق أن يبحث عنها إلى تأليف مفرد يخص بها، والله ولي التوفيق. من ثمرات أسفاره عرض موجز عن الهند تعتبر الهند من أعرق البلدان ثقافة، وأوسعها أرضا بحيث تشكل شبه قارة، بالاضافة الى ثقافتها العالية، وتقدمها صناعيا، وعلميا. ففي الزمن الغابر، عندما لم تكن في بلدان العالم مدارس أو كليات أو معاهد، ولم تبزغ شمس الحضارة فيها إلا في بعض الدول المتقدمة، كانت الهند تحتوي على
[ 110 ]
كليات ومعاهد في مختلف العلوم، وكان أشهرها: 1 - كلية تاكسيلا. 2 - كلية نالاندا. 3 - كلية كانچي. 4 - كلية مادوار. 5 - كلية يكرا ماسيلا. 6 - كلية اودانتا پوري. 7 - كلية ناديا. أضف الى ذلك اشتهارها بالعلوم، الأخلاقية، والتربوية، والفنون الجميلة، والأدب، والحقوق، والفلك، وميثاق المنطق، والرياضيات، وكان العلماء يقصدونها من كل حدب وصوب، وتوسعت في كبريات مدنها، دلهي، لاهور، ورامپور، ولكهنو، وإله آباد، وجونپور، وآجمر وغيرها. فضلا عن الجامعات والكليات التي لا تحصى عددا، أشهرها: جامعة أگره، جامعة عليگر الإسلامية، وجامعة إله آباد، وغيرها، التي تربو على الأربعين جامعة وكلية. وننهي كلامنا بهذه الوجازة عن الحركة الثقافية في الهند، ونتطرق الى ما يهمنا من الثروات العلمية الإسلامية وكنوزها المحفوظة في المكتبات العامة المبثوثة
في أنحاء الهند كافة، والتي زارها شيخنا الوالد، العلامة الأميني، وطالع أهم ذخائرها التي تخص بحثه، وما تحتاجه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وما يدور في فلكه. 1 - بومبي: تجولنا في هذه المدينة العريقة، وزرنا معظم معالمها الثقافية ومكتباتها العامة، وكان يصحبنا بعض العلماء، والادباء، والباحثين في المنطقة، وأخيرا استقربنا المقام في مكتبة بومبي العامة الكبيرة. THE ASIATIC SOCIETY OF BIMBAY تحوي هذه المكتبة على مائتي ألف كتاب " 0000 / 200 " ومجلد باللغات العربية، والفارسية، والانجليزية، والفرنسية، والجرمنية، والأردية والسانسكريتية، وكانت ثلاثة بالمائة من هذه الكتب مطبوعة باللغتين العربية والفارسية.
[ 111 ]
وتقع المكتبة في بناية كبيرة متعددة الطوابق وبها قاعات واسعة متعددة، وتبلغ مساحة قاعتها الرئيسيه 16 ب 32 مترا، تربو على الخمسمائة متر مربع، منسقة تنسيقا بديعا، ويبلغ عدد مطالعيها يوميا أكثر من " 1500 " ألف وخمسمائة مطالعا. وللمكتبة صحيفة سنوية تصدر باللغتين الانجليزية، والاردية، ولها لجنة ثقافية عالية، تحيطها حدائق غناء واسعة. وللمكتبة فهرست طبع لها بمجلدين، كل مجلد يحتوي على خمسمائة صفحة. مدينة لكهنو: لكهنو التي كانت عاصمة " الأود " عام 1167 ه شيدت فيها معاهد إسلامية
ومدارس عديدة متنوعة، وحوت على تراث ومآثر لا تحصى، وتخرج منها علماء فطاحل، فيها مكتبة الناصرية العامة، التي تحتوي على نفائس الكتب ونوادرها الخطية، من علوم الفقه واصوله، والتفسير، والحديث، والكلام، والحكمة، والفلسفة، والأخلاق والتأريخ، واللغة، والأدب، الى معاجم وموسوعات كبيرة. مكتبة السيد محمد قلي الموسوي: كانت مكتبة الناصرية العامة نواة هذه المكتبة، والسيد محمد قلي الموسوي من أعاظم علماء الهند، وأساطين عصره، وله مؤلفات قيمة عديدة. توفي في محرم سنة 1260 ه، وكان أحد العلماء العظام الثلاثة الذين أسسوا هذه المكتبات. والثاني: العلامة السيد حامد حسين، صاحب موسوعة " العبقات "، بالاضافة الى تآليفه العديدة القيمة. توفي في شهر صفر سنة 1306 ه، ثم الحقت مكتبته بمكتبة شبله السيد ناصر حسين، وهو ثالث الثلاثة. ومكتبته التي سميت باسمه، يناهز عدد كتبها اليوم الثلاثين ألف مجلد من
[ 112 ]
نفائس تراثنا، من المطبوع والمخطوط، اسست لها بناية فخمة، في منطقة راقية هادئة. مدرسة الواعظين: وهي مدرسة دينية جليلة، ومعهد إسلامي علمي فخم، يعد من حسنات الدهر، قام بتأسيسه العلامة الأوحد السيد نجم الحسن (قدس سره) سنة 1338 ه. تحتوي المدرسة على بناية كبيرة، لها أجنحة متعددة من مكتبة وإدارة، بالاضافة الى أجنحة لسكن الطلبة، تخرج منها عدد لا يستهان به من العلماء والمبلغين بشتى اللغات لا سيما الانجليزية والاردية، للتبليغ في الهند وباكستان،
وافريقيا، وشرقي آسيا. ولهذه المدرسة مكتبة قيمة تحتوي على عشرين ألف مجلد من الكتب الإسلامية، باللغات العربية، والفارسية، والاردية، والانجليزية، وفيها مخطوطات قيمة. كما لها مطبعة خاصة، لطبع ما تنتجه أقلام علمائها وأساتذتها، في أبحاث قيمة شيقة. سلطان المدارس: من معاهد العلم والدين، قام بتأسيسه علامة عصره، ووحيد دهره، السيد محمد باقر الرضوي الكشميري، ومن آثاره المدرسة الايمانية، والمدرسة العالية الناظمية، وآخرها المدرسة الجليلة الشهيرة " السلطانية " وله تآليف جمة قيمة في العلوم الدينية، وللمدرسة مكتبة عامرة خاصة بها تضم ما ينيف على الخمسة آلاف مجلد باللغات العربية، والفارسية، والاردية، وبعض المخطوطات. مكتبة ممتاز العلماء: أسسها العلامة الجليل السيد محمد نقي، المعروف ب " ممتاز العلماء "،
[ 113 ]
ولد 1234 ه، وله مؤلفات عديدة وقيمة ممتعة. توفي (رحمه الله) سنة 1289 ه عن 55 عاما، خلف خزانة فخمة من أنفس النوادر والآثار والكتب الخطية القيمة، ويزيد عدد مجلداتها على ثمانية عشر ألف كتاب باللغة العربية، والفارسية والاردية، وقد انشئت لها بناية حديثة. مكتبة فرنگي محل: تأسست هذه المكتبة على يد المولى قيام الدين عبد القادر الكهنوي سنة 1230 ه، ويقوم بإدارة شؤونها بعض العلماء، ولهم فيها حلقات لتدريس العلوم
الدينية، والمعارف الإسلامية على المذاهب الأربعة. والمكتبة تحتوي على تسعة الاف مجلد، نصفها مخطوطة، ومعظم كتبها في العلوم الإسلامية باللغات الثلاثة: العربية، والفارسية، والأردية. مكتبة ندوة العلماء: تقع في وسط حدائق غناء بمساحة آلاف الامتار ضمن بناية كبيرة فخمة " لمدارس العلوم التابعة لندوة العلماء ". قام بتأسيسها جمع من رجال المذاهب الأربعة في أوائل القرن الحالي - أي ما يقارب 1320 ه - ويديرها بعض مشايخ وعلماء أهل السنة من المذاهب الأربعة. وعدد طلابها يربو على الأربعمائة طالب من مختلف البلدان، من أفريقيا، وآسيا. وللمكتبة بناية فخمة جدا الى جنب المدرسة، وعدد كتبها أكثر من ستين ألف مجلد، منها: خمسة آلاف وخمسمائة كتاب خطي، في العلوم الإسلامية من تفسير، وفقه، واصول، وحديث، وحكمة، وفلسفة، وأخلاق، وأدب، وتأريخ، وجغرافيا باللغات - العربية، والفارسية، والأردية، والسانسكريتية.
[ 114 ]
مكتبة أمير الدولة پراوونشل: مكتبة عامرة فخمة في بناية كبيرة شامخة، في وسطها قاعة عظيمة، تحيطها حدائق زاهرة، قام بإنشائها الأمير محمد حسن خان راجة محمود آباد، وشاد أسسها عام 1921 م، وقدم لها مكتبته الخاصة التي كانت تحوي خمسة وخمسين ألف مجلد، وقد بلغ عدد كتبها مئة وعشرة آلاف كتاب، باللغات العربية، الفارسية، وغيرها من اللغات الاخرى. وفهرست كتبها ترتيبا جميلا على طريقة " الديوي ".
وفيها قسم من المخطوطات الأثرية. وفيها قاعات كبيرة للمطالعين، أكبرها بمساحة 15 ب 30 مترا، وبارتفاع ثمانية أمتار، وقاعة لمطالعة الصحف والمجلات. يردها يوميا أربعة عشر صحيفة، ومن المجلات الشهرية والاسبوعية 246 نوعا، وقد قامت المكتبة بتجليدها وتنظيم خزنها. وما إن نشرت، الصحف الهندية الإسلامية خبر وصول العلامة الأميني الى لكهنو، حتى قدمت الوفود من كل بلد يدعونه لزيارتهم، وبعد إلحاح من عمداء الجامعات وأساتذتها وعلمائها، اضطر أن يجيب وفد كانپور ولمدة 48 ساعة فقط، وذلك لكثرة انشغاله بالمطالعة والاستنساخ. مدينة كانپور: تقع على ضفاف بحر " كنك " المقدس عند الهنود، وهي مدينة صناعية كبيرة. وعدد سكانها يربو على المليوني نسمة. وقد استقبل العلامة الأميني من قبل معظم الجمعيات الإسلامية، مختلفة الأهداف، وعملوا له حفلا عظيما، خطب فيها العلماء والادباء، كما اقيم حفل تأبيني عظيم بمناسبة ليلة القدر وشهادة سيد الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام). مدينة على گره: مدينة واسعة من المدن الشمالية، تقع بين كانپور ودهلي، تبعد 120 كيلومترا
[ 115 ]
من مدينة " آگره " الأثرية، واشتهرت بجامعتها العالمية الأثرية. ومن الجامعات التي أسدت الى المجتمع البشري خدمات جليلة هي " جامعة علي گره الإسلامية " التي شاد مجدها، وأنشأ كيانها عام 1875 م المرحوم أحمد خان، المتوفي سنة 1898 م، ففيها اجتمع أبطال الفكر، وأساتذة العلم ليواصلوا جهودهم لإعداد شباب ناهض مثقف ليحمل أمانة الأجيال الصاعدة.
والجامعة هذه مفخرة من مفاخر العالم الإسلامي، وتقع على مساحة واسعة من الأرض، تشكل مدينة مستقلة، تبلغ دائرتها المحيطة بها أكثر من ستة آلاف كيلومتر، تشتمل على أكثر من أربعين بناية شاهقة، وسط حدائق غناء ذات بهجة من الأشجار والأزهار. وتختص كل بناية بكلية من كلياتها، من شتى العلوم، الطب، والصيدلة، والهندسة، والصناعة، والتجارة، والتأريخ، والأدب، والعلوم الدينية، والطبيعية، والرياضيات، والإدارة.. الى غير ذلك من العلوم الحديثة، أضف الى ذلك المختبرات الطبية، والتطبيقات الهندسية، والصناعية، وأجنحة عديدة تخص سكن رئيس الجامعة، والأساتذة المقيمين، والوافدين من الخارج، وقسم خاص بالسكن لطلبة الجامعة الأجانب. فيها مستشفى تطبيقي لكل الأقسام، وغيرها من الخدمات، كالبريد وغيرها. أضف الى ذلك مكتبتها العامرة العامة. مكتبة أبو الكلام ازاد العامة: لم يكن بوسع الباحث عن التراث والثروات الإسلامية حصر ما لهذه المكتبة العظيمة العامرة بالنفائس، فهي تضم بين أروقتها وخزائنها من الكتب الإسلامية ما يربو على المائة ألف كتاب باللغات الشرقية، العربية، والفارسية، والتركية، والاردية، وسائر اللغات الناطقة بها في المنطقة، وقد بلغ عدد مجلداتها المخطوطة - فقط - حوالي 12 ألف مجلد أضف الى ذلك الآثار القديمة الثمينة، كما أن فهرست كتبها في أكثر من عشرين مجلدا.
[ 116 ]
مدينة اگره: هي مدينة كبيرة من مدن الهند الشمالية، تقع على الساحل الغربي من بحيرة
" جمنا "، وتبعد حوالي مائتي كيلومتر عن دهلي، أسسها أكبر شاه، أحد امراء المغول، واتخذها عاصمة لملكه. يبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة، وتمتاز هذه المدينة بآثارها القديمة التي تعد من عجائب الدنيا، ومن أعظم الاثار الإسلامية في العالم مقبرة " تاج محل "، وقلعة أكبر شاه، وجامعه، وفيها مرقد البطل المجاهد، شهيد العلم والدين العلامة القاضي نور الله المرعشي التستري، مولف كتاب " إحقاق الحق ". مدينة رامپور: مدينة واسعة تقع شمال غربي الهند تبعد عن دهلي 180 كيلو مترا، وكانت عاصمة لدولة صاحب العظمة السيد محمد حامد علي خان نواب رامپور، وفيها عدة مدارس، ومكتبات عامة وجوامع، وهي تمتاز على كثير من بلاد الهند باعتدال هوائها ونظافة شوارعها وازقتها، نزلنا ضيوفا على أميرها السيد رضا علي خان، وكان يحترم سماحه الشيخ الوالد، سار بنا ليلة بسيارته الخاصة التي كان يسوقها بنفسه الى الحسينية التي شيدها فأرانا ما بها من الآثار القيمة، وذخائرها النفيسة، واثاثها.. ؟ ومن أبرز مظاهر هذه المدينة الثقافية مكتبتها العامة التي أسسها المرحوم الأمير السيد محمد حامد علي خان واشاد مجدها، وهي الآن معروفة باسمه. مكتبة الرضا العامة: في وسط القلعة العظيمة الكائنة في قلب البلد تقع عمارة المكتبة العامرة الجليلة تحف بها ساحة واسعة مزدانة بأجمل الأزهار وأعلى الأشجار، وهي من الروعة والجمال والفن المعماري بحيث يعجز الانسان عن وصفها، وفي خزائنها عدد
[ 117 ]
كبير من نفائس المخطوطات والمصاحف الأثرية، والكتب القيمة في العلوم
والفنون، باللغات الشرقية، والغربية، وتبلغ كتبها أكثر من خمسة وثلاثين ألف مجلد، وتستقبل مراجعيها يوميا، للمطالعة والاستفادة منها. وتحتوي بناية المكتبة على عدة قاعات واسعة للمطالعة، ومخازن محكمة وجميلة لحفظ الكتب، وخلفها قاعة اجتماعات جليلة عظيمة تبهر الناظر، لجمال هندستها، وروعة زخرفها، وفيها الآثار النفيسة القديمة. وبعد أن واصلنا سفرنا في الهند وزرنا پاتنا، ولكهنو، ثم بومبي، وبعدها الى حيدر آباد، كما قال الشاعر: مددنا الى التوديع كفا ضعيفة * واخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان ذاك العهد آخر عهدنا * ولا كان ذا التوديع آخر زادي هذا ما كان في العدد الثاني من صحيفة المكتبة. مدينة پتنه: مدينة پتنه تقع على يمين ساحل بحر " كنك " في مقاطعة البنغال - مركز بهار، يناهز نفوسها حوالي الثلاثمائة الف نسمة، فيها جوامع إسلامية، ومعابد لمختلف الطوائف والملل والنحل - مدينة صناعية، شوارعها فسيحة متناسقة وساحاتها واسعة، وهي عامرة بالمدارس، وفيها جامعة عظيمة تحتوي على عدة كليات منها: الطب، والصيدلة، والهندسة، والجغرافيا، والتأريخ، والأدب، والحقوق، والصناعة، والتجارة.. العلوم الطبيعية، وغيرها. تخرج عدد لا يستهان به من كلياتها، تفوق غيرها بالحركة الثقافية الإسلامية، فيها نخبة من الاساتذة البارعين باللغتين: العربية والفارسية، وقد انشئت فيها مؤسسة تحقيقات باللغتين العربية والفارسية. وفي اليوم الثاني زرنا مكتبة خدا بخش.
[ 118 ]
مكتبة خدا بخش: في هذه المكتبة كتب قيمة، وآثار نفيسة، تمتاز على جميع المكتبات التي زرناها في الهند، فيها خطوط المؤلفين، والحفاظ، وأئمة الحديث، والتأريخ. تزدان بلدة پتنة بهذه المكتبة العامرة المفعمة بنفائس الكتب الخطية، والآثار القيمة مما يعجز الانسان عن وصفه. تحتوي هذه المكتبة ما يربو على خمسين ألف مجلد من الكتب المطبوعة والمخطوطة في شتى العلوم، ومختلف اللغات، العربية، والفارسية، والأردية، والفرنسية، والانجليزية، والهندية - السانسكريتية، وغيرها. وقد خصصت الحكومة الهندية ميزانية ضخمة لادارتها، كما جهزتها بأحدث آلات التصوير، وأجهزة فنية لقراءة الأفلام الفنية. وتشمل المكتبة، جناحا خاصا لحفظ المخطوطات الأثرية القديمة، وبعض النقود القديمة النادرة، والآلات الحربية، وأدوات الإسطرلاب، والأواني الخزفية القديمة الجميلة، والصور الزيتية، ومعظمها من الاثار القديمة الغالية، وقد وضعت في معارض زجاجية، وفيها كمية من المصاحف المذهبة، والدواوين، والكتب المذهبة والمطرزة، وبخطوط جميلة معروضة، حتى يخيل للمشاهد أنه في متحف عريق. عودة على بدء غادرنا پثتة في 15 ذي القعدة 1380 الى لكهنو، ومن ثم الى بمبي في سفرة متنقلة استغرقت اثني عشر يوما، وبعد اسبوع في بمبي اتجهنا الى حيدر آباد بالطائرة. مقاطعة حيدر آباد دكن الإسلامية: تبعد عن بمبي حوالي 752 كم، وهي مدينة واسعة جميلة - كانت عاصمة
لمملكة دكن.
[ 119 ]
طلقة الهواء، بديعة المنظر بشوارعها الوسيعة المنسقة، وحدائقها الجميلة، وجبالها الشاهقة، ومصانعها الكثيرة المهمة. تمتاز هذه المدينة بمظاهرها الإسلامية الدينية وجامعتها العلمية، ومؤسساتها الخيرية، ومكتباتها العامة، ومدارسها الهامة، ومعاهدها المتنوعة. انشئت الجامعة العثمانية عام 1919 م، وقام ببناء مجدها الأمير عثمان علي خان، وصرف عليها ثروة طائلة، وقد شيدت على مقاطعة واسعة من أراضيه ما يقارب أربعين بناية كبيرة شاهقة، تخص كل واحدة منها بكلية لدراسة علم معين، كالطب، والصيدلة، والحقوق، والهندسة، والحساب، والزراعة، والتجارة، والصناعة ولكل كلية شعبة أو أكثر، على غرار النظام العالمي للجامعات، واثثت كلها بأفخر الاثاث والرياش، ولكل كلية مكتبتها الخاصة وأدواتها المختبرية وآلاتها وما تحتاج إليه والى جانبها بناية مكتبة الجامعة اسست مع الجامعة واشتهرت باسمها، وسرعان ما خطت خطوات واسعة في التقدم، حتى بلغت عدة ما تحويه من الكتب أكثر من مائة واثني عشر ألف مجلدا، في شتى العلوم، والفنون، وبلغات متعددة، العربية، الفارسية، الهندية، الاردية، التركية، الانجليزية، الفرنسية، السانسكريتية والجرمنية.. الى غيرها من اللغات الصينية وغيرها. وفيها أيضا كمية كبرة تناهز الستة آلاف مجلدا من روائع الآثار الإسلامية المخطوطة بشتى اللغات، وفيها قسم كبير من المصاحف الكريمة، وكتب الحديث، والتفسير، والتأريخ، بخطوط مشاهير الخطاطين، معروضة في معارض زجاجية، أمام كل وافد وسائح. وقد دعم هذه المكتبة، رجال الخير والصلاح، وبذلوا دون توطيدها الغالي
والنفيس، ووقفوا مكتباتهم الخاصة عليها، بلغت أكثر من خمسين ألف مجلد خطي ومطبوع.
[ 120 ]
المكتبة الآصفية العامة: وهذه المكتبة هي واحدة من المكتبات العامة العامرة بالهند، وخزائنها المشحونة بالنوادر الخطية، وتحتوي على مائة وخمسة وعشرين ألف مجلد من مختلف العلوم والفنون، وبعدة لغات، ومن بين هذه الكتب الأثرية الخطية أكثر من ستة عشر ألف وخمسمائة مجلد من كتب الحديث والفقه، والتأريخ باللغات العربية، والفارسية، والتركية، والأردية، منها عدة نسخ ثمينة قيمة بخط الحفاظ والعلماء والخطاطين المشهورين، وفيها نسخ من القرآن الكريم بخط أبي الدر ياقوت المستعصمي في سنة احدى وستين وستمائة 661 ه. مكتبة سالار جنك ومتحفه: مكتبة عامرة ثمينة من المكتبات الأثرية، والمخازن الجامعة الخالدة، عظيمة البناية فخمة شامخة، تحوي مجموعة واسعة من الكتب المطبوعة والمخطوطة، يبلغ عدد مطبوعاتها ما يناهز الاثنى وخمسين ألف مجلد، ومخطوطاتها تربو على سبعة آلاف وتنقسم كتبها إلى صنوف شتى باللغات العربية، والفارسية والانجليزية والاردية، والتركية. وهناك غرفة واسعة خصصت لعرض خطوط أشهر الخطاطين، وبعض الآثار العتيقة النفيسة، ومن بينها رداءان كتب على كل منهما المصحف الكريم برمته. تلي بناية المكتبة بناية واسعة مجللة ضخمة اتخذت متحفا للمجموعة الأثرية الخالدة الثمينة مما تركه المرحوم النواب سالار جنك من الأحجار الكريمة
والمعلقات والحلي من مصوغ المعدنيات، وأدوات الكتابة، والتماثيل المتنوعة المنحوتة من أجمل الأحجار، والمصنوعات القديمة التي يبهر الناظر جمال صنعها، وبهاء نضرتها، وقد صنعت على الخشب، والخزف، والنحاس، والفلز، والفولاذ، وفيها كمية من الأسلحة والأردية الحربية رصع بعضها بأثمن الأحجار.
[ 121 ]
وهذه كلها عرضت على الوافدين في معارض بديعة الشكل منسقة تنسيقا رائعا، ولا يخلو أكثر المعارض من المصاحف القديمة الأثرية وكتب الحديث والدعاء، وبعض الدواوين الشعرية، واللوحات الثمينة بخطوط أشهر الخطاطين المكتوبة في القرون الخالية. دائرة المعارف الإسلامية: وهي من مظاهر الحركة العلمية الإسلامية في [ حيدر آباد ]. مؤسسة كبرى علمية إسلامية، قام بانشائها النواب عماد الدين وثلة من رجال الخير، ولم تك غايتهم المنشودة منها إلا الإحياء للتراث الإسلامي الدفين، ونشر النسخ النادرة، وطبع آثار السلف ومآثرهم القيمة، وإبقاء ذكرهم بذلك في التأريخ، وتعميم فوائد أتحفتها يد التأليف الملأ العلمي في القرون الخالية، وأي خدمة رابية للعلم وأهله أربى وأفضل من هذه ؟ لم يكد يمضي على تأسيس هذا المشروع القيم إلا اعوام يسيرة حتى فاق غيره من المجامع ودور النشر في البلدان الشرقية بنشره الكنوز الإسلامية المتروكة في زاوية البلى، وكانت هذه أصدق وأعظم خدمة من دائرة المعارف للعالم الإسلامي والمجتمع الديني، وقد خلدت بذلك أثرا خالدا في التأريخ تذكر مع الأبد، وتشكر. لم تقتصر هذه المؤسسة على جانب خاص من العلوم، بل استطاعت أن
تخوض ميادين مختلف العلوم والفنون، لطول باع المشرفين على إدارتها، فاتحفت الامة المسلمة بنشر الكتب والمعاجم الفخمة المؤلفة في الحديث والفقه والفلسفة والنجوم والطب والتأريخ والرجال والأدب إلى أمثالها مما يتعلق بالطبيعيات وغيرها من العلوم والفنون. وأنفس ما نشرته:
[ 122 ]
الجرح والتعديل - الحافظ ابن أبي حاتم الرازي، المتوفى 237 = 10 المستدرك على الصحيحين - الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المتوفى 405: 4 السنن الكبرى الحافظ أبو بكر البيهقي، المتوفى 408: 10 شرح السير الكبير - الحافظ محمد بن أحمد السرخسي، المتوفى 483: 4 الجمع بين رجال الصحيحين - الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى 507: 2 صفة الصفوة - الحافظ عبد الرحمن ابن الجوزي، المتوفى 597: 4 المنتظم - الحافظ عبد الرحمن ابن الجوزي، المتوفى 597: 6 الدرر الكامنة - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 4 تذكرة الحفاظ - أبو عبد الله الذهبي، المتوفى 748: 4 تهذيب التهذيب - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 12 لسان الميزان - الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852: 6 مفتاح السعادة - طاش كبرى زاده، المتوفى 962: 3 كنز العمال - علاء الدين المتقي الهندي، المتوفى 975: 8 إلى عشرات وعشرات أمثالها من منابع العلوم، والاصول القديمة والمصادر النفيسة، وهي لا زالت تثابر عملها الخالد المبرور، وجهودها الجبارة، حتى اليوم بكل رغبة ونشاط وسعي واجتهاد، باشراف هيئة من ذوي العلم والفضل
والأدب. وقد وقفنا عليها عن كثب، واطلعنا على جميع شؤونها، ورأينا من رجالها الأفذاذ حسن اللقاء، وطلاقة المحيا، واقتنى سماحة شيخنا الأكبر الأميني كل ما كان يوجد من مطبوعاتها لمكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتمت هذه العملية المباركة بهمة الدكتور الشريف مير مهدي علي، وله في ذلك فضل لا ينسى وشكر متواصل غير مجذوذ. احتفاء باعظم شخصية علمية عقدت الجمعيات الدينية بحيدر آباد حفل تعارف وحفاوة وتكريم
[ 123 ]
لشخصية بارزة عالميه، هو رجل العلم والدين، شيخنا الأكبر الأميني، دعت إليه الشخصيات الإسلامية الكبيرة من مختلف الطوائف والأقوام والطبقات، وأعلنت عن ذلك بمنشور وزع في أنحاء المدينة. في الساعة الثامنة من مساء اليوم السابع من ذي الحجة ازدحم جامع بيت القائم، ذلك الجامع العظيم الواقع في قلب البلد، بالشخصيات الإسلامية البارزة من الخطباء والاساتذة والدكاترة وغيرهم، وبعد أن افتتح الحفل فضيلة الاستاذ الشريف السيد عباس شاه المنصوري بتلاوة آي من الذكر الحكيم، وتفسير موجز لتلكم الآيات الكريمة، وبعد إلقاء عدة كلمات من قبل العلماء والباحثين. تقدم الوجيه الشهم الشريف السيد مجتبى أحمد عميد الجمعيات الدينية، وشكر شيخنا الحبر العلم الأميني، ورحب بمقدمه الشريف، وأنثى عليه، وختم الحفل بالدعاء له وللحضور وللمسلمين كافة بالسعادة والنصر والعز والرقي تحت راية الوحدة والتوحيد. علمت تلكم الجمعيات بعد أيام قليلة عزيمة شيخنا الحجة مغادرة حيدر
آباد إلى بمبي، فأعلنتها بنشرة دعت بها أهلها للاجتماع لتوديع ضيفهم الكريم. عودة على بدء جولة في معظم مكتبات الهند نذكر شطرا من مطالعاته واستنساخه للكتب النادرة في مكتبات: عليگره، لكهنو، حيدر آباد، رامپور، پتنة، وغيرها. أقول: ساقه عزمه الراسخ عام 1380 ه للرحلة إلى الديار الهندية، للاطلاع عن كثب على ما تضمه مكتباتها الضخمة من المآثر الإسلامية، والآثار الفكرية، فقضى بها أربعة أشهر متجولا في تلك القارة يقضي بين خزائنها العلمية ليله ونهاره، باحثا وراء ضالته المنشودة، ليتخذ منها مصادر لما تبقى من أجزاء كتابه " الغدير "، ففي تلك المدة القصيرة سبر بتمحيص وتدقيق كل مخطوط تحويه:
[ 124 ]
LIBRARY THE ASIATIC SOCIETY OF BOMBAY مكتبة الناصرية العامة (مكتبة آل صاحب العبقات) لكهنو مكتبة الحسينية (مكتبة راجه محمود آباد) لكهنو مكتبة مدرسة الواعظين لكهنو مكتبة سلطان المدارس لكهنو مكتبة ممتاز العلماء لكهنو مكتبة مدرسة فرنگي محل لكهنو مكتبة مدرسة ندوة العلماء لكهنو مكتبة أمير الدولة (پراونشل لابريري) لكهنو مكتبة أبو الكلام آزاد (المكتبة المركزية لجامعة عليگره) عليگره مكتبة الرضا العامة رامپور
مكتبة خدا بخش العامة پتنه مكتبة الجامعة العثمانية حيدر آباد مكتبة الآصفية العامة حيدر آباد مكتبة سالار جنگ العامة حيدر آباد مكتبة دائرة المعارف الإسلامية حيدر آباد وجند كل طاقاته، وبذل قصارى جهده في هذه الجولة المباركة حتى استطاع أن يقف على طائفة كبيرة من مآثر السلف، غير مكترث بما تؤول إليه صحته، فكان لا يبرح من مغادرة المكتبات ومفارقة كتبها إلا عند انتهاء آخر لحظة من أوقات عملها، وإذا عاد إلى مسكنه عكف على مطالعة الكتب التي كان قد جلبها من تلك المؤسسات العلمية، حيث سمحت له بذلك تقديرا لجهوده، وتكريما لجهاده، واعترافا بمكانته ومنزلته. وبمثل هذا التفاني - دون التزود من تلك المناهل الفكرية، والآثار العلمية - تسنى له أن يقتني لنفسه بعض المصادر الإسلامية التي وقف عليها باستنساخ جميع
[ 125 ]
صحائفها وهي: 1 - مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، للفقيه علي بن محمد الجلابي الشهير بابن المغازلي، المتوفى 483 ه 2 - مفتاح النجا في مناقب آل العبا، لميرزا محمد بن رستم معتمد خان الحارثي البدخشي. 3 - تحفة المحبين، لميرزا محمد الحارثي البدخشي - أيضا - 4 - الصراط السوي في مناقب آل النبي، للسيد محمود الشيخاني القادري المدني، من علماء القرن العاشر.
5 - أصول الإيمان للمولى محمد سالم الدهلوي البخاري. 6 - الإشارة في السيرة النبوية، لعلاء الدين مغلطاي بن قليچ، المتوفى 762 ه. 7 - تلخيص الموافقة، لجار الله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى 538 ه 8 - مفتاح الهداية، لفتح الله محمد بن عيسى بن قاسم السندي. 9 - روضة الفردوس، لعلي بن شهاب الدين الهمداني، المتوفى 786 ه. أما المصادر المخطوطة الأخرى التي ظفر بها خلال استقصائه في تلك المراكز العلمية، وقام بمطالعتها من البدء حتى الختام، فقد انتخب من كل واحدة منها فرائد وفوائد مما يرتبط ببحث موسوعته في الاجزاء التاليه، وأودع تلك الغرر والدرر في مجموعة مستقلة أسماها: " ثمرات الأسفار إلى الأقطار "، وهو الجزء الأول لهذا الكتاب الثمين، يقع في 415 صفحة بالقطع الكبير، جاء في أوله ما لفظه: " الحمد لله على ما أنعم، والصلاة والسلام على نبينا الأعظم، وعلى آله المطهرين بالكتاب المكرم. قال الأميني عبد الحسين أحمد النجفي صاحب كتاب " الغدير " السائر الدائر: أتيحت لي الرحلة في سنة 1380 ه إلى الديار الهندية، فأقمت بها أربعة أشهر، وزرت مكتباتها الإسلامية العامة العامرة، المكتظة بالنوادر والنفائس من التراث العلمي الإسلامي، واقطفت من ثمارها الشهية، وجمعت من علمها الناجع
[ 126 ]
لدى مطالعاتي هذه الكراريس، وألفت هذه المجموعة من شوارد ما وقفت عليه في غضون تلكم الكتب القيمة، وهذه قائمة ما طالعناه واتخذناه كمصدر لبقية أجزاء كتابنا " الغدير " من الجزء الثاني عشر، وهلم جرا ". وأما ما وقف عليه (قدس سره) في تلك الخزائن العامرة فهي: 1 - الآثار: تأليف محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، المتوفى 189 ه.
2 - إتحاف إخوان الصفا: تأليف أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، المتوفى 973. 3 - إتحاف الورى بأخبار أم القرى: تأليف عمر بن محمد بن فهد المكي، المتوفى 885 ه. 4 - الأربعون عن الأربعين: تأليف أحمد بن سهيل بن أحمد الحنبلي القادري. 5 - الأربعون الزاهرة: تأليف محمد بن محمد الجزري. 6 - الأربعون عن الأربعين: تأليف يوسف بن حاتم الفقيه الشافعي. 7 - الأربعون المتباينة: تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. 8 - الأربعون الودعانية: تأليف الحافظ أحمد بن محمد السلفي الأصفهاني. 9 - الأسماء والصفات: تأليف الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه. 10 - استجلاب ارتقاء الغرف: تأليف الحافظ شمس الدين محمد السخاوي، المتوفى 902 ه. 11 - أعلام النبوة: تأليف الإمام علي بن محمد الماوردي، المتوفى 450 ه. 12 - الإكمال في مشتبه الأنساب والرجال: تأليف الحافظ علي بن هبة الله، الشهير بابن ماكولا. 13 - أنس المنقطعين: تأليف معافا بن إسماعيل الشيباني، المتوفى 630 ه. 14 - الأنوار المضية: تأليف الإمام يحيى بن حمزة اليمني، المتوفى 749 ه. 15 - البرهان في متشابه القرآن: تأليف الإمام محمد بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد 500 ه. 16 - بهجة الأدب ومهجة الأرب: تأليف جمع من أعلام الهند الفطاحل.
[ 127 ]
17 - تجريد الكشاف: تأليف علي بن محمد بن القاسم، المتوفى 837 ه. 18 - تحفة الأحبا: تأليف عطاء الله بن فضل الله الحسيني الشيرازي الهروي.
19 - التحفة المرسلة إلى دار الإيمان: تأليف محمود بن محمد الشيخاني القادري الشافعي. 20 - تخريج أحاديث الكشاف: تأليف عبد الله بن يوسف الزيعلي الحنفي، المتوفى 762 ه. 21 - تخريج الأحاديث الواقعة في المنهاج: تأليف الحافظ زين الدين عبد الرحيم ابن الحسين العراقي. 22 - تذكرة الأصفياء في تصفية الأحياء: تأليف عبد الحق بن فضل الله البنارسي. 23 - تسديد القوس في ترتيب مسند الفردوس: تأليف الحافظ أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي. 24 - التعرف في علم التصوف: تأليف محمد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري، المتوفى 384 - 388 ه. 25 - تفسير القرآن العظيم: تأليف فخر الدين بن علي الحداد الزبيدي، المتوفى 800 ه. 26 - تفسير القرآن الكريم: تأليف سفيان بن سعيد الثوري، المتوفى 161 ه. 27 - تفسير القرآن الكريم: تأليف الإمام أبي الليث نصر بن إبراهيم السمرقندي، المتوفى 363 ه. 28 - تفسير القران الكريم: تأليف علي بن ناصر المكي الشافعي. 29 - التفسر الملتقط: تأليف محمد گيسودراز. 30 - تلخيص البيان: تأليف علي بن حسام الدين المتقي الهندي، المتوفى 975 ه. 31 - تنبيه الغافلين: تأليف الإمام أبي الليث السمرقندي، المتوفى 363 ه. 32 - التهذيب في التفسير: تأليف الإمام محسن بن كرامة البيهقي. 33 - جامع البيان في تفسير القرآن: تأليف معين بن صفي.
[ 128 ]
34 - الجمع بين الصحيحين: تأليف الحافظ محمد بن أبي نصر. 35 - الحرز الثمين في شرح الحصن الحصين: تأليف المولى علي بن سلطان محمد القاري الهروي. 36 - الحصن الحصين: تأليف محمد بن محمد الجزري الشافعي، المتوفى 833 ه. 37 - خلاصة السير: تأليف الإمام يحيى بن حمزة اليمني المتوفى 749 ه. 38 - الخير الجاري شرح صحيح البخاري: تأليف محمد بن يعقوب البناني، المتوفى 1098 ه. 39 - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: تأليف جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. 40 - ذخيرة المآل في شرح عقد اللآل: تأليف أحمد بن عبد القادر بن بكري العجيلي. 41 - روضة العلماء: تأليف الحسن بن يحيى البخاري. 42 - زوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة: تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. 43 - سداد الدين في إثبات النجاة والدرجات للوالدين: تأليف السيد محمد البرزنجي. 44 - سير السلف: تأليف الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل الطلحي، المتوفى 535 ه. 45 - شرح أسماء النبي: تأليف ابن دحية عمر بن حسين الحسيني الكوفي، المتوفى 634 ه. 46 - شرح الألفية (فتح المغيث): تأليف الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي،
المتوفى 806 ه. 47 - شرح غريب الحديث: تأليف علي بن يوسف التوقاني. 48 - الصلاة على النبي وما يلتحق بها: تأليف محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة الشافعي.
[ 129 ]
49 - العقد النبوي والسر المصطفوي: تأليف شيخ بن عبد الله العيدروسي باعلوي. 50 - علل الحديث: تأليف الحافظ علي بن عمر الدارقطني البغدادي، المتوفى 385 ه. 51 - غريب الحديث: تأليف الحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام، المتوفى 223 / 224 ه. 52 - فردوس الأخبار: تأليف شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفى 509 ه. 53 - الفصول الستة: تأليف محمد بن محمد البخاري. 54 - الفوائد الجليلة في مسلسلات عقيلة: تأليف محمد بن أحمد بن سعيد المعروف والده بعقيلة. 55 - قانون الموضوعات: تأليف محمد بن طاهر بن علي الفتني، المتوفى 986 ه. 56 - الكاف الشاف من تخريج أحاديث الكشاف: تأليف الحافظ أحمد بن علي ابن حجر القاهري، المتوفى 852 ه. 57 - كتاب التأريخ: تأليف الحافظ محمد بن حبان التميمي البستي. 58 - الكشف والبيان في تفسير القرآن: تأليف أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، المتوفى 427 ه. 59 - الكواكب الدراري في شرح البخاري: تأليف محمد بن يوسف بن علي الكرماني. 60 - الكوكب الدري المستخرج من كلام النبي العربي: تأليف محمد بن عبد الرحمن العلقمي المصري.
61 - المجتنى من السنن المأثورة: تأليف الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 62 - المراتب في فضائل علي بن أبي طالب: إملاء إسماعيل بن أحمد البستي. 63 - مسالك الأبرار: أمالي المحسن بن محمد الجشمي البيهقي الخراساني. 64 - مسند أبي يعلى: الموصلي. 65 - مسند زيد بن علي: تأليف عبد العزيز بن إسحاق. 66 - مسند الصنعاني: تأليف الحافظ عبد الرزاق الصنعاني، المتوفى 211 ه. 67 - مسند فردوس الأخبار: تأليف الحافظ شهردار بن شيرويه الديلمي. 68 - مشارق الأنوار النبوية: تأليف الإمام الحسن بن محمد الصغاني أو الصنعاني.
[ 130 ]
69 - مشيخة ابن البخاري: تأليف علي بن أحمد المقدسي. 70 - المصباح المضي في كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تأليف الإمام محمد بن علي الأنصاري الخزرجي. 71 - المصنف: تأليف الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، المتوفى 235 ه. 72 - المصنوع في الحديث الموضوع: تأليف علي بن سلطان محمد القاري. 73 - معارج العلي في مناقب المرتضى: تأليف محمد صدر العالم. 74 - معاني الأخبار: تأليف الإمام محمد بن إبراهيم الكلاباذي، المتوفى 380 ه. 75 - المفاتيح في شرح مصابيح السنة: تأليف الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني. 76 - منازل العباد: تأليف محمد بن علي الترمذي الحكيم. 77 - مناقب الخلفاء: تأليف الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. 78 - منتهى الكلام في تفسير كتاب الله الحي القيوم: تأليف الإمام عبد الرحمن. 79 - منهج العمال في سنن الأقوال: تأليف علي بن حسام الدين المتقي الهندي.
80 - نجوم المشكاة: تأليف محمد صديق بن شريف. 81 - نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى 852 ه. 82 - نزهة الأبرار في الاسامي ومناقب الأخيار: تأليف الإمام عمر بن عبد المحسن الكافي الارزنجاني. 83 - النكت والعيون: تأليف علي بن محمد البصري الشافعي، المتوفى 450 ه. 84 - نهاية السؤول في مناقب ريحانة الرسول: تأليف عبد الوهاب بن محمد غوث الشافعي. 85 - النوادر: تأليف أحمد شاه ولي الله الدهلوي. 86 - الوسيط بين المقبوض والبسيط: تأليف علي بن أحمد الواحدي النيشابوري. وبالرغم من توصيات الاطباء، الذين كانوا يحرصون على سلامة شيخنا الوالد، ومنعهم إياه من إلقاء المحاضرات، ومحاولتهم - قبل سفره - إلزامه تجنب
[ 131 ]
طول البحث والكلام والمواظبة التامة على صحته العامة، وعدم إجهاد نفسه في الكتابة والمطالعة، إلا أنه إلى جانب عمله المضني، وسهره في المطالعة والكتابة وجد نفسه أمام مسؤولية دينية كبيرة في تلك القارة، تلزمه تسنم منبر الخطابة للوعظ والارشاد وتوجيه المسلمين ودعوتهم للتمسك بكتابهم المقدس القرآن الكريم، والسير وراء سننهم الدينية، وما جاء به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). ونظرا لانحراف صحته اقتصر بالحضور على مجالس عديدة، عقدت للاستماع إلى أحاديثه الشيقة، ومحاضراته البليغة، ومواعظه الحسنة الصادرة من القلب، وقد حضر في كل منها جمهور غفير من مختلف الفئات، وشتى الطبقات، يتجاوز عددهم عشرة آلاف، وكان يلقي في كل من تلك المشاهد والمحافل - وكانت
تستغرق زهاء ساعتين - محاضرات دينية تحوي بحوثا عالية، ونصائح غالية، وارشادات ثمينة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، تتميز بالدعوة إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف تحت لواء الولاية الكبرى التي أمر بها المولى في كتابه، ونص عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبه وأحاديثه، واعتذر عن تلبية طلبات كثيرة في الأمر ذاته وجهت إليه من شتى أنحاء الجمهورية الهندية، وذلك لما كان يتطلبه هدفه السامي وغرضه النبيل في المطالعة من الوقت الكثير. خاتمة المطاف اعتزمنا الأوبة إلى وطننا العزيز، عاصمة العلم والدين - النجف الأشرف - مشهد سيد المسلمين، صنوا النبي الأعظم، أمير المؤمنين، ومرتكز خلافته، في الساعة السابعة بعد ظهر يوم 19 ذي الحجة، فغادرنا بمبي بطائرات الخطوط الجوية الايطالية إلى كراچي، ومنها - بعد استراحة ساعة - إلى طهران، ومنها - بعد وقفة سويعات - إلى بغداد، وفي الساعة التاسعة من صباح يوم 20 ذي الحجة، هبطنا مطار بغداد وتمت السفرة المباركة أربعة أشهر. كان هذا عرضا موجزا لرحلة شيخنا الأكبر، شيخ الفقاهة والتأليف،
[ 132 ]
المجاهد الأميني في الديار الهندية، للوقوف على كنوزها الإسلامية القيمة ومكتباتها العامه العامرة المشحونة بالنفائس والآثار القديمة، وقد اقتصرنا منها على هذا الوجيز اليسير، آملين أن يتاح لنا في المستقبل العاجل نشر تفاصيلها بصورة واسعة يتمتع بأبحاثها المختلفة رجال العلم والدين، ورواد الثقافة والفضيلة، والله ولي التوفيق. رضا الأميني هذا ملخص ما ذكره حجة الإسلام الشيخ محمد رضا الأميني من وقائع
سفرة سماحة شيخنا العلامة الأميني إلى الهند التي دامت أربعة اشهر ابتداء من يوم 24 شعبان المعظم الى يوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1380 ه، وللمزيد يمكن مراجعة صفحات مجلة المكتبة الثلاثة. سفره إلى سوريا وما أن حل ربيع عام 1384 ه حتى عزم شيخنا الوالد على السفر إلى الجمهورية العربية السورية، للوقوف على ما في مكتباتها الأثرية من تراث السلف من الصحاح والمسانيد والأصول القديمة في التفسير، والحديث، والآراء والمعتقدات التي كان يسمع بها ردحا من الزمن. فسافر إلى تلك الدول الإسلامية، وقضى في ربوعها أربعة أشهر، وقف خلالها على ما تضمه خزائن صروحها العلمية، واطلع عن كثب على ثروة فكرية كبيرة يحق للعالم الإسلامي أن يفخر بها، ويعتز بمثل هذا الكيان العلمي الذي قل مثيله وعدم نظيره. فأخذ يقضي جل نهاره في مطالعة تلك الكنوز الفكرية، وينتهل من ينابيع علومها الإسلامية، فسبر بدقة غوره، ومحص مدة اقامته في دمشق وحلب مخطوطات: دار الكتب الوطنية الظاهرية في دمشق.
[ 133 ]
ومكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق. ومكتبة الأوقاف (الأحمدية) بحلب. والمكتبة الوطنية في حلب. واطلع في هذه المراكز الثقافية على أهم مصادر بحثه، أكثر مما وقف عليه في مكتبات الهند، وانتقى من مخطوطات هذه المكتبات لآلئ ودررا أودعها مجلدا
ضخما في 399 صفحة بالقطع الكبير، وجعلها جزءا ثانيا لكتابه " ثمرات الأسفار إلى الأقطار "، وكتب في مقدمته ما لفظه: " المجلد الثاني من كتابنا " ثمرات الأسفار إلى الأقطار ". هذا فهرست ما وقفنا عليه من الكتب والرسائل والأجزاء والفوائد والأمالي لرجالات العلم والفقه، وأئمة الحديث، والحفاظ الأجلة مما يوجد في مكتبات سوريا، وقد طالعنا هذه كلها، واتخذنا ما في هذا الفهرست من مصادر بقيه أجزاء كتابنا " الغدير "، من الجزء الثاني عشر فصاعدا. ثم وصف كل كتاب وقف عليه، وبعد ذكر مؤلفه سجل من فرائده منتخبات كان يهمه الوقوف عليها لأكمال بحوث ما تبقى من أجزاء سفره الخالد " الغدير "، وأهم الكتب التي وصفها واستفاد منها هي: 1 - الاجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة: محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي. 2 - أجزاء الغيلانيات: محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي. 3 - أجزاء من فوائد: محمد بن عبد الرحمن المخلص. 4 - الأحاديث الألف السباعيات: زاهر بن طاهر الشحامي. 5 - أحاديث أبي الزبير عن غير جابر: عبد الله بن جعفر بن حبان الاصبهاني. 6 - الأحاديث الصحاح: محمد بن عبد الباقي الأنصاري. 7 - الأحاديث العوالي الصحاح: أحمد بن محمد الحلبي الظاهري. 8 - الأحاديث المختارة: محمد بن عبد الواحد المقدسي. 9 - الأحاديث المسلسلات: الحافظ إسماعيل بن محمد التميمي.
[ 134 ]
10 - أحاديث من حديث الطرثيثي القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصير. 11 - أحد عشر جزءا في الفقه من حديث أبي العباس السراج الثقفي.
12 - اختصار إبراز الحكم من حديث رفع القلم: تقي الدين السبكي. 13 - الأربعون: إبراهيم الحمويني. 14 - الأربعون: الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. 15 - الأربعون: الحافظ محمد بن الفضل الصاعدي. 16 - الأربعون حديثا عن أربعين شيخا: أحمد بن المقرب الكرخي. 17 - الأربعون حديثا في سورة الإخلاص: يوسف الارميوني الشافعي. 18 - الأربعين عن المشايخ الأربعين: المؤيد بن محمد الطوسي. 19 - الأربعون العوالي: الحافظ محمد بن محمد الجزري الشافعي. 20 - الأربعون في مناقب أمهات المؤمنين: عبد الرحمن بن محمد بن عساكر الدمشقي. 21 - الأربعون المخرجة: محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري. 22 - أسرار ذكر الجهر والإسرار: أبي الوفاء بن أبي بكر الحسيني المقدسي. 23 - أسماء الصحابة: الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة الاصفهاني، المتوفى 395 ه. 24 - أسماء الضعفاء من رواة الحديث: الحافظ محمد بن عمرو بن موسى العقيلي، المتوفى 332 ه. 25 - الأسماء المفردة من أسماء العلماء: أحمد بن هارون البردعي. 26 - الأسماء والصفات: أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه. 27 - أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل: الحافظ أحمد بن محمد بن حجر. 28 - إضاءة الدراري شرح صحيح البخاري: أحمد بن علي العثماني الطرابلسي. 29 - أمالي القاضي أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي. 30 - أمالي عبد الرزاق الصنعاني. 31 - أمالي الحافظ أبي طاهر المخلص. 32 - أمالي علي بن محمد بن بشران المعدل.
[ 135 ]
33 - أمالي الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر. 34 - أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ. 35 - أمالي علي بن عمر السكري الحربي الختلي. 36 - أمالي علي بن عمر بن محمد القزويني. 37 - أمالي القاضي الحسين بن هارون الضبي. 38 - أمالي القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي. 39 - أمالي محمد بن عمرو بن البحتري الرزاز. 40 - أمالي أحمد بن عطا الروذ باري الصوفي. 41 - أمالي عبد الملك بن محمد بن بشران. 42 - أمالي الحسن بن علي بن محمد الجوهري. 43 - أمالي الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل. 44 - أمالي الحافظ إسحاق بن محمد بن مندة. 45 - أمالي القاضي محمد بن علي بن أحمد بن الكتاني. 46 - أمالي عبد الرحمن بن عبيد الله السمسار. 47 - أمالي عبد الله بن محمد بن هزار مرد الصريفيني. 48 - أمالي الحسن بن محمد بن الحسن الخلال. 49 - أمالي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الذكوان المعدل. 50 - أمالي علي بن يحيى بن جعفر بن عبد كوته. 51 - أمالي عمر بن أحمد بن شاهين. 52 - أمالي أحمد بن محمد العنبري الملحمي. 53 - أمالي الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد.
54 - أمالي عثمان بن السماك. 55 - أمالي هبة الله بن محمد بن الحصين. 56 - أمالي أحمد بن محمد بن سلمة.
[ 136 ]
57 - أمالي أبي مسلم محمد بن أحمد الكاتب البغدادي. 58 - أمالي الحافظ أحمد بن موسى بن مردويه. 59 - أمالي الرئيس عيسى بن الوزير. 60 - أمالي الحسن بن علي بن إسحاق. 61 - أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب: الحافظ جلال الدين السيوطي. 62 - تاريخ الرقة ومن نزلها من الصحابة: محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري. 63 - التأريخ الكبير لمدينة دمشق: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، المتوفى 571 ه. 64 - التجريد: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي. 65 - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: الحافظ يوسف بن زكي المزي الشافعي. 66 - التذكرة في أصول الفقه: الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المتوفى 600 ه. 67 - ترجمان شعب الإيمان: أبي حفص عمر البلقيني. 68 - التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة: محمد بن الحسين الآجري. 69 - تقييد العلم: الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. 70 - التمهيد في التوحيد: يوسف بن حسن بن أحمد المقدسي. 71 - جامع الأصول: المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير. 72 - جزء فيه أحاديث: انتخاب الحافظ أبي القاسم الطبراني.
73 - جزء فيه تسمية ما انتهى إليه من الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين: الحافظ أبي نعيم الاصبهاني. 74 - جزء فيه ذكر ابن مندة والرواة عنه: الحسين بن عبد الملك الخلال المتوفى 532 ه. 75 - جزء فيه طرق حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي. 76 - جزء فيه العوالي المائة من تخريج عبد الله بن محمد الصاعدي.
[ 137 ]
77 - جزء في علل الحديث ومعرفة الرجال: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. 78 - الجزء المعروف بألف دينار: أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي. 79 - جزء من أحاديث عبد الله بن محمد بن حيان. 80 - جزء من أحاديث عبد المؤمن الدمياطي. 81 - جزء من أحاديث عفان الصفار: تخريج الحافظ ضياء الدين المقدسي. 82 - جزء من أحاديث كتاب امارات النبوة: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني. 83 - جزء من أحاديث مسلسلات: جمع الحافظ إسماعيل بن محمد التيمي. 84 - جزء من أمالي محمد بن علي بن عمرو النقاش. 85 - جزء من أمالي يوسف بن يعقوب الأنباري. 86 - جزء من أمالي الحافظ أبي نعيم الاصفهاني. 87 جزء من حديث العلوي الحافظ أبي عبد الله الصوري. 88 - جزء منتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم، رواية الحسن بن أحمد الحداد المقري. 89 - جزء من تخريج الحافظ خلف بن محمد الواسطي. 90 - جزء المنتقاة من حديث الطبراني رواية الحافظ أبي نعيم الاصفهاني.
91 - جزء من حديث هبة الله بن أحمد الأنصاري. 92 - جزء من حديث الحافظ محمد بن المظفر البغدادي. 93 - جزء من حديث الحافظ تمام بن عبد الله الرازي. 94 - جزء من حديث علي بن الحسن العبدي. 95 - جزء من حديث أحمد بن علي بن لال الفقيه. 96 - جزء من حديث الحافظ أحمد بن شعيب النسائي. 97 - جزء من حديث محمد بن مخلد العطار الدوري. 98 - جزء من حديث أبي نعيم: انتقاء أبي علي الحسن الوخشي. 99 - جزء من حديث عيسى بن سالم الشاشي.
[ 138 ]
100 - جزء من حديث محمد بن زيد الأنصاري. 101 - جزء من حديث حمزة بن القاسم الهاشمي. 102 - جزء من حديث ابن حجر من أمالي السعدي رواية الحافظ أبي بكر بن خزيمة. 103 - جزء من حديث الحافظ عبد الغني المقدسي. 104 - جزء من حديث يوسف بن يعقوب الأزرق. 105 - جزء من حديث الحوراني، تخريج تمام بن الجنيد الرازي. 106 - جزء من حديث الطبراني، رواية الحافظ أبي نعيم الاصفهاني. 107 - جزء من حديث الحافظ أبي القاسم ابن السمرقندي. 108 - جزء من حديث محمد بن القاسم بن معروف. 109 - جزء من حديث عبد الرحمن بن العباس الاطروش. 110 - جزء من حديث أبي عمر أحمد العطاردي.
111 - جزء من حديث أبي منصور محمد السواق. 112 - جزء من حديث محمد بن جعفر الأنباري بندار. 113 - جزء من حديث طالوت بن عباد الصيرفي. 114 - جزء من حديث القاسم بن موسى الأشيب. 115 - جزء من حديث عبد العزيز السهروردي المالكي. 116 - جزء من حديث عمر بن محمد بن علية الصيرفي. 117 - جزء من حديث الحافظ أحمد بن محمد السلفي. 118 - جزء من حديث الحافظ ضياء الدين محمد المقدسي. 119 - جزء من حديث أحمد بن جعفر بن محمد الختلي. 120 - جزء من حديث عفان بن مسلم الصفار. 121 - جزء من حديث محمد بن أحمد ابن الغطريف. 122 - جزء من حديث أبي حفص عمر بن زرارة.
[ 139 ]
123 - جزء من حديث محمد بن أحمد بن رزقويه. 124 - جزء من حديث يحيى بن محمد بن صاعد. 125 - جزء من حديث الحسين بن يحيى القطان. 126 - جزء من حديث أحمد بن محمد بن أحمد الهروي. 127 - جزء من حديث إسماعيل بن القاسم الحلبي. 128 - جزء من حديث القاضي عبد الله بن حنان الأزدي. 129 - جزء من حديث محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي. 130 - جزء من حديث خالد بن مرداس السراج. 131 - جزء من حديث إسماعيل بن محمد الصفار.
132 - جزء من حديث محمد بن جعفر بن محمد الأنباري. 133 - جزء من حديث الحسن بن عرفة العبدي. 134 - جزء من حديث ابن الغطريف، رواية القاضي أبي الطيب طاهر الطبري. 135 - جزء من حديث محمد بن إسحاق بن خزيمة. 136 - جزء من الزهد والرقائق: الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي. 137 - جزء من السداسيات من حديث محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي. 138 - جزء من عوالي حديث عبد الله بن محمد بن حيان. 139 - جزء من العوالي الصحاح من اصول يحيى بن إبراهيم بن محمد المزكي. 140 - جزء من فوائد محمد بن طلحة النعالي. 141 - جزء من فوائد محمد بن يعقوب الديباجي. 142 - جزء من فوائد عبد الله بن علي السفني الأردبيلي. 143 - جزء من فوائد الحسن بن علي بن علوية القطان. 144 - جزء من فوائد الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي. 145 - جزء من فوائد أحمد بن يوسف النصيبي البغدادي. 146 - جزء من فوائد علي بن غنايم المالكي الخرقي.
[ 140 ]
147 - جزء من فوائد محمد بن أحمد بن الحسن الصواف. 148 - جزء من فوائد محمد بن هارون الحضرمي. 149 - جزء من الفوائد والأحاديث: أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري. 150 - جزء من فوائد المنتخبة من حديث إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي. 151 - جزء من فوائد المنتقاة العوالي: الحافظ أبي الفتح بن أبي الفوارس الزينبي. 152 - جزء من كتاب عمر بن شاهين.
153 - جزء من مجالس وأمالي طراد بن محمد بن علي الزيني. 154 - جزء من مسند الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام). 155 - جزء من النظم والنثر من حديث أبي الحسين البوشنجي. 156 - جزءان من حديث: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان. 157 - جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد: محمد بن سليمان الفاسي المغربي. 158 - حديث عثمان بن أحمد السماك الدقاق. 159 - الدر المكنون والجمال المصون: محمد بن محمد بن محمد العامري الحسيني. 160 - الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم: الحافظ مغلطاي بن قليچ البكجري، المتوفى 762 ه. 161 - دلائل النبوة: الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي. 162 - الرحلة في الحديث: الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. 163 - الرسالة الواضحة: عبد الوهاب بن عبد الواحد الأنصاري. 164 - رموز الكنوز: عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني. 165 - زاد المسير في علم التفسير: الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. 166 - الشرح والابانة على اصول الستة والديانة: عبيد الله بن محمد العكبري، المتوفى 387 ه. 167 - شرف المصطفى: عبد الملك بن أبي عثمان الخركوشي.
[ 141 ]
168 - شعار أصحاب الحديث: محمد بن أحمد النيسابوري. 169 - شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح: محمد بن عبد الله بن مالك الطائي.
170 - صفات رب العالمين: محمد بن أحمد بن المحب المقدسي. 171 - صفة النفاق ونعت المنافقين: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 172 - طبقات المحدثين باصبهان: عبد الله بن محمد (أبي الشيخ). 173 - عجالة الراكب في ذكر أشرف المناقب: محمد بن علاء الدين ابن الزملكاني. 174 - عروس الأجزاء: مسعود بن الحسن الثقفي. 175 - علل الحديث: الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 176 - العلل المتناهية: الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي. 177 - عناية القاضين وكفاية الراضين: شهاب الدين الخفاجي. 178 - العوالي المستخرجة من مسند الحرث بن محمد بن اسماة. 179 - عيون التواريخ: محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي. 180 - الفتن: حنبل بن إسحاق الشيباني. 181 - الفرج بعد الشدة: عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا. 182 - فضل الصلاة على النبي: القاضي إسماعيل بن إسحاق. 183 - فضل الصلاة على النبي: جابر بن محمد بن هاشم القرطبي. 184 - فضائل سيدة النساء فاطمة: أبو حفص عمر بن شاهين. 185 - فضائل الشام: محمد بن عبد الواحد المقدسي. 186 - فضائل الصحابة: تخريج إبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي. 187 - فضائل الصحابة: الحافظ علي بن عمر الدار قطني. 188 - فضيلة العادلين من الولاة: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 189 - فوائد إبراهيم بن محمد بن أبي ثابت. 190 - فوائد مكرم بن أحمد بن محمد القاضي.
[ 142 ]
191 - فوائد الحاكم ابي أحمد محمد النيسابوري. 192 - فوائد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي الخواص. 193 - فوائد ابن القطان محمد بن أحمد. 194 - فوائد الرازي الحافظ تمام بن محمد الرازي. 195 - الفوائد العوالي: القاسم بن الفضل الثقفي الاصفهاني. 196 - الفوائد العوالي: أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل. 197 - الفوائد العوالي الحسان: محمد بن أحمد الأبنوسي. 198 - الفوائد العوالي المنتقاة: أبو عبد الله الثقفي. 199 - الفوائد المنتخبة: الحافظ علي بن عمر الدارقطني. 200 - الفوائد المنتقاة: الحافظ أحمد بن محمد البرداني. 201 - الفوائد المنتقاة: محمد بن الحسن الهاشمي. 202 - الفوائد المنتقاة من رواية ابن الصلت: أحمد بن محمد السمناني. 203 - الفوائد المنتقاة الصحاح: الحسين بن محمد الحنائي. 204 - الفوائد المنتقاة عن الشيوخ الثقات: محمد بن عبد الله الدقاق. 205 - الفوائد المنتقاة عن الشيوخ العوالي: علي بن عمر السكري الختلي. 206 - الفوائد المنقاة عن الكوفيين: أبو الغنايم النرسي. 207 - الفوائد المنقاة الغرائب الحسان: محمد بن عبد الله الأبهري. 208 - الفوائد المنقاة من أمالي أحمد بن سلمان النجاد. 209 - الفوائد المنقاة من حديث عثمان بن السماك. 210 - فوائد من حديث علي بن أحمد المقري. 211 - الفيض الجاري شرح صحيح البخاري: إسماعيل بن محمد الجراحي العجلوني.
212 - قصر الأمل: عبد الله بن محمد القرشي. 213 - الكامل: الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني.
[ 143 ]
214 - كتاب الإيمان: محمد بن يحيى المكي البغدادي. 215 - كتاب البعث: عبد الله بن أبي داود السجستاني. 216 - كتاب تقييد العلم: الحافظ الخطيب البغدادي. 217 - كتاب التوكل على الله: عبد الله بن محمد القرشي. 218 - كتاب الجهاد: أحمد بن عمرو الشيباني. 219 - كتاب الحكايات والأخبار: القاضي أبو الحسن محمد البصري. 220 - كتاب الدعاء: يوسف بن الحسن المقدسي. 221 - كتاب الرقة: عبد الله بن أحمد المقدسي. 222 - كتاب الصمت: عبد الله بن محمد القرشي. 223 - كتاب الغرباء: محمد بن الحسين الآجري. 224 - كتاب في تحريم النرد: محمد بن الحسين الآجري. 225 - كتاب المسلسلات: الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي. 226 - كتاب المسلسلات: وعشاريات: تخريج محمد بن محمد الجزري. 227 - الكرم والجود: محمد بن الحسين البرجلاني. 228 - كنز الحق المبين: عبد الغني بن إسماعيل النابلسي. 229 - الكنى والأسماء: الحافظ مسلم القشيري صاحب الصحيح. 230 - اللباب في علوم الكتاب: عمر بن علي بن عادل الحنبلي. 231 - المجالسة: أحمد بن مروان المالكي الدينوري. 232 - المختار من مناقب الأخيار: ابن الأثير الجزري.
233 - مساوئ الأخلاق: محمد بن أحمد الخرايطي. 234 - المستخرج من الأحاديث المختارة: ضياء الدين محمد المقدسي. 235 - مسند الجوهري: علي بن الجعد الجوهري، المتوفى 230 ه. 236 - مسند سعد بن أبي وقاص: أحمد بن إبراهيم الدورقي. 237 - المسند الصحيح المستخرج على صحيح مسلم: الحافظ أحمد بن عبد الله
[ 144 ]
الاصفهاني. 238 - مشيخة محمد بن علي بن المهتدي بالله. 239 - مشيخة القاضي دانيال بن منكلي الكركي. 240 - مشيخة عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي. 241 - مشيخة عبد الرحمن بن محمد المقدسي. 242 - مشيخة محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي. 243 - مشيخة عبد القادر بن علي البعلبكي. 244 - مشيخة ضياء الدين محمد المقدسي. 245 - معجم الشيوخ: الحافظ علي بن الحسن بن عساكر. 246 - المعجم الكبير: الحافظ سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني. 247 - معرفة الرجال: الحافظ يحيى بن معين البغدادي. 248 - مقتل الإمام أمير المؤمنين: عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا. 249 - المكارم وذكر الأجواد: الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني. 250 - المنتخب من فوائد الحافظ خيثمة بن سليمان الطرابلسي. 251 - المنتقى من حديث أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي. 252 - من تكلم فيه الدارقطني: محمد بن عبد الرحمن المقدسي.
253 - اليقين: عبد الله بن محمد القرشي. وإلى جانب هذا الجهاد العملي، والجهد المضني، لم ينقطع شيخنا الوالد (رحمه الله) عن جهاده الاجتماعي بخطبه المنبرية، وهو الخبير بأدواء امته الاجتماعية، فإنه كان يرى أن أبناء نحلته أصبحوا على مفترق الطرق، لما ظهر فيهم من دعوات مختلفة الاتجاهات، تدعو إلى الميوعة، والتحلل من الطقوس الدينية، وتسرب الفساد وانتشاره في البيئة الإسلامية، فضلا عن انتشار نزعات معادية للدين في المجتمع الإسلامي تشكك الملأ بعقيدتها، وتدفع الجمهور إلى الاباحية والفوضى. وكان يعتقد بمثل هذه الظروف أن المسؤولية الدينية تحتم عليه مكافحة تلك
[ 145 ]
التيارات إينما حل وحيثما استقر، دفاعا عن كيان الإسلام وناموسه، وحفاظا على عقيدة الامة وذاتيتها المستقلة. ويرى أنه بتسنم منبر الخطابة سيلتقي بامه من أبناء نحلته يدرسهم في خطبه التوجيهية، ومحاضراته العلمية ما يقيم بها فيهم الروح العقائدية، ويحفزهم للتمسك بشريعتهم المقدسة السمحاء، ويرشدهم إلى ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية. وقد تحمل دون بلوغ امنيته هذه المتاعب والعناء، غير مكترث بمغبة ذلك، معرضا بنفسه إلى مخاطر جسيمة قد تؤول إلى القضاء عليه، لحرصه الشديد على تنمية الروح الدينية وتركيز المعتقد الإسلامي وتثبيت اصوله وفروعه في النفوس كيفما تسنى له تحقيقه. لذلك فقد أقام في سفره هذا خمسة عشر يوما بحلب، تنقل في ربوعها، وألقى فيها محاضرات قيمة في شتى البحوث الإسلامية، استغرق كل واحدة منها ثلاث ساعات فأكثر، أداء لرسالته الإصلاحية، وإرشاده الديني، وخدمة لامته، وإعلاء لكلمة التوحيد، ووحدة الكلمة، وتوطيدا لعرى الاخوة الإسلامية التي دعا إليها
القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في ظل التمسك بولاء العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. وقد أخذ من تلك المحاضرات أبناء الامة العربية المسلمة في تلك الربوع وأساتذتها ورجالها النبلاء دروسا عالية من علمه المتدفق، واطلاعه الواسع، وابحاثه القيمة، وايمانه الصادق، وكان أحد ثمارها الجنية كتابه الثمين " سيرتنا وسنتنا ". سفره إلى تركيا وآخر سفر من الاسفار العلمية - للمطالعة والاطلاع على المصادر القديمة - التي قام بها شيخنا الوالد (رحمه الله) كانت رحلته إلى تركيا عام 1388 ه فقد وفق في سفره هذا كما في أسفاره السابقة للوقوف عن كثب على طائفة ضخمة من التراث
[ 146 ]
الفكري، واصول البحوث الإسلامية. وقد قام بهذه الجولة العلمية رغم ما كان يعاني من ألم المرض الذي حل به قبل أعوام من هذا التاريخ، إلا أنه لم يعبأ بكل ما آلت إليه صحته، فإن ولعه الشديد إلى هدفه، وولهه لاكمال رسالته الدينية، وإنهاء أثره الخالد " الغدير " كانت تحول بينه وبين كل ما من شأنه تقليص الهمة، وتثبيط العزيمة، فلم يعر أي اهتمام بالألم الذي سلب راحته واستقراره ليل نهار. حل (رحمه الله) بتركيا، وأقام في عاصمة الخلافة الإسلامية " اسلامبول " خمسة عشر يوما، ثم سافر إلى بورسة، وأقام بها عشرة أيام، وخلال هذه المدة الوجيزة بذل جهدا مريرا في مطالعة ما تحويه خزائن: 1 - مكتبة السليمانية. 2 - مكتبة طوپ قپوسراى. 3 - مكتبة جامع اياصوفيا.
4 - مكتبة كوپرلي. 5 - مكتبة جامع نور عثمانية. 6 - مكتبة حراجچي اوغلي. 7 - مكتبة اولو جامع. 8 - مكتبة حسين چلبي. 9 - مكتبة كنلون. وفي هذه المراكز العلمية، والخزائن الأثرية، اطلع على اصول في التفسير والحديث والرجال وعلم الكلام من تآليف الحفاظ، وأئمة الحديث، وأساطين العلم من السلف. ونظرا لانحراف صحته، وتغلب المرض على جسمه، وانهاكه قواه البدنية لم يسعه سبر ما وقف عليه في تلك المعاهد الثقافية بصورة مسهبة، بل أوجز في المطالعة واقتصر على تصفح كل كتاب مطالعة خاطفة، ليقف على ما في طيه من آراء وعقائد مما يرتبط ببحوث أجزاء كتابه، وأهم ما وقف عليه في تلك الفترة
[ 147 ]
الوجيزة: 1 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود بن محمد العمادي، المتوفى 982 ه. 2 - الارشاد في تفسير القرآن: الإمام عبد السلام عبد الرحمن بن البرجان. 3 - إعراب القرآن وبيان معانيه وتفسيره: إبراهيم بن السري الزجاج، المتوفى 355 ه. 4 - أعيان العصر وأعوان النصر: خليل بن ايبك الصفدي. 5 - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذري. 6 - بحر الحقائق والمعاني: عبد الله بن محمد الأسدي (داية).
7 - تأريخ الإسلام: الحافظ شمس الدين محمد الذهبي. 8 - تبصرة الأدلة: الإمام ميمون بن محمد النسفي. 9 - التدوين في ذكر أهل العلم بقزوين: الإمام عبد الكريم بن محمد الرافعي. 10 - تذهيب التهذيب: الحافظ شمس الدين محمد الذهبي. 11 - تفسير ابن كمال: أحمد بن سليمان بن كمال الدمشقي. 12 - تفسير عين المعاني: محمد بن طيفور السجاوندي. 13 - التلخيص في التفسير: أحمد بن يوسف الكواشي الموصلي. 14 - التيسير في التفسير: عمر بن محمد النسفي. 15 - الثقات: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 16 - جامع الأصول: مبارك بن محمد ابن الأثير الجزري. 17 - الجرح والتعديل: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 18 - الجمع بين الصحيحين: الحافظ محمد بن فتوح الحميدي. 19 - جوامع التبيان: محمد بن عبد الرحمن الايجي. 20 - جواهر العقدين: علي بن عبد الله السمهودي. 21 - خزانة المفتين: الإمام الحسين بن محمد السمنقاني. 22 - زبدة المقال في فضائل الآل: نجم الدين محمد بن أبي طلحة.
[ 148 ]
23 - سير السلف: الحافظ إسماعيل بن محمد الطلحي. 24 - شعب الإيمان: محيي الدين محمد بن علي بن العربي. 25 - صحيح ابن حبان: الحافظ محمد بن حبان البستي. 26 - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق النيسابوري. 27 - الضعفاء: محمد بن إسماعيل البخاري.
28 - الضعفاء: محمد بن عمرو بن موسى العقيلي. 29 - طبقات المحدثين باصبهان: الحافظ عبد الله بن محمد بن حبان. 30 - العيون والنكت: علي بن محمد البصري الماوردي. 31 - الفتن والملاحم: نعيم بن حماد الخزاعي المروزي، المتوفى 228 ه. 32 - الفتوح: أحمد بن علي بن أعثم الكوفي. 33 - فردوس الأخبار: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه. 34 - الفريد في إعراب القرآن المجيد: منتجب بن رشيد الهمداني. 35 - فضائل قريش: علي بن عثمان البابا طاغي. 36 - الكامل: الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني. 37 - اللؤلؤ المكنون: عبد الغني النابلسي. 38 - المحرر الوجيز: عبد الله بن عطية الدمشقي. 39 - المستخرج من اسماء الرجال: أبو عبد الله محمد بن مندة. 40 - مسند أبي يعلى: أحمد بن علي الموصلي، المتوفى 307 ه. 41 - مسند البزاز: الحافظ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار. 42 - المسند الصحيح: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي. 43 - مسند عبد بن حميد: الإمام أبو محمد عبد بن حميد الكشي. 44 - المعجم: الحافظ أحمد بن محمد (ابن الاعرابي). 45 - معجم الصحابة: القاضي أبو الحسين عبد الباقي بن قانع. 46 - المعجم الكبير: الإمام سليمان بن أحمد الطبراني.
[ 149 ]
47 - المعجم الوسيط: الإمام سليمان بن أحمد الطبراني. 48 - المعرفة والتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفى 277 ه.
49 - معرفة الصحابة: الحافظ أبو نعيم الاصفهاني. 50 - النجم الثاقب في اشراق المناقب: حسن بن عمر بن حبيب الحلبي. 51 - نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر: يوسف بن يحيى بن حسين اليمني، المتوفى 1121 ه. 52 - نصائح الذرائع: محمد بن محمود الزوزني. 53 - نظم الدرر في تناسب الآي والسور: إبراهيم بن عمر البقاعي. 54 - الوجوه والنظائر: مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي. 55 - يتيمة الدهر في فتاوى العصر: محمد بن الحنفي الترجماني، المتوفى 645 ه. خاتمة المطاف وبعد هذا وقف شيخنا الوالد (رحمه الله) على فهارس مكتبات تركيا، الغنية بالغرر والدرر، المليئة بمئات الالوف من المخطوطات العربية في البحوث الإسلامية، ووجد مسيس حاجة جامعته الإسلامية الكبرى " النجف الأشرف " إلى تلك الذخائر الفكرية، والثروة العلمية، ورآى من الضروري المحتم أن أقوم بتهيئة ما يتسنى لي تصويره من تلك المصادر الثمينة، وتجهيز مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الاشرف بتلك الاصول الرئيسة للبحوث الإسلامية مصورة على أشرطة " المايكروفلم " أو الورق المحسس، لتكون مصادر بحوثه فيما تبقى من أجزاء هذا الكتاب متوفرة عند الرجوع إليها ومهيأة للاعتماد عليها، وتبقى تلك النوادر الأثرية، والفرائد الفكرية مرجعا للباحثين والمحققين، ومنهلا عذبا للمؤلفين في ذلك الصرح العلمي الإسلامي. وامتثالا لأمره بذلت قصارى جهدي في سنين عديدة ووفرت ما امكنني انجازه [ وقد قيض الله سبحانه وتعالى أحد أبناء هذه الأمة، من الأبرار في المساهمة
[ 150 ]
ماديا لإنجاز هذا المشروع الحيوي وإبرازه إلى حيز الوجود ]. فبدأ شيخنا الوالد (رحمه الله) مراجعته إليها، واستأنس بمطالعتها واتخذ منها مصدرا لأبحاث كتابه يستدل بآرائها، ويستند إلى أحاديثها. إلا أنه - وقبل أن ينهي دراسته منها - آن للمرض أن يأخذ منه مأخذه، ويتقدم في سيره، ويداهمه بخطره، ولم يبارحه حتى أرداه صريعا في الفراش، مسلوب الراحة من آلامه في كل اللحظات، غير قادر على الحركة باختياره، ومع كل هذا لم ينس جهاده في الميدان العلمي، ولم يفتر عن نضاله الفكري، ولم يتقاعس عن الذب عن ساحة الدين الحنيف، وعندها طلب إلي أن أقرأ عليه الاجزاء المخطوطة من كتابه، لتكون آخر مراجعته لها، ويحصر ما يلزم نقله إليها من المصادر الحديثة التي توفرت لديه (1). فبدأت بتنفيذ ما أمر - وقد كتب لي شرف الخدمة بجوار سريره - في المستشفى أشهرا غير قصيرة، وفي الدار مدة مديدة حتى استقصيت في القراءة ما أنهى كتابته، وأشار إلى ما يلزم مراجعته. واستمر الأمر على هذا عامين، ساعات في النهار، وأوقات من الليل، وهو في كل الأحوال متوجه إلى مصيره، وعلى علم عن مرد أمره، حتى أنهكه المرض بعد أن استفحل، واستولى على جسده، وأعيى الأطباء إنقاذه وعلاجه، وتسرب الداء الدفين حتى انتهى إلى كبده، فانحدرت صحته، وفقد لسانه القوة على النطق لشده ضعفه، ولم يستمر ذلك إلا أياما لم تتجاوز عدد الانامل. وفاته ومدفنه: وما أن بزغ فجر نهار الجمعة، الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة الف وثلاثمائة وتسعين هجرية اضطرب حاله، واشتد أمره، إلا أنه لم يفقد وعيه، بل كان مالكا لمشاعره، فطلب أن ارطب فمه الشريف بماء ممزوج بتربة الحسين (عليه السلام)،
(1) والأجزاء المراجعة لها هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، حسبما علمت. (*)
[ 151 ]
ثم طلب أن أقرأ له الدعاء المعروف ب " العديلة " وكان (رحمه الله) يرتله معي، وبعد إنهائها أشار علي أن ارتل عليه بعض الأدعية المأثورة عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، فأخذت أقرأ عليه منها المعروفة بمناجاة المتوسلين، والاخرى المدعوة بمناجاة المعتصمين، وهو يقرأ معي بصوته الخافت الحزين ويهمل عبراته، حتى اقترب الوقت من الزوال، وأشرف الزمن على دنو أذان الظهر بدأ يقرأ بنفسه ما شاء، وآخر الفاظ قرأها، ونهاية جمل فاه في الحياة: " اللهم هذه سكرات الموت قد حلت فأقبل إلي بوجهك الكريم، وأعني على نفسي بما تعين به الصالحين على أنفسهم... " وما أن ختم دعاءه هذا حتى لبى داعي ربه، ولفظ آخر انفاسه وفاضت روحه الشريفة إلى بارئها: " ودعته فبودي لو يودعني * صفو الحياة وأني لا اودعه " وهكذا ختم شيخ الحفاظ والمحدثين، وعملاق التأريخ والسير، وبطل التحقيق والتأليف حياته الشريفة، بعد أن أمضى نصف قرن من عمره مكبا على المطالعة والتصنيف، ساهرا على العلم والفضيلة، لم يشهد الراحة والاستقرار في خدمة العقيدة ونشر علوم آل النبي الطاهر صلوات الله عليهم، متحملا الصعاب، صابرا على الشدائد والعناء لبلوغ الهدف السامي في أداء المسؤولية الدينية. فكان لموته الأثر الهائل في الاوساط العلمية، والألم العام الشامل في الحواضر الإسلامية، هملت عليه العيون بالعبرات، وتوقدت عليه الأحشاء بالزفرات، وعقدت له المآتم، واقيمت له مجالس العزاء، إذ الامة فقدت بموته بطلا من أبطالها العلماء، ومصلحا فذا من أبنائها الصلحاء، من أنفاسه كانت تستمد النفوس، وبنفحات قلمه تنتعش الأرواح، يدرأ بلسانه وبنانه عن القلوب
الشكوك، ويزيل عن الأفئدة الشبهات، وقد ترك بفقده فراغا لا يشغل، وثلم في المجتمع الإسلامي، ثلمة لا يسدها شئ. " مات به الفضل الجم، والعلم الغزير، والهدي الصالح، والارشاد الناجح، والثقافة الصحيحة، والورع الصادق، والتقوى الخالصة، ماتت به امة تهتدي به،
[ 152 ]
وشعب يستضئ بنوره " (1). توفي شيخنا الوالد (قدس سره) في طهران، ثم قمت بنقل جثمانه بعد أيام إلى النجف الأشرف، حيث اللجوء إلى فناء حامي الجار، أبي السبطين، وصي الرسول الأمين أمير المؤمنين (عليه السلام). ودفن في البقعة التي اختارها لنفسه، وأمر بإنشاء بنائها قبل وفاته بأشهر، وهو يجود بنفسه على سرير المرض. وأنا أستمد العون والتوفيق من العلي القدير لإنجاز طبع ما تبقى من أجزاء " الغدير " المخطوطة، بعد إعدادها وإكمالها، والله خير معين، وإليه المصير. رضا عبد الحسين الأميني النجفي طهران - رجب الخير 1398 ه
(1) جملة من كلمة سماحة العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي في تأبين الشيخ الأميني. (*)
[ 153 ]
ما تحتويه موسوعة الغدير ملخصا إتماما للفائدة، ولبيان جهود العلامة الأميني (قدس سره) وجهاده المتواصل طيلة نصف قرن، في تتبع حديث الغدير وما يدور في فلكه، وحصيلة مطالعة ثلاثين ألف كتاب، واتباعا للمنهج الذي أعددناه، وتوضيحا وبيانا لمحتويات موسوعة " الغدير " على شكل فهرست، ليطلع عليه من لم تسنح له الفرصة لمطالعة " الغدير "
تجد طيا فهرست لكل جزء وما يحتويه ابتداء من جزئه الأول: الجزء الأول: 1 - أهمية الغدير في التأريخ. 2 - واقعة الغدير. 3 - العناية بحديث الغدير. 4 - رواة حديث الغدير من الصحابة، وعددهم مائة وعشرة صحابيا. 5 - رواة حديث الغدير من التابعين، وهم أربعة وثمانون تابعيا. 6 - طبقات رواة حديث الغدير، وهم ثلاثمائة وستون من العلماء، والحفاظ، وأئمة الحديث، والأساتذة في صحاحهم، ومسانيدهم، وسيرهم، وتأريخهم، إبتداء من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر. 7 - المؤلفون في حديث الغدير من الفريقين، وهم ستة وعشرون مؤلفا. 8 - مناشدة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) واحتجاجه بحديث الغدير يوم
[ 154 ]
الشورى، أيام عثمان، ويوم الرحبة بالكوفة سنة 35 ه، ويوم الجمل سنة 36 ه، ويوم الركبان، ويوم صفين 37 ه. 9 - احتجاجات ومناشدات الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء على الشيخين أبي بكر وعمر بحديث الغدير واحتجاج الإمامين الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر الطيار على معاوية بمناسبات مختلفة، كما احتج عمرو بن العاص على معاوية بحديث الغدير. كمااحتج عمار بن ياسر، وأصبغ بن نباتة في مجلس معاوية، وقيس الأنصاري، ودارمية الحجونية على معاوية بحديث الغدير، كما احتج عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير، واحتجاج المأمون العباسي بحديث الغدير، في وقائع وقصص بأزمان مختلفة.
10 - الغدير في الكتاب المجيد. 11 - تحريف الطبري، وابن كثير الدمشقي، وفرية القرطبي، والعسقلاني والسيوطي، والآلوسي، وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وردهم على فريتهم وأكاذيبهم وتشنيعهم على شيعة أهل البيت (عليهم السلام). 12 - حديث تهنئة الإمام علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين يوم الغدير. 13 - محاكمة سند حديث الغدير، والكلمات حولها. 14 - القرائن المعنية لحديث الغدير، وغيرها مما يطول شرحه. وقائع ومحتويات الجزء الثاني: 1 - شعراء الغدير في القرن الأول، وعددهم خمسة وهم: 1 - امير المؤمنين علي بن ابي طالب - 2 - حسان بن ثابت - 3 - قيس بن سعد بن عباده الانصاري - 4 - عمرو بن العاص بن وائل - 5 - محمد بن عبد الله الحميري. وشعراء الغدير في القرن الثاني، وعددهم ثلاثة وهم: 1 - الكميت بن زيد الأسدي - 2 - السيد اسماعيل بن محمد الحميري - 3 - العبدي سفيان بن مصعب الكوفي.
[ 155 ]
وشعراء الغدير في القرن الثالث، وعددهم اثنان وهما: 1 - أبو تمام حبيب بن أوس الطائي - 2 - دعبل الخزاعي. 2 - الآيات النازلة بشأن يوم الغدير. 3 - الأحاديث الواردة بشأن يوم الغدير. وقائع ومحتويات الجزء الثالث: 1 - بقية تراجم شعراء الغدير للقرن الثالث، وشطرا من القرن الرابع، وهم أحد عشر شاعرا.
2 - رد العلامة الأميني على أكاذيب وفرية وإتهامات ستة عشر نفرا في كتبهم، وهم: العقد الفريد - لابن عبد ربه الاندلسي. الانتصار - لأبي الحسين الخياط المعتزلي. الفرق بين الفرق - لأبي منصور البغدادي. الفصل في الملل والنحل - لابن حزم الأندلسي. الملل والنحل - للأشعري أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. منهاج السنة - لابن تيمية الحنبلي. البداية والنهاية - لابن كثير الدمشقي. محاضرات تأريخ الامم الإسلامية - للشيخ محمد الخضري. السنة والشيعة - لمحمد رشيد رضا - صاحب " المنار ". الصراع بين الإسلام والوثنية - لعبد الله القصيمي. فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام - لأحمد أمين المصري. جولة في ربوع الشرق الأدنى - لمحمد ثابت المصري - مدرس العلوم الاجتماعية. عقيدة الشيعة - للمستشرق روايت م: رونلدسن.
[ 156 ]
الوشيعة في نقد عقائد الشيعة - لموسى جار الله. 3 - شعراء الغدير في القرن الرابع الهجري، وهم واحد وعشرون شاعرا. وقائع ومحتويات الجزء الرابع: تراجم بقية شعراء الغدير، للقرن الرابع، والقرن الخامس، وشطرا من القرن السادس، وهم واحد وثلاثون شاعرا.
وقائع ومحتويات الجزء الخامس: 1 - أحاديث، وقصص، ونوادر، وشواهد متعددة، وردود دامغه على أكاذيبهم الفاضحة، وغيرها. 2 - بقية تراجم شعراء الغدير للقرن السادس، والقرن السابع، وهم اثنا عشر شاعرا. 3 - قائمة الموضوعات، والمقلوبات بالأحاديث، وهي 684 و 408 حديثا موضوعا. وقائع ومحتويات الجزء السادس: 1 - شعراء الغدير في القرن الثامن، وهم سبعة شعراء، مع القصائد الست المطولة لعلاء الدين الحلي. 2 - 134 مصدرا لحديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". 3 - نوادر الأثر في علم عمر، وهي مائة نادرة. وقائع ومحتويات الجزء السابع: 1 - تراجم شعراء الغدير للقرن التاسع، وهم ثلاثة: ابن العرندس، وابن داغر، والحافظ البرسي: كلهم حليون - من أهل الحلة -.
[ 157 ]
2 - الغلو في فضائل أبي بكر وارائه وتصرفاته، ونوادر في سلوكه. 3 - أبو طالب وأشعاره المعربة عن إيمانه، ومواقفه المشهودة المشكورة. وقائع ومحتويات الجزء الثامن: 1 - بقية فضائل أبي طالب، وأبحاث قيمة، ودروس دينية وتأريخية. 2 - بقية الغلو في فضائل أبي بكر. 3 - الغلو في فضائل عمر، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان.
4 - الغلو في فضائل عثمان، تصرفات عثمان، أحكام عثمان، أحدوثة عثمان، تقريب عثمان لبني أمية وأبي معيط، والحكم عم عثمان وابنه مروان طريدي رسول الله، اعتداء عثمان على الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، وتوزيع بيت المسلمين والمناصب على أقرباء عثمان من بني امية خاصة. وقائع ومحتويات الجزء التاسع: 1 - تراجم جمع من أعاظم الصحابة، وما لفقته يد الافتعال من التأريخ المزور ضدهم. 2 - بقية أعمال عثمان وتصرفاته، وآراء الصحابة العدول في عثمان. 3 - قصه الحصار الأول والثاني على عثمان، وتصرفات مروان بن الحكم حتى قتل عثمان. وقائع ومحتويات الجزء العاشر: 1 - يحتوي على مناقب الخلفاء والنظر فيها متنا وإسنادا، والمغالاة في فضائل معاوية. 2 - بقية البحث عن مناقب الخلفاء، وهي أربعون حديثا. 3 - تصرفات معاوية، وأخذ البيعة ليزيد.
[ 158 ]
4 - قتال ابن هند وعماله عليا (عليه السلام)، ودفاع ابن حجر عن معاوية. 5 - أربعون حديثا في علي (عليه السلام). وقائع ومحتويات الجزء الحادي عشر: 1 - مواقف معاوية المخزية من أبي محمد الحسن الزكي - سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - وقتله، ومثالب مختلفة لمعاوية. 2 - قتل معاوية حجر وأصحابه، وتتبع شيعة علي تحت كل حجر ومدر،
وإلحاق زياد بن أبيه بأبي سفيان. 3 - الغلو الفاحش، وقصص وخرافات ملفقة، وهي مائة قصة في مناقب اناس من الصحابة، وغيرهم. 4 - تراجم جمع من أعلام الطائفة، ورجالات العلم، وصاغة القريض، وصيارفة الأدب. 5 - بقية تراجم شعراء الغدير في القرن التاسع وعددهم اثنان، والقرن العاشر وعددهم اثنان والقرن الحادي عشر وعددهم أربعة عشر، والثاني عشر وعددهم أربعة عشر. هذا خلاصة ما جاء في اجزاء الغدير المطبوعة، وأما التي قيد الطبع، فهي خمسة أجزاء كاملة جاهزة، ويليها أربعة أجزاء هي تتمة الموسوعة البالغة عشرين جزءا، مقرون أمرها إلى أن يأذن الله بطبعه. والله أسأل أن يحقق هذه الامنية، إنه سميع مجيب.
[ 159 ]
شهداء الفضيلة الذين ضحوا بكل غال ونفيس في سبيل المبدأ والدين، وفي سبيل إعلاء كلمة الحق، ورفع راية الإسلام عالية خفاقة، وإعلان الصرخة المدوية بوجه الطغاة الظالمين والمنحرفين. هؤلاء الذين ثبتوا أمام العواصف العاتية، شامخين رافعين رؤوسهم، ومقدمين رقابهم للمشانق، لتثبيت قواعد الشريعة، ودفاعا عن مذهب الحق، مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وقد اقتطفت نخبة منهم، كنماذج حية، لترجمة حياتهم الشريفة بصورة موجزة، مستخلصا منها الدروس والعبر من كتاب " شهداء الفضيلة " للعلامة
الثبت شيخ الحفاظ آية الله العلامة الأميني (قدس سره). وذلك تقديرا لجهادهم، وجهودهم، وتضحياتهم، وعرفانا بفضلهم، ووفاء لمعاناتهم. وقد رتبنا لك بحسب التسلسل الزمني لشهاداتهم، ابتداء من القرن الرابع الهجري إلى القرن الرابع عشر، وإليك الجدول المرفق، سائلا المولى القدير أن يرزقنا الشهادة وشفاعة ساداتهم، وأن يتقبل منا هذا اليسير، ويعفو عنا الكثير، فانه أرحم الراحمين.
[ 160 ]
شهداء الفضيلة - حسب القرون: القرن الرابع - ثمانية شهداء. القرن الخامس - خمسة شهداء. القرن السادس - خمسة عشر شهيدا. القرن السابع - أربعة شهداء. القرن الثامن - اثنا عشر شهيدا. القرن التاسع - شهيد واحد. القرن العاشر - ثمانية عشر شهيدا. القرن الحادي عشر - سبعة شهداء. القرن الثاني عشر - اثنان وعشرون شهيدا. القرن الثالث عشر - تسعة عشر شهيدا. القرن الرابع عشر - تسعة عشر شهيدا. أسماء شهداء الفضيلة ابتداء من القرن الرابع - ثمانية شهداء: 1 - أبو محمد الحسن... إلى: علي بن أبي طالب، الشهير بالناصر الكبير، ويعرف
بالاطروش. 2 - أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني، الشهير بعلان خان. 3 - الشيخ حسن بن سليمان بن الحبر، أبو علي النافعي الأنطاكي المقري - مصر. 4 - بديع الزمان أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمداني. 5 - أبو الحسن علي بن عبد الله بن الوصيف الناشئ الأصغر البغدادي. 6 - النحوي الشاعر محمد أبو القاسم، أو أبو الحسن بن هاني الأندلسي الأزدي. 7 - أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني. 8 - أبو الحسن علي بن فرات.
[ 161 ]
القرن الخامس - خمسة شهداء: 1 - أبو الحسن التهامي: علي بن محمد الحسن بن محمد العاملي الشامي. 2 - النحوي الأديب: أبو الحسين ثابت بن أسلم بن عبد الوهاب الحلبي النحوي. 3 - الشيخ عبد الكريم بن الحسن أبو زرعة، ابن أحمد الكرجي القزويني. 4 - المحدث أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن طرخان الكندي الجرجراني، كاتب النجاشي المتوفى 450. 5 - الحسن بن مفضل بن سهلان أبو محمد الرامهرمزي. القرن السادس - خمسة عشر شهيدا: 1 - أبو المحاسن عبد الوهاب بن إسماعيل بن الروياني الطبري، الشهيد سنة 501 - 502. 2 - أبو علي محمد بن الحسن بن علي الفتال الواعظ النيشابوري، مؤلف كتاب " روضة الواعظين ".
3 - الحسين نصير الدين أبو عبد الله بن الإمام قطب الدين الراوندي. 4 - العالم الأديب الحسين مؤيد الدين أبو إسماعيل الاصبهاني، المسمى بالطغرائي من احفاد أبي الأسود الدؤلي. 5 - الأمير كيكاوس ابن دشمن ديار بن كيكاوس الديلمي الطبري. 6 - الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبري. 7 - السيد مجد الدين أحمد أبو عبد الله بن أبي الحسن علي بن أبي الغنائم الحيثي. 8 - السيد عز الدين أبو القاسم يحيى بن شرف الدين أبي الفضل، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 9 - المحدث الحسن بن عبد الكريم بن الحسن، المعروف بأبي زرعة القزويني الكرجي. 10 - الشيخ خليفة بن أبي اللجيم القزويني أخو العلامة الشيخ اميركا بن أبي اللجيم، المتوفى سنة 514.
[ 162 ]
11 - الشيخ حسن بن عبد الكريم بن الشيخ الشهيد الحسن الكرجي القزويني. 12 - الشيخ زين الدين محمد بن أبي جعفر بن الفقيه أميركا بن أبي اللجيم. 13 - القاضي أبو الحسين أحمد بن القاضي الرشيد بن الزبير الغساني الأسواني. 14 - جمال الدين أحمد بن الحسين بن محمد بن حمدان الحمداني، من شهداء علمائنا. 15 - الملك الصالح فارس المسلمين: نصير الدين أبو الغارات طلايع بن زريك. القرن السابع - أربعة شهداء: 1 - الفقيه شهاب الدين الحسين بن محمد بن علي الميكالي. 2 - الحافظ العلامة محمد بن يوسف بن موسى بن أبي بكر المهلبي العرباضي المكي. 3 - الشيخ صفي بن محاسن، خال الشيخ صفي الدين الحلي، الشاعر المعروف. 4 - كمال الدين إسماعيل بن جمال الدين الاصبهاني، صاحب " الحصون المنيعة ".
القرن الثامن - اثنا عشر شهيدا: 1 - السيد تاج الدين أبو الفضل محمد الآوي بن مجد الدين الحسين، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 2 - السيد جمال الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن علي الأعرج. 3 - السيد بدر الدين الحسن نقيب الأشراف بحلب، ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). 4 - الشيخ الحسن بن محمد بن أبي بكر الهمداني الدمشقي السكاكيني، من أعلام الشيعة. 5 - السيد تاج الدين - نضرة بن كمال الدين صادق بن نظام الدين - ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). 6 - السيد غياث الدين عبد الكريم بن شمس الدين أبي طالب محمد النسابة. 7 - السيد جلال الدين علي، المكنى بأبي القاسم، الشهير بباغي ابن... الأعرج.
[ 163 ]
8 - السيد نصير الدين الحسن بن معية، المستشهد، من أجلة سادات بني معية. 9 - الحكيم السيد شاه فضل المشهدي. المتخلص بنعيمي. 10 - الشيخ محمود بن إبراهيم بن محسد الشيرازي، نزيل دمشق. 11 - الشيخ محمد بن الشيخ جمال الدين العاملي النبطي الجزيني، المستشهد سنة 786 المعروف بالشهيد الأول. 12 - وقتل من أعيان الشيعة: علي بن أبي الفضل بن محمد الحلبي، نزيل دمشق. شهداء القرن التاسع - شهيد واحد: 1 - السيد عماد الدين الشيرازي - المتخلص بنسيمي، من أجلة سادات شيراز. شهداء القرن العاشر - ثمانية عشر شهيدا:
1 - الأمير محمد الدشنكي الشيرازي، المعروف بصدر الدين الكبير، ينتهي نسبه إلى الإمام السجاد (عليه السلام). 2 - السيد عبد الباقي سبط السيد نور الدين نعمة الله الكرماني، المشهور بشاه نعمة الله. 3 - المولى البارع محمد طالب، حاز منصب الصدارة عند السلطان بديع الزمان. 4 - السيد الأمير غياث الدين محمد الهروي الرازي، ينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر بن علي بن الحسين (عليه السلام). 5 - الأمير السيد شريف ابن الأمير تاج الدين علي. 6 - نور الدين أبو الحسن العاملي الكركي، المعروف بالشيخ العلائي، وبالمحقق الثاني. 7 - الشيخ فضل الله بن خواجه علاء الدين علي بن خواجه كمال الدين نعمة الله البرزس ابادي الطوسي. 8 - السيد خان ميرزا ابن الوزير الكبير معصوم بيك الصفوي. 9 - المولى بنائي ابن الاستاذ محمد البناء الخراساني.
[ 164 ]
10 - السيد عبد الوهاب الحسيني التبريزي، الشهيد في أعماق السجون. 11 - المحقق أحمد بن نصر الله الديبلي التنوي السندي. 12 - السيد الأمير أبو الحسن الفراهاني الشيرازي، ذكر في " رياض العلماء ". 13 - زين الدين ابن الشيخ الإمام نور الدين علي بن أحمد، تلميذ العلامة بن شرف الجبعي المعروف بالشهيد الثاني. 14 - السيد قاضي جهان الحسيني السيفي القزويني. 15 - السيد عز الدين الحسيني العاملي، ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).
16 - الشيخ فضل الله الخراساني شهيد الثورة في المشهد الرضوي. 17 - الفقيه شهاب الدين عبد الله ابن المولى محمود بن السعيد التستري الخراساني، المعروف بالشهيد الثالث. 18 - ملا أحمد الهندي التهتهني، من أعيان الشيعة في الهند، استشهد بيد أحد قواد أكبر شاه. شهداء القرن الحادي عشر - سبعة شهداء: 1 - السيد القاضي نور الله التستري المرعشي، صاحب كتاب " إحقاق الحق " 956 - 1019. 2 - الأمير زين العابدين بن نور الدين الحسيني الكاشاني، نزيل مكة، والمستشهد بها. 3 - السيد محمد المؤمن بن دوست محمد الحسيني الاسترابادي، نزيل مكة، والشهيد في حرم الله سنة 1088. 4 - العلامة الخطيب المولى سلطان حسين الواعظ الاسترابادي. 5 - الشيخ حسين بن إبراهيم الجيلاني التنكابني، في " الرياض ". 6 - الشيخ أبو الفضل بن الشيخ المبارك، من مشاهير علماء الهند. 7 - الشيخ علي بن محمد بن الحسين، ينتهي نسبه إلى الشهيد الحر الرياحي.
[ 165 ]
شهداء القرن الثاني عشر - إثنان وعشرون شهيدا: 1 - العلامة أبو الفتح السيد نصر الله بن الحسين الموسوي الحائري، المعروف بالسيد الشهيد. 2 - شيخ الإسلام السيد ميرزا مهدي النسابة الشيرازي. 3 - ميرزا إبراهيم بن ميرزا غياث الدين محمد الاصفهاني الخوزاني، قاضي
أصفهان. 4 - الأمير محمد باقر الاصبهاني، الملقب بملا باشي، المعروف بخاتون آبادي. 5 - الفقيه المجاهد محمد رضا القزويني، الشهيد في فتنة الأفغان سنة 1135. 6 - العلامة السيد محمد ابن السيد محمد صالح، المنتهي إلى نقيب النقباء الأمير محمد حسين بن جلال الدين. 7 - الفقيه علي بن سودون أحد نياقد العلم. في " أمل الآمل ". 8 - العلامة علي أكبر الطالقاني، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 9 - السيد ميرزا هاشم الهمداني. 10 - العالم الخطيب زكي بن إبراهيم الكرمانشاهي، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 11 - العلامة محمد علي بن محمد أمين السكاكي الشيرازي. 12 - العلامة آقا محمد مهدي بن المولى محمد هادي المازندراني. 13 - آقا حسين بن آقا إبراهيم الخاتون آبادي المشهدي، عده السيد الجزائري في إجازته الكبيرة. 14 - الفقيه الشيخ محمد بن يوسف بن علي بن كنبار الضميري النعيمي البلادي مولدا ومنشأ ومسكنا. 15 - المولى علي بن محمد حسين الزنجاني، من أجله حملة العلم. 16 - العالم آقا محمد رضا بن صدر الدين المتأخر محمد بن شرف الدين بن صدر الحكماء والمتألهين المولى صدر الدين محمد - المتوفى سنة 105 ه - الشيرازي.
[ 166 ]
17 - العلامة محمد حسين ابن ميرزا عبد الكريم، المشهور بپير، في " أمل الآمل ".
18 - الشيخ صادق البغدادي الشهيد في طريق كربلاء. 19 - العلامة مير محمد هاشم شاه، المشهور بجهان شاه. 20 - الفقيه يوسف الحصري، المذكور في (نشوة السلافة). 21 - العلامة الفقيه السيد هبة الله أبو البركات، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). 22 - السيد أحمد المقدس بن هاشم - شقيق العلامة الفقيه السيد عبد الله البلادي، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). شهداء القرن الثالث عشر - تسعة عشر شهيدا: 1 - العلامة السيد محمد ابن السيد حسن ابن السيد علي آل شكر العاملي. 2 - الشيخ زين ابن الشيخ خليل بن موسى بن يوسف الزين الأنصاري الخزرجي العاملي. 3 - الشيخ صالح ابن الشيخ محمد العسيلي، أحد أعيان جبل عامل الأتقياء. 4 - السيد ميرزا محمد مهدي ابن ميرزا هداية الله الأصفهاني، نزيل مشهد الرضا (عليه السلام). 5 - الفقيه عبد الصمد الهمداني، نزيل كربلاء، والمستشهد بها سنة 1216 ه. 6 - العلامة الشيخ حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم المتوفى 1125 ابن أحمد المتوفى 1075. 7 - العلامة ميرزا محمد بن عنايت أحمد خان الكشميري الدهلوي. 8 - العلامة السيد محمد علي، المعروف بآقا مجتهد. 9 - العلامة السيد علي ابن السيد محمد الأمين، ينتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد.
[ 167 ]
10 - العلامة المولى محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني، المعبر عنه بالشهيد الثالث أو الرابع. 11 - العلامة السيد غلام رضا الخراساني البيرجندي. 12 - العلامة الشيخ محمد حسين الأعسم، كان عالما فاضلا ذا فهم وقاد. 13 - العالم المجاهد المولى رضا الإسترآبادي المولد والمسكن والمدفن. 14 - السيد حسين بن إبراهيم صاحب القبة، المعروفة ب " دهدشت). 15 - الشيخ إبراهيم ابن الشيخ نصر الله... ابن الشيخ فياض عطوة آل يحيى المخزومي العاملي. 16 - العلامة المولى محمد علي ابن العالم محمد القندهاري، أحد أعلام الدين في القرن الثالث عشر. 17 - الزعيم الكبير السيد علي نقي ابن السيد محمد تقي بن السيد رضا ابن آية الله السيد بحر العلوم، ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). 18 - وممن فجع بهما العالم العلامة السيد هاشم تلميذ الإمام، المجدد الشيرازي، ومؤلف تقريرات استاذه في الاصول (1284 ه). 19 - والعلامة السيد محمد باقر المتوفى سنة 1291. شهداء القرن الرابع عشر - تسعة عشر شهيدا: 1 - العلامة محمد نقي ابن آقا باقر الهمداني. 2 - العلامة الفقيه الشيخ علي ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ علي السري البحراني. 3 - العلامة الأكبر ميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن الغفار الدنبلي الخوئي مولدا ومسكنا - شهيد الانقلاب بدستورية فارس سنة 1325 - المتولد 1247. 4 - الشيخ جليل التبريزي المحتد السنقري الموطن والمشهد.
5 - العلامة الحكيم ميرزا محمد باقر بن عبد المحسن بن سراج الدين الاصطهباناتي الشيرازي.
[ 168 ]
6 - الشيخ فضل الله ابن المولى عباس النوري، شهيد الثورة الدستورية بطهران 1327. 7 - العالم الشيخ علي بن الشيخ عبد الله رمضان الإحسائي. 8 - العلامة الشيخ حسين الجوقيني، نسبة الى جوقين في ارباض زنجان. 9 - العلامة السيد آقا مير، الملقب ببحر العلوم. 10 - العلامة الأوحد الشيخ علي ابن العالم الزاهد المولى حسين الرشتي. 11 - العلامة الزعيم السيد عبد الله ابن السيد إسماعيل ابن السيد نصر الله المولود في بهبهان. 12 - العلامة ميرزا محمود الأميني القزويني، نزيل طهران، في " نقباء البشر ". 13 - العلامة ميرزا حسن ابن السيد اسماعيل العلوي السبزواري. 14 - السيد محمد ابن السيد غفار ابن السيد عبد الله ابن السيد محمد الخلخالي الارموي. 15 - العالم الشيخ محمود ابن المولى صالح البروجردي، نزيل طهران. 16 - الشيخ حسن البيهودي، نسبة إلى قرى قهستان. 17 - الشيخ أبو تراب ابن الشيخ حسين ابن... الشيخ سليمان البحراني الماحوزي. 18 - الشيخ عبد الغني البادكوبي. 19 - الحاج ميرزا كريم التبريزي. هذا ما ذكره العلامة الأميني من شهداء الفضيلة في كتابه المزبور ابتداء من القرن الرابع حتى الرابع عشر.
أثبتنا اسماءهم مختصرا، وسوف نترجم لبعضهم ممن كان في الصدارة وترك تراثا وآثارا ضخمة. ومن الله سبحانه أستمد العون والتسديد. أبو الحسن التهامي العلامة الأديب أبو الحسن التهامي علي بن محمد بن الحسن العاملي الشامي.
[ 169 ]
في الرعيل الأول من حاملي ألوية البلاغة، وأحد شيوخ الشيعة الناهضين بنشر الأدب، وله في العلم قنن راسية، وقدم راسخ، غير أن تراجم الادباء له وتعريفهم إياه بأدبه الباهر، وقريضه الخسرواني غطت ذكره العلمي، وها نحن نقوم في ترجمته هذه بالحقلين جميعا: في " أمل الآمل ": كان فاضلا، عالما، شاعرا، أديبا، منشئا، بليغا، له ديوان شعر حسن. وفي " وفيات الأعيان " قال ابن بسام في حقة: كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح، ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدمع عن سر الهوى المكتوم، وله ديوان شعر صغير أكثره نخب، ومن لطيف نظمه: قوله في جملة قصيدة مدح بها الوزير أبا القاسم ابن المغربي: قلت لخلي وثغور الربا * مبتسمات وثغور الملاح أيهما أحلى ترى منظرا * فقال: لا أعلم كل أقاح وله في المديح، وقد بالغ فيه: أعطى وأكثر فاستقل هباته * فاستحيت الأنواء وهي هوامل قام السحاب لديه وهو كنهدر * آل وأسماء البحور جداول
إلى أن قال: وكان التهامي المذكور قد وصل إلى الديار المصرية مستخفيا، ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج بن دغفل البدوي، وهو متوجه إلى بني قرة، فظفروا به، فقال: أنا من تميم، فلما انكشف حاله وعرف أنه التهامي، فاعتقل في خزانة البنود، وهو سجن بالقاهرة، وكان ذلك لأربع بقين من ربيع الآخر سنة 416 ه. ثم قتل سرا في سجنه في التاسع من جمادي الاولى من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى.
[ 170 ]
وبعد موته رآه بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي، فقال: بأي الأعمال ؟ فقال: بقولي من مرثية ولدي الصغير: جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري وله شعر أدق من دين الفاسق، وأرق من دمع العاشق، منها: لقد شرف الرحمن قدرك في الورى * كما في الليالي شرفت ليلة القدر وإنا لفي الدنيا كركب سفينة * نظن وقوفا والزمان بنا يجري وله الرائية الرائعة المشهورة في رثاء ولده، وقد مات صغيرا، هي غاية في الحسن والجزالة، وفخامة المعنى، وجودة السرد، والاشتمال على المعاني المتنوعة، وهي تربو على الثمانين بيتا، أقتطفت منها شذرا، مطلعها: حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قرار بينا يرى الإنسان فيها مخبرا * حتى يرى خبرا من الأخبار طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقدار والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما * تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار فاقضوا مأربكم عجالا إنما * أعماركم سفر من الأسفار إلى أن قال: يا كوكبا ما كان أقصر عمره * وكذاك عمر كواكب الأسحار وهلال أيام مضى لم يستدر * بدرا ولم يمهل لوقت سرار عجل الخسوف عليه قبل أوانه * فمحاه قبل مظنه الإبدار واستل من أترابه ولداته * كالمقلة استلت من الأشفار إلى أن قال: أبكيه ثم أقول معتذرا له * وفقت حين تركت ألأم دار
[ 171 ]
جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري أشكو بعادك لي وأنت بموضع * لولا الردى لسمعت فيه مزاري والشرق نحو الغرب أقرب شقه * من بعد تلك الخمسة الأشبار هيهات قد علقتك أسباب الردى * واغتال عمرك قاطع الأعمار ولقد جريت كما جريت لغاية * فبلغتها وأبوك في المضمار فإذا نطقت فأنت أول منطقي * وإذا سكت فأنت في أضماري الإمام أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الطبري، الشهيد سنة 501 ه أو 502 ه، مولده سنة 415 ه أو 416 ه. أحد أئمه العلم والحديث من أصحابنا، وإن كان لشدة ما التزم به من تقاة حسب أهل السنه أنه منهم وأنه شافعي المذهب، كما في " الكامل " لأبن الأثير، و " وفيات الأعيان "، و " معجم البلدان "، وذكره في " الرياض " هكذا:
الشيخ الإمام أبو المحاسن القاضي فخر الإسلام الشهيد عبد الواحد. وقال بعده مفاده: أنه من أجلة علماء حلب، وكان يتقي، فظن أنه من الشافعية. وهو في ابتداء أمر الباطنية أخذ يطعن فيهم فلذلك قتلوه، وكان من مشايخ السيد فضل الله الراوندي، ولما جاء هذا الشيخ إلى قزوين أفتى بالحادهم وأمر أهلها بالتجنب عنهم في حين أنه كان بينهم وبين الباطنية اختلاط، وقال: إن وقع بينكم وبينهم اختلاط، فان فيهم قوما عندهم حيل يخدعون بعضكم، وإذا خدعوا بعضكم وقع الاختلاف والفتنة، فوقع الأمر كما أشار. فلما عاد الشيخ إلى بلدة " رويان " بعث الباطنية بعض الفدائية - كما هو من شأنهم - فقتله غيلة، وقد عاش سعيدا ومات حميدا. وقد صرح في خمسة مواضع في " الرياض " بأن المترجم من علماء الشيعة،
[ 172 ]
وإنما رمي بالشافعية لشدة تقيته. وقد ذكره فطاحل العلماء من الفريقين بالفضل والعلم والتقى، منهم ابن خلكان والحافظ أبو زكريا. أما شهادته فقد صرح بها غير واحد من المؤرخين، قال السمعاني (1) في " الأنساب ": كان من رؤوس الأئمة والأفاضل لسانا وبيانا، له الجاه العريض، والقبول التام في ديار طبرستان، وحميد المساعي والآثار، والتصلب في المذهب، والصيت المشهور في البلاد. إلى أن قال: ولد في ذي الحجة سنة 416 ه، وقتل شهيدا بآمل يوم الجمعة في الجامع عند ارتفاع النهار الحادي عشر من المحرم الحرام سنة 502 ه.
وقال غيره من المؤرخين نفس المؤدى والفحوى. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. أبو علي " الفتال " النيسابوري الشيخ الأجل العلامة السعيد أبو علي محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن علي الفتال الواعظ النيسابوري، صاحب كتاب " روضة الواعظين "، وكتاب " النوير في التفسير "، من مشايخ ابن شهر آشوب، وهو العلم الخفاق وهضبة الفضيلة الراسية في القرن السادس، وكان خطيبا مصقعا، واعظا بأقواله وأفعاله وقد حاز ثقة الكل، وذكره ابن داود في " الرجال "، هكذا: محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري، المعروف بابن الفارسي، متكلم، جليل القدر، فقيه عالم، زاهد ورع، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور، الملقب شهاب الإسلام. وصرح بشهادته وأطراه صاحب " الآمل "، والعلامة المجلسي، والنوري،
(1) وهو القاضي أبو سعيد عبد الكريم التميمي المروزي السمعاني. (*)
[ 173 ]
وغيرهم، غير إني لم أقف على تأريخ شهادته تفصيلا، عدا ما في فهرست المكتبة الرضوية من أنة قتل على التشيع. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. ابن الراوندي العالم الجليل الحسين نصير الدين أبو عبد الله بن الإمام قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، ذو المجد والحسب، موروث الفضل، أحد الأعاظم. قال الشيخ منتخب الدين، في " الفهرست ": عالم صالح شهيد، ووصفه غيره من أجلاء المحدثين وعلماء الرجال بالعلم، والعمل، والشهادة، كما في " أمل
الآمل " و " الروضات " و " رياض العلماء " و " المستدرك ". رحمة الله عليه وحشره مع النبي والأئمة الطاهرين. الطغرائي العلامة الأديب الحسين مؤيد الدين أبو إسماعيل بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المنشي الشهير بالطغرائي، من أحفاد أبي الأسود الدؤلي الصحابي المعروف مؤسس علم النحو. قال صاحب " الامل ": فاضل عالم، صحيح المذهب، شاعر أديب، قتل ظلما وقد جاوز ستين سنة، وشعره في غاية الحسن، ومن جملته " لامية العجم " المشتملة على الآداب والحكم، وهي أشهر من أن تذكر، وله ديوان شعر جيد، ومن شعره: إذا ما لم تكن ملكا مطاعا * فكن عبدا لخالقه مطيعا وإن لم تملك الدنيا جميعا * كما تهواه فاتركها جميعا هما نهجان من نسك وفتك * تحلان الفتى الشرف الرفيعا
[ 174 ]
وله أيضا: يا قلب مالك والهوى من بعد ما * طاب السلو وأقصر العشاق أوما بدا لك في الإفاقة والأولى * نازعتهم كأس الغرام أفاقوا مرض النسيم وصح والداء الذي * أشكوه لا يرجى له افراق وهدى خفوق النجم والقلب الذي * ضمت عليه جوانحي خفاق وفي " الرياض ": الشيخ العميد الوزير مؤيد الدين فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي الاصفهاني المنشي، المعروف بالطغرائي، الإمامي الشهيد المقتول ظلما، الشاعر
الفاضل الجليل المشهور، صاحب لاميه العجم (1) التي شرحها " الصفدي " بشرح كبير معروف، وكان (قدس سره) مشهورا بمعرفة علم الكيمياء، ويعتقد صحه ذلك، وله فيه تآليف، وإنما يلقب بالطغرائي لأنه كان يكتب " الطغرا " في ديباجة الأحكام السلطانية، كما هو المتعارف الآن في بلاد الروم أيضا، وفي خطب الصدور في بلاد العجم. وذكر له كتاب " مفاتيح الحكمة ومصابيح الرحمة " في علم الاكسير والكيمياء ونحوهما، نسبه إليه صاحب كتاب " المصباح في علم المفتاح ". وقال ابن خلكان: كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، ذكره أبو سعد السمعاني في نسبة المنشي من كتاب " الأنساب " وأثنى عليه، وأورد له قطعة من شعره في صفة الشمعة، وذكر انه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة 515 ه. وقيل: إن الطغرائي كان وزيرا للسلان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وبعد انتصار السلطان محمود المصاف على أخيه السلطان مسعود فأول من أخذ الاستاذ - أي أبو إسماعيل الطغرائي - وزير مسعود فأخبر به وزير محمود، وهو
(1) وكان قد نظمها في بغداد سنة 505 ه يصف فيها حاله ويشكو زمانه. (*)
[ 175 ]
الكمال نظام الدين أبو طالب علي بن أحمد بن حرب التسميرمي، فقال الشهاب أسعد - وكان طغرائيا في ذلك الوقت - نيابة عن النصير الكاتب: هذا الرجل ملحد - يعني الاستاذ - فقال وزير محمود: من يكن ملحدا يقتل، فقتل ظلما، وقد كانوا خافوا منه لإقبال محمود عليه لفضله، فاعتمدوا قتله بهذه الحجة. وكانت هذه الواقعة سنة اربع عشرة، وقيل: ثمانية عشرة بعد الخمسمائة. وقد جاوز عمره ستين سنة، وفي شعره ما يدل على انه بلغ سبعا وخمسين
سنة: لأنه قال وقد جاءه مولود: هذا الصغير الذي وافى على كبر * أقر عيني ولكن زاد في فكري سبع وخمسون لو مرت على حجر * لبان تأثيرها في صفحة الحجر والله أعلم بما عاش بعد ذلك (رحمه الله). وكان من قصيدة له: فصبرا معين الملك إن عن حادث * فعاقبة الصبر الجميل جميل ألم تر أن الليل بعد ظلامه * عليه لإسفار الصباح دليل ومنها: فقد يعطف الدهر العسير قياده * فيشفى عليل أو يبل غليل ويرتاش مقصوص الجناحين بعدما * تساقط ريش واستطار نسيل.. إلى قوله: وصارمتها فيما أرادت صروفها * ولولاك كانت تنتحى وتصول وما أنت إلا السيف يسكن غمده * ليشقى به يوم النزال قتيل أما لك بالصديق يوسف أسوة * فتحمل وط ء الدهر وهو ثقيل فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا.
[ 176 ]
العلامة الطبرسي أمين الإسلام العلامة أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي. هو راية العلم، وآية الهدى، من زعماء الدين، وعمد المذهب، وناهيك دلالة على فضله الكثار، ومشاركته في العلوم، تفسيره " مجمع البيان " المنبثق منه بلج الحق وألق الحقيقة، ونور العلم، ووضح الوحي الإلهي، وهو كتاب لا غنى لأي أحد عنه، ويليه " جامع الجوامع "، و " إعلام الورى بأعلام الهدى "،
وغيرها من مؤلفاته العديدة التي أعرضنا عن شرحها، روما للاختصار. يروي عنه ولده - رضي الدين - وابن شهر آشوب، والشيخ منتجب الدين والقطب الراوندي، وشاذان بن جبرئيل، والشيخ عبد الله الدورستي، وغيرهم. كما روى هو عن جماعة، منهم: الشيخ أبو علي بن الشيخ الطوسي، والشيخ عبد الجبار المقري الرازي فقيه الأصحاب بالري. توجد ترجمة المترجم في " معالم العلماء "، ورجال السيد المصطفى، و " اللؤلؤة "، و " رياض العلماء "، و " أمل الآمل "، و " الروضات "، و " المقاييس " للشيخ أسد الله الكاظمي، و " المستدرك "، و " الحصون المنيعة "، وغيرها. وذكروه جميعهم بالإطراء والثناء عليه، وصرح بشهادته في " الروضات ". و " الرياض "، وحكى في الأخير أنه رأى نسخة من " مجمع البيان " بخط الشيخ قطب الدين الكيدري، وقد قرأها على نصير الدين الطوسي، وعلى ظهرها أيضا بخطه هكذا: تأليف الشيخ الإمام الفاضل السعيد الشهيد. وقال العلامة النوري في " المستدرك " بعد التصريح بشهادته: لم يذكر في كلمات العلماء كيفية شهادته، ولعلها كانت بالسم، ولذا لم تشتهر شهادته. كان ذلك بسبزوار ليلة النحر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة " 548 ه " وحمل نعشه إلى مشهد الرضا (عليه السلام) ودفن في مغتسله، وقبره الآن مزار معروف.
[ 177 ]
وذكر صاحب " الرياض " للمترجم قصة لوفاته، ربما تعزى إلى المولى فتح الله الكاشاني المفسر المتوفى سنة 988، وإذا لم تتحقق النسبة ضربنا عنها صفحا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد حين تعلم وعلم، ويوم استشهد، ويوم
يبعث حيا. القاضي الأديب الرشيد أبو الحسين أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي بن القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني. أحد أعيان عصره، كان جم الفضائل، بارعا في فنون العلوم، متجلببا بأبراد الفصاحة والبلاغة، له كتب وشعر رائق. قال ابن خلكان: كان من أهل الفضل والنباهة والرئاسة، صنف كتبا قيمة، وله ديوان شعر، ولأخيه المهذب أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضا، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما. أما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو طاهر السلفي في بعض تعاليقه وقال: ولي الثغر بثغر الاسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة 559 ه، ثم قتل ظلما وعدوانا في المحرم سنة 563 ه. وذكره العماد أيضا في " السيل والذيل " الذي ذيل به الخريدة فقال: الخضم الزاخر، والبحر العباب، ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب، قتله شاور ظلما لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة 563، كان أسود الجلدة وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة، والرياضيات، والعلوم، والشرعيات، والآداب الشرعية، ومما أنشدني له الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن اسامة بن منقذ، وذكر أنه سمعها منه قوله: جلت لدي الرزايا بل جلت هممي * وهل يضر جلاء الصارم الذكر
[ 178 ]
إلى آخر الأبيات.
وفي " معجم الادباء " (1): كنيته أبو الحسين، مات في سنة 562 ه مخنوقا على ما نذكره، وكان كاتبا، شاعرا، فقيها، نحويا، لغويا، ناشئا، عروضيا، مؤرخا، منطقيا، مهندسا، عارفا بالطب، والموسيقى، والنجوم، متفننا. قال السلفي: أنشدني القاضي أبو الحسين أحمد بن علي الغساني الأسواني لنفسه بالثغر: سمحنا لدنيانا بما بخلت به * علينا ولم نحفل بجل امورها فياليتنا لما حرمنا سرورها * وقينا أذى آفاتها وشرورها إلى أن قال: وله تآليف ونظم، ونثر، التحق فيها بالأوائل المجيدين، قتل ظلما وعدوانا في محرم سنة 562 ه وله تصانيف معروفة، وله ديوان شعر. كان مولده بأسوان وهي بلدة من صعيد مصر، وهاجر منها إلى مصر فأقام بها. إلى أن قال: أما سبب مقتله، فلميله إلى أسد الدين " شيركوه " عند دخوله البلاد ومكاتبته له، واتصل ذلك " خبره " بشاور وزير " العاضد " فطلبه فاختفى بالاسكندرية، واتفق التجاء الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الاسكندرية ومحاصرته بها، فخرج القاضي ابن الزبير، راكبا متقلدا سيفا وقاتل بين يديه، ولم يزل معه مدة مقامه بالاسكندرية إلى أن خرج منها، فتزايد وجد شاور وحنقه عليه. وأشتد له الطلب، واتفق أن ظفر به على صفة لم تتحقق لنا، فأمر باشهاره على جمل، وعلى رأسه طرطور وورائه جلواز ينال منه، وأخبرني الشريف الأدريسي عن أبي الفضل بن أبي الفضل أنه رآه على تلك الشنيعة وهو ينشد: إن كان عندك يا زمان بقية * مما تهين بها الكرام فهاتها
(1) معجم الأدباء ج 1 ص 416. (*)
[ 179 ]
ثم جعل يهمهم شفتيه بالقرآن، وأمر به بعد إشهاره بمصر والقاهرة أن يصلب شنقا، فلما وصل به إلى الشناقة جعل يقول للمتولي ذلك منه: عجل، عجل، فلا رغبة لكريم في الحياة بعد هذا الحال، ثم صلب. روى الحاج بن المسيح الأسواني أن ابن الزبير دفن في موضع صلبه، فما مضت الأيام والليالي، حتى قتل شاور وسحب، فاتفق أن حفر له ليدفن فوجد الرشيد بن الزبير في الحفرة مدفونا فدفنا معا في موضع واحد، ثم نقل كل واحد منهما بعد إلى تربة له، بقرافة مصر والقاهرة. ومن شعره: خذوا بيدي يا آل بيت محمد * إذا زالت الأقدام في غدوة الغد أبى القلب إلا حبكم وولاءكم * وما ذاك إلا من طهارة مولدي فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين أبو الغارات " طلايع بن رزيك ". هو ممن شرفه المولى سبحانه بالدنيا والدين، وفاز بكلتا الحسنيين: الآخرة والاولى: فهو عالم ناسك، وأمير فاتك، وحبر ضليع، وشاعر مبدع، وقبل كل شئ إمامي متفان في الولاء، زار مشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في لمة من الفقراء، وباتوا عنده فرأى السيد أبو الحسن المعصوم بن أبي الطيب أحمد، وهو سيد جليل القدر رفيع المنزلة، وهو جد الأسرة العلويه في النجف الأشرف المعروفة " بآل الخرسان " رأى ليلا في منامه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له: قد ورد عليك الليلة وفد فقراء من شيعتنا فيهم رجل يقال له: " طلايع بن رزيك " من أكابر محبينا، فقل له: اذهب فإنا قد وليناك مصر، فلما أصبح السيد أمر من ينادي: من
فيكم اسمه طلايع بن رزيك ؟ فجاء طلايع إلى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه،
[ 180 ]
فرحل طلايع إلى مصر، وأخذ أمره في الرقي، فلما قتل نصر بن العباس الخليفة الظافر إسماعيل استثارت نساء القصر طلايع لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلما قرب من القاهرة فر الوزير ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام، فخلعت عليه خلع الوزارة، ولقب بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، فنشر الأمن وأحسن السيرة، واستقل بالأمر لصغر الخليفة " الفائز " وقام بالأمر العاضد لدين الله ابن محمد، وكان صغيرا لم يبلغ الحلم، فعظمت شوكة طلايع، وقوى مراسه، وازداد تمكنه من الدولة، فبهض ذلك أهل القصر، فوقف رجال منهم بالدهليز - الذي يمر منه - وضربوه بأسيافهم حتى خر على وجهه، وحملوه جريحا لا يعي إلى داره، فقضى نحبه يوم الإثنين التاسع عشر 19 من شهر الصيام سنة 556 ه، ودفن في القاهرة بدار الوزارة، ثم نقله ولده العادل إلى القرافة الكبرى. ويروى أنه لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها، قال: هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمر بقراءة مقتله، واغتسل وصلى مائة وعشرين ركعة أحيا بها ليله، وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته، فاضطرب لذلك وجلس في دهليز دار الوزارة، فقال له أحد أصحابه: إن هذا الذي جرى يتطير منه، فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل، فقال: الطيرة من الشيطان، وليس إلى التأخير سبيل، ثم ركب فكان من أمره ما كان. هذا خلاصة ما ذكره المقريزي من حديث قتله. وذكر ابن خلكان صورة مقاربة بلفظ آخر. وقال الفقيه أبو محمد عمارة اليمني (1) يرثيه بقصيدة هذا مطلعها:
أفي أهل ذا النادي عليم اسائله * فاني لما بي ذاهب اللب ذاهله
(1) هو أبو محمد عمارة بن أبي الحسين الحكمي اليمني، نزيل مصر، ذكره ابن خلكان في تاريخه، وصاحب " نسمة السحر " وغيرهما، وفي " التأسيس " ما ملخصه: إنه كان من الإثني عشرية، وهو صاحب طلايع المذكور، قتله صلاح الدين الأيوبي على تشيعه سنة 569 ه - وهو عالم جليل - له مؤلفات مهمه منها " تأريخ وزراء مصر "، وكتاب " المفيد في أخبار الملوك بزبيد "، وغيرها. (*)
[ 181 ]
سمعت حديثا أحسن الصم عنده * ويذهل واعيه ويخرس قائله إلى أن قال في ختام القصيدة: فياليت شعري بعد حسن فعاله * وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم * فيمكث أم تطوى ببيني مراحله وللمترجم مؤلفات عديدة، وديوان شعر في مجلدين يشتمل على كل فن من الشعر، وكان له منتدى بالليل يزدلف إليه رواد الأدب، ويدونون شعره، ولا يخيب أمل من يفد إليه ويقصده بحاجته، وخاصة طلاب العلم. وكان يحمل كل سنة أموالا طائلة إلى العلويين الذين هم بالمشاهد المقدسة ولأهل الحرمين من الأشراف، وكذلك الكسوة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الأول العلامة الجليل شمس الدين والملة الشيخ محمد بن الشيخ جمال الدين المكي ابن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني. ولد رحمه الله سنة 734 ه واستشهد سنة 786 ه عن عمر ناهز الاثنين وخمسين سنة، المنعوت بالشهيد الأول، وهو أول من اشتهر بهذا اللقب عند الإمامية.
كان كهف الشيعة وملاذها، عالما فقيها لم يزل فقهه مستقى علماء الإمامية في نظرياتهم، وكتبه مرجع فقهائهم. ذكره العلماء من الفريقين في سيرهم وتأريخهم وكتبهم. ارتحل الى العراق ودرس على فطاحل علمائه، وحاز على شهادات الاجتهاد، وقال في إجازته لابن الخازن: وأما مصنفات العامة ومروياتهم، فإني أروي عن نحو من أربعين شيخا من علمائهم بمكة، والمدينة، ودار السلام بغداد،
[ 182 ]
ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم (عليه السلام). ومن تأمل في مدة عمره الشريف ومسافرته إلى تلك البلاد، وتصانيفه الرائقة في الفنون الشرعية وأنظاره الدقيقة، وتبحره في الفنون العربية والأدب والأشعار، والقصص النافعة - كما يظهر من مجاميعه - يعلم أنه من الذين اختارهم الله تعالى لتكميل عباده، وعمارة بلاده، وأن كلما قيل أو يقال في حقه فهو دون مقامه ومرتبته. أما كيفية مقتله وشهادته، فقد قال صاحب " الروضات ": نقل عن خط ولد الشهيد على ورقة إجازته لأبن الخازن الحائري ما صورته: استشهد والدي الإمام العلامة كاتب الخط الشريف " شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مكي " شهيدا حريقا بعده بالنار، يوم الخميس التاسع من جمادى الأولى سنة ست وثمانين وسبعمائة هجري 786 ه، وكل ذلك فعل به برحبة قلعة دمشق. وفي " اللؤلؤة ": إنه قتل بالسيف ثم صلب، ثم رجم، ثم احرق بالنار ببلدة دمشق في سلطنة " برقوق " (1) بفتوى برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي، وتعصب جماعة كثيرة بعد أن حبس في قلعة دمشق سنة كاملة، وكان
سبب حبسه أن وشى عليه تقي الدين الجبلي ويوسف بن يحيى، وكتب يوسف محضرا يشنع فيه على الشيخ المترجم بأقاويل شنيعة وعقائد غير مرضية عزاها إليه، وشهد فيه سبعون من أهل الجبل من أقوام حناق على المترجم له، وكتب في هذا ما ينيف على الألف من أهل السواحل من رعرعة الناس وأثبتوا ذلك عند قاضي بيروت وقاضي صيدا. فأتوا بالمحضر إلى القاضي عباد بن جماعة بدمشق فأنفذه إلى القاضي المالكي، فقال له: تحكم فيه بمذهبك وإلا عزلتك، فجمع الملك " بيدمرو " الأمراء
(1) برقوق: سيف الدين المقتول سنة 801، اشتهر " ببرقوق " لجحوظ في عينيه، وهو أول ملوك الچراكسة بمصر والشام، وكان ابتداء دولتهم سنة 784 ه وانقراضهم في سنة 922 وعدتهم 23 ملكا. (*)
[ 183 ]
والقضاة والشيوخ، وأحضروا شيخنا المترجم وقرئ عليه المحضر، فأنكر ذلك كله، فلم يقبل الملك قيل له: قد ثبت ذلك عندنا ولا ينتقض حكم القاضي، فقال الشيخ: الغائب على حجته فإن أتى بما يناقض الحكم جاز نقضه، وإلا فلا، وها أنا ابطل شهادات من شهد بالجرح، ولي على كل واحد حجة بينة، فلم يسمع ذلك منه ولم يقبل، فعاد الحكم إلى المالكي، فقام وتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: قد حكمت بإهراق دمه، فاكسوه اللباس، وفعل به ما قدمناه من القتل والصلب والرجم والإحراق. ألا لعنة الله على القوم الظالمين. وممن تعصب وساعد على إحراقه رجل يقال له: " محمد الترمذي "، وكان رجلا تاجرا يحقد على شيخنا الشهيد. وللمؤرخ أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الجبلي المتوفى سنة 1089 ه كلمة، قال في الجزء السادس من " شذرات الذهب " ص 294، ما يقضي منه العجب:
قال: وفيها - يعني سنة 786 - قتل محمد بن مكي العراقي الرافضي، كان عارفا بالاصول والعربية، فشهد عليه بدمشق بانحلال العقيدة، واعتقاد مذهب النصيرية، واستحلال الخمر الصرف، وغير ذلك من القبائح، فضربت عنقه بدمشق، في جمادى الاولى وضربت عنق رفيقه " عرفة " بطرابلس، وكان على معتقده. ويشهد الله والحقيقة وكتب الفقيد الشهيد أنه براء من تلكم النسب وفي منأى عنها، غير أن المؤرخ يتحرى تبرير عمل من ارتكب تلكم الجريرة بنحت أعذار مفتعلة. هذه خلاصة ما ارتكبوه من الجرائم والفضائع في هذه الفاجعة، بحق الشهيد، وما تشبثوا به مما يبرر أعمالهم عند زبائنهم، وتنفيذ حقدهم. وكان اشدهم حنقا عليه القاضي " ابن الجماعة " منذ المناظرة التي جرت بينهما، ومن جرائها كانت تلكم الهلجات، وقام الهوس والهياج من رعاع الناس
[ 184 ]
على قدم وساق، يدفعهم بها الحكام والقضاة، وفي مقدمتهم " القاضي ابن الجماعة ". ففي " الروضات ": رأيت في بعض مؤلفات صاحب " مقامع الفضل " (1) أنه جرى يوما بين شيخنا الشهيد المترجم والقاضي ابن الجماعة كلام في بعض المسائل، وكانا متقابلين، وكانت بين يدي الشهيد محبرة، وكان ابن الجماعة رجلا بدينا، وأما الشهيد كان صغير الجسم، فقال له ابن الجماعة في أثناء المناظرة وهو يريد تحقيره: إني لا أحس إلا صوتا من وراء الدواة ولا أفهم ما يكون معناه، فأجابه الشيخ الشهيد قائلا: نعم، ابن الواحد لا يكون أعظم من هذا، فخجل ابن الجماعة من هذه المقالة كثيرا،
وامتلأ منه غيظا وحقدا إلى أن فعل به ما فعل. ملخصا. ذكر غير واحد من المترجمين تفاصيل في هذا المقام، اقتصرنا منها على هذا الإجمال. أما آثاره العلمية، أو مآثره الخالدة، وغرره الوضاحة، فكثيرة مذكورة في معاجم التراجم. كما أنه روى عن فطاحل العلماء المعاصرين له، وترك أشعارا في مناسبات عديدة مما يدل على تضلعه في الأدب، فضلا عن الفنون العديدة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. علي بن أبي الفضل ومن أعيان الشيعة في القرن الثامن علي بن أبي الفضل بن محمد الحلبي، نزيل دمشق، لم نعرف محله من العلم، لكن ذكره العسقلاني في كتابه " الدرر الكامنة " وعده من أعيان القرن المذكور.
(1) العلامة المتبحر آقا محمد علي ابن الوحيد المجدد البهبهاني. (*)
[ 185 ]
وقال: إنه رافضي قدم دمشق فأظهر الرفض، وظاهر به حتى دخل الجامع الأموي رافعا صوته يسب أول من ظلم آل محمد، وكان الناس حينئذ في صلاة الظهر. فأخذ واقيم بين يدي القاضي تقي السبكي، فسأله: من تلعن ؟ قال: أبا بكر، ثم رفع صوته وقال: لعن الله فلانا وفلانا، وذكر الخلفاء الثلاثة يسميهم، وعطف عليهم معاوية ويزيد، وكرر بذلك، فأمر به إلى السجن. ثم أحضره بعد وعرض عليه التوبة فامتنع، فعقد له مجلس فأمر المالكي بضربه بالسياط، فلم يرجع، وأعيد عليه ذلك مرارا، وهو يبالغ فيما هو فيه من
السب واللعن الصريح، فحكم المالكي بسفك دمه. وذلك في التاسع عشر من جمادى الاولى سنة 755 ه، فقتل واحرق جسده وطيف برأسه - رحمة الله عليه. سيد الحكماء أبو المعالي الأمير محمد الدشتكي الشيرازي، المعروف بصدر الدين الكبير، المنتهي نسبه إلى زيد الشهيد ابن الإمام زين العابدين (عليهما السلام) وهو من أجداد السيد صاحب " سلافة العصر "، صدر من صدور الأمة. قال القاضي الشهيد في " المجالس " ما ملخصه: إنه يكنى بأبي المعالي ويلقب بصدر العلماء، وإن أسلافه كلهم من جملة حفظة السنة والحديث وحملة العلوم، إلا أنه كان الغالب على أمرهم الالتزام بالتقية. وذكر ابن المترجم الأمير غياث الدين المنصور في شرحه على كتاب " إثبات الواجب " لوالده، قال: إن والدي، ولد صبيحة يوم الثلاثاء الثاني من شهر شعبان سنة ثمان وعشرين وثمانمائة " 828 ه "، واستشهد في صبيحة يوم الجمعة الثاني عشر من
[ 186 ]
شهر رمضان سنة ثلاث وتسعمائة من الهجرة " 903 ه "، قتل بيد التركمان. ومن جملة آثاره: المدرسة المنصورية بشيراز، وله كتاب: " حاشية القديم والجديد على شرح التجريد ". وذكره بالإطراء والشهادة صاحب " إيجاز المقال " و " حبيب السير "، وقبره في شيراز مشهور، وفي جواره دفن ولده الأمير غياث الدين منصور. قال صاحب " المجالس " بعد إطرائه:
فرغ من ضبط العلوم وهو في سن العشرين، وناظر العلامة الدواني قبل ذلك بنحو من ست سنين، وكان له منصب الصدارة للسلطان شاه طهماسب الصفوي الموسوي... الخ. وخلف نجلين جليلين، أكبرهما: الأمير شرف الدين علي، المعروف بالورع والسداد في زمانه، والثاني: الأمير محمد، المعروف بصدر الدين الثاني. له إفادات وإجازات، وأسفار، وحديث توبته النصوح وآثارها الجليلة مذكورة في " المجالس " وتجد فيه وفي " الروضات " تفاصيل من هذه التراجم. فرحمة الله عليهم أجمعين... السيد الفاضل الأمير غياث الدين محمد الهروي الرازي، وينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر ابن علي السجاد ابن الحسين (عليهم السلام). أطراه القاضي الشهيد في " المجالس ". أصله رازي، سافر والده في أيام السلطان حسين ميرزا إلى هراة، ونشأ السيد في تلك البلاد، واشتغل بتحصيل العلوم المتداولة، على أعلام عصره، منهم: المولى حسين الهروي، وشيخ الإسلام التفتازاني، وغيرهم، ثم تقلد منصب الصدارة، والإمارة في بلدة خراسان، في زمان السلطان " صاحب قران " إلى أن حكم الأمير خان التركماني والي خراسان بقتله، بسعاية بعض من يبغي الفساد،
[ 187 ]
فاستشهد يوم الأربعاء الثامن من شهر رجب سنة سبع وعشرين وتسعمائة " 927 ه ". وفي " الرياض ": السيد الجليل الفاضل الأمير غياث الدين محمد بن يوسف الرازي، الذي
كان صدرا للسلطان شاه طهماسب بخراسان، وأن الأمير جمال الدين " عطاء الله " المحدث بهراة ذهب لشفاعته واستخلاصه إلى حضرة الخان، ولم ينفع التماسه، وقتل الأمير غياث الدين المذكور. وفي " حبيب السير ": كان المترجم له الجاه العريض لدى السلطان حسين ميرزا، وكان مدرسا في مقبرته ناشرا ألوية العلم والفضل، وملك أزمة القضاء في بلاد خراسان، وجمع بين منصبي الصدارة والإمارة، وكان في هراة له الأمر والنهي، وفي جميع الأمور والمهمات الشرعية، فأضرم نفوذه في تلكم الديار الحقد والعداء في خلد أمير خان، فلما حوصرت هراة بيد عبيد الله خان، عزم على قتله، فبعث يوم الثلاثاء السادس من رجب، جمعا كثيرا من خواصه إلى دار السيد فأخذوه واقتادوه إلى القلعة، ثم أغاروا على منزله ونهبوه، وبعدها أغاروا على أصحابه وملازميه، ثم بعث أمير خان جلاده قاسم مهران إلى القلعة فقتله واستشهد (رحمه الله). فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. المحقق الكركي العلامة المحقق نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي، المعروف - في زمانه - بالشيخ العلائي تارة، وبالمولى المروج طورا، وبالمحقق تارة اخرى. هو بيت القصيد شيخ الامه وزعيمها الميمون، وفقيهها الأكبر، قدم إيران بطلب من الشاه طهماسب الصفوي، فأفاض العلم، ونشر الدعوة، وبث الدين،
[ 188 ]
وأقام معالمه، وكان السلطان يشد أزره، ويقيم أمره، ويمكنه مما يتحراه من التثقيف وإقامة الأمت والأود، وبذلك كانت له الموفقية بالحصول على غايات شريفة قل
من ضاهاه فيها، أو أنه اختص بها إلى عصره، وكان الشاه طهماسب يقدمه على جميع علماء عصره، وهو أهل لذلك كله، قدس الله روحيهما. وقال المؤرخ المعاصر للشيخ المترجم، الحسن بيك روملو في تأريخه ما حاصله: إنه لم يتح بعد الخواجة نصير الدين الطوسي لأحد من العلماء ما اتيح لشيخنا المروج، من إعلاء كلمة الحق، وتشييد المذهب، وكبح جماح المتهتكين، ومنعهم عن الفجور، وزجرهم، وإزالة البدع والمنكرات، وإقامة الفرائض والسنن، والمحافظة على الجمعة والجماعة... إلخ. كما قرض في كتاب " نقل الرجال " و " أمل الآمل " و " لؤلؤة البحر "، وغيرهما من كتب السير والرجال. وعن شيخنا الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة، وصفه بالإمام المحقق نادرة الزمان، ويتيمة الأوان، وكان شيخنا المترجم من علماء عهد الشاه طهماسب الصوفي، فوض إليه امور المملكة، وكتب رقما إلى جميع الممالك بامتثال أوامر الشيخ، وأن أصل الملك إنما هو له لأنه نائب الإمام (عليه السلام)، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان كتبه ودساتيره في الخراج، وما ينبغي تدبيره في امور الرعية، حتى أنه غير القبلة في كثير بلاد إيران باعتبار مخالفتها للمعلوم عنده. وعن السيد الجزائري في شرحه " غوالي اللآلي " جاء مطابقا لما ذكر أعلاه. كما نقل في " الرياض " و " المستدرك " صورة الحكم الصادر من السلطان الشاه طهماسب الصفوي إلى جميع الممالك فيها فوائد لا يستهان بها، وكان تأريخها السادس عشر من شهر ذي الحجة سنة 939، كما همش السلطان بخطه على الفرمان (1) مؤيدا، نطوي عنها روما للاختصار.
(1) الفرمان: كلمة فارسية بمعنى الأوامر. (*)
[ 189 ]
وللمترجم تآليف عديدة، منها: " جامع المقاصد "، و " نفحات اللاهوت "، وغيرها، التي لا زالت معتمدة في الحوزات العلمية ومحلا للاستفادة منها. كما يروي (قدس سره) عن فطاحل العلماء في عصره وممن سبقه. شهادته: فقد صرح بها معاصره ابن العودي في رسالته، قال: هذا الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، يروي عنه شيخنا بلا واسطة، توفي مسموما ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وأربعين وتسعمائة " 945 ه " وهو في الغري على مشرفه السلام. وذكر شهادته أيضا صاحب " الرياض " في مواضع كثيرة من كتابه، نقلا عن الشيخ حسين عبد الصمد الحارثي العاملي، والد شيخنا البهائي (رحمهم الله) إنه صرح في بعض رسائله بذلك، ونقله صاحب " روضات الجنات " في موضعين من الكتاب، ونص بها العلامة النوري في " نفس الرحمان " و " المستدرك " ويؤيدهما في تأريخ ذلك العهد، من أن بعض رجال الدولة كان ينصب العداء للشيخ المروج، يتحرى الغوائل لقتله، ويتربص به الدوائر. وله مؤلفات، وإجازات، وأشعار (رحمه الله)، طوينا عنها روما للاختصار. فسلام عليه يوم ولد، ويوم ألف وعلم واستفاد وأفاد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الثاني العلامة الإمام شرف الإسلام زين الدين ابن الشيخ الإمام نور الدين علي ابن... الجبعي العاملي الشامي المعروف بابن الحجة، المنعوت عند فقهاء الإمامية بالشهيد الثاني، المستشهد سنة 965 وهو ابن 54 سنة.
من أكبر حسنات الدهر، زين الدين والملة، وشيخ الفقهاء الأجلة، شارك
[ 190 ]
في علوم مهمة من حكمة، وكلام، وفقه، واصول، وشعر، وأدب، وطبيعي، ورياضي، وقد كفانا مؤنة التعريف به شهرته الطائلة، فما عسى أن يقول فيه المتشدق ببيانه، وكل ما يقوله دون أشواطه البعيدة، وصيته الطائر. ولد يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر شوال سنة 911 ه وأخذ الأوليات عن والده، وبعد وفاة والده سنة 925 ه هاجر إلى ميس وأقام بها ردحا من الزمن ثم قفل إلى كرك نوح سنة 933 ه ورجع منها إلى جبع سنة 934 ه، ثم هاجر إلى دمشق سنة 937 ه، ثم رجع إلى جبع 938 ه، ثم يمم بيت المقدس سنة 948 ه وأقام بها وسار بمناحيها إلى أواخر سنة 951 ه، ثم رجع إلى جبل عامل. تخرج المترجم في تجولاته، في البلاد دون ضالته المنشودة - العلم - وسيره الحثيث في طريق بغيته " إحياء البشر " على جمع كثير من فطاحل علماء عصره من الفريقين في علوم شتى ومتنوعة، ذكره حفيده الشيخ علي في " الدر المنثور " ملخصا. ثناء العلماء عليه: في " أمل الآمل ": أمره في الثقة، والعلم، والفضل، والزهد، والعبادة، والورع، والتحقيق، والتبحر، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وجميع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، ومصنفاته كثيرة مشهورة. إلى أن قال: وكان فقيها، محدثا، نحويا، قارئا، متكلما، حكيما، جامعا لفنون العلم، وهو أول من صنف من الإماميه في دراية الحديث.
وفي " المقابس " للفقيه الأكبر الشيخ أسد الله الكاظمي قال: إنه أفضل المتأخرين، وأكمل المتبحرين، نادرة الخلق، وبقية السلف، مفتي طوائف الأمم، والمرشد إلى التي هي أقوم، قدوة الشيعة، ونور الشريعة، الذي قصرت الأكارم الأجلاء عن استقصاء مزاياه وفضائله السنية، وحارت الأعاظم
[ 191 ]
في مناقبه وفواضله العلية، الجامع في معارج الفضل والكمال والسعادة، بين مراتب العلم والعمل، والجلالة والكرامة والشهادة، المؤيد المسدد بلطف الله الخفي الجلي. وفي " روضات الجنات ": لم ألف إلى هذا الزمن - الذي هو من حدود 1263 ه ثلاث وستين ومائتين بعد الألف - أحدا من العلماء الأجلة يكون بجلالة قدره، وسعة صدره، وعظم شأنه، وارتفاع مكانه، وجودة فهمه، ومتانة عزمه، وحسن سليقته، واستواء طريقته، ونظام تحصيله، وكثرة أساتيذه، وظرافة طبعه، ولطافة صنعه، ومعنوية كلامه، وتمامية تصنيفاته وتأليفاته، بل كاد أن يكون في التخلق بأخلاق الله، تاليا لتلو المعصوم... الخ. وللمترجمين في الثناء عليه، وذكر مقاماته الكريمة، وعلومه الراقية، وفضائله الجمة، كلمات تامات ضافيات، طوينا عنها روما للاختصار، وإنما نفيض القول في كيفية شهادته التي هي ضالتنا المنشودة في الكتاب. مقتله وشهادته: في " أمل الآمل ": كان سبب قتله - على ما سمعته من بعض المشايخ، ورأيته بنص بعضهم - إنه ترافع إليه رجلان، فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا واسمه " معروف " وكان الشيخ في تلك الأيام مشغولا بتأليف " شرح
اللمعة "، وفي كل يوم يكتب منه - غالبا - كراسا، ويظهر من نسخة الأصل أنه ألفه في ستة أشهر وستة أيام، فأرسل القاضي إلى " جبع " من يطلبه، وكان مقيما في كرم له مدة منفردا عن البلد متفرغا للتأليف، فقال له بعض أهل البلد: قد سافر عنا مدة، فخطر على بال الشيخ أن يسافر إلى الحج، وكان قد حج مرارا، لكنه قصد الاختفاء، فسافر في محمل مغطى. فكتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنه قد وجد في بلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلا في طلب الشيخ، وقال له:
[ 192 ]
ائتني به حيا حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي فيبحثوا معه ويطلعوا على مذهبه فيخبروني فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي، فجاء الرجل فأخبر أن الشيخ توجه إلى مكة، فذهب في طلبه فاجتمع به في طريق مكة، فقال له: تكون معي حتى نحج بيت الله ثم افعل ما تريد، فرضي بذلك، فلما فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ، فقال: رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أن اوصله إلى السلطان، فقال: أوماتخاف أن يخبر السلطان بأنك قصرت في خدمته وآذيته، وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببا لهلاكك ؟ بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه إلى السلطان، فقتله في مكان في ساحل البحر. وكان هناك جماعات من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنوارا تنزل من السماء وتصعد، فدفنوه هناك، وبنوا عليه قبة، وأخذ الرجل رأس الشيخ إلى السلطان، فأنكر عليه، وقال: أمرتك أن تأتني به حيا فقتلته ؟ ! ثم أمر السلطان به فقتله به. وفي بعض مؤلفات شيخنا البهائي (رحمه الله) أنه قال: أخبرني والدي أنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا الشهيد، فوجده متفكرا، فسأله عن سبب تفكره، فقال: يا أخي أظن أني أكون ثاني
الشهيدين - وفي رواية: ثاني شيخنا الشهيد في الشهادة - لأني رأيت البارحة في المنام أن السيد المرتضى علم الهدى (رحمه الله) عمل ضيافة جمع فيها علماء الإمامية بأجمعهم في بيت، فلما دخلت عليهم قام السيد المرتضى، ورحب بي، وقال لي: يا فلان اجلس إلى جنب الشيخ الشهيد [ الأول ] فجلست بجنبه، فلما استوى بنا المجلس انتبهت من المنام، ومنامي هذا دليل ظاهر على أني اكون تاليا له في الشهادة. آثاره: وأما آثار المترجم الشهيد التي كلها مآثر، فهي تناهز السبعين مؤلفا، نقل صاحب " أمل الآمل " عن بعض الثقات أنه خلف ألفي كتاب، منها مائتا كتاب
[ 193 ]
كانت بخطه الشريف، من مؤلفاته وغيرها. كما أنه كان ضليعا بالأدب، وأشعاره كثيرة في مناسبات عديدة، ورثاؤه للأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد وألف وكتب، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الشهيد الثالث المولى الفقيه شهاب الدين عبد الله بن المولى محمود بن سعيد التستري الخراساني، المعبر عنه بالشهيد الثالث. من أجلاء علماء دولة السلطان طهماسب الصفوي، استشهد سنة 997 ه ببخارى، واحرق جسده في ميدانها. قال صاحب تاريخ " عالم آرا " ما ملخصه: إن مولده كان بتستر، وكان في أوائل أمره مشتغلا بتحصيل العلوم بشيراز،
ثم غادرها إلى بلاد العرب، وقرأ على جملة من علمائها وفقهاء جبل عامل وغيرهم، فبلغ الغاية في علوم الدين، ثم توجه إلى معسكر السلطان طهماسب ودخل عليه، وتوافقا على سكنى الشيخ بخراسان، فأقام بها ردحا من الزمن مشتغلا بالإفادة والتدريس، والهداية والإرشاد، كان محمود النقيبة، سجح الأخلاق، مرضي الشيم، كان يناصح السلطان في أكثر أوقات إقامته بتلك الروضة المقدسة، وكان مكرما عنده، إلى أن تغلبت الاوزبكية على ذلك المشهد الشريف سنة 997 ه، فأخذوا المترجم الشهيد إلى ما وراء النهر، وجرت بينه وبين علمائها من العامة مناظرات أدت إلى قتله بالخناجر والمدى، واحرق جسده الشريف في ميدان بخارى على التشيع والولاء. وفي " الروضة الصفوية " ما ملخصه: إنه لما توجه عبد المؤمن خان ابن عبد الله خان، ملك الاوزبك إلى خراسان
[ 194 ]
مشهد الرضا (عليه السلام)، وأخذ تلك البلاد عنوة، وقتل من في تلك الأرض المقدسة، أمر بكسر باب الروضة وقتل من فيها، أخذت الاوزبكية في حوالي الروضة المولى الجليل خاتم المجتهدين المولى عبد الله التستري، فذهبوا به إلى عبد المؤمن خان، وقالوا: إن هذا هو رئيس الرافضة، فآمنه الخان، وأرسل المولى إلى ولده عبد الله خان ببخارى، وبعد ما وصل بخارى باحث مع علمائها فعجزوا عن معارضته فقالوا لعبد الله خان: إنه ليس لكم شك في حقيقة مذهبكم، فما الباعث على مناظرة هذا الرجل، ولابد أن يقتل من كان مخالفا لمذهبنا ويجتنب عن مباحثته، لئلا يصير باعثا ضلال العوام، فقتلوه وأحرقوه، (رضي الله عنه). وله مؤلفات كثيرة ومفيدة. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا.
الشيخ الجليل ملا أحمد الهندي التهتهني، من أعيان الشيعة بالهند في القرن العاشر. استشهد بيد " فولادبرلاس " أحد قواد عهد أكبر شاه، قتله على التشيع بالخناجر، اغتاله ليلا، بعد أن أخرجه من داره ببعض الحيل، فمكث أياما يعاني من جراحه حتى مات في أوائل سنة 997 ه. وسرعان ما انتقم الله من القاتل، فأمر به السلطان فاخذ وشد برجل فيل فجر في الأزقة بلاهور حتى هلك قبل الشهيد بثلاثة أيام. وأقام الشيخ أبو الفضل المؤرخ الشهيد الآتي ذكره - أي القاضي التستري - وأخوه الشيخ فيضي حرسا على قبر المترجم خوفا من نبشه، لكن بعد أن أفاض جيش السلطان عن لاهور إلى كشمير، أخرجته زبانية الأحقاد فأحرقوا جثته. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا.
[ 195 ]
العلامة القاضي التستري المرعشي السيد ضياء الدين القاضي نور الله ابن السيد الشريف... إلى أن ينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) - التستري المرعشي، صاحب كتاب " إحقاق الحق " و " مجالس المؤمنين " وغيرهما. ولد (قدس سره) 956 ه، واستشهد سنة 1019 ه عن عمر لا يتجاوز الرابعة والستين. كان (رحمه الله) كعبة الدين ومناره، ولجة العلم وتياره، ولسانه الناطق، فلم يبرح باذلا كله في سبيل ما اختاره له ربه، حتى قضى نحبه شهيدا محتسبا، وبعين الله اهريق دمه الطاهر. هبط الديار الهندية، فنشر فيها الدعوة، وأقام حدود الله، ولعله أول داعية فيها إلى التشيع والولاء الخالص، نجد الثناء عليه عاطرا متواترا في " أمل الآمل " و
" رياض العلماء " و " روضات الجنات " و " الإجازة الكبرى " لحفيد السيد الجزائري، و " نجوم السماء " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " وغيرها من المعاجم. كان المترجم له من أكابر علماء العهد الصفوي، معاصرا للشيخ بهاء الدين العاملي (قدس سره) قرأ في تستر على المولى عبد الوحيد التستري. ومما يدل على غزارة علمه ونبوغه فيها كتبه الثمينة، وآثاره القيمة التي بلغت سبعة وتسعين كتابا ورسالة في شتى العلوم والفنون، ومنها: موسوعة " إحقاق الحق " الذي أوجب قتله واستشهاده، وهو كتاب كبير واسع غزير المادة يتدفق العلم من جوانبه، نقد فيه القاضي الفضل بن روزبهان في رده على آية الله العلامة الحلي في كتاب " نهج الحق وكشف الصدق "، رده فيه ردا منطقيا ببيان واف غير مستعص على الأفهام (1)، وكتاب " مجالس المؤمنين " في مشاهير رجال الشيعة من علماء وملوك وادباء وشعراء وعرفاء وغيرهم، وغيرها من الكتب المفيدة.
(1) وقد علق عليه واستدركه العلامة السيد المرعشي النجفي، وزاد عليه حتى أصبح يربو على خمسة وعشرين مجلدا ضخما، كل مجلد منها يحتوي على اكثر من ستمئة صفحة بالحجم الوزيري. (*)
[ 196 ]
يمم الشهيد القاضي التستري المرعشي الهند أيام السلطان أكبر شاه " المغولي " فأعجبه فضله، ولباقته، ولياقته، وعلمه، فقلده القضاء، وجعله قاضي القضاة، وقبله السيد وشرط أن يحكم فيه بمؤدى اجتهاده، غير أنه لا يخرج فيه عن فقه المذاهب الأربعة، فقبل السلطان منه ذلك، فكان يقضي ويفتي مطبقا له في كل قضية بأحد المذاهب الأربعة، غير أنه كان مؤدى اجتهاده، لأنه لم يكن ممن يرى انسداد باب الاجتهاد، وكان هو من أعاظم المجتهدين ممن منحوا النظر وملكة الاستنباط، وإنما كان يتحرى تطبيق حكمه بأحد المذاهب حذرا من شق العصا في
ظروفه المعاصرة، فاستقر له الأمر فطفق يقضي ويحكم، وينقض ويبرم، حتى قضى السلطان نحبه، وخلفه ابنه السلطان جهانگيز شاه (1) فسعى الحاسدون والوشاة إليه في أمر السيد المترجم بعدم التزامه بأحد المذاهب، فردهم السلطان بأنه شرط ذلك علينا يوم تقلد القضاء، ولا يثبت بهذا تشيعه فالتمسوا الحيلة في إثبات تشيعه. فقرر الوشاة إرسال أحد أتباعهم في أن يتتلمذ عنده ويظهر أمره الخفي، فالتزمه مدة حتى وقف على كتابه " مجالس المؤمنين " وأخذه من استاذه بإلحاح حتى استنسخه وعرضه على أصحابه، ووشوا به إلى السلطان، فلم يزل الحساد والوشاة والفتانون ينحتون له كل يوم ما يشين سمعته عند السلطان حتى تمكنوا من إثارة غضبه وأثبتوا عنده استحقاقه الحد كذبا وزورا، وأصدروا الحكم عليه بأن يجلد بالسياط بقدر محدود، ففوض ذلك إليهم، فبادر علماء السوء إلى ذلك حتى قضى المترجم السيد تحت السياط شهيدا على التشيع. في أكبر آباد عاصمة ملكه. وقيل: إن زبانية الحقد والسوء قتلوه في الطريق، إذ جردوه عن ثيابه وجلدوه بجرائد شائكة فتقطعت أعضاؤه وتناثرت به أشلاء النبوة، واريقت دماؤها، فلقي جده مضمخا بدمه.
(1) الذي بنا مقبرة تاج محل لزوجته ممتاز محل في اگرا - وقد زرت مدينة آگرا - وأكبر آباد، وغيرها من المدن الهندية، كما ذكرت تفصيل ذلك في ذكرياتي. (*)
[ 197 ]
وقبره بأكبر آباد، يزار ويتبرك به، وفي العصور الأخيرة اعيدت عمارة قبره مجددا. وله أشعار كثيرة بالفارسية والعربية. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا.
العلامة السيد محمد مؤمن ابن دوست محمد الاستر آبادي. نزيل مكة الشهيد في حرم الله ودار أمنه سنة 1088 ه، هو مجتمع الفضائل، وملتقى المكارم، لم يدع مأثرة إلا وحازها، ولا مفخرة إلا وهو ابن بجدتها، سبوق في حلبة العلم، لا يشق غباره، وبحر علم ضخم، وأما مقامه في التقى والورع فلا يكاد يبلغه الوصف مهما أبلغ القائل وأبدع. له رسالة في إثبات الرجعة، ورسالة في علم العروض، يروي عنه بالإجازة الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني، والعلامة المجلسي، وله إجازة منه. ويروي هو عن السيد نور الدين علي بن الحسين العاملي الموسوي، والسيد الشهيد زين العابدين الآنف ذكره، وهو صهر المولى محمد أمين الاستر آبادي. استشهد بمكة المكرمة سنة " 1088 ه " بعد ما اطلع سدنة البيت بتلويثه بالعذرة من كافر ألد، فشاع الخبر وأخذ مأخذه من الأهمية، وبلغ الاستياء من عامة الناس كل مبلغ - وحق له ذلك - وعقدت النوادي والمجتمعات للمفاوضة في الأمر، وتحرى الملحد الأكوع الذي جنت يداه الأثيمتان تلكم الجناية الفظيعة، واجتمع خاصة أهل مكة، وفيهم الشريف بركات، وقاضيها محمد ميرزا، فلم يهدهم الأخذ والرد إلى مرتكب لها، لكنما " قتل الخراصون " أوحت إليهم بواعثهم أن يقذفوا بها الإمامية من نزلاء مكه، وأظهروا الجزم به، وتقرر عندهم أن يقتل كل منهم من يصادف أي أحد من الشيعة بعد انفضاض المجلس، فدخل جماعة من الأتراك وبعض أهل مكة المسجد، فوجدوا فيه خمسة من القوم، منهم السيد
[ 198 ]
المترجم فقتلوهم، ثم قتلوا من وجدوا منهم في نواحي مكة. وكان شيخنا الحر العاملي - صاحب " الوسائل " - يومذاك بمكة وقد اطلع
على هواجس القوم وسوء نيتهم قبل ذلك، فأمر أصحابه بالتزام البيوت حتى تهدأ الفورة، وإذ وقعت الواقعة خشي على نفسه والتجأ إلى السيد موسى بن سليمان أحد أشراف مكه الحسنيين، فأخرجه مع رجاله إلى اليمن. نجد تفصيل حال المترجم في غير واحد من المعاجم، ك " الرياض " و " الأمل " و " خلاصة الأثر " و " نجوم السماء " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " و " قصص العلماء " و " وفيات الأعيان ". وهكذا تجد الاضطهاد والتعسف، يطارد شيعة آل محمد أينما حلوا وارتحلوا، منذ يوم السقيفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. العلامة المدرس أبو الفتح السيد نصر الله بن الحسين بن علي بن إسماعيل الحسيني الموسوي الحائري المعروف بالسيد الشهيد (1). ممن جمع الله سبحانه له الحسنيين، السعادة بالعلم والتقى، والشهادة دون ما يحب الله ويرضى، فهو عالم، فقيه، محدث، أديب، شاعر. وفي " الإجازة الكبرى " للسيد عبد الله حفيد السيد نعمة الله الجزائري، تقريض طويل منه: وكان يدرس " الاستبصار " في مشهد الرضا وقم المقدسة، ويجتمع في درسه جم غفير وجمع كثير من الطلبة وغيرهم، لحسن منطقه. وكان حريصا على جمع الكتب، موفقا في تحصيلها، وقال: حدثني أنه اشترى في اصفهان زيادة على ألف كتاب صفقة واحدة بثمن بخس دراهم معدودة. وقال: ولما سار المترجم إلى مشهد الرضا (عليه السلام) حصلت بينه وبين المولى رفيع
(1) ذكر غير واحد من المعاجم إن نسبه متصل إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). (*)
[ 199 ]
الدين الجيلاني المقيم في مشهد منافرة انتهت إلى الهجرة والقطيعة، فرجع السيد إلى موطنه (1) ورأيته هناك عام تشرفت بالزيارة، وهو سنة ثلاث وخمسين ومائة بعد الألف " 1153 ه ". ولما دخل سلطان العجم " نادر شاه " المشاهد المشرفة في المرة الثانية وتقرب إليه السيد، أرسله بهدايا وتحف إلى الكعبة، فأتى البصرة ومشى إليها من طريق نجد، وأوصل الهدايا، وأتى عليه الأمر بالشخوص سفيرا إلى سلطان الروم (2) لمصالح تتعلق بأمور الملك والملة، فلما وصل القسطنطينية وشي به إلى السلطان، بفساد المذهب، وأمور اخرى، فاحضر واستشهد، وقد تجاوز عمره الخمسين عاما رحمه الله. وله مؤلفات ومصنفات كثيرة، وفي " روض النصر " و " الروضات " و " المستدرك " و " الحصون المنيعة " و " وفيات الأعيان "، وغيرها جمل ضافية في الثناء عليه وترجمته، وفي بعضها: إن المترجم أرسله " نادر شاه " إلى السلطان محمود سنة 1154 ه فقتل. وله مشايخ كثيرون، يروي بالإجازة عنهم، ذكرهم صاحب " وفيات الأعيان " مفصلا. وله ديوان شعر رائق افتتحه، بهذه الارجوزة: بسم الذي علمنا بالقلم * من علم الإنسان ما لم يعلم قال الفقير للغني القادر * نجل الحسين بن علي الحائري مدرس الطف العظيم الجاه * الموسوي العبد نصر الله إلى آخر الارجوزة. كما له مخمسات لقصيدة الفرزدق في مدح الإمام السجاد المعروفة، والتي مطلعها:
(1) الظاهر أنه الحائر الحسيني - كربلاء. (2) الحكومة العثمانية - وكان سلطانها محمود الأول 1108 - 1168. (*)
[ 200 ]
يا سائلي أين حل الجود والكرم * عندي جواب إذا طلابه قدموا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم كما له أشعار مؤرخا فيها تذهيب القبة الشريفة المرتضوية والمنارتين، وصدر الإيوان الذهبي المقدس لحرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما أمر السلطان " نادر شاه " بتذهيبهما. وأشعار كثيرة أعرضنا عن ذكرها روما للاختصار. كما للمترجم تلامذة علماء أفاضل، وادباء كثيرون. فسلام عليه يوم ولد وبلغ وجاهد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. الفقيه الشيخ محمد العلامة الفقيه الشيخ محمد بن يوسف بن علي بن كنبار الضميري النعيمي البلادي، مولدا ومنشأ، ومسكنا. قال صاحب " لؤلؤة البحرين ": كان هذا الشيخ فقيها، عابدا، صالحا، ملازما لمصباح الشيخ (1) والعمل بما فيه، وله ديوان شعر حسن في مراثي أهل البيت (عليهم السلام) وله مقتل الحسين (عليه السلام)، وشعره بليغ نفيس. توفى في بلدة القطيف، فانه بعد أن كان فيها مضى إلى البحرين وهي في أيدي الخوارج، لضيق المعيشة في بلدة القطيف. فاتفق وقوع فتنة بين الخوارج، وعسكر العجم، وقتل جميع العجم، وجرح هذا الشيخ جروحا باهضة، ونقل إلى القطيف فبقي فيها أياما قليلة وتوفي (رحمه الله)، ودفن في مقبرة الحناكة.
وذلك في شهر ذي القعدة من سنة ثلاثين بعد المائة والألف هجري " 1130 ه ".
(1) المقصود به " مصباح الكفعمي " في الأدعية والزيارات والأوردة والأذكار. (*)
[ 201 ]
المولى علي بن محمد حسين الزنجاني العلامة الفقيه علي بن محمد حسين الزنجاني. من أجلاء حملة العلم والفضل، تخرج على السيد قوام الدين القزويني، شارح " الكافي ". فآب إلى زنجان مروجا وناشرا للأحكام، سالكا نهج الهداية والإرشاد والتهذيب، حتى استشهد رحمه الله تعالى سنة 1136 ه، وذلك عند هجوم الأتراك العثمانيين على ايران، وتواطئهم مع الروس على تقسيم بلادها، وحكم علماء القسطنطينية بكفر الشيعة، وأن بلادهم بلاد حرب، ووجوب قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم، على التفصيل المذكور في " المنتظم الناصري " (1). ولما اتصلت صولاتهم بنواحي زنجان خرج المترجم مع زرافات من الأهلين للدفاع، فالتقت الفئات في قرية " قمچقاي " من ارباض البلد، واحتدم القتال وانجلت الغبرة عن هذا القائد الكريم صريعا شهيدا، حمية على الدين، شهيد غيرة على المسلمين، شهيد وطنة وشهامة، شهيد نبل وزعامة. العلامة السيد هبة الله أبو البركات العلامة الفقيه السيد هبة الله أبو البركات ابن السيد صالح بن محمد بن إبراهيم حتى ينتهي نسبه إلى إبراهيم المجاب ابن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). في " بغية الراغبين " في ترجمة والد المترجم - العلامة السيد صالح - أنه أقام في العاملة إلى أن كان من أمر الحاكم أحمد باشا - الملقب ب " الجزار "، لكثرة ما
أهرق من الدماء - مع أهل هذه الديار مما كان تشمئز منه النفوس، حيث لج في غوايته، وأوغل في عمايته، وعمه في طغيانه، وأولع باستئصال العلماء، واجتثاث أرومة الامراء والرؤساء، فلاقوا منه عنتا شاقا، ورهقا شديدا.
(1) المنتظم الناصري ج 2 ص 229 - 231. (*)
[ 202 ]
ونصب للسيد حبائل غيه حتى وقع في زبيته، هو وشبله الشريف أبو البركات واسمه " هبة الله "، وكان من الفقهاء المجتهدين، فلاع " الجزار " قلب أبيه بقتله نصب عينه، وارمض بذلك جوانحه، ثم أخذ بكظم السيد وضيق عليه في لو مات " عكا " حتى فرج الله عنه، بتضرعه إلى الله عز وجل وابتهاله. فخرج هاربا إلى العراق سنة الف ومائة وسبع وتسعين " 1197 " لاجئا، فاستجار بحرم جده باب الحوائج إلى الله تعالى... الخ. السيد أحمد المقدس بن هاشم الشريف الطاهر السيد أحمد المقدس بن هاشم بن علوي عتيق الحسين (عليه السلام) ابن الحسين الغريفي المعروف " بالعلامة " - إلى أن ينتهي نسبه إلى السيد إبراهيم المجاب ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) - وهو شقيق العلامة الفقيه " السيد عبد الله البلاذري ". أما كيفية " شهادته "، فقد يمم زورة [ زيارة ] مراقد أجداده الطاهرين بالعراق، أئمة الهدى " صلوات الله عليهم " وعارضه اللصوص وقطاع الطرق، وهم يريدون سلبه وسلب عياله، فدافع السيد عن نفسه وعياله ورحله، وشد فيهم وثبت لهم، واحتدم بينه وبينهم القتال، فقتل منهم اناسا حتى قتل هو وحليلته وابنه ودفنوا في نفس المكان، هو بشرقي " الديوانية " من مدن العراق المعروفة. وأظهر الله سبحانه على قبره الكرامات الباهرة، وعرف بشرفه القريب
والبعيد، وقد تصدى في سنة 1355 ه بعض أهل الخير والبر لبناء ضريح جديد على قبره. وقد أرخه الشيخ إبراهيم إطيمش النجفي بأبيات مطلعها: مقامك يابن حيدرة مقام * به الأملاك تنزل ثم تصعد تبين به المعاجز كل يوم * وضوء الشمس باد ليس يجحد
[ 203 ]
.. إلى أن قال: أضف عدد الأئمة ثم أرخ * (على أوج السماك ضريح أحمد) ويعرف المترجم اليوم على السنة العامة ب " الحمزة الشرقي "، لأن في غربي الديوانية مدفن وجيه الأصحاب وثقتهم، أبي يعلى حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن أبي الفضل العباس بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولأحمد بن هاشم قبر في قرية شفائه جنوب كربلا وقبره شاخص معلوم يزار وله كرامات وما ادري هل هو ؟ ! أم غيره. العلامة الورع المولى محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني، المعبر عنه بالشهيد الثالث طورا، وبالشهيد الرابع تارة. هو مثال الفقه والتقى، وأحد جهابذة الإسلام النابهين، وعلمائه المحققين، والأوحدي من المجاهدين. ولد في " برغان " من قرى الري، تخرج في بدء تحصيله على علماء قزوين ثم يمم قم المشرفة، وحضر فيها بحث العلامة المحقق الميرزا القمي، ثم هاجر إلى اصفهان وتخرج على علمائها، ثم هبط الحائر الحسيني، وحضر فيه بحث العلامة
صاحب " الرياض " وآب بعدها إلى قزوين، وتقلد فيها الزعامة الروحية. وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خشنا في ذات الله، لا تأخذه فيه لومة لائم وكان العلماء يزدلفون إلى منبره فيكتبون ما يلقيه إليهم من عظاته البالغة، وتحقيقاته العلمية. ولم يبرح ناشرا ألوية العلم، داعيا إلى سنن الهدى، حتى اتيحت له الشهادة وهو ساجد في محرابه، منقطعا للعبادة في مسجده عن عمر ناهز الثمانين عاما، يوم
[ 204 ]
تاهت الفئة الضالة البابية " البهائية " في غلوائها، وأقصت زبانية العبث والفساد ومهملجي نهمة الأطماع، لما لهم من مكاء وتصدية، فعاثوا في البلاد الفساد، وأزهقوا النفوس المحترمة، وأراقوا الدماء الزكية، وأبدوا من الهمجية ما تقشعر منها الجلود، وكان من ضحايا ثورتهم في قزوين شيخنا المترجم، لما أبداه من الفتوى بتكفير القوم ورده على ضلالهم على رؤوس الأشهاد، وكان ذلك يبهضهم ويفت في عضدهم. ولم يزالوا يتربصون به الدوائر، حتى أنه خرج في منتصف ليلة الواقعة - على عادته الجارية - إلى المسجد آخذا فيه بأطراف العبادة والتضرع والبكاء، ولما أزف الفجر دخل عليه المسجد لمة من الطغمة البابية، وهو يبتهل إلى المولى سبحانه بقراءة المناجاة الخامسة عشرة، وهو ساجد، طعنوه بالرمح على رقبته وثنوه بطعنة اخرى، فرفع رأسه من السجود وهو يقول: لم تقتلوني ؟ فأتته طعنة ثالثة على فمه الشريف، وأثخنوه بجراحات ثمان، فبادر - مع ذلك - إلى الخروج عن المسجد، حذار تلويثه بدمه الزكي، وإذ بلغ باب المسجد سقط على الأرض مغشيا عليه. ثم حمل إلى داره وقضى نحبه، بعد يومين، لم يتسن له فيهما الكلام، لمكان الجراح في فمه ولسانه، لكنه كان يتذكر عطش الإمام الحسين (عليه السلام) قتيل الطف
ويرخي له الدموع حتى استشهد على ذلك، وله اسوة حسنة بجده. وكان ذلك في سنة " 1264 ه "، ودفن بجوار البقعة المعروفة " شاهزاده حسين ". ورثاه العلامة الشيخ درويش بن علي بن الحسين البغدادي: فلا غرو في قتل التقي إذا قضى * قضى وهو محمود النقيبة والأصل له اسوة بالطهر حيدرة الرضا * وقاتله ضاهى ابن ملجم بالفعل ويروي عن استاذه العلامة صاحب " الرياض " والشيخ الأكبر كاشف الغطاء، وله كتب قيمة منها: " منهاج الاجتهاد في شرح شرائع الإسلام "،
[ 205 ]
ومصنفات كثيرة غيرها. وأما ذريته الطيبة، فمنهم: الفقيه ميرزا أبو القاسم الشهيدي، كانت له الرئاسة التامة في قزوين، والشيخ آقا محمد من تلامذة صاحب الجواهر، والعالم البارع آقا عبد الله انتهت إليه الرئاسة الروحية في قزوين، وغيرهم. فسلام عليه يوم ولد ودرس ودرس وجاهد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الشيخ محمد حسين الأعسم كان عالما فاضلا، ذا فهم وقاد، وذوق سليم، وفكر مستقيم، تتلمذ على مشايخ عصره، منهم: شيخ الطائفة المرتضى الأنصاري، وأخذ عنه جماعة، منهم: العلامة الشيخ عباس كاشف الغطاء. قتل في قرية من قرى الحله تسمى " حسكة " التي تسمى اليوم ب " الدغارة " يوم عاشوراء سنة " 1288 ه " وهو يقرأ " مقتل " الإمام الشهيد الحسين (عليه السلام)، قتله أحد الجنود على العهد التركي البائد، ونقلت جنازته إلى النجف
ودفن بها. و " آل الأعسم " من الاسر النجفية الشهيرة، أصلهم من قبائل الحجاز، وقد حمل كثير من رجال هذه الاسرة الكريمة أعباء الفضيلة، وشاركوا في العلوم، وحصلت لهم مكانة راسية في العلم والأدب، منهم من شغل منصة الزعامة على الامة. ونقتصر بذكر زعيم هذه الاسرة وفقيهها الكبير الشيخ محمد حسين: تخرج على السيد بحر العلوم، وله الرواية عنده، وبعده على الشيخ كاشف الغطاء، وله منظومات خمسة في الفقه. ومن شعره: مخمسا أبيات العلامة الشيخ حسين نجف: يا من العقل حار فيه وتاها * حار في وصف من به الله باها
[ 206 ]
إن يلمني العذول فيك سفاها * لم ألم فيك من دعاك إلها ودعا الناس للعلو اشتباها * إلى آخر خماسياته. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد في ذكرى يوم الشهداء، ويوم يبعث حيا. العالم البارع الشيخ إبراهيم ابن الشيخ نصر الله... ابن الشيخ فياض عطوة آل يحيى المخزومي العاملي، ويعرفون ب " آل صادق ". والمترجم أحد علماء هذا البيت الرفيع وأعيانه، أديب مبدع في الشعر، خرج من قريته " الخيام " لزيارة نبي الله يوشع بن نون، وفي أثناء الطريق هجم عليه عدة من الأعراب فقتلوه ظلما وعدوانا، وذلك في سنة " 1275 "، وأخذ بثأره أمير البلاد الزعيم الوائلي محمد بك الأسعد، فقتل عدة من القوم، كان يكتفهم
ويرميهم من أعلى جبل شاهق بالقرب من بلد الزعيم " الأسعد ". أبو المترجم الشيخ نصر الله عالم جليل، من أهل الفضل والأدب، له رد منظوم بليغ على النصيرية، توفي في قرية " عثرون " سنة 1183 ه. وجده العلامة الشيخ إبراهيم من تلامذة بحر العلوم، تلقى الأوليات من أبيه وهاجر الى اصبهان لطلب العلم، وآب عنها مزودا بإجازتي الرواية والاجتهاد، وأتت على تآليفه العلمية الجمة عادية فتنة الجزار، وفلت منها مجموع رائع يبلغ ألفي بيت في الاصولين، وهرب من الجزار إلى دمشق وتوفي فيها سنة " 1220 ه ". وله شعر كثير يعد في العلياء، منه: تخميسه ميمية أبي فراس الحمداني، ومطلعها: يا للرجال لجرح ليس يلتئم * عمر الزمان وداء ليس ينحسم
[ 207 ]
حتى متى أيها الأقوام والأمم * الحق مهتضم والدين مخترم وفئ آل رسول الله مقتسم فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. شهيد الطف الزعيم الكبير الفاضل السيد علي نقي ابن السيد محمد تقي ابن آية الله السيد بحر العلوم... إلى أن ينتهي نسبه إلى إبراهيم الملقب بطباطبا ابن إسماعيل ابن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). وللمترجم المنزلة السامية في الرئاسة والزعامة، امه كريمة العلامة السيد صاحب " الرياض "، وله أياد مشكورة على أهالي النجف الأشرف. قتل في كربلاء المشرفة في شهر رمضان سنة 1294 ه، فمضى شهيد الإصلاح والدعوة إلى الحق، حيث أصابه بعض الأشرار ببندقية وهو في مجلس حاشد
فأرداه قتيلا، وحمل نعشه إلى النجف الأشرف، وصار يومه يوما مشهودا. وقد رثاه الشعراء والادباء، فمنهم: الشيخ محمد سعيد الاسكافي، رثاه بقصيدة مطلعها: قبة العلم من أمال بناها * والمعالي من دك طود علاها ومن ابتز من قصي هماما * قد سما من ذرى العلى أقصاها إلى ختام القصيدة: كيف أدت أجر الرسالة فيما * فتكت فيه من عظيم اجتراها ويرى فتية الفواطم حسرى * كيف تنعى من آل طه فتاها وأعقب ولدين كريمين، زعيمين كبيرين، هما السيد هادي المتوفى سنة 1322 ه، والسيد محمد علي المتوفى 4 محرم 1355 ه، وامهما كريمة صاحب " الجواهر ".
[ 208 ]
العلامة الأكبر ميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن الغفار الدنبلي، الخوئي المولد والمسكن والمشهد، شهيد الثورة بدستورية فارس سنة " 1325 ه " المتولد سنة 1247 ه. هو في طليعة الراسخين في العلم، المتضلعين في الفنون، من فقه واصول وكلام، وحديث، وحكمة، وعرفان، ورجال، وأما الأخلاق فهو قدوة لذويها، وله مصنفات ومؤلفات عديدة تدل على ولائد أفكاره. حكى سيد الطائفة السيد الميرزا علي آقا الشيرازي: إن العلامة المترجم - الشيخ الخوئي - في إحدى وفداته الى الأعتاب المقدسة بالعراق، ضمته إحدى النوادي مع والده الإمام المجدد الشيرازي، فجرت مناظرة بينهما في فرع فقهي قد أفتى السيد فيه بوجه خالفه العلامة الخوئي فيه فافترقا على ذلك، ثم قفل الشيخ
الخوئي راجعا إلى الكاظمية، والإمام المجدد عطف على المسألة نظرة ثانية، كشفت لديه أن الحق مع مناظره العلامة الخوئي، وقد غادر سامراء، فأرسل من فوره إلى الكاظمية بريدا أن الحق معه، وأن السيد قد عدل عن نظرته الأولى. تخرج المترجم على شيخ الطائفة الأنصاري، وآية الله الكوهكمري، ويروي عن الشيخ مهدي النجفي، وغيرهم. لم يبرح كذلك يهب ويعطي، ويقيم عمد الدين، ويعظم شعائر الله حتى استشهد ب " خوي " في 6 شعبان من سنة 1325 ه وهو ابن 78 سنة، أودي بطلقات البنادق عليه في صحن داره، فمضى (رحمه الله) طاهرا من الدنس، شهيد دينه وهداه، فكان فقده الطامة الكبرى. وقد رثاه العلامة الأديب ميرزا محمد علي الاردوبادي بقوله: خطب ألم غداة جاء عظيما * فأصاب فيها الندب " إبراهيما " لله رزء هد أركان الهدى * فانصاع يرقل مقعدا ومقيما عصفت أعاصير الضلال بربعه * فالتاح تذروه الرياح هشيما
[ 209 ]
ما خلت أن الموت في لوح القضا * يمسي على كهف الأنام رقيما إلى ختام القصيدة التي تربو على الأربعين بيتا: لكنه القدر المتاح فيلتقي * ما إن ألم بهالك محتوما وسقى الحيا جدثا يقل من العلى * شخص الحقيقة والفخار سجوما وحملت جنازته بعد مدة من شهادته إلى النجف الأشرف، ودفنت في محل عينه لنفسه بمقربة من بقعة العلامة المولى علي ابن الحاج ميرزا خليل الطهراني. فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الحكيم ميرزا محمد باقر
ابن عبد المحسن بن سراج الدين الاصطباناتي الشيرازي، كان من أئمة المعقول، والفلسفة العالية، وعليه تخرج الاساتذة الفنيون فيها، له في علم الدين خطوات واسعة، وشوط بعيد. تخرج في اصفهان، فرجع إلى شيراز، ثم هاجر إلى سامراء مستفيدا من أبحاث الإمام المجدد الشيرازي، وأتم دراسته العالية، حتى قضى استاذه نحبه سنة 1312 ه، فيمم النجف الأشرف وأقام بها إلى سنة 1319 ه مدرسا ومفيدا، يفيض على طلابه من علمه الجم. ثم عرج على شيراز واشتهر أمره، وبعد صيته. له مؤلفات قيمة، استشهد بشيراز في شهر صفر 1326 في غضون الثورة الدستورية. قال في رثائه العلامة ميرزا محمد علي الاردوبادي قصيدة، مطلعها: هم رسى بالقلب والحناجر * مذ صوت الناعي بفقد " الباقر " عفت ربوع المجد إذ أودى فلم * تجد حماه غير رسم داثر
[ 210 ]
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة الشيخ فضل الله ابن المولى عباس النوري شهيد الثورة الدستورية بطهران في رجب سنة 1327 ه في فتنة " المشروطة والمستبدة ". كان أبوه من العلماء الأفاضل، وقد رثي بهذه القصيدة، التي مطلعها: أرى الموت إن وافى فلا يقبل الرشا * فكم طلل من ذاك اصبح موحشا وغاية مسعى العالمين إلى الردى * كما إن نور الشمس غايته العشا وهي تربو على الأربعين بيتا.
وذكره خاله العلامة النوري، ومدح استاذه الإمام المجدد الشيرازي. أما المترجم، فهو شيخ الإسلام والمسلمين، وعلم الدين، وزعيم روحي في طهران، كان يطفح الفضل من جوانبه، ويتدفق العلم من مجاري قلمه وكان ابن اخت العلامة النوري وصهره على كريمته. ولد سنة 1258 ه، وهاجر إلى النجف الأشرف، وقرأ على الفقيه الشيخ راضي ردحا من الزمن، ثم يمم سامراء مع خاله النوري بعد الإمام المجدد الشيرازي " سنة 1292 ه ". حضر المترجم بحث استاذه المجدد الشيرازي سنين وكتب تقرير درسه، وفي نيف وثلاثمائة بعد الألف قفل إلى طهران راجعا. ولم يبرح بها إماما، وقائدا روحيا، وزعيما دينيا يعظم شعائر الله، وينشر مآثر دينه، ويرفع أعلام الحق وكلمته حتى حكمت عليه بواعث العيث والفساد بشنقه، بعد ما جابه الإلحاد والمنكر زمنا طويلا، فمضى شهيدا بيد الظلم والعدوان، ضحية الدعوة إلى الله، ضحية الدين، ضحية النهي عن المنكر، في 13 رجب 1327 ه، ودفن في بلدة قم المقدسة.
[ 211 ]
له كتب دعاء، منها: " الصحيفة المهدوية " جمع فيها أدعية الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وشعر رائق، وقد رثاه الادباء والشعراء، منهم السيد شهاب الدين الرضوي بقصيدة مطلعها: لا زال من فضل الإله وجوده * جود يفيض على ثراك همولا روى عظامك وابل من سيبه * يعتاد لحدك بكرة وأصيلا وختاما: صلى الإله عليك من متصلب * متخشع صعب القياد ذلولا
كما رثاه العلامة ميرزا محمد علي الاردوبادي بقصيدة مطلعها: لقد أودى ب " فضل الله " خطب * شديد بطشه خشن القساء وقد ضاق الثرى عن بحر علم * تضمن لجه رحب الفضاء على الأعواد ذا ملك كريم * أم الانسان يعرج للسماء إلى آخر القصيدة، التي تربو على خمسة وأربعين بيتا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة السيد آقا مير الملقب ببحر العلوم، بن الحاج مير عبد الباقي الملقب بشريف العلماء الرشتي. قائد روحي، وزعيم علوي، وكان والده من أعيان علماء عصره، معروفا بحجة الاسلام، هاجر إلى النجف الأشرف، وتخرج على الشيخ حسن كاشف الغطاء وصاحب " الجواهر " وغيرهما، وأجازوه، وتوفي في بلدة قم المشرفة، ودفن فيها، وتزوج كريمة الفقيه السيد علي آل بحر العلوم صاحب كتاب " البرهان القاطع "، فأعقب منها المترجم في النجف الاشرف حدود سنة 1267 ه، ومن هنا عرف ببحر العلوم ولقب به، وفي صباه أخذه والده معه إلى رشت. ثم رجع المترجم إلى النجف الأشرف في حدود سنة 1281، وتزوج بكريمة
[ 212 ]
السيد حسين بحر العلوم، وقرأ المبادئ على الاستاذ الخراساني، وتخرج في الغايات على استاذه الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي، والشيخ هادي الطهراني. ثم آب إلى رشت سنة 1311، بعد ما برع في العلوم، وصنف كثيرا من تقريرات بحث استاذه فحصلت له الزعامة الدينية، ولم يؤثر فيها عمى على هدى، حتى قادته السعادة إلى زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتجديد العهد به، في شهر الله الحرام من سنة 1326 ه فجابهته بها كوارث ملمة ألجأته إلى مغادرة النجف الأشرف قبل
زيارة الغدير، فخرج منها خائفا يترقب، ميمما للأوبة إلى وطنه. فما أمهلته يد الغدر والهوى، حتى قبض عليه ليلا بمقربة من قزوين، وأودي بحياته صبيحة يوم الاحد 18 ربيع الثاني 1327 بطلقات نيران البنادق عليه، ودفن فيها، وقبره الآن معروف يزار. واستشهد معه بيد الغدر والجور والفساد نجله الأكبر السيد جواد (رحمهما الله). ورثاه العلامة الاردوبادي في قصيدة تربوا على الاربعين بيتا، ومطلعها: خطب ألم فأفجعا * الدين والدنيا معا والشر أطلع قرنه * وذري الحقيقة ضعضعا فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. العلامة البارع السيد محمد ابن السيد غفار ابن السيد عبد الله الخلخالي الارموي. من حاملي أعباء العلم والتقى، حاز على شرف نسبه العلوي، وثقة من أهل أرمية لا يستهان بها، ولم يأل جهدا في بث الحقائق الدينية، حتى قضى الله عليه بالشهادة. ولد في قرية " هشجين " من قرى خلخال، من أعمال " آذربيجان " سنة 1280 ه، فأخذ الأوليات عن والده، وكان من مبرزي علماء خلخال كوالده، ثم هاجر إلى زنجان بأمر والده، ونزل مدرسة السيد فتح الله، وقرأ الاصول والفقه ردحا على علمائها، ثم يمم طهران، وهبط مدرسة الصدر، وأكمل هناك دروسة، ثم
[ 213 ]
عرج إلى خلخال في حدود 1300 ه، لزيارة والده، وأقام بها مدة خمس سنوات. وفي حوالي سنة 1305 كاتبه عمه العلامة السيد الأمير جعفر من " ارمية " يطلب قدومه إليه، فلبى طلبه بإذن والده، وإذ اطمأنت به الدار لدى عمه، لقي من
الأهلين ما يستحقه من الحفاوة والتبجيل، وكان يؤم الناس في مسجدها ليلا، وفي جامع البلد الكبير نهارا. وفي سنة 1336 ه استولى الأرمن الاشوريون على تلك الديار، فعاثوا بها فسادا، وأهلكوا الحرث والنسل، وتركوا كثيرا من نواحيها يبابا. كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر وكان من ضحايا تلك الوقائع، سيدنا المترجم، ففي التاسع عشر من شهر رمضان، تسوروا عليه الدار، وهو في تعقيب صلاة الظهر فضربوه بعصاه ضربا عنيفا، فأوجس منهم الشر، واستمهلهم لصلاة العصر، فشرع فيها، فذبحوه في حال السجود. وبادر إلى جوار ربه من أقرب المواقف إليه " وهو في حال السجود "، ومثلوا به، وقطعوا أعضاءه، وارتكبوا فضائع لا طاقة لنا بذكرها. وأغاروا على داره، وتفرقت عائلته، وفي يوم العشرين من الشهر جاء لفيف من جيرانه مع عائلته، وجمعوا أشلاءه المقطعة الزكية ودفنوها في داره، ولم يتسن لهم إخراجها إلى الجبانة " المقبرة " لدفنه، خوفا من الأرمن. ثم بعد سنتين حملها ولده السيد عبد الله إلى قم المشرفة، ودفنها في جبانة " شيخان " قدس الله روحيهما، وجزاه عن الاسلام وأهله خيرا. فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد واستشهد، ويوم يبعث حيا. ولم يطل أمر الارمن حتى قلب عليهم الدهر ظهر المجن، بعيد ذلك، فأخذوا وقتلوا تقتيلا، وأضحت ديارهم بلاقع، فلعنة الله وملائكته عليهم أجمعين.
[ 214 ]
ملخص كتاب " سيرتنا وسنتنا " المقدمة:
* (ولله الحجة البالغة) * جاء في المقدمة الحديث حول العلماء ورجال الفكر والقادة من حملة العلم والفقاهة وما يعانونه من الشدائد والدواهي دون سعيهم وراء صالح الأمة، وإحيائهم لتراثها العلمي فترى أن في كل قرن توجد هناك شخصيات بارزة قيضهم الله تعالى لإعادة جدة الدين الحنيف، ومن هؤلاء العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي صاحب " الغدير " الأغر، فإنه كثير الترحل الى أرجاء العالم الإسلامي، وكأنه مدرسة سيارة تحوي صنوف علوم المذهب. وفي هذا الكتاب " سيرتنا وسنتنا " حديث رحلته الى سورية سنة 1384 ه، وكانت مدة رحلته أربعة أشهر وقد استفاد أبناء تلك الأمة العربية الكثير من علمه المتدفق، واقيمت له حفلات تكريمية كثيرة القيت فيها الكثير من الكلمات والقصائد. ومنها قصيدة للشيخ موسى شمس الدين في حلب، مطلعها: الى (الشهباء) جئنا لا لقصد * سوى تقبيل راحات الأميني وقصيدة للشيخ جواد التي القيت بالفوعة، مطلعها: سلام في صفا الماء النمير * وفي نشر الأزاهر في البكور
[ 215 ]
ومنها قصيدة للشاعر الحاج أحمد رشيد مندو، مطلعها: أخلاي هذا اليوم عيد مؤكد * وفيه بدا طير السرور يغرد ومنها: وفي كل قطر (للأميني) منبر * وجامعة من كل علم ومعهد وجاء كتاب للعلامة الأميني من الشيخ إبراهيم الحاج حسين الضرير رئيس جمعية الإعمار والإحسان بحلب - إضافة الى كتب أخرى كثيرة - وتضمن كتاب الشيخ إبراهيم وصف العلامة الأميني والثناء عليه، بعد السلام ووصف علمه
ومدى استفادة الحضور منه، ووصف تشريفه لبعض المناطق منها كفرية، الفوعة، معرة، مصرين - قرى محيط بحلب -، حلب، نبل، وختمها باسم الجمعية واسمه. " سيرتنا وسنتنا " وهذه محاضرة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي بسورية، وجاء فيها وصفه للإستفادة من مكتبات سورية التي تضم النفائس والنوادر، والمخطوطات بخطوط حفاظ الحديث، وأئمة الفقه والتفسير والعلوم الاخرى. وعن اتصاله بأساتذة الأدب ورجالها ذوي النفسيات الطيبة، وشكره لهم. ولما دار في مكتبة دار الكتب الوطنية بحلب بينه وبين استاذ جسيم بسيم - حسب وصف الشيخ - وكان إشكال الاستاذ هو: (غلو الشيعة في حب أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم علماء أمثالكم، لماذا ؟ والمسلمون كلهم عن بكرة أبيهم يحبون عليا وأولاده، ونحن أيضا نحبهم، ما هذه المآتم للعزاء، والدؤوب بالتأبين كل يوم ؟ ما سيرتهم هذه: حسين حسين ؟ ما هذا التعبد بتربته، والالتزام بالسجدة عليها ؟). وتحت عنوان " إليك البيان " تحدث الشيخ عن الحب والبغض وتواردهما
[ 216 ]
على الخواطر وإقبال النفس وإدبارها في الأشياء، وعن أصل تحققهما للبواعث والدواعي لهما الموجودة في الشئ. ووضح الذات الوحيد الذي يستأهل الحب أولا وبالذات قبل كل شئ إنما هو الله تبارك وتعالى، نظرا الى ذاته وأفعاله. ووضح - أيضا - صفات ونعم الله جل جلاله واستشهد ببعض الآيات من القرآن الكريم. ووضح كذلك اختلاف الناس في مراتب الحب لله على عدد رؤوسهم،
لاختلافهم في العلم وبواعثه. ومن أجلى أفراد تلك الفئة الصالحة عباد الله المخلصين مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد عرفه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديث الراية الصحيح الثابت المتواتر المتفق عليه. وبين ما يترتب على التحابب إذا تم بين الله والعبد. وكذلك تناول مدى أهمية حب الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل من آمن به وصدقه وأن يكون أكثر من نفس الانسان نفسه متعلقوه، كما جاء في الحديث الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". ويتلو حب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرتبة ويرادفه حب أهل بيته الطاهرين بحكم الكتاب والسنة والعقل والمنطق والاعتبار، وذكر أربعين حديثا حول ذلك. وتحت عنوان " فهلم معي واقض ما أنت قاض " أعطى بعض الأسباب التي توجب حب آل البيت (عليهم السلام) واستشهد ببعض الآيات من القرآن الكريم. ومن هذه الاسباب: 1 - انتسابه الى صاحب الرسالة الخاتمة (صلى الله عليه وآله وسلم) نسبا وصهرا. 2 - آية المودة في القربى، (سورة الشورى: 23). 3 - كونهم أعدال القرآن الكريم (حديث الثقلين). 4 - كونهم سفينة النجاة.
[ 217 ]
إضافة الى أحد عشر سببا ذكرها الشيخ. وتحت عنوان " إقرأ ثم إقرأ ": ذكر بعض الأحاديث المروية في كتب الصحاح وغيرها عن حب أهل البيت.
وتحت عنوان " فذلكة القول ": بين سماحته عدم الوقوف على حقيقة ما هم عليه - أهل البيت (عليهم السلام) - من الصفات، ومثل ذلك بقوله: (هل يسع للجاهل الأمي مثلا أن يعرف العلم وحقيقته ؟..). وبين - كذلك - النسبة بيننا وبين أهل البيت (عليهم السلام) في العلم، وكذلك بالإضافة للعلم الذي توصف به العترة الطاهرة، هناك صفات أخرى وإن بلغ ما بلغ، وبالغ فيها الواصف ما بالغ، فإنما هو واقف لدى حدود الإمكان لا محالة، ولا مماثلة ولا مشاكلة قط بينها وبين صفات الواجب تعالى. فمع هذه الفوارق اللازمة لصفات الممكن لا يتصور شئ من الشرك والغلو قط. نعم يتأتى الغلو بأحد أمرين: 1 - القول باتصافهم بما لم يجعل الله لهم، مثل الاعتقاد بالتفويض والتأله بهم. 2 - القول بنفي قيود الإمكان وسلبها عما فيهم من الصفات. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. هذا حبنا طبقا لسنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوافقها حتى قيد الشعرة، ويرادف العقل والمنطق الصحيح والعلم الناجع، ولا غلو فيه ولا تفريط، لو لم نك فرطنا منه في شئ وتحت عنوان " وأما حسيننا ومأتمه وكربلاؤه ": إن علم النبي الأقدس (صلى الله عليه وآله وسلم) بالملاحم والفتن، وما جرى على أهل بيته وعترته وذي قرباه وذويه قلة وكثرة من المصائب الهائلة وعلمه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا من شؤون ولايته الكبرى المطلقة، وهذه الحالة تقتضي أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
[ 218 ]
ناظرا طيلة حياته الى كل تلكم الحوادث والرزايا والمصائب الحالة بساحة أهل بيته وأعزائه وأفلاذ كبده. فمرة يلتزم عليا سيد عترته وابن عمه وأبا ولده... " وعن ابن عباس قال: خرجت أنا والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) في حيطان المدينة، فمررنا بحديقة فقال علي (عليه السلام): ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله ! فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، ثم أومأ بيده الى رأسه ولحيته، ثم بكى حتى علا بكاؤه. قيل: ما يبكيك ؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني " وجاء هذا الحديث في الفاظ أخرى. ومرة يضم (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا محمد الحسن السبط الى صدره ويقبله من فمه وسرته لما يتذكر بأن أحشاءه من فمه الى سرته ستقطع بالسم النقيع. ويضم الحسين السبط إليه ويشمه ويقبله ويقبل منه مواضع السيوف والرماح والطعون، ويخص من جوارحه بالقبلة شفتيه، علما منه بأنهما ستضربان بالقضيب أو يأخذ تربته - تربة كربلاء - ويشمها ويبكي، وفي لسانه ذكر مقتله ومصرعه وهو يقول: ريح كرب وبلاء. وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر الصديقة الطاهرة بأنها أسرع لحوقا به من أهل بيته يسرها هذا النبأ وتأنس به، وإن هو إلا لعلمها بأن حياة آل محمد حفت بالمكاره والقوارع والطامات، ماذا تصنع الزهراء بالحياة ؟ وهي ترى اباها (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته حليف الشجون، قد قضى حياته بعين عبرى، وقلب مكمد محزون. يقيم لحسينه السبط المأتم من لدن ولادته وهلم جرا يوم كان رضيعا وفطيما وفتيا، وقد اتخذ الله بيوت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار حزن وبكاء منذ ولد ريحانة رسول الله الحسين العزيز. وقد ورد في الكتاب عدة صور لمآتم الحسين في بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنها: مأتم الميلاد: أقيم هذا المأتم في أول ساعة من ولادة الشهيد المفدى. عن اسماء بنت عميس قالت: " قبلت جدتك فاطمة بالحسن والحسين، فلما
ولد الحسن - الحديث بطوله... الى قولها: - فلما ولد الحسين فجاءني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في
[ 219 ]
اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى، قالت أسماء: فقلت: فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟ قال على ابني هذا، قلت: إنه ولد الساعة، قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا، فإنها قريبة عهد بولادته ". وحول هذا الحديث يقول الشيخ الأميني: لعل هذا أول حفل تأبين أقيم للحسين الطهر الشهيد في الإسلام المقدس بدار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تسمع أذن الدنيا قبل هذا أن ينعقد لمولود - غير وليد الزهراء الصديقة - في بسيط الأرض مأتم حين ولدته أمه بدلا من حفل السرور والحبور والتباشير، ولم يقرع قط سمعا نبأ وليد ينعى به منذ استهلاله، بدل نشيد التهاني، ويذكر من أول ساعة في حياته حديث قتله ومقتله ومصرعه، ولم ينبئ التاريخ من لدن آدم الى الخاتم عن وليد يهدى الى أبيه عوض هدايا الأفراح تربة مذبحه حتى يتمكن من الحزن في أعماق قلبه، وحبة فؤاده، فكأن يوم ولادة الحسين له شأن خاص لدى الله العلي العظيم * (ذلك تقدير العزيز العليم) *. وجاء في أحاديث اخرى بأن جبرئيل (عليه السلام) أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن أمته ستقتل ابنه الحسين وأتاه بتربة من تربته حمراء. وكذلك ذكر في الكتاب مأتما في بيت السيدة أم سلمة أم المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام)، ومأتما آخر في بيت السيدة عائشة أم المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام)، ومآتم أخرى في بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان ما ذكر في الكتاب أكثر من عشرين مأتما أغلبها عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)،
وبعضها عن لسان علي (عليه السلام)، عندما كان ذاهبا الى معركة صفين، وجميعها تشير الى مقتل الامام الحسين في أرض كربلاء. وتحت عنوان وظائف وسنن: بين بعض الوظائف والسنن التي يتخذها المسلم الصحيح الصادق في التسنن بسنن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها:
[ 220 ]
1 - عد رزية أهل البيت الطاهر أعظم وأعظم من رزايا الأهل والولد. 2 - البكاء على رزايا أهل البيت مما مر به فتيان بني هاشم من أبناء السبطين الحسنين. 3 - البكاء على الحسين السبط يوم ميلاده، ومقتله، وعلل ذلك بما معناه: إن هذه الرزايا أبكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته، وأبكت أمهات المؤمنين والصحابة الأولين، ونغصت عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إضافة الى عدة امور أخرى ذكرها الشيخ الأميني بتوضيح موجز مثير للحزن والأسى، ومعبر عن مدى تعلق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحسين السبط. وكان كل هذا التوضيح على سؤال الاستاذ " الجسيم البسيم " الذي ذكرنا سؤاله في مقدمة التلخيص وآخر جواب لسماحة الشيخ على الفرع الأول من السؤال " هذا حسيننا ومأتمه وتربته وكربلاؤه... ". وتحت عنوان " السجدة وما يصح السجود عليه ": بين العلامة الأميني في هذا البحث: أن الواجب على المصلي المتسالم عليه لدى جميع الأمة المسلمة عن بكرة أبيهم أن يسجد على الارض " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " كما في الحديث الشريف، وقد أخذ الصحابة الأولون حصاة المسجد عند حرارتها في الظهائر وقاموا بتبريدها وتقليبها باليد.
وأما حين عدم تيسر السجود عليها والتمكن منه لحرارة قارصة، أو لإيجاب عذر آخر، فلا وازع - عندئذ - من السجود على غيرها، إذ الضرورات تبيح المحظورات. والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل والخمرة وأمثالها تسوغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس. وبين الشيخ فلسفة السجود على الارض، حيث قال: والأنسب بالسجدة التي إن هي إلا التصاغر والتذلل تجاه عظمة المولى سبحانه، وتجاه كبريائه، أن تتخذ الأرض لديها مسجدا يعفر المصلي بها خده
[ 221 ]
ويرغم أنفه، ليتذكر الساجد لله طينته الوضيعة الخسيسة التي خلق منها، وإليها يعود، ومنها يعاد تارة أخرى، حتى يتعظ بها... وقد ذكر جميع ما جاء في الصحاح الست، وغيرها من أمهات المسانيد والسنن من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة فيما يصح السجود عليه، وقد قسمها الى ثلاثة اقسام: بين في القسم الأول ما يدل على السجود على الأرض، وذكر في ذلك سبع عشرة رواية. وأما القسم الثاني فذكر فيه ما يصح من السجود على غير الأرض من دون عذر، وذكر في ذلك سبع روايات. وأما القسم الثالث ففي ما يصح من السجود على غير الأرض لعذر، وذكر في ذلك روايتين. وتحت عنوان " لفت نظر " بين سماحة الشيخ فيه أن النبي كان يتقي حرارة الأرض أو برودتها أو الطين - عند المطر - بجعل شئ تحت يديه ورجليه، ولم يشر
الى السجدة والجبهة واعتمد في ذلك على عدة روايات، منها لابن عباس، وأحمد، وابن ماجة، والشوكاني، وأم المؤمنين عائشة. وكذلك أكد في موجز تحت عنوان " القول الفصل " بأن القول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك، وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة، وأمر محدث غير مشرع، يخالف سنة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). وتحت عنوان " السجدة على تربة كربلاء ": إن الغاية المتوخاة منها للشيعة إنما هي تستند الى أصلين قويمين، وتتوقف على أمرين قيمين - حسب كلام العلامة الأميني (رحمه الله): أولهما: استحسان اتخاذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتيقن بطهارتها، من أي أرض أخذت، لا امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها، وإن
[ 222 ]
هو إلا كرعاية المصلي طهارة جسده وملبسه ومصلاه، يتخذ المسلم لنفسه صعيدا طيبا يسجد عليه في حله وترحاله، ولا سيما في السفر، إذ الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ويتخذها مسجدا لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وغيرها. فأي وازع من أن يحتاط المسلم في دينه، ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته، حذرا من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ. وقد قال في الأصل الثاني: إن قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي بعضها على بعض، وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها، وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه، مطرد بين الأمم طرا، ألا ترى ان المستقلات
والساحات والدوائر الرسمية والدور المضافة الى الحكومات وبالأخص ما ينسب منها الى البلاط الملكي، ويعرف باسم عاهل البلاد وشخصه، لها شأن خاص، وحكم ينفرد بها، يجب على الشعب رعايته، والجري على ما صدر فيها من قانون. فكذلك الأمر بالنسبة الى الاراضي والأبنية والديار المضافة المنسوبة الى الله تعالى، فإن لها شؤونا خاصة وأحكاما وطقوسا، ولوازم وروابط لا مناص ولابد لمن أسلم وجهه لله من أن يراعيها ويراقبها. وبعد شرح مفصل حول أفضلية بعض الأماكن كمساجد أو مدن أو بقاع وضح فضيلته تربة كربلاء المقدسة، ومبلغ انتسابها الى الله سبحانه وتعالى، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها، دنوا واقترابا من العلي الأعلى، فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله، وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه بل هي مثوى حبيبه وابن حبيبه، والداعي إليه، والدال عليه، والناهض له، والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه، والواضع دم مهجته في كفه تجاه إعلاء كلمته، ونشر توحيده، وتحكيم معالمه، وتوطيد طريقه وسبيله. فعلى هذين الأصلين نتخذ نحن من تربة كربلاء قطعا لمعا وأقراصا نسجد
[ 223 ]
عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة ومعلم السنه بها. وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا مما ألزمه المذهب، ولا يفرق أي أحد منهم - منذ أول يومها - بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم. وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا. وكانت كلمته الأخيرة هي:
هذا حبنا وهذا حسيننا، وهذا مأتمه، وهذه كربلاؤه، وهذه تربته، وهي مسجدنا، والله ربنا وسنتنا وسيرتنا سيرة نبينا وسنته ولله الحمد. وختم الكتاب بهاتين الآيتين من القرآن الكريم: * (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) * (1). * (وليعلم الذين أوتو العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وان الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) * (2). بعض الحكم من أقوال الشيخ الأميني: - الحب والبغض حلتان تتواردان على الخواطر، يعبر بهما عن إقبال النفس وميلها إلى الشئ، وعن إدبارها عنه. - الذات الوحيد الذي يستأهل الحب أولا وبالذات قبل كل شئ إنما هو الله تبارك وتعالى، نظرا إلى ذاته وأفعاله. - ولا يتأتى ذلك - يعني الحب لله - إلا بعد ما يوجد لدى العبد أيضا بواعث ودواعي يحبه الله بها. - أليس الأمثل والأفضل اتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله، وصيغت على سنة الله وولائه المحض الخالص ؟ !
(1) سورة المائدة 5: 84. (2) سورة الحج 22: 54. (*)
[ 224 ]
" كامل الزيارات " (1) تأليف: شيخ الطائفة أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، المتوفى سنة 367. كتاب صحيح السند، متواتر الروايات، نقله الثقات من علمائنا حتى اسند
إلى الأئمة الطاهرين - صلوات الله عليهم أجمعين - بعدة طرق، حتى بلغ أصحابها إلى ما يربو على الستمأة راو ثقة، وقد اجتاز حد التواتر. وقد حققه وصحح أسانيده، وعلق على أهم موارده سماحة العلامة الفذ الشيخ عبد الحسين الأميني، المتوفى سنة 1390 ه. كما قدم الكتاب العلامة الجليل الشيخ محمد علي الأردوبادي، وبين فيه ما يخص أهم جوانبه. الكتاب مبوب إلى مائة وثمانية أبواب (108)، جمع في كل باب ما يناسبه من الروايات والأحاديث الشريفة في حياة الأئمة الطاهرين، لا سيما في زيارة سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام). وقد تم الفراغ منه في اليوم العاشر من شهر شعبان المعظم سنة 1356 ه، وختم العلامة الأميني تحقيقه بهذه الكلمة: لقد تحرينا غاية الصحة في طبع هذا الكتاب القيم، بمقابلته مع نسخ عريقة في الصحه، منها: نسخة عتيقة مصححة بتصحيح العلامة ثقة الإسلام النوري.
[ 225 ]
ونسخة اخرى مكتوبة في أوائل القرن التاسع. وغيرهما من النسخ التي وقفنا عليها في العراق وإيران. ولم يقنعنا ذلك حتى راجعنا في تصحيح جميع ما في الكتاب إلى مصادرنا المعتمدة ك " الوسائل "، و " البحار " و " المستدرك "، وإلى كتب الرجال المعتبرة لأصحابنا - رضوان الله عليهم -. وعلقنا عليه ما لا غنية عنه للباحث. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا.
عبد الحسين الأميني التبريزي نزيل النجف الأشرف
[ 226 ]
ملخص تفسير فاتحة الكتاب شذرات من مقدمة الشيخ رضا الأميني للكتاب منها لم يكن بوسع اي عالم أو باحث في التعريف بكتاب الله العزيز ان يفيه حقه في البحث عن أية ناحية من نواحيه، وإن أوتي من البيان قسطه الأوفى، ومن العلوم حظه الأوفر. الى ان قال: ان كتاب الله الكريم ببلاغة بيانه، وفصاحة اسلوبه، حير عقول البلغاء وفطاحل اللغويين. " كما اخبر سبحانه وتعالى ": * (لان إجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * (1). وبما حوى من المعارف، والعلوم، والأسرار الكونية اثبت انه كلام الله الذي لا يبلى مع الجديدين، وانه اجل من ان يحيط بكنهه وصف الواصفين. * (كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * (2). والعترة الهادية اعلم الناس باسرار كتاب الله الحكيم بعد جدهم الطاهر وابيهم، " صلوات الله وسلامه عليهم " فهم منار الهدى وينابيع الإيمان واليقين وبيوتهم مهبط وحي الله المبين. قال ابن عباس: لقد اعطى علي بن ابي طالب تسعة اعشار العلم، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر (3).
وهذا التفسير " فاتحة الكتاب " هو باكورة تصانيف شيخنا الوالد " طاب ثراه " واولى خطواته في التأليف: انتهى... اسماء فاتحة الكتاب كثيرة منها، المثاني، وسبع المثاني، وام الكتاب، وام القرآن، وغيرها. وفي الخصال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " من قرأ فاتحة الكتاب اعطاه الله عزوجل بعدد كل آية نزلت من السماء ثواب تلاوتها " (1). وقد ترك - العلامة الأميني (قدس سره)، ثروة علمية ضخمة من التآليف والتحقيق في شتى الحقول والمواضيع الإسلامية من التفسير، والحديث والتاريخ، والعقائد، وغيرها، ومن بينها كتابه هذا " تفسير فاتحة الكتاب " فهو وإن صفر حجمه إلا ان مؤلفه اودع فيه بحوثا هامة، وجعله في فصلين تطرق في الفصل الأول الى تفسير السورة وهي حسبما مدون ادناه. 1 - اسماء السور. 2 - جامعة السور للعلوم القرانية. 3 - الشفاء بالفاتحة. أ - الاستشفاء بالفاتحة في الأمل بغير الله. ب - الاستشفاء بالفاتحة في الرياء. ج - الاستشفاء بالفاتحة في العجب. د - الاستشفاء بالفاتحة في الحقد والحسد. ه - الاستشفاء بالفاتحة في الشح والبخل. و - الاشتفاء بالفاتحة في الجبن. ز - الاستشفاء بالفاتحة في الأمل. واما في الفصل الثاني الى تحليل وبيان شئ من دقائق " فاتحة الكتاب " وتوضيح ما يستفاد من آياتها الكريمة، في التوحيد، والقضاء، والقدر، والجبر،
والتفويض، مستفيدا مما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الغر الميامين، وهذه البحوث التي تطرق إليها. 1 - لا جبر ولا تفويض، 2 - الأمر بين الأمرين، 3 - صفات الذات وصفات
(1) رواه الشيخ المجلسي في البحار ج 92 ص 258 عن جامع الاخبار. (*)
[ 228 ]
الفعل، 4 - العلم الإجمالي والتفصيلي، 5 - المشيئة الأزلية والمحدثة، 6 - المشيئة والارادة المحدثة، 7 - ارادة تكوين وتشريع، 8 - ارادة حتم وارادة اختيار. واضاف ولده الشيخ رضا الأميني فصلا ثالثا استدراكا للبحث والتعليق عليه الى البحوث التالية: - احاديث السبع المثاني. - حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شأن فاتحة الكتاب. - احاديث ام الكتاب. - احاديث ام القرآن. - تفسير سورة الفاتحة في حديث الامام العسكري (عليه السلام). - تفسير سورة فاتحة الكتاب في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام). - الصراط المستقيم هو امير المؤمنين. - مرض القلوب في روايات المعصومين. - أحاديث الايمان وأثره في الجوارح. - حديث قدسي في صلاح العباد. - حديث الامام الصادق (عليه السلام) في اثبات الصانع. - حديث المذهب الصحيح في التوحيد. - خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخليفة.
- احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) في التوحيد. - صفات الله في حديث الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). - حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في النهي عن وصف الله تعالى بصفة المخلوقين. - علم الله في احاديث المعصومين. - نفي التشبيه في حديث الإمام الرضا (عليه السلام). - بيان في الإرادة والمشيئة. هذا ملخص ما يحتويه " تفسير فاتحة الكتاب " للعلامة الاميني " طاب ثراه ".
[ 229 ]
تلخيص آداب الزائر لمن يمم الحائر قال الإمام الصادق (عليه السلام): إن الرجل منكم ليأخذ في جهازه ويتهيأ لزيارته (1)، فيتباشر به اهل السماء، فإذا خرج من باب منزله راكبا أو ماشيا وكل الله به أربعة آلاف ملك من الملائكة يصلون عليه حتى يوافي قبر الحسين (عليه السلام). وهذه مقتطفات من مقدمة الكتاب، وبعد: فان من الواضح ان كل وافد يلزمه رعاية آداب تناسب مقام من وفد إليه، وسنن تقربه منه وتزلفه لديه إذ الغاية الوحيدة من التزاور التحابب، ولا يتأتى المقصود إلا بالوقوف على اداب يحبذها المزور ويرغب فيها والتخلق بما تستدعيه شخصيته ويرتضيه، على اختلاف الاشخاص والمراتب والمقامات، فالوفود الى المولى سبحانه وتعالى بزيارة ابوابه المبتلى بها الناس لابد وان يكون على آداب يرتضيها هو سبحانه وعلى سنن يحبذها. وقد جاء في الحديث مسندا عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) تزورون (2) خير من أن لا تزورون، ولا تزورون خير من ان تزورون،
قال المفضل: قطعت ظهري ؟ ! قال (عليه السلام) تالله إن احدكم ليذهب الى قبر أبيه كئيبا حزينا، وتأتونه (3) أنتم بالسفر، كلا حتى تأتونه شعثا غبرا.
(1) أي قبر الحسين (عليه السلام). (2) أي قبر الحسين (عليه السلام). (3) أي قبر الحسين (عليه السلام). (*)
[ 230 ]
وفي زيارة عاشوراء بسندها القدسي في حديث " رواه شيخ الطائفة، والسيف في مصباحيهما قال صفوان: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) تعاهد هذه الزيارة (1) وادع بهذا الدعاء (2) وزر به فاني ضامن على الله لكل من زار بهذه الزيارة ودعا بهذا الدعاء، من قريب أو بعيد ان زيارته مقبولة، وسعيه مشكور، وسلامة واصل غير محجوب وحاجته مقضية من الله تعالى بالغا ما بلغت غير محجبة، يا صفوان وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن ابي وابي عن ابيه علي بن الحسين مضمونا بهذا الضمان، عن الحسين (عليه السلام) والحسين عن اخيه الحسن (عليه السلام) مضمونا بهذا الضمان، وأمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضمونا بهذا الضمان، ورسول الله عن جبرئيل (عليه السلام) مضمونا بهذا الضمان، وجبرئيل عن الله تعالى مضمونا بهذا الضمان، وقد آلى الله [ تعالى ] على نفسه عز وجل ان من زار الحسين بهذه الزيارة من قريب أو بعيد ودعا بهذا الدعاء قبلت منه زيارته وشفعته في مسئلته بالغا ما بلغت، واعطيته سؤله ثم لا ينقلب عني خائبا، واقلبه مسرورا قريرا عينه بقضاء حاجته والفوز بالجنة والعتق من النار، وشفعته في كل من يشفع له خلا ناصب لنا اهل البيت، آلى الله تعالى بذلك على نفسه، وأشهدنا بما شهدت به ملائكته ملكوته على ذلك، ثم قال جبرئيل يا رسول الله ان الله ارسلني اليك سرورا وبشرى لعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة وشيعتكم الى يوم القيامة، فدام سرورك،
وسرور علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة وشيعتكم الى يوم البعث. ثم قال صفوان: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا صفوان إذا حدث لك الى الله حاجة فزر بهذه الزيارة من حيث كنت وادع بهذا الدعاء وسل ربك حاجتك تأتيك من الله، والله غير مخلف وعده ورسوله بمنه، والحمد لله. هذه فضيلة زيارة عاشوراء ودعاء علقمة بضمانة الله سبحانه وتعالى وضمانة رسوله واهل بيته الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين.
(1) أي زيارة عاشوراء. (2) دعاء علقمة. (*)
[ 231 ]
وفي ختام كتابه قال العلامة الأميني (قدس سره): روى العلامة الفذ المولى شريف الشرواني في كتابه " الصدف " ج 2 ص 199 عن مشايخه الأجلة معنعنا عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) انه قال: من قرأ لعن زيارة عاشوراء المشهورة مرة واحدة، ثم قال: " اللهم العنهم جميعا " تسعا وتسعين مرة كان كمن قرئه مائة مرة. ومن قرأ سلامها مرة واحدة ثم قال: السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين، تسعا وتسعين مرة كان كمن قرئه مائة تامة من اولها الى آخرها. هذا ملخص ما كتبه العلامة الأميني في كتابه آداب الزائر لمن يمم الحائري. بضمان وثواب زيارة عاشوراء ودعاء العلقمي. هذا وفي الصفحات الآتية نستعرض بعض الرسائل التي كتبها العلامة الاميني بخطه الشريف ويراعه المبارك، باللغة الفارسية لبعض الشخصيات العلمية، وقد ترجمناها الى اللغة العربية، تعميما للفائدة، ونقدم أول رسالة باسم آية
الله العظمى شيخنا في الرواية أبو المعالي السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره) يعد ذكر نبذة من حياته الرائدة.
[ 232 ]
ترجمة حياة آية الله السيد المرعشي النجفي (1) آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي " قدست نفسه الزكية ". - ولد في النجف الأشرف 20 صفر من سنة 1315 هجري. - يتصل نسبه الشريف ب 33 واسطة الى مولانا الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهم السلام). - والده العلامة السيد محمود شمس الدين المرعشي، من علماء النجف الأشرف، وجده سيد الحكماء. رضوان الله عليهم. - تلقى دروسه في النجف الأشرف على فطاحل العلم والفضل امثال آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي نال درجة الاجتهاد مبكرا، وفي طهران وقم امثال مؤسس الحوز العلمية الآية العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري. - يعد من المدرسين العظام في حوزة قم الكبرى. - طبع اول رسالة عملية له " ذخيرة المعاد " سنة 1370 ه. - اشتهر بالورع والزهد والتقوى، والكرم حتى اصبح يضرب به المثل. - صنف وألف أكثر من مائة كتاب ورسالة في شتى العلوم والفنون، اهمها تعليقاته على كتاب احقاق الحق الذي طبع منه 24 مجلدا. - له مشاريع اسلامية اجتماعية وثقافية، انفق عليها مبالغ طائلة في تشيد مدارس علمية واهمها واعظمها مكتبته العامة في قم المشرفة والتي تعتبر من المكتبات العامة العالمية.
توفي ليلة الخميس 7 صفر سنة 1411 ه عن عمر ناهز 96 سنة ودفن رضوان الله عليه بجوار مكتبته العامة. عاش سعيدا ومات حميدا، فسلام عليه يوم ولد ويوم تعلم وعلم ويوم مات، ويوم يبعث حيا.
(1) من: " قبسات من حياة سيدنا الاستاد " للسيد عادل العلوي. (*)
[ 234 ]
3 شوال سنة 1380 ه. ق (1) جناب سيدنا الأجل سماحة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي المحترم. سيدي العزيز وتاج رأسي حياكم الله وبياكم (2). سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. يسعدني في هذا اليوم المبارك أن اكتب اليكم وأقدم التهاني والتبريكات الى جنابكم الأنور. وقد استعدت ذكراكم العطرة بوصول رسالتكم الكريمة. وسررت كثيرا بسلامة شخصكم المقدس، مع شكري الجزيل لألطافكم ومراحمكم. ودمتم علما للعلم والدين وقدوة حسنة وأسوة لأهلهما. إني بحمد الله وببركات أنفاسكم القدسية لا زلت مشغولا بالاستفادة وجنبي الثمار من الكنوز والينابيع العلمية في هذه الديار. وكنت قرابة الشهر في لكهنو، وسأسافر الى علي گر إن شاء الله تعالى يوم الخميس، ومن هناك الى رانبو وحيدرآباد، ومن المعلوم أن هذا السفر شاق ومتعب وفيه مشاكل من جهات اخرى، لهذا أرجو منكم كبير الرجاء أن تذكرونا بالدعاء الذي هو خير رأس مال. إن صحتي جيدة والحمد لله ومزاجي طيب، واطالع واكتب ما لا يقل عن عشر ساعات يوميا، وليس عندي مجال لإطالة رسالتي أكثر من هذا.
سوف احظى بزيارتكم عند عودتي الى إيران إن ابقاني الله حيا، وسوف اطلعكم على مستجدات الامور وقضايا الساعة التي لابد من الاطلاع عليها. مرة اخرى، ارجو منكم الدعاء، وإني أدعو لكم، واستودعكم الله تعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني
(1) بياكم: بمعنى جعل الله وجهكم نورانيا - ذكر ذلك العلامة المجلس في بحاره. (*)
[ 235 ]
ترجمة حياة آية الله السيد محمد هادي الميلاني آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني طاب ثراه علم من أعلام الامة ومرجع من كبار مراجع الطائفة. ولد في النجف الأشرف عام 1313 هجرية في اسرة عريقة في العلم والفضيلة، ونشأ في أجواء الفقاهة والتقى، حتى حضر عند مشاهير الاساتذة في الحوزة العلمية، كشيخ الشريعة الاصفهاني، والميرزا النائيني، والشيخ محمد حسين الاصفهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ محمد جواد البلاغي، ثم استقل بالتدريس والإفتاء، ورجع إليه طوائف من المؤمنين في البلاد المختلفة في التقليد. ثم إنه انتقل إلى كربلاء المقدسة بطلب من علمائها، فكان بها ردحا من الزمن، حتى هاجر إلى مشهد المقدسة في ايران، فاستقر هناك وجدد الحوزة العلمية بها، بتأسيس مدارس ومؤسسات علمية وتحقيقية وتخرج على يديه جماعة من الفضلاء، من أشهرهم:
1 - الشيخ الوحيد الخراساني. 2 - السيد يوسف الطباطبائي الحكيم. 3 - الشيخ محمد رضا المظفر. 4 - نجله السيد نور الدين الميلاني. 5 - السيد ابراهيم علم الهدى السبزواري. وترك آثارا علمية فائقة في مختلف العلوم والمجالات، منها: 1 - محاظرات في فقه الامامية، كتاب الزكاة والخمس، وصلاة المسافر، والبيه في مجلدات كثيرة. 2 - تفسير أجزاء من القرآن الكريم، طبع منه تفسير سورتي الجمعة والتغابن.
[ 236 ]
3 - تعليقات على كتاب (الهدى الى دين المصطفى) في الرد على النصارى، لشيخه البلاغي طاب ثراه. 4 - كتاب (قداتنا كيف نعرفهم) في ثمان مجلدات، وهو موسوعة بتراجم أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم ومناقبهم من كتب الفريقين. مشايخه في الحديث والرواة عنه: والسيد الميلاني يروي عن: 1 - السيد حسن الصدر، صاحب تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام. 2 - السيد عبد الحسين شرف الدين، صاحب المراجعات. 3 - الشيخ آغا برزگ الطهراني، صاحب الذريعة. 4 - السيد محم سعيد الهندي العبقاتي. 5 - الشيخ محمد تقي الجعفري التبريزي.
ويروي عنه كثير من الأعلام، نذكر منهم: 1 - نجله السيد نور الدين الميلاني. 2 - الشيخ مرتضى الحائري اليزدي. 3 - السيد مرتضى العسكري. قال الشيخ حرز الدين في كتاب معارف الرجال 3 / 265: " بلغ مرحلة الاجتهاد في العقد الثالث من عمره، وكان مولعا بالتدريس في النجف، ثم هاجر الى كربلاء، ولقي بها كمال الترحيب من أهلها والاقبال من أفاضلها، ثم فتح باب التدريس هناك على مصراعيه، وتخرج عليه جمهرة من الطلاب الافاضل. وفي سنة 1373 هجرية قصد زيارة الامام الرضا (عليه السلام) والتمسه أهل خراسان بإصرار وجوهها وفضلائها للبقاء عندهم، فاستجاب لطلبهم فأقام في خراسان، وكان (رحمه الله) العالم الموجه والمدرس البارع في علمي الفقه والاصول، والمبرز من
[ 237 ]
علماء خراسان في التقليد والفتيا والمرجعية والتدريس ". وتوفي (رحمه الله) يوم الجمعة، 30 رجب سنة 1395 ه عن عمر ناهز الثانية والثمانين ودفن في داخل الروضة الرضوية الطاهرة. فسلام عليه يوم ولد ويوم تعلم وعلم ويوم مات، ويوم يبعث حيا.
[ 239 ]
23 جمادي الاولى 1387 ه. ق (1) السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) المفدى. بسمه تعالى وله الحمد
جناب المقدس المستطاب سيد الطائفة والزعيم الاوحد الفذ الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية الشريفة. سلام مشتاق وتحية وامق ودعاء من يحمل لكم الولاء الخالص. تلقيت رسالتكم الكريمة، وسررت كثيرا لما بشرتني بسلامة وجودكم المقدس، وسألت الباري عز وجل أن يديم هذه النعمة العظيمة عليكم. إني عاجز عن وصف مقدار شوقي للثم وتقبيل العتبة الرضوية المقدسة، ولقاء سيدي المعظم، وإني متألم جدا لعدم توفيقي لهذا، وإن أملي بما لأنفاسكم القدسية من أثر في تلك الحضرة المقدسة بأن يكون التوفيق لي خير رفيق وأن أسعد بالفوز بالمرام. انني فقير إلى دعائكم بسبب انحراف صحتي، فالرجاء أن احظى بالدعوات الخالصة من تلك الذات المطهرة. ختاما، أسفي شديد وألمي لا حدود له لرحيل العالم الرباني والاخلاقي آية الله الشريف والصديق الشفيق السيد محمد جواد الطباطبائي " عنيكي " قدس الله روحه ونور ضريحه. وبهذا المناسبة أقدم أحر التعازي واسأل الله تعالى أن يلهم جميع الأحبة الصبر الكامل والاجر الجزيل. أحسن الله لكم العزاء وأجزل ثوابكم وأعظم أجركم وأدامكم الله نبراسا للعلم والدين وقدوة للصالحين. والسلام عليكم سيدنا... ورحمة الله وبركاته. عبد الحسين الأميني
[ 241 ]
مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة النجف الأشرف... العراق (1) 4 ربيع الاول 1388 ه. ق
السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا المفدى. السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. المحضر المقدس. جناب المستطاب سيد الطائفة ومرجع الامة من العترة الطاهرة الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية الشريفة. مع آلاف الاشواق للقائكم، ومع تقديم سلامي اليكم، اذكر خاطركم العطر عن انقطاعي عن مراسلتكم طوال المدة التي كنت في العراق. واعرب عن اسفي وشديد تألمي لذلك. وليس في اليد حيلة فذلك تقدير العزيز العليم. اود أن اخبركم عن صحتي في جواب برقيتكم، واشير إلى ان قلبي لم يسكن بعد، وأنا الآن في مقام أن اصدعكم بلساني القاصر، لأتكلم مع سيدي المعظم وابين له مدى اشتياقي الى ذلك الوجود السعيد، وإني أرجو كبير الرجاء منكم الدعاء، وأملي ورجائي ان لا احرم عن نفحاتكم القدسية، وتشملني بركات دعواتكم الصالحة، وإن منتهى أملي وعمدة مقاصدي أن يرزقني الله تعالى القوة والقدرة حتى اكمل بقية مجلدات الغدير ويتم نشره، ولا يبقى في منتصف الطريق، وتضيع اتعاب عمر كامل قضيته في تأليفه، فأجعلوني في همكم، واذكروني عند ربكم. دمتم للعلم والدين نبراسا والسلام عليكم وعلى الشبل الشريف ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني
[ 243 ]
بسم الله وله الحمد السلام على سيدنا الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا المفدى.
سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. حضرة المقدس المستطاب سيد الطائفة وفقيه العترة الهادية، الزعيم الشريف الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته السنية. مع تقديم السلام، اعلمكم بوصول رسالتكم الكريمة المباركة، وقد قرأتها مرات عديدة، وتنسمت رائحتها وقبلتها ووضعتها على عيني الدامعتين. كان اشتياقي للقائكم المقدس عظيما إلى الدرجة التي حينما يذكر اسمكم المقدس الذي هو زينة مجالسنا فإني لا أتمالك نفسي واجهش بالبكاء إلى أن تسكن حرقة القلب وتخمد نار الشوق. فهل يا ترى يمن الله تعالى بفضله العميم ويتلطف علي بحياة جديدة ويخلصني من فراش المرض لاجدد زيارتي لجنابكم ولازداد سرورا بلقاء ذلك السيد العزيز، وأزداد من فيض بركات الامام الرضا ثامن الحجج (عليه السلام). أود أن احيطكم علما بشديد تألمي عندما سمعت بمرضكم، وقد رفعت يدي بالدعاء إلى الله تعالى أن يشافيكم. وقد بشرني بحمد الله بعض الاخوة الذين حظوا بتقبيل اياديكم الكريمة بسلامة تلك الذات المطهرة، وعند وصول رسالتكم الشريفة اطمأننت وقر الله عيني. إن صحتي بحمد الله جيدة، وإن كان ولله الشكر قد حصل تغيير كلي في تشخيص أصل المرض إلا أن قدمي ما زالتا خارجتين عن ارادتي، إضافة إلى الآلام المستمرة التي لا زلت قابعا بسببها في زاوية من زوايا المستشفى. وإني أحمد الله تعالى وأشكره ألف مرة على توفيقه الذي جعلني قادرا على العمل عدة ساعات كل يوم في ترتيب بقية أجزاء الغدير (1)، وإني اطلب منكم
(1) وهي الأجزاء الثلاثة: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وقد شاهدت ذلك بنفسي عندما كان = (*)
[ 244 ]
الدعاء الي حتى استطيع إقامة بقية اجزائه ليطبع بشكل جيد. ابلغ سلامي وأشواقي الحارة الى قرة عيني، والى جميع الاخوة والاصدقاء راجيا منهم أن يمنوا علي ويحسنوا إلي بدعائهم ولا ينسوني من دعواتهم الصالحة. إن ولدي الحاج رضا يفتخر بتقبيل اياديكم والسلام عليكم ودمتم للعلم والدين علما هاديا وأسوة وقدوة للأمة المسلمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحقر عبد الحسين الأميني
= المرحوم يراجعها مع ولده الشيخ رضا وهو راقد في مستشفى آيار مهر - آنذاك - بطهران. عندما قصدت زيارته من بغداد وكانت الأخيرة. (المؤلف). (*)
[ 246 ]
(1) السلام على سيدنا الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا. سلام الله عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. المحضر النوراني جناب المستطاب سيد الطائفة وزعيمها العلم الأوحد الحاج السيد محمد هادي الميلاني دامت بركاته. عرضت لمحضركم المقدس تفصيل احوالي في رسالتي السابقة، وقصدت في جواب برقية ذلك السيد المعظم أن اتحدث مرة اخرى مع ذلك الوجود اللطيف لتحيا روحي ويفرح قلبي، واظهر لكم احوالي بصورة اجمالية حتى كأن ضميركم النير يراني. لا زلت منذ قرابة العشرين يوما تحت رعاية الاطباء في لندن، ولم أجد اية نتيجة ايجابية الى الآن. ولا زلت ميت القلب مضطرب الروح اقضي عمري في
زاوية أمر من السجن، حتى لقد نفذ صبري، واني عقدت كل آمالي بآثار الأدعية الصالحة لا غير. آمل أن يشملني الفضل والكرامة والرحمة الإلهية، وان اتخلص سريعا من هذا السجن القاتل، وأكون في الصيف المقبل بجوار تلك الحضرة الرضوية المقدسة ز أفديكم على الدوام، واسألكم الدعاء مقدما، وارجو إبلاغ سلامي الى الاعلام والحجج الكرام، وجميع الاحبة، سائلكم الدعاء ولا سيما عزيزي نجلكم الكبير أن لا ينساني من دعائه إن شاء الله. دمتم قدوة واسوة للعلم والدين وأهلها والسلام عليكم. عبد الحسين الأميني
[ 248 ]
وهذه رسالة العلامة الأميني (قدس سره) أرسلها من النجف الاشرف الى سماحة آية الله السيد حسين الخادمي في اصفهان، بتاريخ 10 شوال من سنة 1383 ه. ق (1). سلام الله عليكم أهل البيت ورحمته وبركاته. سيدنا الاجل حياكم الله وبياكم. دوما أطلب من المقام الأحدية صحة وعافيه ذلك الوجود المقدس أملي في ظل عناية وحماية وكفاية وكفالت الحق ان تصانوا من جميع البليات والعاهات وتكونوا ومن يلوذ بكم وأولادكم الكرام في سرور وفرح وصحة وسلامة. بحمد الله لا زلت متنعما بالحياة العارية وفي تمام الاوقات عند تشرفي للعتبة المقدسة بالخصوص كنت نائب الزيارة عنكم وادعو لكم ولا اتصور في تشرف واحد لم تكونوا معي ورجائي من جنابكم كذلك ان لا تحرموني عن دعواتكم ويكون لي حظ ونصيب من تلك الأدعية الصالحة وبركات الانفاس القدسية. بلغوا سلامي الى كل العائلة المجللة والاولاد الكرام واظهر دعائي في محضر
الحضرات العلام والحجيج والآيات لا سيما حضرة السيد الشفتي والسيد الاردكاني والسيد طيب والسيد شمس آبادي والسيد رجائي واخوكم شمس المحترم والسيد الحاج مهدي الواعظ الشريف وابلغهم سلامي ودعائي وزيارتي دمتم للعلم والدين متع الله بكم المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الاحقر عبد الحسين الأميني وهما حزبان سياسيان اسسهما الاستعمار البريطاني لتمزيق الامة الاسلامية، انطلاقا من سياسته الممقوقته " فرق تسد " ؟ ؟ ؟ الفكرة البهائية في صفوف الشيعة، والوهابية في صفوف السنة، فراجع تاريخهما لتعرف الحقيقة.
(1) وهو الذي دعا العلامة الأميني لاصفهان لالقاء محاضراته القيمة التي دامت حوالي الشهرين - بعد ان انحرف بعض شبابه الى البهائية والوهابية. (*)
[ 249 ]
من رسائل العلامة الأميني إلى المؤلف الشاكري تركت في ارشيف مكتبي في بغداد عندما غادرتها لسفرة قصيرة الى الكويت، مسانيد مهمة ورسائل عزيزة، وذكريات غالية، وردتني من شخصيات علمية وسياسية واقتصادية مرموقة، منها رسائل عديدة لسماحة آية الله العلامة الأميني... وما كان يدور في خلدي أن تطول السفرة الى هذه المدة. غير أن سماحة الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني النجل الأكبر لسماحة العلامة الأميني - كان محتفظا لي عنده بمسودة إحدى هذه الرسائل عندما كان في النجف، وها أنا أذكر نصه، إتماما للفائدة: عزيزي... الحاج حسين الشاكري...
سلاما وتحية أرجو أن تكون في خير وصحة وعافية، ونحن بحمد الله في أحسن حال، وصحتي جيدة، ولعل المولى سبحانه يمن علي بالتمكن من السير وراء " الغدير " وتهيئة بقية أجزائه، للنشر والطباعة، وهذه أمنيتي الوحيدة، وضالتي المنشودة، أرجو الله أن يحققها في العاجل دون الآجل. والفت نظرك الى بناية المكتبة الحديثة، فنحن - كما تعلمون - تعبنا سنين وأخذنا من المهندسين خرائط عدة، ولسنا بعد في حاجة الى مهندس لتهيئة خريطة جديدة، وإنما نحتاج الى تعيين الركائز والسقف وكيفيتها وسمكها، ويتمكن من هذا المعمار الفني الايراني الموجود في كربلاء " لورزاده " (1)، وقد تعهد بالقيام بهذه
(1) المهندس لورزاده - مهندس القصر في ايران - ومبعوث الشاه المقبور لدراسة المياه الجوفية، تحت المراقد المطهرة للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس بكربلاء، وذلك بين سنتي 1955 - 1956 م. (*)
[ 250 ]
الخدمة، كما يحكيه عنه الوجيه المحسن الحاج فرج موحدي (1)، الذي له يد عليا في تأسيس المكتبة، فوصى هو ولدنا الحاج الشيخ رضا، أن ينزل بكربلاء ويأتي بالمعمار حتى ينفذ ما يلزم به، واحسب أن المكتبة تستفيد جدا من خبراته. ولست أعرف سيركم بعدي وراء إنجاز العمل، وأسأل الله الخير وتقدير ما فيه الصلاح، وهو ولي التوفيق، وعليه التكلان. عبد الحسين الأميني النجفي وتأريخ الرسالة في منتصف الستينات الميلادية حوالي 1965 م = 1385 ه.
(1) المرحوم الحاج فرج موحدي أحد اعضاء هيئة التولية لمكتبة أمير المؤمنين العامة: تاجر وصناعي وصاحب أعمال خيرية جليلة في طهران. (*)
[ 251 ]
فصل من أقوال واطراء الشخصيات العلمية والاجتماعية كلمة الاستاذ المحامي توفيق الفكيكي البغدادي كانت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف على أهبة الاستعداد لإقامة حفل تكريمي لسماحة العلامة الاميني (قدس سره) في حياته وذلك في سنة 1376 ه = 1956 م، وقد جمعت المواد اللازمة واللائقة في حينه لهذا الغرض من نظم ونثر. غير ان حدوث بعض الظروف السياسية حالت دون ذلك. وكلمة الاستاذ الفكيكي هي واحدة من تلكم المواد. لقد جرت سنة الجمعيات الثقافية والمعاهد الجامعية والمجامع العلمية الأدبية في الغرب والشرق، على إقامة حفلات التكريم للنوابغ الأفذاذ، من عظماء الرجال الأبدال، أصحاب المواهب العلمية النادرة، والكفاءات الممتازة، والعبقريات الفائقة، إجلالا لشرف العلم والحكمة، وتمجيدا لروائع جهاد هؤلاء العباقرة، وتخليدا لمفاخر أمجادهم، وتقديرا لأعمالهم المجيدة ومآثرهم وآثارهم الخالدة. ومن وراء الجمعيات والمعاهد والجامعات، تقوم الحكومات الصالحة بدورها في المساهمة بما لديها من وسائل التمجيد والتخليد لاولئك الأبطال، من أحرار الفكر وأساطين المعرفة والفنون، فنراها تمنح المال الوفير - بكرم وسخاء - لتحقيق ما تقربه عيون العصاميين النابغين في حياتهم، ويحفزها واجب الوفاء لحرمة العلم والحكمة والنبوغ لصنع التماثيل بقصد تبجيل اللامعين النادرين ونصبها في الميادين العامة، بعد أن تخلع عليهم حلل المجد وأوسمة الفخار، اعترافا بفضلهم، ورمزا لعظمتهم الفكرية، ودرسا عمليا للاعتبار بسيرة هؤلاء الأبطال لأبناء الأجيال من بعدهم.
[ 252 ]
ولكن مهما بالغ الغرب في يقظته الفكرية ونهضته العلمية، في تكريم وتمجيد وتخليد العلماء والحكماء والادباء والشعراء وأصحاب الفنون الرائعة الخالدين، فلم يبلغ الى ما قرره الإسلام وخلفاء المسلمين وامراؤهم ورؤساؤهم، من تقديس العلماء وإعلاء شأنهم واحترام منزلتهم وتعظيم مكانتهم وتخليد سلطانهم، الى درجة كان يحسدهم ذوو التيجان وأرباب الصولجان. وقد نزل التنزيل بمدحهم، فقال تعالى: * (انما يخشى الله من عباده العلماء) *. وقد قرن شهادة أهل العلم وشهادة الملائكة المقربين بنفسه تعالى، على توحيده بالربوبية، فقال تعالى: * (شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم) *. وقد نفى الرسول الأعظم سمة الخير في غير العالم والمتعلم من امته، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا خير فيمن كان من امتي ليس بعالم ولا متعلم ". وقد جعلهم قادة الدنيا بعد الأنبياء، كما عدهم الامام الصادق (عليه السلام) من العظماء في ملكوت السماوات، " فقيل: تعلم لله واعمل لله وعلم لله ". وقال بعضهم: " إذا لم يكن العلماء أولياء الله في الأرض فليس فيها لله ولي ". وقد فسر بعض المفسرين " الزينة " في قوله تعالى: * (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) * بالأنبياء والعلماء. وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): " إذا مات مؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة سترا بينه وبين النار، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات ". * * * كان الكسائي يؤدب ابني الرشيد، فأراد يوما النهوض من عندهما، فابتدرا الى نعله ليقدماها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد
منهما فردا منها. فلما بلغ الخبر الى الرشيد، وجه الى الكسائي، فلما دخل عليه قال له: من أعز الناس ؟ قال: لا أعلم أعز من أمير المؤمنين ! قال: بلى ! إن أعز الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله وليا عهد المسلمين، حتى يرضى كل منهما أن يقدم له فردا منها. ثم قال الرشيد: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعيبا... وما
[ 253 ]
وضع ما فعلا من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما. وقال أبو معاوية الضرير - وكان من علماء الناس -: أكلت مع الرشيد يوما فصب على يدي الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية، أتدري من صب الماء على يدك ؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين ! قال: أنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا إجلالا للعلم ؟ قال: نعم. ولهذا قيل: العلم يوطئ المساكين بسط الملوك. وقال الأحنف: كل عز لم يؤيد بعلم فإلى ذل يصير. وقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب ؟ يقصد الحسن البصري. لقد أتينا بهذه الأدلة القرآنية الساطعة، والأحاديث النبوية الشريفة، والأخبار التأريخية، للاستشهاد على أن الاسلام قد نظر الى العلم والعلماء نظرة إكبار وتقديس. وأن المحلى بشرف العلم تحلى بأفضل فضائل الكمال، وأسمى نعوت الجمال، بل هو أجل الصفات الربوبية وأجمل السمات الالوهية، وهو سبب الوصول الى الحضرة القدسية والصعود الى افق الملائكة المقربين، وأن السعادة التامة الأبدية واللذة السرمدية لنور الله تعالى، لا يتيسران بدونه، وأن الغرائز البشرية مجبولة على تعظيم العلماء وتوقيرهم وطاعتهم واحترامهم. وفضل العلماء على الأنام بقدر فضل نفوسهم على أبدانهم، فتجب محبتهم وطاعتهم.
وقد أحسن من قال: إن العالم الحكيم، والد روحاني، رب بشري، وإحسانه إحسان الى ذلك، لأنه يربي على الفضيلة التامة، ويغذي بالحكمة البالغة، ويسوق الى الحياة الأبدية في النعيم السرمدي، وهو السبب في تنشئة الوجود العقلي، لهذا استحق أعلى مراتب التعظيم والتمجيد والاحترام. * * * أيها السادة ! في هذا اليوم السعيد الأغر، عقدت " جمعية الرابطة العلمية الأدبية " هذا الاجتماع المبارك، وهو أول احتفال يقام - باعتقادي - في هذا البلد المقدس، في
[ 254 ]
سبيل الغاية الشريفة التي اعتادت الجمعيات والجامعات العلمية العالمية على تمجيدها والإشادة بماثر الموهوبين من أهل الفضل والكمال، والاعتراف بما أسدوه للمجتمع من خدمات جليلة صادقة في مجالات المعرفة والإصلاح. * * * ومن عيون العلماء الذين نتشرف الآن بتكريمه، ويسعدنا الحظ بتبجيله، هو شيخنا السعيد العلامة الحجه الكبير (الأميني)، الذي ولد وترعرع في حجر امناء الشرع والفضلاء الأبرار، ودرج في مهد التقوى والقداسة، وفطم على الذكاء والنجابة، فحمدت عزائمه قبل أن علت تمائمه، وشب مشتملا على إبراد الشمائل وحسن المخائل، وما زالت محامده تنطبق بفواضله وليدا وناشئا، ومحاسنه صغيرا ويافعا حتى استكمل أسباب قوة الفضل قبل أن يتكامل سن الكهل، فكان عين الكمال وغرة العصر ونور المحافل وزين المجالس وكوكب قومه ومصيره اللامع. ولا عجب أنه جمع الفخر من أطرافه، فإن آل أمين الشرع - الذين ينتسب إليهم شيخنا الأجل الأميني - هم معدن المحامد والمكارم، ولهم في الفضل قديم وحديث،
وهو غوث الأنام، وفرسان الأدب والكلام، في خدمة حضارة الإسلام. ولا غرو أن يغمر فضله وهو نجل النوابغ، أو يغزر علمه وهو من فيض البحور الخضارم، وأن تشهد شواهد النباهة والعبقرية ل " نابغة النجف الأشرف " وعلم من أعلام تبريز، بالاعجاب والتبريز. سادتي الأجلاء ! إن سيرة الجهبذة الفهامة، الشيخ الأميني، الذائع الصيت، ترشدنا الى أن همته في خدمة المعارف المحمدية وعلوم أهل البيت وفنون أصحابهم العظماء، كانت أبعد من مناط الفرقد، فقد جاب في سبيل ذلك البلاد وركب الصعب والذلول، وتجشم الحزون والسهول، وعمل نفسه على مخاوف البحر وأخطار البر، وأنفق أوقاته وبذل راحته واستنفذ ساعاته وأيامه في معاناة الدرس والاطلاع والبحث والتنقيب، لا يستريح قلمه ولا تسكن حركته، ما يؤنسه من الوحشة إلا الدفاتر، ولا تصحبه في الوحدة إلا المحابر، يحرق فحم ليله في الاستقصاء، ويقضي
[ 255 ]
بياض نهاره في غربلة الآراء والانتقاء. ومن وقف على مراجع مؤلفات من آثار العلماء والباحثين، والمجاميع والدواوين، والرسائل والمتون والشروح والحواشي والتعاليق، يرى أنه قد بلغ في ذلك حيث لم تبلغ الآمال والهمم. وما كان الحبر العلامة بالنؤوم ولا بالسؤوم، وله مع كل صباح يد كالصباح وضوحا أو كالنهار ظهورا. ولأياديه البيضاء فيما صنفه وألفه من الآثار الجليلة المفيدة أطواق في أجياد الباحثين الأحرار. لقد أوغل - حفظه الله تعالى - في البحث، وأمعن في التنقيب والتدقيق عباب العلم، وغاص على أسراره، واستقرى دقائقه، ومحص حقائقه، وأحاط بأصوله وفروعه، وهو عالم فنه ونسيج وحده فيه - غير مدافع ولا منازع - حتى استضاء
طلاب المعارف بمشكاته، وهو في كل ذلك من بلغاء المنشئين، وأكابر المصنفين، ببيان ناصع، ورواية واسعة، لم يدع آبدة إلا قيدها، ولا شاردة إلا ردها. وقد نزه اسلوبه عن التعقيد والابهام والحشو والركاكة، وسلم من الناقد والحاسد، لأنه قد جمع الى الفهم الصحيح والأدب القوي القويم، الانسجام المطرد والسبك المحكم، بألفاظ درية، ومعان عسجدية المورد دانية القطوف. لقد قال الادباء: والاذن تعشق قبل العين أحيانا. وانا ممن أنعم الله - تعالى - عليهم بعشق العلامة الأمين الأميني وغمر قلبهم بحبه، فقد كنت أرتشف من منهله الصافي " شهداء الفضيلة " أو " فواضل الشهداء ". وهم شهداء العلم والحكمة والعرفان والأدب. ذلك الكتاب القيم الذي كان وقعه في نفسي كقميص يوسف في أجفان يعقوب (عليهما السلام)، وكان ظفري به كظفر المؤمنين بالنعيم. وإنه لتنسيك حلاوته حلاوة الأولاد، وطلاوته زهر الربيع وطلاوته. والحق أن كتاب " شهداء الفضيلة "، من أهم الكتب في تأريخ أحرار الفكر الإسلامي، بعد كتاب " مقاتل الطالبيين " الأبرار الذين قدموا أنفسهم الغالية
[ 256 ]
ضحايا وقرابين في سبيل المبدأ السامي وحرية العقيدة والايمان الصحيح. وفيه من الدروس الغوالي والعبر العالية، ما يغرس في النفوس الكرامة والاعتزاز وحب الموت والفناء في سبيل الله لنيل الخلود والحياة الأبدية، على أن سيرة اولئك الشهداء العظام كفيلة بإحياء أية امة قد ماتت فيها عناصر الخير وروح الفضيلة، واستكانت للذلة، واستسلمت للعبودية، بعد حياة الاستقلال والحرية، وانعدمت في نفوس أفرادها معاني الرجولة والصراحة في نصرة الحق والعدالة. أقول: إنها كفيلة بذلك، إذا ما نهجت الأمة على سيرة شهداء الفضيلة
العظماء، وسارت على محجتهم البيضاء. وبذلك يكثر فيها أشياع الحق وحماته، وأنصار دين الله وذادته، وحضنة الإسلام واعضاد العدل والاصلاح الاجتماعي العام، لا يسكتهم عن الباطل ارتقاء المشانق، ولا يفل عزيمتهم الإحراق والقتل ولا السم الزعاف، ولا تقعدهم عن صيحة الحق أغلال الدهاليز والسجون والمنافي والإبعاد والتشريد، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون. أما دائرة المعارف الكبرى، وهي كتاب " الغدير " - المنقطع النظير، والذي لم تأت بمثله الأوائل والأواخر - فكان مقطع الحق ومفصل الصواب وفصل الخطاب، فقد حاز استاذنا الحجة المفضال " الأميني " قصب السبق، وأحرز فوق النصال والمنال، واستولى على الأمد، ولا يتصل بعجاج قدمه، ولا يدرك شأوه، ولا يجري فرسان العلم والأدب في مضماره. فجرى في حلبته الى أبعد الغايات وأقصى المدى. وإن الجواد على أعراقه يجري. فقد حوى هذا السفر النفيس الخالد على شتى العلوم والمعارف والفنون، من تأريخ وفقه واصول ومنطق وكلام وفلسفة وأدب وجدل ونظر، مما تفصل به الحجة من الشبهة، وتنفي الشبهة عن الحجة، وقد لخصت فيه فوائد كل علم وفن أحسن تلخيص، وحررت مسائله أبدع تحرير، سديد المنهج، واضح المعالم، يتبارى معناه ولفظه الى الفهم قبل الاسماع. كيف لا ! ومؤلفه - دامت بركاته - نادرة وقته، ومن أكابر النقاد، ومن ذوي
[ 257 ]
البصائر النافذة والرويه الثاقبة، بصير بمواضع الحق، ومن مشاهير أهل الجدل وجله أصحاب النظر، فتراه في مدونته هذه قد جادل فحول العلماء، على اختلاف فرقهم ومذاهبهم وعصورهم، وناظرهم وناقشهم وحاجهم بالحجج السواطع القواطع الملزمة، والبينات النواصع اللوامع المسكتة، واستظهر عليهم بدليل العقل
والنقل، وأيد مذهب الحق بالنصوص الصريحة والبراهين السديدة، حتى أبكم الخصوم وقطعهم وقرعهم بالحق فدحض حجتهم، وزيف برهانهم، ورماهم بقاصمة الظهر، وألوى أعناقهم صاغرين. لله در القائل: ولم أر أمثال الرجال تفاوتا * الى المجد حتى عد ألف بواحد وهو في كل ذلك كان القاضي على محاكم المعقول والمنقول، وفيصل أحكامها العادل، قد حل دقائق الاشكال، وأزال علل المعضلات، برأي ثاقب، وفكر عميق، وحجة داحضة، وحكم قاطع. أما لغة الكتاب وفنونه البلاغية، فلا نغالي إذا قلنا بأنها كالروضة الأنيقة قد تفتحت أحداق وردها، أو كنسيم الحر هب على صفحات الزهر، تدفقت فيه جداول الفصاحة وغدران البلاغة، تدفق اليعبوب والغيث المنهم. والخلاصة، فهو كتاب جزيل المباحث، جم الفوائد، مشرق الدلالة، قد ارتفع عن مقام المتحدي والمستدرك. وقد بلغ ناظم دره وناثر لآلئ سمطه - بعين الإلهام والتوفيق - الغاية العليا والنهاية القصوى والغرض الأقصى، فلا غرو إذا ما ازدهت به مكتبات الدنيا، وازدانت به مجالس العلماء، وأنديتهم، وتفاخرت به خزانات الملوك وامراء البيان. أما المناهل العذاب الاخرى من مصنفات الحجه الأمين الأميني، والتي لم تشرق بعد في آفاق العلم والأدب، فلما تزل يد الأيام تبخل بها على طلاب المعرفة، وتتحكم بحرمانهم من نبراسها الساطع، ومن تلك التآليف المهمة: كتاب " الميثاق الأول " في تفسير قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم...) *.
[ 258 ]
وكتاب " انس الوحيد " في أحوال الكتب المخطوطة التي رآها في مختلف
البلاد والأصقاع. وكتاب " المقاصد العلية " في تفسير عده آيات من الكتاب الكريم. وكتاب " الأسماء الحسنى " فيما سمي به أمير المؤمنين (عليه السلام) في القرآن. وكتاب " التعاليق " على " رسائل " و " مكاسب " الشيخ الامام العظيم الأنصاري قدس الله تعالى روحه الشريفة. ونرجو الله تعالى أن يوفقنا الى الارتشاف والاغتراف من هذه المناهل الصافية والينابيع النميرة، والارتواء من رحقيها المختوم. وبعد، أيها السادة، فإن سيرة الأفاضل السعداء سيرة لذيذة بنفسها، لأن أفعالهم أبدا مختارة وممدوحة، فالأفعال الفاضلة والغايات التي ينتهى إليها بالفضائل لذيذة محبوبة، فسعادة العلم ألذ من كل شئ، وقد قالت الحكماء: " إن السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم، وفعلوا الأفعال التي تقتضيها الفضيلة ". وقال أرسطو: " ليس معرفة الفضائل كفاية، بل الكفاية في العمل بها ". ومن هذا نفهم معنى قوله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين) *. وقد رأينا كيف كانت سيرة شيخنا السعيد العلامة الأميني، فهي دائما سيرة العلماء السعداء، والحكماء الفضلاء، وأهل الكرامة النبهاء. وقد حاز - والحمد لله - مع نباهة شرفه وكرم أرومته، مزية أدبه وعلمه، وما ورث تلك المواريث الحميدة عن كلالة، ولا ظفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول هذا الفخر العظيم، كابرا عن كابر. أدامه الله تعالى وأمثاله من المصلحين، ذخرا للإسلام والمسلمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توفيق الفكيكي - بغداد
[ 259 ]
كلمة الاستاذ السيد حسن الأمين في تأبين العلامة الأميني (قدس سره) الهبة الكبرى إنساني لا حدود تحد بين المكبرين له إذا كان للفقيد الجليل، الشيخ عبد الحسين الأميني، مزايا عديدة جعلته موضع تقدير الناس واحترامهم، ودعت الى تخليد ذكراه والإشادة بسجاياه، وإذا احتفى به الناس كل من ناحية يراها جديرة بالحفاوة، فإنني احب أن أسجل له موقفا واحدا، هو عندي من أجل المواقف، لا في تأريخ مذهب معين أو دين معين أو بلدة معينة أو وطن معين، بل في تأريخ العلم كله وتأريخ الفكر كله... موقفا واحدا يجعل منه إنسانيا لا حدود تحد بين المكبرين له المشيدين به... هذا الموقف، هو أنه كان بطل إنشاء ما أسماه " مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة ". فمعلوم أن النجف الأشرف هي عاصمة من أكبر العواصم العلمية في العالم، التقى فيها - ولا يزال يلتقي - منذ عهد الشيخ الطوسي، ما لا يحصيه عد، من العلماء والمفكرين والشعراء والكتاب، عكفوا كلهم على العلم يتدارسونه، وعلى الفكر يناقشونه، وعلى الادب يطالعونه. وعلى توالي العصور كان يجب أن يكون في النجف خزانة كتب تتفق مع ما للنجف من أثر علمي وتراث فكري. ولم يقصر الأقدمون في ذلك، فقد حشدوا في النجف من الكتب ما وسعهم أن يحشدوا، حتى كان من ذلك مكتبة كبرى، نسبت الى " أمير المؤمنين "، كما حدثنا المحدثون الذين اطلعوا على بقايا تلك الكتب وعلى ما سلم من أيدي العابثين منها.
[ 260 ]
كان ذلك في العهود البعيدة، عهود تدوين الكتب باليد وخطها بالقلم، حيث لا طباعة ولا وسيلة لنشر الكتاب إلا أيدي الكاتبين وأقلامهم. وتتوالى العصور على النجف، تتوالى بكل أعاصيرها طورا وكل سكونها طورا، تتوالى وتتوالى معها الأيدي، حافظة تارة وعابثة أخرى - وما كان للنجف أن يصمد للعبث، ويد التخريب هي دائما أنجح من يد التعمير - حتى تمزقت المكتبة الكبيرة وذهبت، إما ركاما فوق ركام تأكلها الرطوبة ويبليها الإهمال، وإما استحلالا من المستحلين واستغلالا للمستغلين. وكان من العار أن يذهب الذاهب الى النجف، فيسأل عن مصادر العلم وموارد الكتب فلا يجد مصدرا عاما ولا موردا راهنا، لولا بقية من الحفظة العاملين، الذين أقاموا في دورهم مكتبات حافلة وخزانات عامرة، كانت لا تلبث أن تموت بموت جامعها وتتفرق ها هنا وها هنا. ولطالما عانيت حرجا حينما كان يلم بي الذاهبون الى النجف مستطلعين عن مكتبتها الكبرى، فلا أجد جوابا سوى أن احيلهم الى الأعلام من مقتني الكتب وحفاظها، فيتساءلون: أليس في النجف ما في مثيلاتها من دور الكتب ؟ ! كان ذلك قبل أن يهب شيخنا الأميني هبته الكبرى، ويطلق نداءه الصارخ... ومن العجيب أن أحدا قبله لم يفكر تفكيره القويم، ويسلك صراطه المستقيم. وعلى ما رأت النجف من أعلام، وما مر بها من عظام، لم تجد قبل الأميني مفكرا من هذا الطراز، يدرك بثاقب بصيرته حاجة النجف فيسدها. ومن هنا نستطيع أن نحس بعد نظر الأميني وعمق تفكيره وما كان له من انفتاح على شؤون الكون وحاجات الحياة، ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه لم يكن لمذهبه ولا لدينه ولا لبلدته ولا لموطنه فحسب، بل كان إنسانيا، يستغرق بجهده أرفع ما في الإنسانية من رفيع، وعالميا يستوعب أنبل ما في العالم من نبيل. وهل
يشارك العالم كله في شئ أنبل من مشاركته في تشييد نوادي الفكر وما تضمنه من علم جم وأدب ثر ؟ !
[ 261 ]
إن الشيخ الأميني يوم أقام " مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة "، إنما شارك في بناء زاوية من زوايا الحضارة العالمية، وساهم في إعلاء منارة من منارات الإنسانية، فالكتاب ملك للإنسانية حيثما كان الإنسان، وملك للحضارة أينما عاشت الحضارة. وليست مكتبة الإمام أمير المؤمنين - التي قامت بجهود الشيخ الأميني وجهاده - من هذه المكتبات المحدودة الاثر، وليست شيئا يقام مثله كل يوم، وليست مكتبة بالمفهوم الضيق لهذه الكلمة، بل هي - في واقعها - على أعلى المستويات العالمية من حيث محتوياتها ونظامها ومكانها وما اعد لها للحاضر والمستقبل. وما كان لغير الأميني أن ينجح في تشييد هذا الصرح العظيم، وأن يفوز بما فاز به من إقامة هذا النادي الكريم. وإنما نجح هو فيما نجح به وفاز بما فاز لأن الثقة الكبرى التي كان يتمتع بها كانت كفيلة بأن يسعى المخلصون للاستجابة إليه ووضع ما يريد بين يديه... وهيهات أن يكسب تلك الثقة إلا العاملون المخلصون والمجاهدون الصابرون... ولقد كان شيخنا الأميني واحدا من أبرزهم... بيروت - حسن الأمين
[ 262 ]
تقريظ وانتقاد كلمة لسليمان ظاهر، نشرتها مجلة العرفان - اللبنانية ج 5 - مجلد 33 ص 590.
كتاب أصدر منه مؤلفه العلامة البحاثة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي جزأين من سبعة أجزاء، تبلغ صفحات الجزء الأول 365، والثاني 354، وهما موشيان بشروح لغوية وجيزة وبيان ما يحتاج إلى البيان. وإليك تعريفه بهذا الكتاب المصدر به مما يغنينا عن الإطالة ببيان مضامينه المفيدة، حيث يقول: " الغدير في الكتاب والسنة والأدب " كتاب ديني، علمي، فني، تأريخي، أدبي، أخلاقي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، كتابا وسنة وأدبا. ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الإثارة من العلم وغيرهم في سبعة أجزاء. فالكتاب معلمة يأخذ منه بمقدار كل من له هوى في ناحية من النواحي المجتمعات فيه، فهو إن دل على شئ - وراء ما يقصد إليه المؤلف من إثبات النص يوم الغدير على إمامة علي (عليه السلام) - فقد دل على رغبة ملحة في الاستقصاء، وعلى جلد نادر في تتبع المظان والمصادر لكل ما يسمو بقيمة كتابه ويخرجه طرفة من طرف البحث العميق، وتحفة من تحف صبر العلماء على معاناة المباحث لتحقيق ما يهدفون إليه من غرض.
[ 263 ]
أما حديث يوم غدير خم وموقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه في حر الهاجرة بعد رجوعه من حجة الوداع خاطبا في الحجيج الزاخر كالبحر اللجي والسيل الآتي معرفا الجماهير في مكانة علي وولايته عليهم بعده، فحديث بالغ حد الاستفاضة من طريق فريقي السنة والشيعة، فلم تنفرد بروايته الشيعة، ولئن أنكره من غيرهم منكر فلم يدفع إنكاره تلك الاستفاضة وروى غير واحد ما أنشده حسان بن ثابت - شاعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام - قوله:
يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا وقال: فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك تماميا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار حق مواليا ويقول أبو تمام: ويوم الغدير استوضح الحق أهله * بفيحاء ما فيها حجاب ولا سر أقام رسول الله يدعوهم بها * ليقربهم عرف وينآهم نكر يمد بضبعيه ويعلم أنه * ولي ومولاكم فهل لكم خبر ولا أدل عليه ولا على مضمونه من توقف علي عن البيعة برهة ومبايعته بعد ذلك وقد اقتضتها مصلحة الإسلام وقيام أول الخلفاء بأعباء تلك المصلحة التي لا يهدف علي والخليفة القائم إلى سواها من غرض، ولا مجال بعد هذا الوفاق والاتفاق بين علي والخليفتين على ما تدعو إليه المصلحة الإسلامية إلى إنكار حدث وقع وحديث مستفيض، وإني لأرجو أن يكون لنا من اتفاقهم - وهم قدوة المسلمين - درس بليغ لاقتفاء آثارهم في هذا الاتفاق، مراعاة للمصلحة الإسلامية والاعتصام بعروة وحدتها الوثقى، وأن لا يكون لنا غرض من وراء هذه الأبحاث إلا محض الاعتبار والاقتداء بالسلف الصالح، وأن نضرب بعرض الجدار كل ما